المفيد في شرح أصول الفقه‏ - ج1

- ابراهيم شهركاني المزيد...
586 /
5

كلمة الناشر:

بسم الله الرحمن الرحيم‏

يعد كتاب «أصول الفقه» لآية الله الشيخ محمد رضا المظفر أحد الكتب التي حاولت منهجة دروس الحوزة لتكون بداية لتنظيم الدراسة فيها، و محاولة حذف الفضول من الكتب القديمة كالقوانين و الفصول، محاولا هو و رفاقه من رواد هذا الاتجاه، منهم آية الله الشيخ عبد الحسين الرشتي- و هو أحد فطاحل مدرسة الآخوند الخراساني- تيسير المناهج و تسهيل المطالب، و لكنه مع ذلك لم يخل من بحوث عميقة المحتوى، صعبة المستوى.

و من أول المحاولات لتيسير معرفة مطالب أصول الفقه و محاولة حل رموزه هو هذا الكتاب المتمثل في طبعته الأولى، و قد بدا له أن يرقى بمستوى هذا الشرح ليناسب طلاب المرحلة المتأخرة، و قد جمع فيه ما استفاده من أساتذته في دراسته للمرحلة، و ما وسعه اقتناصه من كتب هي في مجالها تعتبر رائدة مثل بعض شروح الكفاية، و منتهى الأصول و غيره.

و إننا إذ نقدمه للقراء في هذه الطبعة الجديدة التي تضاعف مقدار شرحها عن سابقتها نرجو أن يكون هذا الشرح قد سد بعض الثغرات السابقة، و أن يفيد به الجميع طلابا و أساتذة.

الناشر

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

مقدمة الشارح‏

بسم الله الرحمن الرحيم‏

و الصلاة و السلام على خاتم الأنبياء و المرسلين محمّد و آله الطيبين الطاهرين، و اللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين.

و بعد:

فإنّ كتاب أصول الفقه للشيخ محمّد رضا المظفّر (قدس سره) يعتبر من الكتب الدراسيّة الهامّة جدّا من دراسات السطوح، الذي بدراسته يسهل على الطالب فهم مطالب الرسائل و الكفاية.

و لما كانت له من الأهميّة القصوى في مجال الدرس و التحصيل؛ وقع نبراسا للممارسين بتعليم علم الأصول. و من المؤسف إنّ هذا الكتاب الدراسي لم يعط أهميّة في مجال الشرح و البسط، مع ما فيه من المعضلات من العبارات الغامضة التي تحتاج إلى شرح، إلا أنه قد يتوهّم أنّ هذا الكتاب سهل المنال، مدّعيا سهولة عبارة المصنف.

إلا أن تجربتي الشخصيّة تقول عكس هذه المقولة، فإنّ الكثير من مطالب هذا الكتاب القيّم تحتاج إلى شرح دقيق، و تصوير واضح، بل لا يفهم ما في هذا الكتاب بأحسن وجه ممكن إلا بعد دراسة كتاب الرسائل و الكفاية.

و ما هذه المقولة إلا نتيجة عدم محاسبة الطالب نفسه؛ و لذا من المهمّ جدّا لكلّ طالب علم أن ينصف نفسه في مستوى فهم أيّ كتاب يدرسه، فإنّ بعض الطلاب يدّعون أنّهم درسوا و فهموا الكتاب الفلاني و الكتاب الفلاني، و لكن حينما تعيش مع واقعهم الدراسي تجد أنّهم يعيشون طقوس عبارة المصنف، و غالبا ما تكون بعيدة عن مرادات المصنف الجديّة. و بهذا الواقع المشكل تقع في طريق طالب العلم مشكلة كبيرة، و لكي يجتازها لا بدّ أن يكون شجاعا و أن ينصف نفسه بأن يحاسبها، و لا يسمح لنفسه أن تفوته عبارات لم يفهمها، و إلا سوف يبكي بدل الدموع دما.

هذا، و لمّا كان لهذا الكتاب الدراسي القيّم من أهميّة قصوى، و في الوقت نفسه لا يوجد له شرح، سارعت لسدّ هذا الفراغ في شرح هذا الكتاب؛ و الهدف في كلّ‏

8

هذا خدمة الدين، و طلّاب العلوم الدينيّة، و تحريك عجلة التقدّم إن شاء الله تعالى.

و لا يخفى أن هذا الكتاب (أصول الفقه) يحمل الكثير من المطالب العلميّة الهامّة في علم الأصول، إلا أنّ مصنفه لم يوفّق في إخراج المقصد الرابع من الأصول العمليّة تماما، و قد صدر منه قسم مختصر في الاستصحاب فقط، و أما باقي الأصول العمليّة: أصالة البراءة، و أصالة الاشتغال، و أصالة التخيير، فلم يصدر منه؛ فكان من الواجب عليّ أن أضيف بقيّة الأصول العمليّة، و قد وفّقنا الله لذلك. و ذلك لحصولنا على كتاب متمّم للأصول العمليّة بقلم حجّة الإسلام و المسلمين الشيخ ميرزا غلام رضا عرفانيان اليزدي الخراساني «حفظه الله تعالى»، فجعلته مثل ما كان يريد متمّما للأصول العمليّة من هذا الكتاب القيّم.

و لا يخفى: أنّ الشيخ الجليل ميرزا غلام رضا عرفانيان سار في كتابته للأصول العمليّة الثلاثة على نفس النهج الذي كتب به الشيخ المظفّر (رحمه الله). و كما لا يخفى- أيضا- أنّ الشيخ عرفانيان قد أجاد في كتابته لهذه التتمّة؛ من حيث المنهجيّة، و السلاسة و الوضوح، و التعليقات الإيضاحية، جزاه الله و رعاه. و بهذا رفع عنّي مسئوليّة شرح هذه التتمّة إلا بعض المواقع القليلة. هذا و قد تطرّقنا إلى نبذة مختصرة عن تاريخ علم الأصول.

و في الختام، أقول: قد وفّقنا الله في شرح هذا الكتاب بأسلوب مراعيا فيه البيان الواضح و السلاسة، و طرح الأمثلة البيانيّة؛ لكي يستفيد منه عامّة طلاب العلوم الدينية. و مع كلّ ما واجهناه من الظروف القاسية و العراقيل الكثيرة، إلا أنّي قد تغلبت على هذه الظروف بعون من الله «سبحانه و تعالى» في شرح هذا الكتاب و طبعه. و كما لا يخفى: أنّ هذا الشرح قد خضع تحت مراجعة بعض الفضلاء؛ لكي يخرج هذا الشرح في موقع يستفيد منه طالب العلم؛ إذ اعتاد العلماء من المؤلفين و الباحثين في بحوثهم أن يعتمدوا في بحوثهم و تأليفاتهم على مصادر شفهية و تحريرية كما هو في هذا الشرح من الطبعة الأولى. و من جملة هذه المصادر بعض الأساتذة الأفاضل كفضيلة العلامة الشيخ هادي آل راضي، و فضيلة العلامة الشيخ باقر الإيرواني. و بعض الأصدقاء و الزملاء من العلماء الأفاضل كفضيلة الشيخ جعفر العالي الستري، كما راجعه فضيلة الشيخ عبد الجليل المقداد «حفظهم الله تعالى»، و جعلهم ذخرا للإسلام و المسلمين. و دون ذلك فهو كذب. هذا بالنسبة إلى الشرح‏

9

في الطبعة الأولى.

و أمّا الشرح في الطبعة الثانية: فهو يزيد عن الطبعة الأولى ثلاثة أضعاف الطبعة الأولى كمّا و كيفا، حيث جعلته شرحا وافيا و مزيدا لمطالب الشيخ المظفر، و حرصت في طرحي في الشرح على مطالب ثمينة من الكفاية، و ركزت على آراء صاحب الكفاية الشيخ الآخوند الخراساني (قدس سره) و غيرهم من العلماء الأجلاء. هذا و أسأل الله القبول.

و آخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.

10

لمحات من حياة الشيخ المظفّر (1)

لا بأس من ذكر ترجمة مختصرة عن حياة الشيخ المظفّر (قدس سره)، معتمدا في ذلك على ما في كتاب عقائد الإماميّة.

أسرته:

أسرة المظفّر من الأسر العلميّة في النجف الأشرف، عرفت فيها في أواسط القرن الثاني عشر، و قطن بعض رجالها الجزائر التابعة للواء البصرة.

و كان الفقيه المجتهد الشيخ محمّد بن عبد الله والد الفقيه الشيخ محمّد رضا المظفّر من علماء النجف و مراجع التقليد فيها نشأ في النجف و ترعرع فيها، و كان في عنفوان شبابه منقطعا إلى الجدّ و التحصيل، مكبّا على العبادة و التدريس، إلى أن برع في الفقه و عرف بجودة التحقيق فيه، و ألّف موسوعة فقهيّة جليلة شرح فيها كتاب «شرائع الإسلام» و سمّاها ب «توضيح الكلام» و قد استقصى فيها الفقه من مبدئه إلى منتهاه‏ (2).

ولادته:

ولد الشيخ محمّد رضا المظفّر في اليوم الخامس من شعبان عام 1322 ه بعد وفاة والده بخمسة أشهر، فلم يقدّر الله تعالى أن يظفر الطفل الرضيع برؤية والده، و لا الوالد أن يظفر برؤية ولده، فكفله أخوه الأكبر الشيخ عبد النبي المتوفّى سنة 1337 ه، و أولاه من عنايته و عطفه ما أغناه عن عطف الأبوّة.

نشأته الفكرية:

نشأ الشيخ المظفّر في البيئة النجفيّة، و تقلّب في مجالسها و نواديها و حلقاتها و محاضرها و مدارسها، و حضر فيها حلقات الدراسة العالية، و تخرّج على كبار مراجع التقليد و التدريس، و ترعرع في هذا البيت العريق من بيوتات النجف العلمية،

____________

(1) فصل مستل من كتاب (مدرسة النجف).

(2) آل المظفر: الشّيخ محمود المظفر.

11

و تعهد رعايته و تربيته أخواه العلمان: الشيخ عبد النبي و الشيخ محمّد حسن.

و ابتدأ حياته الدراسيّة بما يتعارف عليه الطالب النجفي من حضور الدراسات الأدبيّة و الفقهيّة و الأصوليّة و العقليّة. و تتلمذ على الشيخ محمّد طه الحويزي في الأدب و الأصول، كما أتقن الشعر، و برع في ذلك كلّه. و تتلمذ على غيره من أساتذة دروس مرحلة السطوح في ذلك الوقت، و برز الشيخ الفقيد في ذلك كلّه.

و بعد أن أنهى الدور الإعدادي (السطوح)، تفرّغ للدراسات العالية في الفقه و الأصول و الفلسفة. و حضر فيها على أخيه الشيخ محمّد حسن مع أخيه الآخر الشيخ محمّد حسين، كما حضر درس الشيخ آقا ضياء الدين العراقي في الأصول، و درس الشيخ ميرزا محمّد حسين النائيني في الفقه و الأصول، و حضر بصورة خاصّة أبحاث الشيخ محمّد حسين الأصفهاني (رحمه الله) في الفقه و الأصول و الفلسفة الإلهيّة العالية.

و انطبع الشيخ المظفّر كثيرا بآراء أستاذه الشيخ الأصفهاني في الأصول و الفقه و الفلسفة، و جرى على نهجه في البحث في كتابه «أصول الفقه» حيث تبع منهجه في تبويب الأصول، كما يشير هو إلى ذلك في ابتداء الكتاب، كما تأثّر بمبانيه الخاصّة على ما يظهر ذلك من خلال كتابه الكبير «أصول الفقه»، فيما أجيز له أن يتحدث عنه، و يخلص له الحب و الاحترام أكثر مما يخلص تلميذ لأستاذه. و يلمس القارئ هذا الشعور و الوفاء فيما كتب المظفّر عن أستاذه في مقدّمات كتبه الفقهيّة و الفلسفيّة، و في مقدّمة الأسفار و غيرها من رسائله و مقالاته.

و تخرّج كذلك على مشايخه في الفقه و الأصول و الفلسفة، و استقلّ هو بالاجتهاد و النظر و البحث، و شهد له شيوخه بذلك. و كان خلال ذلك كلّه يشتغل بالتدريس على مستوى الدراسات الإعداديّة، و الدراسات العالية في الفقه و الأصول و الفلسفة.

ذلك كلّه خارج مدارس منتدى النشر و كلّيّتها، أمّا فيها فقد نذر حياته على تنميتها و تطويرها بمختلف الألوان. و كان يقوم فيها بتدريس الأدب و المنطق و الفلسفة و الفقه و الأصول من المستوى الأوّلي إلى المستوى العالي، لا تمنعه من ذلك مكانته المرموقة في الحوزة، و لا إمكانياته الفكريّة العالية!

و كم رأينا الشيخ محمّد رضا المظفّر يحاضر على الصفوف الأولى من مدارس منتدى النشر، و يتلقّى أسئلتهم برحابة صدر، و يدفعهم إلى البحث و الدرس و التفكير،

12

و يحشر نفسه معهم! حتى كان يبدو للإنسان لأوّل وهلة: أنّه يخاطب زملاء له في الدراسة، لا طلّابا بهذا المستوى.

و كان الشيخ يمتاز فوق ذلك كلّه بعمق النظر، و دقّة الالتفاتة، و سلامة الذوق، و بعد التفكير فيما تلقّينا عنه من الفقه و الأصول و الفلسفة.

و قد حاول الشيخ في بدء حياته الدراسيّة: أن يلمّ بعلوم الرياضيات و الفلك و الطبيعة و العروض. فقد اتّفق أن وقعت يد الشيخ على طرف من الثقافة العصريّة و هو في بدء شبابه، فتذوّقها و حاول أن يشقّ طريقا إلى هذا اللون الجديد من الثقافة، و اتّفق مع آخرين ممّن كانوا يتذوّقون هذا اللون الجديد من الثقافة، على أن يراسلوا بعض المجلّات العلميّة كالمقتطف، و بعض دور النشر؛ لتبعث إليهم هذه الصحف و الكتب التي تحمل إليهم هذا اللون الجديد من الفكر.

و أتيح للشيخ فيما بعد أن يستمرّ على هذه الحالة و يواكب الحركة الفكريّة الناشئة، و يأخذ نصيبا وافرا من هذه العلوم الجديدة، كما كانوا يسمّونها، و يتأثّر بها تأثّرا بالغا إلى جنب تأثّره بشيوخه في الفقه و الأصول و الفلسفة.

آثاره العلمية:

كان النشاط العلمي و الكتابة و التأليف يشكّل جزء مهمّا من رسالة الشيخ محمّد رضا المظفّر و نشاطه.

و إذا ضممنا نشاطه العلمي في التأليف و النشر، إلى نشاطه الإصلاحي على الصعيد العامّ و الصعيد الدراسي: للمسنا جانبا من هذا الجهد الكبير الذي كان يبذله الشيخ في حياته.

و في كتابات الشيخ يقترن جمال التعبير و سلامة الأداء و جدة الصوغ و روعة العرض، بخصوبة المادّة و دقّة الفكرة و عمق النظرة و جدة المحتوى، و يتألّف منها مزيج من العلم و الأدب يشبع العقل و يروي العاطفة.

فقد كان يجري في الكتابة كما يجري الماء، من غير أن يظهر عليه شي‏ء من الكلفة أو التصنّع، و ينساق القارئ معه كما ينساق الماء على منحدر من الأرض، من دون أن يعرقل سيرة شي‏ء، و لا يصطنع في الكتابة هذه المحسّنات البديعيّة التي تصرف الكاتب عن الانسياق مع الفكرة، و تصرف القارئ عن مجاراة الموضوع.

و المواضيع التي كان يتناولها بالكتابة و البحث مواضيع علميّة؛ كالأصول و المنطق‏

13

و الفلسفة، يعسر على الأديب أن يصوغها صياغة أدبيّة أو يفرغها في قالب أدبي من التعبير. و قد وفّق الشيخ إلى أن يضمّ إلى عمق المادة جمال العرض، و أكثر ما يبدو هذا التوفيق في كتابه «أحلام اليقظة»، حيث يناجي فيها صدر المتألّهين و يتحدّث معه فيما يتعلّق بنظرياته في الفلسفة الإلهيّة العالية، و يتلقّى منه الجواب بصورة مشروحة و بعرض قصصي جميل.

و لا أبالغ إذا قلت: إنّ الكتاب فتح كبير في الكتابة الفلسفيّة، فلا تشكو الفلسفة شيئا كما تشكو الكتابة التي لا تخضع لها أداتها. و قد حاول الشيخ المظفّر أن يخضع الكتابة للفلسفة، أو يخضع الفلسفة للكتابة، و يجمع بينهما في كتابه هذا.

و تمتاز كتابات الشيخ المظفّر- بعد ذلك- بروعة العرض و التنسيق حتى أنّ كلّ نقطة من البحث تأتي في موضعها الطبيعي، و لا تتغيّر عن مكانها الخاص حتى تختلّ أطراف البحث و يبدو عليه الاضطراب.

و يتجلّى توفيق الكاتب في التنسيق في كتاب «المنطق» أكثر من غيره، ففي هذا الكتاب يجد القارئ كيف تأخذ المواضيع بعضها برقاب بعض، و كيف يترتّب كلّ موضوع على سابقه في تسلسل طبيعي، من غير أن يحيل الطالب إلى موضوع آخر في غير هذا الكتاب، أو إلى ما يمرّ عليه فيما بعد.

و يعتبر الكتاب بالانضمام إلى شقيقاته «الأصول» و «الفلسفة»- التي لم يقدّر الله لها أن تظهر كاملة- تجديدا في كتابة الكتب الدراسيّة، و فتحا في هذا الباب.

و عسى أن يقيّض الله من يتابع خطوات الشيخ المظفّر في هذا السبيل.

و يجد الباحث بعد ذلك في كتب الشيخ المظفّر جدة البحث و التفكير التي تطبع كتاباته جميعا، و يجد ملامح هذه الجدة في البحث و التحليل واضحة قويّة في كتابه «السقيفة» عند ما يحلّل اجتماع المسلمين في سقيفة بني ساعدة، و ما حدث هناك، و عند ما يتحدّث عن موقف المهاجرين و الأنصار من مسألة الخلافة و موقف الإمام مع الخلفاء.

كما يجد هذه الجدة في المنطق عند ما يستعير العلامات المستعملة في الرياضيّات للنسب الأربع، أو عند ما يعرض للقارئ بحث القسمة، أو في غير ذلك ممّا يزدحم به هذا السفر القيّم من تجديد البحث و جمال العرض و ترابط الفكرة.

14

شعره:

و كان الشيخ المظفّر يمارس النظم في شبابه بين حين و آخر، و له شعر متين رقيق الديباجة، تجده منشورا في بعض الكتب و الصحف، و يجد القارئ فيه صورا شعريّة طريفة، و يلتقي فيه بآفاق أدبيّة جديدة. و انصرف عنه بعد ذلك إلى غيره من الشئون الفكريّة البنّاءة.

دور الشيخ في تطوير مناهج الدراسة و الإصلاح:

كان الشيخ المظفّر يحتلّ القمّة من النشاط الإصلاحي في النجف الأشرف، فقد ساهم في جميع الحركات الإصلاحية التي أدركها، و كان فيها العضو البارز الذي يشار إليه بالبنان.

إلا أن الفكرة الإصلاحية على قوّتها و إيمان أصحابها بضرورة تحقيقها في الحوزة العلمية، كان يفقدها الوضوح و التفكير المنهجي في العلاج.

و قد قدّر للشيخ فيما قدّر له، بفضل تجاريه الطويلة، أن تتبلور لديه فكرة الإصلاح و تنظيم الدراسة و الدعوة أكثر ممّا تقدّم.

و أتيح له بفضل ما أوتي من نبوغ و حكمة في معالجة هذه القضايا أن يكشف عن الجذور الأولى للمشكلة، و يدعو إخوانه و أبناءه بإخلاص إلى معالجة المشكلة من هذه الجذور.

و المشكلة فيما كان يبدو للشيخ تواجهنا في جهتين: في مجال الدراسة، و في مجال الدعوة.

ففي مجال الدراسة: لاحظ أن التدريس في مدرسة النجف الأشرف ينتظم في مرحلتين:

1- مرحلة المقدّمات و السطوح.

2- مرحلة البحث الخارجي.

و تعتبر مرحلة السطوح دورا إعداديّا، بينما تعتبر مرحلة الخارج دورا للتخصّص في الاجتهاد. و طبيعة هذه المرحلة تأبى أيّ تعديل في شكلها و محتواها، و لا يمكن إخضاع هذه المرحلة من الدراسة لأيّ تنظيم منهجي خاص. و لا تتبع الدراسة في هذه المرحلة تنظيما خاصّا، و لا تكاد تشبه الدراسة بالمعنى المنهجي الذي يفهمه من الدراسة.

15

و طبيعة هذا البحث لا تتحمّل أيّ تحديد و تنظيم، و لا يمكن حصر النقاش أو تحديد البحث بحدّ خاص، كما لا يمكن أن يكون الامتحان داعيا إلى البحث و الدرس في هذا الدور.

و الدور الأوّل وحده هو الذي يعاني شيئا من النقص، و يحتاج إلى شي‏ء من التوجيه و التنظيم. و لاحظ أن أسباب ذلك ترجع إلى نقص في المادّة و ضعف في الأسلوب.

أمّا من حيث المادّة التي يتلقاها الطالب النجفي في هذا الدور من الدراسة، فلا تزال في كثير من الأحوال تقتصر على دراسة النحو و الصرف و البلاغة و المنطق و التفسير و الفقه و الأصول، مع توسّع في المادّتين الأخيرتين.

و هذه المواد على ما لها من الأهميّة في تكوين ذهنيّة الطالب لا تنهض وحدها بواجبات الطالب الرساليّة؛ من توجيه دعوة و تبشير و تثقيف. و لا يستطيع الطالب أن يقتصر على هذه المادة التي يتلقّاها في هذا الدور لو أراد القيام بدوره من التوجيه و الدعوة على أوسع نطاق.

و من حيث الأسلوب: لاحظ الشيخ المظفّر أنّ الكتب الدراسيّة التي يتعاطاها الطالب النجفي في هذا الدور لا يزال يطغى عليها طابع الغموض و التعقيد، ممّا يحوج الطالب إلى أن يصرف جهدا كثيرا في فهم العبارة و ما يظهر عليها من غموض و تعقيد، ذلك بالإضافة إلى سوء التنظيم في تنسيق الأبحاث. ذلك فيما يخصّ تنظيم الدراسة.

أمّا ما يخصّ الدعوة و التوجيه: فقد وجد الشيخ المظفّر أنّ أداة الدعوة المفضّلة هي الخطابة و الكتابة، و الدعوة الإسلاميّة تعاني ضعفا في هذين الجانبين.

أمّا فيما يخصّ الخطابة فقد كان (رحمه الله) يلاحظ أنّ أسلوب الخطابة في النجف بوضعها الحاضر لا يفي برسالة النجف بالشكل الذي يليق بمركزها الديني، و لا يتمّ للخطيب أن يقوم بواجبه الإسلامي على نطاق واسع ما لم يطّلع على آفاق الفكر الحديث، و شئون المعرفة التجريبيّة، بالإضافة إلى الإحاطة الكاملة بشئون الفكر الإسلامي؛ من فقه و تفسير و حديث و تاريخ و ما إلى ذلك.

و فيما يخصّ الكتابة الإسلاميّة، كان يلاحظ أنّ مكانة النجف الدينيّة تتطلب منها أن تساهم في نشر الفكر الإسلامي على نطاق أوسع من الشكل الحاضر، و أن‏

16

تنطلق الدعوة الإسلاميّة منها عن طريق الكتابة و التأليف و الصحافة و النشر على أوسع مجال، و أن يشمل هذا التيار الفكري الذي ينطلق عنها و الذي يحمل معه الإيمان و الإصلاح في وضوح و جلاء أقطار العالم، و أينما يحلّ إنسان على ظهر هذا الكوكب، في الوقت الذي كان يلاحظ فيه أنّ مدرسة النجف لا تعوزها في كثير من الأحيان مادّة الكتابة و البحث.

و من جهة ثانية، كان يلاحظ أنّ طابع الفرديّة هو الذي يغلب على الكتابة النجفيّة، و الأبحاث التي يعرضها الكاتب النجفي، فهي أقرب إلى الجهد الفردي منه إلى الجهد الجماعي.

و من جهة ثالثة، لم تتوفّر في النجف في ذلك العهد مطابع مجهّزة، و لا دور جاهزة للنشر تليق بالمادّة العلميّة التي تعرضها النجف على المطبعة.

و كذلك أتيح للشيخ المظفّر أن يدرس الحالة في النجف بموضوعيّة و شمول تامّين، و لكنه كان يعلم في نفس الوقت: إنّ عرض المشكلة لا يؤدي إلى شي‏ء ما لم تتضافر الجهود مخلصة صادقة لتلافي النقص. و كان يعلم إنّ الأساليب السلبيّة لا تنفع لمواجهة الحالة، و الهدم لا يفيد و لا ينهض بشي‏ء ما لم يكن هناك بناء وراء ذلك، و إنّ العمل الإصلاحي لا ينفع في مثل هذه الظروف ما لم يكن مقرونا إلى دراسة الوضع دراسة موضوعيّة شاملة، و إلى الرويّة و التدرج في العلاج.

أدرك الشيخ كلّ ذلك، و فكّر في ذلك كلّه طويلا، و شمّر عن ساعد الجدّ ليخوض ميدان العمل؛ و هو يدري أنّ هناك عقبات صعابا تعرقل سيره في هذا الطريق.

و أوّل ما بدا له إيجاد جماعة واعية من إخوانه فضلاء الحوزة تفهم ملابسات الحياة النجفيّة، و تعي واقع الرسالة الفكريّة الضخمة التي تحملها النجف.

و في رابع شوال عام 1353 ه المصادف 10/ 1/ 1935 م قدّم ثلّة من الشباب الروحانيين- فيهم الشيخ- بيانا إلى وزارة الداخليّة يطلبون فيه تأسيس جمعيّة دينيّة بالنجف الأشرف باسم (منتدى النشر)، مصحوبا بالنظام الأساسي. و بعد اللتيا و التي أجازت الوزارة فتح المنتدى‏ (1).

____________

(1) نظام منتدى النشر.

17

و أعقبها بمحاولة لتنظيم الدراسة، و تبسيط الكتب الدراسيّة و توسيع المناهج الدراسية، و وجد أنّ الدراسة المنهجيّة هي الخطوة الأولى في هذا الطريق، و مهما كانت ضرورة الدراسة الفرديّة، و مهما قيل في جدواها فلا بدّ أن ينضم إلى هذا اللون من الدراسة لون آخر من الدراسة، يعتمد على نظام خاص. و بهذا الشكل حاول أن يحقّق جزء من الإصلاح.

فوضع في سنة 1355 ه الخطّة لتأسيس مدرسة عالية للعلوم الدينيّة، أو كلّيّة للاجتهاد بفتح الصف الأوّل الذي كان يدرّس فيه أربعة علوم: الفقه الاستدلالي، و التفسير، و علم الأصول، و الفلسفة، على شكل محاضرات توضع بلغة سهلة واضحة، فتبرّع بتدريس الأوّل و الثاني الشيخ عبد الحسين الحلّي، و تبرّع بتدريس الثالث و الرابع الشيخ عبد الحسين الرشتي.

و كان تبرّع هذين العلمين بالتدريس دراسة منظمة من أهمّ الأحداث في تاريخ النجف الأشرف، و يعدّ تضحية نادرة منهما تذكر مدى الدهر بالتقدير و الإعجاب بروحهما الإصلاحيّة. و لم تأت العطلة الصيفيّة إلا و تعطّل هذا الصف ليعود بعدها، و لكنّه أبى، و لا يدري غير بعض أعضاء مجلس الإدارة أ كان إباؤه عن دلال أم ملال، أم عن شي‏ء آخر غير منتظر حتى من مثل هذين العلمين نفسهما؟! قاتل الله الشجاعة الأدبيّة كيف تعزّ في أشدّ ظروف الحاجة إليها (1).

و في سنة 1376 ه بعد محاولات عديدة و تجارب طويلة أسّس الشيخ المظفّر كلّيّة الفقه في النجف الأشرف، و اعترفت بها وزارة المعارف العراقيّة سنة 1377 ه.

يدرّس فيها: الفقه الإمامي، و الفقه المقارن، و أصول الفقه، و التفسير و أصوله، و الحديث و أصوله (الدراية) و التربية و علم النفس، و الأدب و تأريخه، و علم الاجتماع، و التاريخ الإسلامي، و الفلسفة الإسلاميّة، و الفلسفة الحديثة، و المنطق، و التاريخ الحديث، و أصول التدريس، و النحو و الصرف، و إحدى اللغات الأجنبيّة.

و قد بذل فقيدنا الشيخ حياته في سبيل تنمية هذه المؤسّسة بإخلاص و إيمان يعزّ مثله في نفوس المجاهدين، فكان يقوم بتدريس الفلسفة الإسلاميّة، و إدارة الصفوف عند غياب بعض المدرسين في سائر العلوم. و كان في الوقت نفسه يعدّ مجلدات‏

____________

(1) منتدى النشر أعماله و آماله 8- 9: الشيخ محمّد رضا المظفر.

18

كتابه القيّم «أصول الفقه» للتدريس في كلّيّة الفقه، و يباشر مهام الإدارة و العمادة و التأليف، و حتى تدوين السجلات في بعض الأحيان.

و كم رأيت الشيخ و هو يقوم بتدوين بعض سجلات الطلبة، أو طباعة بعض الرسائل بالآلة الطابعة؟

و كذلك قامت المؤسسة على عاتق الشيخ الفقيد، و أودعها حياته و شيّدها بحبات قلبه، و بذل في سبيلها جميع إمكانياته.

كلّ ذلك إلى جنب المؤسّسات و المشاريع الثقافية الإسلاميّة الأخرى التي أسّسها الشيخ، و أتيح لها الاستمرار أو أصابها الفشل، و إلى جنب حركة النشر و التأليف التي بعثها الشيخ في النجف كانت منها مجلتا البذرة و النجف.

و كان الشيخ المظفّر محور الحركة في مختلف وجوه هذا النشاط، و باعثها في كثير من الأحيان، و لم يظهر على حديثه أو قلمه طيلة هذه المدّة ما يشعر بأنّه شي‏ء يذكر في هذه المؤسّسة، إلا عند ما يأتي حساب المسئوليّة فيظهر الشيخ على المسرح ليتحمّل هذه المسئوليّة بنفس ثابتة و إيمان قوي.

و ما أكثر ما شوهد الشيخ يلقي دروسا على طلابه الناشئين، أو يلقي عليهم نصائح و إرشادات، أو يقوم بتوجيههم بنفسه في روحانيّة و بساطة.

و لم يعرف الشيخ الفقيد حينا من الزمن معنى لكلمة (أنا)، لما يلابس هذه الكلمة من بعض و حبّ في غير ذات الله.

فقد كانت نفسه الكبيرة تضيق بما يسمى بالبغض، و لا تعرف معنى للخصومة و العداء، فاستمع إليه كيف يحدّد موقفه من خصومه، أو بالأحرى من خصوم المؤسّسة «... و أنا أكثر إخواني عذرا لجماعة كبيرة ممن وقف موقف المخاصم لمشروعنا، و لا سيما الذين نطمئنّ إلى حسن نواياهم و يطمئنّون إلى حسن نوايانا».

و قلّما نعهد أن تبلغ التضحية و نكران الذات في من رأينا من أصحاب الأفكار هذا الحد في سبيل الفكرة التي يؤمن بها الإنسان.

و إنّ من أحبّ الأشياء إليّ أن أختم هذا الحديث بهذه الجملة الرقيقة، التي تشفّ عن نفسيّة كاتبها الكبيرة: «و نحن مستعدّون لتضحية جديدة بأنفسنا، فنتنحّى عن العمل عند ما نجد من يحبّون أن ينهضوا به دوننا، خصوصا إذا اعتقدوا أنّهم سيعطون المشروع صبغة عامة بدخولهم، و ليثقوا أنّا عمّال للمشروع أينما كنّا و مهما

19

كانت صبغتنا فيه، و لا نريد أن نبرهن بهذا القول على حسن نوايانا. إنّ هذا لا يهمّنا بقليل و لا كثير بعد الذي كان، إنّما الذي يهمّنا أن ينهض المشروع نهضة تليق بسمعة النجف، و يؤدّي الواجب الملقى على عاتقه كاملا و بأيّ ثمن، حتى إذا كان ثمنه أرواحنا. و ما أرخصها في سبيل الواجب!

و قد صرّحنا مرارا: إنّنا لم نخط حتى الآن إلا خطوة قصيرة في سبيل ما يقصد من أهدافه». و كذلك كانت قصة النفس الكبيرة.

***

20

نبذة تاريخيّة عن علم الأصول‏

1- تعريف علم أصول الفقه:

أصول الفقه: هو العلم بالقواعد الممهّدة لاستنباط الأحكام الشرعيّة عن أدلّتها التفصيليّة التي هي: الكتاب العزيز، و السنّة الشريفة، و إجماع أهل الحلّ و العقد، و دليل العقل.

و هناك تعريف جامع مانع ذكره السيد الصدر (قدس سره): «علم الأصول: هو العلم بالعناصر المشتركة لاستنباط جعل شرعي».

2- موضوع علم الأصول:

لكلّ علم من العلوم لا بدّ أن يكون له موضوع تدور حوله بحوثه، فمثلا علم النحو موضوعه الكلمة؛ لأنه يبحث عن حالات إعرابها و بنائها و رفعها و نصبها.

فموضوع علم الأصول: «الأدلّة المشتركة في عمليّة الاستنباط».

و قيل: إن موضوع علم الأصول الأدلّة الأربعة، إلا أن هذا مردود في محلّه.

3- علم الأصول منطق الفقه:

بما أنّ علم المنطق بمراعاته يحصن الفكر عن الوقوع في الخطأ، كذلك علم الأصول- بمراعاة قوانينه- يحصن الفقيه في تفكيره الفقهي عن الوقوع في الخطأ في عمليّة استنباط الأحكام. غاية ما في الأمر: أنّ المنطق يوضح المناهج العامّة للاستدلال، بينما علم الأصول يبحث عن نوع خاص من عمليّة التفكير و هو التفكير الفقهي في عمليّة استنباط الأحكام.

4- أهمية علم الأصول في عملية الاستنباط:

يقول السيّد (قدس سره): لسنا بحاجة إلى التأكيد على أهمية علم الأصول و خطورة دوره في عالم الاستنباط؛ لأنه ما دام يقدّم لعملية الاستنباط عناصرها المشتركة و يضع لها نظامها العام، فهو عصب الحياة فيها. و بدون علم الأصول يواجه الشخص في الفقه ركاما متناثرا من النصوص و الأدلة، دون أن يستطيع استخدامها و الاستفادة منها في الاستنباط؛ كإنسان يواجه أدوات النجارة و يعطى منشارا و فأسا

21

و ما إليها من أدوات؛ دون أن يملك أفكارا عامة عن عملية النجارة، و طريقة استخدام تلك الأدوات.

و كما أن العناصر المشتركة ضرورية لعملية الاستنباط فكذلك العناصر الخاصة التي تختلف من مسألة إلى أخرى، كمفردات الآيات و الروايات المتناثرة، فإنها الجزء الضروري الآخر فيها، فلا يكفي مجرد الاطلاع على العناصر المشتركة التي يمثلها علم الأصول؛ و من يحاول الاستنباط على أساس الاطلاع الأصولي فحسب نظير من يملك معلومات نظرية عامة عن عملية النجارة، و لا يوجد لديه فاس و لا منشار و ما إليهما من أدوات النجارة.

فكما يعجز هذا عن صنع سرير خشبي مثلا كذلك يعجز الأصولي عن الاستنباط، إذا لم يفحص بدقة العناصر الخاصة المتغيرة من مسألة إلى أخرى.

فالعناصر المشتركة و العناصر الخاصة قطبان مندمجان في عملية الاستنباط، و لا غنى للعملية عنهما معا.

5- أدوار أصول الفقه و مراحله:

مرّ علم الأصول بأدوار و مراحل، و يمكن طرحها على شكل مدارس أربع:

المدرسة الأولى أو مدرسة ما قبل التأليف:

إن بذرة الفكرة الأصولية قد وجدت لدى فقهاء أصحاب الأئمة (عليهم السلام) منذ أيام الصادقين (عليهم السلام)، و من الشواهد التاريخية على هذا الزعم:

الروايات المروية في كتب الحديث التي لها ارتباط تام بجملة من العناصر المشتركة في عملية الاستنباط.

و لا بأس في طرح بعض المصاديق: و من الشواهد التي وردت في حجية الظواهر و العموم: أنه روى الطوسي ... قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) فانقطع ظفري فجعلت على إصبعي مرارة فكيف أصنع بالوضوء؟

فقال: «يعرف هذا و أشباهه من كتاب الله، قال الله تعالى: ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ‏» (1)

فإنّ استدلال الإمام بالآية يدلّ على حجيّة ظواهر الكتاب و العمل بعموم الآيات.

____________

(1) أعيان الشيعة 1: 387.

22

و من جملة الرّوايات التي وردت في الجواز بالعمل بالعام و المطلق و نحوها، و جواز التفريع على الأصول الكليّة:

روى ابن إدريس، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إنّما علينا أن نلقي إليكم الأصول و عليكم التفريع» (1).

و روي أيضا من كتاب أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن الرضا (عليه السلام) قال: «علينا إلقاء الأصول و عليكم التفريع» (2).

و من جملة الروايات التي وردت في أصل البراءة:

ذكر الصدوق عن الصادق (عليه السلام): «كل شي‏ء مطلق حتى يرد فيه نهي» (3).

و روي في الخصال ... عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قال النبي (صلى الله عليه و آله): وضع عن أمتي ستة أشياء، و عدّ منها: ما لا يعلمون» (4).

و روى الكليني في الكافي ... عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «ما حجب الله علمه عن العباد فهو موضوع عنهم» (5).

و عن أبيه ... قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): «من عمل بما علم كفي ما لم يعلم» (6).

و روى الطوسي ... عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث من أحرم في قميصه قال: «أيّ رجل ركب أمرا بجهالة فلا شي‏ء عليه» (7).

و من جملة الروايات التي وردت في أصالة الحل في المشتبه مع عدم العلم:

روى الصدوق و الطوسي ... عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «كل شي‏ء فيه حلال و حرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه فتدعه» (8).

____________

(1) أعيان الشيعة 1: 387.

(2) أعيان الشيعة 1: 387.

(3) أعيان الشيعة 1: 388.

(4) أعيان الشيعة 1: 388.

(5) أصول الكافي 1: 164، ح 3.

(6) أعيان الشيعة 1: 388.

(7) أعيان الشيعة 1: 388.

(8) أعيان الشيعة 1: 389.

23

و عن أحمد بن محمّد الكوفي. عن أبي عبد الله (عليه السلام) في «الجبن» قال:

«كل شي‏ء لك حلال حتى يجيئك شاهدان أنّ فيه ميتة» (1).

و من جملة الروايات التي وردت في حجية خبر الواحد الثقة:

روى الكليني ... عن أبي الحسن (عليه السلام) قال سألته و قلت: من أعامل؟

و عمّن آخذ؟ و قول من أقبل؟

فقال: «العمري ثقتي فما أدّى إليك عني، فعنّي يؤدّي، و ما قال لك عنّي، فعنّي يقول ...» (2).

و روى الكشّي في كتاب الرجال ... عن الرضا (عليه السلام) قال: قلت لا أكاد أصل إليك أسألك عمّا أحتاج إليه من معالم ديني، أ فيونس بن عبد الرحمن ثقة آخذ عنه ما أحتاج إليه من معالم ديني؟ قال: «نعم.» (3).

و من جملة الروايات التي وردت في عدم جواز التكليف بما لا يطاق:

روى الكليني ... عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إنّ الله أكرم من أن يكلّف النّاس ما لا يطيقون.» (4).

و روى الطوسي ... قال سألته عن المريض لا يستطيع الجلوس؟ قال: «و لن يكلّفه الله ما لا طاقة له به.» (5).

و من جملة الروايات التي وردت في وجوب الاجتناب عن الشبهة المحصورة:

روى الكليني ... قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل معه إناءان فيهما ماء، وقع في أحدهما قذر لا يدري أيّهما هو؟ و ليس يقدر على ماء غيره؟

قال: «يريقهما جميعا و يتيمّم» (6).

و من جملة الروايات التي وردت في الاستصحاب:

روي عن الصدوق. أنه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل يجد في إنائه‏

____________

(1) أعيان الشيعة 1: 389.

(2) أعيان الشيعة 1: 390.

(3) أعيان الشيعة 1: 390.

(4) أعيان الشيعة 1: 391.

(5) أعيان الشيعة 1: 391.

(6) أعيان الشيعة 1: 391.

24

فأرة و قد توضأ من ذلك الإناء مرارا، أو اغتسل منه، أو غسل ثيابه؟

فقال: «إن كان رآها في الإناء فعليه أن يغسل ثيابه، و يغسل كلّ ما أصابه ذلك الماء، و يعيد الوضوء و الصلاة، و إن كان إنّما رآها بعد ما فرغ من ذلك و فعله فلا يمس من الماء شيئا، و ليس عليه شي‏ء، لأنّه لا يعلم متى سقطت فيه، ثم قال: لعلّه أن يكون إنّما سقطت فيه تلك الساعة التي رآها» (1).

و روى الطوسي ... عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «الماء كلّه طاهر حتى يعلم أنّه قذر ...» (2). و إذا أردت التفصيل فعليك بمراجعة كتاب علم الأصول تاريخا و تطورا للشّيخ علي الفاضل القائني.

المدرسة الثانية أو بداية عصر التأليف:

«وصفنا هذه المرحلة بأنّها مرحلة بداية عصر التأليف؛ لأن أصحابنا قد بدءوا يصنّفون في هذا العلم، و إن كانت هذه المصنّفات ابتدائية غير متطورة، علاوة على إنها لم تكن تفي بالغرض المطلوب في هذا العلم. و كان المعلم في هذه المدرسة أو المؤسس لها هو ابن أبي عقيل، و ابن الجنيد، و أبو منصور الصرام، و ابن داود، و الشّيخ المفيد، و السيّد المرتضى» (3).

و كان نتيجة هذا الجهد العظيم و ثمراته حدوث المدرسة الآتية:

المدرسة الثالثة:

«و العصر الذي اختمرت فيه تلك البذور و أثمرت، و تحدّدت معالم الفكر الأصوليّ و انعكست على مجالات البحث الفقهيّ في نطاق واسع؛ هو عصر شيخ الطائفة الإماميّة الطوسيّ و من بعده الرجالات الكبار، كابن إدريس الحلّيّ، و سديد الدين محمود الحمصي. صاحب المنقذ من التقليد و المرشد إلى التوحيد و المصادر في أصول الفقه. و أبو القاسم المحقق الحلّيّ، و العلامة الحلّيّ، و الشهيد الأوّل و الثّاني، و الشّيخ حسين العاملي صاحب العقد الطهماسبي، و ابنه الشّيخ بهاء الدّين العاملي صاحب زبدة الأصول، و الحسن بن زين الدّين صاحب معالم الدين، و الآقا حسين‏

____________

(1) أعيان الشيعة 1: 392.

(2) أعيان الشيعة 1: 392.

(3) علم الأصول تاريخا و تطورا للشّيخ علي الفاضل القائني.

25

الخوانساري، و جمال الدّين الخوانساري، و الملا صالح المازندراني، و الملا ميرزا الشيرواني، و سلطان العلماء، و الفاضل التوني صاحب الوافية، و صدر الدّين الرضوي شارح الوافية و غيرهم من أعلام الأصوليين» (1).

المدرسة الرابعة:

«و نقصد بهذا المرحلة التي بلغ فيها هذا العلم شوطا ممتازا، بحيث أنّه وصل إلى الصورة التي نراه عليها أيّامنا هذه».

و كان ذلك بصرف جهود جبّارة، و عناية كبيرة على يد الوحيد البهبهاني. و في هذه المرحلة أخذ هذا العلم ينمو و يتطوّر حتى وصل إلى درجة رفيعة و مرتبة سامية، و كان هذا التطوّر و التكامل نتيجة سير ثلاث مراحل تعاقبت بعد الوحيد البهبهاني.

1- المرحلة الأولى، أو الدورة الابتدائية:

و حصل هذا التطوّر في هذه المرحلة على يد تلامذة الوحيد البهبهاني و هم:

السيّد مهدي الطباطبائي بحر العلوم.

و الشيخ جعفر كاشف الغطاء النجفي.

و الميرزا أبو القاسم الجيلاني القمي.

و السيّد علي صاحب الرياض.

و الشّيخ أسد الله التستري.

2- المرحلة الثّانية:

و حصل التقدم في هذه المرحلة على متخرّجي أساتذة المرحلة الأولى، و هم:

الشّيخ محمّد تقي بن عبد الرحيم الأصفهاني.

و شريف العلماء المازندراني.

و السيّد محسن الأعرجي الكاظمي.

و ملا أحمد النراقي الكاشاني.

و الشيخ محمّد حسن صاحب الجواهر النجفي.

3- المرحلة الأخيرة:

و حصلت هذه المرحلة على يد تلامذة المرحلة السّابقة، و كان هذا التقدّم و التطوّر

____________

(1) تصدير المحقق لكتاب فرائد الأصول.

26

العظيم على يد المؤسس الشّيخ مرتضى الأنصاري (رحمه الله)، الذي انتهى بهذا العلم إلى درجة عظيمة بحيث لم يسبقه سابق و لم يصل إليه لاحق، فقد بلغ بالعلم و التحقيق ذروته النهائية و كماله السامي إلا و قد اغترف من ينبوع هذا العالم الكبير، و سيظلّ هذا الينبوع فيّاضا إلى ما شاء الله.

فيكون هذا المحقق أكبر من تخرّج في تلك المدارس الثّلاث، و كان ثمرتها الثمينة. و في هذا المرحلة نما و ظهر رجال عباقرة، و كان لهم دور عظيم في تعريف مدرسة الشّيخ الأنصاري و تطوير مبانيه العلمية، منهم:

السيّد ميرزا حسن الشيرازي المجدد.

و المحقق الشّيخ محمّد كاظم الخراساني المعروف ب «الآخوند».

و المحقق الميرزا حسين النائيني.

و المحقق الشيخ ضياء الدين العراقي.

و المحقق الشّيخ محمّد حسين الأصفهاني المعروف ب «الكمباني» (1)، و بهذا النموذج البسيط (في تاريخ علم الأصول) نكتفي.

و الحمد لله ربّ العالمين.

____________

(1) علم الأصول تاريخا و تطوّرا للشّيخ الفاضل القائني.

27

المدخل‏

بسم الله الرحمن الرحيم‏

نحمده على آلائه و نصلي على خاتم النبيين محمّد و آله الطاهرين المعصومين.

تعريف علم الأصول (1):

علم أصول الفقه هو: «علم يبحث فيه عن قواعد تقع نتيجتها في طريق استنباط الحكم الشرعي».

____________

(1) تمهيد: قبل الدخول في تعريف علم الأصول بالتعريف الاصطلاحي نذكر معناه اللغوي، ثم مرتبته من حيث الشرف، و من حيث التعليم و التعلم بالنسبة إلى الفقه، و بالنسبة إلى سائر العلوم.

نقول:

- الأصول في اللغة: القوانين و القواعد التي يبنى عليها العلم (المنجد).

- مرتبة علم الأصول: مرتبة علم الأصول من حيث الشرف متأخر عن علمي الكلام و الفقه، كما أن علم الكلام متقدّم على علم الفقه أيضا؛ لأنّ شرافة العلم بشرافة موضوعه و غايته، و موضوع علم الكلام- و هو المبدأ و المعاد- أشرف الموضوعات، و غايته- و هي معرفة أصول الدين- أفضل الغايات و أعظمها.

و أما مرتبته من حيث التعليم و التعلّم: فهو أفضل من علم الفقه باعتباره مقدمة لعلم الفقه أي: بعلم الأصول يستطيع الفقيه أن يستنبط الحكم الشرعي، فلا بدّ إذا أن يتعلم علم الأصول أولا، و من هنا يتضح مقدمية علم الأصول على علم الفقه للفارق بينهما ... فالأصول من حيث المرتبة بداية الاجتهاد، و نهاية العلوم الدخيلة في استنباط الحكم الشرعي.

أمّا بالنسبة إلى سائر العلوم: فهو متأخر عن جملة من العلوم العربية و علم المنطق، فإن علم المنطق أعم من علم الأصول؛ لأنّ علم المنطق يعلمك القواعد العامة للتفكير الصحيح في جميع العلوم، و لذا عرفوا علم المنطق بأنه (آلة قانونية تعصم مراعاتها الذهن عن الخطأ في الفكر). بينما علم الأصول يعلمك القواعد العامة للتفكير الصحيح في خصوص استنباط الحكم الشرعي، و هذا خاص بالفقهاء فقط.

بينما علم المنطق ليس خاصا بالفقهاء؛ بل القواعد العامة بيد جميع المكلفين الفقهاء منهم و العوام.

ما هو الفرق بين القاعدة الفقهية و المسألة الأصولية؟

- الفرق الأول: أن القواعد الفقهية يشترك فيها الفقيه و غيره كسائر الأحكام الإلهية، بخلاف المسائل الأصولية، فإنها تختص بالعلماء و الفقهاء.

- الفرق الثاني: القواعد الفقهية غالبها من المسلّمات بين الفقهاء، بخلاف المسائل الأصولية، فلهم فيها اختلاف كثير.

- الفرق الثالث: أن القاعدة الفقهية قاعدة تشتمل على حكم شرعي عام- مستنبطة من القاعدة

28

(مثاله): إن الصلاة واجبة في الشريعة الإسلامية المقدسة، و قد دلّ على وجوبها

____________

الأصولية- تطبق على أفرادها في الخارج، بينما القاعدة الأصولية هي قاعدة عامة يستنبط من خلالها أحكاما شرعية كلية مغايرة لذلك الحكم العام على حد تعبير فضيلة العلامة الأستاذ الشيخ باقر الإيرواني، ثم يبين في المقام مثالا لأجل التوضيح: قاعدة الطهارة التي هي قاعدة فقهية، و التي تنص على أن كل شي‏ء يشك في نجاسته فهو محكوم بالطهارة. إنّ هذه القاعدة تتضمن حكما شرعيا عاما، و إذا طبقناها على مواردها لم نحصل على أحكام أخرى تتغاير و مضمونها؛ بل على أحكام تتفق و مضمونها، بيد أنها أضيق، فإذا كان لدينا ملابس نشك في نجاستها، فمن خلال تطبيقها عليها نحكم بأنها طاهرة. و الحكم بالطهارة على الملابس التي يشك في نجاستها هو بنفسه مضمون قاعدة الطهارة، و ليس شيئا غيره، غايته أنّه أضيق و خاص بالملابس.

و هذا بخلاف قاعدة حجية خبر الثقة التي هي قاعدة أصولية، فإنّه من خلال تطبيقها نستفيد حرمة العصير العنبي إذا غلى فيما إذا دلّ خبر ثقة على ذلك، و الحرمة المذكورة ليست مصداقا لمضمون حجية خبر الثقة؛ بل هما شيئان متغايران تمام التغاير، إلا أن أحدهما يستنبط منه الثاني و يستحصل عليه من خلاله.

إذا: القاعدة الفقهية حكم شرعي عام يستفاد من خلال تطبيقها أحكام شرعية جزئية هي مصاديق لذلك الحكم العام، بخلافه من القاعدة الأصولية، فإن ما يستحصل عليه منها هي أحكام شرعية مغايرة لذلك الحكم العام.

و يمكن أن نعبّر عن هذا الفارق الأول بتعبير ثان و هو: أن القاعدة الفقهية يستفاد منها في مجال التطبيق على مصاديقها، بينما القاعدة الأصولية يستفاد منها في مجال الاستنباط؛ على حد تعبير فضيلة العلامة الأستاذ الشيخ باقر الإيرواني في قواعده الفقهية.

- الفرق الرابع: أن القاعدة الفقهية تقدّم لنا من خلال تطبيقها أحكاما جزئية، بخلاف القاعدة الأصولية فإنها تقدم لنا أحكاما كلية، فبتطبيق قاعدة الطهارة على مواردها نستفيد: أن هذا الماء طاهر، و ذاك الطعام طاهر، بينما نستفيد من خلال تطبيق قاعدة حجيّة خبر الثقة: أن العصير العنبي الكلي إذا غلى حرم؛ لا أن هذا العصير أو ذاك العصير الخاص يحرم إذا غلى.

تعريف علم الأصول: الأصول جمع أصل، و أصل الشي‏ء في اللغة: أساسه القائم عليه، و لذا قال أهل اللغة: الأصول هي القوانين و القواعد التي يبنى عليها العلم (المنجد). هذا المعنى اللغوي هو المراد بأصول الفقه، و قالوا في تعريف علم الأصول: هو «العلم بالقواعد الممهدة لاستنباط الحكم الشرعي».

- فالقواعد: جنس عام يشمل كل قاعدة، فمعنى أصول الفقه أي: قواعده.

- ممهدة لاستنباط الحكم الشرعي: تخصه بقواعد هذا العلم و تخرج قواعد علم العربية و المنطق مثلا، فإنها و إن كانت تفيد في الاستنباط و لكن لم تمهد له.

- و الشرعية: تخرج أحكام أصول الدين التي تعرف بالعقل.

- و الفرعية: تخرج أحكام أصول الدين التي تعرف بالعقل.

29

من القرآن الكريم قوله تعالى:

____________

و في مقام توضيح هذا التعريف نقول: إن الفقيه إذا وقف أمام الآية الكريمة: وَ إِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها. [النساء: 86]، و يريد أن يستدل على وجوب رد التحية من هذه الآية. ما هو العمل؟ يستعين الفقيه بقواعد خاصة من خلالها يصل إلى الحكم، فيستعين بظهور صيغة الأمر في الوجوب، و يستعين أيضا بحجية الظهور. فهاتان القاعدتان ممهدتان لاستنباط الحكم الشرعي بوجوب رد التحية إذا: نفهم من خلال هذا أن الفقيه استعان بقاعدتين هما:

1- الأمر ظاهر في الوجوب ... صغرى.

2- كل ظهور حجة ... كبرى.

النتيجة: رد التحية واجب.

إذا: ظهور الأمر في الوجوب و الظهور حجة تشكلان قاعدتين أصوليتين لأنهما وقعتا في طريق الاستنباط للحكم الشرعي، و كل قاعدة وقعت في طريق استنباط الحكم الشرعي فهي قاعدة أصولية.

و ذهب إلى هذا التعريف مشهور الفقهاء إلى أن جاء صاحب الكفاية و عرفه «بأنها ما يعرف بها القواعد التي تقع في طريق استنباط الأحكام أو التي ينتهي إليها في مقام العمل». و سوف نعرف لما ذا اختار صاحب الكفاية (قدس سره) هذا التعريف دون الأول.

و بعد هذا السرد المختصر للتعريف المشهور نذكر الاعتراضات التي وجهت إليه، و هذه الاعتراضات ذكرها السيّد محمّد باقر الصدر في حلقاته الأصولية و هي أربعة:

الاعتراض الأوّل: على تعريف المشهور لهذا العلم لا يشمل الأصول العمليّة مع أنها من أمّهات المسائل الأصوليّة، و الوجه مع عدم شموله لها: أن الأدلّة التي يستعين بها الفقيه في مقام الاستنباط قسمان: أمارات و أصول عمليّة، فإذا شكّ الفقيه أن التدخين حرام أو لا فإن كانت لديه أمارة- كخبر الثقة- تدل على الحرمة مثلا ثبت عنده حينذاك الحكم الشرعي و هو أن التدخين حرام، فإن الأمارة هنا وقعت في طريق الاستنباط الحكم الشرعي، أما إذا لم تتوفر للفقيه أمارة يحدد من خلالها الوظيفة الشرعية للمكلف ما ذا يصنع الله «عزّ و جل»؟ هل يجعل الله المكلف في حيرة في مقام العمل بأن لا يدري هل التدخين حرام أم حلال؟ و لأجل رفع هذه الحيرة عند المكلف نصب الله عزّ و جل الأصول العمليّة.

إذا: الأصول العملية تأتي في مرتبة متأخرة بعد فقدان الأمارة و العجز منها عن تحديد الحكم الشرعي فتقول الأصول العملية: إذا عجزت عن تحديد الحكم الشرعي من خلال الأمارة فوظيفتك العمليّة إباحة التدخين، فإن الأصول العمليّة لا يكون مفادها حكما شرعيا، و لا يتوصل بها إلى حكم شرعي كالأصول العقلية من البراءة و الاشتغال، فإن مفادها ليس إلا المعذرية أو المنجزية.

إذا: الأصول العملية ليست من المسائل الأصوليّة بمقتضى تعريف المشهور؛ لأنها لا تقع في طريق استنباط الحكم الشرعي بل و صلاحيتها فقط تحديد الوظيفة الشرعية عند فقدان الأمارة.

الجواب على هذا الاعتراض: ظل تعريف المشهور لعلم الأصول هو السائد، إلى أن خالفه صاحب الكفاية نتيجة لبعض الاشكالات‏

30

وَ أَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ، إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً.

____________

و الإيرادات التي وردت على هذا التعريف و من جملتها الاعتراض المذكور أعلاه. و لأجل رفع هذا الاعتراض عرف صاحب الكفاية علم الأصول بأنه (العلم بالقواعد الممهدة لاستنباط الحكم الشرعي، أو التي ينتهي إليها في مقام العمل التي هي عبارة عن الأصول العملية، حيث أن المجتهد بعد فقدان الأمارات ينتهي إلى الأصول العملية في مقام العمل لتحديد وظيفته العملية عند جهله بالحكم الشرعي.

و النقطة التي يفترق بها صاحب الكفاية في تعريفه عن تعريف المشهور هي: زيادته القيد الأخير في تعريفه، و هو (أو التي ينتهي إليها في مقام العمل)، و بهذا القيد تدخل الأصول العملية؛ لأنها ينتهى إليها في مقام العمل و ذلك بتحديدها الوظيفة العملية للمكلف.

- و هناك جواب آخر على هذا الاعتراض ذكره العلماء، و أنا أنقله من الحلقة الثالثة في أسلوبها الثاني لفضيلة الأستاذ الشّيخ باقر الإيرواني و محصله: ما هو مذكور في كلمات السيّد الخوئي (قدس سره) و استصوبه السيّد الشهيد (قدس سره) في تقريرات درسه، و هو تفسير الاستنباط بتفسير جديد، فسابقا كان يفسّر بتحصيل الحكم و استخراجه من الأدلة الشرعية، و بناء على هذا يكون الإشكال تاما، حيث أن الأدلة التي يستحصل منها الحكم هي خصوص الأمارات دون الأصول، و الآن يفسّر الاستنباط بالتنجيز و التعذير، فكل قاعدة تنجز الحكم الشرعي أو تكون معذرة عند مخالفته فهي أصولية، و واضح كما أن الأمارات تنجّز و تعذّر كذلك الأصول العملية، فالتدخين إذا كنا لا نعرف أنه حرام واقعا أو لا فمتى ما دلت أمارة- كخبر الثقة مثلا- على أنه حرام واقعا كانت منجزة للحرمة، و إذا دلت على إباحته كانت عذرا في مخالفة الحرمة على تقدير ثبوتها واقعا (1). هذا في الأمارة، و هكذا في الأصل فإنه منجّز و معذّر أيضا، فالأصل الذي نتمسّك به إذا كان أصل البراءة أفادنا العذر من مخالفة الحرمة لو كانت ثابتة واقعا، و إذا كان أصل الاحتياط فهو منجز للحرمة لو كانت ثابتة واقعا.

الاعتراض الثاني: إن تعريف المشهور لعلم الأصول لا يختص بالمسائل الأصولية بل يشمل القواعد الفقهية، و على سبيل المثال نذكر القاعدة المعروفة «كل معاملة إذا كان في صحيحها ضمان ففي فاسدها ضمان أيضا».

و المقصود من هذه القاعدة على حد تعبير فضيلة الأستاذ باقر الإيرواني: إنك لو اشتريت كتابا لتدرس فيه مثلا و في الطريق تلف لسبب و آخر فعلى من تكون خسارته؟ فهل خسارته على البائع أو على المشتري؟ الصحيح إنها على المشتري لأن ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده.

إذا: في البيع الصحيح خسارة الكتاب لو تلف و ضمانه- لا بدّ من الالتفات إلى أن المقصود من الضمان في القاعدة هو الخسارة و التلف- على المشتري، و لو فرض أن البيع كان فاسدا- كما إذا كان‏

____________

(1) مصطلح التنجيز يستعمل عند ما تدل الأمارة أو الأصل على حكم الزامي و هو الوجوب أو الحرمة، فيتنجز كل واحد منهما على تقدير ثبوته واقعا، بينما مصطلح التعذير يستعمل عند ما يدلان على الإباحة، حيث يكونان عذرا من مخالفة الحرمة أو الوجوب لو كانا ثابتين واقعا.

31

و لكن دلالة الآية الأولى، متوقفة على ظهور صيغة الأمر- نحو

أَقِيمُوا

هنا-

____________

قد أجري بالفارسيّة بناء على اشتراط العربية في العقد- و كان المتبايعان يتخيّلان أنه صحيح و اتضح لديهما بعد ذلك أنه فاسد. و لكن قبل اتضاح فساده لهما نفرض أن الكتاب تلف فعلى من تكون خسارته؟ إنها على المشتري أيضا فهو الذي ينقص من كيسه مقدار قيمة الكتاب، و لا يحق له الرجوع على البائع و مطالبته بالثمن؛ لأن البيع ما دامت خسارة الكتاب فيه على المشتري لو كان صحيحا فكذلك خسارته عليه لو كان فاسدا، و من هنا قيل: كل معاملة إذا كان في صحيحها ضمان ففي فاسدها ضمان أيضا.

و إذا فرض الأمر بالعكس بأن لم يكن في المعاملة الصحيحة ضمان ففي الفاسدة أيضا لا ضمان، فمثلا: لو استأجرت بيتا و بعد مدة تهدّمت بعض جدرانه من دون تفريط منك فهل تخسر هذا النقصان الطارئ أم لا؟ الصحيح لا تخسره.

هذا لو كانت الإجارة صحيحة. أما لو كانت فاسدة و فرض تهدّم بعض الجدران قبل اطلاعك على فساد الإجارة فهل تضمن هذا النقصان؟ كلا لا تضمن، لأن الإجارة لو كان صحيحة فليس فيها ضمان فكذلك لو كانت فاسدة، و من هنا قيل: كل ما يضمن بصحيحه- الباء بمعنى «في»- يضمن بفاسده، و كل ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده، و قد بحث الشّيخ الأنصاري (قدس سره) هذه القاعدة مفصلا في كتاب المكاسب.

إذا: هذه القاعدة الفقهية تقع في طريق استنباط الحكم الشرعي، حيث نستنبط منها أن البيع الفاسد فيه ضمان، باعتبار أن البيع الصحيح فيه ضمان، و نستنبط منها أيضا: إن الإجارة الفاسدة ليس فيها ضمان باعتبار إن الإجارة الصحيحة ليس فيها ضمان و هكذا.

إذا: يلزم من هذا أن تدخل هذه القاعدة الفقهية في علم الأصول.

و أيضا تدخل في علم الأصول قاعدتا لا ضرر و لا حرج، و بعض القواعد الفقهية العملية كقاعدة الفراغ و التجاوز، فإنّها جميعا يستنبط منها الحكم الشرعي أيضا كلّ بحسب مورده.

و الجواب على الاعتراض الثاني: بأن القاعدة الأصولية لا تكون أصولية إلا إذا توفّر فيها ركنان:

1- أن يستنبط منها حكم شرعي. 2- أن يكون ذلك الحكم حكما كليا.

قال فضيلة الأستاذ باقر الإيرواني: إن كلا من هذين الركنين مفقود في القواعد الفقهية، أما الركن الأول: فلأن مثل قاعدة «كل معاملة يضمن في صحيحها يضمن في فاسدها» هي بنفسها حكم شرعي لا إنه يستنبط منها حكم شرعي، نعم هذه القاعدة قاعدة كلية قد تطبق على هذه المعاملة أو تلك و يثبت من خلال التطبيق الضمان في بعض المعاملات و عدمه في بعض آخر، بيد إن هذا تطبيق و ليس استنباطا، و فرق واضح بين التطبيق و الاستنباط، ففي الاستنباط يكون لدينا شيئان متغايران أحدهما يثبت الآخر، و ينجز من دون أن يكون مصداقا و فردا له: نظير حجيّة خبر الثقة، فإنه إذا كان حجة فقد يستفاد منه حرمة العصير العنبي أو وجوب قراءة السورة، و معلوم إن حجية خبر الثقة ليست هي نفس حرمة العصير بل هما حكمان متغايران، غاية الأمر: أحدهما يثبت الآخر و ينجزه، هذا في الاستنباط. أما في التطبيق: فأحد المطلبين يكون مصداقا و فردا للآخر دون أن يغايره- و هذا كما في‏

32

في الوجوب، و متوقفة أيضا على أن ظهور القرآن حجة يصح الاستدلال به.

____________

قاعدة «كل ما يضمن في صحيحه يضمن في فاسده» حيث نقول: إن البيع ما دام في صحيحه ضمان ففي فاسده ضمان أيضا، فإن البيع مصداق من مصاديق تلك القاعدة لا إنه شي‏ء مباين لها- و بواسطة تطبيقه على أفراده نستفيد أحكاما جزئية أحدها مختص بالبيع و الآخر بالإجارة و ثالث بمعاملة أخرى.

و من خلال هذا يتضح اختلال الركن الثاني أيضا حيث أن المستحصل عليه من خلال تطبيق القاعدة الفقهية أحكام جزئية في موارد خاصة لا أحكام كلية، و الحال أن المقصود من الحكم الشرعي في التعريف هو الحكم الشرعي الكلي لا الحكم الجزئي.

فقول السيّد محمّد باقر الصدر (قدس سره) في أن الأحكام المستفادة من القواعد الفقهية ... إنما هي من باب تطبيق مضامينها بأنفسها على مصاديقها و أفرادها في الخارج، و ليست من باب الاستنباط غير تام، و ذلك لعدم اختصاص القواعد الفقهية بالقواعد التطبيقية بل منها ما يستنبط به الحكم بنحو التوسيط.

بمعنى: «أن القواعد الفقهية الاستدلالية، و هي القواعد التي يقررها الفقيه في الفقه و يستند إليها في استنباط الحكم الشرعي، كقاعدة ظهور الأمر بالغسل في الإرشاد إلى النجاسة التي تشبه قاعدة ظهور الأمر بشي‏ء في وجوبه. و هذان القسمان لا يمكن إخراجهما عن تعريف المشهور لعلم الأصول إلا بإجراء تعديل في التعريف.

و التعديل المقترح لذلك هو إضافة قيد (الاشتراك)، فيكون الميزان في أصولية القاعدة عدم اختصاص مجال الاستفادة و الاستنباط منها بباب فقهي معين، و بذلك يخرج القسمان المذكوران أعلاه من التعريف؛ لأن قاعدة الطهارة أو القواعد الفقهية الاستدلالية و إن كانت عامة في نفسها و لكنها لا تبلغ درجة من العمومية تجعلها مشتركة في استنباط الحكم في أبواب فقهية متعددة. و هذا هو الذي يبرر أن يكون البحث عن كلّ واحدة منها في المجال الفقهي المناسب لها، بخلاف القواعد الأصولية المشتركة في أبواب فقهية مختلفة لا تختص بباب دون باب في الفقه» (1).

الاعتراض الثالث: إن التعريف المذكور لعلم الأصول يعم المسائل اللغوية، كظهور كلمة الصعيد مثلا لدخلها في استنباط الحكم.

فعند ما نريد أن نستنبط حكم التيمم من قوله تعالى: فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً نحتاج إلى الاستعانة باللغة لمعرفة معنى الصعيد، فإذا عرفنا أنه عبارة عن مطلق وجه الأرض- و إن لم يكن ترابا- كان الحكم هو وجوب التيمم بكل ما يصدق عليه عنوان و إن لم يكن ترابا. على حد تعبير فضيلة الأستاذ باقر الإيرواني ... إذا: بظهور كلمة الصعيد في مطلق وجه الأرض استعنا بها في مقام استنباط الحكم الشرعي، فيلزم من ذلك أن يكون من علم الأصول.

و قبل الرد على هذا الاعتراض نذكر إشكالا ذكره فضيلة الأستاذ الشّيخ باقر الإيرواني في إن ظهور

____________

(1) مباحث الدليل اللفظي، ج 1. (بتصرف).

33

و هاتان المسألتان يتكفل ببيانهما (علم الأصول).

____________

كلمة الصعيد ليس مشمولا للتعريف حتى نحتاج إلى إخراجه باعتبار إنه ليس قاعدة، و إنما مختص بمادة الصعيد و ليس له شموليّة.

و الجواب: إنه قاعدة إذ تقول هكذا: كلمة الصعيد ظاهرة في مطلق وجه الأرض، نظير قولك: صيغة (افعل) ظاهرة في الوجوب، فإذا سلمت أن الثانية قاعدة فلا بدّ و أن تسلّم أن الأولى قاعدة أيضا. و حلّ الإشكال أن يقال: إن القاعدة لا تكون قاعدة إلا إذا كان لها شموليّة و استيعاب، و من الواضح أن قولنا: كلمة الصعيد ظاهرة في مطلق وجه الأرض له شموليّة أيضا؛ لأنه يشمل كلمة الصعيد في أي حكم وردت فيه، فهي تشمل كلمة الصعيد الواردة في دليل التيمم و تشمل كلمة الصعيد الواردة في دليل جواز السجود على الصعيد لو كان عندنا مثل هذا الدليل، و تشمل كلمة الصعيد الواردة في الأحكام الأخرى لو فرضت.

- و بعبارة أوضح نقول: القاعدة هي قضية كلية لها عدة مصاديق تتكون من موضوع و محمول. و ليس كل معنى كلي تكون قاعدة؛ و إلا شمل الحيوان الذي هو جنس، فإنه معنى كلي له مصاديق كثيرة.

إذا: القاعدة هي قضية كلية بأن يكون موضوعها جامعا بين موضوعات جزئية، و محمولها جامعا بين محمولات جزئية.

مثلا: ظهور كلمة الصعيد في مطلق الأرض ... حجة

هذا موضوع كلي له مصاديق ... محمول كلي له مصاديق‏

كلمة الصعيد الواردة في الآية ... حجة

كلمة الصعيد الواردة في الصوم ... حجة

كلمة الصعيد الواردة في الصلاة ... حجة

كلمة الصعيد الواردة في الطهارة ... حجة

نجد أن كلمة الصعيد الظاهرة في مطلق وجه الأرض له شموليّة و استيعاب؛ لأنّه يشمل كلمة الصعيد في أي حكم وردت فيه، فهي إذا قاعدة.

و على هذا البيان يرتفع الإشكال المذكور.

الجواب على الاعتراض الثالث: قد ذكر له السيّد الصدر (قدس سره) إجابتين:

الجواب الأول: ما ذكره الشّيخ النائيني (قدس سره): من إن القاعدة لا تكون أصولية إلا إذا توفر فيها ركنان:

أ- أن تقع في طريق استنباط الحكم الشرعي.

ب- أن تقع كبرى في الدليل. و عليه: يكون تعريف علم الأصول هو: العلم بالقواعد التي تقع كبرى في قياس استنباط الحكم الشرعي.

و عليه: تخرج كلمة الصعيد من كونها مسألة أصولية لوقوعها صغرى في قياس الاستنباط.

- و بعبارة أخرى نقول:

كلمة «الصعيد» ظاهرة في مطلق وجه الأرض ... صغرى‏

34

فإذا علم الفقيه من هذا العلم أن صيغة الأمر ظاهرة في الوجوب، و أن ظهور

____________

و كل ظهور حجّة ... كبرى‏

إذا: كلمة «الصعيد» ظاهرة في مطلق وجه الأرض ليست أصولية. لأنها لم تقع كبرى في قياس الاستنباط.

و هذه المحاولة منه (قدس سره) و إن وفقت في إخراج جملة من المسائل غير الأصولية التي قد يحتاج إليها الفقيه، كوثاقة الراوي مثلا لكونها لا تقع كبرى قياس الاستنباط. إلا أنه (قدس سره) بأخذ قيد الكبروية في التعريف أخرج الكثير من المسائل الأصولية لعدم وقوعها كبرى في قياس الاستنباط، و عليه: لا معنى لمقالة الميرزا: إن كل قاعدة وقعت صغرى في دليل الاستنباط فهي ليست أصولية، و للتدليل على صدق هذا القول نذكر ثلاثة أمثلة ذكرها فضيلة الأستاذ باقر الإيرواني في شرح الحلقة الثالثة (مع التصرف في الأسلوب) و هي ما يلي:

1- في باب التيمم نقول مثلا: صيغة «تيمموا» التي هي مصداق لصيغة «افعل» ظاهرة في الوجوب صغرى.

و كل ظهور حجة ... كبرى‏

فإنا نلاحظ الصغرى هي مسألة أصولية.

2- في كلمة العقود نقول مثلا: كلمة «العقود» الواردة في قوله تعالى‏ أَوْفُوا بِالْعُقُودِ التي هي جمع محلى بالألف و اللام ظاهرة في العموم.

«العقود» جمع المحلى بالألف و اللام ظاهرة في العموم ... صغرى‏

و كل ظهور حجة ... كبرى‏

ففي هذا المثال نرى أن الصغرى هي قاعدة أصولية، حيث أن من جملة القواعد الأصولية أن الجمع المحلى بالألف و اللام ظاهر في العموم.

3- من جملة المسائل الأصولية: مسألة أن الأمر و النهي هل يمكن اجتماعهما في مورد واحد أو لا؟

فإذا دخل إنسان دارا مغصوبة و حان وقت الصلاة كان أمر أَقِيمُوا الصَّلاةَ يأمره بالصلاة؛ بينما نهي «لا تغصب» ينهاه عن الغصب، فإذا قلنا باستحالة هذا الاجتماع في نظر العقل كانت بين «صلّ» و «لا تغصب» معارضة و تكاذب لامتناع اجتماعهما، و معه فاللازم تطبيق قواعد الدليلين المتعارضين التي هي تقديم الأقوى سندا أو الموافق للكتاب أو المخالف للعامّة و هكذا. فإذا قدّمنا دليل «صلّ» كان الشخص المصلي في الدار المغصوبة ممتثلا بلا عصيان، و لو قدّمنا «لا تغصب» كان عاصيا بلا امتثال.

أما إذا قلنا: بجواز الاجتماع بتقريب أن الأمر متعلق بعنوان الصلاة، و النهي بعنوان الغصب، و عند تعدد العنوان لا استحالة في توجيه التكليفين إلى المكلف، إذا قلنا بهذا لم يتحقق تعارض بينهما بل صح أن نقول: إن مقتضى إطلاق «صلّ» أن الصلاة مطلوبة و لو في الدار المغصوبة، و مقتضى إطلاق «لا تغصب» حرمة الغصب و لو كان متمثلا بالصلاة، فيكون المكلّف عاصيا و ممتثلا في آن واحد.

و بهذا نعرف أن مسألة اجتماع الأمر و النهي مع أنها من أمهات المسائل الأصوليّة لم تقع كبرى في الدليل بل صغرى، حيث نقول: يمتنع اجتماع «صلّ» و «لا تغصب»، و كلما امتنع اجتماعهما تحقق‏

35

القرآن حجة، استطاع أن يستنبط من هذه الآية الكريمة المذكورة أن الصلاة

____________

بينهما تعارض، ف «صلّ» و «لا تغصب» بينهما تعارض و لا بدّ من تقديم أحدهما، أو نقول: يجوز اجتماع «صلّ» و «لا تغصب»، و إذا جاز اجتماعهما لم يكن بينهما تعارض بل أمكن صدقهما و التمسّك بإطلاق كل منهما. و من خلال هذا يتجلى أن القول بامتناع الاجتماع يحقق التعارض بين الدليلين، بينما القول بالجواز يرفع التعارض و يجعلنا قادرين على التمسّك بإطلاق كل من الدليلين.

الجواب الثاني: ما ذكره السيّد الخوئي (قدس سره): من أن القاعدة لا تكون أصوليّة إلا إذا توفر فيها ركنان:

أ- أن تقع في طريق الاستنباط.

ب- أن لا تحتاج حين استنباط الحكم الشرعي منها إلى ضم قاعدة أصولية أخرى، فإذا توفر هذان الشرطين تكون القاعدة قاعدة أصولية. و أما إذا احتاجت عند استنباط الحكم الشرعي إلى قاعدة أصولية أخرى لا تكون هذه القاعدة أصولية. و على هذا يكون التعريف حينئذ كالتالي: «إنّ علم الأصول هو العلم بالقواعد التي تقع بنفسها في طريق استنباط الأحكام الشرعية الكلية الإلهية من دون حاجة إلى ضميمة كبرى أو صغرى أصولية أخرى إليها. (محاضرات في أصول الفقه، ج 1، ص 8).

و بناء على هذا: لا يكون ظهور كلمة «الصعيد» في مطلق وجه الأرض من المسائل الأصولية على حد تعبير الشيخ باقر الإيرواني، لأنا حين استنباط حكم التيمم لا يكفينا ظهور كلمة «الصعيد» وحده في تحصيل الحكم بوجوب التيمم بمطلق وجه الأرض، بل نحتاج إلى قاعدة أخرى ظاهرة في الوجوب و هي أن صيغة «افعل»- التي تنطبق على صيغة «تيمموا»- ظاهرة في الوجوب، و هذه القاعدة الأخرى أصولية.

ثمّ أورد على السيّد الخوئي (قدس سره) بنقوض مع الإجابة عليها، و هي ترجع إلى نقضين رئيسيين، و نكتفي هنا بذكر نقطة واحدة و هي: أن النقض ببحوث الدلالات بأجمعها، فإنّها لا تقع إلا صغرى الظهور، فتكون بحاجة إلى ضمّ كبرى حجية الظهور.

و بعبارة أكثر وضوحا: يلزم من كلام السيّد الخوئي (قدس سره) خروج كثير من المسائل الأصوليّة من بحوث الدلالات من علم الأصول؛ مثل: صيغة «افعل» ظاهرة في الوجوب، و صيغة «لا تفعل» ظاهرة في الحرمة، و الجملة الشرطية ظاهرة في المفهوم، و الجمع المحلى بالألف و اللام ظاهرة في العموم و هكذا في جميع بحوث الدلالات كلها تخرج من علم الأصول لأن جميع هذه المسائل تحتاج عند عملية الاستنباط إلى ضم قاعدة أصولية أخرى إليها، و هي قاعدة حجية الظهور.

أجاب (قدس سره) عنه: بأنّ حجية الظهور قاعدة مسلّمة و مفروغ عن صحّتها عند جميع العقلاء، فلا تكون مسألة أصوليّة.

يرد على هذه الإجابة إشكالان: هذه الإجابة للسيّد الخوئي (قدس سره) أشكل عليها السيّد الصدر (قدس سره) بإشكالين:

1- أن السيّد الخوئي (قدس سره) ادعى إن شرط القاعدة الأصولية عدم احتياجها إلى ضم قاعدة أصوليّة أخرى، و نحن نسأل عن المقصود من عدم الاحتياج فهل يراد به عدم الاحتياج دائما و في‏

36

جميع الموارد أو عدم الاحتياج و لو في مورد واحد؟ فإن كان المقصود هو الأوّل لزم خروج كثير من المسائل الأصوليّة عن علم الأصول مثل: مسألة أن صيغة «افعل» ظاهرة في الوجوب، و صيغة «لا تفعل» ظاهرة في الحرمة، و الجملة الشرطيّة ظاهرة في المفهوم، و هكذا فيما لو فرض أن صيغة «افعل» أو «لا تفعل» أو الجملة الشرطيّة وردت في روايات ظنيّة الصدور يرويها الثقات، فإن تحصيل الحكم من مثل الروايات المذكورة بحاجة إلى ضم قاعدة أخرى أصولية و هي أن خبر الثقة حجّة، إذ من دون ضم هذه القاعدة لا يمكن الأخذ بالرواية و استنباط الحكم منها.

و إن كان المقصود هو الثاني- أي: أن المراد من عدم الاحتياج هو عدم الاحتياج و لو في مورد واحد- فاللازم من ذلك دخول مسألة ظهور الصعيد في علم الأصول فيما إذا وردت كلمة «الصعيد» في رواية قطعيّة من حيث السند و الدلالة و بقيّة الجهات؛ بحيث لا يكون تحصيل الحكم بحاجة لشي‏ء سوى معرفة معنى كلمة «الصعيد»، بنحو لو عرفنا أن معناها مطلق وجه الأرض مثلا كان الحكم بوجوب التيمم بذلك- أي: بمطلق وجه الأرض- ثابتا بلا حاجة إلى شي‏ء آخر (1).

2- إن السيّد الخوئي (قدس سره) ذكر: بأنّ حجية الظهور قاعدة مسلّمة و مفروغ عن صحّتها عند جميع العقلاء، فلا تكون مسألة أصوليّة.

أجاب السيّد الصدر (قدس سره) على هذا قائلا: كون المسألة مسلّمة بها و مفروغ عنها و واضحة عند جميع العقلاء لا يصير سببا لعدم كونها أصوليّة (2).

و من خلال هذا السرد: يتضح: إن كلتا الإجابتين عن الإشكال و الاعتراض الثالث ليست تامة، و عليه:

يكون الإشكال الثالث واردا على التعريف. و من هنا تنشأ الحاجة إلى التفكير للوصول إلى تعريف جامع مانع ليسلم من ورود الإشكال الثالث و أي إشكال، و لذا ذهب السيّد محمد باقر الصدر إلى تعريف جامع مانع و هو أن علم الأصول عبارة عن «العلم بالعناصر المشتركة في استنباط الحكم الشرعي»، و نلاحظ أن المائز بين تعريف السيّد الصدر و تعريف المشهور هو اشتمال تعريفه (قدس سره) على كلمة مشتركة، و إلا فكلمة عناصر نفس كلمة القواعد على حد تعبير الشيخ باقر الإيرواني.

قال السيّد محمود الهاشمي‏ (3): و نلاحظ أنّ هذا التعريف يضع للمسألة الأصوليّة عدة خصائص.

الأولى: أن تكون عنصرا مشتركا لا يختصّ بباب دون باب من أبواب الفقه.

و توضيح ذلك: إنّ الأدلة التي يمارسها الفقيه في مجال استنباط الحكم الشرعي تكون على قسمين:

1- ما يكون دليلا خاصا معتمدا في استنتاج حكم فقهي معيّن، من قبيل البحث عن مدلول كلمة (الصعيد) لغة، فإنّه قد يستند إليه الفقيه كدليل على إثبات حكم شرعي في الفقه؛ إلا إنه لا يكون عنصرا مشتركا يستدل به في أبواب فقهية متنوعة.

2- ما يكون دليلا مشتركا سيالا في مختلف الأبواب الفقهية، كالبحث عن تحديد مدلول صيغة

____________

(1) الحلقة الثالثة في أسلوبها الثاني، ج 1.

(2) مباحث الدليل اللفظي، ج 1.

(3) مباحث الدليل اللفظي ج 1، ص 31.

37

الأمر أو النهي، فإنّه يوفّر للفقيه قاعدة عامة في تشخيص مداليل النصوص الشرعية المتكفلة لأمر أو نهي، و الأمر و النهي لا يختصّان بباب فقهي دون باب.

و قد لوحظ من خلال توسّع الممارسات الفقهية الاستدلالية و تطوّرها تدريجيا: أنّ القسم الثاني من عناصر الاستنباط هذه باعتبار اشتراكه في أكثر من باب فقهي و عموميته في عمليات الاستنباط يكون أوسع من البحث الفقهي في هذا الباب أو ذاك، بحيث لم يكن من الصحيح اعتباره جزء من بحوث مسألة فقهية معيّنة، أو تكرار البحث عنه في كلّ مسألة. بل الصحيح إفراد الحديث عنه في فصل مستقل تدرس فيه تلك العناصر كبرويا ثم تطبق النتائج المنقحة هناك في البحوث الفقهية كمصادرات مفروغ عنها سلفا. و من هنا بدأ البحث عن هذا القسم من عناصر الاستنباط ينفصل شيئا فشيئا عن البحوث الفقهية؛ حتى أصبح على شكل علم مستقل له خصائصه المتميزة و منهجه الخاص.

فهذه الخصوصية من أهمّ مميزات المسألة الأصوليّة، و بها تخرج مسائل اللغة التي لم يبحثها الأصوليّون عن التعريف، و كذلك جملة من القواعد الفقهية، لأنّها لا تشكّل عناصر مشتركة.

الثانية: أن يكون هذا العنصر المشترك من عناصر الاستدلال الفقهي، و نعني بالاستدلال الفقهي:

الاستدلال الذي يقوم به الفقيه لتحديد الوظيفة تجاه الجعل الشرعي الكلّي، فما لا يدخل في نطاق هذا الاستدلال لا يكون أصوليا، كقاعدة الفراغ أو أصالة الصحة، لأنّها و إن كانت عنصرا مشتركا و لكنّها مختصّة بالشبهات الموضوعية، و لا تقع عنصرا في الاستدلال المحدد للوظيفة تجاه جعل شرعي كلي.

الثالثة: أن يكون هذا العنصر المشترك مرتبطا بطبيعة الاستدلال الفقهي خاصة، و ليس من العناصر المشتركة في عمليات الاستدلال على العموم، و إلا كان بحثه من وظيفة علم المنطق لا الأصول، فإنّ علم الأصول بمثابة المنطق للفقه خاصة فهو يبحث العناصر المشتركة في الاستدلال الفقهي، بينما يبحث المنطق عن العناصر المشتركة في طبيعي الاستدلال.

الرابعة: أن يكون هذا العنصر المشترك ممّا يستعمله الفقيه في الاستدلال الفقهي دليلا على الجعل الشرعي الكلّي، و من دون فرق بين أنحاء الدليلية من كونها لفظية أو عقلية أو شرعية.

و توضيح ذلك: أنّ الأدلّة التي يعتمد عليها الفقيه في استدلاله الفقهي على أقسام:

1- الدليل اللفظي- و يراد به: كل دليل تكون دلالته على أساس الوضع اللغوي أو العرفي العام، فيشمل دلالة الفعل و التقرير أيضا.

2- الدليل العقلي البرهاني- و هو الدليل الذي تكون دلالته على أساس علاقات و ملازمات واقعية، تثبت بحكم العقل البديهي أو بتوسّط برهان.

3- الدليل العقلي الاستقرائي- و هو الدليل القائم دلالته على أساس حساب الاحتمالات، الذي هو الأساس العام في الأدلة الاستقرائية.

4- الدليل الشرعي- و هو ما جعله الشارع دليلا لتشخيص الوظيفة العملية تجاه الحكم الشرعي المشتبه.

5- الدليل العقلي العملي- و هو كلّ كبرى عقلية تشخص الوظيفة تجاه الواقع المشكوك تعذيرا أو

38

تنجيزا، كقاعدتي البراءة و الاحتياط العقليين.

و القسم الأول من هذه الأقسام يشمل مباحث الألفاظ و الدلالات، فإنّها طرّا يكون البحث فيها عن الدليلية اللفظية، و تحديد مدلول ألفاظ عامة تعتبر عناصر مشتركة لاستنباط الحكم الشرعي في أبواب فقهية متنوّعة.

و القسم الثاني يشمل بحوث الملازمات العقلية الثابتة بين الأحكام أو بينها و بين متعلقاتها، كبحث وجوب المقدمة، و اقتضاء الأمر بشي‏ء للنهي عن ضدّه، و اجتماع الأمر و النهي، و اقتضاء النهي للفساد، و بحوث اشتراط القدرة في متعلق التكليف، و إمكان أخذ القيود المختلفة في موضوع التكليف أو متعلّقه، و غير ذلك من المسائل العقلية الأصوليّة التي يكون البحث فيها عن سنخ العلاقة الثابتة بين حكمين أو بين الحكم و متعلّقه أو موضوعة، و التي يستدلّ بها الفقيه على إثبات حكم آخر أو نفيه أو تحديد موضوع الحكم أو متعلّقه، و يكون ملاك الدلالة في جميع هذه البحوث عقليا برهانيا.

و القسم الثالث يشمل مسألة حجيّة الإجماع و السيرة و التواتر، فإنّ دليلية مثل هذه الأدلة تكون استقرائية لا برهانية، إذا استثنينا بعض المسالك في حجية الإجماع، و هو المسلك الذي اختاره الشيخ الطوسي (قدس سره) المعبر عنه بقاعدة اللطف، إذ بناء عليه تكون دليلية الإجماع برهانية.

و القسم الرابع يشمل بحوث الحجج و القواعد المقرّرة شرعا لإثبات الوظيفة العملية، و هي على قسمين:

الأمارات و الأصول العملية.

و القسم الخامس يشمل مسألة البراءة و الاحتياط و التخيير العقلية، التي يشخص العقل في مواردها ما هو الوظيفة تجاه الحكم الشرعي المشتبه، فكل هذه الأقسام تدخل في نطاق علم الأصول، لأنّها عناصر مشتركة و مستعملة من قبل الفقيه كأدلة على الجعل الشرعي الكلي.

و بهذه الخصوصية تخرج مسائل علم الرجال، كوثاقة الراوي، و أدلة الرجالي، كقاعدة أنّ ترحم الإمام هل يدل على الوثاقة أو لا؟ و ذلك لأن مسائل الرجال و أدلته و إن كانت عناصر مشتركة في الاستدلال الفقهي بمعنى: أنّ الفقيه يستفيد منها في مختلف الأبواب، و لكنّها لا تكون لديه أدلة على الجعل الشرعي الكلي كما هو شأن المسألة الأصولية.

و بعبارة أخرى: «إنه ليس كل ما يكون عنصرا مشتركا هو من علم الأصول؛ بل يلزم توفر خصوصية ثانية، و هي أن يكون العنصر المشترك مما يستعمله الفقيه كدليل على الحكم الشرعي، فمسألة حجية الظهور مثلا مسألة أصولية حيث أنها- مضافا إلى كونها من العناصر المشتركة- تشتمل على الخصوصيّة الثانية، فإن الفقيه يستعمل الظهور كدليل على الحكم الشرعي، و هذا بخلافه في وثاقة زرارة فإنه يجعل الخبر الذي في سنده زرارة دليلا على الحكم الشرعي، و لا يجعل نفس الوثاقة دليلا عليه، و إنما هي تثبت كون الرواية حجة و صالحة لأن تكون دليلا على الحكم الشرعي» (1).

الاعتراض الرابع: على التعريف في كلمة «الممهّد» أي: المدوّنة، يفهم من التعريف: أن القاعدة الأصولية تكتسب أصوليتها لكونها مدونة في كتب الأصول لغرض استنباط الحكم الشرعي منها.

____________

(1) الحلقة الثالثة في أسلوبها الثاني.

39

واجبة (1).

و هكذا في كلّ حكم شرعي مستفاد من أيّ دليل شرعي (2) أو عقلي (3)، لا بدّ أن يتوقف استنباطه من الدليل على مسألة أو أكثر من مسائل هذا العلم.

____________

بمعنى: لو لم تكن مدونة و مكتوبة لما كانت أصولية و هذا باطل. و العكس هو الصحيح، فالمسألة بعد الفراغ من أصوليتها تكتب و تدون في الكتب.

و هذا الإشكال الرابع مبني على قراءة الممهدة بفتح الهاء. فلو قرأناها بكسر الهاء لارتفع الاعتراض.

فيكون التعريف حينئذ: «علم الأصول هو العلم بالقواعد الأصولية الممهدة، أي تمهد و تساعد على استنباط الحكم الشرعي. و في النهاية يرى السيّد محمد باقر الصدر (قدس سره) أن الأصح أن يكون التعريف لعلم الأصول هو: «العلم بالعناصر المشتركة لاستنباط جعل شرعي» (1).

(1) و بعبارة أخرى: دلالة الآية وَ أَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ في وجوب الصلاة متوقفة على مسألتين أصوليتين، تقعان في قياس الاستنباط و بيانه هو:

صيغة الأمر ظاهرة في الوجوب ... صغرى‏

ظهور القرآن الكريم حجة ... كبرى‏

إذا: الصلاة واجبة.

فمن خلال الصغرى و الكبرى الأصوليتين استنبط الفقيه وجوب الصلاة.

(2) كما إذا كانت كلتا مقدّمتيه أصوليتين، كما في مثال: أَقِيمُوا الصَّلاةَ ... فإن الصيغة ظاهرة في الوجوب، و الظهور حجة.

فوجوب الصلاة حكم شرعي مستفاد من دليل شرعي متوقف على أكثر من مسألة أصولية؛ و هما ظهور الصيغة في الوجوب، و الظهور حجة، و كلتاهما أصوليتان.

و أما الحكم الشرعي المستفاد من دليل شرعي، فمتوقف على مسألة أصولية واحدة في نفس المثال المذكور في حالة تبني القول القائل: بأن حجية الظهور ليست مسألة أصولية. حينئذ الحكم الشرعي (وجوب الصلاة) المستفاد من الدليل الشرعي‏ أَقِيمُوا الصَّلاةَ ...، متوقف على مسألة واحدة، و هي ظهور صيغة أَقِيمُوا ... في الوجوب.

(3) كما في استنباط بطلان الصلاة في ظرف عصيان الأمر بالإزالة من قاعدة الأمر بالشي‏ء يقتضي النهي عن ضده، فهنا استنبطنا الحكم الشرعي من قاعدة أصولية واحدة من بعد ضمها إلى حكم الشارع بوجوب إزالة النجاسة من المسجد، فعلى هذه القاعدة لو دخل المسجد و فيه نجاسة و لم يزلها و صلى حينئذ تكون صلاته باطلة.

و بعبارة أكثر وضوحا نقول:

الأمر بالشي‏ء يقتضي النهي عن ضده بحكم العقل ... صغرى.

____________

(1) الحلقة الثالثة، ج 1، ص 13

40

الحكم، واقعيّ و ظاهريّ. و الدّليل: اجتهاديّ و فقاهتيّ (1).

ثم لا يخفى: أن الحكم الشرعي الذي جاء ذكره في التعريف السابق على نحوين:

1- أن يكون ثابتا للشي‏ء بما هو في نفسه فعل من الأفعال، كالمثال المتقدم، أعني: وجوب الصلاة، فالوجوب ثابت للصلاة بما هي صلاة في نفسها و فعل من الأفعال، مع قطع النظر عن أي شي‏ء آخر. و يسمى مثل هذا الحكم (الحكم الواقعي). و الدليل الدال عليه (الدليل الاجتهادي).

____________

و الإدراك العقلي حجة ... كبرى.

فاستفدنا الحكم الشرعي؛ و هو بطلان الصلاة في ظرف عصيان الأمر بالإزالة من دليل عقلي صغراه أصولية، و كبراه مسألة غير أصولية، على قول إنها كلامية.

و مثال آخر: يمكن استفادة الحكم الشرعي (وجوب الوضوء) من دليل عقلي (مقدمة الواجب واجبة) على أكثر من مسألة أصولية.

فمقدمة الواجب واجبة بحكم العقل ... صغرى.

و الإدراك و الحكم العقلي حجة ... كبرى.

فالحكم الشرعي (وجوب الوضوء) متوقف على هاتين المسألتين الأصوليتين؛ (الصغرى و الكبرى).

(1) لا يخفى: أنه يوجد للحكم الظاهري ثلاثة مصطلحات أصولية، و هي كالتالي:

المصطلح الأوّل: ما ذكره المصنّف، و حاصله: أن الحكم الظاهري هو الذي يقابل الحكم الواقعي، و إن كان الحكم الواقعي مستفادا من الأدلة الاجتهادية الظنيّة، فإذا قام الدّليل القطعي على وجوب الصلاة، فإنها ناظرة إلى الصلاة بما هي فعل من الأفعال، مع غض النظر عن أي شي‏ء آخر، و كذلك الأمارة إذا قامت على حلّية شي‏ء، فإنها ناظرة إلى ذلك الشي‏ء بما هو فعل من الأفعال؛ و هذا ما يسمى بالحكم الواقعي.

و بعبارة أخرى: إذا وقف الفقيه لتحديد حكم لحم الأرنب واقعا؛ تارة يحصل له دليل قطعي من القرآن في بيان الحكم الواقعي، كبيان حكم حرمة لحم الأرنب، و تارة تقوم عنده أمارة على حكم لحم الأرنب في بيان الحكم الواقعي، كأن يقوم خبر الثقة مثلا على حرمة لحمه.

فالدّليل القطعي و الظنيّ كلاهما يحدّدان الحكم الواقعي، و لذا سمّوا الحكم المستفاد من الأدلة القطعيّة أو الظنيّة حكما واقعيا.

و أما إذا كان الحكم الثّابت ليس ناظرا لشي‏ء بما هو فعل من الأفعال، بل بما هو مجهول و مشكوك حكمه الواقعي، و بعبارة أخرى نقول: إذا كان الحكم ليس ثابتا للشي‏ء بما هو هو، بل ثبت للشي‏ء في حالة الشكّ في حكمه الواقعي؛ و هذا ما يسمى بالدليل الظاهري. فمثلا: إذا لم يقم عند الفقيه دليل قطعي و لا ظنيّ على ثبوت حكم لحم الأرنب، حينئذ سيشكّ هل لحم الأرنب حلال أم حرام؟ هنا

41

2- أن يكون ثابتا للشي‏ء بما أنه مجهول حكمه الواقعي، كما إذا اختلف الفقهاء في حرمة النظر إلى الأجنبيّة، أو وجوب الإقامة للصلاة. فعند عدم قيام الدليل على أحد الأقوال لدى الفقيه يشك في الحكم الواقعي الأوّلي المختلف فيه؛ و لأجل ألا يبقى في مقام العمل متحيرا لا بدّ له من وجود حكم آخر و لو كان عقليا، كوجوب الاحتياط أو البراءة أو عدم الاعتناء بالشكّ. و يسمى مثل هذا الحكم الثانوي (الحكم الظاهري). و الدليل الدال عليه (الدليل الفقاهتي)، أو (الأصل العملي).

و مباحث الأصول، منها: ما يتكفل للبحث عمّا تقع نتيجته في طريق استنباط الحكم الواقعي، و منها: ما يقع في طريق الحكم الظاهري. و يجمع الكلّ «وقوعها في طريق استنباط الحكم الشرعي»، على ما ذكرناه في التعريف.

____________

تأتي الأصول العملية لكي ترفع هذا التردد بتحديدها الوظيفة العملية، بأن تقول: كل شي‏ء حلال حتى تعلم بحرمته، و عليه يكون الحكم: الأرنب حلال.

المصطلح الثّاني: يقول السيّد الصّدر «رضي الله عنه» في تعريف الحكم الظاهري: هو كلّ حكم افترض في موضوعه الشّك في حكم مسبق، و عليه فالأمارة تكون حكما واقعيا؛ لأنه لم يؤخذ في موضوعها الشّك، أي: الأمارة بما هي أمارة لم يؤخذ في موضوعها الشك، و إنّما تكون الأمارة حكما ظاهريا بلحاظ الحجّية، و هذا سرّ جعل السيّد الصّدر «رضي الله عنه» الأمارات من الأحكام الظاهرية.

فحينما تقوم الأمارة على حرمة الفقاع ثم نشكّ في حجّيتها، أي: نشكّ في حجّية الأمارة التي قامت على حرمة الفقاع بأنها حجّة أم لا؟ حينئذ يجعل الشارع الحجّية لها فيكون جعل الحجّية في ظرف الشّكّ في حجّية الأمارة حكما ظاهريا.

المصطلح الثّالث: و هو كل حكم ثبت ظاهرا عند الجهل بالحكم الواقعي الثّابت في علم الله تعالى، فيشمل الحكم الثّابت بالأمارات و الأصول معا.

الملاحظة الأولى: س: ما وجه تسمية الدّليل الدالّ على الحكم الواقعي دليلا اجتهاديا، و ما وجه تسمية الدّليل الدالّ على الحكم الظاهري دليلا فقاهتيا، أو أصلا عمليا؟

ج: لما عرّفوا الاجتهاد بأنه بذل الوسع لتحصيل الحكم الواقعي، ناسب أن يسمّوا الدّليل الدالّ على الحكم الواقعي دليلا اجتهاديا، و لمّا عرّفوا الفقه بأنه العلم بالحكم الشرعي الظاهري، ناسب أن يسمّوا الدّليل الدالّ على الحكم الظاهري دليلا فقاهتيا.

الملاحظة الثّانية: لا يخفى: أن عنوان هذا البحث فيه خطأ صرفيّ، و ذلك فإن النسبة إلى الفقه لا بدّ أن تكون فقهيا لا فقاهتيا؛ لأن النسبة إلى المختوم بالتاء لا بدّ أن تحذف في النسبة.

42

موضوع علم الأصول (1):

إن هذا العلم غير متكفّل للبحث عن موضوع خاص؛ بل يبحث عن موضوعات شتى تشترك كلها في غرضنا المهم منه؛ و هو استنباط الحكم الشرعي. فلا وجه لجعل‏

____________

(1) موضوع علم الأصول: تكلم الأصوليون، و أطالوا الكلام حول موضوع علم الأصول هل هو الأدلة الأربعة (الكتاب و السنة و الإجماع و العقل بما هي أدلة) أو بما هي هي، بصرف النظر عن وصف الأدلة، أو لا موضوع لعلم الأصول واقعا، أو لا لزوم لأن يكون لكل علم موضوع كما يختاره المصنف لعدم الدليل عليه؟

قال الكثير من العلماء: إنه من الخطأ تحديد علم الأصول في خصوص الأدلة الأربعة (الكتاب و السنة و الإجماع و العقل) بما هي أدلة كما ذهب إليه صاحب القوانين. و قبل الرد على هذا القول لا بدّ من توضيح المراد من قول الميرزا (قدس سره) في قوله: «موضوع علم الأصول هي الأدلة الأربعة بما هي أدلة» المراد به بما هي حجة، فتكون الحجية جزء من الموضوع. بمعنى: موضوع علم الأصول هي الأدلة الأربعة بقيد الحجية ... فالكتاب بما هو حجة يكون موضوع علم الأصول، و السنة بما هي حجة تكون موضوع علم الأصول، و الإجماع بما هي حجة يكون موضوع علم الأصول، و العقل بما هو حجة يكون موضوع علم الأصول.

- و لكن أشكل على الميرزا القمي (قدس سره) بخروج مباحث الحجج من علم الأصول، و المقصود من مباحث الحجج هي مثلا: مبحث حجية خبر الواحد، و مبحث حجية الإجماع، و مبحث حجية العقل و غيرها. لأن البحث عن حجية خبر الواحد بحث عن وجود الموضوع، و هذا ليس من مسائل العلم بل هذا بحث عن مبادئ العلم.

فالذي يدخل في مسائل العلم هو البحث عن عوارض الموضوع.

- و بعبارة أخرى: عند ما نبحث عن الكلمة متى ترفع؟ و متى تنصب؟ و متى تجر؟ و متى تصير فاعلا أو مفعولا ...؟ هذا بحث عن عوارض الكلمة المعبر عنها بحث عن مفاد كان الناقصة. و هذا يعد من مسائل العلم. و أما إذا أردنا أن نبحث عن الكلمة أنها موجودة أو غير موجودة في لغة العرب؟ هذا بحث عن وجود الموضوع و هذا ليس من العلم بل من مبادئه و يعبر عنه بمفاد كان التامة. فإذا اتضح هذا نقول: قول الميرزا القمي (قدس سره) في موضوع علم الأصول هي الأدلة الأربعة بما هي أدلة أي:

بما هي حجة، فالحجية أخذت جزء في الموضوع، فالبحث فيها يكون بحثا عن وجود الموضوع، فيلزم خروجها من موضوع علم الأصول.

فعند ما نقول: خبر الواحد حجة أو ليس بحجة هذا بحث عن وجود الموضوع و عدم وجوده، إذا:

مباحث هذه الحجج و غيرها ليست من علم الأصول.

لما ذا البحث عن الحجية و عدم الحجية يصير بحثا عن وجود الموضوع و ليس من عوارضه؟

الجواب: لأننا بحسب الفرض افترضنا الموضوع الأدلة الأربعة بما هي حجة أي: بقيد الحجية، فالموضوع إذا مركب من هذين الجزءين، و نحن نبحث عن حجية الخبر أي: خبر الواحد حجة أم لا؟

43

يعني: حجية موجودة للخبر أو ليست موجودة، و قلنا: إن الحجية جزء من الموضوع، فالبحث عن الحجية و عدم الحجية يعني: أن جزء الموضوع موجود أو غيره موجود، فيكون البحث عن جزء الموضوع لا بحث عن عوارض الموضوع، و الذي نعده من علم الأصول هو البحث عن عوارض الموضوع.

- قال صاحب الفصول: موضوع علم الأصول هي الأدلة الأربعة بما هي هي، يعني: مع قطع النظر عن حجيتها، بمعنى: البحث يكون عن ذات الكتاب، و ذات السنة، و ذات العقل، و ذات الإجماع هذه الأدلة الأربعة هي موضوع علم الأصول. و الحجية بالنسبة إلى هذه الأدلة الأربعة أمر خارج، عنها و بالتالي البحث عن الحجية بحث عن عوارض الموضوع فتصير أصولية.

- قال الآخوند صاحب الكفاية: موضوع علم الأصول لا ما قاله الميرزا القمي (قدس سره)، و لا ما قاله صاحب الفصول (قدس سره)، أي: ليس موضوع علم الأصول الأدلة الأربعة بما هي أدلة، و لا بما هي هي مع قطع النظر عن حجيتها، فإن كلا هذين التحديدين باطل. لما ذا؟ لأنه يلزم من هذين التحديدين خروج كثير من مباحث الأصول مثل: مبحث حجية الخبر يلزم أن لا يكون أصوليا لما ذا؟ لأن السنة هي نفس قول الإمام (عليه السلام) و تقريره و فعله، و الخبر ليس نفس السنة بل حاكي عن السنة، و ليس هو سنة. إذا: البحث عن حجيته حينئذ لا يكون بحثا عن عوارض الموضوع أي: الأدلة الأربعة، فيلزم أن يكون هذا البحث ليس أصوليا هذا بناء على أن السنة عبارة عن المحكي (أي: نفس قول الإمام و فعله و تقريره)، دون الحاكي (أي: الناقل لكلام الإمام أو فعله أو تقريره).

- الشيخ الأنصاري عنده محاولة لدفع هذا الإشكال و محصله هو: قال الشيخ الأنصاري: حتى مع افتراض أن الخبر حاك للسنة يكون البحث عن حجيته بحث عن السنة. و ذلك عند ما نقول: خبر الواحد حجة أو ليس بحجة هذا بحث عن عوارض السنة.

و بعبارة أوضح: عند ما نقول: إن السنة هل تثبت بالخبر فتكون حجة، أو لا تثبت بالخبر فلا تكون حجة، فالبحث على هذا الأساس بحث عن عوارض السنة، لأن البحث على أن السنة هل تثبت بالخبر أم لا؟ مبني على أن الموضوع هي السنة و الخبر هو الحاكي عن هذه السنة، و مع هذا يكون البحث عن حجية الخبر بحثا عن عوارض السنة هذا ما أفاده الشّيخ الأنصاري في محاولته لدفع الإشكال المذكور.

إلا أن الآخوند صاحب الكفاية يرى هذا الرد الذي ذكره الشّيخ باطل. لأن البحث عن السنة هل تثبت بالخبر أم لا هذا بحث على أن السنة توجد بالخبر أم لا، و هذا بحث عن الثبوت و عدمه، و هذا ليس من البحث عن عوارض الموضوع فلا يكون من مسائل العلم.

هذا مبني على حالة واحدة و هي: إذا كان مقصود الشيخ الأنصاري (قدس سره) هل تثبت السنة بالخبر أم لا؟ مقصوده الثبوت التكويني الحقيقي و الخارجي، أي: هل حقيقة السنة (قول الإمام أو فعله أو تقريره) تثبت بالخبر أم لا؟

لأنه إذا كان هذا هو المقصود يكون البحث حينئذ عن وجود الموضوع و عدم وجوده. و أما إذا كان مقصود الشيخ (قدس سره) من الثبوت و عدمه الثبوت التعبدي أي: هل تثبت السنة تعبدا أم لا؟

44

تدخل في مسائل العلم.

هذا إذا قلنا أن الثبوت التعبدي بمعنى: وجوب العمل من عوارض الخبر الذي يحكي عن السنة هل يجب العمل به أم لا؟ إذا: وجوب العمل تعبدا أو عدم وجوب العمل من عوارض الخبر. و الخبر ليس أحد الأدلة الأربعة فالبحث ليس من عوارض الأدلة. هذا كله على تقرير أن السنة هي نفس فعل الإمام (عليه السلام) أو قوله أو تقريره و الخبر عنه حاكي.

- أما إذا فسرنا السنة بالحاكي و المحكي يكون حينئذ خبر زرارة مثلا سنة، فلا يأتي الإشكال السابق بناء على هذا التفسير و هو خروج مبحث حجية خبر الواحد لما ذا؟ لأن خبر الواحد بهذا التفسير أصبح من السنة. إلا أن إشكالا آخر يأتي هنا و هو خروج بعض المباحث الأصولية من الأصول مثل: بحث الأمر ظاهر في الوجوب أم لا؟ هذا من مباحث الأصول جزما إلا أنه يخرج عن الأصول لأنه لا يخص الأدلة الأربعة، و إنما هو بحث عام لكل أمر سواء كان ورد في الأدلة الأربعة أم ورد في غير الأدلة الأربعة. لأن ظهور الأمر في الوجوب الثابت بواسطة خارجية أعم على رأي المشهور من الأعراض الغريبة- و ليس من الأعراض الذاتية- و هو ليس من أبحاث علم الأصول.

- و بعبارة أخرى: عند ما نقول: الأمر ظاهر في الوجوب؛ هل ثبوت الظهور للأمر بواسطة خاصة أو عامة؟ هي واسطة عامة، بمعنى: عند ما نقول: الأمر ظاهر في الوجوب لا لكونه أمرا ورد في الكتاب بل لأجل كونه أمرا صدر من مولى، سواء ورد في الكتاب أو في السنة، أو ورد في دليل آخر فيكون هذا عارضا على الموضوع بواسطة خارجية أعم، و العارض بواسطة خارجية أعم على رأي المشهور من الأعراض الغريبة و هو ليس داخلا في علم الأصول.

هذا الإشكال أورد على رأي المشهور. أما على رأي الآخوند صاحب الكفاية لا يتوجه هذا الإشكال؛ لأن رأي الآخوند صاحب الكفاية في العارض بواسطة خارجية أعم من عدها من الأعراض الذاتية.

اتضح من خلال هذا الطرح المبسط و الواضح: إنه لا يمكن أن يكون موضوع علم الأصول هو خصوص الأدلة الأربعة.

- و مما يؤيد ذلك تعريف المشهور لعلم الأصول: «هو العلم بالقواعد الممهدة لاستنباط الأحكام الشرعية»، فلو كان موضوع علم الأصول خصوص الأدلة الأربعة لقالوا: «علم الأصول هو العلم بالأدلة الأربعة التي تقع في استنباط الحكم الشرعي» و هذا لم يحصل، و هذا يؤيد إن موضوع علم الأصول ليس خصوص الأدلة الأربعة (1).

- و لبطلان هذا التحديد اضطر بعض علماء الأصول إلى أن يذهب إلى عدم الضرورة لوجود الموضوع للعلم؛ إذ لا دليل على ذلك كما ذهب إليه المصنف. بل يدعي بعض الأصوليّين باستحالة وجود الموضوع في بعض العلوم، إذا: يوجد في المقام اتجاهان، أحدهما يقول: بعدم ضرورة وجود الموضوع لكل علم، و ثانيهما يقول: بضرورة ذلك.

____________

(1) ما ذكرناه في موضوع علم الأصول إلى هنا مصدره: تقريراتي لدرس الكفاية في مبحث موضوع علم الأصول لفضيلة العلامة الأستاذ الشيخ باقر الإيرواني (بتصرف).

45

و استدل أصحاب الاتجاه الأخير بدليلين: الدليل الأول: إن هناك كلاما مشهورا يقول: إن العلوم يمتاز بعضها عن البعض الآخر بواسطة الموضوعات، فعلم النحو يمتاز عن علم الطب بأن ذاك يبحث عن الكلمة و الكلام، و هذا يبحث عن بدن الإنسان، و اختصاص كل منهما بموضوعه الخاص سبّب استقلالية و امتياز ذاك عن هذا، و لو لا هذا الامتياز في الموضوع لما كان علم النحو و الطب علمين؛ بل كانا علما واحدا. و إذا صح هذا الكلام: كان اللازم منه: ثبوت الموضوع لكل علم؛ ليتم من خلاله امتياز علم عن علم.

و يرد هذا الدليل: إن جعل الامتياز في الموضوع سببا لامتياز العلوم بعضها عن بعض موقوف على التسليم باشتمال كل علم على موضوع خاص به، أما إذا أنكرنا ذلك فلا بد و أن يكون الامتياز بواسطة طريق آخر غير الموضوع؛ كأن يقال مثلا: إن الامتياز بواسطة الغرض، فالغرض من علم النحو- بما أنه صون اللسان عن الخطأ- صار ذلك سببا لامتيازه عن علم المنطق- الذي له غرض آخر و هو صون التفكير عن الخطأ- إذا: هذا الدليل يشتمل على المصادرة، أي: أنه استدل بشي‏ء يحتاج إلى التسليم بالمدعى المتنازع فيه.

الدليل الثاني: إنا نسأل و نقول: بم تمتاز بعض العلوم عن البعض الآخر؟ فإن أجيب بأنه يحصل عن طريق التمايز بين الموضوعات- كما ذكر ذلك في الدليل الأوّل- فهذا معناه التسليم بوجود موضوع لكل علم حتى يحصل عن طريق التمايز فيه التمايز بين العلوم، و إن أنكر ذلك و قيل: أن التمايز بين العلوم يحصل عن طريق التمايز بين الأغراض- كما ذكر ذلك في الإجابة عن الدليل الأوّل- فهذا أيضا يستلزم الاعتراف بوجود الموضوع لكل علم؛ لأن كل علم و إن كان له غرض غير الغرض الثابت في العلم الآخر إلا أنه- الغرض- في كل علم شي‏ء واحد، فالغرض من علم النحو مثلا: شي‏ء واحد، و هو صون اللسان عن الخطأ، و حين ذاك نسأل عن هذا الغرض الواحد بم يحصل؟ لا بدّ و أن يكون الجواب بحصوله بواسطة المسائل، فإن لعلم النحو مسائل متعددة مثل: «الفاعل مرفوع» و «المفعول منصوب» و «المضاف إليه مجرور» و هكذا، و هذه المسائل هي التي تحصل الغرض و توجب صون اللسان لمن اطلع عليها، و لكن هذه المسائل هي أشياء متعددة و الأشياء المتعددة كيف تحصّل غرضا واحدا؟ إن هذا غير ممكن إذ لازمه صدور الواحد من الكثير، و هو مستحيل، فإن الواحد لا يصدر إلا من شي‏ء واحد.

إذا: لا بدّ و أن نفترض أن مجموع تلك المسائل المتعددة يرجع إلى قضية واحدة كيما تكون تلك القضيّة الواحدة هي المحصّلة لذلك الغرض الواحد، و تلك القضيّة الواحدة- لكي تكون جامعة بين تلك المسائل المتعددة- لا بدّ و أن تكون ذات موضوع واحد كلي يسع جميع موضوعات تلك المسائل، و ذات محمول واحد كلي يسع جميع محمولات تلك المسائل. و تلك القضيّة الواحدة يمكن فرضها هكذا: الكلمة لها حكم إعرابي، إن الموضوع في هذه القضية هو الكلمة التي هي شاملة للفاعل و المفعول به و المضاف إليه، و المحمول هو الحكم الإعرابي الذي هو جامع بين مرفوع و منصوب و مجرور، و إذا سلّمت هذه القضيّة الواحدة: فلازم ذلك: التسليم بضرورة وجود الموضوع لعلم النحو و هو الأمر الجامع بين موضوعات المسائل. هذه حصيلة الدليل الثاني.

46

موضوع هذا العلم خصوص (الأدلة الأربعة) فقط (1)، و هي الكتاب و السنة و الإجماع و العقل، أو بإضافة الاستصحاب، أو بإضافة القياس و الاستحسان، كما صنع المتقدّمون.

و لا حاجة إلى الالتزام بأن العلم لا بدّ له من موضوع يبحث عن عوارضه الذاتية في ذلك العلم، كما تسالمت عليه كلمة المنطقيين، فإن هذا لا ملزم له و لا دليل عليه (2).

____________

و أجاب علماء الأصول عنه و من أراد الاطلاع على هذه الإجابة فعليه بمراجعة الحلقة الثالثة في أسلوبها الثاني، كما أن مصدر الدليلين هو نفسه.

- ذهب السيد محمد باقر الصدر- في الحلقة (3) ج 1 ص 14 (بتصرف) في موضوع علم الأصول:

موضوع علم الأصول: «هو الأدلة المشتركة في الاستدلال الفقهي في تحصيل الحكم الشرعي».

فكل عنصر يقع في طريق استنباط الحكم الشرعي هو موضوع علم الأصول. و البحث الأصولي يدور دائما حول دليليتها أي: حجيتها أي: أن العناصر المشتركة التي تقع في طريق الاستنباط الحكم الشرعي نبحث عن حجيتها، و من هذه العناصر الذي نبحث عن حجيتها خبر الواحد، و الإجماع، و الأصول العملية مثل: الاستصحاب، و البراءة.

- ثم عقب السيّد الشهيد (قدس سره): و عدم تمكن بعض المحققين من تصوير موضوع العلم على النحو الذي ذكرناه، أدى إلى التشكيك في ضرورة أن يكون لكل علم موضوع، و وقع ذلك موضعا للبحث.

(1) هذا القول ما ذهب إليه صاحب القوانين.

(2) ذهب بعض إلى أنه يجب أن يكون لكل علم موضوع، و نتيجة لذلك التزموا بأن يكون لعلم الأصول موضوع، و اختلفوا في موضوعه، و من المخالفين المصنّف، حيث ذهب إلى أنه لا يجب أن يكون لكل علم موضوع، فإنه لا دليل على ذلك، و نتيجة لذلك التزم بأن علم الأصول ليس له موضوع خاص به، بل هو يبحث عن موضوعات مشتتة لها دخل في استنباط الحكم الشرعي.

و في بيان مفصل في تحديد الموضوع لكل علم نقول: ذكر صاحب الكفاية (قدس سره) تحديدا لموضوع العلم.

قال: «إن موضوع كل علم ما يبحث في ذلك العلم عن عوارضه الذاتية». فمثلا في النحو «الكلمة» هي: الموضوع؛ لأنه يبحث عن عوارضها الذاتية الطارئة عليها كالفاعلية و المفعولية ... إلخ. فكذلك علم الأصول موضوعه ذلك الشي‏ء الذي يبحث العلم عن عوارضه الذاتية.

و بعبارة أخرى: إن موضوع كل علم هو ما يتّحد مع موضوعات مسائله، فمثلا في علم النحو من جملة مسائله؛ الفاعل مرفوع، و المفعول منصوب، و المضاف إليه مجرور ... إلخ.

فنقول: ما هو ذلك الشي‏ء الذي يتّحد مع هذه الموضوعات لهذه المسائل؟، أي: ما هو المتّحد مع‏

47

فائدته:

إن كل متشرع يعلم أنه ما من فعل من أفعال الإنسان الاختيارية إلا و له حكم في الشريعة الإسلامية المقدسة من وجوب أو حرمة، أو نحوهما من الأحكام الخمسة.

و يعلم أيضا: إن تلك الأحكام ليست كلها معلومة لكل أحد بالعلم الضروري؛ بل يحتاج أكثرها لإثباتها إلى إعمال النظر و إقامة الدليل، أي: إنها من العلوم النظرية (1).

و علم الأصول هو العلم الوحيد المدوّن للاستعانة به على الاستدلال على إثبات الأحكام الشرعية، ففائدته إذا: الاستعانة على الاستدلال للأحكام من أدلتها (2).

____________

موضوعات هذه المسائل الذي صار فاعلا في المسألة الأولى، و مفعولا في الثّانية، و مضافا إليه في الثالثة؟

ذلك الشي‏ء المتّحد معها هو «الكلمة». فالكلمة شي‏ء كلي متّحد مع الفاعل و المفعول و المضاف إليه؛ فالكلمة موضوع لعلم النحو.

و في الجملة أقول: إن موضوع كل علم هو: ذلك الأمر الكلي الذي يتّحد مع موضوعات مسائله اتحادا خارجيا لا اتحادا مفهوميا، فمثلا في علم النحو نقول: الفاعل مرفوع و المفعول منصوب و المضاف إليه مجرور. فموضوع المسألة الأولى هو الفاعل، و موضوع المسألة الثّانية المفعول، و موضوع المسألة الثّالثة المضاف إليه، و الجامع الكلي الذي يجمع هذه الموضوعات هي الكلمة، فهي إذا: ذلك الشي‏ء الذي يتّحد مع موضوعات المسائل، هو موضوع علم النحو؛ لأنه متّحد مع موضوعات المسائل اتحادا خارجيا، ففي الخارج الفاعل هو نفس الكلمة؛ لأن كل فاعل كلمة. و إن كان بينهما مغايرة في المفهوم، مغايرة الطبيعي مع أفراده و مغايرة الكلي مع مصاديقه، كالإنسان مع زيد فاتحادهما خارجي، لأن زيد الخارجي هو إنسان، و لكن بينهما تغاير في عالم المفهوم، فإن مفهوم الإنسان يغاير زيدا.

كذلك في الفاعل و الكلمة.

(1) ما المراد من العلم الضروري و النظري؟ هذان مصطلحان منطقيان يراد بهما كالتالي:

1- العلم الضروري: يسمى في المنطق بالبديهي و هو ما لا يحتاج في حصوله إلى كسب و نظر و فكر، فيحصل بالبداهة التي هي المفاجأة و الارتجال من دون توقف، كتصورنا لمفهوم الوجود و العدم، و مفهوم الشي‏ء، و كتصديقنا بأن الكل أعظم من الجزء، و بأن النقيضين لا يجتمعان، و بأن الشمس طالعة، و أن الواحد نصف الاثنين و هكذا.

2- العلم النظري: و هو ما يحتاج حصوله إلى كسب و نظر و فكر، كتصورنا لحقيقة الروح و الكهرباء، و كتصديقنا بأن الأرض ساكنة أو متحركة حول نفسها و حول الشمس و يسمى أيضا (الكسبي) (1).

(2) الكتاب و السنة و الإجماع و العقل.

____________

(1) مصدر العلم النظري و الضروري: منطق المظفر، ص 19.

48

تقسيم أبحاثه:

تنقسم مباحث هذا العلم إلى أربعة أقسام (1).

1- (مباحث الألفاظ) (2): و هي تبحث عن مداليل الألفاظ و ظواهرها؛ من جهة عامة نظير البحث عن ظهور صيغة افعل في الوجوب و ظهور النهي في الحرمة.

و نحو ذلك.

2- (المباحث العقلية) (3): و هي ما يبحث عن لوازم الأحكام في أنفسها و لو لم تكن تلك الأحكام مدلولة للّفظ، كالبحث عن الملازمة بين حكم العقل و حكم‏

____________

تقسيم أبحاثه: (1) و هذا التقسيم حديث تنبه له شيخنا العظيم الشّيخ محمّد حسين الأصفهاني (قدس سره) المتوفى سنة 1361، أفاده في دورة بحثه الأخيرة ... و هو التقسيم الصحيح الذي يجمع مسائل علم الأصول و يدخل كل مسألة في بابها، فمثلا؛ مبحث المشتق كان يعد من المقدمات، و ينبغي أن يعد من مباحث الألفاظ، و مقدمة الواجب و مسألة الإجزاء و نحوهما كانت تعد من مباحث الألفاظ و هي من بحث الملازمات العقلية ... و هكذا. (المصنّف).

(2) و هذا ما يوصل الفقيه إلى معرفة الحكم الشرعي بعلم تعبدي، و هذا ما يكون البحث فيه عن الصغرى بعد إحراز الكبرى و الفراغ عنها؛ و هي مباحث الألفاظ بأجمعها، فإن كبرى هذه المباحث و هي مسألة حجية الظهور محرزة و مفروغ عنها و ثابتة من جهة بناء العقلاء و قيام السيرة القطعية عليها، و لم يختلف فيها اثنان، و لم يقع البحث عنها في أي علم، على حد تعبير السيّد الخوئي (قدس سره).

و بعبارة أخرى: هل صيغة افعل ظاهرة في الوجوب ... صغرى‏

لو ثبت ظهورها في الوجوب تكون حجة ... كبرى‏

فإذا ثبت ظهور صيغة (افعل) في الوجوب لا شك أن الحجية ثابتة لها (1).

(3) و هي ما يتوصل الفقيه إلى معرفة الحكم الشرعي بعلم وجداني، و يعبر عنها بمباحث الاستلزامات العقلية. كمبحث مقدمة الواجب، فإنه بعد القول بثبوت الملازمة بين وجوب شي‏ء و وجوب مقدمته- مثلا- يترتب عليه العلم الوجداني بوجوب المقدمة عند وجوب ذيها؛ بعد ضم الصغرى إلى هذه الكبرى. و لا بأس بقيام القياس في هذا المثال لأجل التوضيح.

وجوب الصلاة ... صغرى‏

و إذا وجب شي‏ء يحكم العقل بلزوم وجوب مقدمته ... كبرى‏

- النتيجة: وجوب الوضوء عقلا و شرعا.

____________

(1) راجع محاضرات في أصول الفقه، ج 1، ص 6- 8. (بتصرف).

49

الشرع، و كالبحث عن استلزام وجوب الشي‏ء لوجوب مقدمته المعروف هذا البحث باسم مقدمة الواجب، و كالبحث عن استلزام وجوب الشي‏ء لحرمة ضده المعروف باسم مسألة الضد، و كالبحث عن جواز اجتماع الأمر و النهي. و غير ذلك.

3- (مباحث الحجة) (1): و هي ما يبحث فيها عن الحجية و الدليلية، كالبحث عن حجية خبر الواحد، و حجية الظواهر، و حجية ظواهر الكتاب، و حجية السنة و الإجماع، و العقل، و ما إلى ذلك.

4- (مباحث الأصول العملية) (2): و هي تبحث عن مرجع المجتهد عند فقدان الدليل الاجتهادي، كالبحث عن أصل البراءة و الاحتياط و الاستصحاب و نحوها.

فمقاصد الكتاب- إذا- أربعة. و له خاتمة تبحث عن تعارض الأدلة و تسمى (مباحث التعادل و التراجيح)، فالكتاب يقع في خمسة أجزاء (3) إن شاء الله تعالى (4).

____________

(1) و هو ما يكون البحث فيه عن الكبرى. و يعبر عنها بمباحث الحجج (و هذا بعد إحراز الصغرى و الفراغ عنها) كمبحث حجية خبر الواحد و الإجماعات المنقولة و الشهرات الفتوائية و ظواهر الكتاب.

و يدخل فيه مبحث الظن الانسدادي- بناء على الكشف- و مبحث التعادل و الترجيح، فإن البحث فيه في الحقيقة عن حجية أحد الخبرين المتعارضين في هذا الحال‏ (1).

(2) و هو ما يبحث عن الوظيفة العملية الشرعية للمكلفين في حال العجز عن معرفة الحكم الواقعي و اليأس عن الظفر بأي دليل اجتهادي، من عموم أو إطلاق بعد الفحص بالمقدار الواجب، و ما هو وظيفة العبودية في مقام الامتثال؛ و هي مباحث الأصول العملية الشرعية، كالاستصحاب و البراءة و الاشتغال.

و أما الأصول العملية العقلية: فهي ما يبحث عن الوظيفة العملية العقلية في مرحلة الامتثال في فرض فقدان ما يؤدي إلى الوظيفة الشرعية، من دليل اجتهادي أو أصل عملي شرعي، و هي مباحث الأصول العملية العقلية، كالبراءة و الاحتياط العقليين‏ (2).

(3) و قد وضعه المؤلّف «طاب مثواه» بعدئذ في أربعة أجزاء، حيث ألحق (مباحث التعادل و التراجيح) في الجزء الثّالث ضمن مباحث الحجة، و قد أوضح أسباب ذلك في مقدمة الجزء الثّالث. (الناشر).

(4) و من هذا التقسيم تظهر فائدة علم الأصول و هي: (تعيين الوظيفة في مقام العمل الذي هو موجب لحصول الأمن من العقاب). و حيث أن المكلف الملتفت إلى ثبوت الأحكام في الشريعة يحتمل العقاب‏

____________

(1) راجع محاضرات في أصول الفقه، ج 1، ص 7.

(2) راجع محاضرات في أصول الفقه، ج 1، ص 7.

50

و قبل الشروع لا بد من مقدمة يبحث فيها عن جملة من المباحث اللغوية التي لم يستوف البحث عنها في العلوم الأدبية أو لم يبحث عنها.

____________

وجدانا، فلا محالة يلزمه العقل بتحصيل مؤمّن منه، و حيث أن طريقه منحصر بالبحث عن المسائل الأصولية، فإذا يجب الاهتمام بها، و بما أن البحث عنها منحصر بالمجتهدين دون غيرهم فيجب عليهم تنقيحها و تعيين الوظيفة منها في مقام العمل لنفسهم و لمقلديهم، حتى يحصل لهما الأمن في هذا المقام، على حد تعبير السيّد الخوئي (قدس سره) (1).

____________

(1) راجع محاضرات في أصول الفقه، ج 1، ص 7.

51

المقدمة

تبحث عن أمور لها علاقة بوضع الألفاظ و استعمالها و دلالتها، و فيها أربعة عشر مبحثا:

1- حقيقة الوضع (1)

لا شك إن دلالة الألفاظ على معانيها في أية لغة كانت ليست ذاتية، كذاتية

____________

حقيقة الوضع: (1) الوضع و علاقته بالدلالات الثّلاث:

قال الشّهيد الصدر: الدلالة التصورية هي في حقيقتها علاقة سببية بين تصور اللفظ، و تصور المعنى، و لما كانت السببية بين شيئين لا تحصل بدون مبرر اتجه البحث إلى تبريرها، و من هنا نشأت عدة احتمالات.

- الاحتمال الأوّل: احتمال السببية الذاتية بأن يكون اللفظ بذاته دالا على المعنى و سببا لإحضار صورته. و لا شك في سقوط هذا الاحتمال، و ذلك لما نراه من الانجليزي الجاهل باللغة العربية حينما يسمع لفظة الماء، فإنه لا يحضر في ذهنه المعنى، و هذا برهان واضح على بطلان هذا الاحتمال.

- الاحتمال الثاني: يفترض أن العلاقات اللغوية بين اللفظ و المعنى نشأت من الوضع، و ذلك لأن الوضع هو الذي أوجد هذه السببية. و الوضع عبارة عن الاعتبار. و حاصل هذا الاحتمال هو إنكار الدلالة الذاتية، و افتراض أن العلاقات اللغوية بين اللفظ و المعنى نشأت في كل لغة على يد الشخص الأوّل أو الأشخاص الأوائل الذين استحدثوا تلك اللغة، و تكلموا بها، فإن هؤلاء خصصوا ألفاظا معينة لمعان خاصة، فاكتسبت الألفاظ نتيجة لذلك التخصيص علاقة بتلك المعاني، و أصبح كل لفظ يدل على معناه الخاص، و ذلك التخصيص الذي مارسه أولئك الأوائل، و نتجت عنه الدلالة يسمى ب (الوضع)، و يسمى الممارس له (واضعا)، و اللفظ (موضوعا)، و المعنى (موضوعا له).

ثم عقب السيّد الصّدر (قدس سره) على ذلك بقوله: في الحقيقة إن هذا الاتجاه و إن كان على حق في إنكاره للدلالة الذاتية، و لكنه لم يتقدم إلا خطوة قصيرة في حل المشكلة الأساسيّة التي لا تزال قائمة حتى بعد الفرضية التي يفترضها أصحاب هذا الاتجاه، فنحن إذا افترضنا معهم أن العلاقة السببية نشأت نتيجة لعمل قام به مؤسسو اللغة خصصوا كل لفظ لمعنى خاص، فلنا أن نتساءل ما هو نوع هذا العمل الذي قام به هؤلاء المؤسسون؟ فسوف نجد إن المشكلة لا تزال قائمة لأن اللفظ و المعنى ما داما لا يوجد بينهما علاقة ذاتية، و لا أي ارتباط مسبق فكيف استطاع مؤسس اللغة أن يوجد علاقة السببية بين شيئين لا علاقة بينهما؟ و هل يكفي مجرد تخصيص المؤسس للفظ و تعيينه له سببا لتصور

52

دلالة الدخان- مثلا- على وجود النار، و إن توهم ذلك (1) بعضهم، لأن لازم هذا

____________

المعنى، لكي يصبح سببا لتصور المعنى حقيقة؟ و كلنا يعلم أن المؤسس و أي شخص آخر يعجز أن يجعل من حمرة الحبر الذي يكتب به سببا لحرارة الماء، و لو كرر المحاولة مائة مرة قائلا: خصصت حمرة الحبر (الذي أكتب به) لكي تكون سببا لحرارة الماء، فكيف يستطيع أن ينجح في جعل اللفظ سببا لتصور المعنى بمجرد تخصيصه لذلك دون أي علاقة سابقة بين اللفظ و المعنى؟ و هكذا نواجه المشكلة كما كنا نواجهها سابقا، فلا يكفي لحلها أن نفسر علاقة اللفظ بالمعنى على أساس عملية يقوم بها مؤسس اللغة، بل يجب أن نفهم محتوى هذه العملية لكي نعرف كيف قامت السببية بين شيئين لم تكن بينهما علاقة.

- الاحتمال الثّالث: و هي نظرية التعهد، و التعهد: هو عبارة عن التزام الواضع و تعهده بأن لا يأتي بلفظ الأسد إلا عند إرادة تفهيم معنى الحيوان المفترس. و لكن يرد على هذا المسلك.

ب أوّلا: بأن التعهد خلاف ما هو مألوف عند العرف، لأن التعهد معناه الالتزام بأنه لا يستعمل اللفظ استعمالا مجازيا؛ لأن المتعهد حينما يتعهد يقول: لا استعمل كلمة الأسد إلا عند إرادة تفهيم المعنى أي: الحيوان المفترس، فلو فرضنا أنه أراد أن يستخدم لفظ الأسد في الرجل الشجاع هذا يكون خلاف تعهده، و هذا معناه: أن الواضع لا يستعمل المجاز مطلقا، و هذا خلاف ما هو المألوف عند العرب و الناس، فعليه: إن الوضع ليس بمعنى التعهد.

ثانيا: إن الدلالة اللفظية، و العلقة اللغوية بموجب هذا المسلك تتضمن استدلالا منطقيا من انتقال من اللازم إلى الملزوم، و هذا لا يدركه الإنسان العادي قبل أن يصل إلى مرحلة يستطيع أن يدرك هذا الاستدلال و الانتقال من اللازم إلى الملزوم، مع أن هذه العلقة اللفظية الموجودة بين اللفظ و المعنى موجودة في أوّل مراحل الإنسان أي: مرحلة الطفولة، و قبل أن ينضج أي فكر استدلالي له. فالطفل عند ما يستعمل اللفظ (ماما) لا يوجد عنده التعهد كما هو واضح. و هذا يكشف عن أن الوضع أبسط من ذلك.

- الاحتمال الرّابع: و هي نظرية الاقتران، و من هنا نصل إلى المسلك الأخير، و هو الصحيح كما هو المختار عند السيّد الصّدر (قدس سره) فالتحقيق أن يقال: إن الوضع هو عبارة عن عملية الاقتران الحاصلة بين اللفظ و المعنى، هذا الربط الأكيد الموجود بين اللفظ و المعنى هو عبارة عن الوضع، و هذا الربط الحاصل بين تصور اللفظ و تصور المعنى تارة: يحصل بصورة عفويّة، كالرّبط بين سماع الزئير و رؤية الأسد، و أخرى: يحصل بالعناية التي يقوم بها الواضع إذ يربط بين اللفظ و تصوّر معنى مخصوص في ذهن الناس، فينتقلون من سماع اللفظ إلى تصور المعنى. و الاعتبار الذي تحدّثنا عنه في الاحتمال الثّاني ليس إلا طريقة يستعملها الواضع في إيجاد ذلك الربط و القرن المخصوص بين اللفظ و صورة المعنى. فمسلك الاعتبار هو الصحيح، و لكن بهذا المعنى (نظرية الاقتران) و لذلك صح أن يقال: أن الوضع قرن مخصوص بين تصور اللفظ و تصور المعنى بنحو أكيد بحيث يستتبع عند ذكر اللفظ الانتقال إلى المعنى في الذهن.

(1) أي: توهم أن دلالة الألفاظ على معانيها دلالة ذاتية.

53

الزعم أن يشترك جميع البشر في هذه الدلالة، مع إن الفارسي مثلا لا يفهم الألفاظ العربية و لا غيرها من دون تعلم، و كذلك العكس في جميع اللغات. و هذا واضح.

و عليه، فليست دلالة الألفاظ على معانيها إلا بالجعل و التخصيص من واضع تلك الألفاظ لمعانيها. و لذا تدخل الدلالة اللفظية (1) هذه في الدلالة الوضعية (2).

____________

(1) كدلالة لفظ الأسد على الحيوان المفترس.

(2) الدلالة الوضعية أحد أقسام الدلالة، و القسمان الآخران هما: الدلالة العقلية و الطبعية. و توضيح ذلك نقول: ما هو مفهوم الدلالة؟ و ما هي أقسامها؟

تعريف الدلالة: قال أهل المنطق: إذا سمعت طرقة بابك ينتقل ذهنك- لا شك- إلى أن شخصا على الباب يدعوك. و ليس ذلك إلا لأن هذه الطرقة كشفت عن وجود شخص يدعوك. و إن شئت قلت:

إنها (دلت) على وجوده.

إذا: طرقة الباب (دال)، و وجود الشخص الداعي (مدلول)، و هذه الصفة التي حصلت للطرقة (دلالة).

و هكذا، كل شي‏ء إذا علمت بوجوده، ينتقل ذهنك منه إلى وجود شي‏ء آخر نسميه (دالا)، و الشي‏ء الآخر (مدلولا)، و هذه الصفة التي حصلت له (دلالة).

فيتضح من ذلك: أن الدلالة هي: «كون الشي‏ء بحالة إذا علمت بوجوده انتقل ذهنك إلى وجود شي‏ء آخر».

أقسام الدلالة: لا شك إن انتقال الذهن من شي‏ء إلى شي‏ء لا يكون بلا سبب. و ليس السبب إلا رسوخ العلاقة بين الشيئين في الذهن. و هذه العلاقة الذهنية أيضا لها سبب. و سببها العلم بالملازمة بين الشيئين خارج الذهن. و لاختلاف هذه الملازمة- من كونها ذاتية أو طبعية أو بوضع واضع و جعل جاعل- قسموا الدلالة إلى أقسام ثلاثة: عقلية و طبعية و وضعية.

1- الدلالة العقلية: و هي فيما إذا كان بين الدال و المدلول ملازمة ذاتية في وجودهما الخارجي، كالأثر و المؤثر. فإذا علم الإنسان- مثلا- أن ضوء الصباح أثر لطلوع قرص الشمس، و رأى الضوء على الجدار ينتقل ذهنه إلى طلوع الشمس قطعا، فيكون ضوء الصبح دالا على الشمس دلالة عقلية. و مثله إذا سمعنا صوت متكلم من وراء جدار فعلمنا بوجود متكلم ما.

2- الدلالة الطبعية: و هي فيما إذا كانت الملازمة بين الشيئين ملازمة طبعية، أعني: التي يقتضيها طبع الإنسان، و قد يتخلف و يختلف باختلاف طباع الناس، لا كالأثر بالنسبة إلى المؤثر الذي لا يتخلف و لا يختلف.

و أمثلة ذلك كثيرة، فمنها: اقتضاء طبع الإنسان أن يقول: (أخ) عند الإحساس بالألم، و (آه) عند التوجع، و (أف) عند التأسف و التضجر. و منها: اقتضاء طبع البعض أن يفرقع أصابعه أو يتمطى عند الضجر و السأم، أو العبث بما يحمل من أشياء أو بلحيته أو بأنفه، أو يضع إصبعه بين أعلى أذنه و حاجبه عند التفكير، أو يتثاءب عند النعاس ... فإذا علم الإنسان بهذه الملازمات فإنه ينتقل ذهنه من أحد المتلازمين إلى الآخر، فعند ما يسمع بكلمة (أخ) ينتقل ذهنه إلى أن متكلمها يحس بالألم، و إذا رأى‏

54

2- من الواضع (1)؟

و لكن من ذلك الواضع الأوّل في كل لغة من اللغات؟

قيل: إن الواضع لا بد أن يكون شخصا واحدا يتبعه جماعة من البشر في التفاهم بتلك اللغة. و قيل- و هو الأقرب إلى الصواب- أن الطبيعة البشرية حسب القوة المودعة من الله تعالى فيها تقتضي إفادة مقاصد الإنسان بالألفاظ، فيخترع من عند نفسه لفظا مخصوصا عند إرادة معنى مخصوص- كما هو المشاهد من الصبيان عند أول أمرهم- فيتفاهم مع الآخرين الذين يتصلون به، و الآخرون كذلك يخترعون من أنفسهم ألفاظا لمقاصدهم، و تتألف على مرور الزمن من مجموع ذلك طائفة صغيرة من الألفاظ، حتى تكوّن لغة خاصة، لها قواعدها يتفاهم بها قوم من البشر، و هذه اللغة قد تتشعب بين أقوام متباعدة، و تتطور عند كل قوم بما يحدث فيها من التغيير

____________

شخصا يعبث بمسبحته يعلم بأنه في حالة تفكير ... و هكذا.

3- الدلالة الوضعية: و هي فيما إذا كانت الملازمة بين الشيئين تنشأ من التواضع و الاصطلاح على أن وجود أحدهما يكون دليلا على وجود الثاني، كالخطوط التي اصطلح على أن تكون دليلا على الألفاظ، و كإشارات الأخرس و إشارات البرق و اللاسلكي، و الرموز الحسابية و الهندسية، و رموز سائر العلوم الأخرى، و الألفاظ التي جعلت دليلا على مقاصد النفس.

فإذا علم الإنسان بهذه الملازمة و علم بوجود الدال ينتقل ذهنه إلى الشي‏ء المدلول.

و ذكرت للدلالة الوضعية قسمان: الدلالة اللفظية و غير اللفظية. و من أراد التفصيل فعليه بمراجعة المنطق للمظفر، ص 34.

من الواضع؟ (1) قيل: إن الواضع هو الله «عزّ و جل». جعل لكل معنى لفظا مخصوصا باعتبار مناسبة بينهما مجهولة عندنا، و جعله «تبارك و تعالى» واسطة بين جعل الأحكام الشرعية المحتاج إيصالها إلى إرسالها إلى إرسال رسل و إنزال كتب، و جعل الأمور التكوينية التي جبل الإنسان على إدراكها كحدوث العطش عند احتياج المعدة إلى الماء و نحو ذلك. فالوضع جعل متوسط بينهما لا تكويني محض حتى لا يحتاج إلى أمر آخر، لا تشريعي صرف حتى يحتاج إلى تبليغ نبي أو وصي، بل يلهم الله «تبارك و تعالى» عبادة- على اختلافهم- كل طائفة بلفظ مخصوص عند إرادة معنى خاص. و بما يؤكد المطلب: إنا لو فرضنا جماعة أرادوا إحداث ألفاظ جديدة بقدر ألفاظ أي لغة، لما قدروا عليه، فما ظنك بشخص واحد، مضافا إلى كثرة المعاني التي يتعذر تصورها من شخص أو أشخاص متعددة (1)؟

____________

(1) راجع محاضرات في أصول الفقه، ج 1، ص 34.