القواعد الفقهية - ج1

- الشيخ ناصر مكارم الشيرازي المزيد...
554 /
11

-

12

مقدمة بعض مشاكلنا العلمية

لم تزل و لا تزال تفتخر الشيعة الإمامية بان مصادر علومه أهل بيت الوحي و ورثة علم النّبي (صلّى اللَّه عليه و آله) فعندهم من الأثر الصحيح ما لم يصل الى غيرهم، حيث أخذوها ممن صاحبه طول الليالي و الأيام، و صاحب سره و من ربي في حجره، أو ممن نشأ من بعده في بيته.

لكن لا تفتخر بهذا فحسب؛ بل تفتخر أيضا بأن أئمتهم (عليهم السلام)قد فتحوا عليهم باب الاجتهاد حينما أغلقه الآخرون على أنفسهم، فأمروهم بالنظر و التفكير في الأصول التي وصلت إليهم و استنباط فروعها منها، و في الفروع التي تحدث لهم و إرجاعها إلى أصولها، ليتبين لهم بذلك كل ما يحتاجون اليه من الأحكام الشرعية في جميع الحوادث الواقعة لهم.

و قد ندبهم ائمة أهل البيت (عليهم السلام) الى ذلك تارة بقولهم «أنتم اعرف الناس إذا عرفتم معاني كلامنا» (1) و اخرى بأن للّه على الناس حجتين: حجة ظاهره و حجة باطنة فأما الظاهرة فالرسل و الأنبياء و الأئمة و اما الباطنة فالعقول‏ (2) و ثالثة بتعليمهم طرق الجمع بين الاخبار المتعارضة، بالأخذ بالمجمع عليه و بعرضها على كتاب اللَّه و غير ذلك من المرجحات.

____________

(1) رواه في المجلد الثالث من الوسائل في الباب 9 من أبواب صفات القاضي.

(2) رواه في الكافي باب العقل و الجهل من المجلد الأول عن هشام بن الحكم عن- الكاظم (عليه السلام).

13

و رابعة بمثل قولهم «هذا باب ينفتح منه ألف باب» بعد الإشارة إلى قاعدة «الغلبة» و هي ان ما غلب اللَّه عليه فاللّه اولى بالعذر (1) و قولهم مشيرين الى بعض مسائل الوضوء: «هذا و أشباهه يعرف من كتاب اللَّه‏ وَ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ‏» (2) فحثوهم على الاستضائة بالكتاب العزيز و الأصول التي وردت في السنة، أكثر مما يعرفه الناس.

و سادسة بإبطالهم التصويب و إعلامهم بأن «للّه في كل واقعة حكما يشترك فيه العالم و الجاهل» (3) فمن أدركه فقد أصاب و الا فقد أخطأ، و «ان للمصيب اجرين و للمخطئ اجرا واحدا» (4) حتى يبذل الناظر غاية مجهوده في البحث و الفحص عن الأدلة ليصيب الأحكام الواقعية، و لا يكتفى بما وقف عليه بادي نظره، بزعمه ان المجتهد مصيب في رأيه، و ما انتهى اليه اجتهاده هو حكم اللَّه الواقعي في حقه، إلى غير ذلك من القرائن الكثيرة يطول المقام بذكرها.

و بهذه و بغيرها فتحوا علينا باب الاجتهاد، الذي هو رمز بقاء الدين و حافظ لنشاطه العلمي، و به يوجه الخطى نحو الكمال و بتقدم العلم الى الامام و يعلو الإسلام و لا يعلى عليه، أجل لا ينمو العلم و لا يربو- أى علم كان- الا تحت ضوء الاجتهاد.

و لذلك نرى فقهاء أهل البيت من أصحابنا قد أتوا بما لم يأت به الآخرون، من كتب‏

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب 3 من أبواب القضاء من المجلد الثاني.

(2) رواه في الوسائل في الباب 39 من أبواب الوضوء من المجلد الأول.

(3) هذه الرواية متواترة بالمعنى كما اعترف به المحققون من الأصحاب في باب التخطئة و التصويب فإنه تواترت الأخبار عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) بان «للّه في كل واقعة حكما بينه لنبيه و بينه النّبي (صلّى اللَّه عليه و آله) للأوصياء من بعده؛ فجميع الاحكام مخزونة عندهم حتى مثل أرش الخدش، و مضامينها و ان كانت مختلفة الا انها مشتركة في إفادة هذا المعنى.

(4) هذه الرواية من الروايات النبوية المشهورة، قال شيخنا الأجل في «الفصول» في باب التخطئة و التصويب: «ان الأمة قد تلقت هذه الرواية بالقبول».

14

قيمة كثيرة في مختلف أبواب الفقه و أصوله، و تلاحقت آرائهم العلمية و نظراتهم جيلا بعد جيل حتى انتهت الى يومنا هذا، فأخذ علوم الدين و لا سيما الفقه عندهم يتسع نطاقها كل يوم، فها نحن قد ورثنا اليوم من أصحابنا الأقدمين و علمائنا الأكابر المتأخرين مئات، لا بل آلاف من الكتب القيمة في الفقه و أصوله و الحديث و رجاله؛ بها تنكشف النقاب عن غوامض مسائلها، و تهدى رواه العلم الى مكنون حقائقها، فشكر اللَّه سعيهم و أجزل أجرهم. و جزاهم عنا و عن الإسلام خير الجزاء.

لكن مع الأسف! لكن مع الأسف لم يخل هذا النجاح العلمي العظيم عن نواقص لا يستهان بها، نشأت عن إفراط في بعض الجوانب و تفريط في آخر، حيث انا نرى اليوم مسائل كثيرة، لا تترتب عليها أية فائدة يعبأ بها، قد اختلطت بالمسائل النافعة، لا سيما في أصول الفقه، بل الفقه نفسه لم يخل منها.

و من العجب ان هذه المسائل تتزايد كل يوم، تحت عنوان بسط العلم و تحقيق الحقيقة؛ بما ينذر عن مستقبل مظلم!.

فنرى في «أصول الفقه» الذي هو من أهم أركان الاجتهاد و استنباط الأحكام الفرعية عن مداركها؛ مباحث لا طائل تحتها أصلا أو قليل الفائدة جدا، لا تليق بتلك الأبحاث الطويلة، كالبحث الطويل عن المعاني الحرفية، و بعض أبحاث المشتق، و بعض أبحاث مقدمة الواجب، و كثير من مباحث الانسداد، و البحث عما يرد على التعاريف من النقوض، مع اعترافهم بأنها تعاريف شرح اسمية لا حدود حقيقية.

و نرى في الفقه البحث عن فروع نادرة جدا، لو لم يكن الابتلاء بها محالا عادة، ككثير من فروع العلم الإجمالي التي تذكر في الفقه تارة و في الأصول أخرى، و كالبحث المشهور عن وجوب القسمة على النّبي (صلّى اللَّه عليه و آله) بين أزواجه و عن وظائف الإمام عند ظهوره؛ و حكم دمه و غيره، و كالبحث عن خلق الساعة، أي من خلق بالغا دفعتا، هل يحتاج الى الوضوء لصلوته أم لا، الى غير ذلك مما يطلع عليه الخبير في كثير من أبواب الفقه.

15

و من جانب آخر نريهم يعتنون بشأن الأقوال الشاذة، مهما كانت، و يتعبون أنفسهم بإيراد الإشكالات الكثيرة على كل واحد منها و لو كان ظاهر البطلان من غير حاجة الى إبطاله، و بتوضيح موارد النظر في ذيل كلام المخالف و صدره، و معناه و لفظه، و أصله و فرعه و لو كان أجنبيا عن تحقيق حكم المسألة.

و نراهم أيضا باحثين عن بعض مسائل أصول الفقه (اى ما يسمى أصولا و لعلها ليست بأصول!) شهرا أو شهورا عديدة ثمَّ يلتمسون ثمرة لها، من هنا و هناك، فقد لا يرى منها عين و لا اثر، فلما أعياهم الفحص يسكنون الى النذر و أشباهه و يرضون أنفسهم بظهور ثمرتها في النذور؛ و يقولون لعل ناذرا يبدو له و يقترح نذرا يرتبط بتلك المسألة، غفلة عن ان هذا الناذر المسكين يمكن ارتباط نذره باية مسألة من مسائل العلوم، فهل يرضى اللبيب بطرح جميعها في الأصول معتذرا بمثل هذا العذر؟

و اسوء من ذلك كله ما نراه من تغيير مجاري البحث في هذه العلوم و خلطها بغيرها فيستدل للمسائل الفقهية أو الأصولية باستدلالات لا يليق إيرادها إلا في المباحث الفلسفية، مع ان من الواضح ان كل علم يليق بطور من البحث لا يليق به الأخر فالفلسفة تدور على التدقيق و التعمق في الحقائق الكونية الخارجية و تدور استدلالاتها عليها؛ و اما الفقه و أصوله يدوران على أمور اعتبارية تشريعية و أمور عرفية و ضوابط جرت عليها سيرة العقلاء فيما بينهم، و كل من هذين يليق بطور من البحث لا يليق به الأخر، و لا شك ان تحريف كل منها عن موضعه لا يوجب الا بعدا و ضلالا من الحقيقة.

فصارت هذه الأمور و أمثالها تفنى برهة طويلة من أحسن أيام شباب طلاب العلم و شيئا كثيرا من نشاطهم العلمي و قواهم الفكرية، و تمنعهم عما هو أهم و أنفع. فأصبحت هذه المشكلة بلاء للعلم و اهله و لهذا- و لغيره- صارت ابحاثنا الفقهية اليوم تدور غالبا حول أبواب العبادات و شي‏ء طفيف من المعاملات و بقيت سائر المباحث القيمة متروكة مهجورة إلا عند الأوحدي من العلماء الأعلام نسأل اللَّه تعالى و نبتهل اليه سبحانه ان يبعث أقواما ذوي عزائم راسخة يقومون.

بأعباء هذا الأمر و يهذبون علوم الدين و ينفون عنها هذه الزوائد و يهدون طلاب العلم‏

16

الى سواء السبيل، و لست أنسي ان بعض أساتذة الكرام يرى ان التعرض لمثل هذه المسائل لا يخلو عن شبهات شرعية. و لعلها بملاحظة ما نرى من ان الإسلام اليوم في أشد الحاجة الى العلماء الذابين عن حوزته بعلومهم النافعة، فصرف الوقت في غيرها يمنع عن هذه المهمة.

و من العجب ان كثيرا من الباحثين مع علمهم بجميع هذه الأمور و قولهم في المجالس «كيت و كيت» إذا اشتغلوا بالبحث لا يملكون أنفسهم عن متابعة الباقين فلعلهم يحسبون عدم التعدي عن طورهم في سرد جميع هذه المباحث، اقتداء محمودا للسف الصالح (رضوان اللّه عليهم) فكأنهم نسوا طريقتهم في عدم الخضوع قبال أية مسألة من المسائل العلمية المنقولة عنهم الا بالدليل القطعي، لا ينظرون إلى القائل و لا يرون في هذا أية منافاة للاسوة الحسنة بهم و اقتفاء آثارهم قدس اللَّه أسرارهم فإذا كانوا يطالبوهم الدليل القاطع على آرائهم في تلك المسائل فكيف لا يطالبونهم الدليل على جعلها في عداد مسائل العلوم و في كيفية البحث عنها.

أو لعلهم يعتقدون بوجود فوائد علمية في هذه المباحث، و ان خلت عن «نتائج علمية» لكنهم نسوا ان فائدة هذه العلوم لا تظهر إلا في العمل، فما لا فائدة عملية فيه لا يستحق البحث، فان هذه العلوم ليست من العلوم التي تطلب لذاتها كالعلوم الباحثة عن توحيد اللَّه تعالى و صفاته و أسمائه.

أو لعلهم يزعمون ان مخالفة علمائنا الأكابر (رضوان اللّه عليهم) في هذه الأمور تمس كرامتهم و تضر بشأنهم؛ و لكن الحق ان الجمود على ما افادوه و ترك السعي في تهذيبها و تنقيحها و تكميلها أمس بكرامتهم و أضر بشأنهم، لأنه إضاعة لما راموه من اهداف العلم و تقدمه نحو الكمال. جزاهم اللَّه عن الدين و اهله خير الجزاء رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَ لِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وَ لا تَجْعَلْ فِي‏ صدورنا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ‏

17

موقف القواعد الفقهية بين الفقه و الأصول‏

من أهم ما يجب على الفقيه تحقيقه و البحث عنه هي «القواعد الفقهية» التي تكون ذريعة للوصول إلى أحكام كثيرة من أول الفقه الى آخره، و تبتنى عليها فروع هامة في شتى المباحث و الأبواب.

لكن- رغما لهذا الموقف- لم يبحث عنها بما يليق بها، و لم يود حقها من البحث. لا في الفقه و لا في أصوله، إلا شي‏ء طفيف منها. كقاعدة لا ضرر و بعض القواعد الأخر كقاعدة التجاوز و الفراغ التي وقع البحث عنها في بعض كتب المتأخرين من الأصوليين، بحثا تبعيا استطراديا؛ لا ذاتيا استقلاليا، فأصبحت هذه القواعد النفيسة كالمشردين لا تأوي دارا و لا تجد قرارا، لا تعد من الأصول و لا من الفقه، مع ان من حقها ان يفرد لها علم مستقل، كيف و نحن في حاجة شديدة منها في طيات كتب الفقه.

و غير خفي انه لا يمكن تنقيحها في ضمن الأبحاث الفقهية؛ لأن كل مسئلة منها يختص ببحث خاص كما ان كثيرا منها لا تمس المسائل الأصولية كي يبحث عنها في علم الأصول و لو استطرادا.

نعم قد قام شرذمة قليلون من متأخري الأصحاب بتأليف رسالات تحتوي على بعض تلك القواعد: منهم العالم الفاضل المولى محمد باقر اليزدي الحائري المتوفى قرب سنة الثلاثمائة بعد الالف، و المولى العلامة محمد جعفر الأسترابادي المتوفى سنة 1263 و سماه «مقاليد الجعفرية» و منهم السيد الأجل السيد محمد مهدي القزويني المتوفى سنة 1300 (1) و لكن مع الأسف لم يصل شي‏ء، من هذه الكتب إلينا و اما كتاب «القواعد» الذي صنفه شيخنا الأعظم الشهيد الأول قدس اللَّه نفسه فليس متمحضا في سرد القواعد الفقهية بل يحتوي على مسائل مختلفة فقهية من شتى الأبواب،

____________

(1) ذكرها العلامة الجليل محيي آثار الشيعة و مئاثرها الشيخ آغا بزرگ الطهراني في كتابه القيم «الذريعة الى تصانيف الشيعة».

18

و اخرى أصولية، بينما يرى فيه بعض المسائل الكلامية بل اللغوية أيضا، فهو بكتاب فقهي أشبه منه بغيره.

و كذا «تمهيد القواعد» للعلامة التحرير الشهيد الثاني فهو كما ذكر في مقدمته يحتوي على مائة قاعدة أصولية و ما يتفرع عليها من الاحكام و مائة قاعدة أدبية مع ما يناسبها من الفروع الشرعية، و اما كتاب «عوائد الأيام» في بيان قواعد الاحكام و مهمات مسائل الحلال و الحرام، الذي ألفه شيخنا المحقق النراقي (قدس سره)، فهو- كما يظهر من اسمه- و ان اشتمل على بعض القواعد الفقهية الا انها لا يستوعبها كما انه لا يختص بها؛ بل يعمها و غيرها.

فتحصل من ذلك كله انه لا يوجد في مؤلفاتنا تأليف يحتوي على تلك القواعد الهامة بأجمعها و يبحث عنها بحثا يليق بها، و لذلك لم يبق لي شك في ان القيام بهذه المهمة بجمع تلك القواعد في موسوعة مستقلة و البحث عنها بما يليق بها خدمة للعلم و اهله فقمت لها مع قلة البضاعة مستمدا من اللَّه التوفيق و الهداية، و ابتهل اليه سبحانه ان يبلغني مناي في إتمامه و ان يجعله ذخر الى و تذكرة لغيري انه خير ناصر و معين ثمَّ اعلم ان تلك القواعد الفقهية التي يستند إليها في مختلف أبواب الفقه و ان كانت كثيرة جدا إلا أنا نبحث في هذا الكتاب عن مهماتها و هي ثلثون قاعدة كما يلي:

1- قاعدة لا ضرر

2- قاعدة لا حرج‏

3- قاعدة الصحة

4- قاعدة القرعة

5- قاعدة التجاوز و الفراغ‏

6- قاعدة اليد (دلالتها على الملك و صحة التصرفات و ما يلحق بها

من الأحكام)

7- قاعدة الميسور (الميسور لا يسقط بالمعسور)

19

8- قاعدة لا تعاد (لا تعاد الصلاة الا من خمس إلخ)

9- قاعدة الجب (الإسلام يجب عما قبله).

10- قاعدة الإلزام (إلزام المخالفين بما ألزموا به أنفسهم)

11- قاعدة التقية

12- قاعدة حجية قول ذي اليد

13- قاعدة حجية قول العدل الواحد في الموضوعات‏

14- قاعدة حجية البينة

15- قاعدة الخراج بالضمان.

16- قاعدة الطهارة.

17- قاعدة تبعية العقود للقصود.

18- قاعدة الحيازة (من حاز ملك).

19- قاعدة السبق (من سبق الى ما لم يسبق إليه أحد فهو أحق به)

20- قاعدة التسلط (الناس مسلطون على أموالهم).

21- قاعدة الغرور (المغرور يرجع الى من غره)

22- قاعدة الإتلاف (من أتلف مال الغير فهو له ضامن).

23- قاعدة ضمان اليد (على اليد ما أخذت حتى تؤدى)

24- قاعدة الإقرار (من ملك شيئا ملك الإقرار به)

25- قاعدة عدم ضمان الأمين.

26- قاعدة ثبوت البينة على المدعى و اليمين على من أنكر

27- قاعدة ما يضمن و ما لا يضمن (ما يضمن بصحيحة يضمن بفاسده و بالعكس).

28- قاعدة التلف في زمن الخيار (التلف في زمن الخيار ممن لا خيار له)

29- قاعدة التلف قبل القبض (كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه)

30- قاعدة اللزوم في المعاملات (كل معاملة لازمة الا ما خرج بالدليل)

نبدأ بالأهم فالأهم و نجعلها في مجلدين إنشاء اللَّه تعالى و نراعي جانب‏

20

الاختصار في سرد المطالب و نقل الأقوال و لا نتعرض لها إلا إذا مست الحاجة إليها عند البحث، و نصرح بأساميهم و أسامي كتبهم التي ننقل عنها و نجتنب عن التكنى عنهم و عن كتبهم بما تداول في هذه الأيام، إلا إذا ادعت إليه الضرورة، حفظا لحقوقهم العظيمة و حرصا على درك الحقيقة، فلعل الناظر يراجع كلماتهم و يفهم منها غير ما فهمناه و يرى فيها رأيا أقرب الى الحق و الصواب. و قبل الشروع في البحث عن هذه القواعد لا بد لنا من تحقيق مرادنا من «القاعدة الفقهية» و طريق تمييزها عن «المسائل الأصولية» و «المسائل الفقهية».

ما هي القواعد الفقهية

قد اصطلح جمع من متأخري الأصوليين- كما يظهر من كلماتهم في مقامات مختلفة- على إطلاق هذا العنوان أعني «القاعدة الفقهية» على أحكام عامة ترتبط بكثير من المسائل الفقهية، و بما ان المقصود هنا بيان مرادهم منها و جهة افتراقها عن المسائل الأصولية و الفقهية و قبل ذلك لا بد من الإشارة إلى تعريف المسائل الأصولية و الفقهية إجمالا فنقول:

اما المسائل الأصولية

فقد ذكر و إلها تعاريف مختلفة لا يهمنا التعرض لها و لما قيل أو يمكن ان يقال فيها كيلا نخرج عن طور البحث الذي أشرنا إليه في المقدمة؛ فلنذكر ما هو الحق عند نافي المقام و ما يكون مقياسا لتشخيص المسائل الأصولية عن غيرها عند الشك في بعض مصاديقها، و لنقدم لذلك مقدمة و هي:

ان علم «أصول الفقه» في عصرنا الحاضر يشتمل على أنواع مختلفة من المسائل أحدهما ما يبحث فيها عن كليات ترتبط بدلالة الألفاظ الواقعة في الكتاب و السنة و معاقد الإجماعات؛ و يسمى «مباحث الألفاظ» ثانيها ما يبحث فيها عن حجية أدلة كثيرة و جواز الاستناد إليها في كشف الأحكام الشرعية و يسمى «باب الامارات و الأدلة الاجتهادية» ثالثها ما يبحث فيها عن وظيفة المكلف عند الشك في حكمه الواقعي مع عدم طريق اليه و هو بحث «الأصول العلمية» رابعها ما يبحث فيها عن حكم تعارض الأدلة الشرعية و طريق‏

21

علاجها و هو باب «التعادل و الترجيح» و خامسها أبحاث تدور حول «الاجتهاد و التقليد» و حجية قول المجتهد للعامي و حدودها و شرائطها فهي قسم من بحث الحجج الشرعية الا انها مخصوصة بالمقلدين، كما ان ما قبلها اعنى أبحاث التعادل و الترجيح ترجع إليها أيضا لأنها ترجع الى تعيين ما هي الحجة من الأدلة المتعارضة.

ثمَّ لا ريب ان علم الأصول لم يكن بادي الأمر مشتملا على عامة تلك الأبحاث كما يظهر بمراجعة كتب الأقدمين من الأصوليين؛ بل زيدت عليه تدريجا حتى بلغ ما نشاهده اليوم و لا شك في انا نرى نحوا من الارتباط بين هذه المسائل إجمالا بحيث لا يستنفر الطبع من جعلها علما واحدا منفردا بالتدوين، و هذا شي‏ء يظهر للناظر في أول نظره، كما انا نرى بينهما اشتراكا في الأثر و هو أنها تعطى الفقيه قدرة قريبة على كشف الأحكام الشرعية عن مداركها، و اشتراك جميع مسائلها في هذا الأثر أيضا مما لا ينكر؛ أضف الى ذلك انا نرى فرقا واضحا بين هذه المسائل و سائر العلوم التي يحتاج إليها في الفقه كعلمي الرجال و الحديث و اللغة و غيرها بحيث إذا عرض علينا بعض تلك المسائل لم نشك انها من الأصول أو ليست منها، كل ذلك معلوم بالوجدان.

و هذه الأمور، اعنى الارتباط الذي يوجد بين تلك المسائل، و اتحادها في الأثر الخاص؛ و تمايزها عن مسائل سائر العلوم، المعلوم بالوجدان إجمالا، كلها حاكية عن وجود نوع من الوحدة بين تلك المسائل يتجلى بأنحاء مختلفة و من الواضح ان جمع هذه المسائل المختلفة بهذا النحو و جعلها علما واحدا كما تصدى له جمع من المحققين و قرره الآخرون لم يكن صدفة و اتفاقا بل لم يحملهم على ذلك الا الربط الواقعي بينها.

فاذن لا يمكننا القول بخروج بعض هذه الأبحاث من المسائل الأصلية و عدها بحثا استطراديا كما ارتكبه كثير منهم، حتى جعل المحقق القمي (قدس سره) جل تلك المباحث الا ما شذ منها خارجا عن مسائل الأصول داخلا في مباديها، نظرا إلى انها ليست ابحاثا عن عوارض الأدلة الأربعة بل عن الأدلة بما هي أدلة. و ليت شعري إذا كانت عامة مباحث الألفاظ و جميع أبحاث الأدلة الاجتهادية و كذا الأصول العملية خارجة عن علم الأصول فأين هذا العلم الذي فرع الاسماع و ملأ الكتب و هل هو البحث عن أحوال تعارض‏

22

الدليلين فقط و ما الداعي إلى إخراج هذه المسائل المهمة عن علم الأصول؟ و يتلوه في الضعف قول من يرى دخول مباحث الألفاظ طرأ في مبادي هذا العلم، مع انها تقرب من نصف مسائل الأصول و لا يرى اى فرق بينها و بين غيرها من مسائلها فيما يرام من اهدافه فالحق ان تصحيح التعاريف التي ذكروها للأصول أهون من ارتكاب التفكيك بين تلك المسائل.

و التعريف الجامع بين عامة تلك المسائل و ما أشبهها، الحاكي عن الوحدة التي تتضمنها، هو ان يقال: «ان مسائل الأصول هي القواعد العامة الممهدة لحاجة الفقيه إليها في تشخيص الوظائف الكلية للمكلفين» فالمسائل الأصولية تمتاز عن غيرها من المسائل الفقهية و القواعد الفقهية و سائر العلوم بأمور:

أولها- انها ممهدة لحاجة الفقيه إليها في تشخيص وظائف المكلفين، و لهذا تمتاز عن العلوم الأدبية و أمثالها التي لا يستغنى عنها الفقيه، حيث لم تمهد لذلك كما انه يعلم منه ان البحث عن صيغة الأمر و مادتها و كذا المشتق و أمثاله أبحاث أصولية و ان كانت تشبه الأبحاث اللغوية و الأدبية، لأنها مهدت لحاجة الفقيه إليها.

ثانيها- ان نتائجها أحكام و وظائف كلية، فالبحث عن حجية الاستصحاب في الشبهات الموضوعية و كذا البراءة و الاحتياط الجاريتان فيها و ما شاكلها ليست ابحاثا أصولية لان نتائجها أحكام و وظائف شخصية.

ثالثها- انها لا تختص بباب دون باب و بموضوع معين دون آخر، بل تشمل جميع الموضوعات في جميع أبواب الفقه، مهما و جدلها مصداق، فان البحث عن هيئة الأمر و مادته و أبحاث العموم و الخصوص و كذلك أبحاث الأدلة الاجتهادية و الأصول العملية و احكام التعارض و غيرها لا يختص بموضوع دون آخر و بباب من أبواب الفقه دون باب و بهذا تمتاز عن القواعد الفقهية كما سيأتي شرحه إنشاء اللَّه و مما ذكرنا تعرف انه ليس من شرط المسألة الأصولية الوقوع في طريق استنباط الحكم، كما يظهر من غير واحد من الاعلام، و ذلك لان البحث في كثير من مسائله بحث عن نفس الحكم الشرعي لا عما يقع في طريق استنباطه، كالبحث عن‏

23

البراءة الشرعية في الشبهات الحكمية المستفادة من قوله (عليه السلام) «كل شي‏ء لك حلال» بناء أعلى شموله للشبهات الحكمية، فإن هذا البحث بحث عن حكم شرعي عام، و هو الإباحة، غاية الأمر انه لا يختص بباب دون باب و بموضوع دون آخر، بخلاف الاحكام المبحوث عنها في الفقه. و كذا الكلام في غير البراءة من الأصول العملية عقلية كانت أو شرعية، فإن ما اشتمل منها على حكم ظاهري شرعي كان البحث منه بحثا عن نفس الحكم الشرعي و اما في غيره فالبحث يدور مدار بيان وظيفة الشاك عند الحيرة و الشك على نحو كلى عام من دون اختصاص بباب دون باب و بموضوع دون آخر، كما هو شأن المسائل الفرعية.

و اما المسائل الفقهية

فهي «المسائل الباحثة عن الاحكام و الوظائف العملية الشرعية و ما يئول إليها و عن موضوعاتها الشرعية» فالمسائل الباحثة عن الأحكام الخمسة المشهورة، و كذا ما يبحث عن الأحكام الوضعية، و ما يبحث عن ماهية العبادات، و كذا البحث عن مثل الطهارة و النجاسة الثابتتين لموضوعات خاصة، مما يئول إلى الأحكام تكليفية أو وضعية تتعلق بأفعال المكلفين، كلها أبحاث فقهية داخلة فيما ذكرنا، كما ان البحث عن عبادات الصبي و سائر الاحكام التي تشمله أيضا كذلك، فموضوع المسألة الفقهية ليس خصوص الافعال، و لا أفعال المكلفين، لاستلزامه القول بالاستطراد في كثير من مسائله، كالابحاث المتعلقة بعبادات الصبي و سائر أفعاله، و كالمسائل الباحثة عن أحكام وضعية متعلقة بأعيان خارجية كأحكام المياه و المطهرات و النجاسات، و لا داعي إلى إخراجها من الفقه مع كثرتها، كما انه لا وجه لصرفها عن ظاهرها و إرجاعها إلى البحث عن أفعال المكلفين بالتعسف و التكلف‏

و من هنا تعرف ان القواعد الفقهية «هي أحكام عامة فقهية تجري في أبواب مختلفة» و موضوعاتها و ان كانت أخص من المسائل، الأصولية الا انها أعم من المسائل الفقهية. فهي كالبرازخ بين الأصول و الفقه، حيث انها إما تختص بعدة

24

من أبواب الفقه لا جميعها، كقاعدة الطهارة الجارية في أبواب الطهارة و النجاسة فقط، و قاعدة لا تعاد الجارية في أبواب الصلاة فحسب، و قاعدة ما يضمن و ما لا يضمن الجارية في أبواب المعاملات بالمعنى الأخص دون غيرها. و اما مختصة بموضوعات معينة خارجية و ان عمت أبواب الفقه كلها، كقاعدتي لا ضرر و لا حرج فإنهما و ان كانتا تجريان في جل أبواب الفقه أو كلها؛ إلا أنهما تدوران حول موضوعات خاصة، و هي الموضوعات الضررية و الحرجيّة.

و هذا بخلاف المسائل الأصولية فإنها اما لا تشتمل على حكم شرعي أصلا بل يكون واقعا في طريق استنباطه ككثير من مسائله؛ و اما تتضمن حكما عاما كالبراءة الشرعية الجارية فيما لا نص فيه على ما عرفت من غير اختصاص بموضوع دون آخر بل تجري في جميع الموضوعات إذا فقد فيها النص.

لا يقال: انها تختص أيضا بموضوع خاص و هو ما لا نص فيه، فانا نقول:

ان هذه الخصوصية ليست خصوصية خارجية من قبل ذات الموضوع، و انما هي خصوصية ناشئة من ملاحظة حكم الشرع كما لا يخفى على الخبير.

و الغرض من جميع ما ذكرنا في تعريف المسألة الأصولية و الفقهية و القاعدة الفقهية تشخيص حال بعض المسائل المتشابهة التي قد يقع البحث عنها، و انها من الأصول أو من القواعد الفقهية أو من الفقه نفسه. و من المعلوم ان تشخيص حال المسألة و اندراجها في كل واحد من العلوم له دخل تام في طور البحث عنها و كيفية استفادتها عن مباديها الخاصة، فإن كل واحد من هذه العلوم يمتاز بنوع من البحث لا يجري في غيره، كما أشرنا إليه في المقدمة فكن على بصيرة منها.

فائدة- قد اشتهر في السنة جماعة من الأصوليين أن المسائل الأصولية تنفع المجتهد دون المقلد

، بخلاف المسائل الفقهية فإنها تنفع المجتهد و المقلد كليهما، و قد يجعل هذا طريقا لتمييز المسألة الأصولية عن الفقهية.

و من نتائج هذا البحث- كما صرحوا به- هو ان تطبيق كبريات المسائل‏

25

الفقهية على مصاديقها الجزئية ليس من شأن الفقيه، بل عليه بيان الأحكام الفرعية الكلية الدائرة على موضوعاتها العامة و اما تشخيص مصاديقها و تطبيقها عليها عند الحاجة إليها فهو موكول الى المقلد، ليس للفقيه فيه نصيب أصلا- اللهم إلا في عمل نفسه.

و على هذا لو كان تشخيص المقلد في بعض الموضوعات مخالفا لمجتهده فليس قوله حجة في حقه، بل‏ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى‏ شاكِلَتِهِ‏.

و فيه اشكال واضح، فإنه مخالف لما استقر عليه ديدنهم في طيات كتب الفقه، فنراهم يكثرون البحث عن تشخيص المصاديق الخارجية و صدق العناوين العرفية الواردة في أدلة الأحكام الشرعية على مصاديق مشكوكة و عدم صدقها ثمَّ الإفتاء بما يستقر عليه أنظارهم.

فنراهم مثلا يبحثون عن «التغيير» الموجب لنجاسة الماء و انه صادق على التقديري حتى يحكم بنجاسة إذا تغير تقديرا أم لا؛ و عن الماء الذي نقص عن الكر بمقدار يسير ان إطلاق «الكر» عليه هل هو من باب المجاز و المسامحة أم حقيقة بنظر العرف حتى يجرى عليه احكام الكر؟ و كذا ما أشبهه من التحديدات الواردة في الشريعة، و عن الأحجار المأخوذة من المعادن، هل يصدق عليها عنوان «الأرض» الوارد في أبواب ما يصح السجود عليه حتى يصح السجود عليها أم لا؟ و انه هل يجوز السجود على قشور الفواكه مطلقا أو بعد انفصالها، نظر الى صدق عنوان «ما أكل» الوارد في اخبار الباب عليها أم لا؟. الى غير ذلك مما لا يحصى كثرة، فإن جميع ذلك في الحقيقة راجعة إلى تشخيص الموضوعات العرفية الخارجية؛ فلو لا ان هذه التطبيقات موكولة إلى نظر الفقيه لكان من الواجب الإفتاء بالكليات فقط بان يقال: الماء إذا تغير بالنجاسة نجس؛ و الكر طاهر مطهر، و يجب السجود على الأرض و ما خرج منها الا ما أكل و ليس، و يخلى بين المقلدين و بين مصاديق هذه الكبريات الكلية.

و السر في جريان سيرتهم في الفقه على ذلك ان ملاك التقليد- و هو لزوم رجوع الجاهل الى العالم- لا يختص بالأحكام الكلية، بل قد يحتاج تطبيق كثير من الموضوعات العرفية على مصاديقها إلى دقة في النظر و تعمق في الفكر، خارجة

26

عن قدرة العوام كالأمثلة المذكورة، فعليهم الرجوع فيها الى نظر المجتهد و رأيه؛ و المجتهد يرجع في تشخيصها الى ارتكاز اتهم المغفولة الموجودة في أعماق أذهانهم و أذهان جميع أهل العرف- و منهم مقلديه- فيستخرجها و بها يكشف صدق هذه العناوين على المصاديق المشكوكة و عدمه، فيفتى بمقتضاه. نعم في المفاهيم الواضحة التي لا فرق فيها بين المجتهد و العامي- كمفهوم الماء و الدم و أمثالهما- كل يرجع الى تشخيصه و ليس تشخيص واحد منهما حجة في حق غيره.

و منه يظهر وجه عدم جواز تفويض أمر الاستصحاب و غيره من الأصول العملية في الشبهات الموضوعية الى المقلدين مع انها ليست من المسائل الأصولية قطعا، و الوجه فيه ان تشخيص مجاريها و معارضاتها و الحاكم و المحكوم منها مما لا يقدر عليه العامي فهو جاهل بها و يجب عليه الرجوع الى العالم بها و قد عرفت ان رجوع الجاهل الى العالم لا يختص بالأحكام الكلية؛ بل يعمها و الموضوعات المشكلة و ما شاكلها لاتحاد ملاك الرجوع في الجميع.

أقسام القواعد الفقهية

تنقسم القواعد الفقهية إلى أقسام:

الأول- ما لا يختص بباب من الفقه دون باب‏

بل يجرى بحسب مدلوله في جل الأبواب أو كلها الا ان يمنع منه مانع، مثل قاعدة لا ضرر و قاعدة لا حرج و قاعدتي القرعة و الصحة على قول، و لنسمها «القواعد العامة».

الثاني- ما يختص بأبواب المعاملات بالمعنى الأخص و لا يجري في غيرها،

كقاعدة التلف في زمن الخيار؛ و قاعدة ما يضمن و ما لا يضمن، و قاعدة عدم ضمان الأمين و ما شابهها.

الثالث- ما يختص بأبواب العبادات،

كقاعدة لا تعاد، و قاعدة التجاوز و الفراغ على المعروف، و ما يضاهيهما.

الرابع- ما يجري في أبواب المعاملات بالمعنى الأعم‏

كقاعدة الطهارة و غيرها.

27

الخامس ما يعمل لكشف الموضوعات الخارجية الواقعة تحت أدلة الاحكام‏

مثل حجية البينة و حجية قول ذي اليد، و كفاية العدل الواحد في الموضوعات و عدمها فهي كالامارات التي يستند إليها في باب الاحكام و الفرق بينها و بين هذا القسم من القواعد الفقهية أنها تعمل لكشف الأحكام الكلية و هذه تعمل لكشف الموضوعات، الى غير ذلك من الاقسام. و الاولى ان نخص كل قسم من هذه الاقسام ببحث مستقل لما بين القواعد المندرجة تحت كل قسم من القرابة و المشاكلة الموجبة لتسهيل الأمر في إثباتها و درك حقائقها و حل مشكلاتها.

«و الحمد للَّه أولا و آخرا»

28

القاعدة الأولى قاعدة لا ضرر

هذه القاعدة من أشهر القواعد الفقهية، يستدل بها في جل أبواب الفقه من العبادات و المعاملات، بل هي المدرك الوحيد لكثير من المسائل؛ و لهذا أفردوها بالبحث و صنف فيها غير واحد من أعاظم المتأخرين رسالات مستقلة بينوا فيها حال القاعدة من حيث مدركها و معناها، و فروعها و نتائجها. منهم العلامة الأكبر شيخنا الأعظم الشيخ مرتضى الأنصاري قده؛ صنف فيها رسالة طبعت في ملحقات مكاسبه بعد ان تعرض لها استطرادا في فرائده ذيل قاعدة الاشتغال، و العلامة المحقق شيخ الشريعة الأصفهاني قده، و العلامة النحرير النائيني قده، و جعلها العلامة النراقي قده، العائدة الرابعة من «عوائده».

فبعضهم تقبّلها بقبول حسن و جعلها مدركا لكثير من الفروع الفقهية، و بعضهم خرّب بنيانها من القواعد و اعتقد بعدم إمكان الاعتماد عليها لإثبات شي‏ء من الفروع التي لا يوجد لها مدرك سواها، و بعضهم رآها حكما قضائيا يعتمد عليها في أبواب القضاء لا غير؛ بما سنتلو عليك منها ذكرا فهذه القاعدة تليق بالبحث و التفتيح التام لكي يتضح حال تلك الفروع الكثيرة المتفرعة عليها في الأبواب المختلفة من الفقه. فنقول- و من اللَّه جل ثنائه التوفيق و الهداية- ان الكلام فيها يقع في مقامات:

المقام الأول في مدركها

لا ريب في ان نفى الضرر و الضرار في الجملة من الأمور التي يستقل بها العقل، و يشهد له في مقامات خاصة آيات من الكتاب العزيز

29

قال اللَّه تعالى‏ لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَ لا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ‏ (1) نهى سبحانه عن إضرار الام بولدها بترك إرضاعه غيظا على أبيه لبعض الجهات، كما انه نهى عن إضرار الأب بولده بمنع رزقهن و كسوتهن بالمعروف مدة الرضاع، فيمتنعن عن إرضاع الولد، فيتضرر منه الولد، و هذا أظهر الاحتمالات في معنى الآية الشريفة، و يشهد له صدرها أيضا حيث قال سبحانه‏ «وَ الْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ وَ عَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَ كِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ» فإنه يشتمل على حكمين: حكم إرضاع الام حولين كاملين و حكم الإنفاق عليهن مدة الرضاع، و ذيل الاية متمم لهذين الحكمين فكأنه سبحانه قال: فان ابى أحدهما عن القيام بما هو وظيفة له- الأب من الإنفاق و الام من الإرضاع- فعلى الأخر ان لا تعامله بترك وظيفته فيضر بالولد من هذه الناحية، و يؤيده أيضا قوله تعالى‏ «وَ عَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ» كما لا يخفى، و على هذا يكون قوله‏ «لا يُضَارَّ» مبنيا للفاعل و الباء زائدة فإن المضارة تتعدى بنفسها.

و قد يذكر في معنى الآية احتمالات أخر مبتنية على كون‏ «لا تُضَارَّ» مبنيا للمفعول و الباء للسببية مثل ما ذكره الفاضل المقداد في «كنز العرفان في فقه القرآن» حيث قال: «قيل ان المراد ان لا يضار بالوالدة بأن يترك جماعها خوفا من الحمل و لا هي تمتنع من الجماع خوفا من الحمل فتضر بالأب روى عن الباقر و الصادق (عليهما السلام)» و على هذا المعنى، الآية تدل على نهى الأب عن الإضرار بالأم و بالعكس بسبب خوف الولد، و على الأول تدل على نهيهما عن الإضرار بالولد، فهي على كل حال دالة على نفى الضرر و النهى عن الإضرار في الجملة و هو المطلوب و اما تمام الكلام في فقه الآية فهو في محله و قال أيضا في حق النساء المطلقات‏ «وَ لا تُضآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ» (2) نهى سبحانه عن الإضرار و التضييق على المطلقات في السكنى و النفقة في أيام عدتهن، كما اوصى بهن في موضع آخر بقوله‏ وَ لا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا (3) نهى عن الرجوع الى المطلقات الرجعية لا لرغبة فيهن بل لطلب الإضرار بهن كالتقصير في النفقة أو

____________

(1) البقرة- 233

(2) الطلاق- 6

(3) البقرة- 231.

30

لتطويل المدة حتى تلجأ الى بذل مهرها- كما أشار إليه في كنز العرفان.

و قال سبحانه ناهيا عن الإضرار بالوارث و تضييع حقوقهم‏ «مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى‏ بِها أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ» (1) نهى عن الإضرار بالوراث في الوصية بأن يوصي ببعض الوصايا إجحافا عليهم و دفعا لهم عن حقهم أو يقر بدين ليس عليه دفعا للميراث عنهم و يشير إليه أيضا قوله تعالى‏ «فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ» و الجنف هو الميل إلى إفراط أو تفريط و الإضرار بالورثة.

و قال أيضا و لا يضار كاتب و لا شهيد (2) نهى عن إضرار كاتب الدين و الشاهد عليه أو على البيع، بان يكتب ما لم يمل أو يشهد بما لم يستشهد عليه، هذا إذا قدر الفعل اعنى لا يضار مبنيا للفاعل، و اما إذا قدر مبنيا للمفعول فالنهي انما هو عن الإضرار بالكتاب و الشهداء إذا أدوا حق الكتابة و الشهادة، على اختلاف الأقوال في تفسير الآية الشريفة.

هذا و لكن العمدة في إثبات هذه القاعدة على وجه عام هي الروايات الكثيرة المدعى تواترها، المروية من طرق الفريقين، و ان اختلفت من حيث العبارة بل المضمون حيث ان بعضها عام و بعضها خاص الا ان مجموعها كاف في إثبات هذه الكلية.

و بما ان في استقصاء هذه الروايات فوائد جمة لا تنال الا به فاللازم ذكر ما وقفنا عليه في كتب اعلام الفريقين مما ذكرها المحققون في رسالاتهم المعمولة في المسألة و ما لم يذكروها ليتم الفائدة بذلك إنشاء اللَّه، و انى و ان بذلت جهدي في جمعها و استقصائها و أوردت ما أوردها الأصحاب في هذا الباب و أضفت عليها ما ظفرت به مما لم يشيروا اليه، لكن لعل باحثا يقف على ما لم أقف عليه فان العلم غير محصور على قوم و كم ترك الأول للآخر. و كيف كان نبدء بذكر أخبار أصحابنا الاعلام، ثمَّ نتبعها بذكر ما أورده الجمهور في أصولهم.

فما يدل على هذه القاعدة بعمومها من طرق الأصحاب روايات:

1- ما رواه الكليني رضوان اللَّه عليه في الكافي عن ابن مسكان عن زرارة

عن‏

____________

(1) النساء- 16 و 17

(2) البقرة- 284

31

أبي جعفر الباقر (عليه السلام)، قال: ان سمرة بن جندب‏ (1) كان له عذق، و كان طريقه إليه في جوف منزل رجل من الأنصار، فكان يجي‏ء و يدخل الى عذقه بغير اذن من الأنصاري فقال الأنصاري:

يا سمرة! لا تزال تفجأنا على حال لا نحب ان تفجأنا عليه، فاذا دخلت فاستأذن. فقال:

لا استأذن في طريق، و هو طريقي إلى عذقي. قال: فشكاه الأنصاري إلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و آله) فأرسل إليه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و آله) فأتاه فقال: ان فلانا قد شكاك و زعم انك تمر عليه و على اهله بغير إذنه، فاستأذن عليه إذا أردت أن تدخل، فقال يا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و آله) استأذن في طريق إلى‏

____________

(1) «سمرة» بفتح الأول و ضم الثاني و فتح الثالث؛ و «جندب» بضم الأول و سكون الثاني و فتح الثالث على وزن «لعبة» صحابي من بنى شمخ بن فزارة. و الذي يظهر من تتبع كتب الرجال و السير، لا سيما ما نقله العلامة المامقاني و ابن ابى الحديد؛ في ترجمة الرجل انه كان من أشد الناس قسوة و عداوة لأهل البيت (عليهم السلام)و شيعتهم، و كان لا يبالي بقتل الابرياء و جعل الأكاذيب و تحريف الكلم عن مواضعه، و إليك نبذ مما التقطناها من مخازيه:

1- ان معاوية بذل لسمرة بن جندب مائة ألف درهم على ان يروى عن النّبي (ص) ان هذه الاية نزلت في على (عليه السلام)‏ «وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ يُشْهِدُ اللَّهَ عَلى‏ ما فِي قَلْبِهِ وَ هُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ‏- الى قوله تعالى- وَ اللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ» و ان هذه نزلت في ابن ملجم‏ «وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَ اللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ» فلم يقبل فزاده حتى بلغ أربعمائة ألف فقبل! (نقله ابن ابى الحديد في شرحه على نهج البلاغة) 2- استخلف زياد سمرة بن جندب على البصرة فاتى الكوفة و قد قتل ثمانية آلاف من الناس (و في رواية من الشيعة!) فقال له زياد هل تخاف ان تكون قتلت أحدا بريئا؟ قال لو قتلت مثلهم ما خشيت! (رواه أبو جعفر الطبري في أحداث سنة خمسين من تاريخه).

3- قال سمرة: و اللَّه لو أطعت اللَّه كما أطعت معاوية لما عذبني ابدا! (نقله الطبري و ابن الأثير).

4- ان سمرة بن جندب عاش حتى حضر مقتل الحسين (ع) و كان من شرطة ابن زياد و كان في أيام مسير الحسين (عليه السلام) الى العراق يحرض الناس على الخروج الى قتاله (نقله ابن ابى الحديد في شرحه) و لكن الذي يوهن هذه الرواية ما نقله من جماعة منهم البخاري انه مات سنة 58 و في نقل آخر 59 و في نقل ثالث 60 مع ان وقعة الطف كانت سنة 61 فتدبر

32

عذقي؟ فقال له رسول اللَّه (ص) خل عنه و لك مكانه عذق في مكان كذا و كذا، فقال: لا، قال:

فلك اثنان قال: لا أريد، فلم يزل يزيده حتى بلغ عشرة أعذاق فقال: لا، قال فلك عشرة في مكان كذا و كذا. فأبى، فقال: خل عنه و لك مكانه عذق في الجنة قال: لا أريد، فقال له رسول اللَّه (ص) انك رجل مضار و لا ضرر و لا ضرار على مؤمن قال ثمَّ أمر بها رسول اللَّه (ص) فقلعت و رمى بها اليه و قال له رسول اللَّه (ص) انطلق فاغرسها حيث شئت (نقله في الوسائل في الباب 12 من كتاب احياء الموات).

2- ما رواه في الكافي أيضا عن عبد اللَّه بن بكير عن زرارة عن ابى جعفر (ع)

قال: ان سمرة بن جندب كان له عذق في حائط لرجل من الأنصار و كان منزل الأنصاري بباب البستان، فكان يمر به الى نخلته و لا يستأذن، فكلمه الأنصاري ان يستأذن إذا جاء، فأبى سمرة، فلما تأبى جاء الأنصاري إلى رسول اللَّه (ص) فشكا اليه و خبره الخبر فأرسل إليه رسول اللَّه (ص) و خبره بقول الأنصاري و ما شكاه، قال: إذا أردت الدخول فاستأذن فأبى، فلما ابى ساومه حتى بلغ به من الثمن ما شاء اللَّه فأبى ان يبيع، فقال لك بها عذق يمد لك في الجنة فأبى أن يقبل، فقال رسول اللَّه «ص» للأنصاري: اذهب فاقلعها و ارم بها إليه فإنه لا ضرر و لا ضرار، (رواه في الوسائل في الباب 12 من كتاب احياء الموات ثمَّ قال: و رواه الصدوق بإسناده عن ابن بكير نحوه، و رواه الشيخ بإسناده عن احمد بن محمد بن خالد مثله).

و لا يخفى ان هذه الرواية و ما قبلها رواية واحدة تحكي عن قضية واحدة نقلها

____________

و لو لم يكن دليل على فسق الرجل و معاداته للحق و أوليائه إلا هذه الرواية المنقولة في المتن عن الجوامع المعتبرة الحاكية عن اعتدائه على الأنصاري، لكان كافيا، فإنه صريح في طغيانه و اجترائه على رسول اللَّه (ص) و التبارز بعصيانه قبال امره المؤكد بأنواع التأكيد و قد قال اللَّه تعالى‏ «فَلا وَ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِيماً» (النساء- 69) بل قد يلوح منها أمارات كفره، فان من البعيد ان يكون الإنسان مؤمنا بالمعاد و وعده تعالى بالثواب و الجزاء ثمَّ لا يقبل ضمان رسوله (ص) نعم الجنة له ضمانا صريحا بثمن بخس.

33

زرارة عن ابى جعفر الباقر (عليه السلام) و عمدة الفرق بين الطريقين هو ذكر قيد «على مؤمن» في قوله «لا ضرر و لا ضرار على مؤمن» في الأول منهما دون الأخير، و سيأتي ان له دخلا في فهم مغزى الحديث،

3- ما رواه الصدوق في «من لا يحضره الفقيه»

بإسناده عن الحسن الصيقل عن «ابى عبيدة الحذاء» قال قال أبو جعفر (ع) كان لسمرة بن جندب نخلة في حائط بنى فلان فكان إذا جاء الرجل الى نخلته نظر الى شيئي من أهل الرجل فكرهه الرجل فذهب الرجل الى رسول اللَّه (ص) فشكاه فقال يا رسول اللَّه (ص) ان سمرة يدخل عليّ بغير اذنى فلو أرسلت إليه فأمرته أن يستأذن حتى تأخذ أهلي خدرها منه، فأرسل إليه رسول اللَّه (ص) فدعاه فقال: يا سمرة! ما شأن فلان يشكوك و يقول تدخل بغير اذنى فترى من اهله ما يكره ذلك؟ يا سمرة استأذن إذا أنت دخلت، ثمَّ قال له رسول اللَّه (ص) يسرك ان يكون لك عذق في الجنة بنخلتك؟ قال لا، قال: لك ثلثة قال: لا؛ قال: ما أراك يا سمرة إلا مضارا اذهب يا فلان فاقلعها و اضرب بها و جهة (رواه فيمن لا يحضره الفقيه في باب حكم الحريم) و هذه الرواية كما ترى خالية عن ذكر فقرة «لا ضرر و لا ضرار» و لكنها مشتملة على صغراها و هي قوله: ما أراك يا سمرة إلا مضارا»، و كيف كان فلا ريب في ان هذه الروايات الثلاث حكاية عن قضية واحدة و ان اختلفت عباراتها و بعض خصوصياتها، نقلها «زرارة» تارة و «أبو عبيدة الحذاء» اخرى، و يظهر منها انه كان لسمرة بن جندب حق العبور الى نخلته من باب البستان الذي كان عنده دار الأنصاري؛ و لكن أراد استيفاء حقه مع الإضرار بالأنصاري و لم يرض بالجمع بين حقه و حق الأنصاري بأن يكون دخوله مع استيذان منه بل و لم يرض بالاستبدال عنها فدفع عنه رسول اللَّه (ص) شره و أمر بقلع نخلته، لانحصار طريق استخلاص الأنصاري الظالم المجحف فيه، و في فقه الرواية أبحاث تأتي في محله عن قريب إنشاء اللَّه.

4- ما رواه في الكافي عن عقبة بن خالد عن ابى عبد اللَّه (ع):

قضى رسول اللَّه (ص) بالشفعة بين الشركاء في الأرضين و المساكن و قال: لا ضرر و لا ضرار و قال إذا أرفت الأرف و حدث الحدود فلا شفعة (رواه في الوسائل عن الكافي في الباب 5 من أبواب‏

34

الشفعة، ثمَّ أشار الى رواية الشيخ و الصدوق له بطرقهما الا ان في رواية الصدوق زيادة و هي:

«و لا شفعة إلا لشريك غير مقاسم»).

و يظهر من هذا الحديث ان العلة أو الحكمة في جعل «حق الشفعة» للشريك هي لزوم الضرر و الإضرار عند فقده فإن الإنسان لا يرضى بأي شريك، و يدل أيضا على ان هذا الحق ثابت في المشاع و قبل القسمة، و اما بعدها فلا شفعة و هو المراد من قوله: إذا أرفت الأرف (اى أعلمت علامات القسمة) و حدّت الحدود فلا شفعة، و يدل عليه أيضا الزيادة الواردة في طريق الصدوق و هو قوله (ع) و لا شفعة إلا لشريك غير مقاسم‏ (1).

و في هذا الحديث أيضا أبحاث تدور حول قوله (ع) لا ضرر و لا ضرار و انها رواية مستقلة ذكره الراوي مع حكم الشفعة من باب الجمع في الرواية و النقل، أو انها من تتمة رواية الشفعة، و الكلام فيها يأتي عن قريب إنشاء اللَّه.

و رواها في «مجمع البحرين» في مادة «ضرر» الى قوله لا ضرر و لا ضرار الا ان فيه التقييد بقوله «في الإسلام» بعد قوله و لا ضرار. و ليكن هذا على ذكر منك.

5- ما رواه في الكافي عن عقبة بن خالد عن ابى عبد اللَّه (ع)

قال: قضى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و آله) بين أهل المدينة في مشارب النخل انه لا يمنع نفع الشي‏ء (2) و قضى بين أهل البادية انه لا يمنع فضل ماء ليمنع فضل كلاء، فقال: لا ضرر و لا ضرار (رواه في الوسائل في الباب السابع من أبواب إحياء الموات).

قال العلامة المدقق شيخ الشريعة الأصفهاني (قدس سره) ان في النسخة المصححة من الكافي عنده: «و قال لا ضرر و لا ضرار»- لا- فقال إلخ بأن يكون هذه الفقرة معطوفة على ما قبلها بالواو لا بالفاء، فليكن هذا أيضا على ذكر منك. أقول: و هنا شي‏ء

____________

(1) قال شيخ الطائفة (قدس سره) في الخلاف في كتاب الشفعة في المسألة الثالثة: و معنى أرف عليه اعلم عليه قال أبو عبيدة: يقال ارفتها تأريفا اى أعلمت لها علامات و هي لغة أهل الحجاز. انتهى كلامه.

(2) الأصح على ما في بعض النسخ «النقع» و هو فاضل الماء، يقال، نقع البئر» اى فاضل مائها

35

يجب التنبيه عليه و هو انه قد وقع الخلاف بينهم في ان مالك البئر إذا قضى حاجته و حاجة مواشيه و زرعه من مائها و فضل بعد ذلك شي‏ء فهل يجب عليه بذله بلا عوض لمن احتاج اليه لشربه أو شرب ماشيته أو سقى زرعه، أو مع العوض، أم لا؟ و المعروف بينهم انه لا يجب، و لكن المحكى عن شيخ الطائفة في المبسوط و في الخلاف و عن ابن الجنيد و السيد ابى المكارم بن زهرة انه يجب بذله لمن احتاج اليه لشربه و شرب ماشيته خاصة و المسألة معنونة في كتاب «احياء الموات» و لنا في تأييد مختار الشيخ (قدس سره) و تضعيف ما ذهب اليه المشهور كلام يأتي.

و في معنى قوله: «لا يمنع فضل ماء ليمنع فضل كلاء احتمالات أحدها ان صاحب البئر إذا منع فضل مائها عن أهل البادية، حتى منعوا عن سقى مواشيهم عند العطش الحاصل عادة بعد الرعي، لم يقدروا على رعى مواشيهم حول الآبار و منعوا من الاستفادة عن كلائها، فمنع فضل الماء يمنع عن فضل الكلاء ثانيها ان صاحب البئر إذا منع فضل مائها عن أهل البادية قابله صاحب الكلاء بمنع فضل كلائه منه ثالثها ان صاحب البئر إذا منع فضل مائها فلعل أهل البادية يحتاجون اليه لزرعهم و كلائهم و ذلك يضر بهم و يمنعهم عن الزرع و الكلاء فلهذا أمر صاحب البئر بان لا يمنع فضل مائها حتى لا يمنع فضل الكلاء. و لعل أوجه الاحتمالات هو الأول فتدبر.

6- ما أرسله الصدوق (قدس سره): قال قال النّبي (صلّى اللَّه عليه و آله و سلم): الإسلام يزيد و لا ينقص‏

، قال و قال لا ضرر و لا ضرار في الإسلام، فالإسلام يزيد المسلم خيرا و لا يزيده شرا قال و قال: الإسلام يعلو و لا يعلى عليه (أخرجه في الوسائل في الباب الأول من أبواب الإرث في المجلد الثالث).

و الظاهر ان الصدوق قده جمع هنا بين روايات ثلث واردة بطرق مختلفة ليستدل بها على ان المسلم يرث عن غير المسلم:

أحدها- قوله: الإسلام يريد و لا ينقص، ثانيها- لا ضرر و لا ضرار في الإسلام.

ثالثها- الإسلام يعلو و لا يعلى عليه. اما قوله «فالإسلام يزيد المسلم خيرا و لا يزيده شرا» فالظاهر انه تفريع على الرواية الاولى، و الذي يؤيد ذلك ما رواه في الوسائل في هذا الباب‏

36

بعينه عن «معاذ» انه ورث المسلم عن أخيه اليهودي- و كان عندئذ باليمن- و قال:

سمعت رسول اللَّه (ص) يقول: الإسلام يزيد و لا ينقص فاستدل معاذ بهذه الرواية على ان المسلم يرث عن أخيه اليهودي فعلى هذا ليس مجموعها رواية واحدة واردة في باب الإرث مشتملة على نفى الضرر و الضرار كي تعد رواية مغايرة لغيرها من الروايات. و يؤيده أيضا ما رواه «الحاكم» في المستدرك‏ (1) عن النبي (ص) الإسلام يزيد و لا ينقص، مجردا عن هذا الذيل اعنى قوله لا ضرر و لا ضرار.

7- ما رواه المحدث النوري في المستدرك‏ (2) عن دعائم الإسلام‏

عن ابى عبد اللَّه (ع) انه سئل عن جدار الرجل و هو سترة بينه و بين جاره، سقط عنه، فامتنع من بنائه قال: ليس بجبر على ذلك الا ان يكون وجب ذلك لصاحب الدار الأخرى بحق أو بشرط في أصل الملك، و لكن يقال لصاحب المنزل اشتر على نفسك في حقك إن شئت، قيل له:

فان كان الجدار لم يسقط و لكنه هدمه أو أراد هدمه إضرارا بجاره لغير حاجة منه الى هدمه، قال: لا يترك‏ (3) و ذلك ان رسول اللَّه (ص) قال: لا ضرر و لا ضرار، و ان هدمه كلف ان يبنيه.

و لكن لا يظهر من هذه الرواية ان هذه الفقرة كانت مذكورة في كلام النّبي (ص) مجردة عن غيرها فلعله (ع) أخذه من قول النّبي (ص) الوارد في قضية سمرة بن جندب بعنوان كبرى كلية يستدل بها على مورد السؤال، و هذا أمر جائز للإمام (ع) كما يجوز لغيره فلا يجوز الاستشهاد بهذه الرواية على كون هذه الفقرة قضية مستقلة من قضايا النّبي (ص) كما قد يتوهم. فكن على بصيرة منه، حتى أحدث لك منه ذكرا.

8- ما رواه في المستدرك أيضا عن دعائم الإسلام عن أبي عبد اللَّه‏

عن أبيه عن آبائه عن أمير المؤمنين (عليهم السلام)ان رسول اللَّه (ص) قال: لا ضرر و لا ضرار.

و هذه أيضا- كالتي قبلها- لا تدل على كون الفقرة المذكورة كلاما مستقلا من كلمات النّبي (ص) و قضاء أغير ما ورد في ذيل رواية سمرة.

____________

(1) في المجلد الرابع ص 345

(2) في المجلد الثالث ص 150

(3) اى لا يترك حتى يفعل ذلك.

37

9- ما رواه الشيخ في التهذيب بإسناده عن هارون بن حمزة الغنوي عن أبي عبد اللَّه (ع):

في رجل شهد بعيرا مريضا و هو يباع، فاشتراه رجل بعشرة دراهم و أشرك فيه رجلا بدرهمين بالرأس و الجلد، فقضى ان البعير برئ فبلغ ثمنه دنانير قال فقال:

لصاحب الدرهم خمس ما بلغ، فان قال: أريد الرأس و الجلد فليس له ذلك، هذا الضرار و قد اعطى حقه إذا اعطى الخمس (رواه في الوسائل في الباب 22 من أبواب بيع الحيوان من كتاب التجارة).

و يمكن عدّ هذه الرواية من الروايات العامة نظرا الى ظهور قوله «هذا الضرار» في كونه صغرى لكبرى كلية مفهومة من العبارة، كما هو المعمول في حذف الكبريات في مقام التعليل و الاكتفاء بذكر صغراها فكأنه قيل: هذا الضرار و لا ضرار، أولا يجوز الضرار. و احتمال كون الكبرى المحذوفة مقيدة بقيود لم يكن المقام مقام ذكرها، لكونه من مصاديقها على كل حال، بعيد عن ظاهر العبارة كما لا يخفى على من لاحظ نظائرها، مضافا الى ان ظاهره كون التعليل بأمر ارتكازي عقلي و لا قيد في هذا الحكم بنظر العقل فتدبر، و كيف كان فهي دالة على نفى الضرار فقط فلو قلنا بالفرق بينه و بين عنوان الضرر كما هو الأقوى فلا تكون دالة على نفى الضرر.

هذه هي الروايات الدالة على هذا الحكم عموما.

و إليك بعض ما ورد في الموارد الخاصة المؤيدة لما سبق من العمومات:

10- ما رواه في الكافي عن محمد بن حفص عن رجل عن ابى عبد اللَّه (ع)

قال:

سألته عن قوم كانت لهم عيون في أرض، قريبة بعضها من بعض، فأراد رجل ان يجعل عينه أسفل من موضعها الذي كانت عليه، و بعض العيون إذا فعل بها ذلك أضر بالبقية من العيون، و بعضها لا يضر من شدة الأرض قال فقال: ما كان في مكان شديد فلا يضر و ما كان في أرض رخوة بطحاء فإنه يضر، و ان عرض رجل على جاره ان يضع عينه كما وضعها و هو على مقدار واحد؟ قال: ان تراضيا فلا يضر، و قال يكون بين العينين ألف ذراع (رواه في الوسائل في الباب 12 من أبواب كتاب احياء الموات).

38

و يظهر من هذه الرواية ان الإضرار بالغير غير جائز حتى إذا كان منشأه التصرف في أمواله التي يتسلط على التصرف فيها كيف يشاء بمقتضى قاعدة تسلط الناس على أموالهم، فإن صاحب العين انما أراد التصرف في عينه المملوكة بأن يجعلها أسفل مما كانت فمنعه الامام (ع) من ذلك لما فيه من الإضرار بالعيون القريبة منها هذا و لكن لا عموم فيها يمكن التمسك به في غير موردها. نعم لا يبعد التعدي عنه الى غير البئر من التصرفات و الى سائر الجيران و الاملاك المتقاربة.

و قد عنون الفقهاء هذه المسألة في باب «حريم العين» من كتاب احياء الموات و المشهور بينهم ان حريم العين و القناة ألف ذراع في الأرض الرخوة و خمسمأة ذراع في الأرض الصلبة، و لكن المحكى عن الإسكافي و المختلف و المسالك ان حده ان لا يضر الثاني بالأول.

و كيف كان هذا الخلاف لا دخل له فيما نحن بصدده فإنه لا شك في ان الحكمة أو العلة في التحديد بالألف و خمسمأة على القول به هو رفع الإضرار، و لا يبعد القول بكفاية أحد الأمرين أعني البعد بالمقدار المذكور و العلم بعدم تضرر الجار، و تمام الكلام في محله.

ثمَّ لا يخفى ان منصرف الرواية هو ما إذا كان ترك ذاك التصرف موجبا لفوات بعض المنافع الزائدة المترقبة لمالك العين لا ما إذا كان يتضرر بتركه حتى يئول الأمر إلى تعارض الضررين، و ليكن هذا على ذكر منك حتى نبحث عنه في بحث تعارض الضررين من التنبيهات الاتية إنشاء اللَّه تعالى.

11- ما رواه الكليني بإسناده عن محمد بن الحسين‏

قال: كتبت الى ابى محمد (ع) رجل كانت له قناة في قرية فأراد رجل ان يحفر قناة أخرى إلى قرية له كم يكون بينهما في البعد حتى لا يضر إحديهما بالأخرى في الأرض إذا كانت صلبة أو رخوة؟ فوقّع (ع)، على حسب ان لا تضر إحديهما بالأخرى ان شاء اللَّه (رواه في الوسائل في الباب 14 من أبواب إحياء الموات).

و هذه الرواية دالة على ان هذا الحكم، اعنى عدم جواز الإضرار بالغير- حتى بان يتصرف‏

39

الإنسان في ملكه أو ملك مباح فيلزم منه ضرر على غيره- كان مرتكزا في ذهن الراوي فلذا لم يسئل عن أصل الحكم و انما سئل عن صغراه بقوله: كم يكون بينهما في البعد حتى لا يضر إحديهما بالأخرى، و منشأ هذا الارتكاز اما التعارف الخارجي و ما هو الدائر بين العقلاء في أمثال هذه الموارد، و اما عمومات لا ضرر، و اما ما روى عن الأئمة السابقين (عليهم السلام) من لزوم التباعد بين العينين بألف أو خمسمأة ذراع على اختلاف الأراضي، مثل ما روى عن الصادق (ع) في الرواية السابقة. و كيف كان فطريق الاستدلال بهذه الرواية هو عين ما هو بيانه في الرواية السابقة، الا ان مورد السؤال هناك هو خصوص التصرف في العيون المستحدثة من قبل، و السؤال هنا عن احداث عين جديدة في أرض قريبة من عين اخرى.

12- ما رواه بذلك الاسناد قال: كتبت الى ابى محمد (ع) رجل كانت له رحى على نهر قرية

، و القرية لرجل، فأراد صاحب القرية ان يسوق الى قريته الماء في غير هذا النهر و يعطل هذا الرحى، إله ذلك أم لا؟ فوقع (عليه السلام): يتقى اللَّه و يعمل في ذلك بالمعروف و لا يضر أخاه المؤمن (رواه في الوسائل في الباب 25 من أبواب إحياء الموات).

و الظاهر ان صاحب الرحى كان له حق الانتفاع من ذاك النهر من قبل، و الا كان تصرفه فيه عدوانيا و جاز لصاحب القرية نهيه عن التصرف فيه بمثل هذا و تعطيل رحاه حتى إذا لم يرد سوق الماء في غير ذلك النهر، فإن الناس مسلطون على أموالهم و على هذا سوق الماء في غير هذا النهر مزاحم لحقه و يكون تعديا عليه فالمنع منه استنادا الى هذه الجهة لا دخل له بما نحن بصدده، و لكن الذي يستقرب دلالة الرواية على المطلوب ان الامام (ع) لم يسند الحكم اليه، بل أسنده إلى عنوان آخر و هو عنوان الإضرار فقال: لا يضر أخاه المؤمن، و يستفاد منه حكم عام بعدم جواز إضرار المؤمن باخاه في كل الموارد و هو و ان كان حكما تكليفيا في بادي النظر الا انه يستفاد منه الحكم الوضعي أيضا عند التأمل فتأمل.

13- ما رواه الكليني رضوان اللَّه عليه عن عقبة بن خالد عن ابى عبد اللَّه (عليه السلام)

في‏

40

رجل اتى جبلا فشق فيه قناة فذهبت الأخر بماء قناة الأول قال فقال: يتقايسان‏ (1) بحقائب البئر ليلة ليلة، فينظر أيتهما أضرت بصاحبتها، فإن رأيت الأخيرة أضرت بالأولى فلتعور و رواه الصدوق بإسناده عن عقبة بن خالد، و زاد: قضى رسول اللَّه (ص) بذلك و قال: ان كانت الأولى أخذت ماء الأخيرة لم يكن لصاحب الأخيرة على الاولى سبيل (رواه في الوسائل في الباب 16 من أبواب إحياء الموات، و بمضمونه رواية أخرى عن الشيخ بإسناده عن عقبة بن خالد عن ابى عبد اللَّه (عليه السلام)و في مجمع البحرين «حقائب البئر» أعجازها، و هذه الرواية أيضا تدل على عدم جواز الإضرار بالغير و ان كان بالاستفادة من أرض مباحة، حتى انه أمر بالاختبار و المقايسة و النظر الى ماء القناتين ليلة ليلة، فإن ثبت ان القناة الأخيرة تضر بالأولى فلتعور و الا فلا، و اما عدم حكمه بعور الاولى لو أضرت بالثانية فوجهه واضح لعدم صدق الإضرار عليه بعد اقدامه بنفسه على حفر قناته قرب الاولى الذي يكون معرضا لذلك عادة و لا يخفى ان المستفاد من هذه الرواية الحكم الوضعي أيضا

14- ما رواه في الكافي عن طلحة بن زيد عن ابى عبد اللَّه (ع)

قال ان الجار كالنفس غير مضار و لا اثم (رواه في الوسائل في الباب 12 من كتاب احياء الموات).

و هي تدل على عدم جواز الإضرار بالجار بما لا يضر الإنسان بنفسه، و قوله:

و لا اثم لعل معناه انه لا يجوز ارتكاب الإثم في حق الجار و ان كل إضرار به اثم، أو انه كفى في أداء حق المجاورة ان لا يضر به فاذا لم يضر به فلا اثم، و رواه المحدث الكاشاني (قدس سره) في الوافي في باب «حسن المجاورة» ثمَّ قال: لعل المراد بالحديث ان الرجل كما لا يضار نفسه و لا يوقعها في الإثم أو لا يعد عليها الأمر اثما، كذلك ينبغي ان لا يضار أخاه و لا يوقعه في الإثم أو لا يعد الأمر عليه اثما، يقال إثمه: أوقعه في الإثم، إثمه اللَّه في كذا أعده عليه اثما انتهى كلامه.

15- ما رواه الطبرسي في المجمع مرسلا

في تفسير قوله تعالى‏ «مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى‏ بِها أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ» (2) من انه جاء في الحديث: ان الضرار في الوصية من‏

____________

(1) و في نسخة: «يتقاسمان» و الأصح هو الأول و هو من المقايسة.

(2) النساء- 12.

41

الكبائر (و رواه في الوسائل عنه في الباب 8 من أبواب الوصية) و الظاهر منها- بقرينة سائر الروايات الواردة في ذلك الباب- ان الضرار في الوصية هو الوصية بتمام المال أو بأكثر من الثلث، و لا يخفى ان المستفاد منها عدم صحة هذه الوصية و عدم نفوذها، سيما بملاحظة الآية الشريفة فهي لا تدل على حكم تكليفي فحسب بل عليه و على الحكم الوضعي.

16- ما رواه الصدوق في عقاب الأعمال بإسناده عن النّبي (صلّى اللَّه عليه و آله و سلم)

في حديث و من أضر بامرأة حتى تفتدي منه نفسها لم يرض اللَّه له بعقوبة دون النار- الى ان قال- و من ضار مسلما فليس منا و لسنا منه في الدنيا و الآخرة.

و غير خفي ان الفقرة الأخيرة مطلقة تدل على عدم جواز الإضرار بالمسلم مطلقا

17- ما رواه الكليني بإسناده عن الحلبي عن ابى عبد اللَّه (ع)

في حديث: انه نهى ان يضار بالصبي أو تضار امه في رضاعه (رواه في الوسائل في باب أقل مدة الرضاع و أكثرها من أبواب أحكام الأولاد)، و في ذيل هذا الباب رواية أخرى قريبة منها.

18- ما رواه الكليني أيضا بإسناده عن الحلبي عن ابى عبد اللَّه (ع)

قال سالته عن الشي‏ء يوضع على الطريق فتمر الدابة فتنفر بصاحبها فتعقره فقال: كل شي‏ء يضر بطريق المسلمين فصاحبه ضامن لما يصيبه (رواه في الوسائل في الباب 9 من أبواب موجبات الضمان من كتاب الديات).

فحكم (عليه السلام) بان التصرف في الشارع المباح بما يوجب الإضرار بالغير موجب للضمان، و ان كون الطريق عاما لا يمنع من هذا الحكم‏

19- ما رواه الشيخ بإسناده عن ابى الصباح الكناني عن ابى عبد اللَّه (عليه السلام)

قال: كل من أضر بشيى‏ء من طريق المسلمين فهو له ضامن (رواه في ذاك الباب بعينه)

20- ما رواه الصدوق بإسناده عن الحسن بن زياد عن ابى عبد اللَّه (ع)

قال: لا ينبغي للرجل ان يطلق امرأته ثمَّ يراجعها و ليس به فيها حاجة ثمَّ يطلقها، فهذا الضرار الذي نهى اللَّه عز و جل عنه، الا ان يطلق ثمَّ يراجع و هو ينوي الإمساك (رواه في الوسائل في الباب 34 من أبواب أقسام الطلاق من كتاب الطلاق).

42

و قوله فهذا الضرار الذي نهى اللَّه عز و جل عنه إشارة إلى قوله تعالى‏ وَ لا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا (1) و في ذاك الباب بعينه روايات أخر في هذا المعنى فراجع. هذه ما وصل إلينا من طرق الأصحاب عموما و خصوصا، و هنا روايات أخر خاصة و أرده في أبواب مختلفة يعثر عليها المتتبع قد طوينا الكشح عنها، و العمدة هي العمومات المتقدمة

و اما ما ورد من طرق العامة فهي روايات:

1- ما رواه أحمد في مسنده‏

(2) قال حدثنا عبد اللَّه، قال حدثنا أبو كامل الجحدري، قال حدثنا الفضيل بن سليمان، قال حدثنا موسى بن عقبة، عن إسحاق بن يحيى عن الوليد بن عبادة بن صامت عن عبادة قال: ان من قضاء رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و آله و سلم) ان المعدن جبار، و البئر جبار، و العجماء جرحها جبار، و العجماء البهيمة من الانعام و الجبار هو الهدر الذي لا يغرم، و قضى في الركاز الخمس، و قضى ان النخل لمن أبرها الا ان يشترط المبتاع، و قضى ان مال المملوك لمن باعه. الى ان قال: و قضى للجدتين من الميراث بالسدس بينهما، و قضى ان من أعتق شركاء في مملوك فعليه جواز عتقه ان كان له مال، و قضى ان لا ضرر و لا ضرار و قضى انه ليس لعرق ظالم حق، و قضى بين أهل المدينة في النخل لا يمنع نفع بئر، و قضى بين أهل البادية (المدينة خ ل) انه لا يمنع فضل ماء ليمنع فضل الكلاء.

قال في المجمع: الجبار بالضم و التخفيف (كغراب) الهدر يعنى لا غرم، و العجماء البهيمة سميت بذلك لأنها لا تتكلم؛ و المعنى: ان البهيمة العجماء تنفلت فيتلف شيئا فذلك الشي‏ء هدر و كذلك إذا انهار على احد فهو هدر (يعنى لا غرامة في التلف في شي‏ء من هذه الموارد).

أقول: لا شك في ان هذه الأقضية صدرت في وقائع مختلفة و لكن «عبادة» ذكر متون الأقضية و حذف مواردها و جمعها في حديث واحد، و مضمونها من أقوى الشواهد

____________

(1) البقرة- 231.

(2) المجلد الخامس ص 326 و 327.

43

على ذلك، و على هذا فمن القريب جدا ان يكون قوله: «لا ضرر و لا ضرار» غير صادر عنه (صلّى اللَّه عليه و آله و سلم) مستقلا و بلا سابقة دعوى و لا منازعة، بل لعله كان ذلك قضاء في واقعة أو وقائع متعددة؛ نقله عبادة مجردا عنها، فيحتمل قريبا ان يكون بعينه ما ورد في قضية سمرة مع الأنصاري، أو ما ورد فيها و في حكمي الشفعة و منع فضل الماء (بناء على القول بوروده في ذيلها أيضا على ما سيأتي شرحه) و حينئذ لا يجوز لنا الأخذ بما يظهر منه بادي النظر من وروده مستقلا و الاستدلال به على انه كان قضاء مستقلا فليكن هذا أيضا على ذكر منك.

2- ما أرسله ابن الأثير في النهاية انه (صلّى اللَّه عليه و آله و سلم) قال: لا ضرر و لا ضرار في الإسلام‏

و احتمال التقطيع في كلام ابن الأثير عند النقل أيضا قريب فلا يصح عده قضاء مستقلا

3- و هنا عبارات مختلفة من محققي أصحابنا تدل على ان الحديث كان متفقا عليه‏

بين العامة و الخاصة:

منها ما ذكره العلامة قدس اللَّه سره في التذكرة في المسألة الاولى من خيار الغبن، قال الغبن سبب الخيار للمغبون عند علمائنا و به قال مالك و احمد لقوله (صلّى اللَّه عليه و آله و سلم) لا ضرر و لا ضرار في الإسلام انتهى.

و يظهر من عبارته ان مستند مالك و احمد أيضا في هذا الحكم هو حديث نفى الضرر، و لكن يحتمل ان يكون دليلا لمختاره و مختار الأصحاب فقط، و كيف كان فتمسك العلامة بهذا الحديث في هذا المقام شاهد على كونه معتمدا عليه عند العامة و الخاصة و منها ما افاده السيد أبو المكارم بن زهرة في الغنية في أواخر أبواب الخيار من كتاب البيع لإثبات حكم الأرش من قوله: و يحتج على المخالف بقوله (ص): لا ضرر و لا ضرار.

و منها ما افاده شيخ الطائفة في المسألة 60 من كتاب البيع من الخلاف في باب حكم خيار الغبن: دليلنا ما روى عن النّبي (ص) انه قال: لا ضرر و لا ضرار انتهى و ليعلم انه (قدس سره) لم يذكر هنا قيد «في الإسلام» مع ذكره في كتاب الشفعة من الخلاف بعينه حيث قال: في المسألة 14 منه ان قوله النّبي (صلّى اللَّه عليه و آله و سلم) لا ضرر و لا ضرار في الإسلام يدل على ذلك فاذن يشكل الاعتماد على ذكره هذا القيد هناك و الاستدلال به‏

44

على وجوده في متن الرواية.

و الحاصل ان أمثال هذه التعبيرات و الاستدلالات في كتب العامة و الخاصة تدل على كون هذه الرواية كالمجمع عليهم بينهم، حيث أرسلوها إرسال المسلمات.

و مما ينبغي التنبيه عليه هنا ان صاحب الوسائل (قدس سره) روى هذه الفقرة أعني قوله «لا ضرر و لا ضرار» مجردة عن غيرها في أبواب مختلفة من الوسائل مثل الباب 17 من أبواب الخيار، و قد يوهم ذلك انها رواية أو روايات أخر حتى يستند إليها في إثبات صدور هذه الفقرة مستقلة، و لكن هذه الشبهة تزول بسرعة بعد ملاحظة إسناد هذه الاخبار، فإن اسنادها بعينه اسناد رواية زرارة الواردة في قضية سمرة بن جندب، و رواية عقبة الواردة في قضاء رسول اللَّه في منع فضل الماء فراجع، و ديدن صاحب الوسائل في تقطيع الروايات معلوم لكل من له أنس بكتابه.

هذا ما وقفنا عليه من الروايات الدالة على هذه القاعدة عموما و خصوصا في كتب الفريقين، و قد تحصل منه ان هذه الفقرة (لا ضرر و لا ضرار) نقلها زرارة و أبو عبيدة الحذاء عن الامام الباقر (عليه السلام)، و عقبة بن خالد عن الامام الصادق (عليه السلام)، و رواها الصدوق و القاضي نعمان المصري مرسلا، و أرسله الشيخ و العلامة و ابن زهرة (رضوان اللّه عليهم) في كتبهم إرسال المسلمات و من طرق العامة رواه احمد مسندا و ابن الأثير مرسلا. و قد وردت روايات خاصة في مواضع شتى تؤيد مضمونها، فاذن لو لم ندع التواتر فيها- كما ادعاه فخر الدين في محكي الإيضاح من باب الرهن؛ فلا أقل انها من المستفيضات التي لا ينبغي التأمل في جواز الاعتماد عليها حتى من القائلين بعدم حجية خبر الواحد هذا تمام الكلام في مدرك القاعدة.

45

المقام الثاني في مفاد هذه القاعدة

و قبل الشروع في بيان مفاد القاعدة و مغزاها

لا بد من تقديم أمرين لهما دخل تام في فهم معنى هذه الروايات‏

. الأول- قد عرفت ان قوله «لا ضرر و لا ضرار» مذيل في غير واحد من طرق الرواية بقوله (في الإسلام)

فهل هذا القيد ثابت بطرق صحيحة يركن إليها، بحيث لو توقف استظهار بعض ما ذكر في معناها عليه يحكم به أم لا؟.

الذي يظهر بعد التأمّل التام في أسانيد الروايات و مضامينها ان تذييل الحديث بهذا الذيل غير ثابت. لما عرفت عند بيان الاخبار من عدم وروده إلا في مرسلة الصدوق‏ (1) و مرسلة ابن الأثير (2) و مرسلة الطريحي في مجمع البحرين في مادة «ضرر» ذيل حديث الشفعة (3) لكن الظاهر انه سهو من قلمه الشريف لان حديث الشفعة مذكورة في جوامع أخبارنا بدون هذا القيد و لا شك انه أخذ الحديث منها، و في كلام الشيخ في كتاب الشفعة في المسألة الرابعة عشرة (4) و قد عرفت انه نفسه نقله مجردا عن هذا القيد «المسألة الستين» من كتاب البيع، و في كلام العلامة في التذكرة في المسألة الاولى من خيار الغبن‏ (5).

و الانصاف ان شيئا من هذه المرسلات بل و لا مجموعها مع ما عرفت من السهو و الاشتباه في غير واحد منها لم تبلغ حدا يمكن الركون عليها، فما يظهر من بعض كلمات‏

____________

(1) ذكرناها تحت الرقم 6

(2) ذكرناها تحت الرقم 2 من أحاديث العامة

(3) ذكرناها تحت الرقم 4.

(4) ذكرناهما تحت الرقم 3 من أحاديث العامة.

(5) ذكرناهما تحت الرقم 3 من أحاديث العامة.

46

شيخ الشريعة الأصفهاني (قدس سره) من عدم وجود هذا القيد إلا في كلام ابن الأثير في النهاية و ان كان مخالفا للواقع، لما عرفت من نقله في كلام الصدوق و كلام غير واحد من ائمة الفقه. الا ان هذا المقدار غير كاف في إثباته، كما ان ما نقله من بعض معاصريه من دعوى التواتر في هذا القيد و إسناده إلى المحققين أيضا في غير محله، و الحاصل ان إثبات هذه الزيادة بنقل من عرفت دونه خرط القتاد.

و على هذا لا تصل النوبة إلى ملاحظة التعارض بين طرق الرواية، و ما ورد فيه هذه الزيادة و ما لم يرد، حتى يقال بتقديم ما اشتمل على الزيادة، لما قرر في محله من تقديم أصالة عدم الزيادة على أصالة عدم النقيصة، نظرا الى ان الزيادة سهوا من الراوي نادر الوقوع جدا بخلاف النقيصة. فيؤخذ بما اشتمل على الزيادة، حتى يجاب عنه بما افاده المحقق النائيني بأن مبنى ذلك ليس إلا سيرة العقلاء؛ و لا يعلم بنائهم على تقديم أصالة عدم الزيادة في أمثال هذه المقامات التي يحتمل قريبا كون الزيادة من الراوي عند النقل بالمعنى لمغروسيتها في ذهنه، بمناسبة الحكم و الموضوع، و ملاحظة أشباهه من قوله: لا رهبانية في الإسلام، لا إخصاء في الإسلام، و غير ذلك من أمثالهما انتهى ما افاده ملخصا.

هذا مع انا لم نجد أصلا لهذا الأصل و ما أشبهه مما ينسب الى بناء العقلاء فإنه ليس عندهم اثر من هذه الأصول التي تنسب إليهم بل الذي وجدنا منهم ان مدارهم في هذه المقامات، إذا أدت حاجتهم إليها في عمل أنفسهم، على الاطمئنان من اى طريق حصل و عند الاحتجاج مع خصومهم على قرائن لفظية أو حالية أو مقامية توجب الاطمئنان عادة لمن اطلع عليها، و لم نجد لهم تعبد خاص بتقديم أصالة عدم الزيادة على أصالة عدم النقيصة، و ان شئت اختبر نفسك عند مطالعة الكتب التي ترد عليك كل يوم فهل تأخذ بأصالة عدم الزيادة بعنوان أصل عقلائي و لو لم تفد الاطمئنان، و الانصاف ان العقلاء لا يعرفون كثيرا من هذه الأصول التي تنسب إليهم و ان بنائهم في هذه الموارد على الأخذ بما تطمئن به أنفسهم لا غير

47

و اما التذييل بقوله «على مؤمن» فقد عرفت انه وارد في رواية ابن مسكان عن زرارة مجردة المروية في الكافي، و لكن عرفت ان ابن بكير روى هذه الرواية بعينها عن زرارة مجرد عن هذا القيد، و روى أيضا هذه القضية بعينها أبو عبيدة الحذاء عن الباقر (عليه السلام) مجردة عنه، فأحد الروايتين عن زرارة و أبو عبيدة الحذاء نقلاه مجردا و الراوي الأخر عنه نقله مقيدا فكيف يمكن الاعتماد على الأخير في إثباته، سيما مع ملاحظة انه ليس قيدا يهتم بشأنه في بادي النظر.

ثمَّ اعلم ان هذا البحث أعني زيادة «في الإسلام، أو على مؤمن» لو ثبت يترتب عليه بعض الفوائد الهامة، و ليس كما افاده المحقق النائيني قده خاليا عن الفائدة؛ لظهور الفائدة في تنقيح مفاد الحديث و تأييد كون كلمة «لا» نافية؛ الذي استند اليه العلامة الأنصاري في إثبات حكومة القاعدة على العمومات، لا ناهية حتى يكون مفادها حكما فرعيا بعدم إضرار الناس بعضهم ببعض. بيان ذلك:

ان الجار و المجرور (أعني في الإسلام) هنا متعلق بفعل عام مقدر و على اصطلاح النحاة الظرف هنا ظرف لغو، و التقدير لا ضرر موجود في الإسلام؛ و معناه انه لا يوجد حكم ضرري في أحكام الإسلام و هذا المعنى يوافق حكومة القاعدة على عمومات الاحكام، و لا يناسب كون لا ناهية بأن يكون معناه لا تضروا في الإسلام، لأن الإسلام ليس ظرفا لا ضرار الناس بعضهم ببعض الأعلى تكلف بعيد، و العجب من المحقق النائيني قدس اللَّه نفسه حيث أنكر ذلك و اعتقد بجواز إرادة النهي مع هذا القيد أيضا و كان الشبهة نشأت عن الخلط بين اصطلاح النحاة في الظرف، و بين الظرف و المظروف بمعناهما العرفي فراجع و تأمل و سيأتي تتمة لهذا الكلام عند تحقيق مفاد الحديث.

الثاني- لا يخفى على الناظر في روايات الباب ورود قوله «لا ضرر و لا ضرار» ذيل قضية سمرة

، و ظاهر غير واحد منها وروده مستقلا أيضا، و لكن الإنصاف أنه ظهور بدوي يزول بالتأمل، فإن احتمال التقطيع فيها قوى جدا و قد أشرنا الى بعض ما علم التقطيع فيه، عند نقل الاخبار، هذا مضافا الى عدم اعتبار الطرق المشتملة على ذكر هذه القضية

48

مجردة عن غيرها، فلا يمكن الركون إليها.

و لكن ظاهر حديثي الشفعة و منع فضل الماء (1) المرويين عن عقبة بن خالد ورودها ذيل قضاء رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و آله و سلم) في الشفعة و منع فضل الماء، لكن قد وقع التشكيك من غير واحد من محققي الأصحاب في هذا الظهور و احتمل كونه من باب الجمع في الرواية، و أول من فتح باب هذا التشكيك العلامة الجليل شيخ الشريعة الأصفهاني قده فإنه إصرار على عدم ورودها في هاتين القضيتين و أتعب نفسه الزكية في جمع القرائن على ذلك، و تبعه المحقق النائيني و أيده بقرائن أخر.

و تظهر ثمرة هذا النزاع في تحقيق مفاد الحديث و انه نفى الأحكام الضرورية الحاكم على عمومات أدلة الاحكام، أو ان مفاده النهى عن إضرار الناس بعضهم ببعض؛ فإنه لو ثبت ورودها ذيل حديثي الشفعة و منع فضل الماء كانت كالعلة لتشريع هذين الحكمين في الشريعة و هذا لا يناسب النهى بل يناسب النفي كما هو ظاهر.

و كيف كان فعمدة ما استند اليه المحقق المذكور في إثبات هذا المدعى المخالف لظاهر الرواية مقايسة قضايا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و آله و سلم) المحكية عن طرق العامة المنتهية الى «عبادة بن صامت»، و ما ورد من طرق الخاصة المنتهية في كثير من مواردها الى «عقبة بن خالد» فان توافقهما و اتحادهما في كثير من عباراتهما مع خلو رواية «عبادة» من هذا الذيل مع انه نقل قضائه في الشفعة و فضل الماء بعينه، كما نقله «عقبة بن خالد» مما يضعف الاعتماد على هذا الظهور البدوي و يوجب قوة الظن بان الجمع بين هذه الفقرة و سائر فقرات الرواية كان من باب الجمع في الرواية من ناحية الراوي، لا انها صدرت في قضية واحدة عن النّبي (صلّى اللَّه عليه و آله)، سيما مع كون عبادة ضابطا متقنا في نقل الأحاديث و من خيار الشيعة على ما قيل. كما انه لا يمكن الاستشهاد بظهور لفظة «فاء» في قوله «فلا ضرر و لا ضرار» في ذيل حديث منع فضل الماء في كون ما بعده متفرعا على ما قبله و متصلا به، لما عرفت سابقا من ان النسخ المصححة من الكافي خالية عنها بل المذكور فيها هو الواو بدل الفاء (فراجع الروايات السابقة و تأملها)

____________

(1)- ذكرناهما تحت الرقم 4 و 5.

49

هذا ملخص ما أفاده العلامة الأصفهاني في كلام طويل له في رسالته المعمولة في المسألة، و لكن الإنصاف ان رواية عقبة بن خالد أقوى ظهورا في اتصال هذه الفقرة بقضائه (صلّى اللَّه عليه و آله) في الشفعة و منع فضل الماء من رواية عبادة في الانفصال، بيان ذلك:

انه لا شك لمن تأمل رواية عبادة بن صامت انه لخص قضايا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و آله) و ارتكب التقطيع فيها و لم ينقلها مع مواردها بل نقلها مجردة عن ذكر المورد، لأنا نعلم قطعا بعدم صدور هذه القضايا أو أكثرها عنه (صلّى اللَّه عليه و آله) بلا مقدمة، بل كل واحد منها كان واردا في مورد خاص، مثل قضية سمرة بن جندب و شبهها؛ و لكن عبادة لخصها و جمعها في عبارة واحدة، و من هنا يحتمل قريبا ان يكون قد حذف قوله لا ضرر و لا ضرار عن ذيل قضائه في منع فضل الماء؛ حيث لا يتفاوت معه المعنى حتى يعد خارجا عن حدود النقل بالمعنى المتداول بين الروات، و اكتفى بذكر هذه الفقرة أعني لا ضرر بعنوان قضاء مستقل لوروده في موارد مختلفة.

و مما يقرب هذه الاحتمال انه لا شك في ورود «لا ضرر» في ذيل قضية سمرة و لكن عبادة لم ينقل موردها بل اكتفى بنقل قضائه بان لا ضرر و لا ضرار مجردا عن كل شي‏ء؛ فيستكشف من ذلك عدم اعتنائه بنقل هذه الخصوصيات، فاكتفائه بذكر هذه الفقرة مستقلة؛ عن تذييل قضائه (صلّى اللَّه عليه و آله و سلم) في الشفعة و منع فضل الماء بها، قريب جدا.

هذا مع ان الكلام بعد في سند رواية عبادة بن صامت، فان مجرد توثيق عبادة لو ثبت لا يكفي في الاعتماد على الرواية، لاشتمال سندها على رجال آخرين لم يثبت لنا وثاقتهم لما عرفت من ان أحمد نقلها في مسنده بست وسائط عن عبادة؛ هذا كله مضافا الى ان الجمع بين الروايات في نقل واحد بهذا الوجه (بإلحاق حكم يكون كالكبرى برواية خاصة تكون كالصغرى له) غير معهود من الروات، بل هو أشبه بالفتاوى و الاجتهادات التي تداولت بعد عصر الروات كما لا يخفى؛ فالحاصل ان صرف النظر عن ظهور رواية عقبة في ورود جميع فقراتها في واقعة واحدة و ارتباط بعضها ببعض بأمثال هذه الاحتمالات مشكل جدا، و وجود «فاء التفريع» و ان كان مؤيدا للاتصال و لكن عدمها لا يدل على عدمه، بل العطف بالواو أيضا ظاهر فيه و ان كان‏

50

أضعف ظهورا من الفاء.

و قد تبع هذا المحقق على هذا القول، المحقق النائيني (قدس سرهما) في رسالته المعروفة و استدل له مضافا الى ما ذكره بوجوه أخرى:

أحدهما- أن أقضية النّبي (صلّى اللَّه عليه و آله) مضبوطة عند الإمامية و أهل السنة، و بعد اتفاق ما رواه العامة عنه (صلّى اللَّه عليه و آله) مع ما رواه أصحابنا عن ابى عبد اللَّه (عليه السلام) و بعد ورود «لا ضرر» مستقلا في طريقهم، يحدس الفقيه ان ما ورد في طريقنا أيضا كان قضاء مستقلا من دون ان يكون تتمة لحديثى الشفعة و منع فضل الماء و انما الحقه بها عقبة بن خالد من باب الجمع في الرواية و الثقل ثانيها- ان جملة «و لا ضرار» على ما سيجي‏ء من معناها لا تناسب حديث الشفعة و لا حديث منع فضل الماء فلا يحتمل تذييلهما بها في كلام النّبي (صلّى اللَّه عليه و آله).

ثالثها- ان بيع الشريك بغير رضا شريكه ليس مقتضيا للضرر فضلا عن ان يكون علة له فلا يصح تعليل فساده بحديث لا ضرر، و كذلك كراهة منع فضل الماء- على ما هو الأقوى من انه ليس وجه التحريم- لا يمكن تعليلها بلا ضرر، فيستكشف من هذا عدم كونه من تتمة الحديثين.

ثمَّ أورد على نفسه بإمكان كونه من قبيل العلة في التشريع (يعنى به حكمة الحكم فأجاب عنه بأن حكمه الاحكام لو لم تكن دائمية فلا أقل من لزوم كونها غالبية و الحال انه ليس الضرر في موارد الشفعة و منع فضل الماء غالبيا هذه خلاصة ما افاده.

هذا و لكن يدفع الأول ما عرفت آنفا من ان القرائن شاهدة على عدم كون هذه الفقرة قضاء مستقلا حتى يلزم خلو رواية عقبة عنها، بل الظاهر ان عبادة هو الذي حذف موردها أو مواردها و جعلها قضاء مستقلا؛ و ليس عليه حرج لعدم كونه بصدد نقل جميع الخصوصيات كما تنادي به روايته. و يشهد له أيضا ترك ذكر قضائه في حق سمرة بن جندب الذي وردت هذه الفقرة في ذيلها و كذلك عقبة بن خالد لم يذكر قضية سمرة و ما حكمه النّبي (صلّى اللَّه عليه و آله و سلم) هناك، فلعله أو كل أمرها إلى شهرتها، أو لم يكن بصدد استقصاء جميع قضاياه (صلّى اللَّه عليه و آله) فإنه لم يثبت لنا كونه بصدد ذلك، فلا «عقبة بن خالد» كان بصدد

51

استقصاء قضايا النّبي (صلّى اللَّه عليه و آله) و لا «عبادة» كان بصدد بيان خصوصيات قضاياه.

و يجاب عن الثاني بأنه يمكن ان يكون ذكر «و لا ضرار» بعد قوله «لا ضرر» من قبيل الاستشهاد بثلث فقرات من حديث الرفع (رفع ما أكرهوا عليه و ما لم يطيقوه و ما اخطأوا) في رواية البزنطي و صفوان عن ابى الحسن (عليه السلام) الواردة في رجل اكره على اليمين فيحلف بالطلاق و العتاق و صدقة ما يملك، فان مورد استشهاده (عليه السلام) لم يكن جميع الثلاثة، بل خصوص رفع الإكراه، و هذا أمر شائع عند الاستشهاد بالقضايا التي تشتهر بعبارة مخصوصة وجيزة، فإنها كثيرا ما تنقل بجميعها في مقام الاستشهاد و ان كان مورد الاستشهاد خصوص بعض فقراتها، فذكر لا ضرار في كلام النبي (صلّى اللَّه عليه و آله) عقيب قوله لا ضرر عند قضائه في الشفعة أو منع فضل الماء، تتميما لهذه القضية التي اعتمد عليها في غير مقام لا ينافي عدم انطباقه على مورد الحديثين، و ان هذا إلا مثل سؤال بعضنا عن بعض عن حكم النائم و الجواب عنه بما ورد من رفع القلم عن الصبي حتى يحتلم و عن المجنون حتى يفيق و عن النائم حتى يستيقظ، مع ان مورد الاستشهاد احدى فقراتها فقط؛ هذا مضافا الى ان منافاة قوله «و لا ضرار» لمورد الحديثين غير واضح كما سيأتي البحث عنه إنشاء اللَّه عند البحث عن معنى كلمتي الضرر و الضرار فانتظر.

و يدفع الثالث ان حمل النهي في مسألة منع فضل الماء على الكراهة غير معلوم، بيان ذلك: ان القدر المتيقن من مورد الرواية هو ما إذا كان الممنوع في حاجة شديدة، و يشق عليه تحصيل ماء آخر لسقيه أو سقى مواشيه بحيث لو منع من فضل ماء البئر وقع في مضرة شديدة و حرج و ضيق في المعيشة، و لا إطلاق لها يشمل غير هذه الصورة، فإنها واردة في حق أهل بوادي المدينة و من ضاهاهم و الظاهر ان الأمر بالنسبة إليهم، و تلك الابار في ذاك العصر كان من هذا القبيل و لا أقل من الشك فلا يمكن التعدي عنها الى غير هذه الموارد. ثمَّ انه لا يبعد من مذاق الشارع المقدس ان يأمر مالك البئر ان لا يمنع فضل مائه في أمثال المقام اما مجانا و بلا عوض أو في مقابل القيمة، على خلاف في ذلك بين القائلين بوجوب البذل كما عرفت شرحه عند نقل الأحاديث رعاية لمصالح جمع من ذوي الحاجة من المسلمين. و قاعدة تسلط الناس على أموالهم‏

52

و ان كانت قاعدة مسلمة ثابتة عند الشرع و العقلاء؛ الا انه لا مانع من تحديدها من بعض النواحي من قبل الشارع المقدس، لمصالح هامة كما وقع التحديد من ناحية العقلاء في بعض الموارد، كيف و قد حددها الشارع في مواضع أخر؛ في مورد الاحتكار و الأكل في المخمصة و أمثالهما.

و لا مانع من القول بوجوب بذل فضل الماء هنا كما صار اليه جمع من الفقهاء، هذا شيخ الطائفة قد أوجب على مالك البئر بذل فضل مائه مجانا حيث قال فيما حكى عن مبسوطه: «ان كل موضع قلنا فيه يملك البئر فإنه أحق بمائها بقدر حاجته لشربه و شرب ماشيته و سقي زرعه، فاذا فضل بعد ذلك شي‏ء وجب بذله بلا عوض لمن احتاج اليه لشربه و شرب ماشيته- الى ان قال- اما لسقي زرعه فلا يجب عليه؛ لكنه يستحب» و ذكر في الخلاف نحوه، و في المختلف حكايته عن ابن الجنيد و عن الغنية أيضا، فراجع.

نعم ظاهر المشهور عدم وجوب البذل و لعل الوجه فيه ترددهم في صحة أسانيد الروايات الدالة على هذا الحكم- كما حكى عن المسالك- أو استنادهم فيه الى عموم السلطنة و غيرها و استبعاد تخصيصها بأمثال هذه الروايات، و استيفاء البحث عن هذا الحكم موكول الى محله من كتاب «احياء الموات».

و الغرض من جميع ما ذكرنا ان القول بحرمة منع فضل الماء مما لا استبعاد فيه، كما ان انطباق عنوان الضرر على القدر المتيقن من مورد الرواية بالنظر الوسيع العرفي قريب جدا كانطباقه على مورد الاحتكار و شبهه؛ فاذن لا وجه للقول بان الذيل كان حديثا مستقلا وقع الجمع بينه و بين سائر فقرات الرواية من الراوي، فانطباق لا ضرر على مورد الرواية قريب بعد ملاحظة ما ذكرنا في توضيحه، و العجب ان المحقق النائيني قده لم يكتف بما ذكر حتى منع انطباق لا ضرر على مورد الرواية و لو بعنوان حكمة الحكم. مع ما عرفت من ان انطباقه على القدر المتقن من مورد الرواية بعنوان علة الحكم أيضا قريب فضلا عن حكمة الحكم. هذا كله مضافا الى ان التعليل بما يشتمل على حكم إلزامي لتأكيد الا و أمر الاستحبابية أو النواهي‏

53

التنزيهية المؤكدة غير بعيد، فمجرد كون الحكم المعلل غير إلزامي لا يكفى شاهدا للحكم بعدم تذييله بهذه العلة المشتملة علي حكم إلزامي فتدبر.

و اما حديث الشفعة فلا مانع من ورود لا ضرر فيه بعنوان حكمة الحكم و القول بأن الحكمة لا بد أن تكون امرا غالبيا، و ليس الضرر الحاصل بترك الأخذ بالشفعة و لزوم بيع الشريك على شريكه كذلك ممنوع بعدم الدليل على لزوم كونها امرا غالبيا بل يكفى كونها كثير الوقوع، و ان لم يكن غالبيا بل لا يبعد كفاية عدم كونها نادرا، الا ترى انه قد ورد في غير مورد من المناهي انه يورث الجنون أو البرص أو أمثال ذلك، مع ان هذه اللوازم ليست دائمية بل و لا غالبية.

و أضعف منه القول بان الضرر الناشي من ترك الشفعة اتفاقي نادر الوقوع- كما يظهر من بعض كلمات المحقق النائيني في رسالته الميل إليه- فإنه ممنوع جدا لما نشاهد من حال الناس و عدم رضائهم بأي شريك بل الذين يرضونهم للشركة أقل بمراتب بالنسبة الى من لا يرضونه. و لا شك لمن لا حظ حال الشركاء في المساكن و الأرضين و غيرها انه لو لا حكم الشفعة و جاز للشريك بيع حصته ممن شاء عمن دون رعاية نظر شريكه، لوقع بين الناس من التشاجر و التنازع و البغضاء و فساد الأموال و الأنفس ما لا يخفى.

نعم هذا الضرر ليس دائميا حتى يصلح لان يكون علة لهذا الحكم و لكنه يصلح ان يكون حكمة له بلا اشكال.

و لقائل أن يقول: كيف يجعل حكم واحد (مثل لا ضرر) علة في مقام مثل قضية سمرة؛ و حكمة في مقام آخر كما فيما نحن فيه؟ و قد أشار الى هذا الاشكال المحقق النائيني في رسالته و ارتضاه. لكن الإنصاف انه أيضا في غير محله لعدم المانع من ذلك أصلا، و هل ترى مانعا من جعل حفظ النفوس حكمة في باب القصاص و الديات؛ و علة في باب وجوب بذل الطعام عند المخمصة لمن لا يجد اليه سبيلا بل قد يكون حكم واحد في قضية واحدة علة من جهة و حكمة من اخرى، كما نريهم يسرحون بان الإسكار علة لتحريم الخمر و لذا يجوز التعدي عن الخمر إلى سائر المسكرات؛ مع ما يرى منهم انه من قبيل الحكمة من جهة المقدار و الكم؛ و ان «ما أسكر كثيره فقليله حرام»

54

كما ورد في عدة روايات، و حينئذ أي مانع من جعل قول الشارع «لأنه مسكر» مثلا علة في بعض المقامات و حكمة في أخرى مع جوازه في مقام واحد من جهتين.

و لا يتوهم ان ذلك يوجب اختلافا في معنى هذه الفقرة حتى يستبعد استعمالها في معنيين مختلفين (و لو في مقامين مختلفين كما في محل البحث) فان المعنى في الجميع واحد لا اختلاف فيه أصلا، و انما الاختلاف في كيفية التعليل بها و نحو ارتباط هذه الكبرى مع صغراها، فإنها قد تكون علة لتشريع حكم عام فتكون حكمة، و لا يجب دوران ذلك الحكم مدارها بل قد تتخلف عنها كما في حكم الشفعة، و في بعض المقامات تكون ضابطة كلية تلقى الى المكلفين يدور الحكم معها حيثما دارت، و اما تشخيص كون العلة من قبيل الأول أو الثاني فإنما هو من القرائن اللفظية و المقامية و كيف كان فلا يتوجه على الحديث إيراد من هذه الناحية أيضا.

و قد تحصل مما ذكرنا ان الاستشكال في مناسبة لا ضرر لمورد الحديثين ضعيف جدا، و لو بنى على أمثال هذه التشكيكات جرى الإشكال في كثير من الظواهر المرتبطة بعضها ببعض، و الانصاف انا لو خلينا و أنفسنا لا نجد أي فرق بين هذين الحديثين و سائر الروايات الواردة في وقائع مختلفة المشتملة على ذكر التعليلات و الكبريات، بل لعله لو لم يفتح باب هذا التشكيك ما كان يبدو في أذهانهم قدس اللّه أسرارهم شي‏ء من هذه الإيرادات و انما حصلت ما حصلت بعد إبداء هذا الاحتمال.

و إذ قد عرفت ذلك فلنرجع الى بيان مفاد هذه الفقرة التي هي العمدة في مدرك هذه القاعدة، و البحث عنها تارة يكون حول مفردات الحديث اعنى كلمتي «الضرر» و «الضرار» و اخرى في معنى الجملة،

فيقع البحث في مقامين:

الأول في معنى الضرر و الضرار

قد اختلف عبارات اللغويين في معناهما فاما الضرر:

فعن «الصحاح» انه خلاف النفع.

و عن «القاموس»: انه ضد النفع و انه سوء الحال.

و عن «النهاية» و «مجمع البحرين»: انه نقص في الحق.

55

و عن «المصباح» انه فعل المكروه بأحد و النقص في الأعيان.

و ذكر الراغب في «مفرداته» انه سوء الحال، اما في النفس لقلة العلم و الفضل و اما في البدن لعدم جارحة و نقص، و اما في الحال من قلة مال و جاء (1).

و الظاهر ان الاختلاف بين هذه التعبيرات من جهة وضوح معنى الكلمة لا لاختلاف في معناها، بل الرجوع الى أقوال أهل اللغة- لو قلنا بحجية قول اللغوي- في أمثال هذه المقامات التي يكون المعنى ظاهرا عند أهل العرف يعرفه كل من انس بهم و لو من غير أهل لسانهم، مشكل، لان الرجوع إليهم من باب رجوع الجاهل الى العالم و أهل الخبرة، و هنا ليس كذلك لان كل من يزاول هذه اللغة كمزاولتنا يكون من أهل الخبرة بالنسبة إلى أمثال هذه اللغات الدارجة، بحيث يحصل له من تتبع موارد استعمالاتها الكثيرة نوع ارتكاز بالنسبة إلى معناها اللغوي يمكنه الرجوع اليه عند الشك في بعض مصاديقه؛ مضافا الى انه ليس من دأب اللغويين التعرض لخصوصيات معنى هذه اللغات اتكالا على وضوحها، فاللازم علينا الرجوع الى ما ارتكز في أذهاننا و أذهان أهل العرف من معناها.

و الذي نجده من ارتكازنا الحاصل من تتبع موارد استعمالات هذه الكلمة ان معناها هو «فقد كل ما نجده و ننتفع به من مواهب الحيات من نفس أو مال أو عرض أو غير ذلك» و ما قد يقال بعدم صدقه في موارد فقد العرض كما ترى نعم استعماله في بعض موارد فقد العرض قليل، بل الظاهر صدقه في موارد اجتماع الأسباب و حصول المقتضى لبعض و تلك المنافع إذا منع منه مانع، كما ان الظاهر انه مقابل للنفع كما يشهد به كثير من آيات الذكر الحكيم مثل قوله تعالى‏ وَ يَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ وَ لا يَنْفَعُهُمْ‏ و قوله:

يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُ وَ ما لا يَنْفَعُهُ‏، و قوله‏ يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ‏، و قوله: عز من قائل‏ وَ لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَ لا نَفْعاً؛ الى غير ذلك.

هذا و الأمر فيه سهل بعد إمكان الرجوع الى ما ارتكز في الذهن من تتبع موارد

____________

(1) ذكره في معنى الضر بالضم و التشديد و هو و الضرر بالفتح و الضرر بمعنى واحد كما وقع التصريح به في بعض كلمات اللغويين.

56

استعمالاته عند الشك في بعض مصاديقه فان الرجوع الى هذا الارتكاز يغني عن إتعاب النفس في تحصيل ضابطة كلية له.

و اما الضرار فهو مصدر باب المفاعلة من ضاره يضاره؛ و ذكر في معناه أمور:

الأول- انه فعل الاثنين و الضرر فعل الواحد.

الثاني- انه المجازاة على الضرر.

الثالث- انه الإضرار بالغير بما لا ينتفع به بخلاف الضرر فإنه الإضرار بما ينتفع الرابع- انهما بمعنى واحد. ذكر هذه المعاني الأربعة في «النهاية» و ظاهرها انه مشترك لفظي بين هذه المعاني.

الخامس- انه بمعنى الضيق ذكره في القاموس.

السادس- انه الإضرار العمدي و الضرر أعم منه؛ مال اليه المحقق النائيني في آخر كلامه بعد ان جعلهما بمعنى واحد في أول كلامه و لذا احتمل كونه للتأكيد في محل الكلام و التحقيق ان المعنى الأخير أقرب من الجميع فإنه الذي يظهر بالتتبع في موارد استعماله في الكتاب العزيز و الروايات قال اللّه تعالى‏ وَ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَ لا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا (1) فان قوله‏ لِتَعْتَدُوا من أقوى الشواهد على ان الضرار هنا بمعنى التعمد في الضرر بقصد الاعتداء و قد مر في رواية العشرين من الروايات السابقة ما يؤيده و يؤكده و قوله تعالى‏ لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَ لا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ‏ (2) و قد مر ان المعروف في تفسيرها انه تعالى نهى عن إضرار الا بولدها بترك إرضاعه غيظا على أبيه و عن إضرار الأب بولده بانتزاعه عن امه طلبا للإضرار بها.

و قوله تعالى‏ وَ ما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ‏ (3) و كونه بمعنى الإضرار العمدي بالسحر واضح، و قوله عز من قائل‏ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى‏ بِها أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ (4) و قد مر ان المعروف في تفسيرها النهى عن الإضرار بالورثة بإقراره بدين ليس عليه‏

____________

(1) البقرة- 231.

(2) البقرة 233.

(3) البقرة- 102.

(4) النساء- 12

57

دفعا لهم عن ميراثهم.

و قوله تعالى‏ وَ لا تُضآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَ‏ (1) نهى عن الإضرار بالمطلقات و التضييق عليهن في النفقة و السكنى طلبا للإضرار بهن. و قد مضى في الحديث التاسع من الأحاديث السابقة المروية عن هارون بن حمزة الغنوي عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) من ان البعير المريض إذا برء و طلب الشريك الرأس و الجلد فهو الضرار، و لا يخفى انه إذا ازدادت القيمة بالبرء و مع ذلك طلب الرأس و الجلد فليس الا لقصد الإضرار بصاحبه بل الظاهر ان قوله في رواية سمرة: انك رجل مضار ناظر الى هذا المعنى فإن القرائن تشهد على انه لم يقصد بعمله إلا الإضرار بالأنصاري فهذا المعنى أقرب معانيه.

و اما احتمال كونه فعل الاثنين فالظاهر انه بملاحظة كونه من باب المفاعلة، و لكنه قياس في غير محله لعدم استعماله في شي‏ء من الموارد التي أشرنا إليها آنفا في هذا المعنى.

و اما كونه بمعنى المجازاة على الضرر، فلعله مأخوذ من سابقة و هو أيضا ضعيف لما عرفت.

و اما كونه بمعنى الإضرار بالغير بما لا ينتفع، فالظاهر انه من لوازم المعنى المختار في كثير من الموارد فهو من قبيل ذكر الملزوم و ارادة اللازم.

و اما كونهما بمعنى واحد فهو في الجملة صحيح على ما ذكرنا لان الضرر أعم من العمدي و غيره فيتصادقان في العمدي و يفترقان في غيره.

و اما كونه بمعنى «الضيق» كما ذكره في القاموس بناء على ان المراد منه الإيقاع في الحرج و الكلفة في مقابل الضرر الذي هو إيراد نقص في الأموال و الأنفس (كما قد يفسر بذلك) فهو أيضا مما لا يمكن المساعدة عليه، فإنه لا يلائم موارد استعماله، فان قوله تعالى‏ أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ ناظر إلى الإضرار بالورثة ضررا ماليا بان يوصي بوصية أو يقر بدين ليس عليه، منعا لهم عن حقهم كما عرفت في أوائل الكتاب، و لو قيل ان هذا عين الإلقاء في الضيق و الكلفة قلنا بان جميع موارد إيراد النقص في الأموال و الأنفس‏

____________

(1) الطلاق- 6.

58

من هذا القبيل.

و قد مر في الرواية الخامسة عشرة أيضا: ان الضرار في الوصية من الكبائر، و هو أيضا مستعمل في هذا المعنى أعني إيراد النقص المالى على الغير، و قد مر في رواية هارون بن حمزة الغنوي (الرواية العاشرة) استعماله في مورد الضرر المالى، و أيضا قوله تعالى‏ «وَ ما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ» يشمل الضرر في الأموال و الأنفس بلا إشكال فإنه من أوضح مصاديق السحر و قد استعمل الضرر أيضا في هذا المورد بعينه في قوله تعالى:

«وَ يَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ وَ لا يَنْفَعُهُمْ».

و بالجملة القرائن الكثيرة المستفادة من موارد استعمال هذه الكلمة تؤكد كونها بمعنى التعمد في الضرر.

و اما سائر المعاني المذكورة فهي اما ناشئة من توهم كونه بين الاثنين لكونه مصدرا لباب المفاعلة و اما تكون من لوازم المعنى المختار أو غير ذلك من الأمور التي لا يسعنا الاعتماد عليه. هذا تمام الكلام في معنى كلمتي «الضرر» و «الضرار»

الثاني- في معنى الحديث و مفاده‏

اعلم ان في معنى الحديث الشريف احتمالات قال بكل منها قائل:

الأول- ان معنى نفى الضرر نفى الأحكام الضررية

، اما بان يكون مجازا من باب ذكر المسبب و ارادة السبب كما يظهر من شيخنا الأعظم العلامة الأنصاري فإن لزوم البيع مع الغبن حكم يلزم منه ضرر على المغبون و كذا الحكم بجواز دخول سمرة دار الأنصاري بغير اذنه موجب للضرر (و ان كان له حق العبور في الجملة) فنفى الضرر هنا بمعنى نفى ذلك الحكم الوضعي أو التكليفي المستلزم له، و هكذا في سائر المقامات و اما يكون إطلاق الضرر على الحكم الموجب له من باب الحقيقة الادعائية؛ كما هو الشأن في جميع المجازات على قول جمع من المحققين، و اما من باب الإطلاق الحقيقي بلا احتياج الى الادعاء كما اختاره المحقق النائيني (قدس سره).

الثاني- انه من قبيل نفى الحكم بلسان نفى الموضوع‏

، بان يكون نفى الضرر كناية عن نفى احكام الضرر في الشريعة، اختاره المحقق الخراساني (قدس سره) في‏

59

الكفاية و في حاشيته على الفوائد، و لكن الظاهر ان مختاره في الكتابين و ان كان متقارب المضمون الا ان بينهما فرقا من حيث ان ظاهر كلامه في الأول ان نفى الضرر كناية عن نفى جميع احكامه، و ظاهر الثاني انه كناية عن نفى الإضرار بالغير أو تحمل الضرر عنه خاصة، فراجعهما و تأمل.

الثالث- ان يكون المراد من نفى الضرر نفى صفة من صفاته‏

اعنى «عدم التدارك» فقوله: لا ضرر اى: لا ضرر غير متدارك موجود في الشريعة، حكاه العلامة الأنصاري في رسالته المطبوعة في ملحقات المكاسب من بعض الفحول و لم يسمه. و هذه الاحتمالات الثلاثة تبتنى على إرادة النفي من لفظة «لا».

الرابع- ان يكون المراد منه النهى عن إضرار الناس بعضهم ببعض‏

بان يراد من لفظة «لا» النهى، اختاره جمع من اعلام المتأخرين و في مقدمهم علامة عصره شيخ الشريعة الأصفهاني في رسالته التي صنفها في هذه القاعدة و هي رسالة نافعة مشتملة على فوائد جمة من أشباه التركيب أيضا بما سيأتي الإشارة اليه، و من كلمات أئمة اللغة أيضا.

فهذه أقوال أربعة في معنى الحديث، لو لم نجعل ما ذكره المحقق الخراساني في الحاشية و الكفاية قولين مختلفين، و يختلف مفادها و نتائجها: فعلى الأخير يسقط الحديث عن الاستدلال به في الأبواب المختلفة من الفقه بالكلية، و لا يستفاد منه الا حكم فرعى تكليفي بعدم جواز إضرار الناس بعضهم ببعض؛ و على الثالث لا يستفاد منه إلا لزوم الغرامة و التدارك في موارد الإضرار، و اما على الأولين يكون مشتملا على قاعدة عامة حاكمة على عمومات الاحكام الأولية بما سنتلو ذكره إنشاء اللّه، و لكن الحق انه لا تظهر ثمرة مهمة بين هذين كما ستعرف.

المختار في معنى الحديث‏

و لنذكر أولا ما قيل أو يمكن ان يقال في توجيه كل واحد من المعاني المذكورة حتى تكون على بصيرة من أمرها، ثمَّ لنبحث عما هو المختار سواء أ كان بين هذه المعاني أو معنى آخر سواها فنقول و من اللّه الهداية

60

أما المعنى الرابع فغاية ما يمكن ان يقال في توجيهه ما ذكره شيخ الشريعة الأصفهاني في رسالته، فإنه (قده) انتصر له باوفى البيان و اتى بما لا مزيد عليه و إليك نص عبارته:

«ان حديث الضرر محتمل عند القوم لمعان: أحدها ان يراد به النهى عن الضرر، فيكون نظير قوله تعالى‏ فَلا رَفَثَ وَ لا فُسُوقَ وَ لا جِدالَ فِي الْحَجِ‏ و قوله تعالى‏ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ أَنْ تَقُولَ لا مِساسَ‏، اى لا يمس بعض بعضا فصار السامري يهيم في البرية مع الوحش و السباع لا يمس أحدا؛ و لا يمسه احد؛ عاقبه اللّه تعالى بذلك و كان إذا لقي أحدا يقول: لا مساس! اى لا تقربني و لا تمسني، و مثل قوله (صلّى اللَّه عليه و آله و سلم) لا جلب و لا جنب و لا شغار في الإسلام، و قوله لا جلب و لا جنب و لا اعتراض، و قوله لا إخصاء في الإسلام و لا بنيان كنيسة و قوله لا حمى في الإسلام، و قوله و لا مناجشة، و قوله لا حمى في الأراك؛ و قوله لا حمى الا ما حمى اللّه و رسوله، و قوله لا سبق إلا في خف أو حافر أو نصل، و قوله لا صمات يوم الى الليل، و قوله لا صرورة في الإسلام، و قوله لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، و قوله لا هجر بين المسلمين فوق ثلثة أيام و قوله لا غش بين المسلمين.

هذا كله مما في الكتاب و السنة النبوية، و لو ذهبنا لنستقصى ما وقع من نظائرها في الروايات و استعمالات الفصحاء نظما و نثرا لطال المقال و ادى الملال، و فيما ذكرنا كفاية في إثبات شيوع هذا المعنى في هذا التركيب، اعنى تركيب «لا» التي لنفى الجنس و في رد من قال في إبطال احتمال النفي ان النفي بمعنى النهى و ان كان ليس بعزيز الا انه لم يعهد من مثل هذا التركيب».

ثمَّ ذكر في تأييد هذا المعنى في كلام له في غير المقام ما نصه: و لنذكر بعض كلمات أئمة اللغة و مهرة أهل اللسان تراهم متفقين على إرادة النهي لا يرتابون فيه و لا يحتملون غيره، ففي «النهاية الأثيرية»: قوله لا ضرر اى لا يضر الرجل أخاه فينقصه شيئا من حقه؛ و الضرار فعال من الضرر اى لا يجازيه على إضراره بإدخال الضرر عليه، و في «لسان العرب» و هو كتاب جليل في اللغة في عشرين مجلدا معنى‏