المحصول في علم الاُصول‏ - ج2

- محمود الجلالي المازندراني المزيد...
676 /
1

المحصول في علم الأُصول تقريراً لبحوث آية الله الشيخ جعفر السبحاني بقلم السيد محمود الجلالي المازندراني الجزء الثاني يبحث عن بقية مباحث الأوامر، و النواهي، و المفاهيم، و العام و الخاص، و المطلق و المقيد نشر مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام) للتحقيق و التأليف، قم إيران‏

2

هوية الكتاب اسم الكتاب: المحصول في علم الأُصول/ ج 2 الموضوع: علم الأُصول بقلم: السيد محمود الجلالي المازندراني المطبعة: اعتماد قم التاريخ: عام 1419 ه الكمية: 2000 نسخة الناشر: مؤسسة الإمام الصادق 7 للتحقيق و التأليف السعر: 1650 تومان الصفّ و الإخراج باللاينوترون: مؤسسة الإمام الصادق 7 قم توزيع مكتبة التوحيد قم ساحة الشهداء

3

[مقدمة الاستاد]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

علم الأُصول عبر القرون‏

الحمد لوليه، و الصلاة و السلام على نبيّه، الّذي أكمل به الدين و أتم به النعمة، و على آله الذين أذهب الله عنهم الرجس و طهرهم تطهيراً.

أمّا بعد:

فإنّ علم الأُصول يُعرِّف لنا القواعدَ الممهدة لاستنباط الأحكام الشرعية و ما ينتهي إليه المجتهد في مقام العمل، و قد سمِّي به لصلته الوثيقة بعلم الفقه، فهو أساس ذلك العلم و ركنه، و عماد الاجتهاد و سناده.

لم يك علم الأُصول بمحتواه أمراً مغفولًا عنه في العصور الأُولى، بل قد أملى الإمام الباقر (عليه السلام) و أعقبه الإمام الصادق (عليه السلام) على أصحابهما قواعد كلية في الاستنباط رتّبها بعض الأصحاب على ترتيب مباحث علم الأُصول، نظير:

1. المحدّث الحر العاملي (المتوفّى 1104 ه) مؤلف كتاب:» الفصول المهمة في أُصول الفقه «و هذا الكتاب يشتمل على القواعد الكلية المنصوصة في أُصول الفقه و غيرها.

2. السيد العلّامة عبد الله بن محمد رضا شبر الحسيني الغروي (المتوفّى 1242 ه) له كتاب الأُصول الأصلية.

3. السيد الشريف الموسوي، هاشم بن زين العابدين الخوانساري الاصفهاني له كتاب» أُصول آل الرسول «و قد وافته المنية عام 1318 ه.

فهذه الكتب الحاوية على النصوص المروية عن أئمّة أهل البيت في القواعد

4

و الأُصول الكلية في مجال أُصول الفقه، تعرب عن العناية الّتي يوليها أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) لهذا العلم.

و قد قام لفيف من أصحاب الأئمّة (عليهم السلام) بتأليف رسائل مختصرة حول مسائل أُصول الفقه، كيونس بن عبد الرحمن (المتوفّى 208 ه) مؤلف كتاب» اختلاف الحديث و مسائله «و أبي سهل النوبختي، إسماعيل بن علي (237 311 ه) مؤلف كتاب» الخصوص و العموم «و» الأسماء و الأحكام «و الحسن بن موسى النوبختي له كتاب» خبر الواحد و العمل به «.

و قد صارت تلك الرسائل النواة الأُولى لعلم الأُصول بعدهم، ثم أعقبهم الشيخ محمد بن محمد النعمان المعروف بالشيخ المفيد (336 413 ه) فألّف كتاب التذكرة في أُصول الفقه المطبوع ضمن مصنفاته، و السيد الشريف المرتضى (355 436 ه) فألّف كتاب الذريعة، و سلّار الديلمي (المتوفّى عام 448 ه) فألّف كتاب التقريب في أُصول الفقه، و الشيخ محمد بن الحسن الطوسي (385 460 ه) فألّف كتاب العدة في أُصول الفقه. و هم من أعيان القرن الرابع و الخامس (رضوان اللّه عليهم).

و قد تداول التأليف حول أُصول الفقه من قبل علمائنا عبر القرون، و قد بلغ القمة في عصرنا هذا، فتجد الهوة السحيقة بين علم الأُصول في عهد المتقدمين من علمائنا و بين علم الأُصول في وقتنا الحاضر، حتّى بدا كأنهما علمان.

و هذا هو الجزء الثاني من محاضراتنا في أُصول الفقه يقدمه كسائل الأجزاء السيد العلّامة الحجة محمود الجلالي المازندراني و هو حصيلة الدورتين: الثانية و الثالثة، فقد بذل جهوداً مضنية في سبيل تأليفه فجزاه الله عن العلم و أهله خير الجزاء، كيف لا و هو ممّن عقدت عليه الآمال في المستقبل، حفظه الله من كل مكروه و وفقه لمرضاته.

حرّر في ميلاد النورين محمد المصطفى (صلى الله عليه و آله و سلم) و حفيده الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) 17 ربيع الأوّل 1419 ه قم المشرفة جعفر السبحاني‏

5

[تتمة المقصد الاول فى الاوامر]

الفصل الخامس: أحكام الضد

هل الأمر بالشي‏ء يقتضي النهي عن ضدّه أو لا؟

و قبل الدخول في صلب الموضوع نقدّم أُموراً:

1 المسألة أُصولية

هذه المسألة أُصولية لوقوع نتيجتها في طريق الاستنباط. فإذا ثبت الاقتضاء، تصير الصلاة المضادّة للإزالة، منهيّاً عنها، فلو قلنا إنّ النهي يقتضي فساد متعلّقه، فتصبح الصلاة فاسدة. كما تكون صحيحة على فرض عدم الاقتضاء.

2 المراد من الاقتضاء

المراد بالاقتضاء أحد الأمرين التاليين:

أ: الدلالة اللفظية بإحدى الدلالات الثلاث. فيبحث حينئذ بأنّ الأمر بالشي‏ء هل يدلّ بإحداها على النهي أو لا؟

و على هذا، يكون البحث لغوياً، و هو لا ينافي كونه أُصولياً أيضاً، لإمكان وجود كلا الملاكين في مسألة واحدة.

ب: الملازمة بين إرادة الوجوب و النهي عن ضدّه. و على هذا يكون البحث‏

6

عقلياً.

و قد حكم المحقّق النائيني بكون المسألة عقلية، و مع ذلك جعل الاقتضاء أعمّ من العينية و الجزئية، و اللزوم أعمّ من البيّن بالمعنى الأخص و المعنى الأعم. (1) يلاحظ عليه: أنّه لو كان المراد من الاقتضاء هو الدلالة بنحو المطابقية أو التضمنية أو الالتزامية، لصارت المسألة لفظية لا عقلية. و لا يتمحض البحث في العقلية، إلّا بجعل البحث ممحضاً في الملازمة بين وجوب الشي‏ء و حرمة ضدّه، مع قطع النظر عن كون الأمر مدلولًا للفظ أو لا.

3 المراد من الضدّ

قد يطلق الضدّ و يراد منه الضدّ بالمعنى العام، و هو مطلق المعاند الشامل لأمرين: 1 نقيض الواجب أعني تركه، 2 الأمر الوجودي الخاصّ المعبّر عنه بالمزاحم للواجب.

و ربّما يطلق و يراد منه خصوص الأمر الثاني و يطلق عليه الضدّ الخاص، و لكن الغالب هو استعمال الضدّ العام، في نقيض المأمور به، أي ترك الواجب.

و البحث في هذا الفصل مركّز على أُمور ثلاثة:

الأوّل: البحث عن حكم الضدّ العام.

الثاني: البحث عن حكم الضدّ الخاص.

الثالث: الثمرة الفقهية للبحث.

و إنّما قدّمنا البحث عن الضدّ العام على البحث عن الضدّ الخاص لابتناء براهين القائلين بالاقتضاء فيه على ثبوت الحكم في العام.

و إليك فيما يلي البحث عن هذه الأُمور الثلاثة في مقامات ثلاثة:

____________

(1)- أجود التقريرات: 251/ 1، و سيأتي بيانه و مناقشته.

7

المقام الأوّل حكم الضدّ العام‏

الظاهر أنّ مراد القائلين بأنّ الأمر بالشي‏ء عين النهي عن ضدّه، هو الضدّ العام، و إلّا فادّعاء العينية أو الجزئية في الضدّ الخاص بعيد جدّاً.

أمّا ادّعاء العينية في الضدّ العام فحاصله:

أنّ الأمر بالصلاة عين النهي عن تركها لأنّ النهي عن الترك عبارة عن طلب ترك الترك و هو عين طلب الفعل خارجاً حيث لا فرق بين أن يقول: صلّ و بين أن يقول: لا تترك الصلاة فإنّ العبارتين تؤديان معنى واحداً.

و بعبارة أُخرى:

إنّ الهيئة في الأمر موضوعة لطلب الفعل، و في النهي لطلب الترك. و على هذا يستفاد من هيئة النهي» طلب الترك «كما يستفاد من هيئة الأمر» طلب الفعل «و إذا تعلّق النهي الذي مفاده طلب الترك بالضدّ العام و هو الترك الذي هو نقيض الفعل يكون مفاده» طلب ترك الترك «و هو عين طلب الفعل مصداقاً، و إن كان يغايره مفهوماً، كعدم العدم الذي هو عين الوجود مصداقاً لا مفهوماً.

يلاحظ عليه أوّلًا: أنّ البحث في أنّه إذا تعلَّق أمر بشي‏ء، فهل هناك ملازمة بين الأمر به و النهي عن ضدّه العام أو لا؟ و القائل بالعينية لم يأت بدليل على الملازمة التي هي المقصود بالذات و غاية ما أفاده هو أنّه لو كان هناك أمر بشي‏ء و نهي عن الترك يكون أحدهما عين الآخر، و لكن الكلام في أنّه إذا أمر بشي‏ء هل يكون ملازماً للنهي عنه حتى يكون أحدهما عين الآخر أو لا؟

8

و ثانياً: لو افترضنا أنّ أمره بمنزلة النهي عن الترك لكن ادّعاء العينية المفهومية بمكان من البطلان إذ كيف يمكن أن يكون قوله:» صلّ «عين قوله:» لا تترك الصلاة «مفهوماً إلّا أن يكون كلامه ناظراً إلى العينية مصداقاً لا مفهوماً كما يظهر من التشبيه في ذيل كلامه، و هذا غير محطّ البحث.

و ثالثاً: أنّ الاستدلال مبني على كون مفاد هيئة النهي هو» طلب الترك «فإذا كان الضدّ العام أيضاً هو» نفس الترك «يكون مفاد النهي هو طلب ترك الترك الذي هو عين الأمر.

و لكن المبنى باطل، لما سيوافيك من أنّه ليس في مفاد النهي أيّ طلب، إذ هو زجر تشريعي عن الفعل.

فالأمر و النهي، يختلفان في المفاد، و يتّحدان في المتعلّق أعني الفعل على عكس ما تصوّر القائل. فالأمر طلب الفعل أو البعث إليه، و النهي زجر عنه.

اللّهمّ إلّا أن يوجّه بما في الكفاية من أنّ هنا طلباً واحداً ينسب إلى الوجود حقيقة و إلى الترك مجازاً، و هو غير محط البحث. (1) و أمّا الدلالة على النهي بنحو التضمّن، فهو مبني على كون مفاد هيئة الأمر طلب الفعل مع المنع من الترك. فالنهي عن الضدّ العام جزء لمفاد الأمر حينئذ.

و لكن يلاحظ عليه: أنّ مفاد الأمر هو البعث إلى الفعل، و هو أمر بسيط. و ما ذكر في المبنى، تحليل للإرادة المؤكدة، و لا يرتبط بمقام الدلالة.

و أمّا الدلالة: على النهي بنحو الدلالة الالتزامية، فهي تتصور على نحوين:

1 الالتزام بنحو اللزوم البيّن بالمعنى الأخص بأن يكون نفس تصوّر الوجوب كافياً في تصوّر المنع عن الترك.

2 الالتزام بنحو اللزوم البيّن بالمعنى الأعم، بأن يكون تصوّر الطرفين‏

____________

(1)- كفاية الأُصول: 211/ 1 212.

9

(الأمر بالشي‏ء، و النهي عن الضدّ العام) و النسبة كافياً في التصديق بالاقتضاء.

أمّا الأوّل، فواضح الانتفاء، إذ كيف يمكن ادّعاء الدلالة الالتزامية بهذا النحو، مع أنّ الإنسان كثيراً ما يأمر بشي‏ء و هو غافل عن الترك فضلًا عن النهي عنه؟

و أمّا الثاني، فلو أُريد أنّ هنا وراء الأمر بالفعل، نهي عن الترك، ففيه أنّه ما فائدة هذا النهي بعد عدم ترتّب العقاب و الثواب عليه. فهو إمّا لا حاجة إليه، كما إذا كان الأمر باعثاً. أو بلا ملاك و هو جعل الداعوية إذا لم يكن باعثاً.

أضف إلى ذلك أنّ الأمر و النهي حكمان مختلفان في المبادئ. فالأمر لأجل وجود مصلحة في جانب الفعل، و النهي لأجل المفسدة في جانب المتعلّق، و هو الترك هنا. فتواجد الأمر و النهي في مورد باعتبار الفعل و الترك، يتوقف على وجود تلك المبادئ، و هو ليس أمراً غالبياً، بل الغالب هو وجود أحد المبدأين، و هو وجود المصلحة في فعله و عدمها في تركه، لا وجود مفسدة في تركه أيضاً.

هذا كلّه إذا فسّر الاقتضاء بالدلالة اللفظية، و أمّا إذا فسر بالتلازم بين الإرادتين، فإثبات وجود إرادتين متلازمتين في لوح النفس دون إثباتها خرط القتاد.

10

المقام الثاني حكم الضدّ الخاص‏

استدلّ على الملازمة بين الأمر بالشي‏ء و النهي عن ضدّه الخاص بوجهين:

الوجه الأوّل: مسلك المقدّمية:

و هو مبني على أُمور ثلاثة:

1 إنّ ترك الضدّ، كالصلاة، مقدّمة للمأمور به، كالإزالة و أداء الدين.

2 إنّ مقدّمة الواجب واجبة، فيكون ترك الصلاة واجباً بهذا الملاك.

3 إنّ الأمر بالشي‏ء (و هو في المقام قوله: أُترك الصلاة) يقتضي النهي عن ضدّه العام، أعني نقيض المأمور به، و هو هنا نفس الصلاة. (1)

أمّا الأمر الأوّل‏

و هو المهم في الاستدلال، فقد تضاربت الأقوال فيه:

فمن قائل بعدم المقدّمية مطلقاً، لا من جانب الوجود و لا من جانب الترك، فليس وجود أحد الضدين مقدّمة لعدم الضدّ الآخر، و لا العكس، و هذا هو مختار المحقّقين.

____________

(1)- فالصلاة إذا قيست إلى الأمر بالإزالة، فهي ضدّ خاص. و أمّا إذا قيست إلى الأمر بترك الصلاة فهي ضدّ عام، فلا تغفل.

11

إلى قائل بالمقدّمية من أحد الجانبين، فعدم الضدّ مقدّمة لوجود الضدّ الآخر دون العكس. و إن شئت قلت: عدم كلّ ضدّ مقدّمة لوجود الضدّ الآخر، دون أن يكون وجود كلّ منهما مقدّمة لعدم الآخر.

إلى ثالث قائل بالمقدّمية من الجانبين، فوجود كلّ ضدّ مقدّمة لعدم الآخر، كما أنّ عدم كلّ واحد، مقدّمة لوجود الآخر. و قد حكي هذا عن الحاجبي، و العضدي.

إلى رابع قائل بتخصيص المقدّمية بصورة وجود الضدّ، فرفعه مقدّمة لوجود الضدّ الآخر. بخلاف ما لو لم يكن أيّ منهما موجوداً.

و قد استدل على هذه المقدّمة الأُولى بأنّ توقّف الشي‏ء على ترك ضدّه ليس إلّا من جهة المضادّة و المعاندة بين الوجودين، و قضيّتها الممانعة بينهما، و من الواضحات أنّ عدم المانع من المقدّمات.

و قد ناقش المحقّق الخراساني في هذا الاستدلال بوجوه ثلاثة:

المناقشة الأُولى في مقدّميّة عدم الضدّ

إنّ المعاندة و المنافرة بين الشيئين، لا تقتضي إلّا عدم اجتماعهما في التحقّق. و حيث لا منافاة أصلًا بين أحد العينين و ما هو نقيض الآخر، بل بينهما كمال الملاءمة، كان أحد العينين مع نقيض الآخر في مرتبة واحدة من دون أن يكون في البين ما يقتضي تقدّم أحدهما على الآخر.

و لما (1) استنتج المحقّق الخراساني من كمال الملاءمة، الوحدة الرتبيّة اعترض عليه المحقّق الاصفهاني بقوله:» إنّ غاية ما تقتضيه الملاءمة بين الضدّ و نقيض الضدّ الآخر، هي المقارنة الزمانية بين الضدّ و عدم الآخر. و المقارنة الزمانية لا تنافي‏

____________

(1)- نقله المحقّق الخراساني في الكفاية: 206/ 1.

12

التقدّم بالعلّية أو بالطبع. (1) و حاصله: أنّ كمال الملاءمة، لا يثبت إلّا عدم التقدّم في الزمان و لا ينفي التقدَّم الرتبي الذي هو ملاك العلّية.

و أجاب عنه سيّدنا الأُستاذ دام ظلّه بأنّ عدم الضدّ الآخر يحمل على نفس الضدّ، فيقال: البياض هو اللاسواد، حملًا بالعرض. و الحمل كاشف عن اتحادهما في الخارج اتحاداً مصداقياً بالعرض. و ما يقع في سلسلة العلل من المقتضيات و عدم الموانع لا يعقل أن يتّحد مع معلوله في الخارج، و لو بالعرض، لأنّ وجود المعلول ناش و مفاض منه، و ما هذا شأنه لا يعقل أن يتّحد مع المتأخّر عنه، إذ الاتحاد يأبى أن يكون أحدهما مقدِّماً و الآخر مؤخّراً و لو رتبة. (2) أقول: إنّ التقدّم الرتبي إنّما يمنع من الاتحاد إذا كان المتقدّم مفيضاً و المتأخّر مفاضاً، و هذا لا يصدق إلّا على المقتضي الذي هو المُفيض، أو هو مع الشرط. و أمّا عدم المانع، فانّ اعتباره ليس لأجل أنّ له دخالة في تحقّق المعلول، بل لأجل أنّ وجوده مزاحم، فعُبِّر عنه بدخالة عدم المانع. و في مثله، لا يأبى التقدّم الرتبي عن الحمل و الاتحاد، كما لا يخفى.

فإذا صحّ الحمل في مورد، لما كشف عن الوحدة في الرتبة. كما أنّه إذا لم يصح كما في قولنا: عدم الرطوبة هي الحرارة لا يكشف عن التقدّم الرتبي. فما ذكره المحقّق الاصفهاني من أنّ الملاءمة لا تنفي التقدّم الرتبي أولى بالتصديق.

و الأولى في نقد الاستدلال ما أفاده المحقّق النائيني من أنّ المانع هو ما يوجب المنع عن رشح المقتضي، بحيث لولاه لأثّر المقتضي أثره من إفاضة الوجود إلى المعلول فيكون الموجب لعدم الرشح و الإفاضة هو وجود المانع، و هذا المعنى من المانع لا يتحقّق إلّا بعد فرض وجود المقتضي بماله من الشرائط فانّه عند ذلك‏

____________

(1)- نهاية الدراية: 219/ 1.

(2)- تهذيب الأُصول: 289/ 1.

13

تصل النوبةُ إلى المانع و يكون عدم الشي‏ء مستنداً إلى وجود المانع و أمّا قبل ذلك فليس رتبة المانع، لوضوح أنّه لا يكون الشي‏ء (كالبلّة) مانعاً عند عدم المقتضي أو شرطه (للاحتراق)، فلا يقال للبلّة الموجودة في الثوب أنّها مانعة عن احتراق الثوب إلّا بعد وجود النار و تحقّق المجاورة و المماسة بينها و بين الثوب و حينئذٍ يستند عدم احتراق الثوب إلى البلّة الموجودة فيه.

و يترتّب على ذلك، عدم إمكان مانعية أحد الضدّين.

و ذلك لأنّه لا يتصوّر المانعية للصلاة إلّا بعد تحقّق أمرين متضادّين:

1 وجود العلّة التامة الشاملة للمقتضي لتحقّق الصلاة في الخارج.

2 وجود المقتضي و الشرط للإزالة حتى تكون الصلاة مانعة.

و ذلك يستلزم وجود المقتضيين للضدّين فكما أنّه لا يمكن اجتماع الضدّين، كذلك لا يمكن اجتماع مقتضي الضدّين لتضادّ مقتضيهما أيضاً، و بعد عدم إمكان اجتماع مقتضي الضدين لا يمكن كون أحدهما مانعاً عن الآخر. (1) هذا ما قيل أو يمكن أن يقال حول المناقشة الأُولى و لنا كلام آخر، يأتي بعد دراسة المناقشة الثالثة للمحقّق الثاني.

المناقشة الثانية في مقدّمية عدم الضدّ

إنّ المنافاة بين النقيضين كما لا تقتضي تقدّم ارتفاع أحدهما في ثبوت الآخر، كذلك في المتضادين. (2) و يريد المحقّق الخراساني بهذه المناقشة قياس حال الضدّين بالمتناقضين فكما أنّ ارتفاع أحد النقيضين (البياض) ليس مقدّمة لتحقّق النقيض‏

____________

(1)- فوائد الأُصول: 307/ 1 308.

(2)- كفاية الأُصول: 207/ 1.

14

الآخر (اللابياض)، مع كمال المنافرة بينهما، بل رفع أحد النقيضين ملائم لثبوت النقيض الآخر، فهكذا حال الضدّين، لا يكون رفع أحدهما (البياض) مقدّمة لثبوت الضدّ الآخر (السواد) و الجامع بينهما هو وجود المنافرة و المطاردة بين الطرفين.

ثمّ إنّ بعض المحقّقين قرّر المناقشة الثانية بوجه آخر و حاصله التمسك بقانون المساواة و هو أنّه لا شكّ في أنّ النقيضين (كالبياض و اللابياض) هما في رتبة واحدة، و ليس رفع البياض مقدّمة لتحقّق البياض، هذا من جانب.

و من جانب آخر، أنّه لا شكّ في أنّ الضدّين (كالبياض و السواد) في رتبة واحدة، و أنّه يمتنع تواردهما على موضوع واحد لأجل التمانع و المطاردة.

فينتج أنّ نقيض أحد الضدّين (كاللابياض) في رتبة الضدّ الآخر (السواد)، لأنّه إذا كان اللابياض في رتبة البياض، و كان البياض في رتبة السواد، تكون النتيجة أنّ اللابياض في رتبة السواد، لقاعدة التساوي، فانّ مساوى البياض، الذي هو مساو للسواد، مساو للسواد أيضاً.

يلاحظ عليه: أنّ هذا القياس عقيم، لأنّ قانون المساواة إنّما يجري في الكميّات و المقادير. فيقال مثلًا: إذا كانت زاوية» أ «مساوية لزاوية» ب «و زاوية» ب «مساوية لزاوية» ج «، كانت زاوية» أ «مساوية لزاوية» ج «و أمّا التقدّم و التأخّر و التقارن من حيث الرتبة، فخارج عن مورد القاعدة، بل كلّ واحد من هذه الأُمور تابع لوجود الملاك، و قد يوجد الملاك في أحد المساويين دون الآخر.

مثلًا: لا شكّ في أنّ العلّة متقدّمة على المعلول رتبة، و أمّا ملازم العلّة فليس بمتقدّم على المعلول من حيث الرتبة، لفقدان الملاك فيه، فانّ ملاك التقدّم الرتبي هو نشوء المعلول عن العلّة، و هذا الملاك غير موجود في ملازم العلّة، كما لا يخفى.

و على ذلك، فكون البياض متّحداً مع السواد من حيث الرتبة، لا يكون‏

15

دليلًا على كون اللابياض متّحداً مع السواد في الرتبة، و ذلك لفقد الملاك لأنّ النقيضين (اللابياض و البياض) في رتبة واحدة لأجل التناقض و إلّا يلزم ارتفاع النقيضين و هكذا الضدّان في رتبة واحدة بملاك التضاد و ليس واحد من الملاكين متحقّقاً بين اللابياض و السواد.

المناقشة الثالثة في مقدّمية عدم الضدّ

لو اقتضى التضاد توقّف وجود الشي‏ء على عدم ضدّه، توقّف الشي‏ء على عدم مانعه، لاقتضى توقف عدم الضدّ على وجود الشي‏ء، توقف عدم الشي‏ء على مانعه، بداهة ثبوت المانعية في الطرفين، و كون المطاردة من الجانبين، و هو دور واضح. (1) و ربّما يردّ الدور بما في الكفاية من أنّ توقّف وجود أحد الضدّين على عدم الآخر فعلي، و لكن توقّف عدم الآخر على وجود واحد من الضدّين شأني، مثلًا: إنّ وجود السواد في محلّ متوقف فعلًا على عدم تحقّق البياض فيه، و أمّا توقّف عدم الضد (البياض) على وجود الآخر فهو شأني لا فعلي فلا دور.

أمّا كون التوقف في جانب الوجود فعلي فلوضوح أنّ توقف وجود المعلول على جميع أجزاء علّته و منها عدم المانع فعلي لأنّ للجميع دخلًا فعلًا في تحقّقه و وجوده في الخارج و أمّا عدم الضدّ فلا يتوقّف على وجود الضدّ الآخر، لأنّ عدمه يستند إلى عدم المقتضي له لا إلى وجود المانع في ظرف تحقّق المقتضي مع بقية الشرائط ليكون توقفه عليه فعلًا.

هذا إذا لوحظ الفعلان المتضادّان بالنسبة إلى شخص واحد و أمّا إذا لوحظا

____________

(1)- كفاية الأُصول: 207/ 1.

16

بالنسبة إلى شخصين كما إذا أراد أحد الشخصين حركة شي‏ء و الآخر سكونه، فعدم أحدهما أيضاً مستند إلى فقد المقتضي التام، حيث إنّ قدرة المغلوب غير كافية في إيجاد الضدّ، لا إلى وجود الضدّ الآخر.

هذا توضيح لما في الكفاية.

و قد أجاب عنه المحقّق الخراساني بأنّ الدور و إن ارتفع فعلًا، لكن لم يرتفع شأناً لأنّ عدم الضدّ و إن كان موقوفاً عليه بالفعل، لوجود الضدّ الآخر و لكنّه أيضاً موقوف على وجود الضدّ الآخر، شأناً، بحيث لو وجد المقتضي للإيجاد، يكون عدمه مستنداً إلى وجود الضدّ، و هو أيضاً محال، ضرورة استلزامه كون شي‏ء مع كونه في مرتبة متقدّمة فعلًا، في مرتبة متأخّرة شأناً.

تحقيق رائع حول جعل عدم المانع مطلقاً مقدّمة

لنا في المقام كلام ربّما يهدم أصل الاستدلال و ما قيل حوله و حاصله: أنّ جعل العدم متوقفاً أو متوقفاً عليه، غفلة عن حقيقة العدم، فانّ العدم ليس إلّا شيئاً مصنوعاً للذهن. فإنّ الإنسان إذا رجع إلى الخارج و لم يجد شيئاً، بالسلب التحصيلي، جعله الذهن أمراً واقعيّاً، و كأنّ الإنسان وجد العدم في الخارج، فيقول مثلًا: عند ما رجع إلى البيت، و لم ير زيداً رأيت زيداً غير موجود فيه. مع أنّ واقعه أنّه لم ير شيئاً أو لم يجد فيه شيئاً، لا أنّه وجد عدمه في البيت، و العدم بهذا المعنى لا يمتّ إلى الواقع بصلة، و ما هذا شأنه لا يكون مؤثراً، و لا متأثراً، و لا موقوفاً، و لا موقوفاً عليه.

و بذلك يظهر أنّ عدّ عدم المانع من أجزاء العلّة، أمر خاطئ جدّاً، و لا بدّ من توجيهه، و هو أنّه لمّا كان المانع مزاحماً للمعلول و غير مجتمع معه، لوحظ عدمه شرطاً، فعبّر عن تمانع الوجودين بأنّ عدم المانع من أجزاء العلّة. و في الحقيقة أنّ‏

17

وجود الضدّ مانع عن وجوده، لا أنّ عدمه شرط، و كم من فرق بين الأمرين.

و إن شئت قلت: يعبّرون عن مزاحمة المقتضيات، و التمانع بين الوجودات، بكون عدم المانع من أجزاء العلّة. من غير فرق بين كونه مانعاً عن تأثير المقتضي كالرطوبة بالنسبة إلى إحراق النار، أو مانعاً من وجود المقتضى (بالفتح) كما في المقام. و الذي يعرب عن ذلك كلام المحقّق السبزواري في تفسير ما يقال:» عدم العلّة علّة لعدم المعلول «.

لا ميز في الأعدام من حيث العدم‏* * * و هو، لها إذاً بميز ترتسم‏

كذاك في الأعدام لا علّية* * * و إن بها فاهوا فتقريبية (1)

فلو قالوا: عدم العلّة علّة لعدم المعلول، فهو على سبيل التقريب، فانّ الحكم بالعلّية عليه، بتشابه الملكات، فإذا قيل: عدم الغيم علّة لعدم المطر فهو باعتبار أنّ الغيم علّة للمطر، فبالحقيقة قيل: لم تتحقّق العلّية التي كانت بين الوجودين. و هذا كما تجري أحكام الموجبات على السوالب في القضايا، فيقال: سالبة، حملية، أو شرطية، متصلة أو منفصلة أو غيرها. كلّ ذلك بمتشابه الموجبات. (2) و بهذا يظهر ضعف ما أفاده المحقّق الاصفهاني (رحمه الله) حيث قال: الاستعدادات و القابليات و أعدام الملكات كلّها، لا مطابق لها في الخارج، بل شئون و حيثيات انتزاعية لأُمور موجودة. فعدم البياض في الموضوع الذي هو من أعدام الملكات كقابلية الموضوع، من الحيثيات الانتزاعية منه» فكون الموضوع بحيث لا بياض له «، هو بحيث يكون قابلًا لعروض السواد. فمتمّم القابلية، كنفس القابلية،

____________

(1)- شرح المنظومة، لناظمها، قسم الحكمة، ص 47، نشر دار العلم.

(2)- المصدر السابق: 48.

18

حيثية انتزاعية. (1) وجه الضعف: أنّ ما ذكره صحيح في الاستعداد و القابلية و الإضافة، دون الأعدام، إذ لا شكّ أنّ القابلية أمر تكويني في النواة و النطفة، فهي موجودة فيهما، دون الحجر. و هكذا الإضافة، كالأُبوة و البنوة، فهما ينتزعان من تخلّق الابن من ماء الأب، و لهما واقعية بواقعية مبدأ انتزاعهما.

و أمّا الأعدام، فليست لها أيّة واقعية، سوى واقعية ملكاتها. فالواقعية في:» عدم البياض «هي لنفس البياض دون عدمه.

أضعف من ذلك ما قاله من أنّ» متمّم القابلية، كنفس القابلية «، مشيراً إلى أنّ عدم المانع متمّم للقابلية.

وجه الأضعفية: أنّ قابلية الجسم لتقبّل البياض تامّة لا نقصان فيها، فلا تحتاج إلى أيّ متمّم، غير أنّ هذه القابلية لا تخرج إلى حدّ الفعلية مع وجود الضدّ. فعدم قبوله البياض ليس للنقص في القابلية بل للتمانع بين الوجودين، فعُبّر عن التمانع بأنّ عدم المانع شرط. هذا كلّه حول الأمر الأوّل.

و الحاصل أنّ القوم إنّما يمنعون الصغرى و هو كون عدم الضدّ مقدّمة لأجل وحدة الرتبة بحيث لو كان هناك اختلاف في الرتبة لم يكن مانع من كونه مقدّمة كما في عدم الرطوبة بالنسبة إلى الاحتراق، و لكنّا ناقشنا الكبرى و أنّه ليس الأمر العدمي بكلا قسميه مقدّمة سواء كان مزاحم المقتضي في التأثير كالرطوبة بالنسبة إلى الإحراق، أو معاند المقتضى و منافيه كما في المقام فافهم.

و أمّا الأمر الثاني:

و هو كون مقدّمة الواجب واجبة، فقد مرّ الكلام حوله في الفصل السابق‏

____________

(1)- نهاية الدراية: 220/ 1.

19

فتكون النتيجة أنّ الأمر بالإزالة أمر بمقدّمتها و هي ترك الصلاة فتكون تركها واجبة فكأنّه قال:» اترك الصلاة «.

و أمّا الأمر الثالث:

و هو أنّ الأمر بالشي‏ء (ترك الصلاة) يقتضي النهي عن ضدّه العام، و هو نقيضه، الذي هو الفعل هنا، لأنّ الواجب هو ترك الصلاة، فنقيضه ترك ترك الصلاة الذي هو نفس الصلاة.

فمجمل نظرنا فيه هو أنّ النهي عن الضدّ العام، أمر لغو، لا يصدر عن الحكيم، لأنّه إن كان أمر المولى (أزل النجاسة) كافياً في انبعاث العبد نحو المأمور به، فهو كاف عن النهي و الزجر عن النقيض (لا تصلّ)، و إن لم يكن كافياً و لا مؤثراً، يكون النهي و الزجر بلا غاية.

هذا كلّه حول الدليل الأوّل على حرمة الضدّ الخاصّ، و قبل أن نستعرض الدليل الثاني على حرمته، و هو وحدة حكم المتلازمين، نبحث تكميلًا للدليل الأوّل في تفصيلين:

1 تفصيل المحقّق الخوانساري.

نقل عن المحقّق الخوانساري التفصيل بين الضدّ الموجود و الضدّ المعدوم، فذهب إلى توقّف الضدّ على ارتفاع الضدّ الموجود، لا غيره. فلو كان المحلّ أسود، توقف عروض البياض على ارتفاع السواد، دون ما إذا لم يكن أسود.

و وجّهه المحقّق النائيني بأنّ المحلّ إذا كان مشغولًا بأحد الضدّين، فلا يكون قابلًا لعروض الضدّ الآخر إلّا بعد انعدامه، و يكون وجودُه موقوفاً على عدم الضدّ الموجود. و هذا بخلاف ما إذا لم يكن شي‏ء منهما موجوداً و كان المحلّ خالياً عن كلّ منهما، فانّ قابليته لعروض كلّ منهما، فعلية فإذا وجد المقتضي لأحدهما،

20

فلا محالة يكون موجوداً من دون أن يكون لعدم الآخر دخل في وجوده. (1) يلاحظ عليه: ما عرفت في نقد مقالة المحقّق الاصفهاني (قدس سره) من أنّه لا نقص في القابلية، و هي كاملة، سواء أ كان الضدّ موجوداً أم لا، و أنّ عروض الضدّ لا يبطل القابلية للضدّ الآخر. و عدم قبوله له انّما هو لأجل التمانع بين الوجودين لا للنقص في القابلية.

و يرد على أصل التفصيل أنّ العدم أنزل من أن يكون موقوفاً عليه، أو موقوفاً، و حقيقة الأمر أنّه يرجع إلى التزاحم بين الوجودين، فعبّروا عن رفع التزاحم بأنّ ورود أحدهما يتوقّف على عدم الآخر. ففيما كانت الفاكهة على الشجر سوداء، و إن كان يمتنع عروض البياض عليها، لكن لا لأجل كون عدم السواد مقدّمة لعروض البياض، بل لأجل التزاحم بين الوجودين فعبّروا عن التزاحم بكون عدم السواد مقدّمة لعروض البياض.

2 شبهة الكعبي‏ (2) في نفي المباح‏

نقل الأُصوليون عن عبد اللّه بن أحمد الكعبي، المتكلّم المعروف، انتفاء المباح قائلًا بأنّ ترك الحرام يتوقّف على فعل واحد من أفراد المباح، فيجب المباح بحكم كونه مقدّمة.

و ما ذكره و إن كان في صورته مختصّاً بإنكار المباح، لكنّه في النتيجة إنكار للمستحبّ و المكروه، لأنّ ترك الحرام ربّما يتوقف على فعلهما، فهو في الحقيقة يحصر الأحكام في الحرام و الواجب.

و ما ذكره مبني على مقدّمات:

____________

(1)- أجود التقريرات: 259/ 1.

(2)- أبو القاسم البلخي، من مشايخ المعتزلة في أوائل القرن الرابع الهجري، توفي عام 317 أو 319 ه.

21

الأُولى: إنّ النهي عن الشي‏ء يقتضي الأمر بضدّه العام، فلو كان فعل الشي‏ء حراماً، كالكذب، كان تركه واجباً. و هذا نظير ما لو كان فعله واجباً، كالإزالة، كان تركه حراماً.

و بالجملة: كما يتولّد من الأمر بالشي‏ء، النهي عن الضدّ العام، فهكذا يتولّد من النهي عنه، الأمر به.

الثانية: إنّ ترك الحرام يتوقّف على فعل من الأفعال الاختيارية الوجودية لاستحالة خلوّ المكلّف عن فعل من الأفعال الاختيارية.

الثالثة: إنّ مقدّمة الواجب و هي الفعل الاختياري الذي يتوقّف عليه ترك الواجب واجبة، فينتفي المباح.

و المقدّمات كلّها ممنوعة.

أمّا الأُولى، فلما مرّ في البحث عن الضدّ العام من أنّ الأمر و النهي لا بدّ و أن يكون لهما ملاك و غاية و الغاية من الأمر هي البعث نحو المأمور به، و من النهي الزجر عن المنهي عنه. و الملاك بهذا المعنى غير موجود في كلا الموردين. فكما قلنا إنّ الأمر بالشي‏ء لا يقتضي النهي عن تركه إمّا لعدم الحاجة إليه أو لعدم تأثيره و تحريكه، فكذلك النهي عن الشي‏ء، لا يقتضي الأمر بالترك بنفس هذا الملاك، فانّه لو كان النهي زاجراً، لما كانت هناك حاجة للأمر بالترك. و لو لم يكن زاجراً في نفس المكلّف، لكان الأمر لغواً.

و أمّا الثانية، فممنوعة لوجهين:

الأوّل: إنّ قوله: ترك الحرام يتوقف صدوره من المكلّف على فعل من الأفعال الوجودية، باطل، لما فرغنا عنه من أنّ الأعدام أنزل من أن تكون موقوفة أو موقوفاً عليها، فلا وجود الضدّ موقوف على ترك الضدّ و لا تركه موقوف على فعله.

الثاني: إنّ ترك الشي‏ء مستند إمّا إلى فقد المقتضي، أو إلى وجود المقتضي‏

22

للضدّ الآخر. فترك الكذب مستند إمّا إلى عدم ميل النفس إليه، لدناءة الكذب و علوّ طبع المتكلّم، و إمّا إلى وجود المقتضي للضدّ الآخر أي الصدق، لا إلى وجود الضدّ.

مثلًا السرقة، تركها إمّا مستند إلى عدم المقتضي لها، و هو الصارف عنها، أو مستند إلى المقتضي للاشتغال بأفعال أُخرى مثل الأكل و الشرب، لا أنّ تركها مستند إلى نفس الفعلين، أعني الأكل و الشرب، فلا يكون الفعل المباح موقوفاً عليه.

فلو كان المكلّف على حاله لو لم يأت بالمباح لوقع في الحرام، فالواجب هو نفس المقتضي لإيجاد المباح، لا نفس المباح.

و أمّا الثالثة، فقد عرفت حقيقة الحال فيها في الفصل السابق.

الوجه الثاني: مسلك الملازمة:

و الاستدلال مبني على مقدّمات ثلاث:

أ. انّ الأمر بالشي‏ء كالإزالة مستلزم للنهي عن ضده العام و هو ترك الإزالة.

ب. انّ الاشتغال بكل فعل وجودي (الضد الخاص) كالصلاة و الأكل ملازم للضد العام، كترك الإزالة حيث إنّهما يجتمعان.

ج. المتلازمان متساويان في الحكم، فإذا كان ترك الإزالة منهياً عنه حسب المقدّمة الأُولى فالضد الملازم لها كالصلاة يكون مثله. فينتج انّ الأمر بالشي‏ء كالإزالة مستلزم للنهي عن الضد الخاص.

يلاحظ عليه: أوّلًا: بمنع المقدّمة الأُولى لما عرفت من أنّ الأمر بالشي‏ء لا يقتضي النهي عن ضده العام، و انّ مثل هذا النهي المولوي أمر لغو لا يحتاج إليه.

ثانياً: بمنع المقدّمة الثالثة أي لا يجب أن يكون أحد المتلازمين محكوماً

23

بحكم المتلازم الآخر، بل يمكن أن لا يكون محكوماً بحكم أبداً، و هذا كاستقبال الكعبة الملازم لاستدبار الجدي، فوجوب الاستقبال لا يلازم وجوب استدبار الجدي. نعم يجب أن لا يكون الملازِم محكوماً بحكم يضادّ حكم الملازَم، كأن يكون الاستقبال واجباً و استدبار الجَدي حراماً، و في المقام أن يكون ترك الإزالة محرماً و الصلاة واجبة.

24

المقام الثالث الثمرة الفقهية لمسألة النهي عن الضدّ

إنّ ثمرة البحث عن اقتضاء الأمر بالشي‏ء، النهي عن ضدّه الخاص، هي بطلان العبادة إذا ثبت الاقتضاء لتعلّق النهي بها، الموجب لفسادها. فتقع نتيجة المسألة في طريق الاستنباط. و بعبارة أُخرى ببركة هذه المسألة تثبت الصغرى و هو تعلّق النهي بالضدّ و أمّا الكبرى و هي بطلانه إذا كان عبادة فموكولة إلى بحث النواهي و من هنا يتبيّن أنّ ما اشتهر من أنّ نتيجة المسألة الأُصولية تقع كبرى لقياس الاستنباط أمر غالبي و إلّا فربّما تقع صغرى لقياس الاستنباط كما في المقام و بعبارة أُخرى لا تكون نتيجة المسألة سبباً تامّاً للاستنباط بل تحتاج إلى ضمّ مسألة أُخرى إليها كما سيوافيك نظيره في مسألة اجتماع الأمر و النهي حيث نقول: ثمّة إشكالًا على المحقّق النائيني بأنّه لا يشترط في كون المسألة أُصولية أن تكون النتيجة سبباً تاماً بل ربما يحتاج إلى ضمّ أمر آخر.

و يمكن تطبيق هذه الثمرة فيما إذا وقعت المزاحمة بين واجب موسّع و آخر مضيّق، كالصلاة و الإزالة.

و فيما إذا وقعت بين واجبين مضيّقين أحدهما أهمّ من الآخر، فإذا كان الضدّ عبادة، تقع فاسدة، بسبب النهي.

و لكن جماعة أنكروا الثمرة لوجهين نشير إليهما.

الأوّل: أنّ النهي بناء على الاقتضاء غيريّ، نشأ من مقدّمية ترك الضدّ لفعل الضدّ الآخر، فصار الترك واجباً بالمقدّمية، و لأجله صار الفعل منهيّاً عنه. و مثل هذا النهي بما أنّه لم ينشأ من مفسدة في المتعلّق، لا يكون موجباً للفساد.

25

هذا من غير فرق بين القول بأنّ ترك الصلاة واجب لأجل كونه مقدّمة للإزالة، أو كونه ملازماً لها و المتلازمان متماثلان في الحكم. و ذلك لأنّ النهي عن الصلاة على كلا القولين لأجل أنّ الأمر بالشي‏ء يقتضي النهي عن ضدّه العام أعني الصلاة و ليس مثل هذا النهي كاشفاً عن مفسدة في المتعلّق موجبة لعدم صلاحية التقرّب بها.

فما ربّما يتوهم من الفرق بين القولين، من كون النهي غير مفسد على الأوّل دون الثاني، ليس بتام.

الثاني: ما ذكره الشيخ بهاء الدين العاملي من أنّ الفساد لا يتوقّف على النهي، بل يكفي عدم الأمر بالفعل. فإذا كانت الإزالة واجبة مضيّقة، فهو و إن لم يقتض النهي عن الصلاة إلّا أنّه على الأقل يقتضي عدم الأمر بها، و هذا كاف في الفساد من دون النهي عنها. (1) فظهر أنّ الصلاة باطلة سواء تعلّق بها النهي أم لم يتعلّق، لأنّ عدم تعلّق الأمر كاف في البطلان فليس لهذا البحث الطويل ثمرة فقهية لعدم إناطة البطلان بالنهي.

و أُجيب عن هذا الاعتراض بوجوه ثلاثة و إليك فهرسها:

1 كفاية قصد الملاك في صحّة العبادة و لا يلزم قصد الأمر.

2 كفاية قصد الأمر المتعلّق بالطبيعة و إن كان الفرد المزاحم فاقداً للأمر.

3 تصحيح الأمر بالضدّ عن طريق الترتّب.

و إليك تفصيلها:

الجواب الأوّل: ما أفاده المحقّق الخراساني من أنّ الثمرة مع ذلك موجودة، و ذلك لأنّ تعلّق النهي يلازم فساد العبادة حسب الفرض دون ما إذا لم يتعلّق فانّ‏

____________

(1)- زبدة الأُصول، ص 82.

26

العبادة حينئذ محكومة بالصحّة و إن لم يكن هناك أمر، و ذلك لكفاية الملاك و الرجحان الذاتي في العبادة، إذ الفرد المزاحم من العبادة و غير المزاحم، سيّان في الملاك و المحبوبية الذاتية، إذ غاية ما أوجبه الابتلاء بالأهم هو سقوط أمره و أمّا ملاكه فهو بعد باق عليه. (1) و قد جعل المحقّق النائيني قصد الملاك أقوى في حصول التقرّب من قصد الأمر، حيث قال: يكفي قصد الملاك في صحّة العبادة، و عدم اشتراطها بقصد الأمر، إذ لم يدلّ دليل على اعتبار أزيد من قصد التقرّب بالعمل في وقوعه عبادة، و أمّا تطبيقه على قصد الأمر و غيره من الدواعي القربية، فإنّما هي بحكم العقل و قصد الملاك لو لم يكن أقوى في حصول التقرّب بنظر العقل من قصد الأمر، فلا أقلّ من كونه مثله. (2) لا يقال: إنّ العلم بوجود الملاك فرع تعلّق الأمر بالصلاة، و المفروض سقوطه، و معه كيف يعلم الملاك و أنّها صالحة للتقرّب. و بعبارة أُخرى، فانّ النهي يكشف عن عدم الملاك و الأمر يكشف عن وجوده، فمع فقدان الأمر من أين نعلم وجوده؟

فانّه يقال: إنّا نعلم إجمالًا أنّ ارتفاع الأمر عنها لأجل ابتلائها بالأهم من دون حدوث حزازة أو مفسدة فيها بحيث لو لا الابتلاء لكانت مأموراً بها و هذا معنى اشتمالها على الملاك و إن لم تكن مأموراً بها.

الجواب الثاني: ما نسب إلى المحقّق الثاني‏ (3) و قد أوضحه جماعة من المحقّقين‏

____________

(1)- لاحظ الكفاية: 212/ 1، و ما ذكرناه توضيح لكلامه.

(2)- أجود التقريرات: 265/ 1. و لاحظ المحاضرات: 71/ 733.

(3)- جامع المقاصد: 12/ 5، كتاب الدين، قال:» لا نسلّم لزوم تكليف ما لا يطاق إذ لا يمتنع أن يقول الشارع: أوجبت عليك كلًا من الأمرين لكن أحدهما مضيّق و الآخر موسّع فإن قدّمت المضيق فقد امتثلت و سلمت من الإثم و إن قدّمت الموسّع فقد امتثلت و أثمت بالمخالفة في التقديم.

27

منهم: المحقّق النائيني‏ (1)، و سيّدنا الأُستاذ (2) و بالغ في تشييده السيد البروجردي‏ (3) و قد أتى به المحقّق الخراساني بعد الفراغ عن الترتّب بقوله» نعم إذا كانت العبادة موسّعة و كانت مزاحمة بالأهم في بعض الوقت ... «. (4) و حاصله: أنّ البحث عديم الثمرة في المضيّقين، دون المضيّق و الموسع.

أمّا الأوّل، فلأنّ المضيّق الآخر، و إن لم يكن منهياً عنه، لكنّه ليس بمأمور به، لاستلزام الأمر به الأمر بالضدّين في درجة واحدة. و عدم الأمر كاف في الفساد. فتعلّق النهي به و عدم تعلّقه سيّان.

و أمّا الثاني: فتظهر فيه الثمرة، إذا قلنا بأنّ تعلّق النهي بالموسّع، يوجب فساده إن كان متعلّقه عبادة، دون ما إذا لم نقل به. فهنا دعويان:

الدعوى الأُولى: فساد العبادة على القول بالتعلّق.

الدعوى الثانية: صحّتها إذا لم نقل به.

أمّا وجه الأُولى، فهو إنّا إذا بنينا على أنّ الأمر بالشي‏ء مقتض للنهي عن ضدّه، فلا محالة يكون الفرد المزاحم من الواجب الموسع، منهياً عنه، فيقيّد به إطلاق الأمر به، كما هو الحال في غير المقام من موارد النهي عن العبادة.

و أمّا وجه الثانية، فهو إنّا إذا بنينا على عدم تعلّق النهي بالضدّ، فغايته عدم تعلّق الأمر بالفرد المزاحم، لعدم القدرة على الإتيان به شرعاً، و هو في حكم عدم القدرة عقلًا، و لكنّه لا يقتضي الفساد، لأنّ الوجوب تعلّق بصرف وجود الطبيعة، لا بخصوصية أفرادها. و لأجل ذلك، ليس التخيير بين الأفراد شرعياً.

____________

(1)- فوائد الأُصول: 312/ 1.

(2)- تهذيب الأُصول: 300/ 1.

(3)- نهاية الأُصول: 196/ 1.

(4)- كفاية الأُصول: 219/ 1 طبعة المشكيني.

28

و على ذلك، فملاك الامتثال إنّما هو انطباق المأمور به على الفرد الخارجي، لا كون الفرد الخارجي بشخصه مأموراً به. فهو مصداق الطبيعة و إن لم يكن مصداق المأمور به. و حينئذٍ، فبما أنّ الواجب الموسّع له أفراد غير مزاحمة، و صرف الوجود مقدور للمكلّف يصحّ تعلّق الأمر به من المولى، إذ لا مزاحمة بينه و بين الواجب المضيّق، و إنّما المزاحمة بين المضيّق و الفرد المزاحم من الموسّع. و إذا كان صرف وجود الطبيعة مطلوباً للمولى، و كان انطباقها على الفرد المزاحم قهرياً، يتحقّق به الامتثال قهراً.

يلاحظ عليه: أنّ ملاك امتناع الأمر بالضدّين موجود حتى في المضيّق و الموسّع، و لا يختص بالمضيقين، لأنّ الموسّع لا يخلو من حالات ثلاث:

الحالة الأُولى: أن يصير ضيقاً، كالمضيق بالذات، كأن لا يبقى من الوقت إلّا مقدار أربع ركعات، فلا يجتمع الأمر بالإزالة مع الأمر بطبيعة الصلاة مع عدم سعة الوقت إلّا لواحد من الأمرين.

الحالة الثانية: أن ينحصر الفرد، بالفرد المزاحم، بأن لا يقدر إلّا على هذا الفرد، فانّ الأمر بالطبيعة ليس له إلّا فرد واحد، و هو المزاحم بالمضيق، و معه كيف يصحّ الأمر بها. و هاتان الحالتان خارجتان عن محطّ نظر المجيب.

الحالة الثالثة: أن تكون له أفراد طولية، مزاحمة و غير مزاحمة، فمع عدم الإتيان بالمضيق فللأمر بالطبيعة حالات ثلاث:

1 أن يكون الأمر بالطبيعة إنشائياً ما دام كون الأهمّ غير مأتي به.

2 أن يكون الوجوب فعلياً و الواجب استقبالياً، أي بعد أن يأتي بالأهمّ.

3 أن يكون الوجوب و الواجب فعليين.

لكن الأمر الانشائي لا يصحّ التقرب به، لأنّ المفروض عدم بلوغ إرادة المولى حدّ الطلب الجدّي.

29

و إذا كان الوجوب فعلياً و الواجب استقبالياً، لا يصحّ الإتيان بالفرد المزاحم، لأنّ المفروض أنّ الطبيعة مقيّدة بالزمان المتأخّر.

و أمّا إذا كان كلّ من الوجوب و الواجب فعليين، فهو يستلزم الأمر بالضدّين.

و بالجملة: الواقع لا يخلو عن حالتين إمّا أن يكون الأمر المتعلّق بصرف الوجود أو نفس الطبيعة باعثاً و داعياً بالنسبة إلى هذا الفرد أو لا، فعلى الأوّل، يلزم التكليف بالضدّين و على الثاني لا يتّصف المأتيّ بنيّة الأمر بالطبيعة، بالصحّة، لعدم باعثيته للمأتي به.

هذا كلّه حول الجواب الثاني، بقي الكلام في الجواب الثالث أعني تصحيح الأمر بالضدّين عن طريق الترتّب و قبل الورود في توضيح الجواب الثالث نقدّم البحث عن الفرق بين التزاحم و التعارض.

***

30

في التعارض و التزاحم‏

إنّ» التزاحم «مقابل» التعارض «من اصطلاحات المحقّقين المتأخّرين من الأُصوليين و ليس منه عين و أثر بين المتقدّمين و الحريّ أن يُعقد فصل خاص لبيان هذا الأمر لما يترتّب عليه من ثمرات فقهية و لأجل ذلك نبحث عنه في المقام على وجه الإيجاز و سيوافيك بعض الكلام في مبحث التعادل و التراجيح و اشباع المقام يتوقّف على البحث عن أُمور:

الأوّل: الفرق بين التعارض و التزاحم‏

إذا كان التنافي بين الدليلين راجعاً إلى مقام الجعل و الإنشاء بأن يستحيل من المقنِّن الحكيم صدور حكمين أو جعلين حقيقين لغاية الامتثال، و دعوة الناس إليهما، فهو التعارض و يُعرف بالتنافي بين مدلولي الدليلين في مقام الجعل و الإنشاء، مثل أنّه يستحيل على الحكيم أن يحرّم بيع العذرة و في الوقت نفسه أن يبيحه فيقول:» ثمن العذرة سحت «،» و لا بأس ببيع العذرة «إذ لا تنقدح الإرادتان المتضادّتان حسب المراد في لوح النفس على وجه الجدّ فعند ذلك نعلم بكذب أحد الدليلين و عدم صدور واحد منهما في مقام التشريع إمّا بالذات كما في المثال و إمّا بالعرض كما إذا ورد الدليل على وجوب صلاة الظهر و الجمعة في يومها، و من المعلوم أنّ إيجاب الأمرين ليس بمستحيل فليس بينهما تكاذب بالذات لكن إذا وقفنا على أنّ الشارع لم يكتب يوم الجمعة إلّا فريضة واحدة فعند

31

ذلك نقف على تكاذب الدليلين لكن بالعرض هذا كلّه حول التعارض.

ثمّ إنّ التكاذب في مقام الجعل أعمّ من أن يكون هناك تناف في مقام الامتثال كما إذا دلّ دليل على حرمة شي‏ء، و الآخر على وجوبه، و هذا ما يسمّى بالتعارض بصورة التضادّ أو لا كما إذا دلّ دليل على وجوبه، و الآخر على عدمه، إذ الآتي به يمتثل كلا الحكمين و هذا ما يسمّى بالتعارض بنحو التناقض و على أيّ تقدير فالملاك في التعارض، هو التنافي في المدلول من دون نظر إلى مقام الامتثال، عكس التزاحم فانّ التنافي فيه مربوط إلى مقام الامتثال دون الجعل و الإنشاء.

و أمّا التزاحم فالتنافي هناك لا يرجع إلى مقام الجعل بل الحكمان في ذلك المقام متلائمان جدّاً.

و إنّما التنافي يرجع إلى مقام الامتثال و سبب التنافي أحد الأمرين:

1 عجز المكلّف عن الجمع بينهما على وجه يكون صرف القدرة في أحدهما يمنع المكلّف عن صرفها في الآخر، كما في قوله:» أنقذ أخاك «و قوله:» أنقذ عمّك «، فجعل الحكمين و الأمر بكلا الإنقاذين ليس فيه أيّ تناف في مقام الإنشاء و لذلك لو ابتلى المكلّف بهما متعاقباً لا مجتمعاً، يتمكّن من القيام بهما، و إنّما التنافي في مقام الامتثال و صرف القدرة إذا ابتلى بهما معاً.

و مثله إذا قال المولى أزل النجاسة عن المسجد، ثمّ قال: (أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى‏ غَسَقِ اللَّيْلِ‏) فلا تنافي لا في مقام الجعل و لا في مقام الامتثال كما إذا ابتلى بأحدهما دون الآخر و إنّما التنافي بينهما فيما إذا ابتلى بهما معاً حيث يعجز عن القيام بالأمرين، لأنّ امتثال كلّ يمنع عن امتثال الآخر، و ما يمرّ عليك من التزاحم في باب الضدّ فهو من هذا القبيل أي ليس التنافي في مقام الإنشاء و إنّما التنافي في مقام الامتثال بمعنى صرف القدرة في أحدهما يمنع المكلّف عن صرفها في الآخر.

2 وجود التنافي بين ملاكي الحكمين فهناك تضادّ بين مصلحة الصلاة مع‏

32

مفسدة الغصب فلا تجتمعان.

توضيحه: أنّه إذا أمر المولى بالصلاة، و نهى عن الغصب، و كان متعلّق الأمر هو الصلاة من دون تقييد بعدم الغصب و متعلّق النهي هو الغصب من دون تقييد بغير حالة الصلاة، و كانت الصلاة تمام المأمور به، و الغصب تمام المنهي عنه، لم يكن أيّ تناف لا في تشريع الحكمين كما هو معلوم، و لا في مقام صرف القدرة، لإمكان التفكيك بينهما لوجود المندوحة كما هو المفروض في باب اجتماع الأمر و النهي و إلّا لا يمكن التكليف بهما لاستلزامه التكليف بما لا يطاق.

و عندئذ فإن قلنا بجواز اجتماعهما بحجّة أنّ المتعلقين مختلفان في مقام التشريع و أنّ حيثية المأمور به غير حيثية المنهي عنه فيه، فلا تزاحم مطلقاً، و أمّا لو قلنا بالامتناع لأجل وحدة مصداق المأمور به و المنهي عنه في الخارج و إن كان متعلّقهما متعدداً في مقام التشريع و لكن لزوم تقديم أحد الحكمين يوجب دخول الحكمين في باب التزاحم، و يرجع التزاحم إلى التنافي بين الملاكين بمعنى أنّهما غير قابلين للجمع.

و هذا نوع آخر من التزاحم غير التزاحم الموجود في باب الترتّب يجمعهما وجود التنافي إمّا في مقام الامتثال و صرف القدرة أو في تحقّق الملاكين غير القابلين للجمع.

الثاني: في اختلاف المتزاحمين و المتعارضين في المرجّحات‏

انّ رفع التنافي بين الدليلين سواء كان من باب التعارض أو التزاحم بمرجّحات مذكورة في كتب المتأخّرين نشير إليها.

أمّا التعارض فبما أنّ التنافي هناك في مقام الجعل و الإنشاء فتمييز الصادق عن الكاذب يتوقّف على مرجّحات سمعية ذكرها الشارع لذلك الغرض، و لا سبيل للعقل إليها. فلمّا دلّ الدليل على عدم سقوط المتعارضين في مقام الحجّية

33

فالمرجّح عندنا بعد الإمعان في روايات الباب منحصر بمخالفة العامّة فقط، و أمّا سائر المرجّحات كموافقة الكتاب و السنّة أو موافقة المشهور فهي من باب تمييز الحجّة عن اللاحجّة و قد بسطنا الكلام في ذلك في مبحث التعادل و التراجيح.

و أمّا مرجّحات باب التزاحم فهي مرجّحات يستقلّ بها العقل فالجميع يرجع إلى مرجّح واحد و هو تقديم الأهمّ بالذات أو بالعرض لدى الشارع على المهمّ و لهذا التقديم صور نشير إليها، في الأمر الآتي.

الثالث: في مرجّحات باب التزاحم‏

قد عرفت أنّ مرجّحات باب التعارض أُمور سمعية يتوقّف الوقوف عليها على الرجوع إلى النصوص و من المعلوم أيضاً أنّ مقتضى القاعدة هو سقوط المتعارضين عن الحجّية غير أنّ الشارع أضفى عليهما الحجّية إمّا مخيّراً كما في صورة التساوي أو معيّناً كما في صورة الترجيح.

و أمّا مرجّحات باب التزاحم فتجمعها الضوابط التالية:

1 تقديم ما لا بدل له على ما له بدل.

2 تقديم المضيّق على الموسّع.

3 تقديم الأهمّ بالذات على المهم.

4 سبق أحد الحكمين زماناً.

5 تقديم الواجب المطلق على المشروط.

و قد بسطنا الكلام في هذه الضوابط في باب التعادل و التراجيح فراجع. (1)

____________

(1)- المحصول: 413/ 4174.

34

تصحيح الأمرين بالترتّب‏

تمهيد قد عرفت أنّ ثمرة القول باقتضاء الأمر بالشي‏ء للنهي عن ضدّه الخاص تظهر في مقامين:

الأوّل: فيما إذا كان أحد الواجبين مضيّقاً و الآخر موسّعاً، كإزالة النجاسة عن المسجد، و الصلاة في الوقت الموسّع.

الثاني: فيما إذا كانا مضيّقين، كالإزالة و الصلاة في آخر الوقت، مع عدم وفاء القدرة إلّا بأحدهما لضيق الوقت.

ثمّ إنّا لو صحّحنا العبادة عن طريق الملاك، فلا فرق بين المقامين، لوجود الملاك فيهما و كفايته.

و أمّا لو صححنا العبادة بالأمر بالطبيعة، و إن لم يكن الفرد المذكور مأموراً به، فلا يجري هذا الجواب إلّا في المقام الأوّل، أعني فيما إذا كانت للطبيعة أفراد غير مزاحمة، لا في المقام الثاني، فانّ بقاء الأمر على الطبيعة حينئذ، يستلزم طلب الضدّين.

و لأجل ذلك صار جمع من أجلّة الأُصوليين إلى تصحيح طلب الضدّين، بأمرين مترتبين: أمر بالأهم على وجه الإطلاق، و أمر بالمهمّ مقيّداً بالعصيان أو بالعزم عليه. و هو ما عُرف بمسألة الترتّب.

35

و قد عكف على بيان هذه المسألة، إمكاناً و امتناعاً، عدّة من الأعلام، فتضاربت في ذلك آراؤهم.

حقيقة الترتّب أن يتعلّق أمر فعلي بواجب أهم على وجه الإطلاق بلا تقييد بشي‏ء، و يتعلّق أمر فعليّ آخر بضدّه المهمّ مشروطة فعليته بعصيان ذلك الأمر المتعلّق بالأهم أو العزم على عصيانه.

و لتوضيح الحال، نقدّم أُموراً:

1 إنّ مورد الترتّب هو ما إذا كان هناك تزاحم بين المضيّق و الموسّع، كالإزالة و الصلاة الواجبة مع سعة الوقت، أو بين المضيّقين كالإزالة مع الصلاة في آخر الوقت، أو مثل إنقاذ غريقين أحدهما مهم و الآخر أهمّ كالوصي و النبي مع عدم القدرة إلّا على واحد منهما.

و قد عرفت أنّ إطلاق الأمر بالطبيعة بالنسبة إلى الوقت الذي كان فيه الأمر بالإزالة فعلياً، موجب لطلب الضدّين على وجه الإطلاق و لا محيصَ عن تقييد الإطلاق حتّى يكون طلب المهم في ذلك الظرف على وجه مشروط.

2 إنّ البحث عن صحّة الترتّب و عدمها، بحث عقلي لا دخالة للفظ فيه. و ذكره في أبواب مباحث الألفاظ، كذكر الملازمات في باب الأوامر مع أنّ البحث فيها عن الملازمة العقلية.

3 إنّ مسألة الترتّب من المسائل التي يكفي في وقوعها إمكانُها، و ذلك أنّه لمّا كان طلب الإزالة و الصلاة من المكلّف في زمن واحد، تكليفاً بغير المقدور، فرفعه يتحقّق بأحد الأمرين، إمّا برفع اليد عن نفس الأمر بالمهم، أو برفع اليد عن إطلاقه، و تقييده بعصيان الأهم. و إذا كان رفع اليد عن إطلاق المهم كافياً في رفع المحذور، فلا وجه لرفع اليد عن نفس الأمر، لأنّه عندئذ يكون الالتزام بسقوط الأمر من رأس، بلا جهة ملزمة و الضروريات تتقدّر بقدرها.

36

4 إنّ الشرط إمّا هو العصيان أو العزم عليه، و كلاهما إمّا على نحو الشرط المتقدّم أو المتأخّر أو المقارن، فتصير الصور ستة: و لم يذكر المحقّق الخراساني في كفايته من الأوّل (كون العصيان بوجوده الخارجي) شرطاً لفعلية الأمر بالمهمّ إلّا صورة واحدة، و هي العصيان على نحو الشرط المتأخّر كما لم يذكر من الثاني (كون نيّة العصيان شرطاً لفعلية الأمر بالمهم) إلّا صورتين: المتقدّم و المقارن. و نحن فيما يلي نبحث عن جميع الصور فنقول:

إذا كانت حقيقة الترتّب عبارة عن اجتماع أمرين فعليين في زمان واحد بشرط أن يكون أحدهما في طول الآخر من حيث الرتبة العقلية، بأن يكون أحدهما مطلقاً و الآخر مشروطاً بعصيان الأمر الأوّل خارجاً، فهو يتصوّر حينئذ على وجوه ثلاثة:

الوجه الأوّل: أن يكون العصيان بوجوده الخارجي المتقدّم شرطاً لفعلية الأمر بالمهم.

إذا كان العصيان بوجوده الخارجي (لا بالعزم عليه) شرطاً لفعلية الأمر بالمهم و الخطاب به، يكون معنى ذلك أنّه ما لم يعص الأمر بالأهم، لا يكون هناك أمر بالمهم، و لا يصير أمره فعلياً، و إنّما يكون كذلك إذا عصى أمر الأهمّ حقيقة و هذا كما إذا كان الأهمّ موجوداً آنياً لا تدريجياً، كإنقاذ الغريق في البحر. و مثل هذا يكون خارجاً عن الترتّب، إذ ليس حينئذ إلّا أمر واحد، و ذلك أنّه قبل العصيان ليس هناك سوى أمر واحد و هو الأمر بالأهم، و بعد العصيان ليس هناك إلّا أمر واحد هو الأمر بالمهم، لسقوط الأهمّ بالعصيان.

الوجه الثاني: أن يكون العصيان بوجوده الخارجي المقارن شرطاً لفعلية الأمر بالمهم.

إذا كان كلّ من الأهمّ و المهمّ تدريجيين، كالإزالة و الصلاة، و كان العصيان‏

37

الخارجي شرطاً بوجوده الحدوثي المقارن، بأن يكون عصيان الأمر بالأهمّ في الآن الأوّل، كافياً لفعلية الأمر بالمهم في جميع الأزمنة، و لا تتوقّف فعليته على استمرار المعصية و لأجل ذلك لو تبدلّت نيّته بعد العصيان و أراد امتثال الأمر بالأهم مجدّداً، لما فقد الأمر بالمهم فعليته، كما لا يفقد الأمر بالأهمّ فعليته أيضاً لعدم كفاية العصيان الحدوثى في سقوطه فالظاهر من المحقّق الخراساني أنّه خارج عن الترتّب، و ذلك لأنّ معصية الأهم في الآن الأوّل كافية لفعلية الأمر بالمهمّ في جميع أزمنة امتثاله، فلا تتوقف فعليته في الآن الثاني و الثالث على استمرار معصية الأمر بالأهم في الآنات المتأخّرة. فيكون كلّ من الأمر بالأهمّ و المهم مطلقاً فعلياً في الآن الثاني و الثالث و ... في عرض الآخر. فتكون النتيجة طلب الجمع بين الضدّين.

و لعلّه لأجل ذلك لم يذكر من شرطية العصيان بوجوده الخارجي إلّا القسم الثالث كما سيوافيك. و الحاصل أنّه لا تزاحم بين الأمرين في الآن الأوّل، و لكن التزاحم بين الأمرين متحقّق في الآن الثاني و الثالث و ....

و بعبارة أُخرى: إذا كان العصيان شرطاً بوجوده الحدوثي دون الاستمراري، يكون الأمر بالمهم مشروطاً بالعصيان في الآن الأوّل، دون الآنات الأُخرى، فإذا حصل شرطه ينقلب إلى واجب مطلق فعندئذ يلزم اجتماع أمرين فعليين مطلقين. (1) و بذلك يتبيّن أنّ المراد من العصيان المتقدّم على فعلية الأمر بالصلاة، هو العصيان الموجب لسقوط الأمر بالأهمّ تماماً، كما أنّ المراد من العصيان المقارن لفعلية الأمر بالمهم هو العصيان الحدوثي الآنيّ غير الموجب لسقوط الأمر بالأهمّ فعند ذلك، لا تزاحم بين الأمرين في الآن الأوّل لكون أحدهما مطلقاً و الآخر مشروطاً و أمّا بعد هذا الآن فيكون الأمران فعليين مطلقين و هو مساوق لطلب الجمع بين الضدّين.

____________

(1)- و الحقّ صحّته أيضاً، لأنّ الواجب المشروط لا يخرج عن كونه مشروطاً بحصول شرطه.

38

الوجه الثالث: أن يكون العصيان بوجوده الخارجي المتأخّر شرطاً لفعلية الأمر بالمهم.

إذا كان الأمر بالمهمّ مشروطاً بعصيان الأمر بالأهم حدوثاً و بقاء، بأن يكون الشرط هو العصيان المستمرّ إلى الإتيان بالجزء الأخير من المهم، بحيث لا يكفي عصيان الأمر بالأهم آناً ما، بل فعلية الأمر بالصلاة عند المزاحمة مشروطة بعصيان الأمر بالإزالة و استمراره إلى الإتيان بالجزء الأخير من الصلاة، فشرط فعلية الأمر بالمهم على هذا هو حدوث العصيان في الآن الأوّل و امتداده إلى الإتيان بالجزء الأخير من المهم بحيث لو ندم أثناء العمل، و أراد امتثال الأمر بالأهم، لكشف عن عدم فعلية الأمر بالمهم من أوّل الأمر.

ففي هذه الصورة، لا يخرج الأمر بالمهم عن كونه واجباً مشروطاً، بل يصير حصول العصيان في الأزمنة المتأخّرة سبباً لفعلية الأمر بالمهم من أوّل أزمنة امتثاله. و هذه الصورة هي مورد نظر القائل بالترتّب.

و الحاصل: أنّه إذا كان الشرط هو العصيان المستمرّ، فهو في كلّ آن واجب مشروط إلى أن يفرغ من الصلاة. بخلاف ما إذا كان مشروطاً بالعصيان الآنيّ، فإنّ الأمر بالمهمّ مشروط في الآنِ الأوّل فقط و لكنّه مطلق في الآنات المتأخّرة و واقع الترتّب يقوّم بكون أحد الأمرين مطلقاً و الآخر مشروطاً إلى الفراغ عن العمل، لا مشروطاً آناً ما، و مطلقاً في سائر الآنات.

و بذلك يعلم أنّ تخصيص العصيان الخارجي بالقسم الحدوثي، يكون من قبيل الشرط المقارن. كما أنّ تخصيصه بالعصيان الباقي إلى الإتيان بالجزء الأخير من المهم، يكون من قبيل الشرط المتأخّر.

كما يظهر لك وجه تخصيص المحقّق الخراساني في كفايته، شرطيةَ العصيان الخارجي بصورة واحدة و هي أخذه شرطاً متأخّراً للوجوب لا متقدّماً و لا مقارناً،

39

كما عرفت.

و الحاصل أنّ روح الترتّب هو اجتماع أمرين فعليين في زمان واحد، مترتبين أحدهما في طول الآخر و هذا لا يتحقّق إلّا بكون الأمر بالمهم مشروطاً بعصيان الأمر بالأهمّ إلى زمان الفراغ عن امتثاله و هو حاصل في أخذ العصيان الخارجي على نحو الشرط المتأخّر دون المتقدّم و المقارن.

و أمّا إذا كان الشرط هو العزم على العصيان، فقد اختار منه المحقّق الخراساني الصورتين التاليتين:

أ: إذا كان العزم على العصيان مأخوذاً على نحو الشرط المتقدّم.

ب: إذا كان العزم على العصيان مأخوذاً على نحو الشرط المقارن.

و لم يذكر عن العزم المأخوذ بصورة الشرط المتأخّر، شيئاً و على ظاهر كلامه فالصورتان الأوّلتان داخلتان في مسألة الترتّب دون الأخيرة. و للتأمّل فيما ذكره وجه.

إذا علمت ذلك، فيقع الكلام في مقامين:

المقام الأوّل: توضيح نظرية القائلين بالامتناع.

المقام الثاني: توضيح نظرية القائلين بالجواز.

و إليك البحث في كلا المقامين، الواحد تلو الآخر.

***

40

أدلّة القائلين بامتناع الترتّب‏

1 تقريب المحقّق الخراساني‏

قال في تقريب امتناع الترتّب: إنّ ملاك استحالة طلب الضدّين في عرض واحد موجود في طلبهما كذلك، فإنّه و إن لم يكن في مرتبة طلب الأهم، اجتماعُ طلبهما، إلّا أنّه كان في مرتبة الأمر بغيره، اجتماعُهما، بداهة فعلية الأمر بالأهم في هذه المرتبة و عدم سقوطه بعد بمجرّد المعصية فيما بعد، ما لم يعص، أو العزم عليها مع فعلية الأمر بغيره أيضاً، لتحقّق ما هو شرط فعليته فرضاً. (1) و حاصله: أنّ صحّة الترتّب تستلزم اجتماع حكمين فعليين في زمان واحد لأنّ المفروض فعلية الأمر بالمهم أيضاً، و لازم ذلك طلب كلّ واحد في آن واحد، و هو بمنزلة طلب الضدّين، و الأمر بالمهم و إن لم يكن في مرتبة الأمر بالأهم لكنّه موجود في مرتبة الأمر بالمهم بمعنى فعليّة الأمر بالأهم في ظرف فعلية الأمر بالمهم، فيلزم اجتماع أمرين فعليين كلّ يقتضي إيجاد متعلّقه في زمان واحد فتلزم من اجتماعهما فيه، المطاردة بينهما في ذلك الزمان من جهة مضادّة متعلّقهما في الوجود.

يلاحظ عليه: أنّ نتيجة اجتماع الأمرين الفعليين عبارة عن طلب الضدّين، و هو غير طلب الجمع بين الضدّين. و الممتنع هو الثاني دون الأوّل، و نتيجة الترتّب هي الأوّل دون الثاني. فلا بدّ من التمييز بين الطلبين.

____________

(1)- كفاية الأُصول: 213/ 1.

41

و إن شئت قلت: إنّ اجتماع أمرين فعليّين في رتبة واحدة، بل في زمان واحد إنّما يستحيل إذا كانت نتيجة اجتماع أمرين فعليين، هي طلب الجمع بينهما لا طلب كلّ واحد واحد منهما. و نتيجة الترتّب في المقام تهدف إلى طلب كلّ من الفعلين، لا طلب الجمع بينهما، و ذلك أنّ الأمر بالأهم و الأمر بالمهم، و إن كانا فعليين، لتحقّق شرط الأمر بالمهم، إلّا أنّه لمّا كان الأمر بالمهمّ في ظرف فراغ المكلّف عن إطاعة الأمر بالأهم، لا يصدق عليه أنّ المولى يطلب الجمع بينهما، و إن كان يصدق عليه أنّه يطلب الضدّين أو يجمع بين الطلبين.

لكن ليس طلب الضدّين مطلقاً، ملازماً لطلب الجمع بينهما.

و الدليل على ذلك أنّه لو اشتغل بامتثال الأمر بالأهم من أوّل الأمر، أو أعرض بعد الاشتغال بالمهمّ عنه إلى الأهم، لما كانت عليه غضاضة إلّا لأجل تأخير المضيّق بقدر الاشتغال بالمهمّ.

و مجرّد كون الأمر بالأهم في مرتبة الآخر، لا ينتج إلّا طلب الضدّين بنحو غير محال، و هو طلب ذاك عند ترك الآخر. و بالجملة فما هو المحال غير مطلوب، و ما هو المطلوب غير محال.

و بعبارة أُخرى: نسأل القائل بأنّه في أيّ نقطة و موضع يلزم طلب الجمع بين الضدّين؟ فلا يخلو:

إمّا أن يلزم في مقام الجعل و الإنشاء.

أو يلزم في مقام الفعلية أي تأثير الأمرين و داعويتهما في نفس المكلّف عند وجود موضوعهما.

أو يلزم في مقام امتثالهما و إطاعتهما.

أمّا المقام الأوّل، فيظهر عدم المطاردة بالوقوف على الفرق بين التعارض و التزاحم و بالتالي على الفرق بين المتعارضين و المتزاحمين، و أنّ المقام من قبيل الثاني‏

42

دون الأوّل.

أمّا التعارض فهو عبارة عن تكاذب الدليلين في مقام الجعل و الإنشاء، حيث إنّ كلًّا من الدليلين يكذّب صدور الدليل الآخر، فلو ورد» ثمن العذرة سحت «و ورد أيضاً:» لا بأس ببيع العذرة «فالعقل يحكم بكذب أحد الدليلين و عدم صدور كليهما من المشرّع الحكيم، إذ كيف تنقدح إرادتان جدّيتان متضادّتان في لوح النفس بالنسبة إلى موضوع واحد و بالتالي كيف يصحّ جعل حكمين متضادّين لموضوع واحد لغاية الامتثال.

و أمّا التزاحم بين الفعلين كإنقاذ الغريقين في زمان واحد فهو ناش عن قصور قدرة المكلّف في مقام الامتثال، من دون أن تكون هناك أيّة مطاردة في مقام الجعل و الإنشاء و مثل وجوب إنقاذ الغريقين، في المقام، إذ للشارع الحكيم جعل وجوبين أحدهما للإزالة و الآخر للصلاة، من دون أن تكون هناك أيّة ملازمة بين صدق أحدهما و كذب الآخر. و ليس دليل كلّ ناظراً إلى الدليل الآخر حتّى يكون الدليل في مقام الجعل ناظراً إلى صورة الاجتماع لما قرّرنا في محلّه من أنّ مفاد إطلاق كلّ دليل، هو كون متعلّقه تمام الموضوع للحكم، و على هذا فالإزالة بما هي هي تمام الموضوع للوجوب، كما أنّ الصلاة بما هي هي تمام الموضوع له، و ليس معنى إطلاق وجوب الإزالة، هو وجوبها سواء وجبت الصلاة أم لا، و هكذا بالعكس لما قرّر في محلّه من أنّ الإطلاق هو رفض القيود، لا الجمع بين القيود.

و يترتّب على ذلك، عدم وجود أيّة مطاردة في مقام الجعل و الإنشاء في المتزاحمين كالإزالة و الصلاة.

و أمّا الفعلية، أعني داعوية كلّ حكم إلى متعلّقه عند تحقّق موضوعه، فعدم المطاردة فيها لأجل أنّ كلّ أمر يدعو إلى متعلّقه و لا يبعث إلّا إليه لا إلى الجمع بينه و بين الآخر، فقوله: أزل النجاسة، باعث قانوني إلى الإزالة، و ليس ناظراً إلى حالة الاجتماع مع الصلاة، و مثله قوله: صلّ صلاة الظهر.

43

و بذلك يظهر ما في كلام المحقّق الخوئي دام ظلّه حيث قال: إنّ التنافي بين المتزاحمين إنّما هو في مرتبة فعلية الأحكام و زمن امتثالها ضرورة أنّ فعلية كلّ من حكمين متزاحمين تأبى عن فعلية الآخر لاستحالة فعلية كليهما معاً (1) فقد خلط في كلامه بين المقامين: الفعلية و الامتثال حيث عطف الامتثال على الفعلية.

و أمّا المطاردة في زمان الامتثال فهو حقّ إذا كان الأمران مطلقين، كما إذا قال: أزل النجاسة و صلّ الصلاة من دون أن يخص أحدهما بوقت و الآخر بوقت آخر، فعندئذ يلزم المطاردة، إذ كلّ يطلب صرف القدرة في إيجاد متعلّقه، مع أنّ قدرته لا تفي إلّا لواحد منهما فلأجل ذلك يمتنع توجه أمرين عرضيين، إلى المكلّف الذي لا تفي قدرته إلّا لامتثال واحد منهما.

و أمّا إذا كان أحدهما في طول الآخر، و بعبارة أُخرى إذا كان أحدهما مطلقاً و الآخر مشروطاً فلا يلزم المطاردة و إن كان كلّ منهما فعليين، لأنّه لو لم يكن له صارف عن امتثال الأمر المطلق الأهم، فلا داعوية للأمر بالمهمّ إلى إيجاد متعلّقه لعدم فعليته بعدم حصول شرطه.

فتنحصر الدعوة القانونية بطرف واحد، و أمّا إذا كان هناك صارف عن امتثال الأمر بالأهم و حصل شرط فعلية الأمر بالمهم، فلكلّ من الأمرين و إن كانت دعوة قانونية لكنّ الدعوتين غير متنافيتين و ذلك لأنّ الأمر الثاني ذو مرونة و ليونة، فهو في الوقت الذي يدعو إلى إيجاد متعلّقه، لا يأبى أن يتركه المكلّف و يشتغل بالأهم، فإذا كانت الدعوة على هذا النحو فلا تقع بينهما أيّ مطاردة لأنّ الأمر بالأهم يُهاجِم و الأمر بالمهم يقبله و لكن في الوقت نفسه لا ينثلم أساسه، هذا كلّه إذا أُريد من الدعوة، الدعوة القانونية، و أمّا إذا أُريد منها التأثير النفسي، فعدم المطاردة واضح، إذا لم يكن هناك صارف فالتأثير للأمر الأوّل، و إن كان صارف فالتأثير للأمر الثاني، و عليك بتفكيك الدعوة القانونية عن التأثير النفسي، و تحليل‏

____________

(1)- المحاضرات: 207/ 3.

44

كلّ واحد، مستقلًا عن الآخر.

ما هو مفتاح حلّ العقدة؟

أظنّ أنّ مفتاح حلِّ العقدة في مسألة الترتّب، هو التركيز على ما ذكرناه إجمالًا و تفصيلًا أمّا الإجمال فلأنّ لازم الترتّب هو طلبُ الضدّين، لا طلبُ الجمع بين الضدّين و المحال هو الثاني دون الأوّل، و أمّا التفصيل فبتبيين أنّ حكم المتزاحمين غير حكم المتعارضين، فالتعارض و المطاردة في الثاني يرجع إلى مقام الجعل و الإنشاء فلا تصل النوبة إلى المرحلتين الأخيرتين، و في الأوّل لا يرجع إلى مقام الجعل و الإنشاء، و لا مقام الفعلية و الدعوة. و إنّما يرجع إلى مقام الامتثال حيث إنّ القدرة الواحدة لا تفي لامتثال أمرين فعند ذلك فلو كان الطلبان مطلقين، تكون نتيجة الإطلاق (لا نفسه) هو طلب الجمع بين الضدين. و أمّا إذا كان أحدهما مطلقاً و الآخر مشروطاً، فلا يلزم ذلك إذ في وسع العبد، صرف القدرة في الأهم من دون أن يكون هناك أيّ لوم و عتاب، و أمّا إذا كان هناك صارف عن امتثاله، و قعد عن امتثال أمر المولى حاول المولى تقليل خسارته ففرض عليه واجباً آخر، لا يُزاحم الأهمّ و الحال هذه و هو المهم.

و للقائل بالترتّب، أن لا يستوحش من فعلية الأمرين، بل عليه أن يستوحش من أمرين غير قابلين للامتثال كما إذا كانا مطلقين لا من القابلين له بنحو من الأنحاء.

إنّ هذا المسلك الذي سلكناه يُقنع وجدان كلّ إنسان واع و أمّا الطريق الذي سلكه مؤسس الترتّب السيد الجليل الشيرازي و تلاميذه من التركيز على تعدد رتبة الأمرين لو صحّ لا يُقنع الوجدان كما سيوافيك.

إلى هنا تمت مناقشة التقريب الذي ذكره المحقّق الخراساني لامتناع الترتّب و إليك بيان الإشكالات التي أوردها على تقريبه ثمّ دفعها.

45

حول مناقشات المحقّق الخراساني‏

إنّ المحقّق الخراساني (قدس سره) لما ذكر تقريبه الذي عرفته لامتناع الترتب، أورد على نفسه إشكالات و أجاب عنها، و نحن نذكر فيما يلي، تلك الإشكالات و جوابه عليها ثمّ نتيجة ما نراه.

الإشكال الأوّل: لا دليل على امتناع اجتماع طلب الضدّين إذا كان بسوء الاختيار حيث يعصى فيما بعدُ بالاختيار، فلولاه لما كان متوجّهاً إليه إلّا الطلب بالأهمّ و لا برهان على امتناع الاجتماع إذا كان بسوء الاختيار.

و أجاب عنه بأنّ استحالة طلب الضدّين ليست إلّا لأجل استحالة طلب المحال و استحالة طلبه من الحكيم الملتفت إلى محاليّته، لا تختصّ بحال دون حال و إلّا لصحّ فيما علّق على أمر اختياري (بلا خصوصية بسوء اختياره) في عرض واحد بلا حاجة في تصحيحه إلى الترتّب مع أنّه محال. (1) يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره من الكبرى صحيح، لأنّ طلب المحال، محال بالذات، سواء صار محالًا بسوء الاختيار أم لا. و لكن كون الأمر بالضدّين من هذا القبيل ممنوع، إذ ليس هنا إلّا طلب الضدّين لا طلب الجمع بينهما.

و حاصل النظر في الإشكال و الجواب أنّ الأوّل يسلِّم كون الأمر بالترتّب يستلزم المحال و هو على زعمه طلب الجمع بين الضدّين، لكنّه لا إشكال فيه لأنّه بسوء الاختيار، حيث جعل نفسه في هذا المضيق و إلّا كان في وسعه دفع المحال بامتثال الأمر بالأهمّ.

كما أنّ الجواب يسلِّم أنّ الأمر بالترتّب يستلزم المحال، لكنّه يردّ جواز طلب المحال بسوء الاختيار بوجهين: أوّلًا، أنّ طلب المحال، محال مطلقاً سواء كان بسوء الاختيار أم لا، و ثانياً بأنّه لو جاز، لجاز مع حسن الاختيار كما إذا قال: أزل‏

____________

(1)- لاحظ كفاية الأُصول: 213/ 2171.

46

النجاسة و إن شربت الماء فصلّ مع أنّه غير جائز.

و حاصل نظرنا أنّه لا يلزم المحال أصلًا، لأنّ المحال، طلب الجمع بين الضدّين، لا طلبهما و ذلك لأنّه لو كان الأمران مطلقين في مقام الامتثال يلزم من إطلاقهما طلب الجمع بينهما، لا أقول إنّه يلزم بالدلالة المطابقية على الجمع و إنّما هو نتيجة إطلاقهما و طلبهما بلا قيد و شرط في آن واحد. و أمّا إذا كان أحدهما مطلقاً و الآخر مشروطاً، فالأمر بالأهمّ يطلب إيجاد المتعلّق على وجه الإطلاق، و الأمر بالمهم يطلبه عند فراغ الساحة عن الأهم، فلا يلزم من مثله طلب الجمع لأنّه يطلبه عند عدم تأثير الأمر الأوّل. و سيوافيك التوضيح في تحليل المناقشة الثانية بإذن اللّه.

الإشكال الثاني: فرق بين الاجتماع في عرض واحد و الاجتماع كذلك (مترتبين) فانّ كلًا من الأمرين في الأوّل يطارد الآخر بخلافه في الثاني فانّ طلب المهم، لا يطارد طلب الأهم، فانّه يكون على تقدير عدم الإتيان بالأهمّ، فلا يكاد يريد غير الأهم على تقدير الإتيان به و عدم عصيانه. و بالجملة المطاردة من جانب الأمر بالمهم غير موجودة.

و أجاب عنه بوجهين:

الأوّل: كيف لا يطارده الأمر بالمهمّ؟ و هل يكون طرده له إلّا من جهة فعليته و مضادّة متعلّقه له؟ و عدم إرادة المهم على تقدير الإتيان بالأهم، لا يوجب عدم طرده لطلبه (أي عدم طرد الأمر بالمهم لطلب الأمر بالأهم) مع تحقّقه (أي تحقّق الطرد) على تقدير عدم الإتيان بالأهم و عصيان أمره، فيلزم اجتماعهما على هذا التقدير.

و حاصله: الأمر بالمهمّ و إن كان لا يطارد الأمر بالأهمّ عند الإتيان بالأهم لكنّه يطارده في صورة عدم الإتيان بالأهم.

47

الثاني: إنّ الأمر بالأهم يطارد الأمر بالمهم مطلقاً، قال:» على أنّه يكفي المطاردة من طرف الأمر بالأهم، فانّه على هذه الحال، يكون طارداً لطلب الضدّ «. (1) أقول: ما ذا يريد من كون الأمر بالمهمّ، يطارد الأمر بالأهم عند عدم الإتيان بالأهم، فهل يريد أنّ الأمر بالمهمّ إنّما يطارد الأمر بالأهم في صورة عدم الإتيان بالأهم فذلك غير تام لأنّه إنّما يطارد إذا طلب المهمّ بلا قيد و لا شرط، و أمّا إذا كان الأمر بالمهمّ مشروطاً بالعصيان بالأهم بحيث يكون ذا مرونة و ليونة بالنسبة إلى الأمر بالأهم ففي نفس الفرض (أي عدم الإتيان بالأهمّ الذي زعم المحقّق أنّ الأمر بالمهمّ يطارد الأمر بالأهم) لا تتحقّق المطاردة، لأنّ له بحكم المرونة و الليونة بيانين و مفهومين، أحدهما الحثُّ على الإتيان بالمهمّ عند العصيان. ثانيهما: عدم البأس بتركه و الاشتغال بالأهم في هذه الحالة و مع هذا كيف يطارد الأمر بالمهم الأمر بالأهم.

هذا كلّه حول الجواب الأوّل. و أمّا الجواب الثاني أي كفاية وحدة المطاردة من جانب واحد و هو الأمر بالأهم و شمول إطلاقه لموضع يكون الأمر بالمهم فعلياً، فحاصل الجواب عنه، أنّ موضع المطاردة إمّا هو مقام الجعل و الإنشاء أو مقام الفعلية، و قد عرفت عدم المطاردة لا في الأوّل كما هو واضح، و لا في الثاني، لأنّ كلّ أمر فعلي يدعو إلى نفسه و لا يدعو إلى ترك غيره من غير فرق بين الأهم و المهمّ فتنحصر المطاردة في مقام الامتثال و الموضوع للمطاردة في مقام الامتثال هو التأثير النفسي و قد عرفت أنّ التأثير لأحد الأمرين، فلو كان قاصداً للأمر بالأهمّ، فليس الأمر بالمهمّ فعلياً، و إن كان غير قاصد له. فالأمر بالمهمّ و إن كان فعلياً لكن فعليته ليس على وجه القطع و الجزم بل في ظرف عدم تأثير الأمر الأوّل فمثل هذه الدعوة لا يترتّب عليها أيّ فساد. و ذلك لأنّ المولى يرى أنّ أمره ليس علّة تامة

____________

(1)- كفاية الأُصول: 217/ 1، بتصرف يسير.

48

لانبعاث المكلّف، بل موجد للداعي في نفس المكلّف، و لأجله يحتمل أن يكون المكلّف منبعثاً عن الأمر بالمهم، و غير منبعث عن الأمر بالأهم، و يرى ظرف الامتثال خالياً عن كلّ فعل، بحيث لو لم يأمره بالمهم، لتركه أيضاً، فيأمره بالمهم، ليصل إلى أحد الهدفين.

و بعبارة أُخرى: إنّ انقداح الإرادتين في نفس المولى ليس من الأُمور الممتنعة، كما أنّ انقداحهما ليس بمعنى الجمع بين الأمرين المتضادّين، و إنّما الكلام في قدرة المكلّف و عجزه عن امتثال الأمرين.

فإذا طلبهما و كانا عرضيين، يلزم منه طلب كلّ في ظرف الإتيان بالآخر، و هو غير صحيح و أمّا إذا لم يكونا كذلك، بأن كان طلب أحدهما في ظرف عدم تأثير الآخر، فلا مطاردة أبداً،، لا في مقام الجعل، و لا في مقام التأثير، و لا في مقام الامتثال كما لا يخفى. و بذلك يتّضح ضعف كلا الوجهين.

الإشكال الثالث: ما الحيلة فيما وقع كذلك من طلب الضدّين في العرفيات؟

و أجاب عنه بجوابين:

1 أن يكون الأمر بالمهم بعد التجاوز عن الأمر به (الأهم).

2 أن يكون الأمر به (المهمّ) إرشاداً إلى محبوبيته و بقائه على ما هو عليه من المصلحة و الغرض. (1) أقول: ما ذا يريد من التجاوز؟

هل يريد منه أنّه يكون منسوخاً، فهو غير صحيح مع اشتماله على المصلحة الملزمة. و لذا لو رجع إليه بعد العصيان آناً ما، لكان الأمر باقياً.

أم يريد أنّه عند الخيبة عن تأثير الأوّل، يأمر بالمهم، فهو نفس الترتّب.

____________

(1)- المصدر السابق، ص 218.

49

مشكلة تعدّد العقاب‏

قد عرفت إشكالات المحقّق الخراساني و أجوبته و مدى صحّتها، و بقي هاهنا إشكال ربّما يورد على الترتّب و هو أنّه يلزم على القول بالترتّب، تعدّد العقاب إذا ترك الأمرين، مع ضرورة قبح العقاب على ما لا يقدر عليه العبد.

و هذا في الحقيقة استدلال من طريق الإنّ على بطلان الترتّب، و حاصله أنّه لو صحّ الترتّب، للزم تعدّد التكليف، و بتعدّده يلزم تعدّد العقاب، و لكن التالي باطل فكذا المقدّم. و قد أُجيب عنه بوجهين:

الأوّل: وحدة العقاب مع تعدّد العصيان‏

هناك من يقبل تعدّد العصيان، و لكنّه يقول بوحدة العقاب، و ذلك لأنّ تعدّد العقاب و وحدته تابع لوحدة القدرة و تعددها، لا وحدة التكليف و تعدده. فلو كانت القدرة واحدة و التكليف متعدداً، لما كان عليه إلّا عقاب واحد و إن عصى جميع التكاليف، لاستقلال العقل بقبح تعدّده مع عدم قدرته إلّا على واحد.

و بذلك يظهر سرّ تعدّد العقاب في التكاليف العرضية، كالصلاة و الصوم إذا تركهما، فيعاقب عقابين، لتعدّد القدرة، المستلزم كون المخالفة لا عن عذر و هذا بخلاف التكاليف الطولية فلا يوجب تعدُّد التكليف فيها تعدّد العقاب مع وحدة القدرة.

الثاني: تعدّد العقاب مع تعدّد العصيان‏

و هناك من يقول بتعدّد العقاب مع تعدّد التكاليف و معصيتها، قائلًا بأنّ المفروض وجود أمرين مستقلّين و تعلّق كلّ واحد منهما بأمر ممكن مقدور

50

للمكلّف، و مخالفة كلّ منهما توجب العقاب بلا شكّ. أمّا مقدورية الأهم، فواضحة. و أمّا مقدورية المهم، فمن جهة فرضه في ما كان الزمان خالياً منه. و في هذه الرتبة يكون المهم مقدوراً بالوجدان. (1) و قد أوضحه سيّدنا الأُستاذ دام ظلّه بأنّه لو صرف قدرته في امتثال أحد الأمرين، فقد ترك الآخر عن عذر. و أمّا إذا لم يصرفها في واحد منهما، فقد ترك كلّ واحد بلا عذر، و يقال له: لم تركت هذا بلا عذر، ثمّ لم تركت الآخر كذلك، فيعاقب بعقابين. (2)

2 تقريب المحقّق الحائري (قدس سره)

نقل شيخ مشايخنا العلّامة الحائري (قدس سره) تقريباً للقول بامتناع الترتب و أشكل عليه و إليك بيانَ التقريب: (3) إنّ هناك مقدّمتين اتّفقت كلمة العلماء عليهما:

1 إنّ الضدّين ممّا لا يمكن إيجادهما في زمان واحد عقلًا.

2 لا يصحّ جعلهما في زمان واحد متعلّقين للطلب المطلق لأنّه تكليف بما لا يطاق.

و هاتان المقدّمتان ممّا لا يقبلان الإنكار.

إنّما الشأن بيان أنّ تعلّق الطلبين بالضدّين في زمان واحد و لو على نحو الترتّب يرجع إلى الطلب المطلق بهذا، و الطلب المطلق بذاك في زمان واحد.

بيانه: أنّ الأمر بإيجاد الضدّ، مع الأمر بإيجاد ضدّه الآخر، لا يخلو من أنّه إمّا

____________

(1)- نهاية الأُصول، ص 208.

(2)- تهذيب الأُصول: 311/ 3121، ط مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين.

(3)- الحائرى: الدرر: 114/ 1، الطبعة المحشاة بتعاليق المؤلف.