المصطلحات الأصولية في مباحث الأحكام وعلاقتها بالفكر الأصولي‏

- عبد الله‏ بشير محمد المزيد...
283 /
5

إهداء على استحياء

إلى رحمة اللّه للعالمين الحبيب الشفيع محمد بن عبد اللّه صلى اللّه و سلم و بارك عليه و على آله و صحبه أهدي عملي هذا على ما فيه من خلل و نقص قد ابتدأ بصاحبه و انتهى به راجيا بذلك أن يمن اللّه تعالى علي بقبوله عنده و أن يضع له القبول عند أهل الإرث المحمدي و ذوي الشأن و الإدراك لحقائق التشريع و قواعد الاجتهاد إنه ولي ذلك و القادر عليه‏

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

افتتاحية

نستفتح بالذي هو خير، حمدا للّه، و صلاة و سلاما على رسوله (صلى اللّه عليه و سلم) و على عباده الذين اصطفى.

و بعد:

فيطيب للدار أن تخرج لقرائها الكرام كتابها العشرين في سلسلة الدراسات الأصولية، و هو بعنوان: المصطلحات الأصولية في مباحث الأحكام و علاقتها بالفكر الأصولي.

و قد تناول الاصطلاح الأصولي في مباحث الأحكام، لا سيما تلك المصطلحات التي تباينت لفظا و اتحدت معنى، أو اتحدت لفظا و تباينت معنى، و ذلك بحسب ورودها في المناهج الأصولية، على أنه لم يغفل وجه ارتباطه بالفكر الأصولي، و الذي هو عند المحققين منبع تلك المصطلحات و أساسها، و الدار إذ تستفتح لإصدارها هذا، لترجو أن يتواصل عطاؤها، و أن يعم العلي القدير النفع بما تخرجه.

و هذا التقديم مقرون بالشكر و العرفان لأسرة" آل مكتوم" حفظها اللّه، التي ترعى العلم، و تشيّد نهضته، و تحيي تراثه، و تؤازر قضايا العروبة و الإسلام، و على رأسها صاحب السمو الشيخ مكتوم بن راشد بن سعيد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي الذي أنشأ هذه الدار لتكون منار خير، و منبر حق على درب العلم و المعرفة، تجدد ما اندثر من تراث هذه الأمة، و تبرز محاسن الإسلام فيما سطره الأوائل، و فيما

8

يمتد من ثماره، مما تجود به القرائح، في شتى مجالات البحوث الإسلامية، و الدراسات الجادة، التي تعالج قضايا العصر، و تؤصل أسس المعرفة، على مفاهيم الإسلام السمحة، عقيدة، و شريعة، و آدابا، و أخلاقا، و منهاج حياة، مستلهمة الأدب القرآني، في الدعوة إلى اللّه على بصيرة ادْعُ إِلى‏ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَ الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَ جادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ‏ (1).

و كذلك مؤازرة سمو الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم نائب حاكم دبي وزير المالية و الصناعة، و الفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي وزير الدفاع.

و لا يفوت الدار أن تشكر من أسهم في خدمة هذا العمل العلمي من العاملين بالدار، و هو:

- مساعد باحث: الشيخ سيد نورائي، و الذي قام بتصحيح الكتاب، و مراجعة تجارب الطبع و التنفيذ.

سائلين اللّه العون و السداد، و الهداية و التوفيق، و نرجو من اللّه سبحانه و تعالى أن يعين على السير في هذا الدرب، و أن يتواصل العطاء من حسن إلى أحسن.

و آخر دعوانا أن الحمد للّه رب العالمين، و صلى اللّه على خير خلقه سيدنا محمد و على آله و صحبه أجمعين.

دار البحوث‏

****

____________

(1) سورة النحل الآية 125.

9

مقدمة:

الحمد للّه العليم بحال هذه الأمة، أحمده حمد الشاكرين، و أشكره شكر الحامدين، و أصلي و أسلم على رسوله الأمين، و على آله و صحبه أجمعين، و بعد

فعلم أصول الفقه يتميز عن غيره من العلوم بشرف الاتصال بالاجتهاد، و الذي هو في منظور الأصوليين عنوان الثقة التشريعية في مجتهدي هذه الأمة، و أساس التفويض النبوي في استنباط الأحكام، و قد استلزم هذا أن يكون خبراؤه من أكابر أهل العلم، و أماجد أرومة التحقيق.

و لما كان هذا هو حاله، و حال أهله، و المشتغلين بفنه، لزم أن يكون كل ما صدر فيه من المسائل- و ما ارتبط بها من المصطلحات الأصولية- من أدق مهمات الناظرين في هذا الفن.

و لما كانت المصطلحات الأصولية لم ترد عبثا، و إنما كان لها الاتصال و التواصل الكامل بمنابع الفكر الأصولي، ساقني ذلك إلى دراستها- و خصوصا ما تعلق منها بمباحث الأحكام- و السعي في إظهار ارتباطها بالفكر الأصولي، لا سيما و- الاصطلاح- ناتج حقيقة عرفية خاصة، و هي عين الفكر كما سيتبين ذلك.

و قد اعتمدت في كتابي هذا قاعدة أساسية، و هي: تناول تلك المصطلحات التي تباينت لفظا و اتحدت معنى، أو اتحدت لفظا و تباينت معنى، و ذلك بحسب ورودها في المناهج الأصولية، على أنني سوف أركز

10

جهدي في بيان المصطلح، و ارتباطه بالفكر الأصولي، دون النظر في دقائق الأمور و مشكلاتها.

و قد اقتضى تخطيط الكتاب و نهجه أن يكون على فصلين، و قد أدرجت تحت كل منهما من المباحث و المسائل ما دعت إليه الحاجة، و قد جعلت أولهما في مقدمات تمهيدية، و بذرت فيه كل ما يحتاجه من قصد الجني من ثمرات ثاني الفصلين، و الذي أفردته ليكون لب الكتاب و جوهره، فكان عن المصطلحات الأصولية في مباحث الأحكام، و علاقتها بالفكر الأصولي، و هو كسابقه تتدلى من أغصانه من الفروع و المسائل ما رأيت فيه صلاحا للذوق و إحاطة بالمقصد.

و لئن كنت على اعتقاد- لا يتزحزح- بتجاسري و إقدامي على سلوك منهج لست من رجاله، و لكني رجوت من اللّه قبوله على تعتعته، و لمّ صاحبه على علاته، و قد يدرك المرء بنيته ما لا يدركه بعمله، و الحمد للّه معلم الإنسان ما لم يعلم، و الصلاة و السلام الأتمان الأكملان على سيدنا و نبينا محمد مفتاح المعارف و على آله و أصحابه عدد حسنات كل عارف و غارف.

11

الفصل الأول مقدمات تمهيدية في شئون الاصطلاح العلمي‏

12

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

13

المبحث الأول ماهية الاصطلاح في العلوم‏

14

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

15

المبحث الأول ماهية الاصطلاح في العلوم‏

أصل الاصطلاح في اللغة من قولهم: اصطلح القوم، و تصالحوا (1)، فكأنه يشير إلى اجتماع بعد افتراق، أو توافق بعد تخالف، ثم جاء تخصيصه بمن لهم قواعد معينة معلومة، على أنهم لم يشترطوا في حصوله سبق خلاف، إذ قد يكون من غيره.

و قد تناولوه، فعرفه الزبيدي‏ (2) بأنه اتفاق طائفة مخصوصة على أمر مخصوص‏ (3).

و أورد فيه الجرجاني‏ (4) عددا من التعريفات، فمن ذلك أنه:

____________

(1) لسان العرب، لابن منظور (2/ 517).

(2) هو محمد بن محمد بن محمد بن عبد الرزاق الحسيني، لغوي محدث نسّاب، من مصنفاته إتحاف السادة المتقين في شرح إحياء علوم الدين، و أسانيد الكتب الستة، و عقود الجواهر المنيفة في أدلة مذهب الإمام أبي حنيفة، و كشف اللثام عن آداب الإيمان و الإسلام، توفي عام 1205 ه (انظر الأعلام للزركلي 7/ 70).

(3) تاج العروس، للزبيدي (6/ 551).

(4) هو علي بن محمد بن علي الحنفي الشريف، من مصنفاته شرح المواقف للإيجي، و شرح التجريد للطوسي، و شرح القسم الثالث من المفتاح، و حاشية المطول، و حاشية المختصر، و حاشية على الكشاف و لم يتمه، و رسالة في تحقيق معنى الحرف، و يقال أن مؤلفاته تجاوزت الخمسين، توفي عام 816 ه (انظر بغية الوعاة، للسيوطي 2/ 196).

16

عبارة عن اتفاق قوم على تسمية الشي‏ء باسم ما ينقل عن موضعه الأول، و إخراج اللفظ من معنى لغوي إلى آخر لمناسبة بينهما.

و منها أنه: هو اتفاق طائفة على وضع اللفظ بإزاء المعنى.

و منها أنه: إخراج الشي‏ء من معنى لغوي إلى معنى آخر لبيان المراد.

و آخرها أنه: لفظ معين بين قوم معيّنين‏ (1).

و المتتبع لدقائق الاصطلاح لربما يصل إلى أنه أوسع من أن يقتصر دوره على ما أفادته التعريفات المذكورة، إذ لا يلزم سبقه بخلاف، كما لا يلزم نقله من معناه اللغوي ليكون اصطلاحا، و ذلك لجواز ترادف الفكر الاصطلاحي و المعنى اللغوي فيما يراد باللفظ، كما لا يلزم قصره على لفظ بعينه، إذ قد يكون الاصطلاح جملا أو عبارات، أو قواعد.

بل التحقيق جواز إطلاق الاصطلاح على التخصيص مطلقا، و لا يشترط لاستقراره توارد الاتفاق عليه، إذ قد يكون في جماعة محصورة، أو شخص اعتباري ذي منهج فكري منضبط، كما و لا يتطلب حصوله تأكد استعماله، و من شواهد ذلك جواز إطلاق الاصطلاح على تخصيص الشارع.

و عليه، فالأضبط أن يعرّف فيقال هو: استقرار تخصيص لفظ أو ألفاظ لمعنى، أو لمعان معينة.

____________

(1) التعريفات، للجرجاني (ص 44).

17

على أن المستقر في الأفهام عن الاصطلاح عدم تقييد حصوله لفظا، إذ قد يكون بظهوره معنى، أو تطبيقا في ثنايا المسائل العلمية، كما أنه قد يستفاد من خلال تحرير المسائل، أو تناولها في التآليف.

و إذا ثبت هذا، فقد يصح إطلاق مسمى العرف الخاص على الاصطلاح، إذ الجامع بينهما الاتفاق اللفظي أو العملي على استقرار تخصيص قول أو عمل للدلالة على معان معينة على سبيل الإلزام‏ (1).

و مما يؤيد جواز هذا الإطلاق ما أورده صاحب مستدرك التاج في تعريفه إذ قال: الاصطلاح هو اتفاق طائفة مخصوصة على أمر مخصوص‏ (2)، و العرف الخاص كذلك.

و من شواهد جواز إطلاق العرف على الاصطلاح ما أورده الآمدي‏ (3) في كتابه الإحكام في أصول الأحكام، إذ قال عن الوجوب:

و أما في العرف الشرعي فقد قيل: هو ما يستحق تأكيد العقاب على تركه ... الخ‏ (4).

____________

(1) الأشباه و النظائر، للسيوطي (ص 191) نيل السول، للولاتي (ص 198).

(2) تاج العروس، للزبيدي (6/ 551).

(3) هو علي بن أبي علي بن محمد بن سالم الثعلبي، أبو الحسن، فقيه أصولي متكلم، فاق أهل زمانه في الأصلين و علم الكلام، من مصنفاته أبكار الأفكار، و الإحكام في أصول الأحكام، توفي عام 631 ه (انظر طبقات الشافعية للسبكي 8/ 306، وفيات الأعيان لابن خلكان 2/ 455، شذرات الذهب لابن العماد 5/ 144).

(4) الإحكام في أصول الأحكام، للآمدي (1/ 97).

18

و منها قوله في بيان حقيقة الفقه، بعد أن تناوله لغة: و في عرف المتشرعين: الفقه مخصوص بالعلم الحاصل بجملة من الأحكام الشرعية الفروعية بالنظر و الاستدلال‏ (1).

و من تأمل وجد أن بداية ظهور الاصطلاح مقترن مع ظهور الخليقة، و قد كان أول ذلك نزول مصطلحات الكون و مسمياته على أبي البشر آدم (عليه السلام)، و في ذلك يقول اللّه تعالى‏ وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (31) قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32) قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ أَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ‏ (33) (2).

قال المفسرون: و الأسماء هي العبارات، و المراد أسماء المسميات، و قد قال بذلك أكثر العلماء، و هو المعنى الحقيقي للاسم، و التأكيد بقوله" كلها" يفيد أنه علمه جميع الأسماء، و لم يخرج عن هذا شي‏ء منها كائنا ما كان‏ (3).

____________

(1) المرجع السابق (1/ 6).

(2) سورة البقرة، الآيات 31- 33.

(3) فتح القدير، للشوكاني (1/ 64).

19

و جاء في الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقائق الخفية قوله" الأسماء" أي لفظا و معنى و حقيقة، مفردا، و مركبا، كأصول العلم، فإن الاسم باعتبار الاشتقاق علامة للشي‏ء و دليله الذي يرفعه إلى الذهن، أي يوصله إلى الفطنة، و المراد بالاسم ما يدل على معنى، و لو كان ذاتا و جرما، فهو أعم من الاسم و الفعل و الحرف‏ (1).

قال في تفسير الجلالين: حتى القصعة، و القصيعة، و الفسوة و الفسية، و المغرفة، بأن ألقى في قلبه علمها (2)، و هو قول ابن عباس و مجاهد و قتادة و الضحاك‏ (3).

و لبيان وجه العلاقة بين الاسم و الاصطلاح، استلزم ذلك إفادة انقسام الاسم إلى ثمانية أقسام:

- اسم علم، مثل زيد و عمرو و فاطمة و عائشة و دار و فرس.

- اسم لازم، كقولك رجل و امرأة و شمس و قمر، و إنما سمي لازما لأنه لا يتقلب و لا يفارق فلا يقال للشمس قمر، و لا للقمر حجر.

- اسم مفارق، كصغير و كبير و طفل و كهل و قليل و كثير، و قيل له‏

____________

(1) الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقائق الخفية، للجمل (1/ 39).

(2) تفسير الجلالين، للمحلي و السيوطي (1/ 39).

(3) الكشف و البيان، لأبي إسحاق الثعلبي (1/ 177) و انظر تفسير القرآن للسليمي (1/ 115) تفسير أبي السعود، لأبي السعود العمادي (1/ 83) البحر المديد في تفسير القرآن المجيد، لابن عجيبة (1/ 94).

20

مفارق لأنه كان و لم يكن له هذا الاسم، و يزول عنه هذا المعنى المسمى به.

- و منها اسم مشتق، ككاتب و خياط و صائغ و صباغ، فالاسم مشتق من فعله.

- و منها اسم مضاف، مثل غلام جعفر، و ركوب عمرو، و دار زيد.

- و منها اسم مشبه، كقولك فلان أسد و حمار و شعلة نار.

- و منها اسم منسوب يثبت بنفسه و يثبت بغيره، كقولك أب و أم و أخ و أخت، فإذا قلت أب أثبته و أثبت الولد.

و منها اسم الجنس، و هذا اسم واحد و يدل على أشياء كثيرة كقولك حيوان و ناس و نحوها (1).

و من نظر، سيجد أن الاصطلاح بمعناه الأعم علامة و دلالة على تخصيص شي‏ء بمعين، و هو بهذا أحد مشمولات الاسم.

و على هذا، فالاصطلاح أصل العلوم و منشؤها، إذ هو أول علم ظهر على البسيطة، و به بدئ الفهم و الإدراك، و إنما جاء الوصف و البيان بعد ذلك.

____________

(1) الكشف و البيان، لأبي إسحاق أحمد الثعلبي (1/ 179).

21

المبحث الثاني العلاقة التأسيسية بين التعريف و الحد و الاصطلاح‏

22

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

23

المبحث الثاني العلاقة التأسيسية بين التعريف و الحد و الاصطلاح‏

تفاوت الاستعمال التصنيفي للألفاظ المستعملة في بيان الحقائق العلمية بين إطلاق الحد، أو التعريف، أو العرف، أو الاصطلاح.

و قد استلزم هذا التفاوت اللفظي إيضاح وجه العلاقة العلمية بين هذه المستعملات، و ما تدل عليه عند اللغويين أو الاصطلاحيين.

أما الحد، فقد عرفه اللغويون بأنه المنع و الفصل بين الشيئين لئلا يختلط أحدهما بالآخر، أو لئلا يتعدى أحدهما على الآخر، و جمعه حدود (1).

كما أنه يطلق و يراد به عندهم منتهى الشي‏ء، و منه قولهم حد الخمر أي سورته و صلابته.

و أما عند المنطقيين فهو الذي يستلزم تصور المحدود أو امتيازه عن كل ما عداه.

و أما في المعنى العلمي فقد أشار الإمام الغزالي (رحمه اللّه تعالى)(2) في‏

____________

(1) لسان العرب، لابن منظور (3/ 140).

(2) هو محمد بن محمد الطوسي الشافعي، أبو حامد، حجة الإسلام، من مصنفاته المستصفى، و المنخول في أصول الفقه، و الوسيط، و البسيط، و الوجيز، و الخلاصة في الفقه، و إحياء علوم الدين، و تهافت الفلاسفة، و معيار العلم، و المنقذ من الضلال، توفي سنة 505 ه (انظر طبقات الشافعية للسبكي 6/ 191،-

24

مقدمة كتابه المستصفى إلى ظهور خلاف في تحديد حقيقته، فذهب بعض العلماء إلى أن حد الشي‏ء هو نفسه و ذاته، و ذهب آخرون إلى أنه اللفظ المفسر لمعناه على وجه يجمع و يمنع‏ (1).

و رغم ظهورهما عند بعض الناظرين بمظهر الخلاف، إلا أن التوجيه الصحيح فيهما ما ذكره القرافي‏ (2) في تنقيحه، إذ قد أحال الأول منهما إلى أن اسم الحد عنده موضوع لمدلول لفظ الحد، بينما أحال الثاني إلى أن اسم الحد عنده موضوع للفظ نفسه‏ (3).

قال الإمام الغزالي تعليقا على من قدر أن هذه المسألة خلافية فنصر أحد الحدين السابقين على الآخر:

فانظر كيف تخبط عقل هذا الثالث، فلم يعلم أن الاختلاف إنما يتصور بعد التوارد على شي‏ء واحد، و هذان قد تباعدا و تنافرا، و ما تواردا

____________

- وفيات الأعيان لابن خلكان 3/ 353، شذرات الذهب لابن العماد 4/ 10).

(1) المستصفى من علم الأصول، للغزالي (ص 64).

(2) هو أحمد بن إدريس المصري، أبو العباس الصنهاجي، أصولي فقيه متكلم مفسر نظار أخذ عن ابن الحاجب و العز بن عبد السلام و شرف الدين الفاكهاني، من مصنفاته التنقيح في أصول الفقه و هو مقدمة لكتابه الذخيرة في الفقه، و الفروق و القواعد، توفي عام 684 ه (انظر الديباج المذهب لابن فرحون 1/ 236، و شجرة النور الركية لمخلوف ص 188).

(3) شرح تنقيح الفصول، للقرافي (ص 4).

25

على شي‏ء واحد، و إنما منشأ هذا الغلط الذهول عن معرفة الاسم المشترك.

ثم قال: و المختار عندي أن الشي‏ء له في الوجود أربع رتب:

الأولى: حقيقته في نفسه.

الثانية: ثبوت مثال حقيقته في الذهن و هو الذي يعبر عنه بالعلم التصوري.

الثالثة: تأليف مثاله بصوت و حروف تدل عليه، و هو العبارة الدالة على المثال الذي في النفس.

الرابعة: تأليف رقوم تدرك بحاسة البصر دالة على اللفظ، و هو الكتابة.

فالكتابة تبع للفظ إذ تدل عليه، و اللفظ تبع للعلم، إذ يدل عليه، و العلم تبع للمعلوم، إذ يطابقه و يوافقه.

و هذه الأربعة متطابقة متوازية، إلا أن الأولين وجودان حقيقيان، لا يختلفان بالأعصار و الأمم لأنهما موضوعان بالاختيار، و لكن الأوضاع- و إن اختلفت صورها- فهي متفقة في أنها قصد بها مطابقة الحقيقة.

و معلوم أن الحد مأخوذ من المنع، و إنما استعير لهذه المعاني للمشاركة في معنى المنع، فانظر المنع أين تجده في هذه الأربعة.

ثم قال: فقد وجدت المنع في الكل، إلا أن العادة لم تجر بإطلاق الحد على الكتابة و لا على العلم، بل هو مشترك بين الحقيقة و بين اللفظ، و كل‏

26

لفظ مشترك بين حقيقتين فلا بد و أن يكون له حدان مختلفان للفظ العين‏ (1).

قال الكلاميون من الأصوليين في معرض تناولهم لتعريف أصول الفقه بأنه معرفة دلائل الفقه إجمالا و كيفية الاستفادة منها و حال المستفيد (2):

قوله: معرفة كالجنس دخل فيه أصول الفقه و غيره، و الفرق بينه و بين العلم من وجهين:

أحدهما: أن العلم يتعلق بالنسب، أي وضع لنسبة شي‏ء إلى آخر، و لهذا تعدى إلى مفعولين بخلاف عرفت، فإنها وضعت للمفردات تقول عرفت زيدا.

الثاني: أن العلم لا يستدعي سبق الجهل بخلاف المعرفة، و لهذا لا يقال اللّه تعالى عارف، و إنما يقال له عالم، و قد نص جماعة من الأصوليين أيضا و منهم الآمدي في أبكار الأفكار على نحوه فقالوا إن المعرفة لا تطلق على العلم القديم أ. ه.

قال المحقق المطيعي‏ (3) في سلم الوصول تعليقا على ما تقدم بيانه:

____________

(1) انظر المستصفى من علم الأصول، للغزالي (1/ 64).

(2) منهاج الوصول، للبيضاوي (1/ 5).

(3) هو محمد بخيت المطيعي، ولد بالمطيعة بمديرية أسيوط عام 1271 ه، درس في الأزهر، و من مشايخه الدارستاني و الحلواني و البحراني و الدمنهوري و الأفغاني، حنفي المذهب، تولى القضاء في عدد من المديريات المصرية و في عام 1914 م قلد منصب الإفتاء، من تلامذته الظواهري و المراغي و الشناوي، من مصنفاته البدر الساطع على-

27

و أما ما قاله الأسنوي‏ (1) من الفرق بين المعرفة و العلم فذاك باعتبار معنى آخر غير مراد هنا.

ثم قال: و المعرفة كما تطلق على ما قاله الأسنوي، تطلق أيضا و يراد بها التصديق بالقرينة التي تدل على ذلك، أ لا ترى أن المعرفة في قولهم معرفة اللّه واجبة لا يراد منها إلا التصديق و الإذعان، و هذا المعنى أخص من مطلق التصديق المراد هنا.

و كذا قول الأسنوي أن العلم يتعلق بالنسب مبنى على أن العلم خاص بالتصديق و هو اصطلاح غير مراد هنا، بل المراد من العلم و المعرفة في تعريف الأصول و سائر تعاريف العلوم المدونة هو مطلق الإدراك المنقسم إلى تصور و تصديق‏ (2).

____________

- مقدمة جمع الجوامع، و حاشية على شرح الخريدة للدردير، و سلم الوصول شرح نهاية السئول للإسنوي، توفي عام 1935 م (انظر الفتح المبين للمراغي 3/ 179).

(1) هو عبد الرحيم بن الحسن بن علي، فقيه أصولي مفسر نحوي، من مصنفاته نهاية السئول، و الكوكب الدري في تخريج الفروع الفقهية على القواعد النحوية، و التمهيد في تخريج الفروع على الأصول، و طبقات الشافعية، توفي عام 772 ه (انظر الدرر الكامنة لابن حجر 2/ 463، شذرات الذهب لابن العماد 6/ 223، البدر الطالع للشوكاني 1/ 352).

(2) سلم الوصول إلى نهاية السئول، للمطيعي (1/ 8).

28

و على هذا، فلا تباين بينهما، إذ لم يتواردا على محل واحد حتى يثمر في المسألة خلاف معتبر.

و يظهر أن الغالب في توجهات المصنفين اختيار الثاني منهما، إذ قد عرفه ابن الحاجب‏ (1) بأنه الجامع المانع‏ (2).

و دار على رحاه القرافي إذ عرفه بأنه شرح ما دل عليه اللفظ بطريق الإجمال‏ (3).

و قال أبو الوليد الباجي‏ (4): الحد هو اللفظ الجامع المانع، و معنى ذلك أنه يجمع المحدود على معناه فيمنع ما ليس منه أن يدخل فيه و ما هو منه أن يخرج منه‏ (5).

____________

(1) هو عثمان بن عمر بن أبي بكر أبو عمرو، فقيه أصولي مالكي، محقق في علم العربية، من تصانيفه الجامع بين الأمهات، و الكافية، و الشافية، توفي عام 642 ه (انظر الديباج المذهب لابن فرحون 2/ 86، بغية الوعاة للسيوطي 2/ 134).

(2) بيان المختصر شرح مختصر ابن الحاجب، للأصفهاني (1/ 63).

(3) شرح تنقيح الفصول، للقرافي (ص 4).

(4) هو سليمان بن خلف بن سعد التجيبي، القرطبي المالكي، إمام محدث فقيه أصولي نظار، ولي قضاء الأندلس، من شيوخه الهروي و الأبهري و ابن عمروس، من مصنفاته المنهاج في ترتيب الحجاج، و فصول الأحكام و بيان ما مضى به العمل عند الفقهاء و الحكام، و الاستيفاء شرح الموطأ، و المنتقى شرح الموطأ، توفي عام 474 ه (انظر ترتيب المدارك للقاضي عياض 4/ 803، الديباج المذهب لابن فرحون 1/ 377).

(5) إحكام الفصول في أحكام الأصول، للباجي (ص 170).

29

و أما التعريف عند اللغويين فهو مأخوذ من الإعلام‏ (1)، و في العرف العلمي عبارة عن ذكر شي‏ء تستلزم معرفته معرفة شي‏ء آخر (2).

و ينقسم الحد إلى حقيقي، و رسمي، و لفظي، لأنه إما أن يكون بحسب اللفظ أو بحسب المعنى، و يسمى الأول اللفظي، و الثاني إما أن يكون مشتملا على جميع الذاتيات أو لا، و الأول الحد الحقيقي، و الثاني الرسمي.

فالحقيقي ما أنبأ عن ذاتياته الكلية المركبة، و الرسمي ما أنبأ عن الشي‏ء بلازم له، و اللفظي ما أنبأ عنه بلفظ أظهر مرادف‏ (3).

قال القرافي: مسألة هل يجوز أن يكون للشي‏ء الواحد حدان؟

ثم قال أما اللفظي و الرسمي فلا ينضبط عددهما لإمكان تعدد اللفظ الدال على الشي‏ء، و جواز تعدد لوازم الشي‏ء، فمن كل لازم رسم، و من كل لفظ يؤلف دلالة (4).

و يظهر أن التعريف في نظر المحققين قسيم للحد على الاعتبار الثاني، و عليه فهو موضوع للفظ نفسه، إذ مقصوده الإعلام عن حقيقة اللفظ المستعمل، على وجه يدرك ناظره جوانبه.

____________

(1) لسان العرب، لابن منظور (9/ 237).

(2) التعريفات، للجرجاني (ص 85).

(3) بيان المختصر، للأصفهاني (1/ 63).

(4) شرح تنقيح الفصول، للقرافي (ص 5، 6).

30

و مما يؤكد ذلك تساوي الحد و التعريف في التقسيم الثلاثي إلى حقيقي، و رسمي، و لفظي.

و من دلائل ترادف ألفاظ الحد، و المعنى، و التعريف، عبارة الآمدي في الإحكام، إذ قال:

اعلم أن قول القائل أصول الفقه قول مؤلف من مضاف هو الأصول، و مضاف إليه هو الفقه، ثم قال: و لن نعرف المضاف قبل معرفة المضاف إليه، فلا جرم أنه يجب تعريف معنى الفقه أولا، ثم معنى الأصول ثانيا (1).

و من شواهد الترادف بينهما في الإطلاق ما أثبته الآمدي أيضا من قوله: و أما العلم، فقد اختلف المتكلمون في تحديده، فمنهم من زعم أنه لا سبيل إلى تحديده، لكن اختلف هؤلاء، فمنهم من قال: بيان طريق تعريفه إنما هو بالقسمة و المثال، كإمام الحرمين‏ (2) و الغزالي، ثم قال: و منهم من سلك في تعريفه التحديد (3).

____________

(1) الإحكام في أصول الأحكام، للآمدي (1/ 5).

(2) هو عبد الملك بن عبد اللّه بن يوسف الجويني، أبو المعالي، أعلم المتأخرين من أصحاب الشافعي، اجتمع أهل المذهب على إمامته، من مصنفاته نهاية المطلب في الفقه، و البرهان في أصول الفقه، و الإرشاد، و الشامل في أصول الدين، و غياث الأمم في الأحكام السلطانية توفي عام 478 ه (انظر وفيات الأعيان لابن خلكان 2/ 341، طبقات الشافعية للسبكي 5/ 165، شذرات الذهب لابن العماد 3/ 358).

(3) المصدر السابق (1/ 11).

31

و من أوضحها ظهورا في الدلالة على الترادف بين الحد و التعريف ما عبر به الشوكاني‏ (1) عن تعريفات العلم بقوله:

هذا جملة ما قيل في تعريف العلم ..... ثم قال: و الأولى عندي أن يقال في تحديده هو صفة ينكشف بها المطلوب انكشافا تاما (2).

و لربما كان في تعبير القرافي عن الحد بقوله: فإذا قيل لك عرف حقيقة وحدها معناه بينها إشعار واضح بترادفهما (3).

و الواقع أن البدائل اللفظية للحد لا تقتصر على ما تقدم، إذ يجوز في العرف العلمي أن يقال عن شي‏ء ما: أن حقيقته كذا و كذا (4).

كما يجوز أن يبدل بلفظ المراد، كقول الآمدي عن المكروه:

و أما في الشرع فقد يطلق و يراد به الحرام، و قد يراد به ترك ما مصلحته راجحة، و إن لم يكن منهيا عنه‏ (5).

____________

(1) هو محمد بن علي بن محمد، مفسر أصولي محدث فقيه، من مصنفاته في التفسير فتح القدير، و في الحديث نيل الأوطار، و في أصول الفقه إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول، و رسالة في الاجتهاد، و قد تجاوزت رسائله العشر، اختلف في رجوعه عن الزيدية (انظر الأعلام للزركلي 7/ 190، الفتح المبين للمراغي 3/ 144).

(2) إرشاد الفحول، للشوكاني (1/ 64).

(3) شرح تنقيح الفصول، للقرافي (ص 11).

(4) الإحكام في أصول الإحكام، للآمدي (1/ 95).

(5) المصدر السابق (1/ 122).

32

و من بدائله اللفظية المفهوم، و في ذلك يجي‏ء قول الآمدي: و أما مفهوم أصول الفقه ... (1)، و يعني بذلك تعريفه.

و قد تعدى استقرار مفهوم الترادف بين الحد و التعريف عند الأصوليين إلى النحاة، فقال جمال الدين الفاكهي‏ (2) في كتابه الحدود النحوية و شرحها عند كلامه عن مسألة حد الحد عند النحاة و الفقهاء و الأصوليين و المناطقة:

اعلم أن الحد و المعرف في عرف النجاة و الفقهاء و الأصوليين اسمان لمسمى واحد.

ثم قال: و هو أي المسمى الواحد ما يميز الشي‏ء عن جميع ما عداه كالحيوان الناطق فانه يميز الإنسان عن جميع ما عداه مما يشاركه في مطلق الحيوان، و لا يكون كذلك أي لا يميز الشي‏ء عما عداه إلا ما كان جامعا لأفراد المحدود، فلا يخرج عنه شي‏ء منها، مانعا من دخول غيرها فيه‏ (3).

____________

(1) الإحكام في أصول الأحكام، للآمدي (1/ 5).

(2) هو عبد اللّه بن أحمد بن علي بن محمد بن علي الشافعي، ولد عام 899 ه، لم يكن له نظير في النحو، سيبويه زمانه، من مصنفاته مجيب الندا إلى شرح قطر الندى، و الفواكه الجنية على متممة الأجرومية، و كشف النقاب الحاجب عن مخدرات ملحة الإعراب، توفي بمكة عام 972 ه (انظر شذرات الذهب لابن العماد 8/ 366، و كشف الظنون لحاجي خليفة 1352، و الأعلام للزركلي 4/ 69).

(3) شرح الحدود النحوية، للفاكهي (ص 42).

33

و لعل الناظر في هذا التقرير المتقدم عن الترادف بين الحد و التعريف يدرك خروج المناطقة من الاتفاق الاصطلاحي بين الأصوليين و النحاة و الفقهاء، إذ المعرف بالمعنى المذكور عندهم أعم من الحد لشموله له و لغيره، و عليه فقد قسموه إلى أربعة أقسام:

- الحد التام، و هو ما تركب من الفصل و الجنس القريبين.

- الحد الناقص، و هو ما تركب من الفصل القريب وحده أو منه و من الجنس البعيد.

- الرسم التام، و هو ما تركب من الخاصة و الجنس القريب.

- الرسم الناقص، و هو ما تركب من الخاصة وحدها أو منها و من الجنس البعيد (1).

و على كل، فقد اهتم الأصوليون في تصانيفهم بالحد أيّما اهتمام، و ليس هذا بالشاذ في مناهج التصنيف الأصولي، إذ قد سبق إيضاح اعتبار هذا العلم في أساسه اصطلاحا.

و من أولئك الإمام الغزالي (رحمه اللّه تعالى) إذ قد صدر مقدمة كتابه المستصفى بإيضاح ماهيته‏ (2)، و نهج نهجه القرافي في تنقيحه، إذ قد عقد الباب الأول في الاصطلاحات، و صدر فصوله‏

____________

(1) المصدر السابق (ص 43).

(2) المستصفى من علم الأصول، للغزالي (ص 32/ 33).

34

العشرين بالحد، فجعله الأول منها (1)، و قد أشار إلى أهميته، فقال:

إنما بدأت بالحد في هذا الكتاب، لأن العلم إما تصوّر أو تصديق، و التصديق مسبوق بالتصوّر، فكان التصوّر وضعه أن يكون قبل التصديق، و التصور إنما يكتسب بالحد، كما أن التصديق لا يكتسب إلا بالبرهان، فكان الحد متقدما على التصوّر المتقدم على التصديق، فالحد قبل الكل طبعا، فوجب أن يقدم وصفا، فلذلك تعين تقديم الحد أول الكل.

ثم قال:

و هذا السبب أيضا في تقديم الباب الأول في الاصطلاحات، فإن الاصطلاحات هي الألفاظ الموضوعة للحقائق، و اللفظ هو المفيد للمعنى عند التخاطب، و المفيد قبل المفاد، فاللفظ و مباحثه متقدمة طبعا، فوجب أن تتقدم وضعا (2).

و من شواهد خطر الحد و عظيم أهميته أن الإمام الغزالي يرى استعصاء الحد على القوة البشرية إلا عند نهاية التشمير و الجد (3).

و من تأمل وجد أن السبب في ذلك يعود إلى تفاوت غايات الحدود من فن إلى آخر.

فغاية الحدود عند المناطقة تصوير المحدود و تعريف حقيقته بألفاظ

____________

(1) شرح تنقيح الفصول، للقرافي (ص 4).

(2) المصدر السابق (ص 4).

(3) شرح الحدود النحوية، للفاكهي (ص 16).

35

مناسبة مساوية للمطلوب دون زيادة تعد حشوا و دون نقص يغفل بعض الفصول، و لذلك لم يعد يستقيم عندهم حد.

و أما الأصوليون فغاية الحد عندهم التمييز بين المحدود و بين غيره، و عليه فجهدهم عند وضع الحد ملاءمته للمحدود طردا و عكسا من غير نظر إلى الجنس أو الفصل.

و الحق أن ما أثبته القرافي في تنقيحه شاهد أكيد من شواهد خدمة الحد للاصطلاح، و لو لا ذلك لما صدر به فصول الباب الأول الذي عقده عن الاصطلاحات.

ثم إن الحد أو التعريف إنما يقع التجاذب العلمي في إقراره و اعتباره من جهة جمعه لجملة أفراد المحدود، و منعه من دخول غيره معه.

و بيان ذلك أن الحد أو التعريف يدور على أربعة أقسام:-

- أن يكون الحد جامعا مانعا، و ذلك كقولهم في الإنسان حيوان ناطق.

- ألا يكون الحد جامعا و لا مانعا، و ذلك كقولهم في حد الإنسان أيضا هو الحيوان الأبيض، و ذلك لخروج الحبشة و غيرهم من السودان فكان الحد من هذه الجهة غير جامع، و لدخول الإبل و الغنم و الخيل و نحوها، فكان غير مانع من هذه الجهة.

- أن يكون الحد جامعا إلا أنه غير مانع، و ذلك كقولهم في الإنسان أيضا هو الحيوان، إذ جمع جميع أفراد الإنسان، و لم يبق إنسان إلا و دخل‏

36

في لفظ الحيوان، إلا أنه غير مانع لدخول الفرس و نحوه في حدّه.

- أن يكون الحد مانعا إلا أنه غير جامع، و ذلك كقولهم في الحد للإنسان هو الحيوان الرجل، إذ لا يتناول هذا اللفظ إلا الإنسان، إلا أنه غير جامع لخروج النساء و الصبيان، فكان غير مكتمل‏ (1).

و لا يتحقق الشرط العلمي إلا في أولها، و أما باقيها فأسباب أكيدة للرد و عدم القبول في معتبرات أهل العلم، و ذلك لعدم الجمع أو عدم المنع، أو عدمهما معا.

و الواقع أن بين الحد و الاصطلاح عموم و خصوص، فكل اصطلاح يصلح أن يكون حدا أو تعريفا، و ليس كل تعريف أو حد يصلح أن يكون اصطلاحا.

أو أن يقال: يلزم من كل اصطلاح أن يكون تعريفا، و لا يلزم من التعريف أن يكون اصطلاحا.

و علة ذلك صلاحية احتمال الحد أو التعريف عند الإطلاق للجانب اللغوي و الاصطلاحي، و جواز الاقتصار على اللغوي منها.

و من تأمل في التسلسل العلمي للإخراج الاصطلاحي، سيجد أن الاصطلاح في أصل وضعه و تأسيسه سابق في ظهوره المعنى الاصطلاحي، إذ الحد أو التعريف مظهر لما عليه الاصطلاح.

____________

(1) شرح تنقيح الفصول، للقرافي (ص 7).

37

و لذلك يجي‏ء الانتقاد على الحدود بعد ظهورها تبعا لموافقتها أو مخالفتها لما تم عليه الاتفاق العلمي، و الذي هو الاصطلاح بعينه، و يجمع ذلك كله قاعدة الجمع و المنع المستقرة عند التنازع.

و مع أن الاصطلاح متنزل في مجاري التعريف، إلا أنه لا يكون إلا حقيقيا، بخلاف أمّه و هو الحدّ، إذ هو صالح لأن يكون حقيقيا، أو رسميا، أو لفظيا.

38

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

39

المبحث الثالث المراد بالفكر الأصولي و جواز إطلاقه على الاجتهاد العلمي‏

40

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

41

المبحث الثالث المراد بالفكر الأصولي، و جواز إطلاقه على الاجتهاد العلمي‏

قد يتوقف الناظر في لفظ الفكر الأصولي، و قد يتحير في جواز إطلاقه كمصطلح بديل عن الرأي و الاجتهاد العلمي.

و الواقع أنه لما كان الحكم على الشي‏ء فرعا عن تصوّره، فقد رأيت من اللازم إيضاح ماهية الفكر، و مقارنته بالرأي و الاجتهاد في اللغة و الاصطلاح، إذ لا يستقيم البحث فيه إلا بذلك.

و إذا تبين لزوم ذلك، فالفكر في حقيقته جنس، و هو يطلق على حركة النفس بالقوة التي آلتها مقدم البطن الأوسط من الدماغ المسمى بالدودة، و هو شامل لأية حركة كانت، إذ هي أعم من أن تكون في المحسوسات أو في المعقولات، على أنها تسمى في المعقولات فكرا، و في المحسوسات تخيلا.

و على هذا الإطلاق يعرف الفكر بأنه: حركة النفس في المعقولات بمعنى انتقالها فيها انتقالا تدريجيا قصديا (1).

و قد يطلق الفكر على حركة النفس إذا كانت من المطالب إلى المبادئ، و رجوعها عنها إلى المطالب، و على هذا يعرف الفكر بأنه: ترتيب‏

____________

(1) حاشية العبادي على شرح المحلي على الورقات لإمام الحرمين (ص 44) شرح الكوكب المنير، لابن النجار (1/ 57) بيان المختصر، للأصفهاني (1/ 39).

42

أمور حاصلة في الذهن، ليتوصل بها إلى أمور مستحصلة. و هنا يجي‏ء التلاقي بين النظر و الفكر، إذ على هذا الإطلاق يرد التعريف المختار في النظر، و هو أنه الفكر الذي يطلب به من قام به علما أو ظنا، و سيأتي بيانه.

و قد يطلق على حركة النفس من المطالب إلى المبادئ، من غير أن يجعل الرجوع منها إلى المطالب جزءا منه‏ (1).

و إذا تبين هذا، فالفكر لغة إعمال الخاطر في الشي‏ء، و منه التفكر بمعنى التأمل، و قد نصّ سيبويه‏

أ لا صلى الإله صلاة صدق‏ على عمر بن عثمان بن قنبر

فإن كتابه لم يغن عنه‏ بنو قلم و لا أبناء منبر

(2) على منع جمعه، كما لا يجمع لفظ النظر و العلم، و إن نقل عن ابن دريد (3)

____________

(1) بيان المختصر، للأصفهاني (1/ 39).

(2) هو عمرو بن عثمان بن قنبر، إمام البصريين في النحو، و سيبويه رائحة التفاح، أصله من البيضاء من أرض فارس، أخذ عن الخليل و يونس و الأخفش و عيسى بن عمر، صنف كتابا في العروض من علم الخليل من ألف ورقة، و أجل تصانيفه و أشهرها على الإطلاق الكتاب، و فيه قال الزمخشري:

أ لا صلى الإله صلاة صدق‏* * * على عمر بن عثمان بن قنبر

فإن كتابه لم يغن عنه‏* * * بنو قلم و لا أبناء منبر

جرت بينه و بين الكسائي و اليزيدي مناظرات في اللغة، قيل توفي عام 161 ه، و قيل عام 188 ه و الأشهر أن وفاته كانت سنة 180 ه (انظر بغية الوعاة للسيوطي 2/ 229).

(3) هو محمد بن الحسن بن دريد بن عتاهية الأزدي اليعربي القحطاني الشافعي، ولد بالبصرة عام 223 ه، و توفي بعمان عام 321 ه، روى عن عبد الرحمن بن أخي-

43

جواز جمعه، فيقال فيه أفكار (1).

و لتلازم الفكر و النظر، فقد رأيت أنه لا يصلح تناول أحدهما دون الآخر، و عليه فالنظر في لغة العرب متردد في إطلاقاته على الانتظار، و رؤية العين، و الرأفة، و الرحمة، و المقابلة، و التفكر، و الاعتبار.

و رغم تعدد مجالات استعماله، إلا أن أغلب إطلاقه على البصري، و على الاعتبار الفكري، و هو المسمى بالنظر في عرف المتكلمين‏ (2)

و أما في الاصطلاح، فقد عرفه القاضي أبو بكر الباقلاني‏ (3) بأنه:

الفكر الذي يطلب به من قام به علما، أو ظنا (4).

____________

- الأصمعي، و أبي حاتم السجستاني، و أبي الفضل الرياشي، و روى عنه السيرافي، و المرزباني، و أبو الفرج الأصفهاني، انتهت إليه لغة البصريين، كان أشعر العلماء و أعلم الشعراء، من تصانيفه الجمهرة، و الأمالي، و اشتقاق أسماء القبائل، و الملاحن (انظر بغية الوعاة للسيوطي 1/ 76، مراتب النحويين لأبي الطيب اللغوي ص 84).

(1) لسان العرب، لابن منظور (5/ 65) مختار الصحاح، للرازي (ص 242).

(2) الإحكام في أصول الأحكام، للآمدي (1/ 28) بيان المختصر، للأصفهاني (1/ 39).

(3) هو محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر بن قاسم، البصري المالكي الأشعري، الأصولي المتكلم، مقدم الأصوليين، إليه انتهت رئاسة المالكية في وقته، درس عليه القاضي عبد الوهاب الفقه و الأصول و الكلام، و فيه قال: صحبت الأبهري، و تفقهت مع أبي الحسن ابن القصار، و أبي القاسم بن الجلاب، و الذي فتح أفواهنا و جعلنا نتكلم القاضي أبو بكر، من مصنفاته التبصرة و دقائق الحقائق و التمهيد و التقريب، توفي عام 403 ه (انظر ترتيب المدارك للقاضي عياض 7/ 44، الديباج المذهب لابن فرحون 2/ 228).

(4) الإحكام في أصول الأحكام، للآمدي (1/ 28).

44

و عرفه ابن الحاجب: بأنه الفكر الذي يطلب به علم أو ظن‏ (1).

و أما ابن النجار الفتوحي الحنبلي‏ (2) فقد عرفه بأنه: فكر يطلب به علم أو ظن‏ (3).

و أما الرأي، فهو في اللغة ما يراه الإنسان في الأمر (4)، و فسره في لسان العرب بالاعتقاد (5)، و هو مأخوذ في حقيقته من العقل و التدبر و التفكر، و منه قولهم: رجل ذو رأي، أي ذو بصيرة و حذق بالأمور.

ثم هو إن تعدى إلى مفعولين اقتضى معنى العلم، و منه قوله تعالى: وَ يَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ‏ (6)، كما أنه يستعمل بمعنى الظن‏ (7)، و قد فسره الراغب الأصفهاني‏ (8)

____________

(1) بيان المختصر، للأصفهاني (1/ 39).

(2) هو محمد بن أحمد بن عبد العزيز بن علي بن إبراهيم المصري، من مصنفاته منتهى الإرادات في الفقه، توفي عام 972 ه (انظر كشف الظنون لحاجي خليفة 2/ 1853، و الأعلام للزركلي 6/ 233، و معجم المؤلفين لعمر رضا كحالة 8/ 276).

(3) شرح الكوكب المنير، لابن النجار (1/ 57).

(4) معجم مقاييس اللغة، لابن زكريا (2/ 472).

(5) لسان العرب لابن منظور (4/ 30).

(6) سورة سبأ آية 6.

(7) المفردات في غريب القرآن، للراغب الأصفهاني (ص 374) المصباح المنير، للفيومي (1/ 265).

(8) هو الحسين بن محمد بن المفضل، أبو القاسم، و ذكره في البغية على أنه المفضل بن-

45

بأنه: اعتقاد النفس أحد النقيضين عن غلبة الظن‏ (1).

و قد مال الجلال السيوطي‏ (2) إلى تعريفه اصطلاحا بالمذهب و القول بالحكم فقط، و احتج لصحته بقولهم: هذا رأى فلان يريدون مذهبه، و فلان لا يرى هذا أي لا يذهب إليه‏ (3).

و فسره العلّامة الأصولي فخر الإسلام البزدوي‏ (4) بأنه‏

____________

- محمد الأصفهاني الراغب، و وافقه الداودي، و قرنه الرازي بالغزالي، و صنفه من أئمة السنة، من مصنفاته أفانين البلاغة، و محاضرات الأدباء، و الذريعة إلى مكارم الشريعة توفي عام 502 ه (انظر بغية الوعاة للسيوطي 2/ 297، طبقات المفسرين للداودي 2/ 329، كشف الظنون لحاجي حليفة 2/ 1773).

(1) انظر مفردات ألفاظ القرآن، للراغب الأصفهاني (ص 374).

(2) هو عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد بن سابق الدين الخضيري، ولد عام 849 ه، من شيوخه علم الدين البلقيني و ولده، و شرف الدين المناوي، بلغت مصنفاته حتى كتابة ترجمته لنفسه ثلاثمائة، سوى ما غسله أو رجع عنه، و أوصلها الداودي إلى أكثر من خمسمائة، و عند ابن إياس ستمائة، و منها الأشباه و النظائر، و بغية الوعاة في طبقات اللغويين و النحاة، و الجامع الصغير و الجامع الكبير، توفي سنة 911 ه (انظر كتابه حسن المحاضرة 1/ 335، و درة الحجال للمكناسي 3/ 9).

(3) الرد على من أخلد إلى الأرض و جهل أن الاجتهاد في كل عصر فرض، للسيوطي (ص 84).

(4) هو علي بن محمد بن الحسين بن عبد الكريم، فقيه أصولي، ضرب به المثل في حفظ المذهب الحنفي، من أهل سمرقند، من مصنفاته كنز الوصول إلى معرفة الأصول المعروف بأصول البزدوي، و المبسوط، و كشف الأستار في التفسير، توفي عام 482 ه (انظر الفوائد البهية في تراجم الحنفية للكنوي ص 124،-

46

اسم للفقه‏ (1)، و هناك غير هذين، إلا أن الفصل فيها ترددها بين قصر و إطلاق، أو بين وسع و ضيق، و لكن ما أثبتناه منها كاف في الإشارة إلى المراد.

و أما الاجتهاد، ففي اللغة افتعال من الجهد أي الطاقة و المشقة، و قيل بالتفريق بين الفتح فبمعنى المشقة، و الضم فبمعنى الوسع، و غاية الأمر فيه أنه بذل الوسع في طلب الأمر، و فسره الراغب الأصفهاني بأنه أخذ النفس ببذل الطاقة و تحمل المشقة، يقال جهدت رأيي و أجهدته، أي أتعبته بالفكرة (2).

و أما في الاصطلاح فقد تفاوتت عبارات الأصوليين في تعريفه، و إن كان الجامع بينها أنه: بذل جهد أو استفراغ وسع، و إنما اختلافهم فيما بعد ذلك مما يندرج تحت قواعد الجمع و المنع، فعرفه الآمدي بأنه استفراغ الوسع في طلب الظن بشي‏ء من الأحكام الشرعية على وجه يحس من النفس العجز عن المزيد فيه‏ (3).

____________

- سير أعلام النبلاء للذهبي 18/ 602، و الأنساب لابن السمعاني 1/ 339).

(1) كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام، للبخاري (1/ 57).

(2) لسان العرب، لابن منظور (3/ 134) المفردات في غريب القرآن، للراغب الأصفهاني (ص 208) معجم مقاييس اللغة، لابن زكريا (1/ 486).

(3) الإحكام في أصول الأحكام، للآمدى (3/ 139).

47

و عرفه البيضاوي‏ (1) بأنه: استفراغ الجهد في درك الأحكام الشرعية (2)، و عرفه ابن النجار بأنه بذل استفراغ الفقيه وسعه لدرك حكم شرعي‏ (3)، و عرفه عبد العزيز البخاري‏ (4) بأنه:

بذل المجهود في طلب العلم بأحكام الشرع‏ (5).

و الواقع أن أول إطلاق لمصطلح الرأي على الاجتهاد إنما كان في عهد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و ذلك لما بعث معاذ بن جبل إلى اليمن قاضيا، ثم قال له بم تحكم يا معاذ؟ قال: بكتاب اللّه قال: فإن لم تجد؟ قال:

بسنة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قال: فإن لم تجد؟ قال: اجتهد رأيي و لا آلو فقال (صلى اللّه عليه و سلم):

____________

(1) هو عبد اللّه بن عمر بن محمد أبو الخير ناصر الدين الشافعي، أصولي فقيه مفسر نحوي منطقي، من مصنفاته مختصر الكشاف، و شرح منهاجه، و شرح الكافية لابن الحاجب، توفي سنة 685 ه (انظر طبقات الشافعية للسبكي 8/ 157، بغية الوعاة في طبقات اللغويين و النحاة للسيوطي 2/ 50، شذرات الذهب لابن العماد 5/ 392).

(2) منهاج الوصول، للبيضاوي (4/ 524).

(3) شرح الكوكب المنير، لابن النجار (4/ 25).

(4) هو عبد العزيز بن أحمد بن محمد، فقيه أصولي، من مشايخه محمد المايمرغي و قوام الدين، و من مصنفاته كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام، و شرح أصول الاخسيكثي، و شرح الهداية للمرغيناني إلى باب النكاح، و قد صنفه بناء على سؤال من شيخه قوام الدين، و لكنه توفي قبل أن يكمله (انظر تاج التراجم لابن قطلوبغا ص 189، الطبقات السنية في تراجم الحنفية للمولى تقي الدين 4/ 345).

(5) كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام، للبخاري (4/ 26).

48

الحمد للّه الذي وفق رسول رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) لما يرضاه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)(1).

ثم تعارف عليه الصحابة رضي اللّه عنهم، و من ذلك قول أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه:

أقول في الكلالة برأيي فإن يكن صوابا فمن اللّه، و إن يكن خطأ فمني و من الشيطان، و اللّه و رسوله منه بريئان: ما عدا الوالد (2).

و هذا الإطلاق مما تؤيده التعريفات اللغوية و الاصطلاحية للرأي و الاجتهاد، إذ إنه لما كان الرأي في اللغة بمعنى ما يراه الإنسان في الأمر أو هو ما يعتقده، جاز أن يطلق على الاجتهاد، إذ هو ناتج عنه، ثم إنه لما كان مقصود الاصطلاحيين به إنما هو المذهب أو القول، و كان مقصودهم بالاجتهاد استفراغ الجهد في درك الأحكام الشرعية على تعريف البيضاوي جاز أيضا إطلاق مصطلح الرأي عليه، إذ ناتج الاجتهاد الوصول إلى ما يكون له مذهبا أو فقها.

ثم إن الفكر لما كان مفهومه إعمال الخاطر في الشي‏ء، أو هو ترتيب أمور معلومة بقصد الوصول إلى مجهول‏ (3)، و لما كان واردا بمعنى التأمل و النظر في الشي‏ء، فلا يمتنع أن يطلق على مجموع النظر الاجتهادي، إذ الجامع بينهما بذل وسع أو جهد عقلي في سبيل الوصول الفكري إلى مطلوب للمجتهد أو للمفكر.

____________

(1) سنن أبو داود، كتاب الأقضية، باب اجتهاد الرأي في القضاء (3/ 3592).

(2) سنن الدارمي، الفرائض (2/ 365).

(3) التعريفات، للجرجاني (ص 217).

49

و إذا ثبت جواز التبادل في إطلاق مصطلحي الفكر و الاجتهاد على مجموع التحرك العقلي إلى إدراك الأحكام الشرعية عبر التأمل في أدلتها و طرق الاستنباط أو الاستثمار الحكمي منها، جاز إطلاق مصطلح الفكر على مناهج البحث و الاجتهاد الأصولي، إذ هي في حقيقتها تحرك عقلي أو سعي فكري يثمر عددا من المسلمات الأصولية.

50

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

51

المبحث الرابع توجيه العلاقة و الارتباط بين الاصطلاح و الفكر الأصولي‏

52

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

53

المبحث الرابع توجيه العلاقة و الارتباط بين الاصطلاح و الفكر الأصولي‏

يعتبر الاصطلاح في أي علم من العلوم معبرا عن فكر أهله، و قاعدة مهمة في إدراك ماهيته، و لربما كان حقيقا به أن يوصف بأنه مفتاح كل علم و دليله‏ (1)، بل إن أول خطوة في سبيل إدراك أي فن من الفنون دراسة مصطلحاته و تطورها (2)، و ما استقرت عليه، و لم لا و قد استقر في المفاهيم العلمية أن الاصطلاح عبارة عن: الاتفاق اللفظي أو العملي على تخصيص قول أو عمل للدلالة على معنى أو معان معينة.

و الحق أن علم أصول الفقه إنما تجمعه في مجمله قواعد، و أسس، و مصطلحات، تعبر عن مناهج التأليف المعلومة فيه، و لذلك فقد عرفه ابن الحاجب بأنه: العلم بالقواعد التي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية (3).

و قد استقر عند المحققين من الأصوليين اعتبار المصطلحات المستخدمة في هذا العلم مؤشرات لمناهج التأليف الأصولية، و لما كانت دلالتها على معانيها دائرة بين اتفاق و اختلاف، استلزم ذلك الربط بين معانيها و منشأها الفكري.

____________

(1) المصطلحات العلمية في اللغة العربية، للشهابي (ص 206).

(2) معجم المصطلحات البلاغية و تطورها، لأحمد مطلوب (ص 7).

(3) مختصر بن الحاجب (1/ 14).

54

و سيأتي في طيات هذا الكتاب إن شاء اللّه تعالى أن مصطلح الواجب مثلا تختلف مؤشراته المنهجية- باختلاف دلالته- على المعنى المراد منه، إذ إنه يدل عند المتكلمين على الإلزام الحتمي المستفاد من الدليل الشرعي، و لا ينظر عندهم إلى القطعي أو الظني فيه من حيث استفادته، بخلاف النظر عند الحنفية إذ هو مقتصر على استفادة الإلزام الحتمي من الدليل الظني دون القطعي، إذ هو فرض عندهم. (1)

و من ذلك قراءة الفاتحة في الصلاة (2)، فهي عند الحنفية واجبة و ليست بفرض، بخلافها عند المتكلمين إذ هي عندهم فرض، و إنما يعود السبب إلى ما استفيد منه الحكم، و لما لم يكن متواترا عند الحنفية إذ قد استفيد من دليل ظني، استلزم ذلك أن يكون واجبا (3).

____________

(1) التلخيص في أصول الفقه، لإمام الحرمين (1/ 164) نهاية السئول، للإسنوي (1/ 76) الإحكام في أصول الأحكام، للآمدي (1/ 99) كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام، للبخاري (2/ 303) أصول السرخسي (1/ 110) التقرير و التحبير، لابن أمير الحاج (2/ 80) القواعد و الفوائد الأصولية، لابن اللحام (ص 63).

(2) خلاصة النظر عند الأحناف في هذه المسألة أن ترك القراءة مطلقا في الصلاة يبطلها، لقوله تعالى‏ (فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ) و أما ترك قراءة الفاتحة بذاتها في الصلاة فلا يبطلها؛ لأن الأمر بها ثبت بخبر الآحاد في قوله (صلى اللّه عليه و سلم) (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) و هو يفيد الظن (مباحث الحكم عند الأصوليين، لمدكور ص 66، أصول الفقه الإسلامي، للزحيلي 1/ 47).

(3) نهاية السئول، للإسنوي (1/ 76) و انظر سلم الوصول، للمطيعي (1/ 76).