المختارات في الأصول‏ - ج1

- محمد علي الحائري القمي المزيد...
174 /
1

هوية الكتاب‏

بسمه تعالى المجلّد الاوّل من المختارات فى الاصول لمؤلّفه العبد محمّد علىّ القمّى الكربلائى عفى عنه طبع اوّل طهران در مطبعه علمى به زيور طبع اراسته گرديد

2

المجلّد الاوّل من المختارات فى الاصول بسم اللّه الرّحمن الرّحيم الحمد للّه ربّ العالمين و الصّلاة على نبيّنا محمّد و آله الطّاهرين و اللّعنة على اعدائهم اجمعين الى قيام يوم الدّين و بعد فيقول العبد محمّد على القمى عفى عنه هذه مختاراتنا فى علم الاصول كتبتها تذكرة لنفسى و تبصرة لاخوانى المشتغلين و جعلتها ذخرا و ذخيرة ليوم الدّين و على اللّه اتوكّل و به استعين و نقتصر الكلام فى مقاصد المقصد الأوّل في اقسام الدلالة و حجيّة ظواهر الالفاظ و ذكر بعض ما اختلف فى حجّيتها او ظهورها المقصد الثّانى فى الاحكام و ذكر بعض ما يترتّب عليها مما يتداول ذكرها فى الأصول المقصد الثالث فى بيان ما يثبت به الاحكام الواقعيّة من القطع و ما نزل منزلته شرعا المقصد الرّابع في بيان الاصول المجعولة شرعا او عقلا عند الشّكّ فى الاحكام و عدم طريق عقلى او شرعى إليها المقصد الخامس في ما يتعلّق بالتّعارض و الترجيح المقصد السّادس في نبذ ممّا يتعلّق بالاجتهاد و التقليد و نقدم قبل الشّروع فى المقاصد مقدّمة

المقدّمة

امّا المقدّمة اعلم انّ العلوم كلّها لما كانت متّحدة فى حقيقة العلم و مع ذلك فرق بالعلوم المتعددة كالنّحو و الصّرف و ساير العلوم كان وجه تمايزها و جعل كلّ واحد متميّزا من الآخر بلحاظ الاغراض المتعلقة بكلّ منها مثلا الغرض من بعض العلوم عرفان حال اواخر الكلم من حيث الاعراب و البناء و حفظ اللّسان عن الخطإ فدونت المسائل التى يترتّب عليها تلك الفائدة على حدّة و سمّيت بعلم النّحو و كذلك القضايا الّتى يعرف بها صحّة الفكر و خطائه يعرف بعلم المنطق و كذلك القواعد الّتى مهدت للاستنباط و يقع فى طريق اثبات الاحكام يوسم بالاصول و هكذا فكل علم يكون متمايزا عن الآخر بهذه الجهة فهذه هى جهة تمايز العلوم و تدوين كلّ واحد منها على حدّة فمعرفة كلّ علم حقيقة انّما يكون بتعرف مسائله فعند العلم بها يكون عالما بذلك العلم و يعرف اجمالا مسائله بما ذكرنا من العرض و هذا هو المعرف للعلم فيعرف الاصول بالقواعد الممهّدة للاستنباط و المنطق بالقواعد الّتى يعصم مراعاتها الذهن عن الخطأ فى الفكر و هكذا و انت اذا نظرت الى غالب‏

3

التعاريف المذكورة فى العلوم تجدها تعريفا بالفائدة و الغرض نعم بعد ما ميز العلم بذلك التفتوا الى المسائل الّتى دونت فاخذوا الموضوعات المحمولة عليها متّحدة مع موضوع خاص سمّى ذلك الموضوع الكلّى بموضوع العلم حيث ان مرجع جميع موضوعات المسائل اليه فصار ذلك سببا آخر لعرفان مسائل العلم اجمالا فعرفوا العلم قليلا بالموضوع كان يقال علم النّحو علم يبحث فيه عن احوال الكلمة و الكلام و أنت إذا تأمّلت فى تعاريف العلوم لم تجدها خارجة عما ذكرنا و الّذي ذكرنا من ان وجه تفرقة العلوم بلحاظ الاغراض امر واضح يظهر لمن راجع حال اوّل من صنف ذلك العلم مثلا لما راى امير المؤمنين اغلاط العرب فى كلام اللّه طلب أبا الاسود الدّؤلى و دون له مواد النّحو ليرفع به ذلك فزيد عليه شيئا فشيئا فكلّ مسئلة لها دخل فى ذلك الحقت نعم لما نظروا الى ان الاعراب مما يلحق و يعرض بالكلمة قيل بان الموضوع الكلمة فالمناط الا متن فى وحدة العلم و تميز مسائل عن غيره هو ما ذكرنا من الغرض دون الموضوع فلذلك قد يتّحد الموضوع فى العلمين و قد لا يكون العلم موضوع محقق الّا انّه يمكن انتزاع موضوع متّحد مع موضوعات المسائل و تامّل فى اطراف ما ذكرنا من البيان تجده مبيّنا انش فالغرض من علم الاصول لما كان هو تحصيل ما يقع فى طريق استنباط الاحكام او كان سببا لتحصيل الحكم الفعلى و لو كان حكما ظاهريّا كان كلّ ما يتوصّل به الى ذلك يعد من مسائل الاصول فلذا ذكروا حكم العقل الاستقلالى و غير الاستقلالى منه سواء استفيد منه الحكم الشّرعى الواقعى او الظّاهرى فى مسائل الاصول مع انّه بحث عن وجود حكم العقل الّذى هو من الادلة و هكذا فما ذكروا من ان موضوع علم الاصول هو الادلّة فليس بتمام سواء قلنا ان المراد بها ذواتها او انها بوصف الدّليلية فلسنا نحتاج فى كلّ مسئلة مسئلة ان نلاحظ حال الموضوع و ننظر ان المحمول من عوارضه الذّاتية حتى نبحث عنه بل لما نظرنا اليه و راينا ان له دخل فى الاستنباط و يقع فى طريق الحكم صح ذكره فى العلم فانظر الى ما ذكروه فى بيان الموضوع و انه لا بدّ ان يكون ما يذكر فى العلم عن عوارضه الذّاتيّة و بيان تعيين العرض الذاتى عن الغرض الغريب و اختلاف كلماتهم فى ذلك تجد نفسك بعد ما ذكرنا غنيّا عنها بل لا ينبغى للمشتغل ان يشتغل بمثل هذه و الغرض من الموضوع و بيانه و تعريف العلم ليس الّا العرفان الاجمالى لذلك العلم و هو حاصل ببيان كلّ منهما اجمالا بل هو فى الفائدة ازيد كما لا يخفى فتامّل جيدا

المقصد الأوّل في اقسام الدّلالة و حجّية ظواهر الالفاظ

و ذكر بعض ما اختلف فى حجّيتها او ظهورها

أصل الدّليل هو المعلوم المتوصّل به الى شي‏ء آخر مجهول‏

و كونه كل هو الدّلالة و ذلك عقلا انّما يكون بين العلّة و المعلول و المتلازمين عقلا او عرفا او شرعا

4

فوجود المعلول دليل على وجود العلّة و كدلالة اللّفظ على اللافظ فى الالفاظ و دلالة المصنوع على الصّانع فى غير الالفاظ و هذه الدلالة فى المتغايرين حقيقة و وجودا و قد يكون الدّلالة بنحو آخر و هو حصول الارتباط و الاختصاص بين شيئين متغايرين بحيث اتحدا و خرجا عن الاثنينية و التغاير فبلحاظ وحدتهما هنا و احدهما دليلا على آخر لا مع وصف تغايرهما و هذه الدّلالة كدلالة الشّي‏ء على نفسه من اجلى الدّلالات و اوضحها و ربما صار خفائها من جهة وضوحها و هو المقصود من قوله بل عرفتك و انت دللتنى بخلاف الدلالة على الوجه الاوّل و توضيح هذه الدّلالة ليس من وظيفتنا فعلا و المقصود ان هذه الدلالة انّما هى فى ذات الشّي‏ء فى حدّ ذاته و قد عرفت انّها قد يحصل بين شيئين متغايرين بلحاظ وحدتهما و صيرورتهما شيئا واحدا و بهذا اللّحاظ يخرجان عن الاثنينية و ذلك كدلالة الالفاظ على المعانى حيث انّها صارت متّحدة معها بحيث لم ير عند احساس اللّفظ لا احساس المعنى لا انها تدلّ على المعنى كدلالة المصنوع على الصانع و المعلول على العلّة كما فى دلالتها على اللّافظ و لما كان اللفظ بما هو لفظ و المعانى بما هى هى متغايران و متباينان لا اتحاد بينهما بوجه فلا محالة يحتاج ايجاد الوحدة بينهما الى جعل و تخصيص او شي‏ء آخر غيرهما و يسمى هذا بالوضع فاذا وضع احد لابنه لفظا و قال سميته زيدا كانّه جعلهما واحدا بجعله فنحن اذا راينا نفس المعنى راينا زيدا فاذا سمعنا لفظ زيد سمعنا زيدا فهذا اللفظ هو المعنى و المعنى هو اللّفظ و ربما يحصل هذا الاختصاص الوحدانى فى حدّ ذاته من غير احتياج الى جعل آخر و يرى ذاته فتسمّى هذه الدّلالة ذاتية حيث انه فى هذه الدّلالة غير محتاج الى امر آخر خارج عن الذات و ذلك على قسمين قسم يحصل لذات اللّفظ من غير نظر الى اتحاده مع معنى من المعانى و قسم يحصل له بلحاظ وحدته مع المعنى فيحصل هذه الدّلالة له بعد صيرورته واحدا معه فيتفرع على الوضع تفرّع المعلول على العلّة أمّا الأوّل فهي الحاصلة للّفظ مع مثله او نوعه او جنسه و ذلك مثل لفظ ديز لكونه متّحدا مع مثله و لو تكرّر لان الخصوصيّات القائمة بكلّ لفظ لا يخرجها عن الوحدة من وجه فاذا تلفظ احد بديز و قلت ديزك مهمل فدلالة لفظك بلفظه من جهة وحدتهما بحسب الحقيقة و ان كانا متباينين لجهة الخصوصيّات القائمة بكلّ منهما و كذلك ارادة نوعه او جنسه لكونها متّحدة بحسب الحقيقة و انّما مثلنا بديز ليعلم انه لا مدخل فى ذلك لجهة المعنى و هذا بخلاف دلالة لفظ ديز على نفسه كقولك ديز لفظ فانه لا تغايرنها بوجه و هو من باب دلالة الذات على الذّات و ذلك اصل الدلالة الذّاتية و امّا الثانى فبيانه أنّ اللّفظ لمّا صارت متّحدة مع المعنى بالجعل و الوضع فصار كانّه المعنى ما ذا اطلق اللّفظ لم يطلق الا المعنى و اذا حمل عليه شي‏ء فهو محمول على المعنى يحصل المناسبة لذاتية بين اللّفظ و

5

جميع ما يكون بينه و بين المعنى مناسبة ذاتيّة و ارتباط خاص مثلا اذا كان بين حقيقة الشّمس و وجه زيد مناسبة ذاتية من جهة النّورانية و كان المدرك لهذه المناسبة العقل او الطبع او غيرهما فيصحّ تنزيل احدهما منزلة الآخر و هذه المناسبة الموجبة للتنزيل و المصحّحة له و ان كانت بين المعنيين و لا ربط له باللّفظ و الوضع اصلا و لذا ترى صحّة التّنزيل و الحمل و لو لم يكن لفظ و واضع اصلا فى العالم الّا ان المعنى لما صار عين اللّفظ و متّحدا معه صار ما بين اللّفظ بما هو معنى و هذا المعنى الآخر مناسبة ذاتية يصحّ تنزيله منزلته و افنائه فيه و استعماله و اطلاقه عليه بالتّنزيل و التّاويل كما هو شان المعنيين و هذا هو المعنى بالتاويل و التنزيل فى المجاز و تحديد المناسبة الذاتية بينهما انّما يكون بالعقل السّليم و الطبع المستقيم و استعمال اللّفظ هو افنائه كل و امّا دلالته على الارادة و القصد و الاعتقاد فهى من قبيل دلالة المعلول على العلّة لا من هذا الباب فتلخص ممّا ذكرنا ان دلالة الالفاظ على معانيها ليس الّا من جهة لحاظ الوحدة و دعوى وحدتهما لا من قبيل دلالة المعلول على العلة نعم له ذلك فى الدلالة التّصديقية لا التصورية فظهر انّ الدّلالتين فى اللّفظ ليستا من باب واحد و لا يصحّ تقسيم دلالة اللّفظ بمعنى واحد اليهما و كذلك ظهر فساد ما ذكره جماعة من تقسيم دلالة اللّفظ الى الوضع و العقل و الطّبع لان الاخيرين من غير الباب كما عرفت و كذلك استعمال اللّفظ فى مثله و نوعه و جنسه و صنفه و ليس الا من جهة المناسبة الذّاتية بين الدّال و المدلول و اتحادهما و لو فى جهة الدّلالة و لا مدخل لذلك بالوضع و الواضع و كذلك استعمال الالفاظ فى المعانى المجازية ليس الّا من جهة المناسبة الذاتيّة بين اللّفظ بما هو معنى و المعنى الآخر فتحقق ان دلالة الالفاظ على معانيها على قسمين وضع و ذاتى و بالتّامّل فيما ذكرنا تعرف وجوها من الاشكال فى كلمات جماعة من العلماء و لا حاجة الى التعرض لها و فيما ذكرناه كفاية و الحمد للّه ربّ العالمين‏

اصل [في صحة اطلاق اللّفظ و ارادة نوعه به‏]

قال شيخنا في الكفاية تبعا لشارح الشرح و جماعة من الاصوليّين بانه لا شبهة في صحة اطلاق اللّفظ و ارادة نوعه به كما اذا قيل ضرب مثلا فعل ماض او صنفه كما اذا قيل زيد فى ضرب زيد فاعل اذا لم يقصد به شخص القول او مثله كضرب فى المثال فيما اذا قصد اقول ضرب الّذى هو فعل ماض و هو المستعمل فيه للّفظ ليس نوعا لضرب المستعمل لان الاخبار عنه بفعل ماض انّما يكون بحسب ما له من المعنى و هو بماله من المعنى ليس نوعا للمستعمل بماله من المعنى لوضوح ان المستعمل ليس بفعل ماض و لو كان نوعه فعل ماض لكان المستعمل ايض فعل ماض و لو اريد النوع من حيث اللّفظ مقابل منع اذ هو نوع آخر من اللّفظ لما جاز الاخبار عنه بالفعل لان نوع ضرب اعنى تلك الحروف الخاصّة مع الهيئة الخاصة من غير لحاظ المعنى فيه اصلا لا يكاد يكون فعلا كما هو ظاهر و كذلك زيد في قولك زيد في ضرب زيد فاعل اذا لم يقصد به شخص القول ليس مستعملا في صنفه اصلا لانّ المتّصف‏

6

بالفاعليّة انّما هو بماله من المعنى بلحاظ اسناد الضّرب اليه و هذا كما ترى ليس صنف للمستعمل و الّا لكان فاعلا و ان لو حفظ الصّنفية بلحاظ اللّفظ فقط يكون الصنف لفظ زيد بلحاظ الخصوصيّات المكتنفة باللفظ و كذلك الحال فى المثل و توضيح ذلك انّ اللّفظ بما هو لفظ اعنى الملفوظ واحد ذاتا اعنى بحسب الجنس و هو كونه لفظا و اختلاف انواعه انّما هو بحسب التركيب الحاصل فى الحروف كزيد و عمرو و بكر و خالد فكلّ منها لفظ و اختلافها انّما هو اختلاف النّوعى و الاختلاف الصّنفى انّما يكون بحسب اختلاف العوارض الصّنفيّة كما انّ اختلاف الشّخصى انّما هو من حيث التّلفظ و خصوصيّاته متلفّظا و زمانا و مكانا و مع قطع النّظر عنه يكون ذات الملفوظ واحدا فلفظ زيد نوع واحد و افراده انّما هو الصّادر من الاشخاص المختلفة فى الازمنة المختلفة و الامكنة المختلفة فلا يكون لفظ زيد في ضرب زيد و زيد ضرب و ساير استعمالاته مختلفا بحسب النوع و انّما الاختلاف بحسب الاشخاص فاستعمال لفظ زيد فى قولك زيد في ضرب زيد فاعل ليس من استعمال شخص اللّفظ فى نوعه و لا من استعماله فى صنفه بل خصوص الشخص فى المستعمل ليس ملحوظا اصلا بل هو استعمال الملفوظ من غير نظر الى خصوصيّاته المكتنفة به لان تلك الخصوصيات ليست ممّا ارتبط به الاستعمال اصلا كما هو واضح فالمستعمل ليس الّا النّوع فاستعماله و ارادة نفسه ليس الا استعمال النوع فى نفس النّوع لا استعمال النّوع فى الشخص لوضوح انّ التشخّصات لم يلحظ فى المستعمل فيه اصلا و ممّا ذكرنا تعرف انّه ليس من استعمال النّوع فى الصّنف ايضا و امّا المعانى فنوعيّتها و جنسيّتها بلحاظ ذاتها من غير دخل للالفاظ فى ذلك و امّا اللّفظ المرتبط مع المعنى فلا بد ان يلاحظا معا فى النّوعيّة و الجنسيّة فعلى اىّ حال لا يستقيم ما عنونوا به المبحث على ما ذكروا فان قلت لا ينبغى الاشكال فى صحّة هذا الاطلاق قلت نعم و لكنّه انما اردت ان تحكم على الالفاظ بلحاظ معانيها فقولك خبر او فاعل او فعل انما هى اوصاف للالفاظ بلحاظ المعانى الثابتة لها فلما كان المحكوم عليها هو الالفاظ أنيط النظر الى نفس الالفاظ فاطلق اللّفظ اعنى ضرب فى قولك بضرب زيد و حمل عليه الفعل بلحاظ المعنى الثابت فيه فيكون المحمول قرينة على ان الملحوظ اللّفظ مع ما له من المعنى و الحاصل ان هذه الدّلالة انما ثبتت بالقرائن و الا فالمحكوم عليه بما هو هو لم يدلّ عليه الّا ببعض خصوصياته لا بجميعها

اصل [المعنى المنسبق من اللّفظ ينسب الى المتكلّم و يكون ذلك حجّة]

قد عرفت ان المعنى المنسبق من اللّفظ ينسب الى المتكلّم و يكون ذلك حجّة سواء كان ذلك بواسطة القرينة او متبادرا من حاق اللّفظ و لما كان متبادرا من حاق اللّفظ يستفاد منه كون ذلك هو الموضوع له لان انسباق المعنى الخاص لا بدّ له من جهة مخصصة و ليس الا الوضع او غيره من القرائن اى قرينة كانت و لما كانت الثّانية منتفية بالفرض فلا محالة ثبت الوضع كشف‏

7

المعلول عن العلّة فان قلت اذا كان الوضع علّة لسبق المعنى الى الفهم و ذلك لا يكاد يكون الا عند العالم به فلا محالة يكون العلم بالوضع مقدّما على الانسباق فلا يكون العلم به مؤخرا عنه قلنا نعم و لكن العالم بالوضع قد ينسبق المعنى من اللّفظ بواسطة العلم المرتكز فيه من غير التفات اليه فيكون الالتفات اليه حاصلا من الانسباق فالفرق ان العلم التفصيلى الفعلى بالوضع يحصل من الانسباق و الانسباق انما يحصل من الارتكاز الغير الملتفت اليه ثم ان فرض للمتتبّع المتفحّص فى لغة العرب مثلا و علم انهم ينسبق الى ذهنهم من اللّفظ هذا المعنى يعلم بانه موضوع لذلك فى هذه اللّغة فلا دور اصلا ثمّ انه لو تبادر المعنى كل و شك فى كونه من حاق اللّفظ او القرينة فربما قيل بان اصالة عدم القرينة يثبت انّه من حاق اللّفظ فيثبت الوضع الّا انه لا يخلو من اشكال لان الدّليل على اعتبار اصالة العدم انما هو اعتباره عند العقلاء و ارباب المكالمات فى تعيين مرادهم و مقصوداتهم و لم يثبت اعتبارها عندهم مطلقا حتى فى كيفية استنادهم و تعيين مستندهم فبعد ثبوت المراد لو شكّ فى انّه استند الى حاق اللّفظ او القرينة لم يثبت تعيين الاوّل باصالة العدم ثمّ انّ لوازم المعنى و كذلك اجزائه و ان كانت ينسبق الى الذهن إلّا انّها انّما هو بتوسّط المعنى لا بتوسّط اللّفظ لانّه لما كان اللّفظ و الا على المعنى الملزوم او الكلّ ينسبق الى الذهن هذا اللّازم او الجزء و بهذا الاعتبار يستندون الدّلالة الى اللّفظ فيعدونه من اقسام دلالة اللّفظ و ربما يتمسّكون فى اثباته بالتبادر كما ربما يكون الامر كل فى المفهومات‏

اصل و من علامات الحقيقة و المجاز عدم صحّة سلب معنى الحقيقى و صحّة سلبه عن مورد الاستعمال‏

و قد كثر فيهما البحث بين علمائنا (رضوان اللّه عليهم) و لا فائدة كثيرة فى التّعرض لاقوالهم و التّكلّم فيها فنقول فى المقام مقتصرا على ما تيسّر لي من فهم هذا المبحث و على اللّه التّوكّل لا بدّ في هذه العلامة ان يكون مورد الاستعمال معلوما و كان المجهول حقيقيّته و مجازيّته و الّا فلا معنى لهذه القضيّة اى صحّة السّلب و عدمها كما لا يخفى و كذلك لا بد ان يكون المعانى الحقيقيّة للّفظ معلومة بعنوان تعيين حقيقتها و الّا لمّا كان مجال لصحّة سلبها من مورد الاستعمال فصدق قضيّة صحّة سلب المعانى الحقيقية عن مورد الاستعمال و تحقّقها انّما يكون فى ما يكون عالما بمورد الاستعمال و المعانى الحقيقية بوجه يميز حقيقيّتها فلا مجال لاعمال هذه العلامة الّا مع وجود الشرطين و بما ذكرنا يعرف ما فى كلام جماعة من الاضطراب و الخروج عمّا هو محلّ النّزاع و الخطاب فبعد ما كان كل فدليليّته صحّة السّلب بهذا المعنى على المجازيّة واضحة و الّا يلزم سلب الشي‏ء عن نفسه بالفرض فى دليل المجاز و المباينة بين الشّي‏ء و نفسه فى دليل الحقيقة و تصوير المقام بحيث يتم به المرام مع عدم اختلال بالشرطين انه لا اشكال فى جريانه فى ما اذا كان الشّك فى فردية المورد للمعنى الحقيقى و عدمه مثلا انا اذا

8

علمنا المعنى الحقيقى للماء و انّه حقيقة فى الماء الصّافى الّذى هو الفرد الجلى و علمنا بمجازيته فى الوحل نشك فى ماء السيل مثلا هل هو فرد من افراد الحقيقة ليكون افراد الماء عليه و استعماله فيه على سبيل الحقيقة أو لا فيكون مجازا فبصحة السّلب و عدمها يعين الفرديّة و عدمها فيبين المجازية و عدمها بحسب الاطلاق و الاستعمال و ذلك واضح لا يقال ان صحّة السّلب و عدمها فى هذا المورد يتوقف على العلم بفرديته للمعنى الحقيقى او عدمها اذ صحّة السّلب عنده لا يصير الا مع العلم بانه ليس بفرد للمعنى الحقيقى و كذا فى طرف العدم فيلزم الدّور فى اثبات المجازية و الحقيقة لانا قول او لا ان ذلك هو الاشكال المعروف المنتسب الى الشيخ ابى سعيد ابى الخير فى الشكل الاوّل من الاشكال و جوابه معروف مشهور من الفرق بين العلمين بالاجمال و التفصيل فينتفى الدّور و ليس ذلك اشكالا فى المقام و ثانيا ان المراد صحّة السّلب و عدمها بالنسبة الى العرف و ان كان المستعمل ايضا منهم لانهم المعيار و المحكم فى تعيين مثل هذه المقامات و كذلك يقول يتصوّر اجراء هذه العلامة فى اصل المعنى بتوضيح ان المراد بالمعانى الحقيقية المسلوبة ليست هى ذوات المعانى المختارة المعلومة حقيقتها كالذهب و الفضة و الجارية و غيرها التى هى معانى العين حقيقة اذ لا اشكال فى سلب المعانى بعضها من بعض بحسب الخارج و لا يثبت بذلك الحقيقة و المجاز اللّذان هما من صفات اللّفظ باعتبار الوضع بل المراد المعانى الحقيقية الغير المعلومة بوصفها و اشخاصها المعلومة بعنوان اللّفظ بحسب الاطلاق بيان ذلك انّ الالفاظ مرات للمعانى الخارجيّة و هى اذا اطلقت و استعملت مطلقة مرات للمعانى الموضوعة لها بحيث اذا القيت الالفاظ الى المخاطبين كانها القيت المعانى فسلب هذه الالفاظ مطلقة عن شي‏ء كانه سلبت المعانى عن هذا الشّي‏ء فنقول ح. اذا سلب الأسد اى هذا اللّفظ بما هو عنوان للمعنى الموضوع له و علامة له عند الرّجل الشّجاع مثلا كانه سلب المعنى الخارجى و هو الحيوان المفترس عنه و لما كان مرآتية اللّفظ له بحسب الوضع يعلم بالسّلب المغايرة من هذه الحيثية و ان الرّجل الشجاع مثلا ليس مما كان هذا اللفظ علامة و مرآتا له فسلب اللفظ على الاطلاق عن مورد علامة على ان هذا المورد ليس ممّا جعل هذا اللّفظ علامة له و هو المعنى المجازى فالمراد صحّة سلب اللّفظ مطلقة من جهة المرآتية الذى سلبه كانه سلبت المعانى الحقيقية لهذا اللّفظ فيصحّ سلب المعانى الحقيقية بهذا العنوان و ان لم يكن عارفا بالمعانى بذاتها باوصافها الحقيقية و بعبارة اخرى قد يعلم الحقائق باوصافها مثل ان يعلم ان الركبة و الذّهب و الشّمس حقايق و معان حقيقية المعين‏

9

و قد يعلمها بعنوان ان العين عند اطلاقها لا بد ان يكون مرآتا لها و علامة عليها و المراد بسلبها سلبها بالمعنى الثانى لا بالمعنى الاوّل فعلى هذا اذا علم المستعمل فيه و المورد و راى ان العرف صحّ عندهم سلب هذا اللّفظ باطلاقه عنه يرى ان هذا المعنى المستعمل فيه ليس معنا حقيقيّا له و الا لم يصحّ سلبه على وجه الاطلاق حتى فى اللّفظ المشترك الّذى له معان متعدّدة اذا صحّ السّلب بوجه الاطلاق يعلم انه ليس بشي‏ء من معانيه الحقيقية فالمجاز يعرف بصحّة سلب اللّفظ الّذى هو مرات للمعانى الّتى وضع ذلك اللّفظ بازائها و لا يصحّ سلبها على وجه الاطلاق عنها و صحّة السّلب بهذا المعنى لا يتوقف على معرفة المعانى الحقيقية الخارجيّة بعنوان انها حقايق على ما لا يخفى هذا فى صحّة السّلب التى هى علامة المجاز و امّا فى عدمها التى هى علامة للحقيقة فنقول اذا كان المستعمل فيه مما وضع له اللفظ لا يمكن سلب اللّفظ على وجه الاطلاق عنه و لو كان له معان متعدّدة غير هذا و عدم صحّة السّلب يدل على ان هذا المعنى حقيقة لهذا اللفظ على ما هو ظاهر لكن هنا نكتة لا بدّ ان ينبه عليها و هى ان ما يدلّ عليه بهذه العلامة ان المستعمل فيه ليس من المعانى الحقيقية فى العلامة الاولى و من المعانى الحقيقية فى العلامة الثانية و لا يستفاد منه ان المستعمل فيه فى هذا الاستعمال على اىّ وجه نعم فى الاولى لما ثبت انه ليس من المعانى الحقيقية و ثبت صحة الاستعمال يستفاد بهذه الضّميمة ان الاستعمال ايض على وجه المجاز و هذا بخلاف العلامة الثانية فانه لما ثبت بالعلامة ان المستعمل فيه من المعانى الحقيقيّة لا يثبت ان هذا الاستعمال ايض على نحو الحقيقة لامكان ان يكون له معنى حقيقيّا آخر استعمل هذا اللّفظ فى هذا المعنى لعلاقة بينه و بين ذلك المعنى الحقيقى و اثبات ان هذا الاستعمال على نحو الحقيقة يتوقف على اتحاد المعنى الحقيقى اذ مع تعدّده يتوقف على صدق الجميع عليه و هو غير ممكن و الا لخرج عن التعدّد و الاشتراك الى الاتحاد و الكلّى على ما لا يخفى لا يقال فى طرف المجاز ايضا اذا صحّ سلب اللّفظ باعتبار بعض معانيه الحقيقية يثبت ان المعنى المستعمل فيه مجاز و ان لم يثبت ان هذا الاستعمال مجاز كما فى طرف الحقيقة لانا نقول ان المجازية فى الجملة غير لازم لانه متوقف على عدم كونه من المعانى الحقيقية و ان العلاقة و المناسبة المجازية موجودة و ثابتة و هى غير لازم من هذا السّلب فمما ذكرنا ظهر ان اثبات المجازية بهذه العلامة لا يمكن الا بصحّة السّلب على الاطلاق و فى طرف الحقيقة الا على نحو الاجمال يعنى ان المستعمل فيه معنى حقيقى للفظ و ان لم يكن هذا الاستعمال على نحو الحقيقة على ما عرفت و من جهة ما ذكرنا قالوا بان صحة سلب المعانى الحقيقية علامة للمجاز و عدم صحّة سلب المعنى الحقيقى علامة للحقيقة

10

و ظهر لك من هذا ضعف ما ذكره بعض افاضل المحققين من المتاخرين و بعد ملاحظة ما سطرناه عرفت بفساد ما يتوهّم من الدّور اذ منشإ الاشتباه هو التعبير بالمعانى الحقيقيّة و قد عرفت المراد منها و على تقدير كون المراد هو ذوات المعانى باوصافها لا مفر من الدّور و لا مخلص منه فى الصّورة الثّانية من الصّورتين و ما اجابوا عنه غير مفيد على ما لا يخفى للمتامّل‏

اصل اختلفوا فى ثبوت الحقيقة الشرعيّة فى الفاظ العبادات و عدمه‏

ربما يقال ثبوتها يتوقف على كون معانيها مستحدثة فى شرعنا اذ على تقدير كونها ثابتة فى الشرائع السّابقة كما ربما يستفاد من الآيات القرآنية فيكون تلك الالفاظ حقايق لغوية لا شرعية لتدين العرب بتلك الاديان و تداول الفاظها بينهم و عدم ثبوت لفظ آخر بازائها و لم ينقل الينا منهم غير تلك الالفاظ فان قلت ليست تلك الحقائق على ما كانت فى الشرائع السّابقة فلا محالة قد تصرّف الشارع فيها بما اخرجها عن تلك المعانى فلا تكون هى هى قلت تصرّف الشّارع فيها بزيادة جزما او شرط لا يوجب الاختلاف فى الماهيّة كما ان ثبوت ذلك فى شرعنا فى حقيقة الصّلاة بالنسبة الى الحاضر و المسافر و النّاسى و غيرها من الحالات لا يوجب الاختلاف فى حقيقة الصّلاة و فيه ان ثبوت المعانى لا يدلّ على ثبوت تلك الالفاظ الخاصّة موضوعة فى لسان العرب لاحتمال ان يكون لها الفاظ غير تلك الالفاظ مستعملة فيها و الشّارع وضع لها تلك الالفاظ المستعملة فى كلامه و القول بان كانت العرب متدينة بها و كانت تلك الالفاظ مستعملة فى كلامهم كلام قال عن البيان و قد يقال بان ثبوت الحقيقة الشرعية ايض مبتن على انه لم يكن تلك المعانى اللّغوية و كان الشّارع تصرّف فيها بزيادة جزء او نقيصة او شرط كما ربما ينسب الى الباقلانى و ذلك ايض غير صحيح لعدم معروفيته ذلك فى اصل اللّغة اصلا نعم ربما يكون ذلك فى بعض الالفاظ كالبيع و الاجارة و نحوها من الفاظ المعاملات بالمعنى الاعم فتحرر انه لا اشكال فى ان الشارع استعمل الالفاظ فى غير معانيها اللغوية و هى المعانى الشّرعية سواء كانت مخترعة منه او كانت ماهيّتها محققة فى الشرائع المتقدمة و الاشكال فى ان الاستعمال هل هو على نحو الحقيقة بسبب الوضع التعيينى او التعيّنى او مجاز بتوسّط القرينة فيكون مرجع النزاع الى انه هل كان من الشارع وضع لتلك الالفاظ مرتجلا او منقولا او كثر الاستعمال فى لسانه الى حد وصل الى الحقيقة أو لا فالاصل فى عدم الوضع و عدم النقل و عدم كثرة الاستعمال الى حدّ وصل الى ذلك فى لسانه او زمانه و المدّعى لذلك لا بد له من الدّليل و القول بانه لو كان الاستعمال على غير سبيل الوضع لا بد من العلاقة و لا علاقة معتبرة بين المعانى الشّرعيّة و اللّغوية فاى علاقة بين الصّلاة شرعا و الصّلاة بمعنى الدّعاء و مجرّد اشتمال الصّلاة على الدّعاء لا يوجب ثبوت ما يعتبر من علاقة الجزء و الكلّ بينهما غير صحيح لعدم انحصار معناها فى الدّعاء

11

مع ان الدعاء هنا دعاء اللّه و تعظيمه و الثناء عليه و بينهما كمال المناسبة و علاقة الجزء و الكلّ اذا قبله الطبع صحيح و لو لم يكن مع الشرط و كذلك لا عبرة بما يقال من ان الوضع التعيينى من الشارع بان يقول وضعت اللّفظ لهذا المعنى بعيد ربما يقطع بعدمه و ذلك لعدم انحصار الوضع التعيينى بذلك و ربما يحصل بغير ذلك كما قال به شيخنا فى الكفاية و الحاصل انّ القابل بكونها حقيقة فى تلك المعانى لا بدّ له من اقامة الدّليل و لا دليل الا التبادر و اثباته عند اهل المحاورة فى ذلك العصر لا مجال له و اما الاستقراء فما يكون منه تاما غير حاصل و الناقص منه غير مفيد نعم الظن يحكم بكثرة الاستعمال فى لفظ الصّلاة و امثالها فى لسان الشارع و تابعيه بحد وصل الى الحقيقة بحيث ما كانوا يفهمون من اطلاق ذلك اللّفظ غير ذلك المعنى و الامر سهل فى هذه المسألة لعدم ثمرة محققة مع اختفاف الاستعمالات غالبا فى كلامهم بما يفهم منه المقصود

اصل فى اقسام دلالة اللفظ

قال شيخنا البهائى الاصطلاحات المتداولة فى تقسيم الدلالات خمسة الاوّل المشهور الذى عليه الاكثر و هو ان الدّلالة امّا لفظية أو لا و الثانى وضعية و عقلية و الاوّل وضعية و عقلية و طبيعية و الوضعيّة امّا مطابقة او تضمن او التزام الاصطلاح الثانى ما عليه اكثر العربيّة و هو ان دلالة اللّفظ امّا وضعيّة او عقلية و الوضعيّة مطابقة او تضمن او التزام و هذا كالاوّل فى تقسيم اللّفظية الوضعيّة الى الثلاثة الثالث اصطلاح اكثر الاصوليّين و هو ان دلالة اللّفظ اما وضعيّة او عقلية و الاول المطابقة و الثانى على الجزء تضمّن و على الخارج التزام و الرابع اصطلاح بعض الاصوليّين كالحاجبى و هو كاصطلاح اكثرهم الّا انهم يجعلون التّضمنية لفظية و الالتزامية عقلية الخامس اصطلاح الاشراقيين و هو ان دلالة اللّفظ على معناه دلالة قصد و على جزمه دلالة حيطة و على لازمه دلالة تطفل و هو قريب من الاصطلاح الاصوليّين و الفرق بالتسمية

اصل [اللّفظ الموضوع للجنس و الماهية]

اللّفظ الموضوع للجنس و الماهية ان كان دلالته على افراده بالتساوى بان يكون افراده متساوية فى الانسباق فهذا يسمّى متواطيا فان كان دلالته على افراده مختلفا من حيث الانسباق فهذا يسمى مشككا فالتواطى و التشكيك هنا قسمان من الكلى بلحاظ دلالته على الافراد و انسباقها من الكلّى و بهذا اجرى اصطلاحهم فى المقام و ليس المراد ما هو مصطلح اهل الميزان فيهما و الحاصل انّ اللّفظ الدال على الجنس ان كان لا تفاوت بين افراده فى مقام الاطلاق فهو متواطى مثل الانسان حيث انه لا تفاوت عند الاطلاق بحسب المتبادر منه بين الصّغير منه و الكبير و الضّعيف و القوى‏

12

و الكوسج و غيره و الاسود و الابيض و قد يكون بين افراده تفاوتا فى الانسباق كالماء المنسبق الى غير ماء الكبريت و الزاج و العالم المنصرف الى الفقيه و الغسل المنصرف الى الغسل بالماء و اختلاف الافراد فى مقام اطلاق اللفظ مختلف جدا و قد يكون على حد منصرف اللّفظ اليه عند الاطلاق بل يصير اللفظ حقيقة فيه و يكون منقولا

[اقسام انصراف المطلق و الكلّى‏]

و بالجملة انصراف المطلق و الكلّى الى بعض افراده بحسب ما وضع له اقسام‏

الأوّل الانصراف البدوى بواسطة الاستيناس ببعض الافراد

فيخطر البعض فى الذهن ابتداء كانصراف الماء الى الفرد الصافى او الحلو منه مثلا و يذهب هذا بمجرّد التامّل فى المطلق و يقطع بارادة الاطلاق و الشائع فهذا القسم من الانسباق و الانصراف لا حكم له و لا يمنع من التواطى و الحمل على الاطلاق‏

الثانى الانصراف بواسطة غلبة بعض الافراد بحسب الوجود

كافراد الانسان المتعارف بان يكون انصراف الذهن سببه غلبة الوجود لا من جهة خصوصية فى المقام و هذا كالاول و بعبارة اخرى حضور بعض الافراد فى الذهن بواسطة غلبة الوجود او بواسطة كثرة الاستيناس او بواسطة غير ذلك من الجهات الراجعة الى النفس من غير كون ذلك بسببيته اللفظ لا اثر له فى اللّفظ و مقام استعماله‏

الثالث ان يكون الانصراف الى بعض الافراد

و كان كثرة استعماله فى ذلك البعض و شيوع ارادة ذلك البعض منه فى كثير من موارد استعماله صار سببا للانسباق فيكون المتيقن من اللفظ فى مورد استعماله ذلك البعض و ارادة غيره ممّا يصدق عليه بحسب حاق اللّغة مشكوكا فمثل هذا يمنع اللفظ عن حمله على الاطلاق كما يحمل عليه فى صورة التواطى فالواجب ح حمل المطلق عليه فى مقام الاستنباط لانه القدر المتيقن عن الخطاب و ارادة المتكلّم ذلك منه بواسطة هذه لا يترتب عليه قبح و نقض للغرض قال فى التقريرات و هذا نظير الشّك الحاصل فى المجاز المشهور عند التّردّد فى وصول الشهرة حدا يمكن معها التّصرّف الّا انّه فى المجاز محكوم بارادة الحقيقة نظرا الى اصالتها و فى المقام محكوم بالاجمال نظرا الى ان الحكم بالاطلاق مما لا قاضى له امّا على المختار فلان بعد احتمال البيان قويا لا ضير فى ترك الاطلاق و لا يجرى فيه اصالة الحقيقة و امّا على المجازية فلان شيوع هذا المجاز هو الفارق بينه و بين غيره من عدم جريان اصالة الحقيقة عند احتماله‏

الرّابع ذلك مع كون استعمال المطلق فى الفرد الشائع بحيث صار من المنقولات‏

فلو كان يريد الاعم منه و من النادر لا بدّ له من القرينة فتلخص ممّا ذكرنا ان الحمل المطلق و الكلى فى موضوعات الاحكام على الاطلاق و الشياع انما يكون فيما اذا لم يكن هنا قرينة خارجيّة على مرادية البعض او قرينة داخلية كما فى الفرض الرّابع حيث صار استعماله فى الاطلاق مجازا او لم يكن قرينة الّا انّه يكون هنا قدر متيقن فى مقام‏

13

الخطاب و التخاطب بحيث انّ المخاطبات و المحاورات يمنع عن جمله على غير الشائع فظهر من ذلك ان المانع هو القدر المتيقّن الثابت للكلام فى مقام التحاور لا القدر المتيقن الخارجى الّذى ليس بذلك فى مقام الاطلاق كما فى الفرضين الأوّلين ثمّ اعلم أنّه يحمل المطلق على اطلاقه فيما اذا لم يكن يعلم من المتكلم انه فى مقام الاجمال و الاهمال فان علم منه ذلك فلا اطلاق كما انه لا اشكال فى لزوم الحمل على الاطلاق فيما لو علم منه انه فى مقام البيان و ارادة الاطلاق و اما فيما احتمل الامران و لم يقم قرينة على تعيين كل منهما بالخصوص فقاعدة الاستعمال و حمل الالفاظ على حقايق معانيها و اصالة صحّة الاستناد الحمل على الاطلاق فتلخص مما ذكرنا ان المانع عن الاطلاق القرينة او التشكيك البالغ الى حدّ تبين العدم او موجب للاجمال و كلاهما تابعان لكثرة استعمال المطلق فى البعض فتبصر و بهذا يرجع ما فى كلماتهم من منع الاطلاق تارة بالانصراف و تارة بانه فى مقام الجعل و التشريع و تارة بانّه وارد مورد حكم آخر و اما ذكروه فى ان المقتضى للاطلاق دليل الحكمة فيمكن ارجاعه بما ذكرنا من ان الاصل مقتض لاثبات المقدمتين و سيأتي البحث فى ذلك فيما سيأتي إن شاء الله اللّه‏

اصل اللّفظ يدلّ على معناه‏

اى عند سماع اللفظ يفهم منه المعنى بحسب اللّغة على ما عرفت و له دلالة اخرى على مرادية المعنى للمتكلم فى مقام الافادة و الاستفادة و يعبر عنها بالدلالة التصديقية فاذا صدر كلام من متكلّم ينسب بانه اراد من كلامه ما هو ظاهر فيه فى مقام الافادة و الاستفادة سواء كان تلك المعانى هى المعانى الموضوع لها الالفاظ و المعانى المجازية المقرونة بالقرائن و ذلك لان بناء العقلاء و العرف فى محاوراتهم على ذلك بل المخاطب فى مقام افادة المتكلم لا يستفيد الا المعانى المرادة للمتكلّم كما انه اذا كان يتمكن من القاء نفس المرادات الى المخاطب و الحاصل‏

ان الالفاظ الملقاة الى المخاطب هى المرادات المضمرة فى قلبه بل يمكن ان يقال ان الغرض من الوضع و الجعل هو ذلك اى افادة المرادات و استفادتها بحيث يكون الالفاظ مبنيّا لمقاصدهم و كاشفا عن مراداتهم فى المخاطبات بتوضيح ان الموضوع له هو ذات المعنى بما هو هو لا يكاد يتعلق به غرض و الغرض ليس تصوره بما هو تصوره لعدم الاثر له بل الغرض هو بلحاظ انه مقصود المتكلم و مراده فكان هذا الغرض مقوم للموضوع له بحيث لو كان الالفاظ المستعملة لم يتعلق بها الارادة تكون خالية عن الموضوع له و كيف كان فبناء العقلاء فى هذا الباب يستفاد منه حجية ظواهر الالفاظ بمعنى انه يثبت مرادات المتكلّم بظواهر الفاظه على قوانين العرف و اللّغة فعند عدم القرينة على المجاز يحمل على ما هو حقيقة فيه و مع القرينة على ما هو ظاهر معها و على هذا المنوال تكلّم الشارع فى محاوراته و مكالماته فى عادياته‏

14

و شرعياته لظهور انّه لم يجعل لذلك طريقة اخرى بل هو جار فى ذلك مجرى العرف و اللّغة و هذه الدلالة انما ثبت فى الالفاظ المستعملة فى مقام التفهيم و التفهم بلحاظ العقل و العقلاء فيكون لها جهتان إحداهما وضعية من حيث ان عرض الواضع فى مقام الوضع هذه الدلالة و الاخرى عقلية و هى القاعدة المستفادة من العرف و العقلاء فى مقام الافادة و الاستفادة و بهذا اللحاظ يترتب الدلالة على المراد و الارادة تاخّر الدّال عن المدلول و يكون وصف الارادية و المرادية ماخوذا فى هذه الدلالة فى ذلك المعنى و تتبع هذه الدلالة الاستعمال لا مجرّد الوضع و الدلالة التصوريّة مقدّمة لتحقق هذه الدلالة و فى هذه المرتبة ينقسم الالفاظ الى الحقيقة و المجاز و المحكم و المتشابه و المجمل و المبين و النصّ و الظاهر و عليه يدور مدار علوم المعانى و البيان و البديع‏

اصل [دلالة اللّفظ على المعانى المقصودة للمتكلّم‏]

قد تبين مما ذكرنا ان دلالة اللّفظ على المعانى المقصودة للمتكلّم انّما يتم عند من علم بالاستعمال و عدم القرينة او القرائن المجوزة للاستعمال فمن علم بالمعانى الموضوعة و علم بعدم القرينة المجوزة يحمل الالفاظ على المعانى الحقيقية لبناء العرف و العقلاء على ذلك لقبح الاستعمال فى ما له الظاهر مع عدم الارادة او إرادة غيره و هذا هو المعبر عنه باصالة الظهور و اصالة الحقيقة و اذا لم يعلم بعدم القرينة و احتمل وجودها يحتاج الى اصالة عدم القرينة و هى ايضا اصل عقلائى عليه بناء العقلاء فظهر ان لنا اصلان اصالة حجّية الظهور و اصالة عدم القرينة و إنما يجرى الاوّل فقط عند العلم بعدم القرينة و الثانى فقط عند العلم بارادة الظاهر مع عدمها و يجرى الاصلان فى مورد الاحتمال فيهمل احتمال اللّغويّة باصالة الظّهور و يهمل احتمال القرينة باصالة عدمها فكلّ منهما اصل برأسه ماخوذ من بناء العقلاء فى ذلك المقام و لا وجه لارجاع احدهما الى الآخر كما ربما يستفاد من كلام شيخنا المرتضى ره اللّهم الا ان يقال إن جميع الاصول مرجعها الى الاصول العدمية لكونها سببيّا بالنسبة اليها و توضيحه انه يحتمل ان يكون المتكلّم لم يقصد المعنى او قصد المعنى المجازى مع عدم الاتيان بالقرينة عمدا او بملاحظة مصلحة أو لا و يحتمل وجود القرينة فى الكلام او نحو ذلك فيضاف الاصل فى جميع ذلك الى متعلق الاحتمال فيقال اصالة الحقيقة و اصالة الظهور فى مقام احتمال عدم ارادة الظاهر و اصالة عدم القرينة فى مقام احتمال وجودها مع الاختفاء و أصالة العدم الغفلة و السّهو و اصالة عدم اللّغويّة و نحو ذلك و مرجع الاصول المثبتة الى المنفيّة الا ان الظاهر عند العرف و بناء العقلاء بل اخبار الاستصحاب على بقاء الموجود لا البناء على العدم مع ان المورد ليس الا العمل بالظّاهر لا الابقاء اى ليس مدركة استصحاب العدم و ابقائه و لك ان تقول أن الالفاظ مقتضية لمرادية مفاداتها الظاهرة و مع الشّك فى الارادة

15

بلحاظ احد الامور المذكورة يجب العمل على طبق المقتضى من غير حاجة الى احراز عدم المانع و تلك القاعدة و ان كنا لم نعرف دليلها على الاطلاق إلّا انها ثابتة حجيتها فى خصوص المقام لبناء العقلاء لوضوح انهم يحملون الالفاظ على ظواهرها و لا يعتنون بالاحتمالات المانعة عن ذلك فبنائهم على عدم الاعتناء بالاحتمال و وجود المانع لا انهم يجرون اصالة العدم و انها حجة فى هذا الباب من بناء العقلاء لان ذلك اشبه شي‏ء بالاكل من القفا و لعلّ الى ذلك يرجع اصالة الظهور بمعنى ان الظّهور و ان كان مقتضيا الا ان العمل عليه و نزل عندهم منزلة العلّة التامّة عند الشّك فتدبر

اصل [عدم الفرق بين المقصود بالافهام و غيره و بين الحاضر و غيره‏]

بعد ما عرفت ان الالفاظ تدلّ على مرادية معانيها للمتكلّم بها على ما هو المتعارف عند العرف و العقلاء فيتم بها الحجّة للمولى على العبد و العبد على المولى بحسب ما لها من الدلالة و لما كان ذلك قائما بالالفاظ و من يتكلم بها لا يكون هنا فرق بين من قصد افهامه بذلك اللّفظ و بين من لم يقصد و بين من كان حاضر لو متوجّها اليه الخطاب و من لم يكن كل فكلّ من اطلع على الكلام يسند ما لها من المعنى الى المتكلّم و لكن ذلك بعد اطلاعه على اللّفظ و فهمه المعانى الحقيقية و القرائن الّتى يمكن الاستناد اليها فى استعمال الالفاظ فى المعانى المجازية و لذا لا يسمع اعتذار من لم يقصد افهامه بانى لم يقصد المولى افهامى او ان الخطاب كان متوجها الى غيرى فيما اذا خالف المولى فى تكليف يعمه او يخصّه و يصحّ الشهادة له بالاقرار و الوصيّة ممّن اطّلع عليها و لو لم يقصد افهامه او لم يتوجّه اليه الخطاب و هذا ظاهر لا ريب فيه عند المتامل المتدرب نعم قد ينضم الى المقام خصوصيات أخر من طول المدّة و تعارض الادلة و ظهور القرائن المنفصلة فى بعض المقامات و خفائها فيقال إن ظواهر الالفاظ الواردة فى الاخبار من جهة طول المدّة المقتضى لاختفاء القرائن و وجود القرائن المنفصلة لهذه الظواهر فى كثير من المقامات و تعارض تلك الادلة بحيث لو كانت صادرة لمتكلم واحد بالعيان فى مجلس واحد كان كلّ واحد منها صارفا للآخر خصوصا مع ملاحظة الدس و الدّسيّة فى تلك الاخبار لا يجوز العمل بها و لا دليل على الاصل المتقدم فى هذا المضمار للمنع من بناء العقلاء على العمل بتلك الظواهر الحاصلة لنا و لكنه يقال بأن ما ذكر غير رادع للعمل و لا ساد لاجراء الاصل و كيف يمتنع عمل العقلاء و بنائهم على ذلك مع ان علماء الامصار فى جميع الاعصار مع اختلافهم فى المشارب و الطّرق و مباينتهم فى الاستنباطات و السّلق متفقون على العمل بظواهر الاخبار و يستنبطون منها الاحكام و ذلك جار فى جميع الفنون و العلوم و فى جميع اللغات و الالسنة المختلفة و ذلك معلوم بالضرورة و الشاك‏

16

فيه جار مجرى الشاك فى البديهيات مع ان هذا ليس تفصيلا فى الباب بل جار فى من قصد افهامه و من توجه اليه الخطاب ايضا اذا مضى عليه الزمان و احتمل نسيان الخصوصيات بحيث لم يكن متذكر الخصوصيّة الخطاب‏

اصل لا فرق فى حجّية الظواهر بين افادتها الظن بالمراد و عدمها

بما هو هو بمعنى ان بناء العقلاء على الحجّية انما هو فى مورد الظنّ الشخصى بالمراد لا مطلقا او ينحصر الحجّية فيما اذا لم يكن الظّنّ الشخصى على خلافه من امارة غير معتبرة فنقول قد عرفت مما تقدّم ان العمل على الظواهر و نسبتها الى المتكلّم و مراديتها له انما هو بواسطة الوضع و الغرض منه و بناء العقلاء على اجراء مقاصدهم بالالفاظ لسانا و كتبا فى وصاياهم و اقراراتهم و مكتوباتهم من غير دخل لحال المخاطب فى ذلك و انه يحصل له الظن او لا يحصل له الظن بالخلاف اولا لان ذلك خارج عن لحاظ الدلالة و كون الدلالة تابعة لظن المخاطب او لعدم ظنه بالخلاف غير معقول بل الظن بالمراد لو حصل كان تابعا لها لا انه متبوع لها و ذلك واضح الى النهاية و الحجية الثابتة بطرقها لا يفرق فيها بين الأقسام و الحاصل أن دلالة اللفظ و كشفها عن الارادة لا بد لها من جهة حتى يترتب عليها الظن و ان كان ذلك من جهة الوضع و بناء العقلاء فليس ما يتبعه داخلا فى وجه الدلالة و ان كان حاصلا منه لو حصل و الا كيف يحصل له الظنّ مع فقدان الامارة ذاتا اذ الامارية له لا بد من منشإ البتة و ما قيل من ان اصالة الحقيقة لم يثبت دليل على اعتبارها و لو مع انتفاء المظنة لان القدر الثابت هو حجية ما هو مظنون بالنسبة الى العالم بالاصطلاح و اما ازيد فلم يثبت كلام لا محصل له لان دليل الحجّية اعنى بناء العقلاء لو كان قائما على الظّنّ الحاصل فلو كان ذلك الظن حاصلا من غير جهة الاستعمال فلا دليل على حجيته اصلا من بناء العقلاء و غيره و ان كان حاصلا من جهة الاستعمال و كشفه فكيف يكشف الاستعمال عن ذلك مع انه ليس بموضوع له و ليس هنا شي‏ء يوجب الكشف عنهما فلا يكاد يحصل الظن عن الالفاظ فينجر الامر الى عدم الحجّية راسا و هو باطل بالضرورة نعم يمكن ان يقال ببناء العقلاء على الامرين و هو ايضا يقتضى الحجّية مطلقا فت‏

اصل [اللفظ المحفوف بالقرائن‏]

تمام ما ذكر من الاصول انما هو فيما اذا كان اللفظ ظاهرا فى المعنى اما بنفسه او القرائن خارجية كانت او داخلية و لكنه قد يكون الكلام محفوفا بما هو صالح للقرينية و معه يخرج الكلام عن الظاهر و يصير متشابها كما فى المجاز انش المنادى احتماله للحقيقة بحيث لا يبقى للكلام ظهور فى المعنى الحقيقى و ليس للّفظ انصراف الى احدهما فلا مجال لاصالة الظهور و الحقيقة هنا لعدم ظهور اللفظ فى البين و ليس لاصالة الحقيقة معنى عام بحيث‏

17

يشمل مثل المقام بل هو مرادف لاصالة الظهور فيكون مجريها فيما اذا كان الكلام ظاهرا فى المعنى الحقيقى لعدم القرينة قطعا او احتمالا كما عرفت لا يقال أصالة عدم القرينة كما ينفى اصل وجودها كذلك ينفى قرينية الموجود المحتمل كونها قرينة قلنا هذا الاصل انما يعتبر من باب بناء العقلاء و ليس ذلك البناء موجودا منهم بل بنائهم على الاجمال و عدم الحكم وجود او عدما

اصل [فى ان الحجة من الكلام هو المحكم‏]

قد تبين ممّا ذكرنا ان الحجة من الكلام هو المحكم و هو النصّ الّذى لا يحتمل غير ما يفهم منه بحسب اللغة و الظاهر المحتمل لغير ذلك و لا حجة للمتشابه و هو المجمل المتساوى طرفى الاحتمال و المأوّل و هو خلاف الظاهر المحقق‏

اصل [مخالفة جماعة فى حجّية ظواهر الكتاب‏]

خالف جماعة فى حجّية ظواهر الكتاب و منعوا عن العمل بظواهره ما لم يرد على طبقه التفسير عن الائمة (عليهم السّلام) و اذا ورد التفسير عنهم فاللازم العمل على طبق التّفسير و لازمه ابطال الظواهر لان الاعتبار ح بالتفسير لا الكتاب و تمسّكوا فى ذلك بالاخبار الكثيرة الدالّة على عدم جواز التفسير بالرّاى كقوله(ص)من فسّر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النّار و عن أبي عبد اللّه (ع) من فسّر القرآن برأيه ان اصاب لم يؤجر و ان أخطأ سقط ابعد من السّماء و مثلها غيرها فما يمنع عن التفسير بالرأي و اجيب‏

عن ذلك بان صدق التفسير بالراى انما هو فى المجمل و المؤوّل دون النصّ و الظّاهر لانه ظاهر فى نفسه و بيانه و كشفه لا يسمى تفسيرا فضلا عن التفسير بالرّاى لعدم مدخليّة الراى فى ذلك أ ترى من فسّر حرم عليكم الخمر بماله من الظاهر فسر القرآن برأيه و كذا قوله لا تقربوا الزنى و قوله‏ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسانِ‏ فاخبار التفسير بالرّاى كلّها اجنبية عن الظّواهر و انما موضعها المجملات و المؤولات حيث انهما يحتاجان الى التفسير و يكون فى ادخال الرّأي و الاستحسان فيه مجال نعم انما يجرى فى الظواهر بحملها عن ظواهرها و تاويلها بغير جهتها كما يصنع اهل المذاهب الفاسدة خصوصا الطائفة الصّوفية و الحاصل أن الاخبار الواردة فى التفسير بالرّاى انما هو بالنظر الى التاويلات فى الظواهر و التفسير بالنسبة الى المتشابه نعم يجب على العامل بالظواهر معرفة الناسخ و المنسوخ و العام و الخاص و غيرها مما يجب معرفتها لمن يستنبط الاحكام و يريد العمل بها و لا ربط لهذا فى حجية الظواهر

اصل [الاستدلال على حجية ظواهر الكتاب بالاجماع‏]

و يدل على حجية ظواهر الكتاب موى ما دل على حجيّة مطلق الظواهر الاجماع الحاصل الطاهر من طريقة المسلمين فى الاحتجاجات بها خلفا عن سلف من الصحابة و التابعين و المعصومين من العترة كالصّديقة الطّاهرة و ساير الائمة (صلوات اللّه عليهم اجمعين) و العلماء الصالحين و غيرهم من المسلمين من تمسكهم بظواهر الآيات فى مقام الاستدلال‏

18

او الاحتجاج مما يعرفه الناظر فى الكتب و احوالهم و الآيات من الكتاب و هى كثيرة منها ما دلّ على التدبر و التفكر فى الآيات نحو قوله أ فلا يتدبرون القرآن و لا يعقل التدبّر و التّفكر مع عدم حجيتها و منها قوله‏ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْ‏ءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَ الرَّسُولِ‏ و الرّد الى اللّه ليس الّا الى كتابه و منها الآيات الناهية عن الاخذ بالمتشابه و ذمّ من اخذ بها و منها الآيات الدالّة على وصف القرآن بالعربية و الهداية و الرّحمة و الذّكر لقوم مؤمنين و هى كثيرة جدا و امّا الاخبار الدّالة على جواز الرجوع الى الكتاب او وجوبه و هى اكثر من ان يحصى منها ما دلّ على وجوب التمسّك بالثقلين و منها الاخبار الواردة فى التراجيح و منها الاخبار الدالة على بطلان الخبر المخالف للكتاب و منها الاخبار الدالة على الارجاع بالكتاب فى العسر و الحرج و منها الاخبار الدالة على رد الشروط المخالفة للكتاب فى ابواب العقود و المعاملات و منها الاخبار المتفرّقة فى الوسائل فى حديث و قار اذا قرء القرآن فاستتر به تحت برنسه فهو يعمل بمحكمه و يؤمن بمتشابهه و يقيم فرائضه و يحلّ حلاله و يحرم حرامه فهذا ممن ينقذه اللّه من مضلات الفتن و رواية زرارة فى مسئلة الباء و كذا فى مسئلة لا جناح عليكم ان تقصروا من الصّلاة معروفة من المتفرقات الّتى يطول الكلام بذكرها و من ذلك يعلم ان الخلل الواقع فيه على فرض تسليمه لا يمنع عن الحجّية كما لا يخفى مع انه يمكن ان يقال ان العلم الاجمالى بالتحريف انما ثبت من الاخبار الواردة فيه و لا يكاد يحصل العلم بازيد من الموارد المنصوصة فيها بذلك مع انه ينحل بوجوه أخر فتدبر

فصل الدّلالة العقلية المستفادة من الوضع حجة متبعة

بل لا يبعد انتسابها الى الوضع حيث انها يتبعه و تلك لها جهتان جهة فى الدلالة و جهة فى مقام الامتثال و كلاهما متبع عقلا و شرعا و تنقيح ذلك فى ضمن اصول اصل فى الاجزاء

[امور لتوضيح المرام‏]

و لنذكر امور التوضيح المرام و انكشاف المقصود

الاوّل ان الشارع لا محاله انما يأمر بما هو كاف بمقصوده و واف بمرامه‏

اذ لو لا ذلك لزم اما نقض غرضه او الجهل فالمأمور به بما هو هو لا محالة تام و تمام فى مقام الغرض بلحاظ كونه مامورا به فبذلك اللحاظ يصح القول بان الامر مقتض للاجزاء او الاتيان بالمامور به على وجهه نقتضى الاجزاء و المراد بالاقتضاء الاقتضاء بالدلالة العقلية لا الدلالة الوضعية بان يكون الاجزاء ماخوذا فى وضعه بل ذلك مما يدل به العقل فى مقام الامر بشي‏ء بلحاظ ان الحكيم لا يكاد يأمر الا بما هو واف فى مقصوده فاتيان المامور به ما هو بمأمور به مقتض لذلك فيصح اسناد ذلك الاقتضاء الى نفس الاتيان و الى الامر نعم لا مجال للاسناد الى الامر بلحاظ الدلالة الوضعية

الثانى [ان البحث انما هو فى الاقتضاء العقلى بالنسبة الى نفس ذلك الامر و لا بد من ملاحظة الدليل بالنسبة الى غيره مما هو فى طوله‏]

قد انكشف ان البحث انما هو فى الاقتضاء العقلى بالنسبة الى نفس‏

19

ذلك الامر و اما بالنسبة الى امر آخر مما هو فى طوله واقعا او توهما فلا بد هنا من ملاحظة الدليل الشرع الدّال عليه فيكون الاجزاء بهذا اللحاظ شرعيا و الكبرى فى ثبوت الاجزاء و عدمه و المنتج له هو دلالة الدّليل و لذا قلنا بشرعية الاجزاء على ذلك‏

الثالث [فى مسقطات الامر]

ان سقوط الامر و ارتفاعه من البين قد يكون بالمعصية كما اذا امره باتيان الماء و عصى و خالف فيعاقب بالمعصية و قد يسقط و يرتفع بذهاب موضوعه كما اذا امر بغسل الميت فاحرق و صار رمادا فيسقط الامر لذهاب الموضوع و قد يسقط المامور به ببدلية غير المامور به عنه كما فى صورة نسيان بعض الشروط او الاجزاء و الغفلة عنها فان الماتى به و ان لم يكن بمأمور به لفقدان بعض الاجزاء و الشرائط إلّا انّه قد دلّ الشرع على الاجزاء به و بدليت على المامور به و ان لم يكن بمأمور به او كان مامورا به بامر يلتفت اليه المكلف اصلا و كان اتيانه بداعى امر آخر غير متعلق به او غير موجود أصلا و الحاصل أن بدلية غير المامور به عن المأمور به بحيث جعله الشارع بدلا عن المامور به و رفع اليه عنه و عن امره وارد فى الشرع مجمع عليه و من امثلته الجهر فى موضع الاخفات او العكس و الاتمام فى موضع القصر بل اذا نقص الاجزاء و الشرائط نسيانا و غير ذلك الا ان ثبوت ذلك يحتاج الى دليل شرع و الا فالقاعدة و الاصل يقتضيان باتيان المطلوب و المامور به و ما ذكرنا من الموارد ليس من الاجزاء فى شي‏ء او غير داخل فى مسئلتنا و لتصور ما قلناه و تطبيقه على القواعد موضع آخر و قد يسقط الا من بالامتثال و الإطاعة و ذلك عند الاتيان بالمامور به بجميع ما له من الاجزاء و الشرائط بقصد القربة و الاخلاص و كلما يعتبر فيه من الوجه و التّعيين و التميز على مشرب كل من يقول به مما لا يتعلق به الغرض بل المقصود انه لو اتى بجميع الخصوصيّات فذلك الاتيان يسقط الامر و يخرج المكلّف عن عهدته و ثياب عليه و ذلك باتفاق من العقل و النقل لان بقاء الامر اما من عدم الاتيان بمتعلقه و اما من جهة عدم امتثاله و اطاعته من جهة انتفاء القربة و الفرض انتفائهما فيكون الاتيان مسقطا للامر عقلا و ما نسب الى ابى هاشم من العامة من عدم الاجزاء ممّا قد اتفقت الكلمة على فساده و قد اراد بعض توجيهه بامكان ان يتوجّه اليه امر آخر من الشرع حيث ان احد ان ينكر ذلك‏

الرّابع [حالة تعدد الاوامر بالوقائع المختلفة]

اذا فرضنا للشارع اوامر متعدّدة متعلقة بالوقائع المختلفة بل بموضوع واحد جنسيا او صنفيّا كاقسام الصلاة و الصّوم و نحوهما من الواجبات الشرعية لا ينبغى ان يتخيل ان الاتيان و الامتثال لواحد منها كان يجزى لغيره من الاوامر بداهة ان الاتيان بكلّ واجب موجب لسقوط ذلك الواجب لا غيره من الواجبات نعم يمكن ان يجعله الشارع بدلا عما لم يات به لما يرفع اليد عنه كما فى صورة بدلية غير المامور به عن امور به الذى قد عرفت سابقا و ذلك محتاج الى دليل شرعى و كون مرجع ذلك الى الواجب‏

20

التخييرى او عدمه لا يخصّنا فعلا و ليس ذلك داخلا فى مبحث الاجزاء

الخامس أن القول بالتصويب ليس من الاجزاء فى شي‏ء

لان المراد بالتصويب ان كان انكار الحكم الواقعى راسا و ان حكم اللّه ليس الا هو المظنونات و مداليل الادلة فواضح انه ليس هنا حكما غير ذلك فلا معنى للاجزاء الا بالنسبة الى امره و قد عرفت انه لا ينبغى ان يكون محلا للبحث و ان كان المراد به انقلاب الاحكام الواقعية الى مداليل الأدلة فليس الاحكام بعد الادلّة الا واحدا و هو المظنونات و مداليلها فهو ايضا كالاوّل فى عدم الحكم و ان كان المراد به وجود الاحكام الانشائية الّتى لا فعلية لها اصلا و يكون مداليل الادلة احكاما فعلية فالامر كل ايض لوضوح ان الاحكام الانشائية المقرونة مع المانع عن الفعلية لا يكون لازم الاتباع و لو علمنا به لان المنجز بسبب العلم هو الفعلى من الاحكام لا الانشائى ما لم يصر الى الفعلية فالحكم الذى له اطاعة و معصية عقلا هو الحكم الفعلى و ليس الا واحدا فلا اجزاء هنا الّا بالنسبة اليه و قد عرفت عدم كونه محلا للبحث و الحاصل ان التصويب خارج عن مسئلتنا

السّادس [توضيح بحث ما يسقط بالاتيان بالمامور به‏]

المقصود من البحث انّ الاتيان بالمامور به كما هو عليه بخصوصياتها اى شي‏ء يسقط بعليته و بيان معلوله المترتب عليه توضيح ذلك فى مقامين‏

[المقام‏] الاوّل‏

ان لنا احكاما ثابتة لجميع المكلفين الا ان متعلقاتها مختلفة بحسب الاختيار و الاضطرار مثل الصّلاة فانها مشروطة بالطهارة المائية عند وجود الماء و الترابية عند عدم الماء و بالطهارة الخبيثة عند الاختيار و يرفع ذلك عند الاضطرار و هكذا من ارتفاع بعض الآخر و الشرائط او تبدّلها عند الاضطرار فيتوهّم انّ الامر المتعلق بكلّ مكلّف هو الصّلاة التامة فيجب الاتيان بها و الماتى به عند الاضطرار و ان كان يسقط الامر الاضطرارى إلّا انه محدود و بعد رفع الاضطرار يجب اطاعة الامر بمتعلقه الثابت فى حال الاختيار فانه المتعلّق بجميع المكلّفين حتى بالمضطر غاية الامر لا يجب امتثاله فى حال الاضطرار الا فى المقدار الممكن منه و بعد رفع الاضطرار يكون باقيا فيجب امتثاله فهنا امر واحد مختلف متعلقه بحسب الاختيار و الاضطرار متعلق بالمكلف لا يسقطه الامتثال بمتعلقه الثابت فى حال الاضطرار و الحاصل أن الاتيان بالمتعلق الاضطرارى لا يرفع اصل الامر المتعلق به بل انما يرفع فعلية ما تعلّق به فى حال الاضطرار فيبقى ذلك الامر بفعليته بعد رفع الاضطرار بحسب متعلقه الاختيارى و لكن هذا توهّم فاسد فان الصّلاة مختلفة بحسب اختلاف المكلفين من الحاضر و المسافر و واجد الماء و فاقده و المتمكن من القيام و العاجز عنه و غير ذلك فلها اصناف عديدة يجمعها لفظ الصّلاة فكلّ من المكلفين بحسب اختلاف‏

21

احوالهم يختلف متعلق حكمهم فلم يكن الثابت فى حقهم الا المتعلق الخاص و لم يتعلق به الامران اوامر بمتعلق تغاير ما اتى به فى الخارج و اختلاف متعلق الصّلاة بحسب اختلاف احواله لا يصير سببا لتعدد امرين او متعلقين كما هو واضح نعم لا يمنع من امكان تعلّق امر آخر به إلّا انه محتاج بدليل شرعى و امّا البدار و عدمه موكول الى دلالة الدّليل فان كان مقتضاه شمول العذر لجميع الوقت فلا بد من التاخير الى آخر الازمنة إلّا اذا علم ببقاء العذر الى آخره و الّا فيجوز له البدار فى حال وجود العذر و ان ارتفع بعده كما ان التقية لعله يكون كل و على اىّ حال كلامنا فى حال كان الامر الواقعى الاضطرارى متوجها اليه نقول فى هذه الحالة بالاجزاء كما لا يخفى على الناقل و اعلم أن حكم العقل و العقلاء فى مقام الإطاعة و الامتثال ليس الا الخروج من تبعة الامر و لا ربط لهذا المقام بالاغراض الثابتة للمكلّف و لا بالمصالح و المفاسد الكافة فى الموضوعات و ليس لنا بحث فى ان الامر لا بد له ان يأمر بشي‏ء آخر لو لم يكن الماتى به وافيا على تمام غرضه او يأمر بنحو الاستحباب او نحو ذلك من النخيلات الغير المرتبطة بمرحلة الامتثال و الخروج عما الزمه المولى و اللّازم بيان حال الاوامر الثابتة فى الشريعة بواسطة الشارع كيف يخرج العبد عن تبعتها انما يحصل بامتثال الامر المتعلّق به فى هذا الحال و لا اعتبار باختلاف الاحوال كالمسافر و الحاضر و العاجز و غير العاجز و التقية و امثالها

المقام الثّانى‏

اعلم ان المعروف من مذهب الاصحاب و هم المخطئون ان للّه تعالى احكاما مجعولة فى الواقع لكل واقعة حتى ارش الخدش فلم يخل واقعة من الوقائع من الحكم و قد جاء الرّسول بها و اودعها عند الائمة (عليهم السّلام) و كان جميع الناس مكلفين بها و يجب عليهم اتباعها و يعاقب على مخالفتها و لا يحتاج صحّة العقوبة عليها الى ازيد من العلم بثبوتها واقعا اوانها يتنجز بمجرّد الالتفات اليها و صحّ العقوبة عليها الا مع العذر العقلى او الشّرعي و الحاصل أن الاحكام الواقعيّة يصحّ العقوبة عليها بمجرّد الالتفات اليها و يكون بوجودها الواقعى سببا لاستحقاق العقوبة و المثوبة و مقتض لهما بمجرّد الاحتمال و الالتفات نعم قد يعذر المكلّف منها بالعذر الشرعى او العقلى كما بعد الفحص و البحث او العمل على الطّريق الشرعى او يكون العلم بها سببا للتنجيز فهى غير منجزة بذواتها الا ان يعلم بها و لو على نحو الاجمال فكيف كان فلما كانت موصولة بمرتبة الفعلية كان الواجب على المكلفين عقلا البحث و الفحص عنها و دليلنا على فعليتها انها لو لم تكن فعلية لما كان الكفار يعاقبون على الفروع كما هم يعاقبون على الاصول و لما كان العلم بها موجبا لتنجزها و صحّة العقوبة عليها لان العلم بالاحكام الانشائية الغير الفعلية غير موجبا للتكليف المنشا لتحقق الاطاعة و المعصية و لما كان الواجب معرفتها و لعلها من باب المقدّمة

22

و القول بوجوبه نفسيّا مما ينفيه ظواهر الاخبار و قد اجمعت العصابة على لزوم الفحص فى الشبهة الحكمية بحيث لا يجوز العمل بالبراءة قبله و يعاقب على الواقع لو خالفه قبله و ذلك لا يستقيم الا مع فعلية الاحكام الواقعية اذا عرفت ما ذكرنا فاعلم ان الشارع جعل لنا طرقا اليها كخبر الواحد مثلا و ليس ثبوتها واقعا مانعا عن جعل الطّريق بل انما هى مقتضية له لان وجودها و مراعاتها فى الواقع اوجب الشارع ان يجعل لها طريقا فإن قلت كيف يجعل الطريق مع انه قد لا يطابق للاحكام الواقعية الفعلية فيحلل الحرام و يحرم الحلال و يوجب ما لا يجب و يبيح ما كان واجبا قلت نعم و لا باس به بعد ما كان المصلحة فى جعل الطريق و توضيحه‏

ان طرقنا الى الواقع اما الاحتياط فلا ريب فى ايجابه العسر و الحرج الموجبين لاختلال النظام و امّا الطرق الظنية الاجتهادية الّتى هى داب العامة العمياء و من الواضح انها موجبة لذهاب الشريعة لوضوح ان دين اللّه لا يصاب بالعقول و ان اختلاف الظنون و الارادة لا يستقيم على مرتبة واحدة و يختلف الاحكام بحيث لم يدخل تحت ضابط و لذا لم يستقم امر العامة حتى التجئوا الى القول بانسداد باب الاجتهاد و انه لا يجوز التخطى بمن قول احد الائمة الاربعة فلم يكن لنا شي‏ء و ابعد من تحليل الحرام و تحريم و لا الحلال الا العمل بالخبر الواحد و بتوضيح آخر بعد كون النّبى واحدا شخصيا و جزئيا حقيقيا له مكان خاص لا يكاد وصول كل احد اليه فلا محاله ياخذ منه الاحكام جماعة خاصة و ياخذ من كلّ واحد منهم جماعة و هكذا و هذا هو الطّريق الذى امضاه الشارع و دل عليه الاجماع و الاخبار المتواترة و ديدن العقلاء و ح يكون الامر به طريقا و الحكم المستفاد منه طريقيا فالواقع الاولى بعد على ما هو عليه فعند الاصابة يكون هو المنجز و عند المخالفة تكون عذرا لمن عمل عليه و خالف الواقع و لذا ذهب الاصحاب الا القليل بان المدار فى المثوبة و العقوبة هو الواقع و لا يترتب على الحكم الطّريقى اثر الا التجرى و يسمى المدلول عليه بالطرق احكاما ظاهرية شرعية طريقية فإن قلت إذا كانت الاحكام الواقعية فعلية و الاحكام الطريقية بعد الاطلاع عليها فعلية ايضا فكيف يجتمع الحكمان مع امتناع اجتماعهما سواء كانا متماثلين او متخالفين قلت امتناع اجتماع الحكمين ليس من قبيل اجتماع الضّدّين و العرضين فى موضع واحد لان الحكم ليس الّا الانشاء او الارادة و الطلب الانشائى و انما يمتنع اجتماعهما عند فعليتهما و اختلافهما فى الاثر من البعث و الزجر و اما اذا اجتمع الطرق و ذووه فليس هنا الا الحكم الواقعى و الظاهر متّحد معه فى جهة البعث و الزجر و لا امتناع فيه اصلا و امّا عند المخالفة فلم يكن الاثر الّا للطريق فلم يبق فى ذيه الا الفعلية الشأنية فافهم لانى لا اقول بعدم صيرورة الاحكام فعلية يعنى انها انشائيات صرفة حتى‏

23

لا يكون لها اثرا اصلا حتى اذا حصل العلم بها بل اقول بفعليتها الا انى اقول ان فعليتها لا يؤثر فى البعث و الزجر الا بعد العلم او قيام الطّريق فالفعلية شأنيّة لا اثر لها فى البعث و الزّجر حتى لا يجتمع مع الظاهرى فاذا كان هنا حكمان احدهما ظاهرى و الآخر واقعى قد يتوهم الاجزاء اذا كان آتيا بالحكم الظاهرى فى ذلك لتوهم ان جعل الحكم الظاهرى لا يكاد الا لجبران ما للواقع من الفوت مصلحة و مفسدة و هو توهم فاسد لان الجعل غير مستلزم للتدارك عليه اصلا اذا كان اقرب الطرق الى الواقع مع مفسدة الاحتياط و لو قلنا بلزوم الجبر انما هو فى مورد الاشتباه للتالى لا مط هذا ما يتعلق بالامارات سواء تعلق بالموضوعات او الاحكام و قد يدعى ان مفاد الامارات ليست احكاما حقيقية بل المجعول فيها ليست الا الحجّية كالحجية الواقعيّة الثابتة للقطع فيكون لزوم الاتباع عقليا كالحجّية الواقعية فيكون الامر فيه اظهر كما انه قد يقال بالسّببيّة و توضيحها ان‏

قيام الامارة سبب لايجاد المصلحة و المفسدة على طبق مدلولها من الامر و النهى و الوجوب و الحرمة فيكون الوجوب و الحرمة واقعيتين لتمامية ملاكهما بقيام الأمارة و القائل بذلك لا محالة يقول بان مفادها ح امكانا واقعية حقيقية بمناطها الواقعى فح فى مورد الاصابة يتاكد الوجوبان و فى مورد المخالفة منكر الجهتان المختلفتان فيكون الحكم الفعلى لا محالة دائرا مدار الدّليل فلا يبقى الحكم الواقعى فى المورد اصلا او الشانى من الانشائى و هو التصويب الباطل فظهر ان القول بالسّببية لا محاله يرجع الى التصويب فما ذكره شيخنا فى الكفاية من ان القول بالسّببية لا يستلزم التصويب المجمع على فساده خارج عن السّداد و فى كلماته موارد للنظر تركناها للمتامل الناقد اذا عرفت ما ذكرنا من تعدد الاحكام الى الواقعية و الظّاهرية من الامارات و الادلّة و الاصول العملية فى الاحكام الكلّيّة و الموضوعات الخارجية ربما يتوهّم انه اذا عمل على وفق الاحكام الظاهرية فانكشف مخالفتها للواقع يكون الماتى به مجزيا عن الواقع اما على السّببيّة فواضح حيث ان الاحكام الواقعية خرجت عن الفعلية بعد وجود السّبب المخالف الاقوى فلا يكون تلك الاحكام ح احكاما لازمة الاتباع بل لا يسمّى هذا من الاجزاء فى شي‏ء لما قد عرفت من انه لا يصدق مع كون الواقعى منقلبا الى الظاهرى او كونه انشائيا صرفا و شانيا محضا فان قلت هذا صحيح فى الموضوعات حيث ان العمل مع اداء امارة الى وجدان شرطه او شطره يصير حقيقة صحيحا كانه واجد له مع كونه فاقده بخلاف ما اذا قامت على الاحكام كما اذا قام الطريق على وجوب صلاة الجمعة يومها فى زمان الغيبة فانكشف بعد ادائها وجوب صلاة الظهر فى زمانها فلا وجه لاجزائها مط غاية الامر ان تصير صلاة الجمعة فيها ايضا ذات مصلحة لذلك و لا ينافى هذا بقاء صلاة الظهر على ما هى عليه من المصلحة كما لا يخفى قلت قد اشتبه عليك المقصود فان الكلام فى انه اذا قامت‏

24

الامارة على عدم وجوب صلاة الظهر مع كونها فى الواقع واجبة فبناء على السّببيّة يكون قيام الامارة سببا لحصول سبب الاباحة فيكون المصلحة الوجوبية غير مقتضية للوجوب الفعلى لحصول المانع الّذى بسببه ينكسر مصلحة الوجوب فلا وجوب فعلى فى ذلك الحال حتى يجب الاتيان به بعد الانكشاف و امّا الاتيان بالجمعة فلا كلام فيها من حيث الاجزاء و عدمه و الحاصل انّه على القول بالسّببية يكون الوقائع فى هذا الحال هى الواقعيات الفعليات الغالبة على الواقعيات الشّأنية فلا ينبغى التامل فى انه اذا عمل بمدلول الامارات اتى بما هو الواقع عليه من الحكم و التكليف و مخالفة الامارة للواقع كموافقتها له لا اثر لها للاحكام المجعولة فلا تكليف للمكلف الا بالاحكام المتكشفة له فهذا لا مخالفة لها اصلا فيكون مجزية لامرها لا للامر المتعلق بغيرها اذ ليس لنا امر آخر متعلقا بواقع وراء الحكم الأماري فى مورد الامارة لعدمه او تبدله و لا فرق فى ذلك بين كون متعلق الامارات الموضوعات او ذوات الأحكام و امّا على الطريقية فلأنها بعد قيام الطريق و حجّيته من الشارع لا بد للشارع ان يتدارك ما فات من المصلحة او الواقع فيه من المفسدة و الا يقبح عليه جعل الطريق و القاء المكلفين فى خلاف الواقع او نقول لازم جعل الطّريق بل معناه اكتفاء الشارع بما ياتى عن الواقع فيكون الواقع ساقطا لدلالة ادلة لجعل على بدليته عن الواقع كما ربما يكون ذلك فى غير المامور به من دليل خارج و اما الاصول الموضوعية و الحكمية فحالها اظهر من الطرق حيث ان مفادها الحكم الثانوى الثابت فى نفس الموضوعات المشكوكة من غير التفات الى الواقع فيكون دلالة ادلتها على البدلية اظهر بل ربما نقول هنا بالسّببيّة و ان لم نقل بها فى الطرق بل لا مفر من ذلك لوضوح ان مفادها انشاء الحكم فعلا من غير نظر الى الواقع فلا محالة لا يجتمع ذلك مع فعلية الحكم الواقعى فيخرج عن الفعلية الى الشأنيّة فلا اطاعة له فى هذا الحال اصلا فانكشاف الخلاف انكشاف من بقاء حكم غير فعلى فى تلك الحالة و مثله لا اطاعة له كما هو واضح و الجواب عنه يعرف بالتامّل فيما تقدّم‏

تذنيبان‏

الاوّل ربما يكون فى بعض المواضع الامر بالتقديم كالامر بغسل الجمعة فى يوم الخميس لمن لا يتمكن من الماء فى يوم الجمعة او الامر بتقديم صلاة اللّيل فى نصف الاول لبعض الاشخاص او بتقديم الفطرة على هلال العيد ففى الاجزاء هنا و ان تمكّن منه فى وقته كلام الاصل عدم الاجزاء فعليه الاتيان به فى وقته الا ان يدلّ عليه دليل خاصّ الثّانى الامر التخيلى كان قطع بوجوب شي‏ء عليه فاتى به و كان مخالفا للواقع الواجب فلا امر للشارع هنا اصلا و ما اتى به ايضا ليس هو المامور به فى الواقع فلا وجه للاجزاء نعم قد يكون هنا على الاكتفاء به كالقصر و الاتمام و الجهر و الاخفات و هذا مما اكتفى الشارع بغير المامور به عن المامور به و تصوير ذلك فى غير المحل و لعله‏

25

يتكلم فيه فى مبحث البراءة

فصل فى ذكر بعض ما اختلف فى ظهورها مما شاع ذكرها فى كتب الاصول و اختلف كلماتهم فيه و ذلك فى فصول‏

فصل فى المشتقّ‏

اعلم انّ الاسناد و النسبة و الرّبط سواء كانت بين الجمل الخبريّة او الانشائية او الصفة و الموصوف او المضاف و المضاف اليه او الفعل و مفعوله انما هو بيد المتكلم و نظر العقل صحة و غلطا و مجازا و حقيقة من غير ارتباط بالوضع و الموضوع له و الكلمة فان كان ذلك النسبة و الاسناد اسنادا الى ما هو له بنظر العقل يكون حقيقة عند العقل و مع التّاول يكون مجازا و الا غلطا و ذلك مع كون الالفاظ مستعملة فيما لها من المعانى من غير تصرّف فيها من حيث الوضع و اللّغة و يسمونه بالاصطلاح بالمجاز العقلى و لذا لا يسند المجازية و الحقيقيّة الى اللّفظ و اللّغة و ذلك على قسمين قسم ينسب الى غير ما هو له بالذات كما يقال نهاره صائم و جرى الميزاب و بنى الامير المدينة و امثالها و قد يكون بالنسبة الى غير ما هو له بالفعل مثل قولك زيد ضارب بلحاظ انه يثبت له النسبة و يتحقق النسبة بينهما فى زمان الاستقبال بعد مضى زمان او كان له النّسبة قبل ذلك بزمان فعلى اىّ حال لا يكون النّسبة حال الانتساب ثابتا بين المسند و المسند اليه و يكون النسبة الى غير ما هو له فعلا بلحاظ فعليّة له فى الماضى او المستقبل فيكون مجازا عقليا و بالاسناد فى كلا الموضعين كما هو كذلك فى قولك جرى الميزاب و كذلك الحال فى ساير النسبة و الارتباطات من الميزاب الجارى و زيد الضارب من النسبة التوصيفية و مكر الليل و النّهار و انبات الربيع و جرى الانهار و غيرها و لا نحتاج الى القول بانها من الاسناد الخبرى ضمنا او التزاما فجميع النسبة و الارتباطات مما تنقسم بالقسمين بتعميم احد القسمين الى الفعلية و الشأنية و الحال و المال و على اىّ حال يكون التّصرّف فى الاسناد عند العقل من غير تصرّف فى الالفاظ بما لها من المعانى الموضوعة لها فقولك زيد الضّارب يكون اللفظان مستعملين فيما لهما من المعنى مع ثبوت المجاز نعم قد يكون الاسناد الى غير ما هو له من الجهتين معا كقولك الميزاب الجارى للميزاب الّذى كان جاريا فيكون المجاز ان مختلفين من حيث العلاقة و الّذى هو محلّ الكلام فى المشتق هو الاختلاف بحسب الفعلية و الشأنية او الماضوية من ساير الجهات فلا يشتبه عليكم جهة البحث و توضيح المقال ان ارتباط الشي‏ء بالشي‏ء و انتسابه اليه ظاهر فى تحقق النسبة و الارتباط حال الانتساب و الا لم يكن الارتباط حاصلا و يكون كذبا فقولك زيد قائم و زيد القائم ظاهر فى ان الارتباط بين القيام و زيد حاصل فى حال الاستناد فاذا لم يكن كذلك يكون الارتباط و الاسناد فى الكلام الى غير ما هو له فعلا فيكون كذبا او مجازا بالتاويل و ما ذكرنا يجرى فى الارتباط الحاصل بين المضاف و المضاف اليه كقولك هذا غلام‏

26

زيد لمن لا يكون غلاما له فعلا بل كان له فيما مضى او سيكون له لان ظاهر الاسناد ثبوت الارتباط فى حال النسبة و اذا لم يكن غلاما له بالفعل و لا فى الماضى و لا فى المستقبل يكون الارتباط و الاسناد غلطا و اذا كان بالمال او باعتبار ما كان يكون مجازا اذا عرفت ذلك فنقول المشتق اذا اسند الى ما لم يتصف بالمبدإ حال الاسناد لا محالة مستعمل فى معناه الموضوع له كما اذا اسند الى ما هو يتصف بالمبدإ بلا فرق بين الصّورتين فى استعمال اللفظ فى معناه الموضوع له نعم فى الصّورة الثانية يكون الاسناد الى ما هو له فعلا و فى الصّورة الاولى الى غير ما هو له فعلا مع صحّة الاسناد بتاول و علاقة و ذلك لما عرفت من ان المتبادر من الاسناد و الارتباط تحققه فعلا حاله و لا يصح الاسناد بغير ما هو له فعلا الا بعلاقة و سبب يصححه سواء كان فى الماضى او فى المستقبل نعم مع جعل زمان الاسناد و الارتباط ذلك الوقت من الماضى او المستقبل كان الاسناد الى ما هو له فعلا اى فى ذلك و ما ذكروه من النزاع فى المشتق و القول بانه حقيقة فى الحال و مجاز فى الاستقبال اتفاقا و فى الماضى قولان تبديل للحقيقة و تحريف فى المقال مع ظهور ما فيه من الاختلال المحتاج الى زيادة تعسف و تكلف و توضحه على وجه الاجمال فى ضمن امور

الاول [ان المجاز و الحقيقة فى الالفاظ انما يحصل فى استعمال اللفظ فى غير ما وضع له‏]

و معنى المشتق ما كان يتفاوت بالحال او الاستقبال او الماضى فهو على ما هو عليه من المعنى فان قيل بدخول احد الازمنة فى مفهومه لغة حتى يصير حقيقة اذا استعمل فيه و مجازا فيما لم يستعمل فذلك خرق لما اجمعوا عليه من عدم دلالة الاسم على الزمان و عدمهم الدلالة كذلك فى حدّ الفعل و ان لم يكن الزمان داخلا فاى شي‏ء وراءه داخل فى الموضوع له حتى صار سببا لمجازية المشتق فى الماضى و المضارع اذا استعمل فيهما

الثّانى [المشتق بحسب مادته و هيئته مما يكون معناه واضحا بحسب اللغة و المعنى المجازى لا بدّ ان يتصرف اما فى الهيئة او المادة]

و لا تصرف فى شي‏ء من الموارد

الثالث أن الحال بحسب ظاهر اللّفظ و مقابلته مع الماضى و المستقبل انما هو الحال المقابل لهما من الزمان‏

و هذا مختل بظاهره اذ من الواضح ان قولك زيد ضارب امس او فى الغد حقيقة بحسب اللّغة و الحال انه غير مستعمل فى الحال و التوجيه تمحل بعيد و مع دخل خصوصية الحال لزم المجاز غاية الامر ان هنا قرينة على الماضى و المستقبل و وجود القرينة لا يمنع المجاز غاية كما هو ظاهر و ان قلنا بالقاء الخصوصية لزم كونه حقيقة مط غاية الامر انه قبيح من جهة عدم الاتيان بالقرينة و مثله لا ينبغى النزاع فيه و من الغرائب دعوى كون المراد من الحال حال النطق و ان قولك زيد كان قائما او سيكون قائما مجاز و اغرب منه دعوى الاتفاق على مجازية قولنا زيد ضارب غدا

الرابع استلزام ظاهر اللّفظ دخل خصوصيّة الحال او القدر المشترك بين الماضى و الحال‏

و فساده‏

27

غنى عن البيان و صاحب الفصول ره لما نظر الى ان معانى بعض المشتقات ممّا لا تنازع فيه و لا غبار عليه خصّ محلّ الكلام بمثل اسم الفاعل و ما معناه من الصفات المشبّهة و ما يلحق بها و اخرج اسم المفعول و صيغ المبالغة و اسم الزمان و المكان و الافعال بحذافيرها و انت ترى بعد التامّل معنى جميع المشتقات معلوما مما لا اشكال فيه من غير اختصاص و علّامة التفتازانى خص النزاع باسم الفاعل الّذى يكون بمعنى الحدوث دون مثل المؤمن و الكافر و الابيض و الحرّ و العبد و بعضهم خص النزاع بما اذ لم يطرد على المحلّ ضدّ وجودى و قد خص جماعة محلّ النزاع بما اذا كان المشتق محكوما به و اما اذا كان محكوما عليه فهو حقيقة مط فهل رايت احدا يبين حقيقة اللفظ او مجازيته بصيرورته محكوما عليه او به او ساير موارد استعمالاته فى التراكيب و يؤيد ما ذكرنا دعواه الاجماع و الاتفاق من المسلمين على كونه فيما مضى حقيقة اذا كان محكوما عليه و كيف كان اختلافهم فى هذه المسألة اقوالا و ادلة هذا الاختلاف العظيم مع كون معنى المشتق مادة و هيئة مما هو معلوم عند الناس يكشف عن اشتباه الامر و عدم الوصول الى الحقيقة و اللّه العالم و لك ان تقروا الكلام فى ظهور الانتساب فى الفعلية بان اسم الفاعل منشأ انتزاعه المبدا المتحد مع الذات بنحو من انحاء الاتحاد حلولا او وقوعا او انتزاعا او غير ذلك و لا بد فى صدقه تحقق منشإ انتزاعه و مع عدمه كيف يتحقق الامر الانتزاعى مع عدم المنتزع عنه فافهم و على اىّ حال المعنى المجارى على الذات بحيث يكون عنوانا له و وجها انما يتحقق و يكون جاريا و وجها حال تحقق المبدا متحدا مع الذات لا مع عدمه بل حقيقة المشتق هو حقيقة المبدا باعتبار اللابشرطية اذا المبدا ملحوظ بشرط لا بخلاف المشتق فانه ملحوظ لا بشرط و الحاصل ان وجود الامر الانتزاعى فى الخارج بوجود منشإ انتزاعه و لا معنى لوجوده الّا ذلك و التوصيف و الحمل و الاضافة انما هو فى الخارج فلا محالة تكون صحة الانتساب عند تحقيق المبدا فعلا و ليس الا عروضه للذات بنحو من الانحاء فافهم و بتوضيح آخر تحقق القائم خارجا انما هو يتحقق المبدا اعنى القيام و حمله على الذات حقيقته حمل المبدا ملحوظا لا بشرط و على التقديرين موجب لوجود القيام فعلا فى الاطلاق و الحمل فافهم فصل فى ذكر بعض ما اختلف فى ظهورها مما شاع ذكرها فى كتب الاصول و اختلف كلماتهم فيه‏

فصل فى الاوامر

لا يخفى عليك ان الامر بمعناه المصدرى ظاهر كسائر مشتقاته فى الطلب الوجوبى فمفاد قوله امر بكذا او يأمر بكذا اوامر بذلك هو طلبه على وجه الوجوب سواء كان ذلك بلفظ الصّيغة لو بفعل يفيد الوجوب او باشارة كذلك فالطلب بصيغة افعل او بالجملة الخبرية او بغيرهما من اسماء الفعل او الاشارة و أنحائها من مصاديقه و كذا نفس المادة اذا استعمله‏

28

فى الطلب كقوله انا امرك به و لا وجه للتخصيص بخصوص القول كما لا وجه لتخصيصه بنفس الصيغة و يدل على ذلك جميع موارد استعمالاته كقوله‏ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ‏ و قوله لو لا ان أشق على امتى لامرتهم بالسّواك و قوله (صلّى اللّه عليه و آله) بعد قول الراوى أ تأمرني يا رسول اللّه قال لا بل انما اذا شافع و يوافق ذلك التبادر و صحة الاحتجاج على العبد و صحّة مؤاخذته بمخالفة الامر و توبيخه على المخالفة كقوله‏ ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ‏ و الظاهر اعتبار العلو فى صدق الامر فى موارد استعماله كما هو المتبادر و المستفاد منه عرفا و قد يطلق الامر على طلب المستعلى بادعائه العلوّ فيكون من الحقيقة الادعائية حسب ادعائه العلو فاطلاق الامر ح على حسب ادعائه و التوبيخ الراجع اليه بلحاظ ادعائه الّذى لا ينبغى عنه فطلب السّافل من العالى لا يسمى امر او كذا المساوى من المساوى فاحدها سؤال و الآخر الالتماس‏

اصل قد استعمل الصيغة اى صيغة الامر فى معان ليس كلها على سبيل الحقيقة

اجماعا و اعتبارا بل كثير منها يستفاد من الخارج و يكون من قبيل الدواعى للطلب‏

[معانى الصيغة]

و الّذى يمكن القول بكونها حقيقة فيها معان خاصّة

احدها البعث على نحو الحتم و الالتزام‏

و قد عبر بعض عنه بالوجوب و بعض بالايجاب و حيث ان الوجوب بمعنى كون الفعل مما يترتب على تركه الاستحقاق للذم و العقاب معنى خارجا عن مدلول الصيغة بداهة ان استعمال صيغة الامر على نحو واحد فى كلام الشارع و غيره من الموالى و العبيد و ساير النّاس من غير تاويل و مسامحة فلا بد ان يكون الخصوصيّة اى الاستحقاق من جهة خارجة و هى كون القائل ممن يجب اطاعته عقلا او شرعا كما انه لو كان داينا و المطلوب منه عاليا يسمى سؤالا و لو كان مساويا يسمى التماسا و كلّ ذلك لا دخل له فى حقيقة الصّيغة نعم يمكن ان يقال لما كان محط البحث فى الاصول عن الفاظ الكتاب و السّنة وقع التعبير بها بذلك او يقال ان صيغة الامر بحسب اللّغة موضوعة للطّلب من العالى الكذائى المترتب عليه الذم او العقاب فيلزم استعمال الصيغة من المساوى او الدانى مجاز او لم يكن فى اللّغة ما يدلّ على هذا الطّلب على نحو الحقيقة مع ان معظم الاستعمالات كذلك و لم اظن احد يشك بعد ملاحظة الاستعمالات فى كون الصيغة موضوعة لمعنى واحد فى جميع استعمالاته و ليس هو الّا الطلب الحتمى و الالزامى و الخصوصيات الأخر يستفاد من الخصوصيات الخارجة عن مدلول الصّيغة

تنبيه [فى استفادة الطّلب من الصيغة و انشائه بها]

استفادة الطّلب من الصيغة و انشائه بها ليس الّا كاستفادة التمنى و الترجى و الاستفهام و هذه انشاء المعانى بالحروف و انما الاختلاف بينهما بالدّال و هو فى الامر بالهيئة و فى البواقى بالحروف و وضع الهيئة ايض كوضع الحروف فمعنى اضرب اسناد الضّرب الى المخاطب على نحو البعث اليه كما ان قولك ليت زيدا قائم اسناد القيام الى زيد لا بنحو انه موجود فى الخارج بل بنحو انه تمناه و كذا قولك‏

29

ازيد قائم اسناد القيام الى زيد و انشائه بنحو السؤال فالطلب بما له من المعنى من المعانى الاسميّة الغير المنشأ بل المنشأ هو الضرب المسند الى زيد بنحو يبعث اليه و يحركه فقولنا لانشاء الطّلب او لانشاء التمنى او الترجى انما هو بيان لحاصل المعنى كقولك الياء للاستعانة او التبعيض او نحوه و الحاصل أن الهيئة موضوعة لبيان كيفية النسبة الى نسبة الفعل الى الفاعل فبعض الهيئات موضوعة لبيان تحقق النسبة كما فى الماضى و بعضها لبيان انه سيحصل كما فى المضارع و بعضها لبيان صفتيه له كما فى الصفات و بعضها لبيان انشاء النسبة على نحو يبعث المخاطب اليه و يحركه نحوه و يحدث الداعى له كما ان ايقاع النسبة فى التمنى و الترجى و الاستفهام كذلك و الا فمدلول الهيئة ليس اطلب منك الفعل كما هو واضح فالمنشأ هو الضرب المسند اليه بنحو خاص فينتزع منه البعث كما هو كذلك فى التمنى و الترجى و الاستفهام فلذا يتسامح فى البيان فيقال انه لانشاء الوجوب او الايجاب او الطلب فاذا كان المنشا هو الوجوب او الايجاب لكان اللازم اسناد الفعل الى المتكلم مثل قوله اوجبت عليك و فى مثل اضرب ليس فعل يسند الى المتكلم على نحو الايجاد و الانشاء

ثانيها [الاشكال بان استعمال الطلب فى القدر المشترك ممتنع‏]

الطلب و هو القدر المشترك بين الوجوب و الندب و لا يشكل ذلك بما قد يشكل بان الاستعمال فى القدر المشترك ممتنع فى غير العاقل لان الملتفت امّا ان يطلب على نحو الوجوب او الندب لكونه اما راضيا بالترك او لا يكون راضيا به فاستعمالها فى الطّلب فى اوامر الشرع غير معقول لانه يجاب بان الامر كذلك فى واقعية المطلوب و امّا فى الارادة من اللفظ فلا فيمكن استعمال اللّفظ مع تعلق الارادة الاستعمالية بنفس مطلوبية و الخصوصيّات الأخر انما يفهم بالقرائن و الضمائم و قد يشكل ذلك بان الكلّى لا يكاد يوجد بالانشاء فلا بد ان يوجد بالانشاء نفس الخاص و ذلك لان التكوين و الايجاد الخارج مما يمتنع تعلقه بالكلى بحيث يصير الكلّى بوصف كليّتها موجودا و كان قابلا بهذا الوجود للشركة نعم يتصور ذلك فى الاخبار لان الاخبار تابع لما قصده من الاخبار و قد يكون غرضه الاخبار عن القدر المشترك دون ساير الخصوصيات الموجودة لا يقال انه قد ينشأ فى الخارج الجزئى اى يريد الجزئى و لكن المستعمل فيه اللّفظ هو الكلّى و بعبارة اخرى فرق بين الايجاد و استعمال اللفظ فان الموجود بالانشاء هو الجزئى و لكن المستعمل فيه فى مقام الانشاء هو المعنى الكلّى قلت ايجاد المعنى القدر المشترك ليس الّا باللّفظ المستعمل فيه و بعبارة اخرى انما ينشأ المستعمل فيه اللّفظ باللّفظ فالموجود هو المستعمل فيه لا شيئا آخر و ايجاده انما هو باللّفظ بحيث كان اللّفظ كانه موضوعا لهذا المنشى من المعنى و مثل هذا لا يمكن الفرق بينهما و الحاصل أن الانشاء الكلّى و ايجاده باللّفظ بحيث لم ينشأ

30

منه احد الفصلين او الفصول ممتنع عقلا كسائر التكوينيات فلا محالة المنشى ينشئ احد الافراد فلا يجوز استعمال الهيئة فى مطلق الطلب القدر المشترك و ربما يقال فى الجواب بان المنشى انما ينشأ الخاص الّا انّ الدّال عليه من اللّفظ هو الجنس و الخصوصيّة الآخر لم يدلّ عليه باللفظ فيكون ملخص الجواب انه لا اشكال فى ان المنشى انما ينشئ الخاص بلفظ مطلق و يكون الخصوصيّة غير ملفوظ به كما انه قد يستعمل المطلق و يريد منه الخاص من غير ان يدلّ عليه بلفظ يدل عليه بالخصوصيّة مثل قولك جاءنى رجل مع انه معلوم خصوصيّة فى الخارج و فيه تامّل يظهر بالتأمّل و قد يشكل ذلك ايضا بان المعروف عند المتاخرين هو ان وضع الهيئات وضع الحروف فلا بد ان يستعمل الهيئة فى خصوص الجزئيات كما هو مقتضى كون الوضع عاما و الموضوع له الخاص و ح ينافى ذلك كون الهيئة مستعملة فى مطلق الطلب القدر المشترك لوضوح كونه عاما و الجواب عن ذلك ان الهيئة مستعملة فى جزئيات الطّلب بما هو طلب من غير نظر الى الخصوصيّات الأخر من الايجاب و الندب و توضيحه ان الخصوصيات و الجزئيات الخارجيّة قد يكون ملحوظا بلحاظ انه جزئيات الجنس و قد يكون ملحوظا بلحاظ انه جزئيات النوع الخاص و قد يكون ملحوظا بلحاظ انه من جزئيّات الصّنف و الجزئى الخاص جزئى لكلّ منها الا ان الملاحظات مختلفة فالموضوع له للهيئة و المستعمل فيه هو الجزئيات الخارجية من انها جزئيات للطّلب كما ان الاشارة الى خاص بقولك هذا الحيوان مستعمل فى الخاص من الحيوان بلحاظ انه جزئى من جزئياته من غير نظر الى الكليات الأخر المنطبقة عليه و ذلك واضح و الذى يجسم مادة الاشكال فى المقام هو ما تقدم من ان الهيئة ليست موضوعة لانشاء الطّلب بل المنشأ هو الفعل المسند الى المخاطب و لهذا يقال بكونه من الجمل الانشائية كما ان الاخبار كذلك و الهيئة موضوعة لاراءة كيفيّة النسبة بين المنسوب و المنسوب اليه و هى بيان ان النسبة انما هى بلحاظ البعث و المطلوبية من غير ان ذلك على نحو الحتم و الالزام او كونه على نحو الندب و الاشتباه انما نشأ من التعبير كسائر المنشئات بالحروف‏

ايقاظ [القول بالانصراف فى صيغة الطلب لغلبة الاستعمال او غلبة الوجود او اكمليته‏]

و هو انه لو قلنا بان مفاد الصيغة مطلق المطلوبية و اطلاق البعث منصرف الى الحتم و الالزام حيث انه صرف الطلب لا يشوبه امر آخر و هو الاذن فى الترك لست اقول بالانصراف لغلبة الاستعمال فى الحتم حتى يمنع و لا لغلبة الوجود و لا لاكملية الوجوب كما ربما يظهر من بعض المحققين بل لان الامر لما كان بصدد البيان و اطلق البعث المستفاد من الهيئة كان مقتضى مقدمات الحكمة هو الحمل على الوجوب فان الندب كانه محتاج الى مئونة بيان زائد بخلاف الوجوب فانه‏

31

لا تحديد فيه للطلب و عدم التقييد مع كون المطلق فى مقام البيان كاف فى بيانه كما سيأتي ذلك فى انصرافه الى العينى و التعيينى و النفسى كما ستطلع عليه انش و على هذا

لا فائدة مهمة فى اثبات كون الصيغة حقيقة فى الوجوب او القدر المشترك و اعلم‏

انه قد عد من معانى الصيغة الارشاد و قد جعله بعض قسما للندب و قيل فيه غير ذلك و الحق انه ليس معنى آخر مبائنا للطلب او الوجوب بمعنى الحتم و الالزام و الاختلاف انما يكون من قبل الدواعى و الاعراض لا من باب الحقيقة و حقيقة معناه ان الامر لاحظ فى مقام امره شخصه و سيادته و علوه و استعلائه و ان المخاطب مامور بامره فهذا امر مولوى له اطاعة و معصية يترتب على موافقته استحقاق الثواب و الاحسان من نفس الامر و بعد ذلك شكرا و برا بالنسبة اليه و على مخالفته استحقاق العقاب منه و بعد ذلك منه اهانة و كان ذلك كفور النعمة و الحاصل أن شخصية الامر و سيادته ملحوظة فى المقام و قد لا يلاحظ ذلك فى الامر بل يلغى الامر خصوصية نفسه و غرضه صرف إراءة مصالح الامور و مفاسدها و ارشاده و هدايته اليها بحيث لو اتى به لا يعد فعله اطاعة و امتثالا و لا يستحق بذلك ثوابا منه و مخالفته لا يعد استخفافا بالشخص بل لا يمكن فى هذا المقام قصد الاطاعة و الامتثال لالقاء المتكلم شخصه نعم يترتب عليه المصالح و المفاسد فى نفس الفعل و يستحق التحسين و التقبيح العقليين فى الاتيان و عدمه فاختلف الاوامر الارشادية و المولوية فى ان الارشادية لا اطاعة و لا امتثال للامر بما هو امر و لا ثواب و لا عقاب و لا مخالة منشأ الامر هو المصالح و المفاسد الراجعة بشخص المامور و هو صرف حكم العقل غاية الامر احرازه كان بنظر الامر فكان الامر فى ذلك مجسمة العقل يرى حسن العمل و قبحه و قد يقال فى الفرق بينهما بوجوه غير صحيحة مثل أن المصلحة فى المولوى راجع الى الامر دون الارشادى فانها راجعة الى المأمور و مثل ان المصلحة فى الارشادى ما كانت ظاهرة دون المولوى و مثل ان يقال ان المصلحة الباعثة على الامر موجودة فى الارشادى قبل الامر بخلاف الغير الارشادى و مثل ان يقال الارشادية اختار صرف بصورة الانشاء و مثل ان يقال الارشاد لمصلحة دنيوية و الندب لمصلحة اخروية فان قلت لا يستتبع هنا حكم الشرع قلت له تفصيل سيجي‏ء فى المسألة الملازمة فتلخص ان الاوامر الارشادية كالمولوية فى كون مفادها الطلب المنشا لزوما او استحبابا و ليست اخبارا صرفا خاليا عن الانشاء و قسيما للوجوب و الندب او للندب فقط و يجعل قسما للوجوب و لا انها انشادات مغايرة للطلب كالتمنى و الترجى و الاستفهام و انجائها و على اى حال من قال يكون الامر حقيقة فى الطلب يشمل الطّلب الارشادى‏

32

ايضا و من قيل بالوجوب يشمل الوجوبى منه و منها الندب و المعروف كونها فى الحتم و قيل انها حقيقة فى الطلب لعله الاقرب و قد عرفت ان الاطلاق منه منصرف الى الوجوب و لا يحمل على الندب الا مع القرينة إلّا انه على القول بكونها للوجوب قد يقال فى المعالم بان الاستعمال فى الندب فى الاحاديث المروية قد صار فى الكثرة يرجح على الحقيقة و صار من المجازات الراجحة المساوى احتمالها للحقيقة فيشكل لذلك الحمل على الوجوب بمجرد الاستعمال و يجرى هذا الكلام على القول بانصراف الطلب الى الوجوب ضرورة منع الانصراف مع وجود مثل هذه القرينة العامة المانعة عن الحمل على الحقيقة و الجواب‏

عن هذا الاشكال منع هذه الكثرة و كثرة الاستعمال مع القرينة لا يفيد و بلوغ الاستعمال كذلك فى مجموع الاحاديث غير مانع عن حمل الامر الوارد فى كلام كل واحد منهم على الوجوب‏

اصل [فى مفاد استعمال الجمل الخبريّة فى مقام الطلب و البعث‏]

اذا استعملت الجمل الخبريّة فى مقام الطلب و البعث فان كانت مستعملة فيما هى ظاهرة فيه من الاعلام بوقوع النسبة فى ظرفها و الحكاية عنها و لكنه كان ذلك بفرض البحث الى الاتيان بالفعل و صار اللفظ المستعمل فى الاخبار عبرة لذلك المعنى كما هو الحال فى الكنايات فيمكن القول ح بافادتها للوجوب لما بينه و بين الاخبار بالوقوع ملازمة تامة تصحّ ان يكون المستعمل فيه اللفظ مع الدّاعى الخاص عبرة و كناية لذلك المعنى بل يكون فهم الوجوب هنا اكد لما فى اللفظ من الاخبار بوجود الشي‏ء فيكون كالكنايات فى ابلغيتها من التصريح كما فى ابلغية قولك كثير الرماد عن قولك جواد و لكنه مشكل لان استعمال الجملة الخبرية لا يمكن إلا بداعي افادة النسبة او ما هو من لوازمها العادية او العقلية او العرفية حتى يكون من ذكر الملزوم و ارادة اللازم او من ذكر اللازم و إرادة الملزوم و يصير الآكدية بلحاظ اقامة الدليل و ذكر ما يكون علّة له فى مقام الاثبات الا ان البعث و الطلب لا يكون من لوازم حكاية النسبة و الاعلام عنها فلا يمكن جعل الطّلب داعيا للاعلام و الحكاية و ان كانت استعملت بداعى الانشاء و البعث بحيث كان اللّفظ مستعملا فيه مجازا كما يقول به الجماعة او انه ايض حقيقة ببيان ان الاخبار و الانشاء لا يكون اللّفظ مستعملا فيهما بل الاختلاف بينهما انما نشأت من قبل الاستعمال و كيفيته فاللفظ قابل لان يقصد منه الطلب الوجوبى او الندبى او الطلب القدر المشترك فارادة كل منهما لا بد من القرينة المعنية و مع العدم يؤخذ بالقدر المتيقّن و يجرى اصالة البراءة عن كلتا الخصوصيتين الا فى مورد العلم الاجمالى نعم يمكن القول بان المفهوم منه فى مقام الطّلب هو القدر المشترك المنصرف الى الوجوب لدى الاطلاق كما عرفت فى الامر

33

اما الدلالة على خصوص الوجوب كما يقول به الجماعة

اصل [الاوامر الواردة فى كلام الشارع محموله على المولويّة]

الاوامر الواردة فى كلام الشارع فى مقام بيان حال ما يتعلق بافعال المكلفين و لو من حيث موضوعاتها و كذلك الجمل الخبرية المستعملة فى كلامهم كقولهم ماء البئر واسع لا ينجسه شي‏ء محموله على المولويّة و بيان الاحكام التى هى وظيفة له بما هو هو دون الاخبار عن الواقعيات مما ليس بيانها وظيفة للشارع بما هو هو و لا الانشائيات الارشادية الا فيما كان ظاهرا فيها بالقرائن او كان ممتنعا حملها مع المولوية كاوامر اطيعوا اللّه و امثالها

اصل فى ان ظاهر على مقتضى التعبدية او التوصلية و تتميم البحث هنا ببيان امور

الاوّل [تحقق الامر التعبدى‏]

ربما يقال ان الامر التعبدى هو الذى لا يتحقق الاتيان بالواجب الا مع قصد الاطاعة و التقرّب فلو أتى بالواجب بلا هذا القصد لما اتى بشي‏ء و يجب عليه الاتيان ثانيا و هذا كما ترى مخالف لما عليه العدلية من ان الاوامر و النواهى دائرتان مدار المصالح و المفاسد فى ذات الافعال و لو بعناوينها او وجوهها و اعتباراتها لانه عليه يلزم ان يكون ذوات الافعال بما لها من الخصوصيات مشتملة على المصلحة الملزمة و من الواضح انها اذا صارت كذلك فاتى بها فقد اتى بجميع المصالح اللازمة و ان لم يقصد الامتثال فلا محالة يكون مسقطا للواجب و ان كان قصد القربة داخلا فى المامور به جزء او قيدا فيقع فى المحذور الاشد و هو محالية ذلك فكيف التوفيق قلنا ربما يقال ان المصالح و المفاسد لما كانت مختلفة بحسب الوجوه و الاعتبارات على ما ستحققه فى محلّه و من الواضح ان التعبديات لم يكن وجهها التى بواسطتها صار الفعل حسنا معلوما لنا يجب الاتيان بها بنحو كان سببا للاتيان بها بذلك الوجه المحسن لها و ليس الا قصد التقرب فيقصد لتحصيل هذا الوجه فيكون الفرق بين التعبدى و التوصلى ان التوصلى معلوم فيه لنا وجه الفعل فاوتى به فيكفى فى سقوط الواجب و لو لم يقصد التقرب و الامتثال بخلاف التعبّدى فان وجه الفعل فيه غير معلوم فيقصد القربة ليكون الفعل الماتى به على ذلك الوجه و الا لما كان بينهما فرق فى غير ذلك و المراد قصد الاجمالى المنطبق على العنوان المجهول سواء كان قصد الامر او قصد كونه حسنا او بغير ذلك و ربما يقال بان الفعل المامور به فى التعبديات مشتمل على المصلحة الملزمة و لكن هنا غرض آخر متعلق بنفس الامر فبذلك يفرق بين التوصلى و التعبدى اذ الغرض من الاول منحصر فى المامور به بخلاف التّعبدى فانه فى الامر و فى المامور به و من الممكن ان يكون المصلحة الملزمة للشي‏ء انما يكون فى مورد حصول الغرض الآخر و وجوده و إلّا فلا اثر لها اصلا فاذا اتى بالمامور به بداعى الامتثال بحيث حصل الغرض الحاصل فى التكليف و البعث يكون المصلحة الملزمة فى المامور به حاصلا و موجودا بخلاف ما اذا لم يحصل الغرض من الامر فى الخارج‏

34

فلا وجود ح للمصلحة الخاصّة فى المامور به فعلى هذا فلا منافات بين قولهم الاحكام دائرة مدار و المصالح و المفاسد فى الافعال و بين ان يكون هناك غرض آخر يوجد تلك المصالح عند وجوده فلا يكون قصد الامتثال جزء للمامور به و لا قيدا له و لا يجوز ادخاله فيه و لو كان الامر متمكنا من ادخاله‏

الثانى [المعتبر فى استحقاق الثواب على الواجبات‏]

جميع الواجبات بلا فرق بين التعبديات و التوصليات يعتبر فى استحقاقها الثواب اتيانها على نحو التقرب و الامتثال فلا يتمثل الواجب التوصلى الا مع قصد التقرب كما هو الحال فى الواجب التّعبدى نعم لو اتى بذات المامور به من غير قصد التقرب سقط الامر فى الواجب التوصلى بسقوط ما هو ملاك التكليف بلا امتثال بخلاف الواجب التّعبّدى و فى الحقيقة هذا التقسيم بلحاظ اطاعة الواجب و الاتيان به لا لنفس الواجب لو قلنا بخروج قصد القربة و الا فبلحاظ ذات المامور به‏

الثالث قد ذكر لامتناع قصد الامتثال فى متعلق الامر وجوها

لا باس بالاشارة اليها

احدها ان الامر لا محالة يتعلّق بالمقدور

و الشي‏ء بداعى امتثال امره فى مورد عدم الامر غير مقدور فكيف يأمر

ثانيها ان اللازم اتيان ما تعلّق به الامر بداعى امره‏

و لو كان داعى الامر جزء المامور به او قيده خرج ذات الفعل عن تعلّق الامر به لان المشروط مقيدا غير ذات المشروط بما هو هو و الجزء منضما الى ساير الاجزاء يؤتى بداعى الامر دونه منفردا و لا معنى لاتيان المركب عن قصد الامتثال بداعى الامتثال‏

ثالثها الدور لتوقف الامر على الموضوع‏

و الموضوع و هو الشي‏ء بداعى الامر يتوقف على الامر و ليس المراد بالامر الّذى هو جزء الموضوع كلى الامر بل الامر الخاص المتعلق به اذ لا معنى لاخذ الامر بشي‏ء آخر و امتثاله فى الموضوع الآخر الغير المتعلّق به و ذلك واضح‏

رابعها انه يلزم من وجوده عدمه‏

لان دخله فى متعلق الامر مستلزم لخروجه و انت خبير بان المحال عدم امكان دخل امتثال الامر الخاص الجزئى فى متعلقه و هو فرد من افراد قصد التقرب و من محالية فرد خاص من افراد الكلى مع امكان بعض افراده الآخر لا يستلزم عدم امكان اخذ الكلى فكلى قصد التقرب يمكن اعتباره فى متعلّق الامر و ذلك لا يستلزم اخذ خصوصية لفرد الآخر و تعينه بخصوصيّة حتى يقال بانه غير لازم بتعينه اجماعا بل الماخوذ الكلى و خصوصية الفرد خارجة و بعد اخذ الكلى يتمكن من بعض الافراد الآخر بالذى هو محصل للكلى باعتبار حصوله فى ضمنه و ان كان الافراد بخصوصيتها بعضها ممتنع الاخذ و بعضها لا دخل له اجماعا فافهم و اغتنم و ربما يقال فى تصحيح دخول قصد الترتب فى المامور به شرطا او شطرا كما هو ظاهر الفقهاء (رضوان اللّه عليهم) و ان كانوا مختلفين فى القيدية و الجزئيّة كما عن شيخنا

35

المرتضى ره من تصوير امرين احدهما يتعلق بذات الفعل و الثانى يتعلق باتيان ذاك بداعي امره و ما ذكره ره ان كان مراده ادخال قصد القربة فى المامور به بالامر الاول بسبب الامر الثانى فباطل اذ الفرض ان متعلّقه مجرّد عن ذلك و لا يكون قابلا للتقييد و ان اراد دخوله فى الامر الثانى فغير صحيح من جهة ان الامر الّذى يكون داعيا الى ذات العمل هو الامر الاوّل لا الثانى كما يظهر لك ذلك بالتّامّل فى دليل الامتناع و ان كان قصد بذلك حصر طريق الامتثال فى ذلك فيكون خروجا عن المطلب و خلفا فى مقام الاستدلال الرابع بعد ما امر الشارع بشي‏ء خاصّ طريق اتيان المامور به و ما به يحصل الامتثال بيد العقل نعم للشّارع ان يتصرف بالتعميم بحيث لو لم يكن نصه لم يكتف به العقل او بالتخصيص بحيث لو لم يكن اكتفى بغيره العقل فى مقام الامتثال مثلا اذا امر الشارع بالصّلاة المعلومة لم يكتف العقل باتيانها مع الشّكّ فى ايجاد بعض اجزائها و ان كان الشك بعد الفراغ او بعد المحل الا انّ الشّارع اكتفى بالامتثال بذلك الفرد و هكذا و كذلك للشارع ان يقول الصّلاة لا يكون صلاة الّا مع الاتيان بداعى الامر و امتثاله موقوف بالاخلاص كما قال تعالى على الكلّيّة وَ ما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ‏ مخلصين له الدّين اذ لم يكن احد يستحيل هذا التّصرّف من الشارع فله التّصرّف فى مرحلة الامتثال بان يقول لا اكتفى بما امرت به الا مع الاخلاص و القربة و يتعين هذا فى مقام الامتثال عند العقل و ان كان مع عدمه يحكم العقل بسقوط المامور به مع الاتيان به بغير قصد التقرب و الاخلاص و ح اذا امر الشارع بشي‏ء و شك انه هل يلزم قصد التقرب فى مقام الامتثال أو لا فالمرجع هو العقل و عدم الاشتراط لعدم البيان و يكون العقاب به عقابا بلا بيان‏

الخامس بعد تسليم عدم امكان دخل الامتثال فى متعلّق الامر ان لزوم قصد الامتثال على قسمين‏

احدهما ان يكون متعلّق الامر ناقصا عن قيامه بما هو الغرض‏

بان يكون محصل الغرض و ما يقوم به الغرض ذات الفعل الخاص المفيد و لكن هذا الجزء او القيد الذى له دخل فى المحصل و المقوم لم يمكن ان يدخل فى متعلّق الطلب و الامر فلا محالة امر بالمقدار الممكن و قد يعلم ذلك من الخارج و قد يعلم عدمه و قد يشك فى ذلك ففى صورة العلم اذا اتى بمتعلق الامر دون تلك الخصوصيّة بان اتى بغير قصد القربة فلا ينبغى الاشكال فى ان الاتيان به لا يسقط شخص ذلك الامر لان المطلوب و المامور به بعد ذلك العلم يصير اخص بحسب اللّب و واقع المقصود و ان كان غير ذلك فى مقام الارادة و التكليف و الانشاء و الافهام فالعقل بعد ذلك يحكم بعدم سقوطه لان المرئى عنده غير ما يرى بالمرات لا يقال لما علم بعلم دخل شي‏ء فى المامور به و عدم تعلق التكليف و الامر

36

بغير مدلول الهيئة مثلا لا محالة بعد الاتيان به يسقط ذلك الشخص من التكليف و الا لكان موجبا لتحصيل الحاصل و ان كان يحصل بعد ذلك مثله من جهة بقاء علية و هو الغرض و الا لما كان موجبا لحدوثه لانا نقول عدم دخل شي‏ء فى متعلّق التكليف لا يوجب سقوط متعلقه باتيانه من حيث ان واقعة بحسب اللب المقصود يكون منضما الى غيره و هو غير ماتى به فى الخارج و هذا مع عدم مضرّية ذلك فيما هو المقصود الذى سيق لاجله البحث اذا علمت ذلك فى مورد العلم نقول انّه اذا شك فى ان المقصود فى مقام اللّب و الارادة اللّبيّة اقل او اكثر فمقتضى القاعدة اجراء البراءة عن الاكثر لا يقال فى هذه الصّورة يشكّ فى امتثال الواجب المعلوم ببيان ان متعلّق لطلب انما يمتثل باتيانه و شي‏ء آخر و هو قصد امره و لا تمثيل باتيانه و شي‏ء آخر و هو قصد امره و لا تمتثل باتيانه بنفسه لانا نقول عدم امتثاله انما يكون بعدم غيره من الجزء و الشرط كما ان ذلك كان فى الاقل و الاكثر فما هو جوابه نهاك جوابه فيما نحن فيه و من اجرى الاحتياط هناك من هذه الجهة لا بد من ان يقول به هنا فان قلت ان موضوع المصلحة و لو كان كذلك بحسب الواقع إلّا انه لا يكاد يكون متعلقا للارادة و الطلب فموضوع الارادة و الطلب يعلم دخل شي‏ء فيه بل لا يعقل الدخل و الواقع بما هو لا ربط له بمقام التكليف نعم امتثال هذا الامر انما يكون باتيانه بداعى امره فعند الشّك يكون الشك فى امتثال المامور به المعلوم فيعاقب على المعلوم و لذا افاد شيخنا فى الكفاية بانه لا مجال هاهنا الا لاصالة الاشتغال و لو قيل باصالة البراءة فيما اذا دار الامر بين الاقل و الاكثر و الارتباطيين و ذلك لان الشك هاهنا فى الخروج عن عهدة التكليف المعلوم مع استقلال العقل بلزوم الخروج عنها فلان يكون العقاب مع الشّك و عدم احراز الخروج عقابا بلا بيان و المؤاخذة عليه بلا برهان ضرورة انه بالعلم بالتكليف يصحّ المؤاخذة على المخالفة و عدم الخروج عن العهدة قلت ان عنى بما ذكر ان الامر مقتض لاتيان متعلقه كذلك ففيه انه ممنوع اذ ليس مقتضاه الا اتيان نفس متعلّقه لبداهة ان الامر لا يكاد يبعث إلّا الى متعلّقه و هو يسقط قهرا باتيانه و الا يلزم تحصيل الحاصل او الخلف و ان عنى ان اسقاط الغرض من الامر واجب عقلا و لم يعلم اسقاط الغرض من الامر الا بداعى امتثاله فنقول ان اريد ان الامر بشخصه لا يسقط عند العقل الا بعد اسقاط غرضه فقيه انه غير معقول لما تقدم من ان الشخص لا يقتضى الا اتيان نفس متعلّقه و ان اريد انه باق بسنخه لان علّة الحدوث علة البقاء فنقول عند الشك يكون شكا فى الحدوث و الاصل عدمه و لا مجال للاستصحاب لانه من قبيل القسم الثالث ثم انه لو فرضنا عدم سقوط الشخص ايض نمنع وجوب اسقاط الغرض من الامر بل المعلوم بحكم العقل هو الخروج من العقاب لان العقاب و لما كان ذلك اى اسقاط الغرض هنا امر لا بدّ له من البيان للشارع فعند عدم البيان يحكم العقل بالخروج عن العقاب على مورده بعد

37

الاتيان بنفسه عقاب بلا بيان و مؤاخذة بلا برهان‏

ثانيهما ان يكون ذلك محصّلا لما هو الغرض منه‏

و لكن هنا مصلحة اخرى فى كيفية الاتيان و ذلك ايض على قسمين بحسب التصور احدهما ان يكون الغرضان باجتماعهما مطلوبا و مقصودا و ان كان لا مدخلية للآخر فيما يترتب على هذا بوجه و ذلك لما يرى وجدانا ان بعض الاغراض انما يفيد فى فرض وجود الفرض الآخر مع ان ما يترتب عليه و يحصل منه فى الحالين امر واحد و ان كان لغوا ما لم يحصل تلك الصّورة فتلك الصّورة مخرجة للغوية الفرض منه و ذلك ان كان يعلم ثبوته كذلك فان اتى به لا بقصد الامتثال لا بد ان يسقط الامر الشخصى لانه لا يقتضى الا ذلك المقدار و هو تحصيل للحاصل و لكنه بحسب السنخ باق لان المفيد من ذلك الفرض الذى كان علّة للامر و هو اجتماعه مع الفرض الحاصل من الآخر الذى هو باق فلا بد ان يكون سنخ الامر باقيا فيجب ان ياتى به ثانيا مع محصل ذلك الفرض مع احتمال ان لا يسقط الامر الشخصى ايض على ما عرفت فى الصّورة السابقة و لعل ذلك ايض مرجعه الى ما سبق كما لا يخفى ففى صورة الشك لا بدّ له من القول بالبراءة لانّ الشّك لما يرجع الى انه هل كان سنخ الامر باقيا ببقاء الفرض ام لا بعد تحقق سقوط الامر الشخصى فمقتضى القاعدة فى مثله البراءة و على الاحتمال الآخر كان المرجع الشّك فى الاقل و الاكثر على ما سبق و ثانيهما ما كان كذلك و لكنه لم بلغ ذلك فلا بد له من الامتثال و مع الاتيان يسقط الامر به للتالى و كذلك الامر الآخر لانه يسقط بالعصيان لسقوط موضوعه اذا عرفت ذلك فنقول اختلفت كلماتهم فى ان الاصل اللفظى فى الاوامر هو التعبدية او التّوصّليّة فذهب بعض على ما فى التقريرات الى الاوّل و بعض آخر الى الثانى و هو للمختار لنا ان متعلق الطّلب مطلق غير مقيد بقصد القربة فباصالة الاطلاق يدفع كل ما شك فى جزئيته او شرطيته فان قلت الاطلاق انما هو فى مورد امكان التقييد و ما لا يمكن التقييد لا يمكن الاطلاق قلت نعم و لكنه فى المقام يصح التقييد بمطلق القربة لكونها محصلها امورا متعدّدة يصح التقييد بلحاظ بعضها و ان كان لا يصحّ بلحاظ بعض آخر فيقيد بالكلى المنتزع منها على ما عرفت ثمّ نقول ان تعلّق البعث الى المطلوب الّذى هو مفاد المادة انما هو بلحاظ ايجاده ففى الحقيقة متعلّق البعث هو الايجاد و الايجاد المتعلّق بالطلب مطلق غير مقيد بنحو خاص من كونه بداعى الامر و عدمه و قد عرفت قابلية تقييد الايجاد و الامتثال ببعض القيود الغير المعتبرة عند العقل و قد عرفت ذلك ايض فى المقدّمات و الحاصل انه هنا يمكن التمسك بالاطلاق الذاتى كما يتمسك به للحكم على الجاهل و العالم مع امتناع التقييد و يمكن التّمسك بالاطلاق اللحاظى و الاطلاق فى طريق الامتثال ثمّ انّ مقتضى‏

38

الاصل العملى ايض هو البراءة لكون الزائد ممّا يجب على الشارع بيانه اما جزء و قيدا للمادة او قيدا للامتثال و مع عدمه يستقل العقل بالبراءة من العقاب على ما سيجي‏ء فى مسئلة الاقل و الاكثر و قد تقدم توضيح ذلك فى المقدمات ثمّ انه كما ان اطلاق الصّيغة يفيد التوصّلية كذلك اطلاقها يفيد النفسية و التعينية و العينيّة لان كلّا منها مقيد بخصوصية زائدة يحتاج الى بيانها فى مقام البيان فاذا كان الحاكم فى ذلك المقام و لو بنصيب قرينة على الخصوصية و اطلق فيقتضى الحكمة كونه واجبا سواء وجب هناك شي‏ء آخر أو لا و سواء اتى بشي‏ء آخر أو لا و سواء اتى به مكلف آخر او لا

اصل [الشك فى الامتثال عند الاطلاق بناء على القول بالطبيعة]

بناء على للقول بالطبيعة اذا كان هناك اطلاق و كان الحاكم فى مقام البيان فلا يكاد يشك فى الامتثال اذا اتى بفرد من افراد الطبيعة و يكتفى به بالمرة لوضوح أنه أوجد الطبيعة فلا محالة يتحقق الامتثال انما الكلام فى الامتثال بالازيد و الذى ينبغى ان يقال انه اذا اتى بالمامور به فى ضمن الافراد دفعة واحدة كما اذا امتثل الامر بالعتق يعتق عبيده بان قال انتم احرار لوجه الله و هكذا فلا ينبغى الاشكال فى تحقق الامتثال بوجه احسن اذ القول بعدم الامتثال مما لا ينبغى الاصغاء به و لا يكون الامتثال بالمجموع من حيث المجموع بحيث لو ظهر فساد احدها كان كان احد العبيد مما لا يجوز عتقه كان يكشف ذلك عن عدم الامتثال لفساد احد الاجراء فيدور الامر بين الامتثال بكل واحد واحد او الامتثال بواحد معين او غير معين و الواحد المعين لا ينبغى القول به لاتحاد كلّ واحد منها فى الملاك بحيث لا يزيد احدهما على الآخر فى ملاك الامتثال و الواحد الغير المعين بالوصف غير موجود و مصداق الواحد مع القاء الباقى لا وجه له فلا بد ان يكون الامتثال بكلّ واحد واحد و يكون الامتثالات متعددة لامر واحد و لا ضير فيه لوجود الامر و كون ما اتى به هو المامور به بتمامه و كما له و لا مانع من وقوع الامتثالات المتعددة لامر واحد و قال شيخنا فى الكفاية و ايجادها فى ضمن الافراد نحو من الامتثال كايجادها فى ضمن الواحد و هذا كلام اجمالى و ان كان مراده انه امتثال واحد قائم بالمجموع من حيث المجموع او بواحد معين او غير معين ففيه ما تقدم و ان كان مراده ما ذكرنا من الامتثالات المتعددة كما انه قد ينحل الامر الواحد او النهى الواحد بالطبيعة الى اوامر و نواهى متعددة فهو تمام و ان كان الاتيان بها دفعات تدريجية فلا اشكال فى تحقق الامتثال بالدفعة الاولى لكونها منطبقة على المامور طبق النعل بالنعل فيكون ممتثلا و هل تمثيل فى الثانية و الثالثة و هكذا فقد يقال لا لسقوط الامر بالامتثال الاول و مع سقوطه كيف يمتثل فلا معنى للامتثال عقيب الامتثال و يمكن ان يقال نعم و لعلّه لا يخلو من وجه و توضيحه ان الطبيعة لما كانت مطلوبة لكون الغرض تعلقه‏

39

بها من غير اعتبار دخل شي‏ء فيها من المرة و التكرار كانت لا محالة متعلقة للطلب و متصفة بالمحبوبية لما فيها من الملاك و الامر الوجوبى لا يزيد على الطلب شيئا الا مبغوضية الترك و الترك يحصل مخالفته بمجرد الايجاد و لا يحصل له مجال بعد ذلك و اما الطبيعة فمحبوبيتها ثابتة على كل حال فايجادها دفعة اخرى ايجاد لما هو المحبوب فلا محالة تكون ممتثلا للامر لان مفاده هو محبوبية الطبيعة من غير دخل شي‏ء آخر فيها لان خروجها عن المحبوبيّة ليس الّا لدخل شي‏ء فيها من خصوصيات الوجود و هو منفى بالفرض و الخصوصية الثابتة للوجوب اعنى مبغوضية الترك لما كانت للطبيعة بما هى هى لا مجال له بعد الوجود بايجاد الدفعة الاولى و الامتثال المفروض انما هو لمجرد محبوبيته و يدلك على ذلك الامر المستحبّ المتعلّق بالطبيعة الممتثل فى الدفعات كما فى قوله الصلاة خير موضوع فمن شاء استقل و من شاء استكثر و الانحلال بالاوامر المتعدّدة لبا لا ينافى لما ذكرنا و انما ينافى لو كان للخصوصيات دخل فى المطلوبية و من الواضح عدم الفرق بين الحب و البغض فى ذلك و لا اشكال فى ذلك فى طرف النهى قطعا غاية الفرق ان مبغوضية الوجود متحصل فى كل الافراد بخلاف الامر فان مبغوضية الترك يرتفع بوجوده الاول و لا موضوع له فى الافراد الأخر فظهر مما ذكرنا ان الامر المتعلق بالطبيعة المعراة من خصوصيات الوجود يمتثل بعد امتثاله و ان الامتثال لا يسقط الامر و الا يلزم عدم محبوبية الطبيعة الا من خصوصية الوجود الخاص فيكون الامر و الطلب موجودا بعد الامتثال نعم مبغوضية الترك و صحة العقوبة عليه لا مجال له بعد الوجود قال شيخنا فى الكفاية ان مع الاتيان بها مرة لا محالة يحصل الامتثال و يسقط به الامر فيما اذا كان الامتثال علّة تامة لحصول الغرض الاقصى بحيث يحصل بمجرده فلا يبقى معه مجال لاتيانه ثانيا بداعى امتثال آخر او بداعى ان يكون الاتيانان امتثالا واحدا لما عرفت من حصول الموافقة باتيانها و سقوط الغرض معها و سقوط الامر بسقوطه فلا يبقى مجال لامتثاله اصلا و اما اذا لم يكن الامتثال علة تامة لحصول الغرض كما اذا امر بالماء ليشرب او يتوضأ فاتى به و لم يشرب او لم يتوضأ فعلا فلا يبعد صحّة تبديل الامتثال باتيان فرد آخر احسن منه بل مطلقا كما كان له ذلك قبله و لا يخفى عليك ان الغرض المترتب على فعل المكلف فيما مثل به هو تمكن الامر و المولى من غرضه و هو حاصل لا محالة و يسقط الامر بحصوله غاية الامر انه يحصل امر آخر من ناحية المولى من جهة بقاء غرضه و الاتيان المتاخر انما هو امتثال للامر الحادث لا للامر الاول فهو لا يبقى بعد الاتيان بالامر الاول لحصول الغرض المترتب عليه كما هو واضح و لذلك تتمة فى البحث عن الاجزاء

اصل لا ينبغى التامل فى ثبوت الواجب التخييرى فى الشريعة

كالخصال الثلاث فى‏

40

الكفارات و قد وقع الكلام فى تصوير المقام و اطنبوا فى النقض و الابرام و تحقيق المقال ان يقال انه لا شبهة فى ان قوله اطعم ستين مسكينا او صم ستين يوما او اعتق رقبة بناء على افادة الصيغة الوجوب وجوب الاطعام و وجوب الصوم و وجوب العتق لكونها مدخولا للهيئة الدالة على الوجوب فيكون كل منها بحسب مدلول الكلام واجبا و لا ينبغى الشبهة ايض فى ان مفاد كلمة او هنا لا محالة التخيير و هو انما يكون بالنسبة الى المخاطب و المكلف بالفتح فهو مخبر لا انه لتخيير المكلّف و الامر لعدم الاشكال فى ان الحكم الصادر انما صدر بالنسبة الى الجميع و لا معنى لتخييره فى نفس الحكم و لا ابهامه و لا ترديده و التخيير الحاصل للمكلّف انما هو فى مرحلة الاطاعة فيكون الامر اوجب الجميع و جوّز للمكلّف ترك كل منها بفعل الآخر و تجويز ترك كل منها بفعل الآخر ينافى فعلية جميعها اذ الواجب فى تلك المرتبة لا يكاد يجتمع مع الترك و امّا الايجاب فى مرحلة الانشاء و عدم وصوله الى المرتبة الفعلية يجتمع مع الاذن فى الترك و الاذن فى الترك انّما يكون بالنسبة الى واحد منها دون الكلّ فيكون الخارج عن الفعلية هو المقدار الملة دون فيها و هو و راى الواحد و لما كان ذلك باختياره يكون الفعلى هو المختار و الفعلية لا يمتنع من ايكالها الى اختيار المكلف فما ياتى به هو الواجب الفعلى و امّا الباقى فواجب انشاء و لا فعليّة لها فعند ترك الجميع يعاقب على احدها لا الجميع حيث انه لا فعليّة الا لاحدها من جهة اذن المولى فى الترك المنافى فى ذلك الفعليّة فتلخص ان كلا من العدلين واجب انشاء و الفعلى منهما الّذى يستحق العقاب بتركه هو احدهما المفوض الى المكلف و اختياره بلحاظ الاذن فى الترك الثابت منه من قبل المولى فيكون النّتيجة بالنسبة الى المكلف عدم التزامه بفعل الجميع لعدم فعليّته و لا يجوز له الاخلال بالجميع لفعلية احدها و ما يختاره هو الفعلى لتفويض الاختيار اليه و لا يكون الواجب مشروطا بعدم الاتيان ليكون متعددا عند ترك الجميع فيعاقب و لا يكون كل واحد فعليا حتى يجب عليه الجميع و يعاقب على الجميع و لا واجبا فعليا بنحو من الوجوب لانه و ان لم يستلزم اطاعة الجميع الّا انه يستلزم العقاب على الجميع عند ترك الجميع‏

فصل في تقسيم الدلالة ببعض الاعتبارات‏

فاعلم انّ الدّلالة لا محالة قوامها بطرفين الدال و هو اللفظ او ما هو بمنزلته و المدلول و هو المعنى فانقسام الدّلالة تارة باعتبار نفس معناها بما هو هو و تارة باعتبار الدال و اخرى باعتبار المدلول بلحاظ ثبوت العنوان و كونهما معا طرف الرّبط فتنقسم بلحاظ الثانى الى المنطوق و المفهوم و ذلك و ان كان بلحاظ المعنى إلّا انه ليس بما هو معنى كالكلّيّة و الجزئية بل بما مدلول للفظ معروضا لوصف المدلولية فلذا قد يتردد فى انهما وصفان للدلالة او المعنى و ترى فى كلمات القوم فى مقام الترجيح بحسب الدّلالة ترجيح المنطوق على المفهوم و يصحّ‏

41

على هذا التفسير توصيف المعنى بلحاظ كونه محلّا للدلالة و توصيف الدّلالة بلحاظ دخل حيثيتها للمعنى و بذلك يجمع بين الطائفتين و يرتفع الخلاف من البين لان بهما مدخليّة فى التّقسيم و لما كانت الدلالة من الدلالات اللّفظية و قد فرغنا من حجيتها يكون مرجع النزاع الى الصغرى و هو ثبوت المفهوم و عدمه لا انه بعد وجود المفهوم عرفا و لغة و ثبوت الدلالة كذلك انه حجة او ليس بحجة ثمّ اعلم انه ليس المراد ان القضيتين كليتهما مدلولى الالفاظ فيكون دلالتها على كلّ منهما بالتّضمّن لوضوح ان الملفوظ هو تمام المعنى للالفاظ بل المراد ان فى القضيّة الملفوظة خصوصيّة تدلّ عليها اللّفظ بحيث يتبعها قضية اخرى و بهذا جاز لنا ان نقول المفهوم مما يستفيده العقل من اللّفظ فيعد من الدلالة العقلية و يصحّ ان يستند الى الوضع بلحاظ ان الخصوصيّة من الوضع فيتمسك بالتبادر و نقل اهل اللّغة و توضيح المقام ان موارد المفهوم كالجملة الشرطيّة و الوصف و الاستثناء و نحو ذلك يدلّ اللّفظ بحسب مدلوله اللغوى على العلية التامة المنحصرة او خصوصية اخرى غير ذلك يفهم منها الانتفاء فالجملة الثانية انما يفهم من جهة تلك الخصوصية الّتى دل عليها الكلام و الجملة المفهومة ليست من اللوازم بل هى معنى هذه الخصوصيّة و كذلك ليست جزء من تلك الخصوصية مثلا العلة المنحصرة معناها الانتفاء عند الانتفاء لا انها مركبة او الثانية لازمة للاول حتى يكون معنى التزاميا و من هنا يعلم امور

الاول ان المعنى من توابع المستعمل فيه اللّفظ سواء كان من المعانى الحقيقية او المجازية و هو مفهوم من المستعمل فيه لا انه من اللّوازم و لا انه من الاجزاء حتى يكون اللّفظ الّذى استعمل فى المعنى دالا عليه بنحو التضمن او الالتزام بل هو هو المستعمل فيه و يكون مفهوما منه و ان شئت قلت انه جزء المستعمل فيه بالتحليل و لذا يسمى مفهوما فالمفهوم مستعمل فيه اللفظ بلحاظ ان اللّفظ مستعمل فى تلك الخصوصية و غير مستعمل فيه اللّفظ بلحاظ انه يفهم من المستعمل فيه المتخصص بتلك الخصوصية فدلالة اللفظ عليها تابعة لدلالة اللفظ على المستعمل فيه ان حقيقة فحقيقة و ان مجازا فمجاز فالمفهوم من توابع المستعمل فيه و لو يكون معنى مجازيا و لك ان تقول ان المستعمل فيه اللفظ دلالة اللفظ على نفس المستعمل فيه مطابقة و على جزئه التضمن و على لازمه الالتزام سواء كان ذلك المعنى المستعمل فيه هو الموضوع فتكون الدلالة متصفا بالحقيقة او غير الموضوع له فتكون الدلالة بجميع اقسامها متصفة بالمجاز فالمعروض للمفهوميّة و المنطوقية هو المعنى المستعمل فيه اللفظ و المستعمل فيه لا يكون الا متصفا بالمطابقة لانّ المدلول الالزامى و التضمنى لم يستعمل فيه اللفظ و انما هو مدلول بالتبع لا بالاستقلال‏

42

فلم يكن يتصف التضمن و الالتزام بالمفهوم و لا بالمنطوق بالمعنى الذى نتكلم فيه لانهما وصفان لما استعمل فيه اللّفظ فيكون عارضا للدلالة و ليس معروضا لها ففى الحقيقة منشؤهما الدلالة فلا يكاد يكون مقسما للدلالة فلا معنى ح لعد الدّلالة المطابقة من المنطوق و كذا التضمن و الالتزام و انّما يتصف المدلول المطابقى بالمفهوم و المنطوق و ان لم يكن دلالته صفة بالحقيقة و امّا المدلول التضمنى و الالتزامى حيث انهما تبعان للدلالة من غير ان يستعمل فيهما اللّفظ لا يكاد يكون موصوفا بالمنطوقية و المفهوميّة فلا يعلم القول بان الدلالة المطابقة من المنطوق الصّريح و التضمّنية من المنطوق الغير الصّحيح و الالتزامية من المفهوم كما هو واضح للمتامّل اذا عرفت ذلك عرفت انّ المنطوق و المفهوم من المدلول المتصف بالمطابقة لا ان المطابقة من اقسام المنطوق او ان التضمن من اقسام المنطوق و الالتزام من اقسام المفهوم كما هو مختلف فيه فى كلماتهم الثالث أنه مما ذكرنا تعرف انه جاز لنا ان نقول المفهوم مما يستفيده العقل من اللفظ فيعد من الدلالة العقلية و يصحّ ان يستند الى الوضع بلحاظ الخصوصيّة الحاصلة من الوضع فيتمسّك بالتبادر و نقل اهل اللّغة و يصحّ ان يتصف بالمجازية و الحقيقية لو لم يرد تلك الخصوصيّة او يراد فالمفهوم هو حكم غير مذكور يفهم من الخصوصيّة الدّالة عليها اللّفظ

اصل ظاهر الجملة الشرطية فى الاحكام جعل الحكم مرتبطا بالشرط

بمعنى ان شرط ثبوت الحكم وجود الشرط و مفاده انتفاء الحكم عند انتفاء الشرط و هذا هو المتبادر منها عند العرف و صرح به علماء العربيّة فاذا قال الشارع ان جاءك زيد فاكرمه يكون المتبادر منه ان وجوب الاكرام انما هو ثابت عند المجي‏ء و لو انتفى انتفى الوجوب و ليعلم ان الشرطيّة و السّببيّة و العليّة انما هى المستفادة من أداة الشرط فهى موضوعة للارتباط الخاص الذى هو من سنخ العلية بين الشرط و الجزاء سواء كان ذلك يكشفه عن الواقع او بجعله لو قلنا بالجعل و امّا الشرط فلما لم يذكر له عدل فيكون المستفاد من اطلاقه و عدم ذكر عدل له انحصار الامر فيه و من حيث عدم ذكر خصوصية و امر زائد يرتبط به يدلّ على انّه تمام الشّرط فعدم شرط آخر و انه منحصر فيه و عدم جزء و قيد له تدلّ على انحصار الشرطيّة و تماميته فى الشّرط فالجملة الشّرطيّة بكمالها مفادها الانتفاء عند الانتفاء و خصوصيّة الارتباط الخاص المقيد للانتفاء عند الانتفاء يستفاد بضميمة عدم ذكر العدل و خصوصيّة اخرى فلو ثبت من دليل آخر اعتبار خصوصيّة زائدة قيدا او جزء فاللّازم التقييد و كذلك لو ثبت له عدل يقوم مقامه لا بد من تقييده و لو ثبت من الخارج عدم علاقة لزومية بينهما و لو عند القائل او مجعولة بجعله لا بدّ من المجاز فى الادوات فيختلف انحاء التصرّف تقييدا

43

و مجازا فاذا قال المولى لعبده ان جاءك زيد فاكرم عمروا ثمّ علم انه يريد اكرام عمرو و لو لم يجي‏ء زيد فلا شك ان ان استعمل بها مجازا و انه لم يستعمل فى معناه الحقيقى للتبادر و تبادر الغير نعم لو علم من الخارج شرط آخر لاكرامه عند انتفاء هذا الشرط لم يكن الكلام مجاز او حاله حال ساير التقييدات كما لو علم مدخلية شي‏ء آخر مع المجي‏ء قيدا او جزء و انكار ما ذكرنا من دلالة ادوات الشرط انكار لما هو ضرورى عند المحاورات و انكار ان اطلاق الشرط و عدم ذكر عدل له او شي‏ء آخر يكون له مدخلية فى شرطية الشّرط يدلّ على عدمهما انكار للوجدان و لا عبرة به بعد مراجعته و مما ذكرنا عرفت ما فى كلام بعضهم انها لو تدل على الانتفاء عند الانتفاء لكان استعمالها فى غيره مجاز او نحن نرى صحّة الاستعمال بلا عناية و رعاية علاقة لان ذلك منه لو كان فى اصل التوقف و العلاقة كما هو مفاد الادوات منعنا عدم احتياج صحة الاستعمال الى عناية و رعاية علاقة لبداهة استفادة الارتباط و لزوميّة العلاقة من الادوات و ان كان ذلك بلحاظ الانحصار و الانتفاء عند الانتفاء كما هو مفاد الاطلاق من وجهين قلنا ذلك لا ينافى الظهور من جهة الاطلاق و قرينة الحكمة لانّ الظّهور كذلك لا ينافى الحقيقة و عدم العناية فى مقام الاستعمال فى غيره و ليعلم ان لنا فى مقام النظير ان نقول صيغة الامر اعنى هيئة افعل تدل على الايجاب و اللزوم بالنسبة الى متعلقها اعنى المادة فكما ان المادة لو كانت و لم يذكر له بدل يكون اطلاقها كذلك على التعيين لو كان هنا واجب آخر بدلا عنه لكان اللازم ذكره كذلك نقول أداة الشرط هنا بمنزلة الهيئة تدل على شرطية مدخولها للحكم فلو كان هنا شي‏ء آخر كان له هذه الخصوصيّة يعنى يوجد الحكم عند حصوله لكان اللازم ذكره لانه بدل عن هذا الشرط فى الشرطيّة و ترتب الحكم عليه و اذا لم يذكر يعلم انه لا عدل له فان قلت ثبوت الشّرطيّة هنا لشي‏ء آخر يكون بمنزلة الواجبين المستقلتين لان ثبوت الشرطية لشي‏ء آخر لا ربط له بشرطية هذا فهذا شرط و ذلك شرط آخر لا يتفاوت حال الشرطية فى ذلك كما ان قولك اكرم يدل على وجوب الاكرام سواء كان هنا وجوب لشي‏ء آخر أو لا فكما ان الاطلاق فى اكرم لا يدلّ اطلاقه على نفى واجب آخر غير مرتبط به كذلك الشرطية فى هذا لا يدل اطلاقه على عدم شرطيّة شي‏ء آخر غير مرتبط به و ذلك بخلاف الوجوب التخييرى فانه عدل لذلك الواجب و معه يختلف حال وجوبه تخييرا و تعيينا و الحاصل أن المقايسة لو كانت انما يكون بالنسبة الى وجوب شي‏ء آخر غير مرتبط به لا الى نحو الوجوب التخييرى و ببيان آخر الوجوب له انحاء اطلاق المادة يثبت نحوا منها و التقييد و العدل يثبت نحوا آخر بخلاف الشّرطيّة

44

فانها لا انحاء فيها فان ثبت لشي‏ء آخر فهو ايض شرط كذلك من غير اختلاف فى ناحية الشرطية فى ذلك قلت نعم مفاد الاداة شرطية الشرط للحكم و ترتبه عليه نحو ترتب المشروط على الشرط فالحكم المذكور جزاء للشرط المذكور لو كان مترتبا على شرط آخر لكان ذلك الزاما بالحكم عند وجود احد الامرين و يكون المستفاد من الجملة الشرطية ثبوت الحكم عند وجود الشرط خاصّة و بعبارة اخرى المعلق عليه و هو الحكم بحسب مفاد الاداة مرتبطة بهذا الشرط و لو كان ذلك الحكم مرتبطا بشي‏ء آخر كتعلقه بذلك الشي‏ء لكان اللازم ذكره كما انّ الالزام الخاص المتعلق بمادة خاصة لو كان متعلقا بمادة اخرى فكان اللازم ذكرها و البدليّة و التخيير انما نشاء من وحدة الالزام متعلقا بشي‏ء خاص او شيئين فتقول هنا ان الارتباط الخاصّ الثابت بالارادة بين هذا الحكم الخاص و شرطه لو كان ثابتا بين هذا الحكم الخاص و شرط آخر لكان اللازم ذكره لانه ح يترتب على احد الامرين كما فى الوجوب و اللزوم و الا فاللزوم ليس الا الالزام الشديد و ليس له نحو آخر و لذا لا يكون الهيئة مجازا فى التخيير و لو كان هنا اختلاف فى النحو لكان ذلك مجازا و المقايسة بواجب آخر انّما يصح بالنسبة الى غير الجزاء الخاص و الحاصل ان هنا الزام خاص متعلّق بامرين فى صيغة الامر و هنا جزاء خاص و حكم خاص مرتبط بامرين و مفاده شرطية احدهما كما ان مفاده وجوب احدهما فى ذلك و ان كان مفاد الشرطية لا يكون متعددا بمثل هذا لا يكون مفاد اللّزوم متعددا ايضا بمثل هذا فان قلت الفرق ان هنا لزوم واحد متعلق باحد الامرين على سبيل التخيير بخلاف المقام فان الشّرطيّة متحققة فيهما فكل منهما شرط مستقلا قلت اللزوم ايضا قائم بكلا المتعلقين فكلّ منهما متصف بالوجوب لا ان هنا وجوب معلق معروضه مبهم مردد غاية الامر تمثيل ذلك الحكم باحدهما لا بكليهما أو لا يحتاج بهما و هنا ايض بعد ثبوت الشرطين يترتب حكم واحد لا ان لكلّ واحد منهما حكما مغايرا لحكم آخر فكلّ منهما فى حال الوحدة مثبت لحكم خاص و فى حال الاجتماع ايض مثبت لذلك الحكم من غير زيادة و لو كان المقايسة مع وجوب آخر لكان اللازم عند الاجتماع تعدد الحكمين كما فى الواجبين و سيأتي لذلك توضيح انش فى مسئلة تعدد الاسباب مع وحدة الجزاء تنبيه اعلم انه فيما كان الجزاء حكما كان الظاهر ترتبه وجودا و توقف وجوده على الشرط و اما لو لم يكن الجزاء كذلك كقولك ان طلعت الشمس كان النهار موجودا كان المستفاد من ادوات الشرط الملازمة عن علاقة بين الامرين و ترتب الثانى على الاوّل فى مقام الاثبات سواء كان الشرط علّة للجزاء او الجزاء علّة للشرط او كانا معلولين لعلّة ثالثة اذ المتبادر

45

مما ذكر هو العلّية فى مقام الاثبات لا الثبوت بخلاف الاحكام فان ظاهرها الترتب فى مقام الثبوت و الوجه ان الحكم انما هو ينجعل بهذا الانشاء لا بانشاء مغاير و من ذلك يعلم ان الجملة الشرطية فى مقام الاثبات لا يستلزم الانتفاء عند الانتفاء لامكان ان يكون للشي‏ء طريقان الى الاثبات بخلاف مقام الثبوت لامتناع وجودا لشي‏ء من غير وجود ما يتوقف عليه بضميمة الاطلاق المتقدّم نعم لو علم فى الاول كون الشرط معلولا للثانى او كونهما معلولين لعلة ثالثة يلزم من انتفاء الاوّل انتفاء الثانى لامتناع انتفاء المعلول مع وجود علّته فيلزم انتفاء الثانى و يكون هذا مستندا الى غير العبارة بخلاف ما لو استندنا من العبارة العلية و اتممنا الانحصار و التمامية من جهة الاطلاق فيلزم الانتفاء عند الانتفاء و كان مستندا الى اللّفظ و ظاهره‏

و ينبغى التنبيه على امور

الاوّل [المنشأ من الوجوب الحاصل فى الخارج المتشخص بالخصوصيّات‏]

لا ينبغى التامل فى ان المنشأ من الوجوب الحاصل فى الخارج المتشخص بالخصوصيّات الّتى منها التعليق و غيره من الخصوصيات المكتنفة الموجودة بالهيئة المدلول عليه بها ليس هو المعلق على الشرط بداهة ان الشرط من الخصوصيّات العارضة له و هو مع ذلك كيف يكون معلقا عليه و اذا انتفى الشرط بل خصوصيّة من خصوصيات الموضوع لا محالة ينتفى الحكم الخاص و لا يعقل بقائه مع انتفاء موضوعه الخاص و لو فرض بقاء لوجوب لكان هذا فردا آخر من الوجوب مغايرا للفرد المعدوم و مثل هذا لا يعبد من المفهوم بل المعلق عليه الذى هو ينتفى بانتفاء الشرط طبيعة الوجوب الذى لا يكاد ينتفى الا بانتفاء جميع افراد الطبيعة فمفهوم قولك ان جاءك زيد فاكرم عمروا الذى ينتفى بانتفاء الشّرط هو حقيقة الوجوب المغاير للاحكام الاربعة فان قلنا ان هذا هو المنشأ بالصيغة كما لو كان كذلك فى الجملة الخبرية فلا اشكال و ان قلنا بان المنشأ بالصيغة هو الجزئى و هو المستعمل فيه كان اللازم التفكيك بين المستعمل فيه الهيئة و المعلق لان بوجود الجزئى الخاص لا محالة يتحقق الطبيعة و التعليق انما هو بلحاظها بداهة انتفاء فائدة التعليق و العلية المنحصرة ح لان الانتفاء الشخص ضرورى عند انتفاء جزء من اجزاء الموضوع و لو لم يكن تعليقا فيكون مقتضى التعليق و العلية المنحصرة هو افادة تعليق الطّبيعة بما هى هى و لو كانت موجودة بالخصوصيّة

الثّانى [الانتفاء لانتفاء الموضوع ليس من المفهوم‏]

قد علم ممّا ذكرنا ان موضوع الكلام انما هو انتفاء الحكم لاجل انتفاء العلّة المنحصرة و امّا اذا كان الانتفاء لانتفاء الموضوع فليس ذلك من المفهوم اصلا فما كان من الجملة الشرطية مسوقة

46

لبيان الموضوع بحيث مع الانتفاء لا موضوع للحكم فلا مفهوم لهذه الجملة كقوله ان رزقت ولدا فاختنه و قوله اذا ركب الامير فخذ ركابه و كذلك لو كان انتفاء الحكم لاجل الشرط كقوله ان قدرت على كذا فافعل كذا لان انتفاء الحكم ح لاجل عدم القابلية للجعل لانتفاء القدرة مثلا و هكذا

الثالث [إذا ورد فى الشريعة تعدد للشرط]

بعد ما عرفت ان المفهوم انما يستفاد من ادوات الشرط بضميمة الاطلاق و الاطلاق انما يكون من وجهين احدهما عدم ذكر العدل و انحصار الشرط و الثانى عدم ذكر ما له مدخليّة فى الشرط جزء او قيدا فاذا ورد فى الشريعة تعدد الشرط مثل ما اذا خفى الاذان فقصر و اذا خفى الجدران فقصر فالجزاء الواحد اعنى الحكم بوجوب القصر مترتب على خفاء الاذان و خفاء الجدران فلا بدّ من التّصرّف و رفع اليد عن الاطلاق و ذلك بالتقييد اما على الوجه الاوّل فيكون لوجوب القصر شرطان على سبيل البدلية و يكون المعنى اذا خفى الجدران او خفى الاذان فقصر او التقييد على الوجه الثانى بان يكون المجموع او احدهما مقيدا بوجود الآخر شرطا للقصر فيترتب وجوب القصر على كليهما و على كلا التقديرين يكون المفهوم للمقيّد فعلى الاوّل يكون الاطلاق من الوجه الثانى معتبر او يدلّ على عدم مدخليّة شي‏ء آخر فى الشرط و على الثانى يدلّ الاطلاق على عدم العدل و البدل للشرط و لا وجه لالقاء المفهوم من كليهما حتى ينتفى حجّيّة الاطلاق من الوجهين فى الوجهين لان المعارض المنفصل و ان كان يوجب تقييد المطلق الّا انه لا يرفع ظهور الكلام الحاصل له من جهة عدم القرينة المتصلة به كما لا يخفى و امّا ما يقال‏

من تخصيص مفهوم كل منهما بمنطوق الآخر فغير صحيح لان المفهوم لما كان تابعا للمنطوق فلا يكاد يناله يد التصرف الا بالتصرف بالمنطوق ثم على تقدير التخصيص بما يرجع الى الاكتفاء باحدهما يكون الاطلاق من جهة عدم مدخلية شي‏ء آخر فى الشرط معتبر او ثابتا و كذلك لا وجه لا لقاء خصوصيّة الشرط و ارجاعه الى القدر المشترك الموجب للتجوز و خروج الكلام عن ظاهره بعد امكان التّصرّف على الوجه المتعارف خصوصا مع عدم معلومية شرطيّة كل منهما بالاستقلال لما عرفت من احتمال الوجهين فعد ذلك من محتملات التصرف فى الجملتين فى عداد ساير التصرّفات فاسد نعم بعد التصرّف بجعل كل منهما شرطا مستقلا يجوز ان يقال او يجب ان الشّرط هو القدر المشترك بناء على القاعدة الحكمية الّتى لسنا من القاطعين بها لو لم نقطع بعدمهما و أمّا ترجيح الوجهين من التقييد فالاولى عندى التقييد بالوجه الثانى لان فيه ترتب الجزاء على وجودهما دائما كما هو ظاهر المنطوق فى الوجود عند الوجود بخلاف‏

47

التقييد على الوجه الاوّل اعنى البدلية فانه موجب لالقاء هذا المعنى اعنى الوجود عند الوجود فى بعض التقادير مثل وجود الشرط الآخر قبله و بعبارة اخرى ظاهر المنطوق و هو الوجود عند الوجود محفوظ فى التقييد على نحو الدخل و ليس بمحفوظ على التقييد على الوجه البدليّة و لا وجه لرفع اليد عن هذا المعنى المستفاد من المنطوق فافهم هكذا ينبغى ان يقرر المقام‏

الرّابع اذا تعدد الشرط و اتّحد الجزاء و ثبت من الخارج ان كل شرط سبب مستقل‏

ففيه اقوال سيأتي تفصيلها و لتوضيح الكلام نقول قد يعلم من الخارج واقعا او شرعا ان الجزاء متحدد لا تعدد فيه اصلا لا بحسب الوجود و لا بحسب الحقيقة كقصر الصّلاة حيث يعلم انه لا يجب علينا الا صلاة توجد باوّل ما يوجد و ح اذا تعددت الشرائط و كانت مختلفة بحسب الوجود لا محالة يقع فيها التعارض بحسب المفهوم و هذا بهذا اللحاظ يكون محلّ البحث فى الاصل السّابق و قد يكون البحث لا من هذه الحيثية بل بلحاظ العلّية و السّببيّة المستفادة من الشرط حيث ان السّبب يقتضى حدوث المسبّب عند حصوله فاذا كان متعلّق الحكم فى الجزاء حقيقة واحدة بحسب الظّاهر يعنى الظاهر الصّادر من المتكلّم فهذا محلّ البحث فى هذا الاصل فنقول ح لا اشكال فى انه اذا اتّحد الجزاء شخصا بحيث لا تعدّد له فى الخارج اصلا كقتل زيد مثلا و تعدّد الشرط لا يكاد القول بتعدّد الجزاء لامتناعه فلا محالة يتداخل الاسباب هنا و كذلك لا ينبغى الاشكال فيما اذا ثبت ذلك شرعا كما فى الوضوء فانه ثبت انه حقيقة واحدة يرفع به الحدث فكلّ ما هو من اسباب الحدث اذا وجد لا يتعدّد الوضوء بتعدّدها بحسب الوجود لارتفاع الحدث بنفس ايجاد الحقيقة فلا يبقى بعد ما يرتفع بالوجود المتاخّر و لا يبعد ان يكون الحال فى الخبث كذلك لان الظاهر ينجس بملاقات النجس و النجاسات الأخر المتلاقية له لا يكاد يؤثر لتحقق النجاسة و الخباثة الا فى بعضها من حيث الرافع و هذا من تداخل الاسباب لان المسبّب هنا ليس الأشياء واحدا بخلاف الاسباب فانها متعدّدة متداخلة فى الاثر بل يمكن القول بان السّبب فى الحقيقة هو الحدث الحاصل بتلك الاسباب و كذلك لا اشكال فيما اذا كان الجزاء متعدّدا بحسب الحقيقة متباينة فلا بد ح من تحقق كلّ جزاء عند تحقق شرطه و هنا صورة اخرى و هى ما اذا كان الجزاء متعددة و لكنها متصادقة فى بعض المصاديق كما اذا قال اذا جاءك فلان اضف عالما و اذا جاءك فلان اكرم هاشميا و هما يصدقان فى اضافة العالم الهاشمى عند تحقق شرطهما فيكون من باب تداخل الامتثالين فى موضوع واحد و يمكن ان يقال هذا لا مانع منه على‏

48

القول بالامتناع اذا اللازم على هذا صحة انتزاع الوجوبين عن المصداق لتصادق الموضوعين عليه لا اجتماع الوجوبين بحدودهما و قد يكون الجزاء متعدّدا بحسب الحقيقة و متحدة صورة كما فى الاغسال الواجبة و المستحبة حيث انها حقايق متباينة مع ان الصّورة الواقعة منها فى الخارج صورة واحدة فح نقول تعدد الشّرط موجب لتعدد الجزاء اى يترتب كلّ من الجزاء بحسب حقيقته على شرطه فيجب عليه ايجاد كلّ حقيقة و ان كان متعددا بحسب الصّورة وجودا و هنا كلام فى انها يتداخل فى مقام الامتثال بمعنى ان ياتى بغسل واحد بقصد حصول جميع المسببات و هذا لازم ثبوته شرعا اذ مقتضى الكلام و الجملة الشرطية تعدد ايجادها فى الخارج و هو ثابت فى الاغسال يقينا و يمكن الاستفادة من الادلة الواردة هناك التعميم فى كلّ مورد و انما البحث المقصود هنا فى صورة اخرى و هى ما اذا كان الجزاء واحدا و الشرط متعدّد او لكنه كلّى ممكن ايجاده فى الخارج بدفعات متعدّدة و وجودات مختلفة مثل الوضوء مثلا حيث انه ممكن ايجاده فى الخارج متعدّد او يحتمل جعلها حقايق متعددة متحدة بحسب الصّورة و ح يمكن الاخذ بظاهر الشرط و التصرّف فى الجزاء بالوجودات فان الجزاء فى الحقيقة ليس هو الوجود بل نفس الحقيقة الواحدة و جعل الجزاء وجوداتها المتعددة خلاف الظاهر او يتصرف فيه بجعل الوجوبات المتعدّدة الحاصلة فى محلّ واحد وجوبا واحدا مؤكدا بان لا يبقى الوجوبات بحدودها ثابتة كما لو وقعا على موضوع واحدا و يجعل الجزاء حقايق متعددة و يمكن ابقاء الجزاء على ظاهره و التصرف فى الشروط بان يجعل فى مقام الاجتماع مجموعها بمنزلة سبب واحد و يجعل التاثير للموجود اولا و الّذى يمكن ان يقال ان استفادة استقلال كلّ من الشروط فى المقام انما هو من باب الاطلاق الملحق بدلالة الالفاظ و امّا الجزاء فجعله حقايق مختلفة كالاغسال خلاف الفرض او محتاج الى دليل مفقود فى المقام و اما ارادة الوجودات من الحقيقة الواحدة فلا مانع لها من اللّفظ اذ استفادة كلية الوجود الحاصل باول الوجودات بلحاظ حكم العقل فى مقام الامتثال الّذى يتم مع عدم ما يدل على التعدّد و بعبارة اخرى انما يحكم به العقل فى مقام عدم البيان من غير استناد الى الشرع و اللّفظ بل بلحاظ الامتثال و الصدق فيعدم ح حكمه بكفاية اوّل الوجود مع تعدد الشروط المقتضية لتعدد الجزاء و لا يمكن العكس لما ذكرنا من الابتناء و الحاصل ان المتعيّن فى المقام القول بتعدد الجزاء وجودا اذ ذلك لا ينافى وحدته بحسب الحقيقة الدّالة عليها

49

اللّفظ و جعلها حقايق مختلفة خلاف الظاهر و جعل الوجوبات متاكدة انما هى فى مقام لا اقتضاء للشرط التعدد كما فى اضرب زيدا ثم قال اضرب زيدا لان ذلك الكلام المكرر غير مقتض بحسب ذاته التعدد اللهم الّا انّ يقال ان اجتماع الامثال انما يمتنع بقاؤها بحدودها المتمايزة بينها و هى ذاهبة فى مقام الاجتماع و اصل الحقيقة باقية مثلا الضوء اذا حصل بسبب خاص ثم حصل سبب آخر للضوء فالضوء ان اعنى ما هو المعلول لكل منهما باق و موجود و ان كان ليس معلوما بحدوده و لكن حقيقته باقية لا ان المعلول الثانى مؤكدة للمعلول الاوّل بمعنى انه يحصل من اثنين امر مؤكد كما ان ذلك مشاهد فى المن من اللّبن اذا صب على اللبن الآخر فان بياض كل منهما باق من غير تعيين و كذا الحال فى اللازم من كلّ منهما من الضوء و النور او غيره فالمعلولان باقيان بحقيقتهما و ذهاب الحدّ انما هو من لوازم الاجتماع و ح يجوز القول باجتماع الطلبات المتعددة من الوجوبين و الاستحبابين بحسب حقيقتها من غير حد و تمثيل الجميع بامتثال واحد و ليس هذا خلافا لظاهر الدّليل و لا مانع عنه فيكون التداخل فى مقتضى القاعدة فتدبر جيدا

الخامس [المفهوم هو انتفاء المعلول عند انتفاء علته‏]

لما كان المفهوم من توابع اللّفظ و مفهوما منه و كان اللّازم فى القضية الشرطية على ما عرفت و العلية المنحصرة بين الشرط و الجزاء كان المفهوم هو انتفاء المعلول عند انتفاء علته فمعنى انتفاء الشرط ما هو العلّة بجميع ما له دخل فى العلية فيلزمه انتفاء الجزاء المعلول بتمام قيوده الّتى لها دخل فى المعلولية فمفهوم قولك ان جاء زيد فاكرمه فى يوم الجمعة انتفاء وجوب اكرام يوم الجمعة و لا ينافى وجوب اكرامه يوم السّبت لدليل و ما ذكرنا ظاهر لا سترة فيه و الغرض ان المنفى فى الشرط هو مدلوله بحسب ما له من المعنى الموضوع له و فى الجزاء هو مدلوله بحسب المعنى الموضوع له لا بما هو يتمثل به و يطاع مثلا لو قال ان افطرت فاعتق رقبة المفهوم اذا لم يتحقق الافطار لا يجب عتق رقبة لا ان المفهوم لا يجب عتق اى رقبة كان بحيث لا ينافى وجوب عتق رقبة مخصوصة بتخيل ان معنى عتق رقبة اى رقبة كان فعمل بايجاد الطبيعة فى ضمن اى فرد من الافراد فيكون اللازم نفى هذا المعنى اى ينتفى وجوب عتق اى رقبة كان و نفيه كذلك لا ينافى وجوب عتق رقبة معينة و ذلك من جهة ان المعنى يمتثل بذلك لا انه مدلول اللفظ بل المدلول وجوب عتق طبيعة الرقبة و المنفى هو هذا و ان كان مدلول المنفى و المثبت يختلفان فى مقام الامتثال كمدلول الامر و النهى و هكذا مفاد قولك ان جاءك زيد اكرمه نفى طبيعة وجوب اكرامه فى المفهوم و ان كان مصداق اكرمه فى المنطوق هو الوجوب التعيينى و فى المفهوم اعم من التعيينى و التخييرى لان المثبت هو طبيعة الوجوب‏

50

و المنفى هو تلك الطّبيعة ايض و ان كان وجودها فى المثبت بنوع خاص و فى المنفى بجميع انواعها و اما اذا كان الواقع فى الجزاء ما يدلّ على العموم وضعا مثل قوله اذا كان كذا فاكرم العلماء او كلّ عالم او اذا كان الماء قدر كر لا ينجسه شي‏ء بناء على ان النكرة فى سياق النفى يفيد العموم بحسب وضع اللّغة فان علم من الخارج ان المراد بالعموم هو العموم المجموعى لا الافرادى فلا ينبغى الاشكال فى انّ المنفى هو وجوب اكرام المجموع اذ المجموع بمنزلة شي‏ء واحد فلا ينافى اثبات الوجوب لبعض منهم خاصة اذ هو مغاير للمجموع قطعا و اما اذا كان العموم افراديا فلا يخلو من اشكال حيث انه يمكن ان يقال ان الفاظ العموم ملحوظ هنا بما له من المعنى بحسب اللغة غاية الامر ان امتثاله بامتثال جميع الافراد بمعنى ان كل فرد فرد مورد للحكم فيكون المنفى هو هذا العام و نفى العام يحصل بالسّلب الجزئى فلا ينافيه اثبات سنخه فى البعض الآخر و يمكن ان يقال ان معناه ليس الا آلة لتسوية الحكم الى الافراد و لم يلاحظ إلا مرآة لذلك فلا تفاوت بين ذكر الافراد بتفاصيلها او ذكرها بنحو الاجمال و بعبارة اخرى معنى اكرم كل عالم اكرم هذا و هذا و هذا و الفرق هو الاجمال و التفصيل و الحكم ثابت للتفاصيل ابتداء من غير فرق الا من حيث الاجمال و التفصيل بتوضيح آخر للمقامين المعلول للشرط هو الوجوب للافراد او للشمول و العموم و ذلك بعد امكان مجي‏ء الحكم بعنوانين بلحاظين و لعلّه يمكن التفصيل بين الجمع المعرف و النكرة الواقعة فى سياق النفى و كلمة كل ففى قولك اذا جاءك زيد فاكرم العلماء يكون المفهوم السّلب الكلّى و كذا فى قولك اذا جاءك زيد فلا تكرم عالما بناء على افادة العموم فيكون المفهوم ايض السّلب الكلّى بخلاف كلمة كل و اشباهها و ذلك بلحاظ ان الحكم فى الاول سار الى جميع الافراد بلا لحاظ معنى عام بخلاف الثانى و لذا صرح ائمة التفسير و علماء المعانى بان كلمة كلّ اذا كانت فى غير النفى افادت نفى الشمول لا نفى اصل الفعل و لعمرى هذا التفصيل فى كمال المتانة و ان لم أر متعرضا له فيما اطلعت و لعلّ التفصيل بين موارد النكرة الواقعة فى سياق النفى ايضا ثابت من وجه تقدم فمفهوم قولك ان جاءك زيد فلا تكرم عالما ان لم يجئك فاكرم عالما اى الايجاب الجزئى لا الكلّى و مفهوم قولك ان كان الماء قدر كر لا ينجسه طبيعة النجس فاذا لم يكن قدر الكر ينجسه طبيعة النجس و ذلك يفيد العموم لوجود الطبيعة فى كل فرد فرد من النجس و الحكم الثابت للطبيعة كذلك ثابت لجميع الافراد و ملخص الكلام و فذلكة المقام انه فرق بين قولك اذا بلغ الماء قدر كر لا ينجسه كل النجس او المتنجس و قولك اذا بلغ الماء قدر كر لا ينجسه النجس او نجس بمعنى ان يكون الطبيعة او النكرة فى سياق النفى و قولك اذا بلغ الماء قدر كر لا ينجسه شي‏ء و فى الاوّل يمكن الوجهان و ان كان الظاهر بالنظر الى ان القضايا المحصورة