المحجة في تقريرات الحجة - ج2

- الشيخ علي الصافي الگلپايگاني المزيد...
526 /
3

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

4

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

5

الكلام في القطع و الظنّ و الشّك‏

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏

الحمد للّه ربّ العالمين، و الصلاة و السلام على خير خلقه محمد و آله الطاهرين، و اللعن على أعدائهم من الآن الى قيام يوم الدين.

الكلام في القطع و الظنّ و الشكّ‏

و قبل التكلم في أصل المطلب نقول بأن الشيخ (رحمه اللّه) قال في الرسائل: (إنّ المكلّف إذا التفت الى حكم شرعيّ فإمّا أن يحصل له الشكّ فيه، أو القطع، أو الظنّ، فإن حصل له الشكّ فالمرجع فيه هو القواعد الشرعية الثابتة للشاكّ في مقام العمل ...

الى آخره).

و استشكل عليه المحقّق الخراساني (رحمه اللّه) و بعض آخر بأن على هذا يلزم تداخل الأقسام، إذ ربّ شكّ يكون حكمه حكم الظنّ، و بالعكس، فليس مطلقا الظنّ من حيث الحكم في مقابل الشكّ، و كذلك ليس كلّ شكّ مطلقا في مقابل الظنّ من حيث الحكم، بل ربّما يكون حكم الظنّ حكم الشكّ، كما يكون كذلك في الظنّ الغير المعتبر، و لكن بعد التأمّل في كلام الشيخ (رحمه اللّه) و في مطلبه يظهر لك صحة كلامه (رحمه اللّه) و عدم ورود إشكال عليه؛ لأنّه تارة يكون هذا التقسيم باعتبار الحكم، يعني باعتبار ما هو التكليف المكلّف من حيث الحكم عند طروء هذه الصفات له، فإن كان التقسيم بهذا

8

الاعتبار فيرد الإشكال على الشيخ (رحمه اللّه)؛ لأنّ الظنّ من حيث الحكم ليس مطلقا في مقابل الشكّ. و تارة يكون التقسيم لا باعتبار الحكم، بل يكون النظر الى أنّ مجرّد التفات المكلّف الى الحكم مطلقا يحصل له هذه الصفات الثلاثة: إمّا القطع أو الظنّ أو الشكّ، فلا يكون النظر على هذا الى أحكامها، بل يكون الى نفس هذه الصفات.

فعلى هذا و لو كان بعض هذه الصفات من حيث الحكم متّحدا مع صفة اخرى إلّا أنّ في حدّ ذاته كلّا منها صفة في قبال الآخر فلا يلزم تداخل الأقسام على هذا، و ضرورة.

يكون الأمر كذلك، إذ كلّ شخص بعد توجّهه لأمر إمّا أن يحصل له القطع، أو الظنّ، أو الشكّ، و نظر الشيخ (رحمه اللّه) الى هذا.

إن قلت: لو كان المراد من التقسيم نفس هذه الصفات في حدّ ذاتها مع قطع النظر عن حكمها فلم لم يتعرّض للوهم؟ و الحال أنّ الوهم أيضا صفة في قبال هذه الصفات، و ربّما يحصل للشخص الوهم، فكان الحقّ على هذا أن يقول: إمّا أن يحصل له القطع، أو الظنّ أو الشكّ، أو الوهم.

نقول: بأنّ الوهم و إن كان هو احتمال المرجوح في مقابل الظنّ و هو كون الاحتمال في طرف أرجح من الآخر، و في قبال الشكّ و هو كون الاحتمال في الطرفين مساويا، و في قبال القطع و هو عدم احتمال الخلاف في الطرف الآخر، إلّا أنّ مع ذلك لا يلزم جعله في هذا التقسيم قسما آخر في قبال القطع و الظنّ و الشكّ.

و السّرّ في ذلك: هو كون هذا التقسيم باعتبار ما يترتّب على هذه الصفات من الأحكام، و بعد كون الوهم احتمال المرجوح في طرف و هو أضعف من الشكّ لكون الاحتمال في الطرفين مساويا يكون من حيث الحكم داخلا في الشكّ فلا يلزم ذكره مستقلا، و هذا لا يتنافى مع ما قلنا في ردّ المحقّق الخراساني (رحمه اللّه) من عدم كون التقسيم بلحاظ الأحكام مرادنا؛ لأنّه فعلا لم يكن الشيخ (رحمه اللّه) في مقام بيان حكم هذه‏

9

الصفات، و هذا لا يتنافى مع كون التقسيم بلحاظ الأحكام المترتّبة عليها و لو أنّه يذكر بعد في محلّه ما يثبته. فظهر لك ممّا تلونا عليك: أنّ ما قاله الشيخ (رحمه اللّه) في هذا المقام في محلّه و لا يرد عليه إشكال من هذا الحيث.

ثمّ إنّ المحقّق الخراساني (رحمه اللّه) قال في مقام التقسيم بيانا آخر فرارا عن بعض الإشكالات المتوهّم ورودها على التقسيم الذي ذكره الشيخ (رحمه اللّه)؛ فقال: (إنّ البالغ الذي وضع عليه القلم إذا التفت الى حكم فعليّ واقعيّ أو ظاهريّ متعلّق به أو مقلّديه: فإمّا أن يحصل له القطع به، أو لا، و على الثاني لا بدّ من انتهائه الى ما استقلّ به العقل من اتّباع الظنّ لو حصل له، و قد تمّت مقدمات الانسداد على تقدير الحكومة، و إلّا فالرجوع الى الاصول العقلية ... الى آخره).

و لكن مع ذلك يرد عليه إشكالات:

الأول: أنّ ظاهر كلامه اختصاص التقسيم بالمكلف البالغ لقوله: (البالغ الذي وضع عليه القلم)، و الحال أنّ الأمر ليس كذلك:

أمّا أولا فلأنّ غير البالغ- أعني الصبي- أيضا يلتفت الى حكم فعلي؛ لأنه على القول بمشروعية عبادة الصبي كما هو مذهبه و استحباب العبادات له فهو أيضا يلتفت تارة الى حكم فعلي، فإمّا أن يحصل له القطع أو غيره؛ لأن الصبي و لو لم يكن الواجب عليه واجبا و الحرام عليه حراما، إلّا أنّه مع ذلك يستحبّ له الإتيان بالواجبات فيحصل له حكم فعلي، إلّا أن يلتزم بكون هذا التقسيم لخصوص الواجبات و المحرّمات، و على هذا لا يدخل الصبيّ؛ لعدم حكم فعليّ وجوبيّ أو تحريميّ له، و لكنّ هذا الالتزام في غير محلّه، و لا إشكال لتعميم التقسيم للمستحبات و المكروهات أيضا.

و أمّا ثانيا يكون تارة نفس الصبي موضوعا لإجراء حكم المولى، مثلا لو علم الوليّ بأنّ الصبي صار جنبا و لكن شكّ في أنّه اغتسل أم لا فلا بدّ من إجراء الصبي‏

10

الاستصحاب و الحكم لأجله ببقاء جنابته، ثمّ يتفرّع على ذلك حكم للولي و هو لزوم ردعه عن مسّ كتابة القرآن، ففي مثل هذا المورد نفس الصبي يجري الاستصحاب، فهذا شاهد على كون حكم الشكّ له فيدخل في هذا التقسيم.

الثاني: قال: (إذا التفت الى حكم فعليّ واقعي أو ظاهري ... الى آخره)، و ظاهر كلامه هو: أن البالغ تارة يلتفت الى حكم فعليّ واقعي، و تارة الى حكم فعليّ ظاهري. و قبل ذكر الإشكال نقول: إنّ مراده من الفعلي في هذا المقام ليس هو الفعليّ الذي اذا علم به أيضا لم يتنجّز؛ لأنّ الحكم عليه و لو قطع به الشخص لم يتنجّز، لأنّ له شرائط أخر غير العلم، فهو بالعلم لا يصير منجّزا، بل مراده من الفعليّ هو الفعليّ الذي لو علم به لتنجّز، فليس لتنجّزه شرط إلّا العلم، فهذا القيد احتراز من الفعليّ بالمعنى الأوّل.

إذا عرفت ذلك نقول: بأنّ من يقول بكون مؤدّى الأمارات أحكاما- كما قال به القدماء- لا يرد عليه إشكال لو قال: يحصل له حكم ظاهري، و أمّا من لم يقل بهذا و قال: معنى جعل الأمارة هو جعل الحجّية التي معناها هو التنجّز عند الإصابة و العذر عند المخالفة فكيف يقول بأنّه (إذا التفت الى حكم فعليّ واقعيّ أو ظاهري؟

و هذا المحقّق (رحمه اللّه) قال في الجمع بين الحكم الواقعي و الظاهري بجعل الحجّية فلم يكن على مبناه في الأمارات جعل حكم، نعم قال بجعل الحكم في بعض الاصول، فعلى أي حال يرد عليه في الأمارات: بأنّ على مبناك ليس مؤدّاها أحكاما أصلا فتخرج الأمارات عن هذا التقسيم.

الثالث: قال: (و على الثاني لا بدّ من انتهائه الى ما استقلّ به العقل) و حاصل كلامه هو: أنّ بعد عدم حصول القطع بحكم فعليّ ظاهريّ أو واقعيّ يكون المرجع هو الظنّ الانسدادي على تقرير الحكومة، ثم بعد ذلك المرجع هو الاصول فجعل الاصول في طول الظنّ الانسدادي، و الحال أنّ الظنّ في حال الانسداد في طول‏

11

الاصول؛ لأن إحدى مقدمات دليل الانسداد هي عدم إمكان جريان الأصل في كلّ واقعة، فبعد عدم إمكان جريان الأصل تصل النوبة الى الظنّ الانسدادي، فكلامه من هذا الحيث أيضا مورد إشكال ليس في محلّه، فيرد عليه الإشكالات الثلاثة التي ذكرناها. (1)

اذا عرفت هذا كله نقول في مقام التقسيم بيانا خال عن الاشكال، و هو أن نقول: إنّ الشخص إذا التفت الى حكم شرعي: فإمّا أن يحصل له العلم، و إمّا أن يحصل له الظنّ، و إما أن يحصل له الشكّ، فلو قيل بهذا التعبير لا يرد إشكال.

ثمّ إنّه حيث يكون لنفس القطع و الظنّ الحكم بمعنى أنّ نفسها حيث يكونان قابلين للحكم لأنّ فيهما جهة الإراءة و الكشف، و إن كان الكشف في الظنّ هو كشف ناقص يصحّ أن يقال: إنّ نفس القطع و الظنّ قابلان للحكم، و أمّا الشكّ فحيث لم يكن فيه جهة كشف أصلا لم يكن الشكّ بنفسه قابلا للحكم، و لذا عبّر الشيخ (رحمه اللّه)- و لقد أجاد في كلامه- بأنّ المرجع في صورة الشكّ هو الاصول العملية.

فعلى هذا نقول بأنه في صورة الشك إن لوحظ في حكم الحاكم- و هو الشارع مثلا- حالة سابقة بمعنى أن الشارع لاحظ الحالة السابقة في حكمه و الحالة السابقة دخل في حكمه فيكون المورد مجرى الاستصحاب، لأنّ فيه لاحظ الحاكم الحالة السابقة، لأنّه قال: «لا تنقض اليقين بالشك». و إن لم يلاحظ الحاكم في حكمه الحالة السابقة: فإن كان الشكّ في أصل التكليف فالمرجع هو البراءة، و إن كان الشكّ في‏

____________

(1)- أقول: إنّ الإشكال الثالث الذي أورده سيدنا الاستاذ مدّ ظلّه على المحقّق الخراساني (رحمه اللّه) لا يرد عليه؛ لأنّه و لو إحدى مقدمات دليل الانسداد هي عدم إمكان جريان الأصل في كلّ واقعة إلّا أنّ بعد تمامية المقدمات يكون الظنّ الانسدادي مقدما على الأصل، و لذا لو ظنّ بحكم في موضوع لا مجال لجريان الأصل في هذا المورد، فعلى هذا كلام المحقّق الخراساني (رحمه اللّه) في مقام التقسيم صحيح؛ لأنّه قال بكون الأصل في طول الظنّ الانسدادي إذا تمّت مقدمات دليل الانسداد، كما صرّح بذلك و قال: (و قد تمّت مقدمات الانسداد). (المؤلّف)

12

المكلّف به بعد العلم بالتكليف فإن أمكن الاحتياط فالمرجع الاشتغال، و إن لم يمكن الاحتياط فالمرجع التخيير.

إذا عرفت هذا كلّه نقول: بأنّه يقع الكلام في القطع و الظنّ و الشكّ في طيّ مقاصد بعون اللّه تعالى و نستعين منه.

13

المقصد الاوّل في العلم‏

14

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

15

المقصد الأول في العلم و يقع الكلام في العلم في مقامات:

المقام الأول هو أنّ العلم لا يكون موردا لحكم أصلا،

و التعبير في بعض الكلمات كما يظهر من ظاهر كلام الشيخ (رحمه اللّه) من أنّه يجب اتّباع القطع يكون على وجه المسامحة، و ليس وظيفة العلم إلّا إراءة الواقع و كشفه و رفع السترة، و لا يكون قابلا لحكم أصلا لا لحكم عقليّ و لا شرعي، و كشفه عن الواقع أيضا أثره التكويني، غاية الأمر بعد حصول العلم و كشف الواقع يترتب على المقطوع كلّ ما هو أثره، فالمقطوع أيضا غير محكوم بحكم عقلا، يعني ليس مع قطع النظر عن ترتّب الأثر حكم آخر عقلا بوجوب الأخذ و العمل به، بل بعد القطع و العلم يترتّب على المقطوع و المعلوم كلّ ما هو أثره، فيترتّب عليه كبرى الواقع، مثلا: إذا علمت بكون هذا خمرا لا يتولّد أمر بوجوب اتّباع هذا العلم، و كذلك بوجوب الاتّباع عن المقطوع، بل بعد العلم يترتب على هذه الصغرى- و هو هذا الخمر المعلوم- كبرى الواقع و هي حرمة شربه، فليس للقطع حكم أصلا لا شرعا و لا عقلا، غاية الأمر بعد العلم يترتب على المقطوع أثره،

16

سواء كان هذا الأمر أثر العقلي أو الشرعي.

فظهر لك أنّ في صورة العلم ليس حكم بوجوب الاتّباع عقلا، فالعلم غير قابل للحكم، فلا مجال بعد ذلك للتكلّم في أنّه غير قابل للجعل التشريعي لا إثباتا و لا نفيا، لما قلنا من عدم كونه قابلا لتعلّق الحكم به أصلا لا عقلا و لا شرعا، هذا حال العلم من أنّه بعد حصوله لا إشكال في ترتّب أثر الواقع على المعلوم، و أمّا الجهل المركّب فلا يترتّب عليه أثر الواقع؛ لأنه ليس هداية بل جهالة و ضلالة، و لا يكون علما بل هو جهل أشدّ جهل فكيف يترتّب عليه أثر العلم؟ غاية الأمر لو لم يقصّر في مقدماته يكون معذورا لا لأجل اعتقاده الباطل واقعا حتى يقال: إنّ الواقع له أثر و الواقع يترتّب عليه، و الجاهل المركّب لم يكشف له الواقع، بل لأجل أنّ جهله عذر له، فهو معذور لكون الجاهل معذورا لو لم يقصّر في المقدمات.

فظهر لك أنّ معذورية الجاهل المركّب ليس إلّا لأجل جهله في صورة عدم تقصيره في المقدمات، و أمّا مع تقصيره فلا يكون معذورا.

و ظهر لك عدم تعلّق حكم بالقطع، و كون التعبير بوجوب اتّباعه مسامحة، و الشاهد على هذا هو أنّ في بعض الموارد لا معنى لوجوب الاتباع، مثلا: لو قطع بكون هذا المائع ماء فبعد العلم ينطبق على هذه الصغرى كبرى الواقع و هي كون الماء مباحا، فلو كان الواجب اتّباع العلم لكان عليه لازما شربه، و هو كما ترى، فهذا دليل على عدم ترتّب حكم متعلّق به من العقل أو الشرع، بل ليس أثر العلم إلّا كشف الواقع، و لازمه ترتيب ما هو أثره في الواقع، فافهم.

و مما قلنا ظهر لك أنّ العلم هو الاعتقاد الموافق للواقع فإن كان كبرى الواقع هو الوجوب يترتّب عليه، و كذلك الحرمة. و تارة يكون كبرى الوقع الإباحة أو الندب أو الكراهة، فلا معنى لوجوب الاتّباع في هذه الصور، فالعلم غير محكوم بحكم من العقل، كما أنّ الذي هو جهل بل من أشدّ صور الجهل أيضا غير محكوم‏

17

بحكم من المعذورية مثلا، بل الجهل عذر له؛ لأنّ الجاهل مع عدم تقصيره معذور.

و ممّا قلنا ظهر لك أنّ إطلاق الحجّة على العلم ليس بمعنى إطلاقها على غيره؛ لأنه لم يصر وسطا لإثبات متعلّقه، فلا تقل: إنّ هذا معلوم الخمرية، و كلّ معلوم الخمرية كذا، فهذا كذا، بل بمجرد العلم ينكشف الواقع لك، و لذا تنطبق كبرى الواقع على هذه الصغرى و تقول: هذا خمر، و كلّ خمر حرام، فهذا حرام. و من الواضح أنّ الحجّة عبارة عن ما يوجب القطع بالمطلوب فكيف يطلق على نفس القطع؟ و هذا واضح، فالمراد من إطلاق الحجّة على العلم هو: أنّ به يصحّ الاحتجاج، فتارة يحتجّ العبد به على المولى اذا قطع و لم يصادف الواقع و لم يكن في تحصيله مقصّرا، و تارة يحتجّ المولى به إذا صادف الواقع و لم يعمل العبد به. هذا كلّه في العلم.

و أمّا في الظنّ فحيث لم يكن كاشفا تاما بل فيه احتمال الخلاف و لأجل ذلك يكون حجّة تعبّدية فيصحّ إطلاق الحجّة الاصطلاحية عليه؛ لصيرورته وسطا لإثبات المتعلّق، فتقول: هذا مظنون الخمرية، و كلّ مظنون الخمرية حرام، فهذا حرام، و السرّ في ذلك هو: أنّك لو لم تجعل الظنّ وسطا لا يمكن لك تطبيق الصغرى على الكبرى فلا بدّ فيه من الأمرين:

الأول: كبرى تعبّدية على حجّية الظنّ. الثاني: جعل الظنّ وسطا في الصغرى حتى ينطبق على هذا الكبرى التعبدية، فلا يمكن لك مع حصول الظنّ بكون هذا خمرا أن تقول: هذا خمر، لأنّه من المحتمل عدم كونه خمرا، فلا بدّ من أن تقول في الصغرى بأنّ هذا مظنون الخمرية.

ثمّ بعد ذلك هذه الصغرى لا تنطبق على الكبرى الواقعية، فلو كان لك كبرى واقعية بأنّ كلّ خمر حرام فلا تنطبق على هذه الصغرى أعني هذا مظنون الخمرية؛ لأنّ مقتضى الكبرى هو حرمة الخمر الواقعي، و هذه الصغرى لا تثبت إلّا الظنّ بكون هذا خمرا فيحتمل أن يكون ماء في الواقع، لأن معنى الظنّ احتمال المرجوح في‏

18

طرفه فلا يمكن القول بحرمة هذا؛ لأنّه ليس لهذه الصغرى كبرى واقعية فلا بدّ من كبرى تعبدية و هو كلّ مظنون الخمرية حرام، فبعد ضمّ هذه الصغرى لهذه الكبرى ينتج لك أنّ هذا حرام، فلأجل ذلك حيث إنّ الظنّ صار سببا لإثبات المتعلق يصير وسطا فتكون حجية الظنّ حجية تعبدية بخلاف العلم فهو حجّة بذاته، فبعد كون حجّية الظنّ حجية تعبدية و لم تكن لصغراه كبرى واقعية، و لا يمكن انطباق صغراه على الكبرى الواقعية فلا يقع هذا الخمر المظنون صغرى لكل خمر يجب الاجتناب عنه؛ لأنّ وجوب الاجتناب عرض الخمر الواقعي، و هذا المائع المظنون خمريته غير معلوم كونه خمرا واقعا حتى يعرضه وجوب الاجتناب.

فمن أجل ذلك التزمت العامة تارة بأنّ الحكم الواقعي ليس حكما واحدا لكلّ من العالم و الجاهل، بل لكلّ منهما في كلّ واقعة حكم على حدة، فمن اعتقد بوجوب صلاة الجمعة- مثلا- كان الواجب عليه واقعا هو الجمعة، و من اعتقد بحرمته كان واقعا صلاة الجمعة عليه حراما.

و تارة بأنّ الحكم المجهول واقعا هو حكم واحد يشترك فيه الجاهل و العالم، غاية الأمر من صادف اجتهاده بما هو الواقع فما هو الواقع عليه واجبا، و إن لم يصادف رأيه بما هو الواقع بل صادف غير الواقع فيبدّل الواقع بالنسبة اليه.

و الفرقة المحقّة- الشيعة- لمّا رأوا بطلان هذا الكلام و فساده لم يعتقدوا بهذه المقالة، بل قالوا بأنّ للّه تعالى في كلّ واقعة حكما واحدا يشترك فيه العالم و الجاهل، و ليس له حكمان في واقعة واحدة، و لا يبدّل ما هو الواقع لو لم يصادف رأي المجتهد الواقع، بل في هذه الصورة أيضا حكم من أخطأ الواقع هو ما هو الواقع، غاية الأمر هو أخطأ و لم يصل الى الواقع، و من هنا نشأ النزاع بين المخطّئة و المصوّبة، فالعامة قائلون بالتصويب؛ لأنّ باعتقادهم كلّ مجتهد مصيب لأنّ لكلّ حكما على حدة، و الشيعة قائلون بالتخطئة لأنّهم كما قلنا معتقدون بأنّ للّه في كلّ واقعة حكما واحدا

19

مشتركا فيه العالم و الجاهل.

فالشيعة بعد التزامهم بذلك قد تصدّوا لتصوير وجه صحيح للالتزام و اتّباع الأمارات غير الموجبة للعلم فذكروا لذلك وجوها:

الوجه الأوّل: ما يظهر من القدماء و هو الالتزام بحكم آخر في مقابل الحكم الواقعي عبّر عنه بالحكم الظاهري، و قالوا بأنّ الحكم الواقعي حكم واحد، و لكن لنا حكم آخر و هو الحكم الظاهري و هو مؤدّى الأمارة، فما هو مؤدّى الأمارة يكون حكما ظاهريا، و بهذا البيان فرّوا من إشكال التصويب لالتزامهم بأنّ الواقع ليس إلا حكم واحد، و تصوروا كبرى شرعية ينطبق عليها الصغريات، فاذا ظننت بكون هذا خمرا تقول: هذا مظنون الخمرية، و كلّ مظنون الخمرية حرام لأداء الظنّ به و كون مؤدّى الظنّ حكما ظاهريا فتكون النتيجة: أنّ هذا حرام ظاهرا لكونه مصداقا لحكم ظاهري، فعلى هذا تكون المصلحة في نفس مؤدّيات الطرق و الأمارات و هي مصلحة في قبال مصلحة الواقع.

الوجه الثاني: و هو ما يظهر من كلام الشيخ (رحمه اللّه) و هو: أن تكون المصلحة في نفس السلوك، فعلى هذا لا تكون المصلحة في المؤدى، بل المصلحة في الأمارة تكون مصلحة طريقية نعبّر عنها بالمصلحة السلوكية، فمن عمل بالطريق لو لم يصل الى الواقع يصل الى مصلحة مجعولة في نفس الطريق، فعلى هذا الوجه ليس مؤدّى الطرق و الأمارات حكما أصلا، بل ليس في المؤدى مصلحة أصلا بل المصلحة في السلوك فقط، فعلى هذا الوجه أيضا ينطبق الصغريات على كبرى شرعية و تكون الكبرى على كلّ من الوجهين كبرى شرعية؛ لأنّ الشارع على الوجه الأول جعل حكما ظاهريّا في مؤدّى الظنّ مثلا، و كذلك على الوجه الثاني الشارع جعل المصلحة في سلوك هذا الطريق مثلا، فالكبرى تكون كبرى شرعية.

الوجه الثالث: أنّا لا نلتزم بالوجهين المتقدمين، بل نقول بأنّه ليس للشارع‏

20

حكم أصلا بل الكبرى مأخوذة من العقل، بمعنى أنّ الحاكم بالكبرى لهذه الصغريات هو العقل، و هذا أيضا على أنحاء:

فتارة يكون للعقل حكم بأنّ الوصول الى الواقعيات لا يمكن إلّا بسلوك طرق كما ترى، فإنّ العقلاء لهم طرق منصوبة للوصول الى مقاصدهم، فبعد حكم الشارع أو العقل بأنّ خبر الواحد حجة- مثلا- يحكم العقل بسلوك هذا الطريق لكونه من مصاديق الكبرى العقلية، و هو: أنّ كلّ طريق لا بدّ من سلوكه- مثلا- بحكم العقل، ففي هذه الصورة تكون للصغريات كبرى لكن حكم الكبرى يكون من ناحية العقل، فعلى هذا يكون الحكم حكما طريقيّا عقليا لا شرعيا، كما أنّه يمكن أن يكون جعل الحجيّة من هذا القبيل.

و تارة لا يكون منشأ الكبرى العقلية ذلك، بل يكون من باب لزوم دفع الضرر المحتمل، لأنه من المسلّم أنّه مع عدم المؤمّن كقبح العقاب بلا بيان لو احتمل ضررا لا بدّ من دفعه، فبعد جعل الصغرى- مثلا- بعد جعل الشارع الظنّ حجّة يحكم العقل باتّباعه لأجل دفع الضرر المحتمل لعدم مؤمّن في البين.

و تارة يكون منشأ الكبرى العقلية التي تنطبق عليها الصغريات التعبّدية هو حكم العقل باهتمام المولى بالواقع كما ترى، مثلا المولى يكون حفظ الدين عنده مهم، بحيث مع احتماله أيضا لا يجوز ترك الحفظ، كما أنّه لعلّ من هذا القبيل الفروج و الدماء، ففي هذه الصورة بعد ما يرى العقل اهتمام المولى بالواقع يحكم بحفظ جميع احتمالات الواقع، فيمكن أن يكون الحكم الكبروي على لزوم اتّباع الطرق و الأمارات من هذا القبيل، حيث إنّ من المحتمل كون مؤدّى الطريق هو الواقع و المولى الى أهميّة حفظ الواقع، فالعقل يحكم بحفظ جميع احتمالاته، فيحكم بلزوم العمل على طبق الأمارة حفظا للواقع، فعلى أيّ حال بكلّ من هذه الوجوه يمكن تصوير الكبرى الصغريات التعبدية. غاية الأمر إثبات أنّ حجّية الأمارات‏

21

و الطرق و الكبرى التي تنطبق عليها الصغريات التعبدية من أي الأقسام هذه بعد بطلان التصويب مسلّما، و هذا ما سيأتي التعرّض له في مبحث الجمع بين الحكم الواقعي و الظاهري إن شاء اللّه.

فظهر لك ممّا مرّ أنّ العلم لا يصير وسطا لإثبات متعلّقه، و إطلاق الحجة عليه مسامحة، و أنّ الظنّ يصير وسطا لإثبات متعلّقه.

و لكن كلّ ما قلنا من عدم صيرورة العلم وسطا و عدم إطلاق الحجة عليه يكون في العلم الطريقي، يعني ما هو طريق لكشف الواقع الذي ليس فيه إلّا جهة الإراءة.

و أمّا العلم الموضوعي فهو قابل لصيرورته وسطا لإثبات متعلّقه، بمعنى أنّ العلم الموضوعي يعني العلم الذي جعله الشارع موضوعا لحكم يقبل لأن يصير وسطا، و صيرورة العلم موضوعا لحكم آخر أمر ممكن، فكما أنّ الشارع يمكن له أن يجعل الظنّ موضوعا لحكم و يقول: إذا ظننت بوجوب شي‏ء وجب عليك كذا يمكن له أن يجعل العلم موضوعا لحكم و يقول: إذا علمت- مثلا- بالظهر وجب عليك التصدّق، فصيرورة العلم موضوعا للحكم أمر ممكن.

22

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

23

المقام الثاني في تقسيم العلم‏

يقسّم العلم الى خمسة أقسام، بأن يقال: إنّ العلم تارة يكون طريقيا، و تارة يكون موضوعيا، و إذا كان موضوعيا تارة يكون موضوعا على نحو الطريقية و بما هو طريق، و تارة يكون موضوعا على نحو الصفتية و بما هو صفة خاصة، فالأقسام ثلاثة:

الأول: العلم الطريقي.

الثاني: العلم الموضوعي على نحو الطريقية.

الثالث: العلم الموضوعي على نحو الصفتية.

و كل من الأخيرين إمّا أن يكون العلم تمام الموضوع، و إمّا أن يكون جزء الموضوع، فالأقسام خمسة:

الأول: العلم الطريقي.

الثاني: العلم الموضوعي بنحو الطريقية على أن يكون العلم تمام الموضوع.

الثالث: العلم الموضوعي على أن يكون العلم جزء الموضوع، يعني يكون العلم مع الواقع موضوعا للحكم.

الرابع: العلم الموضوعي على نحو الصفتية، و يكون هو تمام الموضوع، يعني هو

24

موضوع للحكم بنفسه مع قطع النظر عن الواقع.

الخامس: العلم الموضوعي على نحو الصفتية بنحو يكون جزء الموضوع، يعني يكون هو الواقع موضوعا للحكم.

فتكون الأقسام خمسة على مذهب الشيخ (رحمه اللّه) الذي جعل القطع مقسما.

و كذلك تكون الأقسام خمسة على مختارنا من جعل العلم مقسما.

لا يقال: يلزم على مختاركم أن لا تكون الأقسام إلّا ثلاثة؛ لعدم إمكان أخذ العلم في الحكم على أن يكون تمام الموضوع، بل في صورة الموضوعية يكون العلم جزء الموضوع دائما، لأنّ مع كون العلم كذلك هو الاعتقاد الموافق للواقع فدائما يكون العلم مع الواقع و غير منفكّ عنه، فكلّ ما علم بشي‏ء فالواقع يكون كذلك؛ فلو علم بكون هذا خمرا ففي الواقع يكون خمرا، فالمناط هو العلم و الواقع، لعدم التفكيك بينهما، و لا يكون العلم في قبال الواقع بل كلّ حكم يكون للعلم يكون للواقع أيضا، فعلى هذا لو صار العلم موضوعا لحكم آخر يكون أخذه بما هو جزء الموضوع، فهو مع الواقع يكون موضوعا للحكم، و لا يعقل فرض كون العلم تمام الموضوع؛ لأنّ معنى كون العلم تمام الموضوع هو كون العلم ميزانا لا الواقع، و الحال أنّ العلم و الواقع متلازمان.

نعم، على مختار الشيخ (رحمه اللّه) من جعل العلم هو القطع يصحّ تصور أخذ القطع موضوعا لحكم آخر على أن يكون هو تمام الموضوع؛ لأنّ القطع تارة لا يصادف الواقع مثل الجهل المركّب فالواقع غير ملازم مع القطع حتى لا يمكن التفكيك بينهما.

لأنّا نقول: إنّه على أيّ تقدير تكون الأقسام خمسة، أمّا على مختار الشيخ (رحمه اللّه) فالأمر واضح. و أمّا على ما اخترنا فنقول كما قلنا في بعض المباحث: إنّ المتلازمين يكون أثرهما أنّه إذا وجد أحدهما وجد الآخر و لا يمكن وجود أحدهما مع عدم وجود الآخر، و القدر اللازم أنّه لا يمكن أن يكون لهما حكمان مختلفان، و لكن لا يلزم أن يكون لهما حكمان موافقان، بمعنى أنّه لا يلزم أن يكون لكلّ منهما حكم ثبت‏

25

للآخر، مثلا: الاستقبال و الاستدبار متلازمان، فكلّما يحصل الاستقبال من طرف يحصل الاستدبار في مقابله، و لكن لا يلزم أن يكون حكم لأحدهما هو نفسه للآخر، بل ما يلزم هو أن لا يكون أحدهما محكوما بحكم مخالف للآخر، و لذا ففي مثال الصلاة لو فرض كون الواجب هو الاستقبال للقبلة فلا يمكن أن يكون استدبار القبلة واجبا، فلو أمر بوجوب الاستقبال ليس معناه حرمة الاستدبار، بل القدر اللازم هو عدم إمكان وجوب استدبار القبلة، فكلّ منهما لو كان مورد الحكم لا يلزم أن يكون الآخر موردا لهذا الحكم و متحدا معه في الحكم، و لهذا أيضا آثار في بعض الموارد، ففي المثال المذكور لو حكم بحكم على أحدهما لا يلزم أن يكون الآخر محكوما به.

إذا عرفت أنّ المتلازمين لا يلزم اتّحادهما في الحكم نرجع الى ما نحن فيه، و نقول: بأنّ العلم و الواقع و لو كان بينهما تلازم و لكن تارة يكون موضوع الحكم الواقع، و تارة يكون العلم، و تارة يكون كلّ منهما، فلو كان موضوع الحكم العلم- مثلا- لا يلزم أن يكون الواقع أيضا محكوم بهذا الحكم، بل يمكن أن لا يكون له حكم أصلا، ففي الصّورة التي يكون فيها موضوع الحكم هو نفس العلم يكون تمام الموضوع هو العلم، و لا نظر الى الواقع و لو كان الواقع أيضا موافقا و ملازما للعلم، و لكن ليس موضوع حكم الشارع، بل يكون في هذه الصورة الواقع كالحجر في جنب الإنسان.

و بالعكس لو كان الواقع موضوع الحكم فيكون الموضوع الواقع بنفسه، و لو كان كلّ منهما موضوع الحكم فكلّ منهما جزء الموضوع، و فيما كان العلم موضوعا للحكم بنفسه لا الواقع له بعض الآثار في بعض الموارد، فلو دلّ دليل على تنزيل شي‏ء منزلة العلم فهو يصير منزلة العلم فقط على هذا لا العلم و الواقع؛ لعدم التلازم بين التنزيلين، يعني لا يلزم أن يكون كلّ شي‏ء ينزّل منزلة العلم ينزّل منزلة الواقع أيضا.

ثمّ إنّ للنائيني (رحمه اللّه) هنا كلاما، و هو: أنّه قال بعدم إمكان فرض كون العلم‏

26

مأخوذا على نحو الموضوعية، و مع ذلك يكون بنحو الطريقية مأخوذا في الموضوع فيما إذا كان العلم موضوعا لإثبات الحكم، فأنكر أحد الأقسام المتقدمة و هو العلم الموضوعي على وجه الطريقية إذا كان تمام العلم موضوعا لإثبات الحكم لأنّه لو كان العلم موضوعا و مأخوذا كذلك يلزم التّناقض؛ لأنّ مقتضى كونه طريقا مناقض لكونه موضوعا، لأنّه في الأول هو طريق و الموضوع هو الواقع، و لا نظر به أصلا، و مقتضى كونه موضوعا هو كون النظر به بنفسه موضوعا فيلزم التناقض، فلا يعقل كون العلم موضوعا بنحو تمام الموضوعية و مع ذلك كان أخذه على نحو الطريقية في الموضوع.

و لكن لا يخفى ما في كلامه من الفساد:

أمّا نقضا فبأنّ كلامه لو كان في محلّه فلا يختصّ الإشكال بصورة كون تمام العلم موضوعا، بل كما يجري هذا الاشكال على تقدير تماميته في هذه الصورة يجري في كذلك صورة اخرى، و هي: ما إذا كان العلم جزء موضوع لإثبات الحكم؛ لأنّ في هذه الصورة يكون العلم طريقا و جزء موضوع لإثبات الحكم، فعلى هذا لو كان هو جزء الموضوع فيكون النظر به تارة بالطريقية، و تارة بالموضوعية، بل لعلّه يكون الإشكال في هذه الصورة أزيد من الصّورة التي استشكل فيها؛ لأنّ في الصّورة التي ذكرها يكون العلم فقط موضوعا، و لكن في هذه الصورة يكون العلم مع الواقع موضوعا، فيكون العلم طريقا الى ما هو جزء الموضوع و هو الواقع، و يكون مع ذلك بنفسه جزء الموضوع، ففي الصّورة الاولى ليس طريقا لما هو الموضوع و مع ذلك يكون الموضوع، و أمّا في الصورة الثانية مع كونه طريقا الى جزء الموضوع و هو الواقع بنفسه جزء الموضوع فيرد عليه نقضا بما قلنا.

و أمّا جوابه حلّا فهو: أن يقال كما نقول من كون العلم تارة موضوعا لحكم ليس معناه أنّ العلم موضوع لنفس متعلّقه، بل يكون معناه أنّ العلم يصير تارة موضوعا لحكم آخر غير متعلّقه، مثلا إذا قال بأنّه إذا علمت بوجود الخمر يجب‏

27

الاجتناب عنه، فمتعلّق العلم يكون وجود الخمر فليس العلم مأخوذا موضوعا لهذا المتعلق و إثبات هذا المتعلق، بل هذا العلم- أعني العلم بوجود الخمر- يكون موضوعا لحكم آخر و هو وجوب الاجتناب، و منشأ إشكال النائيني (رحمه اللّه) يكون هو تخيل أن في الصورة التي يكون فيها العلم موضوعا هو كونه موضوعا لإثبات نفس متعلّقه، فقال: «إنّ ذلك موجب للتناقض»، و إن كان الأمر كذلك صحّ ما قاله، و لكن من الواضح فساد ذلك بل و من أوضح الواضحات، كما يظهر من كلام الشيخ (رحمه اللّه) بأنّ العلم في صورة الموضوعية يصير موضوعا لحكم آخر غير متعلّقه، فعلى هذا لا يلزم إشكال أصلا؛ لأنّ العلم و لو اخذ موضوعا بما هو طريق لكنّه طريق لاثبات متعلّقه و موضوع لإثبات حكم آخر، فلا يكون طريقا و موضوعا بالنسبة الى موضوع واحد حتى يلزم التناقض، فظهر لك فساد هذا الكلام.

و قال نظير هذا الإشكال في الاستصحاب أيضا في ردّ التمسّك ب «كلّ شي‏ء لك حلال حتّى تعرف الحرام منه بعينه» للحكم الواقعي و الظاهري بعدم إمكان ذلك، لأنّه لا بد من أخذ أحدهما طريقا الى الواقع و الآخر موضوعا، و هذا غير ممكن؛ لأنّ بينهما الطولية حيث إنّ حلّية الظاهرية في طول حلّية الواقعية فلا يمكن لحاظهما عرضا، و قد قلنا بفساد هذا الإشكال؛ لأنّ العلّة و المعلول و لو أنّ بينهما الطولية بحسب الوجود و لكن لا مانع من أن يعرض بعد ذلك حكم لهما عرضا، كما ترى أنّ الابن معلول الأب وجودا و لكن بعد الوجود قابلان لحكم عرضا، و لا مانع من ذلك، فكذلك و لو أنّ بين الحكم الواقعي و الظاهري تكون الطولية و لكن بلحاظ آخر يمكن أن يعرض عليهما حكم واحد.

ثمّ بعد ما ظهر لك من أنّ أقسام العلم خمسة لا بدّ من فهم الفرق بين الأقسام و بيان المراد منها:

أمّا العلم الطريقي فمعناه واضح فليس فيه إلّا جهة الإراءة و الكشف.

و أمّا العلم الموضوعي فلا بدّ من الفرق بين قسميه، و هو ما إذا كان موضوعا

28

على وجه الطريقية، و ما إذا كان موضوعا على نحو الصفتية، و أمّا القسمان الآخران- يعني ما إذا كان العلم مأخوذا بنحو تمام الطريقية و بين العلم الموضوعي على نحو الصفتية- فنقول: إنّه قيل في مقام الفرق وجوه:

الوجه الأول: هو أنّه كما يكون الشي‏ء تارة مركبا و موضوعا للحكم بما هو مصداق للكلّي لا بما هو فرد خاص، مثلا يكون لزيد بما هو فرد و مصداق للعالم موضوعا لوجوب الإكرام، و في هذه الصورة لو دلّ دليل على أنّ فردا آخر مصداق للكلي ينزّل منزلته، مثلا لو دلّ دليل على كون عمرو عالما ينزّل منزلته و يشمله حكم وجوب الإكرام، لأنّ في هذه الصورة مركّب الحكم يكون هو الجامع بينهما و هو العلم، و لا خصوصية لخصوص الفرد إلّا بما هو فرد للجامع.

و تارة لا يكون كذلك، بل يكون المصداق الفرد بما له من الخصوصية المختصّة به مورد الحكم لا بما هو مصداق للكلي، ففي هذه الصورة لو دلّ دليل على كون فرد آخر مصداقا لما هو مصداقه لا يسري حكم الأول اليه؛ لعدم كون الحكم به بما هو مصداق للكلي، بل يكون الحكم عليه بما هو فرد خاصّ متخصّص بالخصوصية الكذائية، مثلا: لو صار زيد موضوعا لوجوب الإكرام لا بما هو مصداق للإنسان بل بما هو فرد خاص متخصص بخصوصيات و دل دليل على تنزيل عمرو منزلة زيد في الانسانية لا يسري وجوب إكرام المتعلّق بزيد به؛ لأن زيدا لم يكن مركبا و موضوعا للحكم بما هو مصداق الإنسان.

اذا عرفت هذين القسمين نعود الى العلم و نقول: بأنّ العلم أيضا يأتي فيه هذان القسمان:

الأول: أن يكون أخذه في الموضوع بما هو مصداق من مصاديق الكاشف، لا لأجل خصوصية في نفسه بل بما هو كاشف، فلو اخذ كذلك لو دلّ الدليل على تنزيل الظنّ- مثلا- في الكاشفية و أنّ الظنّ كاشف واحد من مصاديق الكاشف فلا إشكال في قيامه مقام العلم المأخوذ كذلك، لأنّ في الحقيقة ما هو موضوع الحكم هو جامع‏

29

الكاشف، و العلم أيضا كان موضوعا لأجل كونه مصداقا له، فكلّ كاشف بعد ورود الدليل على كونه كاشفا يصير موضوعا لإثبات ما يكون العلم موضوعا لإثباته.

الثاني: أن يكون العلم موضوعا للحكم لا بما هو مصداق لجامع الكاشف، بل بما هو صفة و لأجل خصوصية تكون فيه، ففي هذه الصورة و لو دل دليل على كون الظنّ- مثلا- مصداقا لمصاديق الكاشف لا يقوم مقام هذا العلم، لأن العلم صار موضوعا بما هو صفة خاصة و بما فيه من الخصوصية، فالقسم الأول يكون علما موضوعيا على وجه الطريقية، و القسم الثاني يكون علما موضوعيا على وجه الصفتية، فبعض قال في مقام الفرق بين العلم الموضوعي على وجه الطريقية و بين ما اخذ على نحو الصفتية بهذا البيان.

و لكن قد يقال: إنّ هذا الفرق يظهر من بعض كلمات الشيخ (رحمه اللّه) مثل مثاله الذي قال بأنّ الشارع لو أخذ صفة القطع على هذا الوجه في عدد ركعات الثنائية و الثلاثية و الاولتين من الرباعية فالدّليل الدال على حجية مطلق الظنّ في الصلاة لا يكفي لكفاية قيام الظنّ بأحد طرفيه أو أصالة عدم الزائد مقام هذا العلم، لأن العلم اخذ على وجه الصفتية، و كذلك في المثال الذي مثّل به بعد ذلك فيمن نذر بتصدق درهم ما دام متيقنا بحياة ولده لا يجب عليه التصدّق مع الشك في الحياة لأجل الاستصحاب، لأنّ القطع بما هو صفة اخذ في موضوع نذره، فهذان المثالان يدلّان على أنّ مراده من القطع الموضوعي الطريقي ما قلنا، و من القطع الموضوعي الصفتي ما قلنا، و حيث إنّ في المثالين صفتي لا تقوم الأمارات الآخر بدليل حجيتها مقامه إلّا بتنزيل آخر.

و لكن لا يخفى عليك أنّ مراد الشيخ (رحمه اللّه) لو كان هو هذا الفرق بين الطريقي الموضوعي و بين الصفتي الموضوعي لكان لازمه الالتزام بكون النسبة بين أدلة الأمارات و الواقعيات هو الورود لا الحكومة؛ لأنّ معنى الورود هو التصرّف في الموضوع، و معنى الحكومة هو التصرّف في الحكم لا في الموضوع مثل قوله: «الطّواف‏

30

بالبيت صلاة» يعني حكما لا موضوعا، و أمّا في الورود فيكون التصرف في الموضوع، و في المقام ما قلت في القسم الأول، يعني القطع الطريقي الموضوعي كان معناه أنّ العلم موضوع للحكم بما هو مصداق للكاشف، فلو دلّ الدليل على كون الظنّ كاشفا فيكون واردا على هذا الدليل و تكون النسبة الورود، لأنّ بعد دليل التنزيل تصرف الشارع في الموضوع و هو الكاشف و جعل الظنّ مصداقا للكاشف بدليل التنزيل، لا أن يكون التصرف في الحكم فتكون النسبة الورود لا الحكومة، و الحال أنّ الشيخ (رحمه اللّه) يقول بأنّ النسبة بين الطرق و الأمارات و أدلة الأحكام الواقعية تكون الحكومة لا الورود، فهذا خلاف مبناه، فبعد ما نرى من أنّ في المثالين يكون القطع مسلّما مأخوذا على وجه الطريقية لا بد من الالتزام بأنّ الشيخ (رحمه اللّه) خلط في هذا المقام، أو أن يكون بنظره القطع الصفتي غير هذا.

الوجه الثاني: هو أنّ صفات ذات الإضافة و لو كلما ترى ترى مع الإضافة، و لكن مع ذلك تارة في مقام اللحاظ يلاحظ اللاحظ هذه الصفة ذات الإضافة من حيث نفسها بدون جهة إضافتها الى الغير، بل يكون الملحوظ نفس هذه الصفة.

و تارة يلاحظ هذه الصفة من حيث إضافتها الى الغير، ففي هذا اللحاظ يكون الملحوظ الصفة مع خصوصية إضافتها الى الغير.

إذا عرفت ذلك نقول: بأنّ العلم حيث يكون كذلك يعني من صفات ذات الإضافة فإنه نور لنفسه و منوّر لغيره فيمكن لحاظه بنحوين:

فتارة يلاحظ العلم بما هو نور و مرآة للغير، و بهذا المعنى يكون طريقيا، فلو لوحظ كذلك لو دلّ الدليل على تنزيل شي‏ء في الكاشفية فيقوم مقام العلم، لأنّه بما هو نور و مرآة و كاشف و نور لنفسه و منور لغيره و باعتبار إضافة الى نفسه و غيره صار موضوعا للحكم، فلو كان شي‏ء له هذه الإضافة و لو بالتنزيل فينزّل منزلته.

و تارة يلاحظ حيث نفسه لا بإضافة الى نفسه و غيره بل بما هو من كيفيات نفسانية، فعلى هذا لو دلّ دليل على كون شي‏ء فيه هذه الإضافة لم يقم مقام هذا

31

العلم؛ لأنّ في هذه الصورة العلم صار موضوعا للحكم بما هو لا بما هو مضافا الى الغير.

فعلى الأول يكون العلم طريقيا موضوعيا. و على الثاني يكون صفتيا موضوعيا، و بهذا النحو يمكن الفرق بين الصفتي الموضوعي و بين الطريقي الموضوعي، و عليه يترتّب الأثر: فإن كان أخذ العلم على النحو الأول- أعني الصفتي- فلا تقوم الأمارات و الطرق بدليل اعتبارها مقام هذا العلم.

و إن اخذ على النحو الثاني- أعني فيما أخذ طريقا في الموضوع- فتقوم مقامه الأمارات و الطرق.

و النائيني (رحمه اللّه) جعل كلام المحقّق الخراساني (رحمه اللّه) موردا للإشكال، فقال في هذا المقام: بأنّ العلم حيث يكون من الامور ذات الإضافة ففيه جهات ثلاثة: جهة كونه صفة قائمة بالنفس مضافا الى العالم، وجهة كشفه عن الواقع و إضافته الى المعلوم، و جهة الجري العملي على طبقه، و ما يقوم مقامه الأمارات و الطرق هو في الجهة الثانية يعني حيث إضافته الى المعلوم، فما يظهر من كلامه هو جعل اضافته الى العالم و كونه نورا له في مقابل كونه مرئيا للمعلوم و كاشفا عنه.

و الحال أنّ هذا كلام فاسد، حيث إنّه في ما اخذ على نحو الصفتية لم يلاحظ أصلا جهة كاشفيّته و كونه نورا للعالم و كاشفا للمعلوم، بل بهذا الحيث يكون في مقابلهما، و أمّا لو اخذ طريقا يلاحظ جهة اضافته الى العالم و المعلوم كليهما لأنّ بينهما التلازم، فعلى هذا قيام الأمارات مقامه يكون في ما اخذ طريقا شاملا لاضافته الى العالم و إضافة الى المعلوم، فلا يمكن أن تقوم الأمارات مقامه حيث إضافته الى المعلوم بدون أن يقوم مقام إضافته الى نفس العالم، بل نوعا في الموارد يكون العلم الطريقي بلحاظ إضافته الى العالم تقوم الأمارات مقامه، كما ترى في الرجوع الى المجتهد فإنّ علم المجتهد موضوع لحكم المقلّد و هذا العلم مسلما طريقي، و هذا الحيث يعني حيث اضافته الى العالم يعني المجتهد موضوع للحكم و بهذا الحيث تقوم‏

32

الأمارات و الطرق مقامه، فهو مع التزامه بأنّ في هذا المثال تقوم الأمارات مقام العلم مع كون حيث إضافته الى العالم ملحوظا كيف تفوّه بهذه المقالة؟

فالحقّ هو: أنّ حيث كاشفية العلم في مقابل حيث صفتيته، فلو لوحظ صفة- يعني بما هو صفة- في مقابل سائر الصفات النفسانية كالظنّ و الشكّ يكون هذا اللحاظ في قبال حيث كاشفيته و لحاظه كاشفا بكلا صورتيه، يعني صورة إضافته الى العالم و صورة إضافته الى المعلوم يكون في قبال أخذه صفة، و ما يترتب الأثر في هذا يعني لو اخذ صفة لم تقم مقامه الطرق و الأمارات، و لو اخذ كاشفا تقوم مقامه الطرق و الأمارات لو لوحظ بالإضافة الى المعلوم أو الى العالم لأنّ بينهما التلازم، فظهر لك عدم تمامية كلامه (رحمه اللّه).

ثمّ إنّه بعد ما ظهر لك أنّ العلم ينقسم الى أقسام خمسة، و ظهر لك الفرق بين الطريقي و بين الموضوعي، و ظهر لك الفرق بين الصفتي الموضوعي و بين الصفتي الطريقي يقع الكلام في مقام آخر، و هو: أنّ الأمارات و الطرق هل تقوم مقام العلم بدليل حجّيتها، أو لا؟

فنقول: اعلم أنّ الكلام أولا يكون في الطرق و الأمارات و بعض الأصول المحرزة للواقع كالاستصحاب، فهو و ان كان من الأصول إلّا أنّه مع ذلك يكون ناظرا الى الواقع، و لذا قلنا بكونه برزخا بين الاصول و الأمارات، و لذا يقدم على سائر الاصول في مقام التعارض، و أمّا سائر الاصول ممّا ليس فيه جهة الإحراز و غير ناظر الى الواقع فليس محلّ كلام، لعدم قيامه مقام العلم.

إذا عرفت ذلك نقول: بأنّ الكلام يقع تارة في قيام هذه الطرق و الأمارات و بعض الاصول المحرزة مقام العلم الطريقي، و تارة يقع الكلام في قيامها مقام العلم الموضوعي:

أمّا الكلام في المقام الأول فنقول: بعد ما قلنا من أنّ العلم يكون كاشفا تاما و ليس في إنارته نقص، و لذلك مرأى للواقع و نور في نفسه منور لغيره، و حيث‏

33

تكون كاشفيته تامة يكشف الواقع به و لا يحتاج الى تعبد بالعمل به، بل و لا يمكن ذلك، و يكون تطبيق الكبرى على صغرياتها المعلومة قهريا و أنّ هذا أثره التكويني، و بعد كون ذلك أثره التكويني فبمجرد حصول العلم يعلم بالصغرى و بعد العلم بها تنطبق هذه الصغرى على الكبريات الواقعية. و بعبارة اخرى: بعد حصول العلم يترتب على المعلوم كلّ ما هو أثره هذا حال العلم.

و إذا نظرنا الى الطرق و الأمارات و بعض الاصول يعني ما فيها جهة الإحراز حيث إنّه بعد قيام الظنّ أو الطريق مثلا على شي‏ء- كما قلنا سابقا- لم يكن للمظنون مثلا كبرى واقعية حتى يترتب على الصغرى المظنون فلا بدّ من حيث التعبد في الطرق و الأمارات حتى بعد التعبد يمكن ترتّب كبريات الواقع عليها، لأنّ فيها احتمال الخلاف، فلأجل هذا محتاجة في الاعتبار الى الجعل و لذا تكون حججا تعبدية بعد وقوع التعبد بها من الشارع.

فحيث إنّا نقول بأنّ معنى أنّ الشارع جعلها حجة و اعتبارها هو جعل حجية نفس الظنّ و نفس الطريق، لا المظنون أو المؤدّى، فمعنى جعلها حجة هو أنّ الكشف الناقص الذي كان فيها أتمّه الشارع، و يكون مختارنا في الجمع بين الحكم الواقعي و الظاهري هو تتميم الكشف، فبعد جعل الشارع و حجيتها من قبله يكون معناه إلغاء احتمال الخلاف الذي كان فيها، فبعد تتميم كشف الناقص يصير كشفه تاما و كاشفا تاما كالعلم.

غاية الأمر العلم كاشف تامّ بنفسه، و هذه الطرق التعبدية بجعل الشارع و تعبد منه فبعد قيام الدليل على حجيتها تصير من حيث الكاشفية كالعلم.

فظهر لك من هذا البيان أنّ ما فعل الشارع هو تتميم الكشف الناقص الذي كان فيها لا غير ذلك، ثم بعد ذلك يترتب على كاشفيتها كلّ ما يترتب على الكاشف الواقعي، و ليس من فعل الشارع، بل الشارع جعلها كاشفا كالعلم، فكما أنّ العلم بعد كشفه عن الواقع يترتب على المعلوم كلّ ما هو أثره كذلك هذه الطرق التعبدية، فبعد

34

صيرورتها كاشفة تامّة و لو بالتعبد فكما أنّ العلم الطريقي بمجرد إراءته الواقع يترتب على المعلوم كلّما هو أثره من حكم أو غيره كذلك هذه الطرق التعبدية بعد الكشف الناقص بها و تتميم كشفها الناقص بدليل الحجية و اعتبارها يترتب على صغرياتها الكبريات الواقعية، و ما هو أثر الصغرى الواقعية، لأنه على الفرض بعد ورود الدليل على حجيتها و معناها كما قلنا هو إلغاء احتمال خلافها تصير كالعلم كاشفا للواقع فتقوم بدليل اعتبارها مقام العلم الطريقي، فكما أنّه لو علم بكون هذا خمرا ترتب عليه أثره الواقعي هو وجوب الاجتناب كذلك لو قام خبر واحد على كون ذلك خمرا يترتب عليه أثره الواقعي و الكبرى الواقعية و هي وجوب الاجتناب عنه، فافهم.

و هذا واضح، إنّما الإشكال في جهة اخرى، و أنّه تارة يقع الكلام في قيام هذه الطرق التعبدية و الاصول المحرزة مقام العلم الموضوعي.

اعلم: أنّ هذه الطرق التعبدية لا تقوم مقام العلم الموضوعي الصفتي مسلّما؛ لأنّه كما قلنا ليس أثر المترتب على العلم الموضوعي الصفتي على مصداق الكاشف حتى يقال بعد حجية الامارة- مثلا- تكون الأمارة كاشفا مثله فيترتب عليه كلما هو أثر الكاشف، بل أثر المترتب يترتب على هذه الصفة بالخصوص في قبال سائر الصفات فلا تقوم صفة اخرى مقام هذه الصفة.

إنّما الكلام يكون في أنّها هل تقوم مقام العلم الموضوعي الطريقي، أم لا؟

و الحقّ هو قيامها مقام العلم بهذا المعنى، لما قلنا من أنّ دليل اعتبارها جعلها كالعلم في الكاشفية و تمّم الشارع نقص كشفها فهي كالعلم في الكاشفية، و بعد صيرورتها كاشفة تقوم مقام العلم الموضوعي الطريقي أيضا، لأنّ العلم صار موضوعا بما هو كاشف عن الواقع، و هذه الطرق أيضا بعد دليل الاعتبار تكون كالعلم في الكاشفية.

و ما قاله المحقّق الخراساني (رحمه اللّه) في بيان عدم إمكان قيام هذه الطرق مقام العلم‏

35

الموضوعي الطريقي من أنّ في هذه صورة اخذ العلم طريقا ليس نظرا بالعلم أصلا بل النظر يكون الى الواقع فقط، لأنّ نسبة العلم الى المعلوم نسبة المرآة مع ما يرتسم فيه، فكما أنّ من ينظر في المرآة يكون تمام نظره بالصورة المرتسمة فيه كذلك في العلم الطريقي بعد كونه طريقا يكون النظر بالمعلوم و الواقع و لا نظر بالعلم أصلا، و في صورة أخذ العلم موضوعا بعد كونه موضوعا يكون تمام النظر به مستقلا اذا كان العلم تمام الموضوع، و به و بالواقع إذا كان جزء الموضوع.

و على أيّ حال ففي كلتا الصورتين يكون العلم مورد النظر، ففي الصورة الطريقية آلي، و في الصورة الموضوعية استقلالي، فدليل تنزيل الأمارات منزلة العلم إن كان تنزيله في كلتا الجهتين فيوجب اجتماع اللحاظين، و هذا محال، و إن كان متكفّلا لأحدهما فلا بدّ أن يكون متكفّلا لحيث الطريقية لا لحيث الموضوعية، و أنتم أيضا لا تلتزمون بكون التنزيل في حيث موضوعية العلم لا لحيث الطريقية، فدليل التنزيل متكفّل لتنزيل الأمارات منزلة العلم في حيث الطريقية، فقيامها مقام العلم في حيث الموضوعية يحتاج الى تنزيل آخر و دليل آخر، و لا يمكن تكفّل دليل واحد لكلّ من الجهتين؛ لعدم إمكان اجتماع اللحاظين: لحاظ الآلية لحيث قيامها مقام العلم الطريقي، و لحاظ الاستقلالية لحيث قيامها مقام العلم الموضوعي. و أضف الى ذلك أنّه لا بدّ في التنزيل أن يكون باعتبار الأثر، بمعنى أن تنزيل الطرق منزلة العلم يكون باعتبار ترتب الآثار على ذلك، فلا بدّ من أن يكون الأثر ملحوظا، فبعد ذلك الأثر هو الواقع، ففي العلم الطريقي يكون الأثر مترتبا على الواقع، و في الموضوعي على العلم إذا كان تمام الموضوع، و على العلم و الواقع اذا كان العلم جزء الموضوع، ففي تنزيل الامارة منزلة العلم الطريقي الملحوظ هو الواقع، و في قيامها منزلة العلم الموضوعي يكون الملحوظ هو العلم ملازم ذلك اجتماع اللحاظين فدليل الواحد غير قابل لتنزيلين.

يظهر لك فساده مما قلنا؛ لأنّا قلنا بأنّ المجعول في باب الطرق و الأمارات ليس‏

36

إلّا نفسها و تتميم كشفها، و أمّا ما يترتب عليها فلا يكون مورد الجعل، فالشارع تمّم نقص كشفها، ثم بعد تتميم هذا النقص تصير كاشفة تامة، فكل أثر يكون مترتبا على الكاشف يترتب عليها بدون أن يكون هذا الأمر مورد لحاظ الشارع في مقام الجعل و التنزيل، فالشارع لا يكون نظره الى الأثر حتى يقال: إنّ الأثر في أحدهما على الواقع و في أحدهما على العلم، بل الشارع لم يفعل إلّا تتميم الكشف، ثمّ بعد صيرورته كاشفة و كل أثر يكون للكاشف يترتّب عليه، فالشارع لم ينزّله منزلة العلم في حيث الطريقية، و لم يقع تنزيله في هذا الحيث حتى يقال مع لحاظ هذا الحيث لا يمكن لحاظ الموضوعية، بل الشارع جعله كاشفا. ثمّ الكاشف تارة يصير طريقا فهي أيضا بعد كونها كاشفا تصير طريقا، و تارة تصير موضوعا لحكم فهي أيضا بعد التنزيل في الكاشفية تصير موضوعا لحكم من غير أن يكون ملحوظ الشارع في مقام التنزيل هذين الحيثين.

و ما قال من أنّ التنزيل باعتبار الأثر فلا بدّ من لحاظ الأثر فيه أنّ التنزيل يكون كما قال باعتبار الأثر، لكن تارة يكون الملحوظ في مقام التنزيل هو نفس الأثر، و تارة يكون الشي‏ء لو كان لحاظ الشي‏ء و تنزيله باعتبار الأثر، ففي الأوّل يكون الملحوظ هو الأثر، و في الثاني لا يكون الملحوظ هو الأثر، بل الملحوظ نفس الشي‏ء، غاية الأمر لحاظه و جعله كان باعتبار الأثر، و بينهما فرق واضح.

فلو كان المجعول في باب الأمارات المؤدّى يصحّ ما قال، لأنّ الجعل تعلّق بالأثر و المؤدّى، فهذا الجعل لا يكفي لجعل نفس الأمارة، و لكن لو كان الجعل متعلقا بنفس الأمارة لا بالأثر و لو كان الجعل باعتبار الأثر فلا يلزم ما قاله أصلا.

فظهر لك فساد كلامه، و العجب من هذا المحقق (رحمه اللّه) فهو مع التزامه في باب الأمارات بأن المجعول هو الحجية لا المؤدّى كيف يقول بهذه المقالة؟

ثمّ بعد ما عرفت من عدم الإشكال في قيام الأمارات مقام العلم الموضوعي على وجه الطريقية على القول بتعلّق الجعل بنفس الأمارة أو نفس الظنّ، و كون‏

37

المجعول التعبدي نفس الطرق لا المؤدّى نقول: بأنه يمكن الالتزام بذلك على القول بكون المجعول هو المؤدّى، يعني مؤدّى الطريق.

بيانه: أنّ التنزيلات الواردة تارة تكون عرضية، بمعنى أنّ شيئا يكون في عرض شي‏ء آخر لا في طوله مثل أن يقال: التراب ماء فنزّل التراب منزلة الماء في الطهورية مثلا و يكون في عرضه لا في طوله، فيكون لسان التنزيل جعله عرضا له.

و تارة لا يكون المجعول و المنزّل في عرضه، بل يكون في طوله، فنقول: إنّ فيما نحن فيه لا يمكن الالتزام بكون التنزيل عرضيا، و إنّ مؤدّى الطريق منزّل منزلة الواقع و يكون في عرضه، لأنّ هذا موجب للتصويب الذي هو محال، أو مجمع على بطلانه؛ لأنه على هذا يكون الواقع تارة الواقع الأولي، و تارة الواقع الجعلي و هذا تصويب، فما هو المعقول هو كون المؤدّى الذي تعلّق الجعل به في طول الواقع، بمعنى أنّ مؤدّى الطريق من باب كشفه عن الواقع صار حجة و لازم الاتّباع، فيكون المؤدى منزّلا منزلة الواقع في طوله و باعتبار كشفها عن الواقع، فعلى هذا يكون المؤدى لازم الاتّباع و المجعول من باب كونها كاشفة عن الواقع و كون الطريق القائم عليه طريقا الى الواقع فلبّا يكون اعتبار المؤدى و تعلّق الجعل بها لأجل كشفها عن الواقع، فحيث كشفها عن الواقع مأخوذ فيه قهرا، لأنّ بهذا الحيث صار مجعولا، فالمؤدى مع كشفها عن الواقع صار مورد الجعل و الاعتبار، و على هذا فالمؤدّى المنكشف مورد اعتبار الشارع، يعني مؤدّى المتحيّثة بحيثية كشفها عن الواقع و لأجل كاشفيّتها للواقع صارت مورد الاعتبار.

فعلى هذا بعد كون المؤدّى بهذا الاعتبار مورد الجعل فحيث الكشف دخيل و ملحوظ في مقام الاعتبار فبعد كون المؤدّى لكاشفيتها عن الواقع مورد الاعتبار فالجعل لا يتعلّق بنفس المؤدّى، بل بها و بحيث كشفها.

و لهذا قال بعض في مقام بيان مراد الشيخ (رحمه اللّه): إنّ المؤدّى المنكشف مورد الاعتبار، و معناه ما قلنا، يعني أنّ المؤدّى مع حيث كشفها صار مورد الجعل، فعلى‏

38

القول بكون المجعول هو المؤدّى مع حيث كشفها لكون اعتبارها في طول الواقع و بعد كون حيث الكشف ملحوظا فباعتبار كشفها يقوم مقام كاشفية العلم، و لا يلزم اجتماع اللحاظين على هذا، لما قلنا من أنّ الملحوظ أمر واحد، و هو المؤدّى لكن باعتبار كشفها عن الواقع، فبعد شمول التنزيل بهذا الحيث يكون لكلّ أثر كشف يترتّب على المجعول.

نعم، لو كان مورد الأثر مترتبا على نفس العلم الموضوعي لا الواقعي أو هو و الواقع يكون هذا الكلام غير تام، و لا يمكن الالتزام بكون المؤدّى المنكشف قائما مقام هذا العلم، لأنّه قام مقام الواقع لا العلم فيصح هذا الكلام، و لكن هذا قلّما يتفق في العلم الذي اخذ جزء الموضوع على وجه الطريقية.

و على أيّ حال على مختارنا من أنّ المجعول نفس الطريق لا إشكال في قيام الطرق مقام العلم الطريقي و الموضوعي الطريقي، سواء كان العلم جزء الموضوع أو تمام الموضوع.

ثمّ إنّ المحقّق الخراساني (رحمه اللّه) تصدّى لتصحيح قيام الأمارات مقام العلم الموضوعي بدعوى الملازمة العرفية، و أنّ العرف يحكمون بالملازمة و لو كان المجعول هو المؤدّى، و لا يلزم اجتماع اللحاظين.

بيانه: أنّ بعد تعلّق الجعل بالمؤدّى و تنزيله منزلة الواقع فتأثيره لا يمكن إلّا باعتبار جزء آخر و هو حيث الكشف لأن يجعل المؤدّى يقوم مقام الواقع، فيرتب عليها أثر الواقع، و أمّا أثر جزء آخر- يعني أثر العلم- موقوف على تعلّق الجعل بالطريق أيضا فالعرف في هذا المقام يحكم بالملازمة بين جعل المؤدى و جعل الطريق حتى يترتب الأثر، و لا يلزم اجتماع اللحاظين على هذا؛ لأنّ أحد التنزيلين يعني تنزيل المؤدى منزلة الواقع ثبت بالمطابقة و بجعل مطابقي و هو دليل الجعل، و الآخر و هو تنزيل الطريق منزلة العلم ثبت بالملازمة و بتبع جعل الأول فلا يجتمع اللحاظين؛ لأنّ اللازم ليس محتاجا بالجعل بل هو مجعول بالتبع و بدلالة الالتزام.

39

و اعلم أنّ هذا الكلام لو صحّ يصحّ في الصورة التي كانت هي الأثر للعلم و الواقع، يعني يكون العلم مأخوذا بعنوان جزء الموضوع.

و أما اذا كان العلم مأخوذا بعنوان تمام الموضوع فليس لهذا التوجيه مجال إلّا أن يكون أثرا آخر للواقع أيضا في هذه الصورة غير أثر العلم، و لكن يكون هذا الكلام في غير محله و يكون موردا للإشكال.

فالذي أورده المحقق (رحمه اللّه) نفسه هذا الإيراد عليه هو لزوم الدور؛ لأنّه بعد كون أثر المترتّب على المؤدّى موقوفا على أثر المترتب على الطريق فيكون عكسه أيضا كذلك، فإنّ أثر المترتّب على الطريق أيضا موقوف على أثر المترتّب على المؤدى فيلزم الدور؛ لأنّ التوقّف على هذا يكون من الطرفين.

و لكن يرد على هذا الكلام إيراد أيضا، و هو: أنّه مع كونه دليلا على فساد أصل التوجيه كذلك يكون دليلا على فساد ما أورده على التوجيه من بيان الدور.

فنقول بعونه تعالى: الأثر الذي لا بد من كونه في كل شي‏ء حتى يكون باعتباره قابلا للجعل و التنزيل ليس هو الأثر الفعلي، بل يكفي قابلية ترتب الأثر و لو تعليقا و لو لم يكن فعليا كما ترى في اعتبار كل شي‏ء، فالسورة معتبرة في الصلاة و يترتب عليها أثر في حصول معراج المؤمن مثلا، و لا إشكال في أنّ هذا الأثر ترتب على السورة اذا انضمّ اليها سائر الأجزاء و الشرائط، و لكن مع ذلك يترتب الأثر عليها و لو لم يجد سائر الأجزاء، و يكفي في كونها ذات أثر بهذا المقدار.

و كذلك في كل شي‏ء ذي أثر مثلا في هذه السورة لو شككت بعد الدخول في الركوع بأنّه هل أتيت به أم لا؟ فتجري قائدة التجاوز، و الحال أنّ السورة بنفسها لا أثر لها إلّا بعد الصلاة و الإتيان بكلّ ما اعتبر في الصلاة، و لكن أنت لا تصبر حتى تمض صلاتك، ثمّ تجري قاعدة التجاوز، بل تجري في حال الركوع الذي هو حال الشك هذه القاعدة.

و السرّ في ذلك: هو عدم لزوم أثره الفعلي في تنزيل شي‏ء أو تعلق الجعل‏

40

بشي‏ء، بل يكفي صرف كونه بحيث لو انضمّ اليه سائر الشرائط و رفع الموانع يؤثر أثره، فعلى هذا نقول في المورد بأنّه يكفي في كون الأثر لجعل المؤدّى هو صرف قابلية الأثر، يعني بحيث لو انضمّ اليه جزء الآخر يؤثر الأثر و يكون أثره هو، مثلا أنّه لو تعلق جعل آخر بجزء الآخر يعني الطريق فهو ينضمّ اليه و يؤثّران في الأثر المترتب عليهما، فلا يكون المراد الأثر الفعلي حتى يقال بأن الأثر الفعلي على المؤدى موقوف على تعلق الجعل بالطريق، فنستفيد تعلق الجعل بالطريق بالملازمة لما قلنا، فأصل التوجيه يظهر فساده من هذا البيان.

و كذا يظهر فساد إشكال الدور؛ لأنّ بعد عدم كون المراد من الأثر هو الأثر الفعلي فلا يكون بينهما توقف حتى يلزم الدور. هذا تمام الكلام في العلم الطريقي الصرف و الموضوعي الطريقي.

و أمّا الموضوعي الصفتي فكما قلنا لا يقوم الطريق مقامه؛ لأنّ في هذه الصورة العلم بما هو صفة في قبال الصفات صار موضوعا للحكم، فالطريق بدليل حجيته لا يقوم مقامه، لأنّ الأثر ليس للكاشف بل يكون لصفة خاصّة و هو العلم.

ثمّ إنّ هنا إشكالا، و هو: أنّ تنزيل شي‏ء منزلة شي‏ء آخر باعتبار الأثر لا بدّ و أن يكون الأثر المنزّل عليه رفعه و وصفه بيد المنزل- بالكسر- حتى ينزّل على آخر منزلته في هذا الأثر، و المقام ليس كذلك، لأنّ الأثر المترتّب على العلم- على ما قلنا- يكون مترتبا عليه قهرا و تكوينا لا بجعل جاعل، فالشارع لم يجعل أثر العلم حتى ينزّل الطريق منزلته باعتبار هذا الأثر.

و لكنّ دفعه ظاهر، و هو: أنّه لا يلزم في التنزيل أن يكون أثر المنزّل عليه أمر وضعه و رفعه بيد المنزّل، بل لا بدّ و أن يكون في التنزيل أثر، يعني لا بدّ و أن يكون في تنزيل شي‏ء منزلة الآخر أثر حتى يكون التنزيل باعتبار هذا الأثر و يمكن للمنزّل تنزيل ذلك الشي‏ء منزلته باعتبار الأثر و جعل الأثر فيه بتنزيله منزلته، فافهم.

41

و مما قلنا ظهر لك أنّ النسبة بين أدلة الأحكام المتكفّلة للأحكام الواقعية مع الطرق و الأمارات هي الحكومة، يعني تكون أدلة الطرق و الأمارات حاكمة عليها و لا تكون النسبة الورود؛ لأنّه بعد ما قلنا من أنّ الورود عبارة عن التصرف في الموضوع و التوسعة في الموضوع تعبدا، و الحكومة عبارة عن التصرف في الحكم تعبدا لا الموضوع فحيث يكون العلم بالواقع موضوعا للحكم بخصوصية العلم فالموضوع الواقعي هو العلم، غاية الأمر من باب كونه كاشفا عن الواقع، لكن مع ذلك ما هو الموضوع هو العلم، و بعد ما قلنا من أن دليل التنزيل ينزّل الطريق و الأمارة منزلة العلم في الكاشفية فالطريق بما هو كاشف يكون بعد التنزيل كالعلم حكما في كشفه عن الواقع فيكون الموضوع للحكم الواقعي هو العلم، و لكن بعد التنزيل يكون الطريق أو الأمارة في حكم العلم فتكون النسبة هي الحكومة لا الورود، فافهم.

هذا كلّه في قيام الطرق و الأمارات منزلة العلم، و عرفت تفصيله من قيامها مقام العلم الطريقي الصرف و العلم الموضوعي المأخوذ على وجه الكاشفية، و لا تقوم مقام العلم الموضوعي على وجه الصفتية.

و أمّا الكلام في قيام الاصول مقام العلم فنقول: إنّ الاصول على قسمين:

قسم ليس فيها جهة نظر الى الواقع و كشف الى الواقع، بل تكون اصولا عملية و ليس دليلها دالّا إلّا على لزوم الجري العملي على طبقها بدون لحاظ الواقع فيها، و ليس فيها حيث إحراز الواقع و النظر اليه، بل هي اصول تجري في مقام الجهل بالواقع بلا نظر الى الواقع، بل تكون في قبال الواقع أحكاما عملية، كأصالة البراءة و أصالة الطهارة، و هذا القسم لا كلام فيه في عدم قيامها منزلة العلم أصلا، لعدم جهة كشف و مرآتية للواقع فيها أصلا، و يدخل في هذا القسم الاحتياط لأنه أيضا ليس كاشفا و ناظرا الى الواقع، بل هو عين الواقع فبالعمل به عمل بنفس الواقع لا بما هو طريق الى الواقع.

42

و قسم منها يكون فيه جهة كشف و نظر الى الواقع، و لوحظ فيه إحراز الواقع، و لذا يقال: بأنّها اصول محرزة، كالاستصحاب، و قاعدة التجاوز، و قاعدة الفراغ، فهذا القسم لا إشكال فيه في قيامها مقام العلم الطريقي الصرف و العلم الموضوعي الطريقي.

فنتكلم في الاستصحاب، لأنّ بعد معلومية الأمر فيه يعرف الحكم في غيره من الاصول المحرزة، فنقول: أمّا الاستصحاب فعلى مختارنا من أنّ بعد كون التنزيل تارة فعل نفس الشارع مثل تنزيله خبر الواحد منزلة العلم، و تارة يأمر المكلف بالتنزيل بأن نزّل الشي‏ء الفلاني منزلة الشي‏ء الكذائي يكون الأمر في الاستصحاب كذلك، فإنّ مقتضى أدلة الاستصحاب مثل قوله: «لا تنقض اليقين بالشك» هو أمر الشارع المكلف بأن نزّل الشك منزلة اليقين، فعلى هذا بعد أمره بهذا التنزيل فيكون معناه أنّ الشك بمنزلة اليقين، فبعد تنزيله منزلة اليقين يصير الشك كاليقين، فكلّ أثر يكون لليقين يترتب عليه، لأنّه بالأمر بالتنزيل صار كاليقين فيترتب عليه أثر اليقين، و هذا على جعل نفس الاستصحاب أو الشك منزلة اليقين واضح.

و أمّا على كون حقيقة الاستصحاب تنزيل المستصحب و المشكوك منزلة المتيقن فيكون كجعل المؤدّى في الطرق، ففي هذه الصورة يشكل الأمر؛ لأنّ المستصحب صار منزلة المتيقن فيترتب على المشكوك و المستصحب أثر المتيقن، و هذا سليم عن الإشكال في قيام الاستصحاب منزلة العلم الطريقي، لأنّ في العلم الطريقي الأثر مترتب على الواقع و المعلوم و المتيقن، فالمستصحب أيضا على كونه هو المجعول يصير منزلة المتيقن و المعلوم، و أمّا قيامه مقام العلم الموضوعي الطريقي سواء كان العلم تمام الموضوع أو جزء الموضوع يصير على هذا مورد الإشكال؛ لأنّ في العلم الموضوعي الطريقي الذي يكون العلم تمام الموضوع لا أثر للمتيقن و المعلوم و الواقع أصلا، و المستصحب نزّل منزلة المتيقن لا العلم، فأثر العلم لا يترتب عليه، و كذا في جزء الموضوع أيضا بعد كون العلم جزء الموضوع لا يكون الأثر لخصوص‏

43

المتيقن و المعلوم، بل يكون له و للعلم، فالاستصحاب أيضا لا يقوم مقامه؛ لأن دليل التنزيل نزّله منزلة المتيقن لا العلم، و لكن على ما قلنا في قيام الطرق و الأمارات مقام العلم الموضوعي و لو كان المجعول هو المؤدى نقول في المقام و يرفع الإشكال.

لأنّا نقول: إنّ المنزّل و المجعول و إن كان المستصحب و المشكوك و لكن يكون التنزيل باعتبار الكشف، فالمستصحب باعتبار كشفه صار منزّلا منزلة المتيقن فحيث بهذا الاعتبار صار مجعولا يقوم مقام العلم الموضوعي الطريقي بكلا قسميه أيضا، لأنّه لوحظ فيه جهة الكشف.

و من هنا يظهر حال قاعدة التجاوز و غيره، لأنّ فيها أيضا لوحظ حيث الكشف كما عبّر بأنّه حين العمل أذكر فيكون النظر الى الواقع، و باعتبار كشفها عن الواقع صار مجعولا فتقوم مقام العلم الطريقي الصرف و العلم الموضوعي الطريقي، سواء كان العلم جزء الموضوع أو تمام الموضوع.

و أمّا قيام هذه الاصول المحرزة مقام العلم الموضوعي الصفتي فلا يمكن، لما قلنا سابقا من أنّ العلم في هذه الصورة موضوع باعتبار كونه صفة خاصّة في قبال سائر الصفات.

ثمّ إنّه بعد ما قلنا من الأقسام الخمسة للعلم و آثارها لا بدّ من فهم أنّ المورد من أيّ هذه الأقسام هو؟ و أنّه من أيّ هذه الموارد يكون؟ ثمّ إنّه كما يتصور هذه الأقسام الخمسة في العلم كذلك يأتي هذا التقسيم في الظنّ أيضا، فيمكن أن يؤخذ طريقا صرفا، و يمكن أن يؤخذ موضوعا، و في الموضوع يمكن أخذه على وجه الطريقية، و يمكن أخذه على نحو الصفتية، و في كلّ منهما يمكن أن يكون الظنّ تمام الموضوع، و يمكن أن يكون جزء الموضوع، فافهم.

44

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

45

[المقام الثالث أنه يمكن أن يكون العلم موضوعا لنفس الحكم مثلا إذا علمت بوجوب الاجتناب يجب الاجتناب‏]

المقام الثالث من المقامات التي يبحث فيها في المقصد الأول هو: أنّ ما قلنا من صيرورة العلم تارة مأخوذا في الموضوع يمكن أخذه في موضوع حكم آخر غير موضوعه، مثلا يصير العلم بالخمر موضوعا لنجاسته، أو العلم بنجاسته موضوعا لحرمته، و لا يمكن أن يكون العلم موضوعا لنفس هذا الحكم، مثلا لا يمكن أن يقال: اذا علمت بوجوب الاجتناب يجب الاجتناب، لأنّ هذا يستلزم الدور، فإنّ الموضوع مقدم على الحكم فالموضوع و هو وجوب الاجتناب لا يمكن أن يكون هو الحكم، و لا يمكن أخذه في مثله لاجتماع المثلين، و لا في ضدّه لاجتماع الضدين، مثلا لا يمكن أن يقال: اذا علمت بحرمة شرب الخمر وجب عليك شربه، فافهم.

46

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

47

المقام الرابع في التجرّي‏

فنقول: إنّ الكلام في التجرّي يقع في جهات ثلاث:

الجهة الاولى: في أنّ التجرّي من باب كونه صفة في قبال الانقياد و هو عبارة عن حالة في الشخص بحيث يكون في مقام الجرأة على المولى و لا يبالي أن يخالف المولى و يعصيه في قبال الانقياد، و هو كون الشخص له حالة يكون في مقام إطاعة المولى و انقياده، ففي هذه الجهة يكون البحث في أنّ هذه الصفة صفة مذمومة كاشفة عن سوء السريرة و خبث الباطن أو لا، بلا نظر الى حيث إعمال التجري في الخارج و حيث إبرازه؟

الجهة الثانية: يكون الكلام في أنّ التجرّي بنفسه مع قطع النظر عن الفعل المتجرّى به هل يوجب عقابا و في قباله يوجب الانقياد ثوابا أو لا؟ ففي هذه الجهة يكون الكلام في حيث إبراز التجري و إبراز الانقياد، و هو في ما اذا تجرّى و ارتكب ما تخيل كونه مورد نهي المولى، و الحال أنّه في الواقع لم يكن منهيا عنه، أو صار في مقام إتيان ما تخيل و اعتقد كونه مورد أمر المولى و أتى به، و الحال أنّه لم يكن مأمورا به في الواقع، فهل يكون في الأول نفس هذا التجري مع قطع النظر عن الفعل الذي حصل به التجري موجبا للعقاب، و في الثاني هذا الانقياد مع قطع النظر عن الفعل‏

48

الذي حصل به الانقياد موجبا للثواب أم لا، فلا يكون الكلام في أنّ الفعل المتجرّى به أو المنقاد به ما يكون حاله، بل يكون الكلام في صرف أن على التجري يكون العقاب أو لا و لا يكون النظر أيضا في هذه الجهة الى أن التجري حرام، أم لا؟

الجهة الثالثة: يكون النزاع في أنّ الفعل المتجرّى به يصير حراما، أم لا؟

مثلا لو اعتقد أنّ هذا خمر و الحال أنّه خلّ و تجرّى و شرب هذا المائع يصير هذا الفعل حراما، أم لا؟ ففي هذه الجهة يكون الكلام في أن الفعل المتجرى به ينقلب عمّا هو واقعا و يصير حراما أم لا؟

أمّا الكلام في الجهة الاولى فنقول: لا ينبغي أن يقع مورد البحث أصلا، و لا إشكال في أنّ من يكون فيه هذه الصفة- أعني التجري- و يكون بحيث لا يبالي على مخالفة المولى يكون شخصا مذموما و خبيثا في مقابل العبد المنقاد، و أن كلّ عاقل يجعل التفاوت بين عبده الذي يكون من حاله الانقياد مع عبده الذي من حاله التجري و الطغيان، و هذا واضح.

و أمّا الكلام في الجهة الثانية فيما يظهر من كلام المحقّق الخراساني (رحمه اللّه) هو:

أنّ التجرّي موجب للعقاب، و الانقياد موجب للثواب، بل يظهر من كلامه أنّ الثواب مطلقا و لو في الإطاعة الواقعية يكون على الانقياد، و العقاب حتى في المخالفات الواقعية يكون على التجري، لأنّ الحاكم في باب الإطاعة و المعصية و الثواب و العقاب هو العقل، و العقل يحكم بأنّ الثواب على الانقياد و العقاب على التجري.

و بعبارة اخرى نقول في بيان مراده: إنّ في ترتّب الثواب و العقاب يكون نفس العلم موضوعا، فما هو موضوع حكم العقل و الثواب و العقاب يكون نفس الاعتقاد و العلم، و لو أنّ موضوع حكم الشارع في حكمه يكون هو الواقع فبعد العلم بوجوب شي‏ء لو أطاع انقاد و يحكم العقل بأن له الثواب و لو لم يكن هذا واجب في الواقع، و لو تجرّى مع العلم و خالف فالعقل حاكم باستحقاقه للعقاب بمجرد تجرّيه و لو لم‏

49

يكن واجبا واقعا، و لكنّ الوجوب و الحرمة من ناحية الشارع يكونان مترتّبين على الإتيان بالواجب الواقعي و ترك الحرام الواقعي.

و الشاهد على أنّ الثواب و العقاب على نفس الانقياد و التجرّي هو: أنّه كما ترى أنّك لو تخيّلت صورة العقرب تفرّ منه و لو لم يكن في الخارج عقرب أصلا، و بالعكس لو كان في الخارج عقرب و لم تكن أنت معتقد بذلك لا تفرّ منه، لأجل أنّ العلم بوجود العقرب موجب للفرار لا وجوده الخارجي و لو لم تعلم به، كذلك العلم بالشي‏ء موضوع للثواب و العقاب لا الواقع و الخارج، لأنّ العقل يحكم بذلك، و إن تمّ هذا الكلام لازمه أن الثواب و العقاب يكونان على الانقياد و التجرّي، لا على إتيان الواجب الواقعي و ترك الحرام الواقعي.

فعلى هذا لا يرد عليه أنّ لازم كون العقاب على التجري هو كون العقابين في صورة الإصابة مع الحرام الواقعي مع تجريه و مخالفته نهي المولى فيلزم تداخل العقابين في هذه الصورة، لأنّه على ما قلنا في بيان مراده لا يكون العقاب إلّا على التجرّي حتى في صورة مصادفة الواقع، و لا يكون الثواب إلّا على الانقياد و لو في صورة مصادفة الواقع.

فدعوى هذا المحقق (رحمه اللّه) هو حكم العقل بذلك، بل على ما يظهر من بعض كلماته أنّه ترقّى و قال بأنّ الثواب و العقاب لا يكون إلّا على القصد، و على أيّ حال هذا مراده.

فظهر لك أنّ كلمات القائلين بالتجرّي متباينة، فمن بعض كلماتهم يظهر أنّ العقاب على التجري، و من بعضها يظهر أنّ العقاب يكون على القصد المتعقّب به العمل، لأنّ نفس القصد ليس له ثواب أو عقاب، كما أنّ من كلمات المحقّق الخراساني (رحمه اللّه) أيضا يظهر تارة أنّ العقاب على التجرّي، و تارة أنّ العقاب على القصد.

اذا عرفت مراده فنقول: إنّ التجرّي له إطلاقان:

50

الأول: يقال لمن يكون في مقام الطغيان على المولى و عناده بحيث لو أمره المولى: إنّه تمرّد عن إطاعة أمره، و بالاصطلاح يكون باغيا و طاغيا في قبال العبد الذي يكون مطيعا و منقادا للمولى، فعلى هذا يقال لهذا العبد الذي ليس له اعتناء بأمر المولى: إنّه متجرّي مع قطع النظر عن مخالفة منه، مثل أنّ عبدا لم يتّفق الحال أن يأمره المولى أمرا فيخالفه، و لكن يكون مع ذلك بحيث لو أمره به يخالفه و يعصيه لأجل عداوته مع مولاه، مثل أن يقول: لو أمرني المولى لاخالفه، فهذا الشخص تجرّيه ليس من باب مخالفة أمر المولى خارجا، بل يكون فيه صفة التجري مع قطع النظر عن مخالفته خارجا، فيقال لهذا العبد: متجرّ من باب كونه في مقام هتك المولى و الطغيان عليه و البغض و عداوته معه، و كون هذه الصفة فيه فيقابل العبد الذي من حاله كونه مطيعا للمولى و فيه هذه الصفة مع قطع النظر عن العمل الخارجي، مثل من كان بناؤه على أنّ المولى لو أمره بشي‏ء أطاعه.

الثاني: أن يقال: إنّ كون الشخص متجرّ من باب المخالفة التي صدرت منه في الخارج بأنّه خالف أمر المولى، فينتزع من هذه المخالفة الخارجية التجري في قبال انتزاع الانقياد من العبد الذي أطاع أمر مولاه، ففي هذه الصورة ليس تجرّيه من باب كونه في مقام هتك المولى و العناد معه، بل صدرت منه المخالفة من باب غلبة هوى النفس، و لو أنّ منشأ ذلك أيضا ضعف اليقين و لكن ليس من باب كونه في مقام هتك المولى و العناد معه، بل ربّما يكون في هذا الحال خائفا من المخالفة و متنفرا عن هذا الفعل، و لكن كما قلنا: إنّ غلبة النفس صارت سببا لهذه المخالفة كما قيل في المروي عن سيدنا السجاد (عليه السّلام) في دعاء أبي حمزة: «إلهي لم أعصك حين عصيتك و أنا بربوبيتك جاحد، و لا بأمرك مستخف، و لكن خطيئة عرضت و سوّلت لي نفسي و غلبني هواي» فيكون العصيان من باب غلبة الهوى لا من باب الاستخفاف بالمولى، كما كان في الإطلاق الأول فيطلق التجري على هذا القسم أيضا.

اذا عرفت أنّ التجري يطلق على هذين القسمين نقول: إنّ القائل بكون‏

51

العقاب للتجرّي و الثواب للانقياد يكون مراده من التجري في أيّ من الإطلاقين؟

فإن كان مراده هو التجري بالإطلاق الأول فلا شكّ فيه، و نحن أيضا نعترف بكون العقاب لهذا القسم من التجري، بل يمكن أن يكون موجبا للكفر أيضا لا للعقاب فقط، لأنّ هذا العبد معاند و مستخفّ بالمولى.

و إن كان مراده من العقاب على التجري هو التجري بالإطلاق الثاني- يعني التجري الذي يتنزع من العمل الخارجي، مثل أن علم بكون هذا خمر و شربه فيقال:

إنّه تجرى على المولى- فليس كلامه في محلّه؛ لأنّ العقل مستقلّ بعدم عقاب على هذا التجري، و لو كان عقاب فيكون على نفس العمل، فإن كان العمل حراما واقعا فيستوجب العقاب لمخالفته الواقع لا للتجري، و ليس هذا التجري بعنوان هتك المولى و استخفافه حتى لأجل هذا يحكم العقل بكون ذلك سببا للعقاب بلا إشكال.

و التجري الذي يكون مورد البحث هو التجري بهذا الإطلاق، لا التجري بالإطلاق الأول فكما قلنا: هذا القسم من التجري يعني ما لا يكون بعنوان الهتك و العداوة مع المولى ليس موجبا لاستحقاق العقاب بحكم العقل، فدعوى استقلال العقل و الوجدان على كون العقاب على التجري إن كان على هذا القسم من التجري يكون دعوى بلا برهان، و العقل و الوجدان مستقلّان على خلافه و عدم العقاب عليه، فليس عقاب على التجري لعدم كون التجري بهذا المعنى موجبا للعقاب.

و لكن لو صدر منه الفعل بعنوان الإطاعة و الانقياد و لو لم يصادف ما تخيّل من كونه واجبا و فعل مع الواقع يعني لم يكن واجبا واقعا، و لكنّ هذا الانقياد موجب للثواب؛ لأنّ محرّك هذا الشخص الى الفعل ليس إلّا إطاعة المولى و القيام بوظائف العبودية فحيث أتى هذا الفعل من باب انتسابه الى المولى فنفس ذلك موجب للثواب.

فظهر بذلك الفرق بين الانقياد و بين التجري بالمعنى الثاني، لأنّ في الانقياد حيث إتيان الفعل ليس إلّا بداعي أمر المولى فمستحق هذا الشخص من جهة انقياده‏

52

للثواب، و أمّا تجرّيه فحيث لا يكون بعنوان عناد المولى و هتك حرمته بل هوى النفس بعثه على ذلك العمل المحرّم ظاهرا فلا يوجب صرف هذا التجري عقابا.

و ما قلنا من كون الثواب على الانقياد لا يوجب أن يكون في صورة الإصابة ثوابان، مثلا لو اعتقد كون هذا واجبا و فعله بعنوان الانقياد ثم كان واقعا واجبا لم يكن مع ذلك عليه ثوابان: ثواب للانقياد و ثواب للإتيان بنفس الواجب، لأنّه لو كان الواجب تعبديا فليس عنوان الانقياد إلّا عنوان قصد التقرّب و التعبّد المعتبر في العبادة فأتى به، أمّا العبادة بما هي عبادة فلا توجب إلّا ثواب العبادة.

و إن كان توصّليا فحيث إنّ نفس إتيان العمل في التوصّلي بلا قصد الانقياد لا يوجب ثوابا عليه، فلو أتى بعنوان الانقياد و العبودية فيوجب ترتب الثواب الواحد على هذا الفعل لأجل هذا الانقياد، لا لنفس العمل، فافهم.

و أمّا الكلام في الجهة الثالثة و هي: أنّه مع قطع النظر عن نفس التجرّي هل يكون الفعل المتجرى به منقلبا عمّا هو عليه بنفس الاعتقاد و القطع أو لا؟ مثلا لو اعتقد كون هذا ابن المولى، و الحال أنّه عدوه و مع الاعتقاد بكونه ابنه كان واقعا في الهلكة و تجرى و لم ينجه مع وجوب نجاته، و الحال أنّه في الواقع عدوه و واجب الهلاك فهل يصير بذلك الاعتقاد هذا الفعل الواجب واقعا و هو هلاك هذا الشخص المتوهّم أنه ابن المولى حراما لاعتقاده بكون هذا ابن المولى أم لا؟ قد يقال بذلك، و منشأ هذا يمكن أن يكون وجوها:

الوجه الأول: أنّه كما ترى أنّ بعض العناوين يكون لها أحكام في حدّ ذاتها، و لكن باعتبار بعض الجهات الخارجية يطرأ عليها أحكام بالعناوين الثانوية، مثلا يكون الضرب بنفسه حراما و لكن حيث يكون لتربية الطفل- مثلا- واجبا فتارة يصير الضرب بعنوان ثانويّ واجبا اذا كان تربية الطفل موقوفا عليه، فكذلك نقول في المقام بأن الشي‏ء الذي يكون واجبا- مثلا- واقعا و في حدّ ذاته و بقطع النظر عن الجهات الخارجية يصير بعنوان ثانويّ حراما، و العنوان الثانوي هو تعلّق القطع به‏