المقدمات والتنبيهات في شرح أصول الفقه‏ - ج1

- محمود قانصوه المزيد...
544 /
5

مقدّمة الكتاب‏

لسماحة آية اللّه الإمام الشيخ محمّد مهدي شمس الدّين رئيس المجلس الاسلامى الشيعى الأعلى‏

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

الحمد للّه رب العالمين و صلى اللّه على سيدنا و نبينا محمد و على آله الطيبين الطاهرين، و بعد ...

فإن اللّه سبحانه و تعالى لم يترك البشر مهملين من دون أن ينصّب لهم منهجا يتبعونه في حياتهم تدركه عقولهم التي زودهم اللّه بها، ليتمكنوا على هدى اللّه في هذا المنهج من تحقيق مبدأ الخلافة في الأرض الذي نص عليه اللّه سبحانه و تعالى و ليحققوا من جهة أخرى العبودية الكاملة للّه التي تشكل الهدف الأعمق للخلق.

حيث أن اللّه سبحانه و تعالى بيّن أنه خلق الإنسان ليكون خليفة في الأرض من جهة، حيث قال عزّ و جلّ: وَ إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً سورة البقرة/ مدنية- 2/ الآية: 30: وَ هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ‏ سورة الأنعام/ مكيّة- 6/ الآية: 165. و خلق جميع الكائنات العاقلة ذات الاختيار، الإنسان و الجن، لأجل أن يعبدوه:

وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ‏ سورة الذاريات/ مكيّة- 51/ الآية: 56.

إن الهدف من خلق الإنسان هو العبادة، و الهدف من (جعله في‏

8

الأرض) الخلافة. فوجود الإنسان في الأرض هو وجود خلافتي يراد منه إعمارها. و الهدف من خلق الإنسان العبادة، و هذان إنما يتحققان على هدى ما ينصبه اللّه سبحانه و تعالى من الدلائل التي تكمل إدراك العقول الفطري لمناهج السلوك في هذه الحياة خلافة في الأرض و عبادة للّه سبحانه و تعالى.

و قد أنزل اللّه على رسله الكرام في جميع عهود التاريخ هذه الرسالات التي تشرح للبشر مغزى حياتهم و تهديهم إلى مسالك هذه الحياة وفقا لفطرة اللّه و لغاياته في الخلق و الوجود، و ختم اللّه هذه الرسالات بأكملها و أعلاها و أوسعها على لسان خاتم النبيين محمد (صلى اللّه عليه و آله) و صحبه الذين اتبعوه بإحسان، و هذه الرسالة الخاتمة المباركة اشتملت على ثلاث أطر كبرى تتعلق بالسلوك البشري:

اشتملت على العقيدة التي تقوم عليها رؤية الإنسان للكون و الحياة و الإنسان و مركز الإنسان في الكون و الحياة، و اشتملت على الشريعة التي تحدّد الأطر السلوكية لحياة الإنسان سواء في ذلك علاقته مع اللّه، العلاقة المباشرة مع اللّه و التعبير عنها في العبادة، أو في علاقته مع الطبيعة و مع البشر الآخرين، (المجتمع و سائر الناس) و هذه ينطبق عليها عنوان المعاملات في وجه عام، و الإطار الثالث هو الإطار الأخلاقي الذي يمثل الطموح نحو الكمال الاسمي الذي جعله اللّه هدفا لحركة الإنسان في حياته، بحيث يتجاوز ما طلبه اللّه منه إلى ما ندبه اللّه إليه سواء في علاقته مع اللّه- و هذا يدخل فيه حقل العرفان و التصوف- أو في علاقته مع البشر، و هذا يدخل فيه حقل الإحسان سواء إلى البشر أو إلى سائر مظاهر الحياة الأخرى.

و هذه الشريعة ليست قوالب جامدة كما أنها ليست كلها أحكاما نهائية، كما أنها ليست كلها أحكاما محدودة بجيل من الأجيال و عصر من العصور و محددة في مجال معين من مجالات حياة الإنسان، بل هي منهج عام لحياة البشر في جميع أبعادها على مدى تاريخ البشرية الآتي و على مدى عمر الدنيا.

و من المعلوم أن مبدأ الخلافة في الأرض يجعل الإنسان في حالة تطور و تقلب من حال إلى حال، و من طور إلى طور، و تتجدد تبعا لذلك احتياجاته و مشاكله و وجوه علاقته مجتمعا و فردا و أسرة مع البشر الآخرين و مع الطبيعة.

9

من هنا فإن طبيعة الحياة تقتضي أن تكون هذه الشريعة المباركة معدة لتلبية هذه الحاجات و لتطويرها، و هذا يقتضي أن تكون الشريعة في حالة توالد دائم، حيث أنها تتوالد توالدا ذاتيا تغني نفسها و تثرى نفسها و يتضح هذا حين نعي أن الشريعة جاءتنا على لسان الرسول (صلى اللّه عليه و آله و سلم) في الكتاب و السنة و كما نقلها و فسرها أئمة أهل البيت (عليهم السلام) بصيغتين:

الأولى: على شكل أحكام محددة و هذه تارة تكون أحكاما ثابتة من قبيل العبادات المفروضة و المحرمات المنصوصة. و أخرى تكون أحكاما نسبية مرحلية لحالات معينة من قبيل (سهم المؤلفة قلوبهم)- على بعض الآراء الفقهية- و غيره.

الثانية: على شكل قواعد عامة يستنبط منها الأحكام الجزئية و تطبق على الحالات الراهنة.

و هذه المهمة مهمة تثوير الشريعة- إذا صح التعبير- لتتوالد و مهمة التعامل مع حالة التوالد الذاتي في الشريعة تتم بواسطة البحث الفقهي المنهجي الذي وضع أسسه و مناهجه رسول اللّه و أهل بيته الكرام و من ثم فقهاء الإسلام العظام.

إن الفقه هو العلم الذي يبحث فيه عن أحوال المكلف من حيث علاقته بالشريعة، في مجال علاقته باللّه تعالى، و في خاصة ذاته، و في علاقته بالطبيعة. و في علاقته بالبشر الآخرين، (المجتمع و الأسرة و الأفراد) و كونه بهذا الاعتبار يكون موضوعا للأحكام الشرعية التكليفية و الوضعية (الحرمة و الوجوب و الاستحباب و الكراهية و الإباحة و الصحة و الفساد).

تعريف الفقه:

و الفقه في الاصطلاح الأصولي- الفقهي هو (العلم بالأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية) و الأحكام الفرعية تقابل الأصولية، و هي الأحكام التي لا تتعلق بالمكلف من حيث عمله في المجالات المذكورة. و هذه تشمل أصول الاعتقاد من قبيل الألوهية و الوحدانية و النبوة و ما إليها. و أصول الفقه من قبيل حجّية الخبر الواحد. و حجّية ظواهر الكتاب و غيرها.

10

و قد وضعوا لذلك أصولا و قواعد و مناهج و يمكن أن يقال أنها نواة أو أسس علم و أصول الفقه.

و الفقهاء يستنبطون في علم الفقه و عملهم الفقهي أحكام أفعال الإنسان و علاقاته بنفسه و بالناس و الطبيعة. المستمدة من قواعد الشريعة و من أصولها و مبادئها العامة بحسب تطور الحياة التي تولد الحاجات و تطرح الأسئلة عن صحة أو عدم صحة هذا السلوك أو ذاك السلوك.

هذا هو الفقه و لكن البحث الفقهي كما أشرنا ليس بحثا عشوائيا بل يخضع لمناهج و لأصول في التعامل مع النص الشرعي سواء كان هذا النص واردا في الكتاب أو السنة، فالقواعد التي تحدد منهج الاستنباط (هي علم أصول الفقه) و هذا العلم هو منهج الاستنباط الفقهي و هو علم المنهج- إذا صح التعبير- بالنسبة للأبحاث الفقهية.

و من هنا فإن الفقهاء و الأصوليين- بصرف النظر عن تحري الدقة الفلسفية في التعريف- عرّفوا علم الأصول على اختلاف أذواقهم و مشاربهم بأنه (علم يبحث فيه عن القواعد التي يقوم عليها استنباط الأحكام الشرعية الفرعية من أدلتها التفصيلية) أو (علم يبحث فيه عن القواعد التي تقع نتيجتها في طريق استنباط الحكم الشرعي) و ما إلى ذلك من التعابير التي تتصل بالمنهج و تبين أن علم الأصول هو علم المنهج.

و الحقل البحثي في علم الأصول يختلف عن الحقل البحثي لعلم الفقه.

فالحقل البحثي لعلم الأصول هو (الحجة الشرعية) على الحكم الشرعي الإلهي، و هي الأدلة الكلية و القواعد العامة و بيان مستوى قيمة هذه الأدلة الاستنباطية و أهميتها بحسب التراتب.

أما الحقل البحثي للفقه. فإن الفقيه يتعامل مع الأدلة التشريعية المباشرة، مثلا، الفقيه يتعامل مع هذا الخبر و هذه الرواية أو تلك بينما نجد أن عالم الأصول لا يتعامل مع الرواية بما هي رواية و إنما يبحث عن حجية السنّة، و عن أقسام السنة و عن التواتر ما هو، و عن الخبر المتواتر و خبر الواحد و حجيته؟ و الفقيه يتعامل مع الحديث المعين على اعتبار أنه ظاهر في الدلالة

11

على الأمر الفلاني، و الأصولي لا يتعامل مع ظهور هذا الحديث أو ذاك و إنما يتعامل مع حجية الظواهر بذاتها و بصورة كليّة، و الفقيه يتعامل مع دلالة الآية الفلانية على الحكم الفلاني بينما الأصولي لا يتعامل مع دلالة الآية المحددة و لكنه يتعامل مع ظواهر الكتاب أولا و كيفية التعامل معها، الفقيه يتعامل مع هذا الخاص أو هذا العام بينما الأصولي لا يتعامل مع هذا الخاص بعينه أو مع هذا العام بعينه و إنما يتعامل مع العموم و الخصوص فيرى هل حجية العام مطلقة؟ أو أنها خاضعة للبحث عن وجود خاص فإذا وجد خاص فما هي النسبة بينه و بين العام و كيف تتأثر دلالة العام بورود الخاص عليه و هكذا؟

إذن الحقل البحثي مختلف بين الأصولي و الفقيه.

و مما ذكرنا تظهر الأهمية الأساسية لعلم الأصول بالنسبة إلى علم الفقه، و بالنسبة إلى عملية الاستنباط و الاجتهاد الفقهي بوجه عام، إذ أن علم الأصول يضبط الاستنباط وفق مناهج محددة نابعة من طبيعة النص التشريعي في الكتاب و السنّة. أما من دون علم الأصول فإن عملية الاستنباط ستكون عملية عشوائية، و تفقد قيمتها التشريعية، و تخلق حالة فوضى مطلقة في فهم الشريعة، بل تؤسس للخروج عن الشريعة، لأنه إذا أراد المتفقهون و سائر المشتغلين بالكتاب و السنّة أن يخضعوا عملية استنباطهم لأمزجتهم الخاصة و من دون التقيد بمنهج يقوم على قواعد محددة نابعة من نفس طبيعة التشريع، فإن الشريعة ستمحق و تحرّف.

و أعتقد أن موقف أئمة أهل البيت من مسألة القياس و عملية القياس و ما إليها من أشكال (الرأي) كان موقفا وضع حدا للاسترسال في المنهج (الذوقي الاستحساني) و زجر عن إخضاع الشريعة للذوق و إخضاعها للفهم الشخصي الذي لا يتقيد بالمناهج الموضوعية، حيث يؤدي ذلك إلى تأثر الشريعة بالإفهام الشخصية و الأذواق الشخصية و الأمزجة المختلفة.

و من هنا كلمة الإمام الصادق (سلام اللّه عليه) المشهورة: «إن السنّة إذا قيست محق الدين» (وسائل الشيعة/ ج 27/ ص 41/ القضاء/ صفات القاضي/ باب 6/ ح 10). و ما روي عنه من قوله: «إن أصحاب المقاييس طلبوا العلم بالمقاييس، فلم تزدهم المقاييس من الحق إلّا بعدا» (نفس‏

12

المصدر/ ح 17). حيث أن ذلك يخرج الدين عن طبيعته الموحى بها و تجعله شأنا خاصا و شأنا ذوقيا.

و من هنا فإن قواعد علم أصول الفقه باعتباره علم منهج الاستنباط الفقهي- كمناهج البحث في سائر حقول المعرفة التي تنبع من طبيعة تكوين تلك العلوم، و علم المنهج في الفقه أي علم الأصول هو مستنبط و منتزع و مستخلص من طبيعة الشريعة الإسلامية و مصادر الشريعة الإسلامية في الكتاب و السنّة، و كل عنصر من عناصر علم الأصول لا يتصل بشكل طبيعي بعلم الشريعة و مصادر الشريعة فإنه إما أن يكون دخيلا على علم الأصول أو تكون له أهمية جانبية أو ثانوية أو شكلية في علم الأصول.

هذه نقطة أساسية لبناء نظرتنا إلى علم الأصول عليها و هي أن كل منهج من مناهج العلوم يجب أن يستمد جوهره و مناخه و طبيعته من طبيعة ذلك العلم و من قواعده و أصوله و لا يجوز أن يكون هناك منهج يختلف في طبيعته و في تكوينه الداخلي عن حقل المعرفة التي يراد استخدامه فيه، فحقل المعرفة في الشريعة الإسلامية هو الذي ينتج أصوله الخاصة بها. و من هنا موقفنا المبدئي من زج الأبحاث الفلسفية و المنطقية في علم أصول الفقه، و هذا ما ظهر بصورة جلية في المجال الفقهي للشيعة الإمامية، و قد ظهر ذلك في التطورات التي شهدها علم الأصول في العصور الأخيرة.

حيث أن زجّ هذه العلوم و الأفكار الفلسفية و المنطقية و الكلامية في علم أصول الفقه هو إدخال مادة غريبة لا تتناسب مع طبيعة الحقل المعرفي الذي يراد استخدام علم الأصول فيه، و كذلك في إدخال بعض الأبحاث المتعلقة بفلسفة اللغة العربية في علم الأصول، و بعض التدقيقات التي تتصل بعلم البلاغة و البيان مما إلى ذلك مما استحدث و استنبط أخيرا، فهي كلها أجنبية عن طبيعة الحقل المعرفي الذي يراد استخدام علم الأصول فيه.

الخلاصة التي نقررها بهذه المناسبة أن كل علم منهج يجب أن يكون منسجما مع طبيعة الحقل المعرفي الذي يجب أن يستخدم فيه و هذا ينطبق على علم الأصول بالنسبة لعلم الفقه كما ينطبق على أي منهج بالنسبة لأي حقل معرفي في مجال المعرفة الإنسانية.

13

بداية وضع علم الأصول‏

قبل الدخول في البحث عن بداية وضع علم الأصول نلاحظ أن (علم الأصول) حاجة (للاجتهاد) باعتبار الأصول منهجا للبحث في علم الفقه، و قد نمت الحاجة إلى الاجتهاد في وقت متأخر عما نسميه (عصر النص) فإن (عصر النص) هو عصر النبوة و الصحابة الأولين إلى بدايات النصف الثاني من القرن الأول الهجري- و هذه المرحلة شكلت عصر النص بالنسبة إلى جميع المسلمين، و بعد ذلك بدأ (عصر الاجتهاد) بالمعنى المنهجي خارج مدرسة أئمة أهل البيت، و استمر عصر النص عند أتباع أهل البيت (عليهم السلام) إلى نهاية القرن الثالث الهجري، حيث بدأ يتكامل في هذا الخط (منهج الاجتهاد) و بدأ عندهم عصر الاجتهاد.

نلاحظ أن علم الأصول لم يوجد في شكل تلقائي و في شكل جاهز مع تكوين علم الفقه أو بالأحرى مع نزول الشريعة، و هذا هو شأن كل منهج من مناهج المعرفة البشرية لجميع الحقول المعرفية، إذ لا يوجد في كل علم من العلوم منهج موضوع مسبقا، فيتولد العلم من هذا المنهج في مجال المعرفة الإنسانية.

إن الإنسان يحيا و يتفاعل مع الطبيعة و مع المجتمع، و نتيجة لتفاعله تتوالد أسئلة تتعلق بالمجالات التي يتفاعل فيها، و تبقى هذه الأسئلة معلقة بانتظار أجوبتها. و يبحث لها الإنسان عن أجوبة و حلول، و يجد ضالته نتيجة للبحث، و تتراكم عنده مجموعة من الأجوبة بعضها صحيح و بعضها خطأ، و تخضع للاختبار دائما.

بعد أن تتجمع جملة من الأسئلة و القضايا و أجوبتها تتكون الحقول المعرفية، و حينئذ تظهر الحاجة لمنهج ينظم عملية البحث و النقد و الفحص.

14

لأجل فرز الخطأ عن الصواب، و لأجل تسهيل عملية البحث المعرفي.

إن وعي هذه الحاجة يؤدي إلى أن تتولد من طبيعة تلك الأسئلة و الأجوبة رؤى و نقاط بحثية منهجية تتكامل بالتدريج إلى أن تكوّن المنهج، فنواة المنهج تنمو مع نمو الأجوبة على الأسئلة التي تتوالد في حقل المعرفة، و قد حدث هذا في جميع العلوم التي تبحث في الحقول المعرفية للوعي الإنساني و مناهجها، و من ذلك ما تولد بالنسبة لعلم الفقه فقد بلّغ الرسول (صلى اللّه عليه و آله و سلم) الشريعة المقدسة بعد أن أوحيت إليه بصيغة الكتاب الكريم و بصيغة السنّة المباركة طيلة حياته الشريفة نبيا و داعيا، و بلغت لنمو المجتمع الإسلامي و نمو الأمة و الوعي و الحاجات و وضعت في سياقين.

الأول: سياق خاص أجاب على نقاط محددة طرأت على حياة المسلمين في حال تكونهم الأولي.

الثاني: صيغة قواعد عامة لحظ بها تكون الأمة و تطورها في المستقبل و توسعها بالتوالد الذاتي، و الانتشار التبشيري و الدعوتي، و قد تفاعلت الأمة مع هذه القواعد و بنت عليها حياتها.

و بحسب مقصد و مهمة خلافة الإنسان على الأرض كانت هذه الأمة، كسائر الأمم، تتفاعل مع الحياة من خلال تفاعلها مع الطبيعة و مع المجتمعات الأخرى و مع نفسها، ففي التفاعل الذاتي و الداخلي كانت تتولد أسئلة، و تولى أصحاب الرسول الكرام و الذين تفقهوا عليهم الإجابة على هذه الأسئلة بما فهموه من الكتاب و السنة.

و كان أئمة أهل البيت (صلوات اللّه و سلامه عليهم) يواكبون هذا النمو في حقل الحياة و في الحقل المعرفي فكانوا يقدمون الأجوبة على الأسئلة التي تطرأ على حياة الأمة، و يفسرون ما أجمله الكتاب و السنة، و ما قدم بصيغة القواعد و المبادئ العامة، و حينما اتسع هذا الحقل المعرفي بدأت الحاجة إلى تقعيد عملية الاستنباط و اكتشاف الحكم الشرعي، و هكذا تولد علم الأصول من قواعد أولى نشأت من طبيعة علم الشريعة و علم الفقه، و حيث أن اللغة العربية هي المادة التعبيرية الأساس التي وردت بها هذه الشريعة في الكتاب و السنّة، كان من الطبيعي أن تنبثق أبحاث علم الأصول من علم الفقه‏

15

في نطاق الأبحاث اللغوية التي تتناول دور الكلمة و الجملة. و الصيغة البيانية التي يبلّغ بها الحكم الشرعي و القاعدة الشرعية. فتكونت أبحاث علم الأصول تدريجا حول أبحاث اللغة العربية خارج دائرة علم النحو و الإعراب، و لم تتناول الجانب التنظيمي- إذا صح التعبير- للتعبير- و هي مهمة علم النحو- و إنما تركزت على الجانب البياني و الدلالي للكلمة و للجملة و للهيئات التي تتكون منها الكلمة و الجملة.

و لا ريب في أن أقدم الأعمال الأصولية- إذا صح التعبير- يتصل بالنبي (صلى اللّه عليه و آله و سلم) الذي رويت عنه في السنّة بعض النصوص التي شكلت أساس بعض الأبحاث الأصولية، و هذا يؤكد ما أشرنا إليه من أن علم الأصول لم يولد بصورة كاملة، بل تخلّق طورا بعد طور، حسب حاجة عملية الاستنباط إلى (المنهجية) و التنظيم البحثي.

فمما جاء عن النبي (صلى اللّه عليه و آله و سلم) من المبادئ الأصولية في حالة تعارض الأدلة ما روي من قوله (صلى اللّه عليه و آله و سلم): «.. قد كثرت عليّ الكذابة و ستكثر. فمن كذب عليّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار. فإذا أتاكم الحديث فاعرضوه على كتاب اللّه و سنتي، فما وافق كتاب اللّه و سنتي فخذوا به. و ما خالف كتاب اللّه و سنتي فلا تأخذوا به». (بحار الأنوار/ ج 2/ ص 225/ باب 29 ح 2).

و مما جاء عنه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) في شأن الحكم في الشريعة بالرأي و القياس، أنه قال: «قال اللّه جلّ جلاله: ما آمن بي من فسّر برأيه كلامي، و ما عرفني من شبّهني بخلقي، و ما على ديني من استعمل القياس في ديني». (أمالي الصدوق/ ص 15- 16/ المجلس الثاني).

و مما جاء عنه من المبادئ في باب الاحتياط في موارد الشبهة ما روي من قوله (صلى اللّه عليه و آله و سلم): «أيها الناس حلالي حلال إلى يوم القيامة، و حرامي حرام إلى يوم القيامة. إلا و قد بيّنهما اللّه عزّ و جلّ من الكتاب و بيّنتهما في سيرتي و سنّتي. و بينهما شبهات من الشيطان و بدع بعدي، من تركها صلح له أمر دينه و صلحت له مروته و عرضه. و من تلبس بها و وقع فيها و اتبعها كان كمن رعى غنمه قرب الحمى، و من رعى ماشيته قرب الحمى نازعته نفسه أن يرعاها في الحمى، ألا و إن كل ملك حمى، ألا و إن حمى اللّه محارمه فتوقّوا حمى اللّه و محارمه». (بحار الأنوار ج 2/ ص 260/ باب 31/ ح 17).

16

إن أول موثوق في هذا المجال هو كتاب هشام بن الحكم (ت 199 ه) التلميذ الشهير للإمام الصادق و هو كتاب (الألفاظ و مباحثها) و هو في غالب الظن ليس كتابا لغويا أو نحويا بل هو كتاب عن ما أشرنا إليه قبل قليل، و يتناول مباحث الدلالة.

هناك بعض المؤلفين من علماء الشيعة يشيرون إلى عناوين كتب لبعض المحدثين القدامى تحمل كلمة (أصول) من قبيل كتاب (أصول آل الرسول) أو (الأصول الأصيلة) أو (الفصول المهمة في أصول الأئمة) و ما إلى ذلك.

و لكن الراجح أنه لا يمكن الاعتماد على هذه التسميات للجزم بأنها تتناول مباحث علم الأصول بالمعنى المصطلح الذي نفهمه، قد تكون تعني أصول علم الحديث و قد تعني أبحاثا كلامية، و لا يمكن الجزم أن هذه التسميات تعني علم الأصول الفقهي بالمعنى الذي نتحدث عنه.

و نلاحظ أن عصر الإمام الصادق (سلام اللّه عليه) قد حفل بنمو سريع و بتقعيد كبير في المجال المعرفي و في مجال الدراسات الفقهية، و الظاهر أن الأبحاث الأصولية المنهجية قد وضعت في عهده استنادا إلى بعض المبادئ و القواعد التي وردت عن النبي (صلى اللّه عليه و آله و سلم) و عن الإمامين الباقر و الصادق و في بعض ما روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) ما يدل على أن (القواعد الأصولية) باعتبارها تمثل المنهج في عملية البحث الفقهي و الاجتهاد و قد وضعت موضع التطبيق من قبيل ما روي عن الإمام الصادق (عليه السلام): «إنما علينا أن نلقي إليكم الأصول و عليكم أن تفرّعوا» و ما روي عن الإمام الرضا (عليه السلام):

«علينا إلقاء الأصول و عليكم التفريع» (وسائل الشيعة/ ج 27/ ص 61- 62/ القضاء/ أبواب صفات القاضي/ باب 6/ ح 51- و 52). و ما إلى ذلك.

إن ما تقدم ذكره يرجح أن تكون ولادة (علم الأصول) قد تحققت في القرن الأول الهجري و بدايات القرن الثاني الهجري.

لقد كان من أعظم اهتمامات أئمة أهل البيت (عليهم السلام) وضع قواعد الاستنباط الفقهي و أصول الفقه و بيان المنهج الصحيح للاجتهاد، في مواجهة تيار الاجتهاد بالرأي الذي يخرج عن دائرة الكتاب و السنّة.

و قد كانت إحدى أعظم المعارك الفكرية في هذا الشأن معركة إبطال‏

17

القياس و الرأي و الاستحسان. و قد سجلت الأحاديث المروية في هذه القضية أبعاد هذه المعركة. فمن ذلك:

1- ما روي عن الإمام الباقر (عليه السلام): «إن السنّة لا تقاس، و كيف تقاس السنّة و الحائض تقضي الصلاة و لا تقضي الصيام» (محاسن البرقي:

338/ ح 95).

2- ما روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: «إن أصحاب المقاييس طلبوا العلم بالمقاييس فلم تزدهم المقاييس من العلم إلّا بعدا و إن دين اللّه لا يصاب بالمقاييس» (أصول الكافي/ باب البدع و الرأي و المقاييس/ ح 7).

3- و عن الإمام الباقر (عليه السلام): «من أفتى الناس برأيه فقد دان اللّه بما لا يعلم، و من دان اللّه بما لا يعلم فقد ضاد اللّه حيث أحلّ و حرّم فيما لا يعلم» (المصدر السابق/ ح 17) و الروايات عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) في هذا الشأن فوق حدّ التواتر.

لقد حرص أئمة أهل البيت (عليهم السلام) على إعطاء الأهمية و الأولوية في عملية الاستنباط الفقهي للكتاب و السنة باعتبارهما المصدرين الوحيدين للشريعة. و قد وردت في ذلك روايات فوق حدّ التواتر يجملها ما روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: «ما من شي‏ء إلّا و فيه كتاب أو سنّة» (أصول الكافي/ ج 1/ ص 59)، و ما رواه سماعة عن الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام)، قال: «قلت له: أكل شي‏ء في كتاب اللّه و سنة نبيه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) أو تقولون فيه؟» قال: «بل كل شي‏ء في كتاب اللّه و سنة نبيه (صلى اللّه عليه و آله و سلم)». (أصول الكافي/ ج 1/ ص 62).

كما حرص الأئمة (عليهم السلام) على بيان أصول (المنهج النقدي) في دراسة السنّة لاعتمادها في استنباط الأحكام.

1- مرجعية الكتاب و السنّة في النقد

(أخبار العرض).

و قد تقدم ذكر بعض الروايات في هذا الشأن. و نزيد عليه هنا بعض الروايات، فمن ذلك: عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: «قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) إنّ على كلّ حق حقيقة، و على كل صواب نورا؛ فما وافق كتاب اللّه‏

18

فخذوه، و ما خالف كتاب اللّه فدعوه». (أصول الكافي/ ج 1/ ص 69).

و عنه (عليه السلام) رواية عبد اللّه بن أبي يعفور أنه قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن اختلاف الحديث يرويه من نثق به و منهم من لا نثق به. قال:

إذا ورد عليكم حديث فوجدتم له شاهدا من كتاب اللّه أو من قول رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) و إلّا فالذي جاءكم به أولى به». (المصدر السابق).

رواية أيوب بن الحرّ قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: «كلّ شي‏ء مردود إلى الكتاب و السنّة، و كل حديث لا يوافق كتاب اللّه فهو زخرف». (أصول الكافي/ ج 1/ ص 69).

2- النسخ.

فمما ورد من ذلك ما رواه محمد بن مسلم عن الإمام الصادق (عليه السلام)، قال: «قلت له: ما بال أقوام يروون عن فلان و فلان عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم)، لا يتهمون بالكذب، فيجي‏ء منكم خلافه؟ قال: إن الحديث ينسخ كما ينسخ القرآن». (أصول الكافي/ ج 1/ ص 65).

التقيّة (الظرف السياسي).

و مما ورد في هذا الشأن رواية أبي عبيدة عن الإمام الباقر (عليه السلام) قال: «قال لي: يا زياد. ما تقول لو أفتينا رجلا ممن يتولانا بشي‏ء من التقيّة؟ قال: قلت له أنت أعلم، جعلت فداك. قال: إن أخذ به فهو خير له و أعظم أجرا» قال: و في رواية أخرى: «إن أخذ به أجر، و إن تركه- و اللّه- أثم» (وسائل الشيعة: 27/ 107/ القضاء/ صفات القاضي/ الباب 9/ ح 2).

3- تغيير موضوع الحكم بتطور المجتمع‏

(عامل الزمن و تغيير أحوال المجتمع).

و مما ورد في هذا الشأن رواية المعلّى بن خنيس عن الإمام الصادق (عليه السلام)، قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) إذا جاء حديث عن أولكم و حديث عن آخركم بأيما نأخذ؟ فقال: خذوا به حتى يبلغكم عن الحي، فإن بلغكم عن الحي فخذوا بقوله». (أصول الكافي/ ج 1/ ص 67).

و قال في حديث آخر جوابا عن السؤال (خذ بالأحدث) نفس المصدر.

19

و رواية الحسين بن المختار عن الصادق (عليه السلام) قال: أ رأيتك لو حدثتك بحديث العام ثم جئتني من قابل فحدثتك بخلافه، بأيهما كنت تأخذ؟ قال: قلت: كنت أخذ بالأخير، فقال لي: رحمك اللّه». (نفس المصدر).

4- العامل السياسي و سيطرة السلطة على الفقهاء

(مخالفة العامة).

فما ورد في ذلك رواية عمر بن حنظلة التي اشتهر أنها (مقبولة) و فيها «قلت: فإن كان الخبران عنكما مشهورين قد رواهما الثقاة عنكم؟ قال: ينظر فما وافق حكمه حكم الكتاب و السنّة و خالف العامة فيؤخذ به، و يترك ما خالف حكمه حكم الكتاب و السنّة و وافق العامة. قلت: جعلت فداك.

أ رأيت إن كان الفقيهان عرفا حكمه من الكتاب و السنّة و وجدنا أحد الخبرين موافقا للعامة و الآخر مخالفا لهم. بأي الخبرين يؤخذ؟ قال: ما خالف العامة فقيه الرشاد. فقلت: جعلت فداك. فإن وافقهما الخبران جميعا. قال: ينظر إلى ما هم إليه أميل، حكّامهم و قضاتهم فيترك و يؤخذ بالآخر. قلت: فإن وافق حكامهم الخبرين جميعا؟ قال: إذا كان ذلك فارجه حتى تلقى إمامك فإنّ الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات». (أصول الكافي/ ج 1/ ص 67- 8/ وسائل الشيعة/ نفس الموضع/ ص 106- 107/ ح 1).

أمّا في سياق آخر فإننا نلاحظ أن أول مدوّن منهجي لعلم الأصول هو الإمام محمد ابن إدريس الشافعي و هو من فقهاء القرن الثاني الهجري و توفي عام 204 هجري و قد روى مؤلف (مناقب الإمام الشافعي)- على ما ذكر فخر الرازي- إن الفقهاء كانوا قبل الإمام الشافعي يتكلمون في مسائل أصول الفقه و يستدلون و يعترضون، و لكن ما كان لهم قانون كلي مرجوع إليه في معرفة دلائل الشريعة و في كيفية معارضتها و ترجيحاتها فاستنبط الشافعي علم أصول الفقه، و وضع للخلق قانونا كليا يرجع إليه في معرفة مراتب أدلة الشرع).

نحن نميل إلى أن علم أصول الفقه بصورته البدائية- و لكن الشاملة و العامة- تعود إلى الإمام الشافعي و نواة علم أصول الفقه باعتباره علم منهج تعود إلى القواعد التي طوّرها الإمام الصادق (عليه السلام) و استند فيها إلى ما روي عن النبي (صلى اللّه عليه و آله و سلم) و عن الإمام الباقر (عليه السلام).

20

فعلم الأصول باعتباره مفردات و قواعد متفرقة يعود إلى الإمام الصادق.

إما باعتباره تدوينا و منهجا متكاملا، فنميل إلى اعتباره إنجازا للإمام الشافعي. و الراجح أن عمله أنضج من العمل الذي أنتجه هشام بن الحكم، حيث أن الإمام الشافعي كان فقيها يضع و يطبق منهجا يتصل بحقل المعرفة الذي تخصص فيه، بخلاف هشام بن الحكم الذي لم يكن فقيها، بل متكلما و فيلسوفا.

و من هنا نلاحظ أن تدوين الأصول باعتباره منهجا كان عند من سمّوا فيما بعد (أهل السنّة) هو أسبق من التيار المنتمي إلى مدرسة أهل البيت و الذي سمّي أتباعه فيما بعد (الشيعة الإمامية).

مناهج (طرق) تدوين علم الأصول:

ذهب بعض الباحثين إلى القول بأن تدوين علم الأصول قد تمّ- في مراحل مختلفة- وفق مناهج ثلاثة، هي:

أ- الأولى: اصطلح عليها باسم (طريقة المتكلمين):

و منهج هذه الطريقة يقوم على تعريف المطالب لغويا و منطقيا و بعد ذلك بحث الأحكام الشرعية، و بعدها تأتي أبحاث الأدلة و الدلالة، ثم أبحاث الاجتهاد و التقليد. فهي طريقة تضع أولا القواعد الكلية ليطبقها الفقيه على الجزئيات.

و هذا المنهج لا ينتمي إلى مذهب فقهي معين. و يعتمد الاستدلال العقلي و المقارنات المنطقية و يورد المسائل الفقهية للتمثيل و التطبيق.

فهو علم وجد بصورة مستقلة عن الفقه. و من هنا يقال عن الشافعي أنه وضع أصوله قبل فقهه. و من الكتب المشهورة في هذه الطريقة كتاب المستصفى للغزالي، و الإحكام في أصول الأحكام لأبي الحسن الآمدي.

و يمكن تسمية هذه الطريقة بأنها طريقة الشافعي لدعوى أن الشافعي وضع كتابه على أساسها و هو أول مدوّن فقهي مكتمل و منظم.

ب- الثانية: طريقة الحنفية:

21

و منهج هذه الطريقة تقوم على الانتقال من المسائل الجزئية إلى القواعد الكلية، فهم يستنبطون القاعدة من مجموعة المسائل.

إن مؤلفي هذه الطريقة يبدءون بتعريف علم الأصول. ثم يبحثون في الأدلة الشرعية و الخلاف فيها ثم أحوال المجتهد و وجوه الاجتهاد و أقسامه.

ثم مباحث تعارض الأدلة و المرجحات. ثم مباحث الحكم و أقسامه.

فهذه الطريقة ذات منهج عملي تنبثق فيه القاعدة الأصولية في مفردات البحث الفقهي و بعد ذلك تبقى القاعدة في حالة تفاعل مع جزئيات المسائل الفقهية.

و من الكتب المشهورة المدوّنة على هذه الطريقة (تمهيد الفصول في الأصول) للسرخسي.

ج- الثالثة: الطريقة التكاملية:

ذهب بعض الباحثين إلى أن بعض الأصوليّين في القرن السابع الهجري جمع بين الطريقتين (الكلامية- الشافعية. و الحنفية في طريقة ثالثة) يقوم منهجها على تنقيح و بلورة القواعد الأصولية و الاستدلال عليها، ثم تطبيقها على الأحكام الشرعية الجزئية. و من تطبيقات هذه الطريقة- في عهد متأخر- (مسلّم الثبوت) و شرحه (فواتح الرحموت).

د- ملاحظة نقديّة:

هذا ما ذكره بعض الباحثين. و نحن نرى أن هذه الدعوى غير دقيقة، فلم يوضع علم الأصول بصورة مسبقة- كما أشرنا- و لا معنى للقول بأن الشافعي وضع أصوله قبل فقهه، فغير الفقيه لا يمكن أن يضع أصول الفقه، و لا ريب أن عملية الاستنباط الفقهي سابقة على علم الأصول. كما أن دعوى أن علم الأصول بجميع قواعده قد انبثق من علم الفقه دعوى لا وجه لها، فقواعد الأصول المستمدة من اللغة العربية كانت مقعدة و مؤصّلة في أبحاث النّحاة الكبار، و بعض القواعد العقلية كانت مؤصّلة في علم الكلام.

كما أن الطريقة الثالثة ليست طريقة مقابلة للطريقتين الأوليين، بل هي نتيجة لهما نعني أنها التطور الطبيعي لنمو المعرفة في هذا الحقل (حقل الاجتهاد و الاستنباط الفقهي)، و لذا أطلقنا على هذه الطريقة اسم (الطريقة التكاملية).

22

لقد ظهر هذا التطور واضحا في نمو علم الأصول في المدارس الفقهية عند أهل السنّة بصورة أكثر تحديدا- في المراحل- من ظهوره عند الشيعة الإمامية، لأن حركة الاجتهاد العامة في هذه المدارس أسبق في الظهور عند تلك المدارس منها عند الإمامية بسبب انتهاء (عصر النص) عند أهل السنة في مرحلة زمنية أبكر من انتهائه عند الإمامية.

على أي حال بعد الشافعي نمت مباحث علم الأصول عند جميع الفقهاء و عند جميع التيارات الفقهية و بدأ هذا العلم يغتني بالتجربة و الأبحاث.

و نلاحظ أن أبحاث رسالة الشافعي الشهيرة تؤكد أن ما ذكرناه من أن علم الأصول في الأساس علم من علوم اللغة العربية و قد ولد في حضن اللغة العربية و الأبحاث الأصولية الجانبية التي لا تتصل باللغة مباشرة تقوم على مقارنات بين حقول في الدلالة اللغوية، مثلا الشافعي يتكلم في الرسالة عن حجيّة القرآن و بيان القرآن. و تكلم عن السنة و نسبتها إلى القرآن. و تكلم عن الناسخ و المنسوخ. و حجية الخبر الواحد. و الإجماع و الاجتهاد.

و الاستحسان و القياس. و عن اختلاف الفقهاء. بأبحاث تتصل بطبيعة الحقل المعرفي. و بعد الشافعي بدأت تنمو في شكل متشعب و متعدد الأبحاث الأصولية بين الفقهاء.

لقد انطلق البحث الأصولي عند فقهاء المذاهب أو فقهاء التيار الأشعري في صورة أوسع و أعمق مما انطلق فيه في مجال التيار المنتمي إلى أئمة أهل البيت و السبب في ذلك فيما يبدو لي أمران:

أولا: إن جمهور الفقهاء المنتمين إلى التيار الأشعري كانوا يتعاملون مع مجتمع يطرح أسئلة كثيرة، لقد كانوا يتعاملون مع معظم المجتمع الإسلامي و من شأن ذلك أن يولّد لديهم أسئلة كثيرة و متنوعة في شتى حقول الشريعة نتيجة لكون هؤلاء الفقهاء على انسجام عميق و واسع مع طبيعة السلطة السياسية الحاكمة، و من هنا فإنهم كانوا يواجهون أسئلة أكثر و أعمق و أكثر تنوعا من الأسئلة التي كان يواجهها المحدثون و الفقهاء عند تيار أهل البيت.

23

ثانيا: إن وجود الأئمة المعصومين حتى القرن الثالث الهجري و انتشار الحديث المباشر من قبلهم جعل ما نسميه (عصر النص) و هو سابق على عصر الاجتهاد- كما ذكرنا سابقا- أطول مدى منه عند تيار المذاهب الأخرى.

إن وجود عصر النص أخّر نمو عملية الاجتهاد داخل خط أهل البيت، و بسبب ذلك تأخر تولد علم المنهج على الطريقة الخاصة بفقهاء أهل البيت.

و على كل حال فمنذ انتهاء عصر النصوص في تيار أهل البيت بدأ عصر الاجتهاد بالمعنى المنهجي و العلمي المألوف عند الشيعة الإمامية، و بدأت الحاجة تكبر لتفصيل علم المنهج الذي هو علم الأصول، و من ثم فإن الحاجة تدعو إلى الاستجابة، و بدأت الاستجابة حسب هذه الحاجة المتنوعة تتكون.

إن أول من فتح باب الاجتهاد في الفقه بطريقة منهجية هو الشيخ الجليل (الحسن بن علي بن أبي عقيل الحذّاء المشهور بالعماني) (أحد شيوخ الشيخ الجليل جعفر بن محمد بن جعفر بن موسى بن قولويه، أبو القاسم القمّي المتوفى سنة 368 أو 367 ه) فإن أبي عقيل العماني هو أول فقهاء الشيعة الإمامية المنهجيين. قالوا عنه أنه أول من هذّب الفقه، و استعمل النظر، و فتق البحث عن الأصول و الفروع من ابتداء الغيبة الكبرى. و وصف كتابه الفقهي (الممسك بحبل الرسول) بأنه كتاب حسن كبير. و على نهجه جرى الشيخ الجليل أبو علي محمد بن أحمد الكاتب الإسكافي المتوفى سنة 381 ه و قد كان من مشايخ المفيد و معاصرا لابن أبي عقيل العماني الآنف الذكر. و كتاباه (تهذيب الشيعة) و (الأحمدي في الفقه المحمدي) اشتملا على الفروع الفقهية المبوبة بحسب الموضوعات.

و نلاحظ إن أول كتاب أصول متكامل وضعه الشيخ المفيد محمد ابن النعمان المتوفى سنة 413 هجري و كتابه (التذكرة بأصول الفقه) و الكتاب البارز الثاني في هذه المرحلة هو كتاب السيد المرتضى تلميذ الشيخ المفيد (الذريعة إلى أصول الشريعة) و السيد المرتضى توفي سنة 436 و نلاحظ أن الفاصل بين كتاب منهجي متكامل عند الشيعة و بين كتاب منهجي متكامل عند السنة يبلغ قرنين تقريبا. لذا فإن السبب يعود إلى العاملين اللذين تقدم‏

24

ذكرهما الأول المجتمعي السياسي و الثاني متعلق بالمجال المعرفي الخاص.

على أي حال نلاحظ في كتاب الذريعة إلى أصول الشريعة و هو كتاب موجود بين أيدينا الآن بنصه الكامل أن الفكر الأصولي عند السيد المرتضى هو من الغنى و الاتساع و الشمولية بحيث يبعث على الاعتقاد بأنه لم يكن وليدا بل كانت هذه الأبحاث الموجودة في الذريعة أبحاثا تقوم على حقل معرفي عميق و واسع في مجال البحث. مما يدل على أن المعرفة الأصولية عند الشيعة موجودة بصورة أوسع و أعمق و بتاريخ أقدم من التاريخ الذي يعبّر عنه كتاب الشيخ المفيد أي أنه يمكن أن نقول أن تكوّن المعرفة الأصولية و علم المنهج عند الشيعة يعود إلى تاريخ أقدم من الشيخ المفيد بمسافة زمنية واسعة لأنه كما نرى هذا العلم من الذريعة هو من النمو بحيث لا يمكن اعتباره وليدا، و من هنا يمكن أن نقول أن المسافة الزمنية بين تكامل هذا العلم عند الشيعة و بين تكامله عند السنة هي ليست واسعة بالمدى الذي يبدو من مقارنة وفاة الشيخ المفيد بوفاة الشافعي بحيث تبلغ قرنين من الزمان بل هي أقل من ذلك بكثير.

لقد أضاف الشيخ الطوسي إلى المكتبة الأصولية الشيعية الوليدة كتابه (عدة الأصول) و هو كتاب موجود و متداول الآن و قد كان من كتب الدراسة في الحوزات العلمية.

و قد جمد البحث الأصولي في أوساط المسلمين الشيعة على مدى أكثر من ثلاثة قرون حيث لم يظهر مؤلف أصولي ناضج في هذه المرحلة إلى عهد العلامة الحلي (الحسن بن المطهر) في القرن الثامن الهجري، فالشيخ الطوسي توفي في العام 460 ه و العلامة الحلي توفي في أوائل النصف الأول من القرن الثامن الهجري، و قد ألّف بعض الكتب الأصولية (المبادئ و التهذيب و النهاية) التي لم تخرج كثيرا عن الخط العام الذي وضعه الشيخ الطوسي.

في نهاية القرن الثامن الهجري ألّف الشهيد الأول محمد بن مكي الذي استشهد سنة 786 هجرية كتاب (الجامع في علم الأصول).

و يمكن أن يقال أن هذه الفترة هي الفترة العلمية التي سيطر فيها الفكر

25

الأصولي للعلامة الحلي على الباحثين و الفقهاء حيث لم يظهر أيضا في هذه الفترة تجديد في الأفكار و القواعد و الأبحاث الأصولية و سادت فترة جمود على الفكر الأصولي عند الفقهاء الشيعة امتدت إلى أوائل القرن الثاني عشر الهجري، فلم تظهر دراسات أصولية ذات شأن يذكر طيلة هذه السنين التي شهدت تطورا مثيرا و خطيرا داخل الشيعة الإمامية على مستوى حركة الاجتهاد و الدراسات الفقهية و هي ظهور (المدرسة الأخبارية) التي تعطي الأولوية للنص و ترفض الاجتهاد من الأساس، و تركز على أن التقليد يكون للأئمة (عليهم السلام).

اكتسح هذا المد الأخباري الساحة الشيعية بحيث سيطر في إيران و في غير إيران أيضا، و نبغ فيه أعلام كبار و ساد هذا الفكر تقريبا إلى أن نبغ الوحيد البهبهاني محمد باقر بن محمد أحمد المتوفى سنة 1205 الذي أعاد تركيز الاجتهاد على أساس منهج الاستنباط الفقهي و هو علم الأصول.

و من بين تلامذته البارزين تأسست مدرسة أصولية في حياته و في عهده نذكر منها أعلامها الكبار: أبو القاسم ابن الحسن الجيلاني المعروف ب (الميرزا القمي) المتوفى سنة 1231 ه الذي كتب (قوانين الأصول) و هو كتاب عظيم الأهمية في عصره، محمد حسين ابن محمد رحيم الأصفهاني المتوفى سنة 1254 هجرية و كتابه (الفصول) (في علم الأصول) و محمد تقي ابن محمد رحيم و هو أخوه المتوفى سنة 1248 هجرية و الذي كتب (هداية المسترشدين) و السيد المجاهد محمد الطباطبائي المتوفى سنة 1242 الذي ألّف (المفاتيح) و السيد إبراهيم القزويني المتوفى سنة 1262 هجرية و الذي ألّف (الضوابط الأصولية).

كانت مدرسة الوحيد البهبهاني و ما أنتجته من فكر أصولي مبتكر تجمعت فيه خلاصة الأفكار التي سبقته في هذا العلم و أخضعتها لمنهج نقدي ناضج و متطور و قد ولدت من هذه المدرسة مدرسة علم الأصول الحديثة التي وضع أركانها المحقق و الفقيه الشيعي العظيم (الشيخ مرتضى الأنصاري) الذي يمثل كتابه (فرائد الأصول) زبدة هذه المدرسة، و هذا الفقيه العظيم أسس مدرسته التي تخرج منها جملة من أعاظم الباحثين و الفقهاء الأصوليين و التي لا تزال تتوالد حتى الآن، و في ضمن توالداتها نمت الرؤى و الأفكار

26

الحديثة المعاصرة في علم الأصول و التي منها كتاب الشيخ محمد رضا المظفر الذي شرحه فضيلة الشيخ محمود قانصو و نتعرض له في بحثنا هذا.

لقد أسس الشيخ الأنصاري نظرات و مناهج جديدة في علم الأصول، و ناقش المباني القديمة، و نما هذا الاتجاه النقدي في مدرسته ليتسع و ينمو عند أعاظم تلاميذه كالشيخ المحقق الآخوند الخراساني الذي ظهر أثره في كتابه الشهير (كفاية الأصول) الذي كان و ما يزال حتى الآن موضوعا للدراسة في الحوزات الدينية.

و كانت بدايات النظر الفلسفي و الكلامي و القضايا الفلسفية و الكلامية قد بدأت تدخل في علم الأصول على عهد الوحيد البهبهاني، و من ثم على عهد المجدد الأنصاري، و لكن هذه الظاهرة نمت في كتاب و أبحاث الآخوند الخراساني و تعاظمت في عهد طلابه و قد توفي الشيخ الأنصاري في سنة 1281 هجري، و توفي الشيخ الآخوند الخراساني في العشرين من شهر ذي الحجة 1329 هجرية و قد تعمقت و اتسعت الأبحاث الأصولية في أبحاث أعلام و تلامذة المدرسة التي بدأت بالوحيد البهبهاني و امتدت إلى عهد الشيخ الأنصاري.

و لكننا نلاحظ أن هذا النمو لم يكن صحيحا و لم يرتبط بمنهج البحث الفقهي فكان توسعا في العمق من غير أن يمتد أثره إلى منهج الاستنباط العقلي على امتداد الفقه في حياة الناس تبعا لامتداد هذه الحياة في أبعاد جديدة فرضها توسع العلوم الوضعية و إنجازاتها، و كان هذا يقتضي تطوير علم الأصول ليتسع لتأصيل و استنباط قواعد جديدة للاستنباط تستجيب لحاجات جديدة لا بد أن يستنبط فقهاء المسلمين أحكامها من الشريعة ليقول الفقه الإسلامي كلمته فيها.

و نذكر على سبيل المثال ضرورة تأسيس (الفقه التنظيمي) لدراسة أشكال التنظيم في المجتمع السياسي و المدني التي تتناول جميع أنشطته في حياته السياسية و الثقافية و المالية و الاقتصادية و التجارية، (الفقه البيئي) الذي يعني بأحكام البيئة على المستويات الوطنية و الإقليمية و الدولية و الكونية بعد وصول الإنسان إلى الفضاء الخارجي، كما لا بد من تطوير (الفقه السياسي) بما يستجيب للمسائل التي تطرحها الدولة الحديثة و المسائل التي أثارها

27

تشكيل دولة الجمهورية الإسلامية الإيرانية، و المحاولات التي تجري في بلاد إسلامية أخرى. و لا بد من تأسيس (الفقه التجاري) بما يناسب أوضاع و صيغ و أساليب التجارة الحديثة في المجالات الوطنية و الدولية، و هذا غير فقه الاقتصاد السياسي الذي بدأ الاهتمام به بحمد اللّه منذ سنوات و توفرت عليه جهود مباركة لعلماء المسلمين كان أبرزها الأعمال الفقهية الرائدة لآية اللّه الشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر. و مما تدعو الحاجة إليه (فقه العلاقات الدولية) و غير ذلك.

مناهج الاستنباط (أصول الفقه) و المعاصرة:

لقد أنجز الفقهاء في العقود الأخيرة دراسات كثيرة و جيدة في المجالات التي فتحها تطور الحياة و تكوين المجتمعات الإنسانية، و تنوع علاقات البشر في مجالات السياسة و الاقتصاد و التنظيم.

فنجد أبحاثا في الاقتصاد (أعمال البنوك. و في التأمين. و في الطب و الصيدلة. و في العلاقات الدولية. و في التنظيم السياسي، و غير ذلك). و مما يتعلق بتفاعل الفقه مع تغيرات الحياة (قضية التخصص في الاجتهاد).

المجتهد المطلق الواحد و المجتهد التخصصي:

كما أن من القضايا التي يجب إيلاؤها أهمية كبيرة، قضية فتح المجال أمام الاجتهاد التخصصي في مجال فقهي محدد- ينصرف إليه الفقيه بعد بلوغه مرتبة الاجتهاد العام في جميع أبواب الفقه.

و الاجتهاد التخصصي يكون في غير أبواب العبادات، من أبواب الفقه الحياتي العملي في مجال علاقة الإنسان بالمجتمع و الطبيعة.

إن تطور الحياة الإنسانية و تعقيدها، و تنوع و ضخامة شبكة العلاقات التي تربط الإنسان الفرد و الجماعة و المجتمع بالطبيعة و المجتمع و العالم، تثير مسائل كثيرة و متنوعة لا يستطيع الفقيه الواحد أن يعالجها جميعا بكفاءة عالية.

و هذا يقتضي تفرغ جماعات من الفقهاء بعد بلوغهم مرتبة الاجتهاد العام- للتخصص في مجالات خاصة (الاقتصاد، أو أحد حقوله. البيئة.

28

التنظيم. الصناعة. الزراعة. الأسرة. الولايات السياسية و المجتمعية. التجارة المحلية و الدولية. الجهاد. و غير ذلك).

آفاق المستقبل في الاجتهاد:

إن البحث المقارن في أصول الفقه عند المدارس الفقهية سيؤدي إلى اكتشاف كل فريق مذهبي المرتكزات التي تقوم عليها هذه الأصول عند المذاهب الأخرى، و سيؤدي هذا إلى اكتشاف وحدة هذه المرتكزات أو اختلافها، و هذا سيؤدي إلى توحيد في مجالات كثيرة من مناهج الاجتهاد.

و من أمثلة ذلك:

1- دراسات مقارنة للسنة النبوية، و بحث (حجّية) الصيغ التي رويت بها السنّة عن النبي (صلى اللّه عليه و آله و سلم).

2- دراسات مقارنة لدور (الرأي) في التشريع و الاستنباط الفقهي، و ضوابط (الرأي) الذي يصح الاحتجاج به على الحكم الشرعي (تدخل في ذلك جميع مناهج الرأي- القياس. الاستحسان. المصالح المرسلة. سد الذرائع. العرف).

3- و من أعظم مبادئ الاستنباط الفقهي التي ينبغي تأصيلها و اكتشاف أبعادها مبدأ تأثير الزمان و الظروف في تغيير الأحكام (العناوين الثانوية.

العناوين الطارئة. معايير تغيير الموضوع).

منهج الدراسة الأصولية في الحوزات الدينية الشيعية:

لقد ساد في الحوزات الدينية الشيعية تدريس كتب في علم الأصول هي معالم أصول الدين لابن الشهيد، و كتاب القوانين، و بعد أن ظهر كتابا (فرائد الأصول) و (كفاية الأصول) اعتمدا في الدراسات الأصولية.

لقد اعتمد كتاب (معالم أصول الدين) للمرحلة الابتدائية، و كتابا فرائد الأصول في الأصول العملية للأنصاري و كفاية الأصول للمحقق الآخوند الخراساني للمرحلة العالية (قبل التخصص) و سادت هذه الكتب في الدراسات الدينية الأصولية.

29

في هذه المرحلة تحسست الحوزات العلمية و خصوصا حوزة النجف الأشرف ما تعانيه مناهج التدريس و الكتب المعتمدة في شتى العلوم الإسلامية من تخلف و تعقيد و تكاثرت الانتقادات الموجهة إلى مناهج التدريس سواء في ذلك ما يتعلق بالعلوم العربية أو المنطق أو الفلسفة أو علم الأصول، و طرحت أفكار نقدية تتناول الشكل و المضمون حيث أنه لوحظ أن الكتب المتداولة تتضمن أبحاثا لا حاجة إليها و لا مبرر لصرف العمر في درسها، أو لا حاجة إلى أن تكون في شكلها التي دونت فيه موضوعا للدراسة، حيث أنها تتعرض لأبحاث جانبية و استطرادية تستهلك وقتا طويلا من الطالب و ليست ضرورية لنموه العلمي، أو من حيث الشكل الذي يتناول صيغة العبارة أو يتناول تبويب الأبحاث العلمية.

و كثر هذا النقد على الصيغة التي يدرّس بها علم الأصول في الحوزات، في الكتب السائدة و المتداولة التي ذكرناها، و كان، أن نشأت قضية تحديث مناهج دراسة و كتب الدراسة و توجهت الأنظار لوضع كتب بديلة تحل محل الكتب السائدة و تأخذ بالاعتبار الانتقادات التي أشرنا إليها في المضمون و الشكل.

و قد ترافقت هذه النظرة مع نظرة أخرى تتناول تحديث الدراسة و أسلوب الدراسة و إدخال التنظيم الدراسي المتّبع في الجامعات الحديثة إلى الدراسة الدينية في النجف الأشرف. و جعل الدراسة في نطاق كليات تكون لها مناهج مبرمجة و موزعة على سنوات محددة و تكون لها امتحانات.

و قد تجسدت هاتان النظرتان في النجف الأشرف في عملية رائدة قام ثلّة من علماء النجف كان في مقدمتهم آية اللّه المجتهد المجدد الشيخ محمد رضا المظفر (رضوان اللّه عليه) الذي عمل على تأسيس (جمعية منتدى النشر) لتكون الإطار التنظيمي و المؤسسي للتعبير عن فكرة التحديث في الدراسات الدينية مضمونا و منهجا و كتبا دراسية.

لقد حوربت الفكرة و واجهت معارضة شديدة من بعض أوساط الحوزة العلمية، و قابلها بعض آخر بحذر و تحفظ، و تحمس لها بعض قليل.

و لكن الجمعية بقيادة الشيخ المظفر لم تتراجع عن مشروعها الكبير

30

الذي تحقق بتأسيس كلية الفقه.

و في إطار الفقه ظهرت الكتب الدراسية الجديدة التي وضعها الشيخ المظفر نفسه، فكان كتاب (المنطق) و كان كتاب (الأصول) الذي كان- و لا يزال- نموذجا رائدا في المضمون و الصياغة و التبويب.

فقد ركّز الشيخ المظفر أبحاث الكتاب على الموضوعات الأصولية ذات الصلة بعملية الاستنباط التي تكون عند الطالب الأساس اللازم لأبحاث الدراسات الأصولية المعمقة المؤهلة للاجتهاد، و أهمل الشيخ المظفر بعض الأبحاث الدخيلة على الأصول و التي لا تساهم في تكوين الخبرة اللازمة لطالب الاجتهاد، و اختصر بعضها الآخر على نحو يزوّد الطالب بفكرة عنها دون أن يستغرق في تفصيلاتها، كما أنه عني بذكر أسس بعض المسائل الأصولية التي كانت تذكر في الكتب القديمة من دون بيان الخلفية العلمية التي تستند إليها، كما نلاحظ في بحثه عن (التحسين و التقبيح).

و في مجال الصياغة و التعبير فقد صيغت مطالب الكتاب بلغة فصيحة بسيطة خالية من التعقيد الذي اتصفت به لغة كتب الأصول القديمة. و من ذلك أن الشيخ عني بشرح المصطلحات الأصولية التي كانت ترد في الكتب المتداولة من غير شرح فتوقع الطالب في التباسات كثيرة، و تقتضيه بذل جهد كثير في البحث عن معنى المصطلح الذي قد بينه الأستاذ و لا يفهمه الطالب.

و في مجال التبويب فقد اعتمد المنهج الذي قرره أستاذه الأصولي العظيم (الشيخ آغا ضياء الدين العراقي) الذي لاحظ أن الترتيب المعتمد في تبويب أبحاث علم الأصول عشوائي و لا يقوم على أساس صحيح، لأنه لا يلحظ العلاقة المنطقية و التراتبية المنطقية (التسلسل المعرفي) بين القضايا و المسائل فبنى كتاب الأصول وفقا لمنهج يلحظ العلاقة التي تنبع من طبيعة مستويات و أبعاد الحقل المعرفي.

لقد تصدى فضيلة العلامة الشيخ محمود قانصو وفقه اللّه تعالى لشرح هذا الكتاب، و قد وفقه اللّه تعالى لتأليف هذا الكتاب الذي نقدم له بهذا البحث، و الكتاب يكشف عن فضيلة علمية تتمثل في سعة الاطلاع و النظرة النقدية و هو ما نعبر عن غبطتنا له و نهنئه عليه، و نأمل أن يتابع اهتماماته‏

31

العلمية و دراساته في الفقه و العلوم الإسلامية الأخرى. لأننا حريصون على تنمية الوجود العلمي الإسلامي في مجال الفقه في لبنان بعد أن لاحظنا في العهد الأخير ظاهرة خطرة هي أن كثيرا من طلاب العلم لا يتابعون دراساتهم، بل ينتقلون إلى الحياة العملية و هم لا يكادون يعرفون من العلوم الإسلامية شيئا، تجذبهم إلى ذلك الدنيا بزخرفها و بريقها و التيارات الحزبية الدينية التي تربى بعض أعضائها ليكونوا (علماء دين) بالعلم القليل و الزي الكامل، فأدى ذلك إلى شرور كبيرة و مفاسد كثيرة في حياة المسلمين الدينية في لبنان و غير لبنان.

و قد تطور هذا الاتجاه إلى محاولة بعض الجهات الحزبية لمحاولة التسلل إلى مقام (مرجعية التقليد) و هذا يشكل تهديدا خطيرا للحياة الدينية و العلمية.

إننا إذ نحذر من هذا الاتجاه و نقاومه و نطلب من جميع المرجعيات الدينية أن تتعاون معنا في تصحيح هذا الخلل، فإننا نعمل على تشجيع العلماء و المؤهلين للاجتهاد أن يتابعوا دراساتهم و أبحاثهم في هذا المجال ليصلوا بعون اللّه تعالى إلى المراتب العلمية العالية فيكونون ضمانات علمية و دينية و حصونا للإسلام و عامل ترشيد و توحيد في الأمة و مجتمعاتها، لا عامل شرذمة و فرقة.

و من هنا كان دعمنا و تشجيعنا لفضيلة العلامة الشيخ محمود قانصو و أمثاله من إخوانه العلماء الأجلاء الذي نأمل من اللّه تعالى أن يزيدهم توفيقا و تسديدا في مسيرتهم العلمية و جهودهم في تبليغ الإسلام و تربية الناس على ثقافة الأحكام الشرعية ليقيموا حياتهم و علاقاتهم عليها.

إن هذا الكتاب يمثل جهدا علميا مباركا نأمل من اللّه تعالى أن يوفق للمزيد منه، و لا شك أنه سيكون نافعا لطلاب العلوم الدينية و أساتذتهم في دراساتهم الأصولية في هذه المرحلة و سيعينهم على زيادة معرفتهم بأبعاد المطالب الأصولية.

و لكننا نلاحظ على الكتاب ما نبّهنا له فضيلة الشيخ المؤلف، و هو أنه أسهب في تفصيل أبحاث شرحه على الكتاب. و توسّع في إضافة جانبية و قد

32

أدّى ذلك إلى تضخّم الشرح بما لا يتناسب مع الأصل و مع الفكرة التي بني عليها.

فقد اتّبع المؤلف الفاضل في شرحه المنهج الموسوعي، فكان شرحه مخالفا لمنهج الأصل في الاستغناء عن الزوائد غير اللازمة في هذه المرحلة الدراسية. و إن كان قد ساهم في توضيح و تعميق المسائل التي شرحها.

إني إذ أبارك لقرة عيني فضيلة العلامة الشيخ محمود قانصو عمله العلمي. أسأل اللّه تعالى أن يزيده توفيقا في الإنتاج العلمي في العلوم الإسلامية، و أن يبارك في عمله التبليغي في تعليم المسلمين و إرشادهم.

و الحمد للّه رب العالمين‏

القاهرة في مساء يوم الخميس مولد النبي الأعظم (صلى اللّه عليه و آله و سلم) 12 ربيع أول 1418 ه الموافق‏

17/ 7/ 1997 م‏

()

33

المقدمات و التنبيهات في شرح أصول الفقه تأليف الشيخ محمود قانصوه‏

34

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

35

المدخل‏

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ* نحمده على آلائه و نصلّي على خاتم النبيين محمد و آله الطاهرين المعصومين‏

تعريف علم الأصول:

علم أصول الفقه هو «علم يبحث فيه عن قواعد تقع نتيجتها في طرق استنباط الحكم الشرعي».

____________

تعريف علم الأصول‏

قوله (ره): (علم أصول الفقه هو علم يبحث فيه عن قواعد ... الخ).

أقول: قد ذكر لعلم الأصول تعاريف كثيرة يندر أن يخلو احدها من إشكال. و لكي تعرف وجه الخدشة في التعاريف على وجه الاجمال.

نتكلم في مقامين.

المقام الأول: نذكر فيه خصوصيات المعرّف (بالفتح)

التي يجب على التعريف أن يكون جامعا لها، ضرورة أن كل تعريف يجب أن يكون جامعا مانعا.

المقام الثاني نطبق فيه هذه الخصوصيات على بعض التعاريف.

أما المقام الأول: فنقول إن أهم الخصوصيات أربعة:

الخصوصية الأولى: أن علم الأصول كسائر العلوم يتركب و يجتمع من مسائل تؤلف بمجموعها علما واحدا لاشتراكها في الايصال الى الغرض المقرر من هذا العلم او ذاك. و هذه المسائل قد تكون معلومه عند ابناء الانسان و قد تكون مجهوله، و الجهل بها لا يخرجها عن كونها مسألة من‏

36

مثاله: إن الصلاة واجبة في الشريعة الإسلامية المقدسة، و قد دل على وجوبها من القرآن الكريم قوله تعالى:

وَ أَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ. إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً.

و لكن دلالة الآية الأولى متوقفة على‏

____________

مسائل ذلك العلم.

فالذي نريد أن نقوله أمران:

الأول: إن العلم يطلق على مجموع المسائل المؤدية الى الغرض منه.

الثاني: أن مسائل العلم هي كل هذه المسائل المؤدية الى الغرض سواء كانت معلومة لاحد فعلا أم لم تكن معلومة. فعلم الأصول في زمان القدماء كالشيخ الطوسي و السيد المرتضى رحمهما الله تعالى. و علم الأصول في هذا الزمان واحد لم يتغير. و إن كانت المسائل المعلومة في هذه الايام أكثر منها في تلك الايام.

و هذا الذي ذكرناه هو المعبر عنه في لسان بعض المحققين (أن مسائل العلم نفس أمريه) لا يتأثر وصفها بكونها مسألة العلم بالعلم بها أو بالجهل بها.

الخصوصية الثانية: ان علم الأصول كأغلب العلوم الاخرى يحتوي على مسائل خلا فيه و أخرى وفاقية بين أصحاب ذلك العلم.

الخصوصية الثالثة: و تحتاج الى تمهيد مقدمة و هي أن المجتهد حتى يتوصل الى عملية الاجتهاد يحتاج الى أمور عديدة كبعض المسائل النحوية و كتفسير بعض الكلمات اللغوية و كتصحيح سند الرواية كما يحتاج الى قاعدة حجية الظهور أو نحوها من القواعد.

إذا عرفت ذلك فنقول: ليس كل ما يحتاجه المجتهد في عملية الاستنباط داخل في علم الأصول. إذ بعض ما يحتاجه المجتهد خارج من علم الأصول .. و ذلك كالأمور التي ذكرناها. فيجب على تعريف علم الأصول أن يخرج هذه الأمور بقيد من القيود.

الخصوصية الرابعة: إن هذه القواعد الأصولية منها ما يوصل الى الحكم الشرعي الواقعي.

و منها ما يوصل الى الحكم الشرعي الظاهري.

37

ظهور صيغة الأمر- نحو

أَقِيمُوا*

هنا- في الوجوب، و متوقفة أيضا على أن ظهور القرآن حجة يصح الاستدلال به.

و هاتان المسألتان يتكفل ببيانهما (علم الأصول).

____________

و منها ما يوصل الى حكم عقلي كالأصول العقلية التي يدركها العقل.

هذه أهم الخصوصيات التي يجب على التعريف أن يكون حاويا عليها.

المقام الثاني: [في التعاريف‏]

التعريف الأول. و هو التعريف المشهور و هو: (العلم بالقواعد الممهدة لاستنباط الاحكام الشرعية الفرعية).

و كلمة الممهدة إما أن تكون بفتح (الهاء) اسم مفعول، و إما بكسرها اسم فاعل.

أما على فتحها فيرد على التعريف انتفاضه بالخصوصيات الأولى و الثانية و الرابعة.

أما الأولى: فلأن هذا التعريف يجعل العلم مختصا بالقواعد التي أعدت و مهدت مع انك عرفت في الخصوصية الأولى أنه شامل لجميع القواعد المشتركة في الغرض و إن لم تكن ممهّدة و لا معلومة.

كما أن هذا التعريف يجعل العلم شاملا لجميع القواعد الممهّدة، مع ان بعضها قد لا يكون من علم الأصول كأن لا تكون تلك القواعد موصلة للحكم في الواقع و إن كانت قد مهّدت خطأ بتوهم أنها موصلة.

أما الثانية: فتتضح مما ذكرنا آنفا.

و أما الرابعة: فلان هذا التعريف يجعل العلم مختصا بالقواعد الممهدة لاستنباط الاحكام الشرعية فيخرج من علم الأصول. القواعد الموصلة الى الاحكام العقلية. مع أنك عرفت أن هذه القواعد هي من علم الأصول.

فهذا التعريف لا يسلم إلا في الخصوصية الثالثة إذ المسائل اللغوية و النحوية و الرجالية مهدت لغرض أولي هو غير الاستنباط.

و أما على كسر الهاء فيرد على التعريف انتفاضه بالخصوصية الثالثة و الرابعة و يسلم في الأولى و الثانية.

38

أما سلامته في الأولى فلأن التعريف يقتضي شمول العلم لجميع القواعد الممهّدة علمت أم لم تعلم كانت محل خلاف أم محل وفاق و بهذا يتضح سلامته في الثانية.

و أما انتقاضه في الثالثة فلأن هذا التعريف يشمل كل قاعدة تمهد للاستنباط فيشمل ما ليس من علم الأصول كالمسائل النحوية و اللغوية و الرجالية و نحوها مما يحتاجه الفقيه.

و أما انتقاضه في الرابعة فقد أصبح واضحا.

ثم إنه يرد على هذا التعريف سواء على فتح الهاء او على كسرها أنه عرف علم الأصول بالعلم بالقواعد مع أن العلم كما عرفت في الخصوصية الأولى هو نفس القواعد. لا العلم بها بمعنى الملكة المتعلقة بها.

التعريف الثاني: و هو تعريف بعض أعاظم المتأخرين و هو أنه (صناعة يعرف بها القواعد التي يمكن أن تقع في طريق استنباط الاحكام او التي ينتهي اليها في مقام العمل).

أراد بقيد (يمكن أن تقع) سلامة التعريف في الخصوصية الثانية و ذلك بأن يشمل القواعد الخلافية كحجية الاجماع و نحوها مما هو محل خلاف في أنها من علم الأصول.

و أراد بقيد (او التي ينتهي اليها ... الخ) سلامة التعريف في الخصوصية الرابعة، و ذلك بأن يشمل القواعد التي لا توصل الى الحكم الشرعي بل توصل الى حكم عقلي.

و لكن هذا التعريف يرد عليه انتقاضه في الخصوصية الثالثة، و ذلك لأنه يقتضي دخول غير قواعد الأصول في علم الأصول، و ذلك كمسائل النحو و اللغة و الرجال و نحو ذلك مما يقع في طريق استنباط الاحكام و ليس من علم الأصول جزما.

كما أنه يرد عليه أمور أخرى.

منها: أن العلم هو نفس القواعد لا الصناعة التي يعرف بها القواعد.

و منها: أن قيد (يمكن أن تقع ..) لا حاجة إليه لأن علم الأصول (كما

39

عرفت في الخصوصية الأولى) ينطبق على جميع القواعد النفس أمرية المحققة للغرض من علم الأصول سواء علمت أو جهلت و سواء اتفقوا عليها أم اختلفوا فيها.

فالقواعد الخلافية إن كانت تقع في طريق الاستنباط واقعا فهي من علم الأصول.

كما أن القواعد الاتفاقية إن كانت لا تقع في طريق الاستنباط واقعا فهي ليست من علم الأصول.

و يمكن أن يدفع هذا الايراد بأن يقال أن مراده ب (يمكن ...) هو أن يكون للقاعدة القابلية الشأنية فلو علم بها لوقعت فعلا. فالمراد من الامكان هو القابلية. و على هذا التفسير كان سليما.

ثم إن هنا تعاريف كثيرة لا نتعرض لها خشية الاطالة: فالأولى نقل الكلام الى تعريف المصنف (ره) فنقول يرد عليه أمور:

الأول: ما عرفته في الخصوصية الأولى من أن العلم هو نفس القواعد لا الشي‏ء الذي يبحث فيه عن القواعد.

الثاني: أن قواعد علم الأصول تقع بنفسها في طريق الاستنباط. فلا وجه لقوله إن القواعد تقع نتيجتها في طريق الاستنباط فقاعدة (ظهور صيغة الأمر بالوجوب) تقع بنفسها في طريق الاستنباط من الآية (وَ أَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ) كما ذكر في المتن و هكذا سائر القواعد الأصولية. و سيأتي محاولة دفع هذا الايراد.

الثالث: أن هذا التعريف ينقض عليه بالخصوصية الثالثة و ذلك لما عرفت فيها من أن بعض الواقع في طريق الاستنباط ليس من علم الأصول.

الرابع: أن هذا التعريف ينقض عليه بالخصوصية الرابعة و ذلك لما عرفت فيها من أن بعض قواعد علم الأصول لا تقع في طريق استنباط حكم شرعي بل تقع في طريق تعيين الوظيفة العملية من حكم العقل.

و سيأتي عند تفسير المصنف للحكم محاولة دفع هذا الايراد.

40

فإذا علم الفقيه من هذا العلم أن صيغة الأمر ظاهرة في الوجوب، و أن ظهور القرآن حجة- استطاع أن يستنبط من هذه الآية الكريمة المذكورة أن الصلاة واجبة. و هكذا في كل حكم شرعي مستفاد من أي دليل شرعي أو عقلي لا بد أن يتوقف استنباطه‏

____________

ثم إن كلمة علم في تعريف المصنف مستعملة بمعنى (فن) أو بمعنى (صناعة) و ليست مستعملة بمعنى إدراك و لا بمعنى ملكة و لا بمعنى قواعد لوضوح عدم صحة إدراك يبحث فيه عن قواعد و لا ملكة يبحث فيها عن قواعد و لا قواعد يبحث فيها عن قواعد.

قوله (ره): (فإذا علم الفقيه من هذا العلم ... الخ).

أقول: يشعر قول المصنف هنا أن مراده من قوله في التعريف (نتيجتها) هو نتيجة البحث أي العلم بالقاعدة فيصبح مراده أن القاعدة لا تقع في طريق الاستنباط بما هي هي بل تقع في طريق الاستنباط بما هي معلومة أي بعد أن تصبح معلومة للفقيه يستعملها في طريق الاستنباط.

و بهذا يندفع الايراد الثاني من الايرادات الاربعة التي أوردناها على تعريف المصنف.

لكن فيه اولا: أن استعمال كلمة (نتيجتها) في هذا المعنى خلاف الاصطلاح.

ثانيا: أن الضمير في نتيجتها يرجع الى القواعد. و العلم بها او القاعدة المعلومة ليس نتيجة القاعدة و إن كان نتيجة البحث في القاعدة.

ثالثا: من المعلوم أن الواقع في طريق الاستنباط هي ذات القواعد المعلومة لا بوصف كونها معلومة. و إن كان العلم و التصديق بها هو السبب و العلة في إيقاعها في طريق الاستنباط. فالعلم بها حيثية تعليلية للإيقاع لا حيثيّة تقييديه للوقوع.

قوله (ره): (لا بد أن يتوقف استنباط ...).

أقول قد يورد عليه أن بعض الاحكام قد نستنبطها بدون أن يتوقف‏

41

من الدليل على مسألة أو أكثر من مسائل هذا العلم.

الحكم: واقعي و ظاهري. و الدليل: اجتهادي و فقاهتي:

ثم لا يخفى أن الحكم الشرعي الذي جاء ذكره في التعريف السابق على نحوين:

____________

استنباطها على أي مسألة من مسائل هذا العلم و ذلك كما لو فرض الدليل قطعي الصدور كآية من القرآن الكريم أو رواية متواترة.

و قطعي المعنى كما لو فرضت الآية أو الرواية المتواترة نصا في الحكم.

نستنبط الحكم من هذا الدليل بلا حاجة الى القواعد المعينة للظهور و لا الى القواعد الدالّة على حجية الظهور و لا الى القواعد الدالّة على حجية الخبر و لا الى أي قاعدة أصولية أخرى.

و يمكن أن يدفع هذا الايراد بأن يقال هذا ليس باستنباط حكم لأن الاستنباط أخذ فيه إعمال الفكر و هذا الدليل يستخرج منه الحكم بلا حاجة الى إعمال الفكر.

فإن قلت: هلّا أجبت عن هذا الايراد بجواب آخر و حاصله أن هذا الدليل غاية ما يستوجبه هو حصول القطع بالحكم الشرعي. فنحتاج بعد ذلك الى قاعدة حجية القطع.

قلت: قد بنى المصنف (ره) و غيره بأن مسألة حجية القطع ليست من المسائل الأصولية.

ثم إنه مما ذكرناه من معنى الاستنباط يتبين لك أن قطع كثير من العوام بكثير من الاحكام كوجوب الصلاة و الصوم و الزكاة و غير ذلك ليس استنباطا كما أنهم لا يسمون مستنبطين حتى لو أخذوا قطعهم بالحكم الشرعي من الدليل القطعي السند و الدلالة و الجهة.

قوله (ره): (ثم لا يخفى أن الحكم الشرعي الذي جاء ذكره في التعريف ...) أقول: إن الشريعة الاسلامية المقدسة هي عبارة عن قوانين شرعها المولى عزّ و جل و هي تشبه من حيث التشريع سائر القوانين التي يضربها

42

1- أن يكون ثابتا للشي‏ء بما هو في نفسه فعل من الأفعال، كالمثال المتقدم أعني وجوب الصلاة، فالوجوب ثابت للصلاة بما هي صلاة في نفسها و فعل من الأفعال مع قطع النظر عن أي شي‏ء

____________

الحكام و السلاطين و هذه القوانين تكون مضروبة في لوائح و عرائض موجودة عند السلطان و أعوانه قد تعرفها الرعية و قد لا تعرفها.

و هكذا الشريعة الاسلامية المقدسة هي قوانين شرعها الله تعالى و ضربها في الامكنة المخصوصة كاللوح المحفوظ او غيره، و هذه القوانين نوعان:

النوع الأول: و هي التي يكون الحكم (من الوجوب أو الحرمة و نحوهما) محمولا على عنوانات الافعال أو الاعيان بما هي هي (أي دون أن تكون موصوفة بوصف الشك بحكمها او بوصف الظن بحكمها).

و هذا النوع هو أغلب القوانين مثل الصلاة واجبة، الصوم واجب و غير ذلك فإنك ترى أن الوجوب في هذا القانون حمل على طبيعة الصلاة.

و هكذا في الصوم. و في اكثر القوانين.

النوع الثاني: و هي التي يكون الحكم فيها محمولا على عنوان لا يجري على الافعال أو الاعيان إلا عند وصفها بوصف عارض عليها عند ملاحظة نسبة الحكم الشرعي اليها.

و ذلك كقانون (المشكوك الحكم حلال)، فإن الحكم في هذا القانون محمول على عنوان (المشكوك الحكم) و هذا العنوان لا ينطبق على أي فعل أو عين إلا عند ملاحظة نسبة الحكم الشرعي اليه، فإذا شككنا و لم نعلم حكم الفعل ينطبق عليه عنوان مشكوك الحكم فيصير محكوما عليه بمقتضى هذا القانون أعني (مشكوك الحكم حلال) بأنه حلال.

فتحصل مما ذكرنا أن النوع الثاني كالنوع الأول كلاهما من القوانين التي ضربها و شرعها المولى عزّ و جل. غايته أن موضوع الأول هو نفس عنوانات الافعال و الاعيان، بينما موضوع الثاني هو العنوان العارض على عنوانات الافعال و الاعيان بعد ملاحظة نسبة الحكم الشرعي من النوع الأول‏

43

آخر. و يسمى مثل هذا الحكم (الحكم الواقعي). و الدليل الدال عليه (الدليل الاجتهادي).

____________

اليها. فإذا جهل بالحكم الشرعي من النوع الأول لهذه الافعال انطبق عليها عنوان مشكوك الحكم الشرعي الذي هو موضوع الحكم الشرعي من النوع الثاني.

و هذا معنى أن احكام النوع الثاني المسماة بالظاهرية متأخرة رتبة عن أحكام النوع الأول المسماة بالواقعية.

ثم إن النوع الأول كما يسمى بالحكم الواقعي كذلك قد يسمى بالحكم الأولي كما أن النوع الثاني يسمى بالحكم الثانوي و يسمى ايضا بالوظيفة العملية في لسان المتأخرين.

ثم إنك عرفت مما ذكرناه أن الاحكام المحمولة على عنوان الاضطرار و الاكراه هي أحكام أولية أيضا بهذا الاصطلاح لأن الموضوع و إن كان عنوانا عارضا على عنوانات الافعال إلا أنه عارض قبل و بدون ملاحظة نسبة الحكم الشرعي اليها. و مع ذلك فقد يعبر عن هذه الاحكام بالثانوية ايضا. و لا مشاحة في الاصطلاح.

هذا كله في تقسيم الحكم و أما تقسيم الدليل فسيأتي.

قوله (ره) (و الدليل الدال عليه الدليل الاجتهادي).

أقول: قد عرفت آنفا أن القوانين الشرعية على ضربين لا ثالث لهما.

و حينئذ. فالدليل النقلي كالرواية و الآية أو العقلي كما سوف يأتي تفصيله.

تارة يكون دالا على قانون من النوع الأول و تارة أخرى يكون دالا على قانون من النوع الثاني.

فقوله (ص) في حديث المناهي (و نهى عن الغيبة و الاستماع اليها) يدل على أن الغيبة حرام و الاستماع اليها حرام و هذان حكمان و قانونان من النوع الأول لأن موضوعهما و هو الغيبة و الاستماع اليها عنوانان لنفس تلك الافعال بدون ملاحظة نسبة حكم شرعي اليهما.

44

2- أن يكون ثابتا للشي‏ء بما أنه مجهول حكمه الواقعي، كما إذا اختلف الفقهاء في حرمة النظر إلى الأجنبية، أو وجوب الإقامة للصلاة. فعند عدم قيام الدليل على أحد الأقوال لدى الفقيه يشك في الحكم الواقعي الأولي المختلف فيه، و لأجل ألا يبقى في مقام‏

____________

و حينئذ فهذا الدليل الدال عليهما هو دليل اجتهادي.

و أما قوله (ع) (كل شي‏ء لك حلال حتى تعلم حرمته) فهو يدل على أن (الشي‏ء المشكوك حكمه هو حلال) و هذا الحكم و القانون من النوع الثاني لأن موضوعه هو (الشي‏ء المشكوك الحكم)، و هذا العنوان لا يعرض على الأفعال إلا بعد نسبتها الى الحكم الشرعي، فعند الشك و عدم العلم بحكمها الشرعي من النوع الأول ينطبق عليها عنوان (الشي‏ء المشكوك الحكم).

و حينئذ فهذه الرواية الدالّة على هذا الحكم نسميها بالدليل الفقاهتي.

و على هذين المثالين قس جميع الادلة.

و قد ظهر مما ذكرنا أمران:

الأول: أن تقسيم الدليل الى قسمين، فقاهتي و اجتهادي إنما هو تقسيم باعتبار المدلول‏

فقد يكون الدليلان من جنس واحد ككونهما روايتين او آيتين او نحو ذلك لكن يكون احدهما فقاهتيا باعتبار ان مدلوله حكم من النوع الثاني، و الآخر اجتهاديا باعتبار أن مدلوله حكم من النوع الأول.

الثاني: أن الدليل الفقاهتي مثل قوله (كل شي‏ء حلال حتى تعلم حرمته) يدل على حكم موضوعه المشكوك الحكم الأولي و محموله الحلية،

و هذا الحكم واسع يمكن أن ينطبق على عنوانات كثيرة. فشرب التبغ بعد الشك بحكمه الأولي لفقدان الدليل الاجتهادي ينطبق عليه عنوان مشكوك الحكم، و هكذا عنوان ركوب الطائرة و عنوان استعمال الكهرباء. و هكذا إلى ما شاء الله تعالى من العنوانات و لأجل ذلك كان هذا الحكم قاعدة من القواعد التي تقع في طريق الاستنباط فيقال التبغ مشكوك الحكم و كل مشكوك الحكم حلال فينتج التبغ حلال. و هكذا يقال ركوب الطائرة مشكوك الحكم و كل مشكوك الحكم حلال فينتج ركوب الطائرة حلال. و هكذا بقية الامثلة.

45

العمل متحيرا لا بد له من وجود حكم آخر و لو كان عقليا، كوجوب الاحتياط أو البراءة أو عدم الاعتناء بالشك. و يسمى مثل هذا الحكم الثانوي (الحكم الظاهري). و الدليل الدال عليه (الدليل الفقاهتي) أو (الأصل العملي).

____________

و لأجل ذلك صار هذا الحكم الواسع المستفاد من الدليل، يطلق عليه في لسان كثير من الأصوليين بالدليل على الحكم الثانوي لشرب التبغ و غيره من العنوانات المشكوكة مع أن هذا الحكم الواسع في الحقيقة هو مدلول الرواية التي هي الدليل عليه. و لا مشاحة في الاصطلاح.

بقي ثلاث تنبيهات و خاتمة.

التنبيه الأول: يظهر من غير واحد من الأعلام أن تسمية هذين النوعين من الادلة ب (الاجتهادية) و (الفقاهتية) لوجود مناسبة

هي أن الاجتهاد عندهم هو بذل الوسع للتوصل إلى الظن بالحكم، بخلاف الفقه فهو العلم بالحكم.

فالادلة الموجبة للظن بالحكم هي اجتهادية، بينما أن الأدلة الموجبة للعلم هي الفقاهتية لأنها توجب الفقه بمعنى العلم بالحكم.

أقول: قد ظهر لك من بياننا للادلة أن التقسيم إنما هو باعتبار المدلول. و أن الدليل الدال على النوع الثاني من الاحكام كالدليل الدال على النوع الأول منها، غالبا إن لم يكن دائما إنما يوجب الظن بمدلوله.

فقوله (ع): (كل شي‏ء لك حلال حتى تعلم حرمته) دليل فقاهتي لدلالته على حكم ظاهري، و من الواضح أن هذا الدليل لا يوجب سوى الظن بهذا الحكم، و هكذا سائر الادلة الدالّة على الاحكام الظاهرية.

نعم نظر الأعلام كان الى القاعدة المستفادة من هذا الدليل كقاعدة (كل مشكوك حلال) فإن تطبيقها على مواردها (كالتبغ مشكوك الحكم) يقيني الانتاج فينتج (التبغ حلال) لكنك عرفت أن تسمية القاعدة (المستفادة من الرواية) بالدليل مسامحة لأن الدليل حقيقة هو نفس الرواية.

التنبيه الثاني: أن الدليل الدال على الحكم الظاهري تارة يكون دليلا نقليا كالآية او الرواية، و أخرى يكون دليلا عقليا

و ذلك كأن يحكم العقل في نوع من الموارد بوجوب الاحتياط، فبقاعدة الملازمة بين حكم العقل و حكم‏

46

و مباحث الأصول منها ما يتكفل للبحث عما تقع نتيجته في طريق استنباط الحكم الواقعي، و منها ما يقع في طريق الحكم الظاهري.

____________

الشرع ينتج أن هذا الحكم أي وجوب الاحتياط في المثال هو حكم الشرع.

هذا و لكن المشهور أعرض عن هذا الانتقال فيقولون إن (هذا حكم عقلي) و لا ينتقلون الى استنتاج أنه حكم شرعي بقاعدة الملازمة بين الحكمين حتى من قال منهم بصحة هذه الملازمة.

و لأجل ذلك اعترضوا على تعريف علم الأصول بأن من القواعد ما لا يقع في طريق استنباط الحكم الشرعي بل يقع في طريق استنباط الحكم العقلي.

فلو بنينا على الملازمة كما اشرنا إليه اندفع الاعتراض.

و لكن سوف يأتيك أن إعراض المشهور عن هذا الانتقال في محله.

فالاعتراض ما زال واردا.

التنبيه الثالث: قد عرفت أن الاحكام سواء الواقعية او الظاهرية كلها احكام و قوانين شرعها الله تعالى‏

و أثبتها و سجلها في علمه.

و من ثم فالأدلة الموجودة بين ايدينا كالروايات و نحوها إنما هي اصابع مشيرة الى تلك القوانين قد تصدق و قد تكذب.

فرواية (ثمن العذرة سحت) هي دليل يقول للفقيه إن الحكم الواقعي الموجود عند الله تعالى هو (ثمن العذرة حرام) و لذلك يفتي الفقيه (استنادا الى هذه الرواية) بان الحكم الواقعي لثمن العذرة هو الحرمة. مع انه قد لا يكون الحكم الواقعي عند الله تعالى هو حرمة ثمن العذرة كما لو فرض كذب هذه الرواية صدورا او ظهورا. و على هذا فقس جميع الادلة.

و الحاصل أنه كلما قال الفقيه هذا حكم الله الواقعي فمراده ان هذا الحكم هو حكم الله الواقعي بحسب اعتقاده الذي قد يصيب و قد يخطى.

خاتمة:

اعلم ان غرض المصنف من تقسيم الحكم الى هذين القسمين- كما يظهر من قوله في المتن (و لو كان حكما عقليا)- هو دفع الايراد الرابع من الايرادات الاربعة التي اوردناها عليه فراجعه.

47

و يجمع الكل «وقوعها في طريق استنباط الحكم الشرعي» على ما ذكرناه في التعريف.

____________

إنما يقع السؤال هنا بانه هل تم له ما اراد ام لا.

فنقول إن كلام المصنف (ره) يمكن ان يوجه بتوجيهين يتم بهما مراده.

الأول: أن العقل و إن اوصل اولا الى حكم عقلي إلا انه بقاعدة الملازمة بين حكم العقل و حكم الشرع يستنتج ان هذا الحكم هو حكم الشرع فيكون القاعدة العقلية واقعة في طريق استنباط الحكم الشرعي.

و لكن هذا التوجيه فاسد لأن حكم العقل بالاحتياط أو البراءة ليس من الاحكام العقلية العملية التي يأتي البحث في ملازمتها أو عدم ملازمتها للحكم الشرعي الواقعي و إنما هو ادراك العقل النظري بوجود أو عدم وجود الحجة فهذا حكم عقلي نظري. و يستنتج هذا الحكم النظري حكما عقليا عمليا بقبح صدور العقاب من المولى أو حسنه.

و لما كان موضوع هذا الحكم هو فعل المولى استحال استلزامه للحكم الشرعي لأن موضوعها هو فعل المكلف لافعل المولى. إذ لا يوجد احكام شرعية على المولى عزّ و جل.

الثاني: انه على فرض عدم القول بالملازمة المذكورة يكون العقل موصلا الى حكم عقلي فقط لكن هذا الحكم العقلي كوجوب الاحتياط يكون منجزا للحكم الشرعي المجهول. بمعنى انه لو صادف ان المكلف لم يفعل ما يطابق الحكم الشرعي الواقعي استحق العقاب.

و قد يكون الحكم العقلي (كحكمه بالبراءة) معذرا عن الحكم الشرعي المجهول بمعنى أنه لو صادف ان المكلف لم يفعل ما يطابق الحكم الشرعي الواقعي لم يستحق العقاب.

و حينئذ فيقال إن المراد من (استنباط الحكم الشرعي) المذكور في التعريف هو الاعم من التصديق بالحكم الشرعي و من تنجيزه و تعذيره.

فيندفع الاعتراض لأن القاعدة العقلية تكون واقعة في طريق استنباط الحكم الشرعي بمعنى تنجيزه او تعذيره.

48

موضوع علم الأصول:

إن هذا العلم غير متكفل للبحث عن موضوع خاص، بل يبحث عن موضوعات شتى تشترك كلها في غرضنا المهم منه، و هو استنباط الحكم الشرعي.

____________

[موضوع علم الأصول و البحث هنا في مقامين‏]

[الأول: في القاعدة المشتهرة بانه يجب ان يكون لكل علم موضوع‏]

قوله (ره) (موضوع علم الأصول) أقول: البحث هنا في مقامين.

الأول: في القاعدة المشتهرة بانه يجب ان يكون لكل علم موضوع يبحث عنه في ذلك العلم.

الثاني: في موضوع علم الأصول.

أما المقام الأول: فقد تبانى المشهور على انه لا بد لكل علم من موضوع، فلعلم النحو موضوع، هو الكلمة، و لعلم الفقه موضوع، هو فعل المكلف، و هكذا سائر العلوم.

و قد استدلوا على وجوب أن يكون لكل علم موضوع بدليل حاصله انه لا بد للعلم من غاية يوصل العلم اليها، فهنا مقدمتان:

الأولى: كل علم له غاية و هذه المقدمة ثابتة بالوجدان إذ من المحال عادة وجود علم لا غاية له أصلا بل لا يصدق عليه عرفا انه علم لان قيمومة العلم عند العرف بغايته فمع عدم الغاية لا تسمى القواعد المجتمعة المتفرقة بانها علم بل تسمى حينئذ كشكولا. كما ألّف الشيخ البهائي (ره) كشكولا.

المقدمة الثانية: أن هذه الغاية تحصل بسبب العلم فالعلم هو العلة لها في الخارج: مثلا غاية علم النحو هي حفظ اللسان عن الخطأ في المقال، و لاجل هذه الغاية يشرع الانسان العاقل في دراسة و تعلم علم النحو. و بعد تعلم علم النحو و قواعده تصير هذه القواعد هي العلة لتحقق حفظ اللسان عن الخطأ في المقال. و لو لا هذا العلم و قواعده لم تتحقق هذه الغاية كما هو واضح.

و ينتج من ضم هاتين المقدمتين ان كل علم هو علة لتحقق غاية واحدة هي غايته.

49

و بعد ذلك نضم هذه النتيجة الى قاعدة فلسفية و هي أن المعلول الواحد يستحيل أن يصدر إلا عن علة واحدة. فالغاية الواحدة التي هي معلول العلم يجب أن يكون لها علة واحدة. فما هي هذه العلة الواحدة هل هي المسائل الكثيرة أو هي شي‏ء واحد موجود في المسائل الكثيرة.

أما المسائل الكثيرة فيستحيل أن تكون هي علة غاية العلم لما عرفت من القاعدة الفلسفية القائلة أن المعلول الواحد يجب أن يكون له علة واحدة. و المسائل الكثيرة ليست علة واحدة بل علل كثيرة.

فتعين أن تكون علة غاية العلم هي شي‏ء واحد موجود في المسائل الكثيرة و هذا الشي‏ء الواحد الموجود في المسائل الكثيرة هو المسمى بموضوع العلم و يجب وجوده لاستحالة وجود المعلول بلا علة.

هذا غاية تقريب الاستدلال على وجوب وجود موضوع لكل علم.

لكن المحققين أبطلوا هذا الاستدلال بعدة ردود نذكر منها ثلاثة فقط.

الأول: أن القاعدة الفلسفية و هي أن المعلول الواحد ليس له إلا علة واحدة قاعدة مختصة بالواحد البسيط غير المركب فلا تنطبق في المقام لأن غاية العلم ليست واحدا بسيطا.

الثاني: أن المقدمة الثانية التي ذكرناها في الاستدلال، ليست صحيحة و ذلك لأنك عرفت أن قواعد العلم هي ذات القواعد النفس أمرية (و هذا بيناه في الخصوصية الأولى عند التعرض لتعريف علم الأصول فراجع).

و من الواضح: أن هذه القواعد بذاتها ليست هي العلة فإن العامي الجاهل بمسائل النحو لا تتحقق عنده غاية العلم مع أن قواعد علم النحو متحققة في نفس الأمر و لو كانت هي العلة لغاية علم النحو مثلا لتوجب تحقق المعلول دائما لاستحالة تخلف المعلول عن العلة.

فتحصل أن قواعد العلم ليست هي علة غاية العلم. فإذن ما هي علة غاية العلم. فنقول المحتمل أن تكون العلة هي أحد أمرين لا ثالث لهما.

الأمر الأول: هو إدراك القواعد و التصديق بها.

50

الأمر الثاني: هو الارادة التي توفرت لها شروط الفعل فالقيام مثلا فعل معلول لارادة القيام مع توفر شرائط القيام من القدرة و عدم المانع و غير ذلك.

و لا يمكننا أن نقول إن الغايات في جميع العلوم معلولة للأمر الأول أي ادراك القواعد ضرورة أنا نرى بالوجدان ان كثيرا من الناس يعرفون قواعد علم النحو و مع ذلك لا يحفظون لسانهم عن الخطأ، و لو كان إدراك قواعد علم النحو هو علة حفظ اللسان لكان الواجب تحقق حفظ اللسان عند تحقق الادراك لوجوب تحقق المعلول عند تحقق علته. و هكذا كثير من العلوم.

و لا يمكننا أيضا أن نقول إن الغايات في جميع العلوم معلولة للأمر الثاني أي الارادة و ذلك لأن بعض العلوم كعلم العرفان مثلا غايته مجرد المعرفة كما قيل. و من الواضح أن هذه الغاية أي معرفة الله تعالى يكفي في تحققها مجرد ادراك قواعد علم العرفان بدون دخالة للارادة.

فتحصل ان الواجب أن نقول إن العلوم على قسمين.

الأول: هو العلوم الذاتية غير التوصلية بل غايتها مجرد المعرفة كعلم معرفة التاريخ الذي غرضه المعرفة.

الثاني: العلوم التوصلية التي غايتها تتعدى المعرفة للتوصل الى عمل اختياري.

أما القسم الأول: فتكون غاية العلم معلولة لادراك قواعد ذلك العلم لأن معرفة الكل متوقف على معرفة الأجزاء فتأمل.

و أما القسم الثاني: و هو غالب العلوم فتكون غايته معلولة للارادة و أما ادراك القواعد فهو شرط الفعل فكما أن ارادة القيام لا تكفي في تحقق القيام بل لا بد من وجود الشرط و هو القدرة،

فكذلك إرادة حفظ اللسان مثلا لا تكفي في تحقق الحفظ المذكور بل لا بد من وجود الشرط و هو القدرة على الحفظ المذكور. و القدرة على حفظ اللسان متوقفة على ادراك القواعد النحوية. فالادراك المذكور شرط لا علة.

51

فتحصل من كل ما ذكرناه أن غاية العلم ليست معلولة للقواعد فلا وجه لأن يقال أن العلة يجب أن تكون واحدا موجودا في جميع المسائل و هو الموضوع.

إن قلت: نلتزم أن غاية العلم هو تحصيل الشرط فغاية علم النحو هو تحصيل شرط صون اللسان عن الخطأ.

قلت: الشرط هو الادراك فتكون غاية العلم هي الادراك و بذلك يرجع الى القسم الأول من العلوم. و علة الادراك ليس نفس قواعد العلم بل شي‏ء آخر نعبر عنه بالتعلم.

الثالث: لو سلم كل ما ذكر في الاستدلال نقول أن العلة الواحدة هي مجموع المسائل فيكون المجموع بما هو مجموع هو علة واحدة، فلا حاجة الى الالتزام بأن الموضوع هو العلة.

فظهر: من كل ما ذكرناه أن الدليل المذكور لوجوب وجود الموضوع لكل علم مدفوع. فلا حاجة للالتزام بأن لكل علم موضوع.

هذا و قد ذكر للاستدلال على وجوب وجود الموضوع لكل علم أدلة أخرى اضعف.

منها أن تمايز العلوم بتمايز الموضوعات فلا بد من وجود الموضوعات للعلوم حتى يحصل بها التمايز.

و جوابه: أنا لا نسلم ان التمايز بالموضوعات بل بالاغراض فإن العقلاء اذا طلبوا شيئا لا يمكنهم التوصل اليه إلا بعلم مستقل أفردوا له علما مستقلا و لهذا كانت بعض المسائل تشترك في علمين لأن لها دخالة في تحقيق الغرضين.

[المقام الثاني في موضوع علم الأصول‏]

المقام الثاني: موضوع علم الأصول: و قد عرفت في المقام السابق عدم وجوب وجود الموضوع لكل علم.

و نقول هنا كذلك لا دليل على استحالة وجود الموضوع لعلم من‏

52

العلوم. فوجود الموضوع للعلم ممكن بالامكان الخاص. بلا فرق بين علم الأصول و غيره.

و حينئذ فيجب النظر أنه هل يوجد موضوع لعلم الأصول أو لا يوجد له موضوع.

فنقول: كان القدماء بانين على انه يوجد موضوع لعلم الأصول و هو الادلة الاربعة.

و بعضهم وجد ان الاستصحاب ايضا مما يبحث عنه في علم الأصول فيجب ان يكون الموضوع هو الادلة الخمسة.

و لكنه فاسد و توضيح فساده هو أن الاستصحاب (و هو إبقاء ما كان) كما لو شككنا ببقاء حياة زيد فنستصحب بقاء حياته.

هذا الاستصحاب لا بد له من دليل ضرورة أنه لا يجوز لنا ان نحكم ببقاء شي‏ء مشكوك البقاء بدون دليل يبيح لنا هذا الحكم.

و هذا الدليل إما الروايات الدالّة على انه لا ينقض اليقين بالشك. و إما حكم العقل بأن ما كان سابقا ينبغي ان يكون باقيا لا حقا. و إما شي‏ء ثالث.

فإن كان دليل حجية الاستصحاب هو الأول اى الروايات، لم يكن الاستصحاب دليلا خارجا عن الروايات أى السنة. بل كان الاستصحاب من السنة فلا وجه لتخميس الادلة.

و إن كان دليل حجية الاستصحاب هو الثاني اي العقل دخل الاستصحاب في العقل و لم يكن الاستصحاب دليلا خامسا فلا وجه لتخميس الادلة.

و أما إن كان دليل حجية الاستصحاب شيئا ثالثا غير الادلة الاربعة.

كان دليل الاستصحاب دليلا مستقلا مغايرا للأدلة الاربعة فهو خامسها و كان لا بد من تخميس الادلة به لا بالاستصحاب.

و تحرير المطلب له محل آخر.

و مما ذكرناه علم الوجه في إضافة القياس و الاستحسان الى الادلة

53

فلا وجه لجعل موضوع هذا العلم خصوص (الأدلة الأربعة) فقط، و هي الكتاب و السنة و الإجماع و العقل، أو بإضافة الاستصحاب، أو بإضافة القياس و الاستحسان، كما صنع المتقدمون.

____________

الاربعة. إن قلنا بحجية القياس و الاستحسان.

و كيف كان فهل صحيح ان موضوع علم الأصول هو الادلة الاربعة أو الخمسة او السبعة.

الجواب: أنه ليس صحيحا و السبب في فساده هو ان كثيرا من مسائل علم الأصول لا تبحث عن الادلة الاربعة او الخمسة او السبعة، و ذلك كمسائل ظهور الأمر بالوجوب. و ظهور النهي بالحرمة و هكذا جميع مسائل تعيين الظواهر.

فلو كان موضوع علم الاصول هو الادلة المذكورة لوجب أن يكون جميع مسائل تعيين الظواهر (التي تستوعب الجزء الأول من كتاب أصول الفقه للمصنف (ره) خارجة عن علم الأصول. و لا يخفى عدم صحة الالتزام بذلك.

و في المقام اعتراضات أخر قد نشير إليها في مواضع متفرقة و في الجزء الثالث عند التعرض لموضوع علم الأصول مرة ثانية.

ثم إنه بعد بطلان ان يكون موضوع علم الأصول هو الادلة المذكورة فهل يوجد موضوع آخر يمكن ان يكون موضوعا لعلم الأصول.

الجواب: أنه بعد الاستقراء و التأمل لم نجد عنوانا يصلح ان يكون هو الموضوع لعلم الأصول فلا نستطيع الالتزام بموضوع لعلم الأصول فيتم ما قاله المصنف (ره) (من ان هذا العلم غير متكفل للبحث عن موضوع خاص بل يبحث عن موضوعات شتى تشترك كلها في تحقيق الغرض). و في المقام وجوه اخرى لم نتعرض لها.

قوله (ره) (فلا وجه لجعل موضوع ...) هذا بيان للمقام الثاني من المقامين اللذين ذكرناهما آنفا.

54

و لا حاجة إلى الالتزام بأن العلم لا بد له من موضوع يبحث عن عوارضه الذاتية في ذلك العلم، كما تسالمت عليه كلمة المنطقيين، فإن‏

____________

قوله (ره) (و لا حاجة الى الالتزام ...) أقول: هذا إشارة الى المقام الأول الذي أخره المصنف (ره) و كان ينبغي تقديمه كما لا يخفى.

قوله (ره) (يبحث عن عوارضه الذاتية ...) أقول: بعد ان تبانوا على وجوب وجود الموضوع لكل علم. أسسوا قاعدة اخرى متفرعة على قاعدة وجود الموضوع و حاصلها ان البحث في العلوم كلها هو عبارة عن البحث عن عوارض موضوعات العلوم اعني خصوص العوارض الذاتية، فعلم النحو مثلا موضوعه (الكلمة) فالبحث في علم النحو يجب ان يكون هو البحث عن العوارض الذاتية للكلمة و جميع مسائل علم النحو هي عبارة عن قضايا مؤلفة من موضوع و محمول، موضوعها مصداق من مصاديق الكلمة كالفاعل و المفعول و نحوها. و محمولها هو أحد العوارض الذاتية للكلمة و هكذا في ساير العلوم.

و المصنف (ره) بعد أن بنى على بطلان القاعدة الأولى اصبح واضحا ان القاعدة الثانية لا أساس لها لأنها متفرعة على القول بوجود الموضوع فاذا لم يكن الموضوع موجودا كيف يقال يجب البحث عن عوارضه الذاتية.

و مع ذلك فنحن نشير الى تفسير هذا الاصطلاح (العوارض الذاتية) فما هو مرادهم به.

فنقول إن مرادهم من العرض هو العرض المنطقى أي الخارج عن ذات الشى‏ء المحمول عليه. كالضاحك المحمول على الانسان. ثم قسموا العرض الى أقسام ثمانية:

الأول: العارض بلا واسطة اصلا و مثلوا له بالتعجب فإنه يعرض على الانسان بلا واسطة؛ بمعنى أن ذات المعروض المركبة من الجنس و الفصل او غير المركبة (إن قلنا بوجود بسائط لها عوارض) هي بنفسها تقتضي العرض.