المقدمات والتنبيهات في شرح أصول الفقه‏ - ج2

- محمود قانصوه المزيد...
518 /
7

[تتمة المقصد الأول مباحث الألفاظ]

الباب الثالث النّواهي و فيه خمس مسائل:

1- مادة النهي‏

و المقصود بها كلمة (النهي) كمادة الأمر. و هي عبارة عن طلب العالي من الداني ترك الفعل. أو فقل- على الأصح- إنها عبارة عن زجر العالي للداني عن الفعل و ردعه عنه، و لازم ذلك طلب الترك، فيكون التفسير الأول تفسيرا باللازم على ما سيأتي توضيحه.

و هي- كلمة النهي- ككلمة الأمر في الدلالة على الإلزام عقلا لا وضعا و إنما الفرق بينهما أن المقصود في الأمر الإلزام بالفعل، و المقصود في النهي الإلزام بالترك.

و عليه تكون مادة النهي ظاهرة في الحرمة، كما أن مادة الأمر ظاهرة في الوجوب.

____________

قوله (ره): (و المقصود بها كلمة النهي كمادة الأمر ...).

اقول: الكلام في النهي كالكلام في الأمر حرفا بحرف مادة و صيغة و كل ما ذكرناه هناك جار هنا فلا حاجة الى الاعادة و التطويل فمادة النهي دالة على الطلب المضمن معنى الفصل و لهذا يتعدى بعن فيقال نهيته عن كذا بمعنى منعته عن كذا منعا تشريعيا و المنع و الفصل يحتاج الى قوة ماديه او معنوية و لذا لا يصدر النهي إلا من العالي على نحو العلو كما مر تفصيليه في مادة الأمر.

8

2- صيغة النهي‏

المراد من صيغة النهي: كل صيغة تدل على طلب الترك.

أو فقل- على الأصح-: كل صيغة تدل على الزجر عن الفعل و ردعه عنه كصيغة (لا تفعل) أو (إياك أن تفعل) و نحو ذلك.

و المقصود ب (الفعل): الحدث الذي يدل عليه المصدر و إن لم يكن أمرا وجوديا، فيدخل فيها- على هذا- نحو قولهم: (لا تترك الصلاة)، فإنها من صيغ النهي لا من صيغ الأمر. كما أن قولهم:

(أترك شرب الخمر) تعد من صيغ الأمر لا من صيغ النهي و إن أدت مؤدى (لا تشرب الخمر).

و السر في ذلك واضح، فإن المدلول المطابقي لقولهم (لا تترك) هو الزجر و النهي عن ترك الفعل، و إن كان لازمه الأمر بالفعل فيدل عليه بالدلالة الالتزامية.

3- ظهور صيغة النهي في التحريم‏

الحق أن صيغة النهي ظاهرة في التحريم، و لكن لا لأنها موضوعة لمفهوم الحرمة و حقيقة فيه كما هو المعروف. بل حالها في ذلك حال ظهور صيغة افعل في الوجوب، فإنه قد قلنا هناك إن هذا الظهور إنما هو بحكم العقل، لا إن الصيغة موضوعة و مستعملة في مفهوم الوجوب.

و كذلك صيغة لا تفعل، فإنها أكثر ما تدل على النسبة الزجرية بين الناهي و المنهي عنه و المنهي. فإذا صدرت ممن تجب طاعته و يجب‏

____________

قوله (ره): (و المقصود ب (الفعل) الحدث الذي يدل عليه ..).

اقول: النهي كل ما دل على زجر سواء تعلق بالوجودي مثل (لا تشرب الخمر) او بالعدمي مثل (لا تترك الصلاة) فإن كل ذلك زجر و نهي، نعم نحو (لا تترك الصلاة) لا يدل على حرمة ترك الصلاة كما سيأتي بيانه في تنبيهات مبحث النواهي.

9

الانزجار بزجره و الانتهاء عما نهى عنه، و لم ينصب قرينة على جواز الفعل، كان مقتضى وجوب طاعة هذا المولى و حرمة عصيانه عقلا- قضاء لحق العبودية و المولوية- عدم جواز ترك الفعل الذي نهى عنه إلا مع الترخيص من قبله.

فيكون- على هذا- نفس صدور النهي من المولى بطبعه مصداقا لحكم العقل بوجوب الطاعة و حرمة المعصية، فيكون النهي مصداقا للتحريم حسب ظهوره الاطلاقي، لا أن التحريم- الذي هو مفهوم اسمي- وضعت له الصيغة و استعملت فيه.

و الكلام هنا كالكلام في صيغة افعل بلا فرق من جهة الأقوال و الاختلافات.

4- ما المطلوب في النهي؟

كل ما تقدم ليس فيه خلاف جديد غير الخلاف الموجود في صيغة افعل. و إنما اختص النهي في خلاف واحد، و هو أن المطلوب في النهي هل هو مجرد الترك أو كف النفس عن الفعل. و الفرق بينهما:

إن المطلوب على القول الأول أمر عدمي محض، و المطلوب على القول الثاني أمر وجودي، لأن الكف فعل من أفعال النفس.

و الحق هو القول الأول.

و منشأ القول الثاني توهم هذا القائل إن الترك- الذي معناه إبقاء عدم الفعل المنهي عنه على حاله- ليس بمقدور للمكلف، لأنه أزلي خارج عن القدرة، فلا يمكن تعلق الطلب به. و المعقول من النهي أن يتعلق فيه الطلب‏

____________

قوله (ره): (و منشأ القول الثاني توهم ...).

اقول: حاصله ان القدرة انما تتوجه الى الوجوديات لأن القدرة انما هي امكان توجيه العضلات الى المطلوب و من الواضح استحالة تحريك العضلات نحو العدم فلزم كون المطلوب امرا وجوديا كي يمكن تحريك العضلات نحوه فيتحقق القدرة عليه و هذا الأمر الوجودي هو كف النفس فإن‏

10

بردع النفس و كفها عن الفعل، و هو فعل نفساني يقع تحت الاختيار.

و الجواب عن هذا التوهم: إن عدم المقدورية في الأزل على العدم لا ينافي المقدورية بقاء و استمرارا، إذ القدرة على الوجود تلازم القدرة على العدم، بل القدرة على العدم على طبع القدرة على الوجود، و إلا لو كان العدم غير مقدور بقاء لما كان الوجود مقدورا، فإن المختار القادر هو الذي إن شاء فعل و إن لم يشأ لم يفعل.

و التحقيق أن هذا البحث ساقط من أصله، فإنه- كما أشرنا إليه فيما سبق- ليس معنى النهي هو الطلب، حتى يقال إن المطلوب هو الترك أو الكف، و إنما طلب الترك من لوازم النهي، و معنى النهي المطابقي هو الزجر و الردع. نعم الردع عن الفعل يلزمه عقلا طلب الترك، كما أن البعث نحو الفعل في الأمر يلزمه عقلا الردع عن الترك.

فالأمر و النهي كلاهما يتعلقان بنفس الفعل رأسا، فلا موقع للحيرة و الشك في أن الطلب في النهي يتعلق بالترك أو الكف.

____________

النفس تهم بفعل الشي‏ء المحرم و الإنسان قادر على تحريك عضلاته النفسية كي يمنع من تحرك النفس نحو الفعل.

و هذا التوجيه الذي ذكرناه لا يرد عليه جواب المصنف (ره).

فانقدح انه على فرض دلالة النهي على الطلب لزم ان يكون المطلوب هو الكف لا عدم الفعل.

و تعرف ذلك من انك لا يمكنك ان تقول (اطلب منك عدم الفعل) إلا على ضرب من المسامحة و إنما تقول له (اطلب منك السكون) و اطلب منك الصبر عن الفعل. و اما العدم المحض فلا قدرة عليه لاستحالة تحريك العضلات نحوه.

11

5- دلالة صيغة النهي على الدوام و التكرار

اختلفوا في دلالة (صيغة النهي) على التكرار أو المرة كالاختلاف في صيغة افعل.

____________

قوله (ره): (اختلفوا في دلالة صيغه النهي على التكرار ...).

اقول: إن البحث في الاوامر على نسق البحث في النواهي فهما بحثان يرضعان من ثدي واحدة و لذا لم نطل الكلام هنا و حولناه على البحوث المتقدمة في الأوامر.

نعم هنا أمور لا بأس بذكرها.

الأول: ما تعرض له المصنف (ره) هنا و حاصله ان الأمر قد عرفت دلالته على لزوم ايجاد الطبيعة و كفاية الفرد. و اما النهي فإنما يدل على لزوم اجتناب الطبيعة فإذا قال (لا تشرب الخمر) لزم الاجتناب عن كل فرد فرد من طبيعة شرب الخمر.

و هذه النتيجة مسلمه عند الاعلام و إنما وقع الخلاف في سببها فلما ذا كان الأمر في نحو (اعتق رقبة) دالا على كفاية المرة بينما النهي في نحو (لا تعتق رقبة) دال على لزوم الاجتناب عن كل عتق و في سبب ذلك أقوال.

الأول؛ ما قد ينسب الى البعض من القدماء و حاصله ان سبب الاختلاف هو الوضع و ذلك لأن الأمر موضوع لطلب الواحد من الطبيعة و النهي موضوع لترك كل فرد من افراد الطبيعة المنهي عنها فإذا قلت (اعتق رقبة) دل الأمر بالوضع على طلب عتق رقبة واحد و إذا قلت (لا تعتق رقبة) دل النهي بالوضع على طلب ترك كل فرد من افراد طبيعة عتق الرقبة.

و هذا القول مهجور عند المتأخرين و ذلك لوضوح فساده و حاصله ان الأمر مركب من الهيئة و المادة فنحو (اعتق) فيه هيئة (افعل). و مادة (العتق).

و قد عرفت ان كلاهما لا يدل على ارادة فرد واحد من الطبيعة.

اما الهيئة فواضح لأنها إنما تدل على البعث لا اكثر من ذلك. و لذا فتارة تتعلق بالواحد مثل اعتق رقبة واحدة و تارة تتعلق بالكثير مثل اعتق الجميع.

12

و الحق هنا ما قلناه هناك بلا فرق، فلا دلالة لصيغة (لا تفعل) لا بهيئتها و لا بمادتها على الدوام و التكرار و لا على المرة، و إنما المنهي عنه صرف الطبيعة، كما أن المبعوث نحوه في صيغة افعل صرف الطبيعة.

____________

و الحاصل ان من الواضح ان الهيئة انما تدل على البعث دون زيادة و يكفي في ذلك التبادر.

و اما المادة فلا تدل سوى على الطبيعة المهملة دون زيادة اي وصف في الطبيعة فكما ان كلمة (قتل) لا تدل سوى على طبيعة القتل المهملة عن كل لحاظ قيد زائد.

فكذلك مادة (قتل) المندمجة في الهيئات المختلفة و هكذا سائر المواد.

و عين ذلك نقوله في النهي نحو (لا تقتل) فإن المادة كما عرفت لا تدل سوى على الطبيعة المهملة و اما هيئة النهي فلا تدل على اكثر من الزجر.

فكما ان الأمر لا يدل على كفاية الفرد من الطبيعة فكذلك النهي لا يدل على لزوم الاجتناب عن جميع الافراد و كل ذلك ظاهر بالتبادر.

فظهر فساد هذا القول.

القول الثاني: و هو مذهب المشهور و قد ذكره المصنف (ره) و حاصله بعد الاعتراف (بأن الأمر و النهي كلاهما ليس موضوعا إلا للبعث نحو المادة و الزجر عن المادة) هو ان العقل هو الدال على لزوم اجتناب جميع الافراد في النهي و كفاية الفرد في الأمر.

و سر ذلك ان الأمر في نحو (اقتل) مركب من هيئة و مادة و الهيئة تدل على البعث و المادة تدل على صرف الطبيعة اي الطبيعة دون زيادة اي قيد.

فينتج ان (اقتل) يدل على تحقيق و إيجاد الطبيعة و من الواضح ان ايجادها يكون بوجود فرد من افرادها. و بذلك يحكم العقل بكفاية الفرد في الأمر و ذلك لعلم العقل ان المطلوب (و هو ايجاد الطبيعة) يتحقق بالفرد.

و اما النهي في نحو (لا تقتل) فمركب كذلك من هيئة و مادة و الهيئة تدل على الزجر و المادة تدل على صرف الطبيعة فينتج ان (لا تقتل) يدل على‏

13

غير أن بينهما فرقا من ناحية عقلية في مقام الامتثال، فإن امتثال‏

____________

الزجر عن صرف الطبيعة و لكن الانزجار عن صرف الطبيعة لا يتحقق إلا بترك كل فرد من أفرادها و بذلك يحكم العقل بلزوم ترك كل فرد من افراد الطبيعة و ذلك لعلم العقل بأن المنزجر عنه (و هو صرف الطبيعة) لا يتحقق إلا بترك جميع الأفراد.

هذا محصل ما ذكره المشهور و تابعهم عليه المصنف.

و لكنه فاسد و يفسده امران.

الأول: ما ذكره بعض الأعلام و حاصله يتضح ببيان مقدمة و هي ان الطبيعة كالقتل و الشرب و نحوهما. تلاحظ بثلاث لحاظات.

الأول: أن تلاحظ سارية في جميع الأفراد فتكون حاكيه عن جميع مصاديقها و ذلك بمثابة إدخال كلمة (كل) على الطبيعة نحو كل قتل و كل شرب.

الثاني: ان تلاحظ في ضمن فرد واحد فتكون حاكيه عن مصداق واحد على نحو البدلية بين الافراد و ذلك بمثابة ادخال كلمة (واحد) على الطبيعة نحو قتل واحد و شرب واحد.

الثالث: ان تلاحظ مهملة دون الالتفات الى وجودها في ضمن فرد واحد او في ضمن جميع الافراد و هذا ما يعبر عنه بصرف الطبيعة اي يكون اللحاظ مقصورا على الطبيعة دون لحاظ شي‏ء آخر.

اذا عرفت هذه المقدمة فنقول إن مدعى المشهور ان المادة في الأمر و النهي ملحوظة بلحاظ واحد و إنما كان الفرق من العقل و حينئذ نقول إما ان يدعوا انها ملحوظة باللحاظ الأول او الثاني او الثالث و جميعها لا تنتج مطلوبهم.

اما لحاظها باللحاظ الأول فلأنه حينئذ يكون الأمر تعلق بالطبيعة السارية في جميع المصاديق و مقتضى ذلك ان تدل الصيغة على البعث نحو جميع مصاديق المادة فيكون الأمر مثل النهي في الدلالة على التكليف بجميع المصاديق.

14

النهي بالانزجار عن فعل الطبيعة، و لا يكون ذلك إلا بترك جميع أفرادها فإنه لو فعلها مرة واحدة ما كان ممتثلا. و أما امتثال الأمر

____________

اما لحاظها باللحاظ الثاني فلأنه حينئذ يكون النهي قد تعلق بالطبيعة في فرد و مقتضى ذلك ان تدل صيغه النهي كما في نحو (لا تقتل) على النهي عن فرد واحد من الطبيعة فيكون النهي كالأمر في الدلالة على التكليف بمصداق واحد من الطبيعة.

اما لحاظها باللحاظ الثالث كما هو ظاهر عباراتهم بل صريح بعضها كما هو صريح عبارة المصنف (ره) فلأن الماهية المهملة كما توجد بوجود فرد واحد منها فكذلك تنعدم بعدم فرد واحد منها فالماهية توجد بوجود اي فرد و تنعدم بانعدام اي فرد.

و بعبارة اوضح ان المشهور تخيل ان وجود الماهية المهملة يكون بوجود فرد واحد منها و ان انعدام الماهية المهملة يكون بانعدام جميع افرادها.

و لكنه تخيل فاسد بديهي البطلان لأن عدم الشي‏ء نقيض وجوده فإذا كان الشي‏ء موجودا في (ج) فنقيضه عدم (ج) فإذا كان الماهية المهملة توجد بوجود اي فرد منها لزم ان تكون الماهية المهملة تنعدم بانعدام اي فرد منها اذ يستحيل ارتفاع الوجود و العدم معا كما هو بديهي.

و الحاصل ان كل فرد من الماهية المهملة لو وجد كان وجودا للماهية المهملة فيلزم انه لو عدم كان عدما للماهية المهملة و إلا كانت الماهية المهملة غير موجودة في ذلك الفرد المعدوم و لا معدومة فيه فيرتفع عنها النقيضان و هذا بديهي البطلان.

فانقدح انه كما كان الماهية المهملة موجودة بوجود اي فرد فهي منعدمة بانعدام اي فرد منها.

و عليه فإذا تعلق الأمر بالماهية المهملة دل على لزوم ايجادها، و ايجادها يحصل ضمن الفرد الواحد و كذلك إذا تعلق النهي بالماهية المهملة دل على لزوم اعدام الماهية المهملة، و اعدامها يحصل ضمن اعدام الفرد الواحد منها.

و من هنا يتضح ان الفرق بين الأمر و النهي ليس من جهة العقل بل‏

15

فيتحقق بإيجاد أول وجود من أفراد الطبيعة، و لا تتوقف طبيعة الامتثال على أكثر من فعل المأمور به مرة واحدة.

____________

يجب ان يكون في لحاظ الماهية فيجب أن تكون الماهية في الأمر ملحوظة بلحاظ غير اللحاظ الذي لوحظت به الماهية في النهى و سوف يأتي توضيحها.

الأمر الثاني: أنه لو سلم أن النهي يدل على الزجر عن الماهية المهملة- أي حرف الماهية و سلم أن العقل يحكم بأن الانزجار عن الماهية المهملة إنما يكون بترك جميع الأفراد فلو سلمنا كل ذلك يلزم أن النهي إنما هو تكليف واحد متعلق بإعدام جميع الأفراد فلو أن المكلف أعدم جميع الأفراد كان له ثواب واحد لإطاعة تكليف واحد.

و هذا لازم فاسد.

و كذلك يلزم أن المكلف لو عصى و أتى بآلاف الأفراد إنما يكون قد عصى معصية واحدة لمخالفته تكليفا واحدا.

و هذا لازم فاسد.

و كذلك يلزم ان المكلف لو عصى و أتى بفرد واحد يلزم ان يسقط عنه التكليف بترك بقية الأفراد و ذلك لأنه مكلف بإعدام الماهية و المفروض أنه عدمها لا يتم إلا بعدم جميع افرادها. كما أن المفروض أنه قد أتى بفرد.

و هذا يعني أن اعدام الماهية اصبح محالا فيسقط التكليف به لاستحالة التكليف بالمحال.

و هذا ايضا لازم فاسد.

فهذه ثلاث لوازم فاسدة تترتب على مذهب المشهور و نعيد توضيحها بالمثال. لو ان المولى قال (لا تزن) دلت هذه العبارة (على مذهب المشهور) على تكليف بالانزجار عن الماهية و هذا تكليف واحد متعلق بالانزجار عن الزنى.

فينتج من ضم مدلول عبارة (لا تزن) الذي هو (لزوم الانزجار عن الزنى) الى حكم العقل بان الانزجار عنه إنما يتحقق بترك جميع افراده ينتج‏

16

و ليس هذا الفرق من أجل وضع الصيغتين و دلالتهما، بل ذلك مقتضى طبع النهي و الأمر عقلا.

____________

وجود تكليف واحد متعلق بإعدام ماهية الزنى و هذا الاعدام لا يتحقق إلا بترك جميع افراد الزنى.

و من هنا فلا تتحقق طاعة هذا التكليف الواحد إلا بإعدام ماهية الزنى بترك جميع الافراد فمن فعل ذلك كان مطيعا لهذا التكليف الواحد و له ثواب واحد.

كما ان من لم يعدم ماهية الزنى بل ارتكب جميع افرادها كان عاصيا لهذا التكليف الواحد فيستحق عقابا واحدا على معصية واحدة.

كما ان من ارتكب زنى واحد يسقط عنه التكليف بإعدام ماهية الزنى ضرورة وجودها بوجود الفرد فيستحيل حينئذ اعدامها المتوقف على اعدام جميع الافراد و من بينها هذا الفرد الموجود و هذا مستحيل فيستحيل بقاء التكليف بالانزجار عن الزنى و بالتالي يكون ارتكاب الزنى الباقي حلالا و هذا من افسد اللوازم.

و بما ذكرناه ظهر فساد مذهب المشهور ايضا

القول الثالث و هو الصحيح و هو ان الماهية في الأمر غالبا ما تكون ملحوظة على نحو الماهية المهملة.

و هذا بخلاف الماهية في النهي فإنها تكون ملحوظة على نحو الماهية السارية في جميع المصاديق.

فإذا قال (تصدق) كان المأمور به الذي هو الصدقة ملحوظا على نحو الماهية المهملة اي صرف الطبيعة، و الهيئة تدل على البعث. فالمتحصل من ضم الهيئة الى المادة هو البعث نحو ايجاد صرف الطبيعة المتحقق بفرد واحد.

و هذا بخلاف النهي فإن الماهية فيه تكون ملحوظة على نحو الماهية السارية فإذا قال (لا تزن) دلت الهيئة على الزجر، و المادة على الماهية الحاكية عن كل فرد فرد من مصاديقها. اي لا تزن و لا ترتكب اي فرد من افراد الزنى.

17

تنبيه‏

لم نذكر هنا ما اعتاد المؤلفون ذكره من بحثي اجتماع الأمر و النهي، و دلالة النهي على الفساد، لأنهما داخلان في (المباحث‏

____________

نعم هنا أمور.

الأول: انك قد تسال انه لما ذا تلاحظ الماهية في الأمر على نحو صرف الوجود بينما تلاحظ في النهي على نحو الاستغراق و السريان.

و الجواب هو لخصوصية عرفية حاصلها ما يراه العرف من لغوية طلب اعدام فرد من الماهية ضرورة ان الانسان يستحيل عليه ايجاد جميع افراد الماهية فإعدام بعضها بل اكثرها أمر اضطراري حاصل بغير اختيار الانسان و من هنا كان طلب اعدام فرد من الطبيعة في غاية اللغوية لا ينصرف اليه ذهن العرف و لذا يكون ذهن العرف مضطرا الى لحاظ الماهية المنهي عنها لحاظا استغراقيا.

و هذا بخلاف إيجاد الماهية فإن الانسان قد لا يوجد الماهية اصلا لو لا الزامه بها فلو لا الالزام بالصيام مثلا قد لا يصدر (الصيام) اصلا من المكلف و هكذا في اغلب الاوامر و لذا كان الذهن يستقر على لحاظ الماهية على ما هي عليه اي بنحو الماهية المهملة فإن الاصل في الماهية ان تلحظ على نحو الماهية المهملة فإذا لم يكن هناك مانع من لحاظها بهذا اللحاظ لا جرم تكون ملحوظة بهذا اللحاظ.

الثاني: انك تسال انه لما ذا قلنا ان الماهية في الاوامر تكون ملحوظة على نحو الماهية المهملة غالبا و لم نقل ان ذلك اللحاظ على نحو الدوام و في كل امر.

و الجواب هو ان الماهيات في الاوامر يختلف لحاظها باختلاف مناسبات الحكم و الموضوع فهي تكون ملحوظة على ثلاثة انحاء.

النحو الأول: و هو الغالب ان تلحظ على نحو الماهية المهملة و هذا اللحاظ هو الاصل كما عرفت فلا يعدل الذهن عنه إلا إذا وجد مانع منه و ذلك مثل (اعتق رقبة) تصدق ... و نحو ذلك بل غالبا ما يكون الذهن‏

18

العقلية)، كما سيأتي، و ليس هما من مباحث الألفاظ. و كذلك بحث مقدمة الواجب و مسألة الضد و مسألة الإجزاء ليست من مباحث الألفاظ

____________

مضطرا الى ملاحظة الماهية على نحو المهملة و ذلك في فرض ان التكليف بإيجاد جميع المصاديق تكليف محال.

الثاني: ان تلحظ على نحو الماهية السارية و ذلك في المواضع التي يرى العرف لغوية الأمر بمصداق واحد و ذلك مثل (اطع اباك) فإن العرف هنا يأبى ان يلحظ ماهية الطاعة على نحو صرف الوجود حتى يكفي مجرد طاعة واحدة لأنه يرى ان هذا الأمر لغو ضرورة ان الانسان عادة ما تصدر منه عشرات مصاديق الطاعة فالأمر بواحد منها يكون لغويا تحصيلا للحاصل فلذا يضطر الذهن الى ملاحظة ماهية الطاعة على نحو الماهية السارية في جميع المصاديق.

و من هذا القبيل حافظ على نفسك فإنه يرى لغوية الأمر بمصداق واحد إما لما تقدم في مثال الطاعة و اما لان العرف يرى ان جميع المصاديق بمنزلة مصداق واحد فلا يرى ان المحافظة على الحياة لها مصاديق متعددة و بالتالي فلا يمكنه ان يلحظ ان الأمر متعلق بمصداق واحد.

الثالث: ان تلحظ الماهية على نحو الماهية السارية في مصاديق كثيرة عرفا او قل ان السريان يكون عرفيا لا دقيا عقليا و ذلك حيث يرى العرف استحالة الأمر بجميع المصاديق كما يرى ان الأمر بمصداق واحد ترجيح بلا مرجح لان المناط موجود في جميع المصاديق و ذلك مثل كثير من الاوامر مثل (اطعم المساكين) فلا يمكنك ان تحمله على الاستغراق العقلي لاستحالة ذلك على المكلف العادي كما لا يمكنك ان تحمله على مصداق واحد لانك تراه انه ترجيح بلا مرجح فتضطر الى حمله على نحو السريان العرفي اي اكثر من اطعام المساكين و من هذا القبيل معظم المستحبات مثل اقرأ القرآن و الاحاديث و اكرم العلماء و زاحمهم بركبتيك و غير ذلك.

الأمر الثالث و هو انك قد تسال ان النهي في نحو (لا تزن) هو زجر تعلق بالماهية السارية فيكون تكليفا واحدا متعلقا بجميع المصاديق فيرد عليه عين ما اوردته على المذهب المشهور.

19

أيضا. و سنذكر الجميع في المقصد الثاني (المباحث العقلية) إن شاء اللّه تعالى.

____________

و الجواب: ان هذا الايراد غير وارد علينا لان لحاظ الماهية على نحو السريان تارة يكون على نحو العموم الاستغراقي و اخرى على نحو العموم المجموعي و إنما يرد الاشكال المذكور لو لوحظت الماهية سارية على نحو يكون جميع الافراد معا متعلق الأمر.

و نحن لا ندعي ذلك بل ندعي انها تلاحظ سارية على نحو العموم الاستغراقي، و سبب انها تلاحظ كذلك هو فهم العرف ان كل واحد من المصاديق يترتب عليه مفسدة فيلزم ان يكون له نهي خاص و تفصيل المطلب له مقام آخر هو مقام العموم و ياتي بيانه هناك بحول اللّه تعالى و قوته و بهذا ينتهي الكلام في الأمر الأول.

الأمر الثاني: و هو في بيان الفرق بين الوجوب و الحرمة.

فقد يتوهم متوهم ان الفرق هو في الدليل فإن كان الدليل بصيغة الأمر نحو (اترك شرب الخمر) كان متعلق الأمر و هو (ترك شرب الخمر) واجبا و ان كان الدليل بصيغة النهي نحو (لا تترك الصلاة) كان متعلق النهي حراما.

و الحاصل ان الحكم بالحرمة او الوجوب تابع للصيغة فكل ما تعلقت به صيغه النهي هو حرام و كل ما تعلقت به صيغه الأمر هو واجب حتى يقال ان الصلاة واجبة لانها وقعت مأمورا بها، و تركها حرام لوقوع الترك منهيا عنه في نحو (لا تترك الصلاة).

و لكن هذا التوهم فاسد ناشئ من عقلية قديمة هي عقلية الجمود على الالفاظ.

فالحق ان الفرق بينهما ليس بالدليل و الالفاظ بل الفرق بينهما انما هو في عالم الثبوت توضيح ذلك بمقدمات.

الأولى ان المولى تعالى شانه جل عن ان يحكم بحكم اعتباطا و بلا ملاك في حكمه فإذا حكم بحكم لزم ان يكون له مناط و هذا واضح.

الثانية ان الافعال تارة تكون ذا مصلحة مثل الصلاة و اخرى تكون ذا

20

مفسدة مثل الزنى.

الثالثة ان الاحكام الشرعية جميعها انما هي قوانين اعتبارية و مقتضى الحكمة في الاعتبار ان يكون مناسبا مع الملاك فمثلا إذا كان الفعل ذا مصلحة فالحكمة ان يكون القانون المضروب في اللوح المحفوظ هو وجوبه لا حرمة تركه لان الاعتبار و القانون تابع للملاك فاذا كان الملاك هو مصلحة الفعل فهذا الملاك يقتضي اولا الالزام بالفعل فيجب ان يكون القانون هو وجوب الفعل.

نعم قد يكون تشريع وجوب الفعل يستلزم تشريع حرمة تركه لكن هذا بحث آخر يأتي التعرض له في محله.

اذا عرفت هذه المقدمات فنقول ان الوجوب هو قانون شرعي مضروب في اللوح المحفوظ عبارة عن الالزام بالفعل و يكون بملاك ان في الفعل مصلحة ملزمة توجب محبوبيته.

و اما الحرمة فهي قانون شرعي مضروب في اللوح المحفوظ عبارة عن المنع عن الفعل و يكون بملاك ان في الفعل مفسدة ملزمة توجب مبغوضيته.

فالفرق بين الوجوب و الحرمة في ثلاث مواضع.

الأول: ان ملاك الوجوب هو مصلحة الفعل و ملاك الحرمة مفسدته.

الثاني: ان الوجوب ينشأ عن محبوبية الفعل بينما الحرمة تنشأ عن مبغوضية الفعل.

الثالث: ان اعتبار الوجوب هو الالزام بالفعل بينما اعتبار الحرمة هو المنع عنه.

فظهر ان الفرق هو في هذه المواضع لا في الالفاظ فانه قد يعبر عن الحرام بالأمر بالترك كما قد يقول اترك شرب الخمر و اجتنب الزنا كما قد يعبر عن الواجب بالنهي عن تركه نحو اياك ان تترك الصلاة و نحو ذلك.

فان قلت: اذا كان الفرق بين الحرمة و الوجوب هو في تلك المواضع‏

21

الثلاثة لا في الالفاظ و الادلة فمعنى ذلك ان ينسد علينا طريق معرفة المحرمات من الواجبات ضرورة انه لا طريق لنا الى معرفة الملاك و لا المحبوبية و المبغوضية و لا الاعتبار المضروب في اللوح المحفوظ. و إنما الطريق الوحيد هو الادلة فاذا اسقطت اعتبار الادلة لم نجد طريقا آخر في الوصول الى التمييز بين المحرمات و الواجبات.

قلت بل امامنا طريقان.

الأول: الاخبار الواردة الدالة على ان هذا الفعل فيه مصلحة و محبوبا او فيه مفسدة و مبغوضا كما ورد في الصلاة و الصيام و الزكاة و الحج و غير ذلك و كذا ما ورد في شرب الخمر و الغيبة و غير ذلك من المتفرقات.

الثاني: الفهم العرفي فان العرف بما له من الارتكاز و المسلمات يدرك ان في هذا الفعل مصلحة او مفسدة فاذا جاء الدليل يفهم انه يحرمه او يوجبه فمثلا (الصلاة) يستقر في ذهن العرف انها من الاعمال ذوات المصالح المحبوبة فاذا قال الدليل (لا تترك الصلاة) فهم العرف انه ايجاب للصلاة و كذا يفهم ان الكذب من الاعمال المبغوضة ذوات المفاسد فاذا قال الدليل (اجتنب الكذب) فهم العرف انه تحريم للكذب و هذا الفهم العرفي مستوجب لظهور الدليل في الكاشفية عن الاعتبار الشرعي فيكون حجة في ذلك و عليه مجرى العقلاء و الفقهاء في تسمية الافعال بالمحرمات او بالواجبات.

22

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

23

الباب الرابع المفاهيم‏

24

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

25

تمهيد:

في معنى كلمة (المفهوم)، و في النزاع في حجيته، و في أقسامه.

فهذه ثلاثة مباحث:

1- معنى كلمة المفهوم‏

تطلق كلمة المفهوم على ثلاثة معان:

1- المعنى المدلول للفظ الذي يفهم منه، فيساوق كلمة المدلول، سواء كان مدلولا لمفرد أو جملة، و سواء كان مدلولا حقيقيا أو مجازيا.

2- ما يقابل المصداق، فيراد منه كل معنى يفهم و إن يكن مدلولا للفظ، فيعم المعنى الأول و غيره.

____________

قوله (ره): (المعنى المدلول للفظ الذي يفهم منه ...).

اقول: فهو بهذا المعنى اسم مفعول اي ما دل عليه اللفظ سواء كان اللفظ مفردا او مركبا ناقصا او تاما و سواء كانت دلالة اللفظ عليه بطريق الحقيقة او المجاز.

قوله (ره): (ما يقابل المصداق فيراد ...).

اقول: هذا المعنى هو المدلول بالاصطلاح المنطقي و يراد به الصورة الذهنيّة سواء جاءت بواسطة دال (لفظ او غيره) او جاءت بدون واسطة دال‏

26

3- ما يقابل المنطوق، و هو أخص من الأولين. و هذا هو المقصود بالبحث هنا. و هو اصطلاح أصولي يختص بالمدلولات الالتزامية للجمل التركيبية سواء كانت إنشائية أو إخبارية، فلا يقال لمدلول المفرد مفهوم و إن كان من المدلولات الالتزامية.

أما المنطوق فمقصودهم منه ما يدل عليه نفس اللفظ في حد ذاته على وجه يكون اللفظ المنطوق حاملا لذلك المعنى و قالبا له، فيسمى المعنى (منطوقا) تسمية للمدلول باسم الدال. و لذلك يختص المنطوق بالمدلول المطابقي فقط، و إن كان المعنى مجازا قد استعمل فيه اللفظ بقرينة.

____________

كما لو حضرت الى الذهن تخيلا و تذكرا و نحو ذلك.

و الحاصل ان المراد بهذا الاصطلاح هو الصورة الذهنيّة سواء كانت مركبه او مفردة.

و هو بهذا المعنى اعم من المدلول بالمعنى السابق لأن المدلول بالمعنى السابق هو الصورة الذهنيّة الحاضرة بواسطة دال هو اللفظ و اما المدلول بهذا المعنى فهو كل صورة ذهنيّة على الاطلاق.

قوله (ره): (ما يقابل المنطوق و هو اخص من ...).

اقول: و هو بهذا المعنى عبارة عن (صورة ذهنيّة هي بعض ما يدل عليه بعض الألفاظ) فليس كل لفظ يدل على المفهوم بل بعض الألفاظ المخصوصة و سيأتي بيانها.

كما ان هذه الألفاظ المخصوصة لها مداليل عديدة بعضها هو المفهوم و بذلك احتاج المفهوم الى بيان ضابطه تميزه عن غيره. و سيأتي بيانها.

قوله (ره) (و لذلك يختص المنطوق بالمدلول المطابقي فقط ...

إلخ).

اقول: أشار بكلامه هذا إلى أن المعنى المجازي هو أيضا مدلول مطابقي و هو في غاية المتانة.

و قد يتوهم بعض من لا خبرة له بأن المعنى المجازي مدلول‏

27

و عليه، فالمفهوم الذي يقابله ما لم يكن اللفظ حاملا له دالا عليه بالمطابقة و لكن يدل عليه باعتباره لازما لمفاد الجملة بنحو اللزوم البين بالمعنى الأخص. و لأجل هذا يختص المفهوم بالمدلول الالتزامي.

____________

التزامي.

و هو توهم فاسد ناشئ عن الاغترار ببعض تعريفات الدلالة المطابقية بأنها دلالة اللفظ على تمام ما وضع له و هذه التعاريف مبنية على المسامحة لغلبة استعمال اللفظ فيما وضع له.

فالتدقيق في الدلالة المطابقية يعطي أنها دلالة اللفظ على تمام المعنى الذي استعمل فيه اللفظ و بهذا تشمل المعنى المجازي أيضا فإنه تمام المعنى الذي استعمل فيه اللفظ.

قوله (ره) (و عليه فالمفهوم الذي يقابله ما لم يكن اللفظ حاملا له ...).

أقول: هذا شروع في بيان الضابطة التي يتميز بها المفهوم عن المنطوق و غيره و قد ذكر عدة ضوابط نذكر أهمها:

الأول: ما ذكره المصنف (ره) تبعا للعلامة النائيني (ره) و حاصله أن المفهوم مدلول التزامي و يميزه عن بقية المعاني الالتزامية أنه لازم بين بالمعنى الأخص فللمفهوم ثلاثة أركان تميزه عن غيره.

الأول: أنه مدلول مركب للجمل التركيبية.

الثاني: أنه مدلول التزامي و هذا يميزه عن المنطوق لأنه مطابقي.

الثالث: أن لزمه بين بالمعنى الأخص و هذا يميزه عن بقية المداليل الالتزامية فإن لزومها بين بالمعنى الأعم أو غير بين أصلا.

و يرد عليه أمور:

الأول: أن معنى اللزوم البين بالمعنى الأخص هو أن حضور الملزوم في الذهن يستحيل أن ينفك عن حضور اللازم فيه. و عليه فإذا قلنا أن المفهوم لازم للمنطوق و قلنا أن لزومه بين بالمعنى الأخص لزم استحالة انفكاك المعنى المنطوق عن المعنى المفهوم في الذهن. هذا

28

مثاله: قولهم «إذا بلغ الماء كرا لا ينجسه شي‏ء». فالمنطوق فيه هو مضمون الجملة و هو عدم تنجس الماء البالغ كرا بشي‏ء من النجاسات. و المفهوم- على تقدير أن يكون لمثل هذه الجملة مفهوم- أنه إذا لم يبلغ كرا يتنجس.

____________

مع أن الانفكاك بينهما شاهد بالوجدان فكثيرا ما يحضر في الذهن المنطوق دون أن يحضر المفهوم فيه بل يحتاج إحضاره إلى إلفات نظر.

الثاني: أن دعوى أن المفهوم هو المنفرد بكونه على نحو اللزوم البين بالمعنى الأخص مصادمة للوجدان فكثير من اللوازم غير المفهوم تكون لازمة بالمعنى الأخص كالشجاعة للأسد و كعدم الأمر بالشي‏ء عند النهي عن ضده. أو عدم الأمر بالضد عند النهي عن ملازمه و لأجل ما ذكرناه و نحوه اضطر بعض الأعلام أن يختار الضابط الثاني الآتي.

الضابط الثاني: أن المفهوم لازم بين بالمعنى الأخص. و يميزه عن غيره عدم الاحتياج إلى مقدمة خارجية فيخرج المعاني اللزومية المحتاجة إلى مقدمة خارجية مثل وجوب المقدمة المفهوم من إيجاب شي‏ء. و حرمة الضد المفهوم من إيجاب شي‏ء.

أقول: يرد عليه أمور:

الأول: أن المفهوم متوقف على حكم العقل بأن انتفاء العلة المنحصرة يستلزم انتفاء المعلول و هذا الحكم مقدمة خارجية.

الثاني: ما عرفته آنفا أن المفهوم ليس لازما بينا بالمعنى الأخص للمنطوق إذ كثيرا ما يحضر المنطوق في الذهن دون حضور المفهوم فيه.

الضابط الثالث: و ذكره السيد الشهيد السعيد (ره). و حاصله أن المفهوم لازم للربط بين جزئي القضية و ليس لازما لنفس الجزءين و بذلك امتاز المفهوم عن غيره فالمفهوم من الجملة الشرطية أو غيرها استفيد من الربط الخاص بين الجزاء و الشرط أو بين الصفة و الحكم أو

29

و على هذا يمكن تعريفهما بما يلي:

المنطوق: «هو حكم دل عليه اللفظ في محل النطق».

و المفهوم: «هو حكم دل عليه اللفظ لا في محل النطق».

و المراد من الحكم: الحكم بالمعنى الأعم، لا خصوص أحد الأحكام الخمسة.

____________

نحو ذلك. بينما وجوب المقدمة استفيد من نفس وجوب ذي المقدمة لا من نحو ربط الحكم لا من الربط نعم مع الغض عن ذلك فهذا الضابط أقوى الضوابط في المقام إلا أنه مبني على ما سلكه المشهور من استفادة المفهوم من المنطوق بما هو لفظ و سيأتي فساده و بيان أن استفادة المفهوم من المنطوق إنما كان بملاحظة المنطوق بما هو فعل.

الضابط الرابع: و هو المختار و حاصله أن المفهوم هو المعنى المستفاد من اللفظ لا بما هو لفظ بل بما هو فعل.

توضيح ذلك أن القضية الشرطية مثلا تحكم فيها بوجوب إكرام زيد عند نجاحه. فإن العقلاء عند ما يسمعون هذا التعليق يقولون إن العاقل لا يفعل فعلا إلا لغرض لأنه عاقل غير عابث و من ثم فهذا التعليق لا بد أن يكون له غرض و لا يصح أن يكون الغرض بنظر العرف سوى عدم وجوب إكرامه عند عدم نجاحه.

و الحاصل أن المتكلم يذكر المنطوق على نحو خاص يستوجب تساؤل العقلاء لما ذا ذكر المنطوق على هذا النحو و لا يكون جواب التساؤل مقبولا عند العرف إلا بالمفهوم فإذا قال المتكلم (إذا نجح زيد فأكرمه) يتساءل العرف و العقلاء أنه لما ذا جعل الأمر بالإكرام معلقا على النجاح.

فهذا التعليق لا بد أن يكون له سبب. فلو كان غرضه وجوب الإكرام حتى عند عدم النجاح كان التعليق المذكور حينئذ لغوا فدفعا للغوية التعليق يحكم العرف أن غرضه عدم وجوب الإكرام في حال عدم النجاح.

30

و عرفوهما أيضا بأنهما حكم مذكور و حكم غير مذكور، و أنهما حكم لمذكور و حكم لغير مذكور، و كلها لا تخلو عن مناقشات طويلة الذيل. و الذي يهون الخطب أنها تعريفات لفظية لا يقصد منها الدقة في التعريف، و المقصود منها واضح كما شرحناه.

2- النزاع في حجية المفهوم‏

لا شك أن الكلام إذا كان له مفهوم يدل عليه فهو ظاهر فيه، فيكون حجة من المتكلم على السامع، و من السامع على المتكلم، كسائر الظواهر الأخرى.

____________

و لاجل ذلك قلنا ان المفهوم هو معنى استفيد من اللفظ لا بما هو لفظ بل بما هو فعل محمول على الصحّة.

و هذا الذي ذكرناه يدخل تحته مفهوم الموافقة و ذلك لأن القائل (لا تقل اف لوالديك) يستفيد منه العرف النهي عن الضرب لأن العرف يقول ان تحريم الأفّ دون تحريم الضرب من الأمور غير العقلائيّة.

و سيأتي ان هذا المبنى في تفسير المفهوم يندفع به عدة اعتراضات آتية.

قوله (ره) (لا شك ان الكلام اذا كان ...).

اقول: حاصله ان البحث قد يتخيل بصور.

الأول: ان الجملة الكذائية (الشرطية مثلا) ظاهره في المفهوم فهل يجوز الأخذ بهذا الظهور ام لا.

الثاني: ان الجملة الكذائية (الشرطية مثلا) دالة على المفهوم و لكن الكلام في انها ظاهره فيه او غير ظاهره فيه.

الثالث: ان الجملة الكذائية (الشرطية مثلا) هل هي دالة و ظاهره بالمفهوم ام لا.

و التصوير الصحيح للبحث هو الثالث و اما الأولان فواضحا البطلان.

31

إذن، ما معنى النزاع في حجية المفهوم حينما يقولون مثلا: هل مفهوم الشرط حجة أو لا؟.

و على تقديره، فلا يدخل هذا النزاع في مباحث الألفاظ التي كان الغرض منها تشخيص الظهور في الكلام و تنقيح صغريات حجية الظهور، بل ينبغي أن يدخل في مباحث الحجة كالبحث عن حجية الظهور و حجية الكتاب و نحو ذلك.

و الجواب: إن النزاع هنا في الحقيقة إنما هو في وجود الدلالة على المفهوم، أي في أصل ظهور الجملة فيه و عدم ظهورها. و بعبارة أوضح، النزاع هنا في حصول المفهوم للجملة لا في حجيته بعد فرض حصوله.

فمعنى النزاع في مفهوم الشرط- مثلا- أن الجملة الشرطية مع قطع النظر عن القرائن الخاصة هل تدل على انتفاء الحكم عند انتفاء الشرط؟ و هل هي ظاهرة في ذلك؟.

لا أنه بعد دلالتها على هذا المفهوم و ظهورها فيه يتنازع في حجيته، فإن هذا لا معنى له، و إن أوهم ذلك ظاهر بعض تعبيراتهم، كما يقولون مثلا: مفهوم الشرط حجة أم لا. و لكن غرضهم ما ذكرنا.

كما أنه لا نزاع في دلالة بعض الجمل على مفهوم لها إذا كانت لها قرينة خاصة على ذلك المفهوم، فإن هذا ليس موضع كلامهم.

____________

اما الأول فلأنه بعد ثبوت الظهور يكون الظهور حجه و لو نوقش في الحجيّة كان النقاش محله مباحث الحجّة لا هنا.

و الحاصل ان البحث في المفهوم هنا انما كان بصدد إثبات الظهور بالمفهوم او بعدمه.

اما الثاني فلوضوح فساده اذ لا فرق بين الدلالة و الظهور فلا وجه للاعتراف بالدلالة و الشك في الظهور.

فانقدح ان طريقه البحث هي هكذا. هل الجملة الكذائية. الشرطية مثلا ظاهره في المفهوم ام لا. فبعضهم يقول ظاهره و بعضهم يقول غير ظاهره.

32

بل موضوع الكلام و محل النزاع في دلالة نوع تلك الجملة كنوع الجملة الشرطية على المفهوم مع تجردها عن القرائن الخاصة.

3- أقسام المفهوم‏

ينقسم المفهوم إلى مفهوم الموافقة و مفهوم المخالفة:

____________

قوله (ره): (بل موضوع الكلام و محل النزاع في دلالة نوع تلك الجملة ...).

اقول: الجمل التي ستأتي كالشرطية و الوصفية و غيرها على ثلاثة اضرب.

الأول: ان يكون معها قرينة تدل على ان المتكلم لم يرد المفهوم.

الثاني: ان يكون معها قرينة تدل على ان المتكلم قد اراد المفهوم.

الثالث: ان تكون مجردة عن اي قرينة تدل على إرادة المفهوم او عدم ارادته.

اما الضرب الأول فلا خلاف و لا نزاع في لزوم اتباع القرينة و الالتزام بعدم دلالة الجملة على المفهوم.

و اما الضرب الثاني فكذلك لا خلاف و لا نزاع في لزوم اتباع القرينة و الالتزام بدلالة الجملة على المفهوم.

و اما الضرب الثالث فهو محل النزاع و الخلاف فمنهم من يقول ان الجملة تدل على المفهوم و منهم من يقول بأنها لا تدل على المفهوم.

قوله (ره): (ينقسم المفهوم الى مفهوم الموافقة و مفهوم المخالفة ...).

اقول الفرق بينهما ان المفهوم ان كان حكمه موافقا في الاثبات و النفي لحكم المنطوق كان المفهوم مفهوم موافقه و ان كان حكمه مخالفا في الإثبات و النفي لحكم المنطوق كان المفهوم مفهوم مخالفه.

و مثالهما ما لو قال المولى (اذا أسلم زيد فلا تقل له اف) فهذه القضية الواحدة لها مفهومان. و اما حكمها فهو بعدم جواز ان يقال لزيد (اف) حين اسلامه.

33

1- مفهوم الموافقة: ما كان الحكم في المفهوم موافقا في السنخ للحكم الموجود في المنطوق، فإن كان الحكم في المنطوق الوجوب- مثلا- كان في المفهوم الوجوب أيضا، و هكذا.

كدلالة الأولوية في مثل قوله تعالى:

فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍ‏

على النهي عن الضرب و الشتم للأبوين و نحو ذلك مما هو أشد إهانة و إيلاما من التأفيف المحرم بحكم الآية.

و قد يسمى هذا المفهوم (فحوى الخطاب). و لا نزاع في حجية مفهوم الموافقة، بمعنى دلالة الأولوية على تعدي الحكم إلى ما هو أولى في علة الحكم و له تفصيل كلام يأتي في موضعه.

____________

فمفهومها الأول هو جواز ان يقال له اف قبل إسلامه و هذا حكم مثبت مخالف للمنطوق الذي حكمه منفي.

و مفهومها الثاني انه اذا اسلم لا يجوز ضربه و إهانته بما هو اشد من الأف و هذا حكم منفي موافق للمنطوق. و هكذا في سائر المفاهيم.

قوله (ره): (و لا نزاع في حجيّة مفهوم الموافقة بمعنى دلالة الأولوية ...).

اقول: مراده لا نزاع في دلالة القضية على مفهوم الموافقة و اذا دلت القضية عليه و كانت ظاهره فيه فلا ريب في حجيته لحجيّة الظهور.

فإن قلت هذا قياس اي انتقال من حكم الى حكم آخر بسبب اتحادهما في العلّة و هذا هو القياس المحرم.

قلت الانتقال لم يكن بسبب الاتحاد في العلّة بل بسبب ان النص كان ظاهرا في بيان حكم الآخر فقوله (لا تقل لهما اف) كما هو ظاهر في تحريم الأفّ كذلك هو ظاهر في تحريم الضرب و الشتم بحيث ان كل سامع عرفي يفهم ان الآية اريد منها كل ذلك فنحن انما نعمل بالظهور.

و هذا هو الفرق بين فحوى الخطاب و بين القياس و تفصيل الكلام في مبحث الحجج.

ثم ان هنا مقدمات اخرى قبل الشروع في مفهوم الشرط.

34

2- مفهوم المخالفة: ما كان الحكم فيه مخالفا في النسخ للحكم الموجود في المنطوق، و له موارد كثيرة وقع الكلام فيها نذكرها بالتفصيل، و هي ستة:

____________

الأولى زعم بعض المحققين ان المفهوم ينقسم الى قسمين.

الأول خبري اي ان المفهوم لسانه لسان الاخبار مثل (ان جاء زيد فهو مؤمن) فإن مفهومها (ان لم يأت زيد فهو ليس بمؤمن) فهذا المفهوم خبري لأن جزاؤه جملة خبريه.

الثاني: إنشائي اي ان المفهوم لسانه لسان الانشاء مثل (إن جاءك زيد فاكرمه) فإن مفهومها (إن لم يأتك زيد فلا تكرمه) و هذا المفهوم إنشائي لأن جزاءه جملة إنشائية و من الواضح ان إنشائية الجملة الشرطية او خبريتها تتبع الجزاء.

هذا و لكنه تقسيم لا اصل له و ذلك لأن المفهوم كما هو مذهب المشهور بل لعله لا مخالف فيه إنما هو انتفاء الجزاء عند انتفاء الشرط و عليه فالمفهوم في (إن جاءك زيد فأكرمه) إنما هو (إن لم يأتك زيد فلا يجب أن تكرمه) اي يكون الجزاء عدم انشاء الأمر بالاكرام و بعضهم تسامحا يقول ان المفهوم هو (ان لم يأتك زيد فلا تكرمه) و مراده النهي الواقع في مقام توهم الايجاب الذي لا يدل سوى على عدم الايجاب كما ان الأمر في مقام توهم الحظر لا يدل على الوجوب و انما يدل على عدم الحرمة.

فمراد من يقول ان المفهوم هو (لا تكرمه) انما هو عدم الايجاب و التعبير بالنهي انما هو لأن النهي في مقام توهم الايجاب لا يدل على الحرمة بل يدل على عدم الايجاب.

فالمفهوم اذن هو هكذا (إن لم يأتك زيد فلا يجب اكرامه) و هذا إخبار كما لا يخفى.

و هكذا يكون مفهوم المخالفة دائما إخبار لأنه عبارة عن نفي حكم المنطوق لا ايجاد حكم غيره.

و هذا الذي ذكرناه نص عليه المحقق القمي في قوانينه قال ص 182

35

1- مفهوم الشرط.

2- مفهوم الوصف.

3- مفهوم الغاية. 4- مفهوم الحصر.

5- مفهوم العدد.

6- مفهوم اللقب.

____________

(الثالثة مقتضى المفهوم المخالف انما هو رفع الحكم الثابت للمذكور على الطريقة الثابتة للمذكور و قد وقع هنا توهمان احدهما ما اشرنا اليه سابقا من ان مفهوم قولنا اعط زيدا ان اكرمك لا تعطه ان لم يكرمك و هو باطل لأن رفع الايجاب هو عدم الوجوب و هو اعم من الحرمة التي هي مقتضى النهي نعم اذا كان الحكم الموافق هو الجواز بالمعنى الاعم يكون مفهومه كقوله (ص) (كل ما يؤكل لحمه يتوضأ من سؤره و يشرب فإن مفهومه ان كل ما لا يؤكل لحمه لا يتوضأ من سؤره و لا يشرب فإنه و إن كان مفهومه الصريح نفي الجواز لكنه ملزوم للحرمة) انتهى كلامه.

الثانية: ان هذه المسألة (اي مسألة المفاهيم) هي من المسائل اللفظيّة اي الكلام فيها في البحث عن كون اللفظ ظاهرا في المفهوم و دالا عليه ام لا. نعم قد يكون سبب الظهور في المفهوم هو قضية عقلية أو قضية عرفية بينه و لكن كون سبب الظهور عقليا او عرفيا لا ينفي كون البحث عن ظهور الألفاظ فتدخل تحت المسائل اللفظيّة.

الثالثة: مبنى المشهور بل كاد يكون إطباقا هو ان مفهوم الموافقة على نسق مفهوم المخالفة اي من سنخ واحد و قد عبرنا مثلهم عند الكلام على تمييز المفهوم عن غيره.

و لكن الانصاف و مراجعه العرف و الوجدان الصافي كل ذلك يشهد بخلاف ذلك بل سنخ مفهوم الموافقة يختلف عن سنخ مفهوم المخالفة فإن الثاني كما عرفت جاء من قبل ان اللفظ بما هو فعل يدل على إرادة المفهوم و بعبارة اخرى ان تعليق الحكم على الشرط مثلا هو عمل لا مبرر له عند العرف إلا ان يكون مراد المتكلم انتفاء الحكم عند انتفاء الشرط.

هذا في مفهوم المخالفة و اما مفهوم الموافقة فهو داخل في سلك الكناية فكما تقول (زيد كثير الرماد) تريد انه كريم من طريق الاخبار باللازم‏

36

فينتقل الذهن الى الملزوم.

و كذلك تقول (صارت الساعة الواحدة) تريد الاخبار بأنه يجب وضع مائدة الطعام من طريق الاخبار باللازم و هو صيرورة الساعة الواحدة اذا فرض وجود ملازمه في الذهن بين صيرورة الساعة الواحدة و بين وجوب وضع المائدة و قد نبهنا على ذلك في مبحث صيغه الأمر. فراجع.

و مفهوم الموافقة من هذا القبيل فإنه يقول (لا تقل لهما اف) يريد الاخبار بأن كل أذية لهم حرام و ذلك عن طريق الاخبار باللازم (و هو حرمه قول اف) للانتقال الى الملزوم و هو حرمة كل أذية و ذلك لوجود ملازمه عرفية في الذهن بين تحريم الأفّ و تحريم كل أذية.

و لذا نقول ان مفهوم الموافقة لا يختص بتحريم الاعلى بل و لا المساوي بل يشمل تحريم الادنى ايضا و لذا لو قال عن الظالمين (لا تبن لهم مسجدا) دل على عدم جواز التعامل معهم حتى في الخيرات و ذلك لوجود الملازمة في ذهن العرف بين حرمه التعامل معهم في بناء المسجد و بين حرمه التعامل معهم في كل شي‏ء فالامام (ع) اخبر باللازم و اراد الملزوم اي يحرم التعامل معهم مطلقا و لذا تكون هذه العبارة دالة على حرمة التعامل معهم حتى فيما هو افضل من المسجد كالتعامل معهم في بناء الكعبة اعزها الله تعالى شأنه.

و كذا آية فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍ‏ دالة على تحريم الأذية مطلقا حتى لو فرض تحققها بما هو ادنى من الأفّ.

و لعمري ان هذا الذي ذكرناه من الأمور البديهية عند العرف و لذا لو قال لك مولاك (لا تدفع فلسا) فإنك تفهم انه لا يجوز ان تدفع له نصف فلس ايضا لأن مراد المولى تحريم الدفع مطلقا و انما عبر بالفلس لبيان ادنى المصاديق عرفا. و هذا كله من باب الكناية لا غير ذلك.

فانقدح وجود الفرق العظيم بين مفهوم الموافقة و مفهوم بالمخالفة.

الرابعة: و هي مقدمة عامة يحتاج اليها في جميع بحث مفهوم‏

37

المخالفة. و هي متوقفة على بيان أمر و هو ان المفهوم معنى لازم للمنطوق على مذهب المشهور حيث التزموا ان المفهوم مدلول التزامي للمنطوق الذي هو الملزوم.

و من الواضح ان الملزوم ليس هو تمام المنطوق بل هو خصوصيّة في المنطوق فالمنطوق يدل على وجود هذه الخصوصيّة و هذه الخصوصيّة تكون الملزوم للمفهوم و يكون المفهوم لازما لها فتكون دالة على المفهوم بالدلالة الالتزامية.

و السؤال الذي يرد هنا هو أنه ما هي هذه الخصوصية التي تكون ملزوما للمفهوم.

و هذا السؤال هو اهم ما في بحث المفاهيم و ذلك لأننا اذا عرفنا ما هي هذه الخصوصيّة التي تستلزم المفهوم يسهل علينا معرفة كون الجملة لها دلالة على المفهوم ام ليس لها دلالة على المفهوم.

و ذلك بأن ننظر الى الجملة فنرى انها هل تدل على الخصوصيّة الملزومة للمفهوم ام لا تدل فإن دلت على الخصوصيّة المذكورة علمنا أن الجملة دالة على المفهوم بالالتزام و إن لم تدل الخصوصيّة المذكورة علمنا ان الجملة لا دلالة لها على المفهوم.

فالحاصل ان المفهوم لازم لخصوصيّة معينه إن وجدت في الجملة كانت الجملة دالة على المفهوم بالالتزام و إن لم توجد في الجملة كانت الجملة غير دالة على المفهوم.

و حينئذ يقع الكلام في تعيين ما هي الخصوصيّة و هذا البحث يسمى بين المتأخرين بالبحث في تعيين ضابطه الدلالة على المفهوم او مناط الدلالة على المفهوم او نحو ذلك من العبارات.

اذا عرفت هذا السؤال فنقول ان جوابه سيأتي مفصلا عند تعرض المصنف له في مفهوم الشرط الآتي بحثه فانتظر.

38

الأول- مفهوم الشرط

تحرير محل النزاع:

لا شك في أن الجملة الشرطية يدل منطوقها- بالوضع- على تعليق التالي فيها على المقدم الواقع موقع الفرض و التقدير. و هي على نحوين:

1- أن تكون مسوقة لبيان موضوع الحكم، أي أن المقدم هو نفس موضوع الحكم، حيث يكون الحكم في التالي منوطا بالشرط في‏

____________

قوله (ره): (ان تكون مسوقة لبيان موضوع الحكم ...).

اقول: إن القضية الشرطية تارة يكون لسانها لسان بيان شرط الحكم و هي القسم الثاني.

و تارة يكون لسانها لسان بيان موضوع الحكم. و هي المسماة بالقضية الشرطية المسوقة لبيان موضوع الحكم.

و مناط هذا القسم هو ان يكون الجزاء يستحيل تحققه تكوينا بدون الشرط استحالة عقلية او عادية فمثلا في نحو (ان رزقت ولدا فتصدق بدرهم) ننظر الى الجزاء و هو التصدق بدرهم هل يمكن ان يحصل في الخارج بدون مجي‏ء الولد او لا يمكن فإن كان يمكن قلنا ان هذه القضية مسوقة لبيان شرط الحكم و إن كان لا يمكن قلنا ان هذه القضية مسوقة لبيان موضوع الحكم.

و من الواضح ان التصدق بدرهم مما يمكن ان يحصل في الخارج سواء رزق ولد أو لم يرزق فإذن هذه القضية مسوقة. لبيان شرط الحكم لا مسوقة لبيان موضوع الحكم.

و اما في قضية (ان جاءك ولد فاختنه) فإن الجزاء و هو ختان الولد مما لا يمكن ان يتحقق إلا عند مجي‏ء الولد ضرورة استحالة ختان الولد الذي لم يولد فلذا نقول ان هذه القضية مسوقة لبيان الموضوع و كذا في قضية (إن امرك ابوك فاطعه) فإن الجزاء و هو إطاعة الاب مما لا يمكن ان يتحقق إلا

39

المقدم على وجه لا يعقل فرض الحكم بدونه، نحو قولهم؛ (إن رزقت ولدا فاختنه)، فإنه في المثال لا يعقل فرض ختان الولد إلا

____________

عند صدور الأمر من الاب ضرورة استحالة الطاعة بدون امر لأن الطاعة إنما تتعلق بالأمر فلا طاعة إلا بالأمر و من هنا نقول ان هذه القضية مسوقة لبيان تحقق الموضوع.

و من و هذا القبيل (إن كان عندك زوجة فأحسن إليها) فالجزاء و هو الاحسان الى الزوجة يستحيل ان يتحقق إلا مع الزواج و وجود الزوجة و لذا نقول ان هذه القضية مسوقة لبيان تحقق الموضوع.

ثم ان استحالة تحقق الجزاء بدون الشرط تارة عقلية كالأمثلة السابقة و اخرى تكون عرفية و ذلك مثل (ان جاء زيد من السفر فاضربه) فإن الجزاء و هو ضرب زيد و ان كان ممكنا عقلا سواء جاء زيد من السفر أو لم يأت زيد من السفر اذ يمكن الذهاب اليه و ضربه هناك.

هذا و لكن النظرة العرفيّة هنا هي ان ضرب زيد يستحيل ان يتحقق إلا عند مجي‏ء زيد من السفر فهذه القضية ايضا نقول عنها بأنها مسوقة لبيان تحقق الموضوع.

اذا عرفت هذه القضية يبقى سؤالان.

الأول: لما ذا سميت مسوقة لبيان الموضوع فنقول سميت كذلك لأن الاصل في هذه القضية الشرطية ان لا ينطق الشرط بل يقال يجب ختن الولد. و يقال يجب ضرب زيد و يقال يجب الاحسان الى الزوجة فالشرط ليس له اي دخالة في هذه الاحكام فكان الأصل و القاعدة تقتضي عدم ذكر الشرط.

إلا ان البعض قد يذكر الشرط لدفع اشكال فني و هو ان المخاطب قد لا يكون عنده زوجة و قد لا يكون عنده ولد فإذا قال له يجب ختن الولد او الاحسان الى الزوجة كان هذا الكلام مع هذا المخاطب خاليا من الحكمة و البلاغة إذ يخبره بأحكام لا تتعلق به و لا هو يسأل عنها فيضطر المتكلم لأجل دفع هذا الاشكال ان يذكر له الشرط بحيث يفرض ان الزوجة موجودة

40

او الولد موجود فيقول له ان تزوجت فاحسن الى زوجك و ان رزقت ولدا فاختنه فالشرط انما جي‏ء به لمجرد فرض الموضوع الذي تعلق به الحكم موجودا. كما في نحو (ان امرك ابوك فاطع امره) و مثله هو الغالب.

لكن في بعض الموارد القليلة يكون الشرط انما جي‏ء به لا لفرض الموضوع الذي تعلق به الحكم موجودا بل لفرض وجود إمكانيّة تعلق الحكم به و ذلك في فرض ان يكون الموضوع موجودا و إنما يستحيل تعلق الحكم به بدون الشرط نحو (إن صعدت الى القمر فقبله) فإن الشرط هنا ليس لمجرد فرض الموضوع الذي تعلق به القمر موجودا و ذلك لأن القمر موجود بل الشرط هنا لفرض وجود امكانية تعلق الحكم بالموضوع الموجود و لكن المشهور اطلق على الجميع اسم القضية المسوقة لبيان تحقق الموضوع و لا نقاش في التسمية.

السؤال الثاني: انه هل تدل هذه القضية على المفهوم او لا تدل على المفهوم.

و الجواب هو ان الأصوليين اجمعوا على ان هذه القضية لا دلالة لها على المفهوم.

و لكن الجواب يحتاج الى تبرير و هو انه لما ذا لا تكون هذه القضية الشرطية دالة على المفهوم.

و بعبارة اوضح قد عرفت في المقدمة الرابعة (من المقدمات التي ذكرناها آنفا) ان المفهوم هو عبارة عن معنى لازم لخصوصيّة فإن وجدت الخصوصيّة في الجملة كانت هذه الجملة دالة على المفهوم بالالتزام ضرورة دلالتها على الملزوم.

و الذي نريد ان نقوله (و سوف يتضح عن قريب) هو ان هذه الخصوصيّة الملزومة للمفهوم موجودة في القضية الشرطية المسوقة لبيان الموضوع و عليه فيلزم ان تكون هذه القضية ايضا دالة على المفهوم لاستحالة تخلف اللازم عن الملزوم.

41

و بعبارة اخرى ان الخصوصيّة (التي كلما وجدت في قضية من القضايا وجب دلالتها على المفهوم) موجودة في القضية المسوقة لبيان الموضوع و بالتالي فيلزم ان تكون هذه القضية دالة على المفهوم.

و بعبارة ثالثه واضحة انه لدينا قياس من الشكل الأول مركب من صغرى و كبرى.

اما الصغرى فهي (ان القضية المسوقة لبيان الموضوع يوجد فيها الخصوصيّة الملزومة للمفهوم).

و اما الكبرى فهي (كل قضية وجدت فيها الخصوصيّة الملزومة للمفهوم يجب ان تكون دالة على المفهوم).

و ينتج من هذا القياس البديهي الانتاج نتيجة و هي (ان القضية المسوقة لبيان الموضوع يجب ان تكون دالة على المفهوم).

و لا يخفى ان هاتين المقدمتين الصغرى و الكبرى صحيحتان لكن يتوقف إثباتهما على معرفة الخصوصيّة و سيأتي ذكرها إنشاء الله تعالى.

فانقدح ان القضية الشرطية المسوقة لبيان الموضوع يجب ان تدل على المفهوم و من هنا فجواب المشهور بعدم الدلالة على المفهوم يحتاج الى الخدشة في هذا القياس الذي ذكرناه و قد يحاول ذلك بطريقين.

الأول: ان مفهوم القضية الشرطية المسوقة لبيان الموضوع هو عبارة عن قضية سالبة بانتفاء الموضوع فإن قضية (ان رزقت ولدا فاختنه) لو دلت على المفهوم (الذي هو انتفاء الشرط عند انتفاء الجزاء) لكان هكذا (ان لم ترزق ولدا فلا تختنه) و هذه قضية سالبة بانتفاء الموضوع (اي الولد في المثال) و من الواضح ان هذا المعنى غير مألوف عند العقلاء بل داخل عند العرف في عداد اللغو و العبط.

او قل ان قضية (ان لم ترزق ولدا فلا تختنه) قضية بديهيه لغويّة.

و هذا الطريق هو عبارة عن خدشه في كبرى القياس فإن مقتضى هذا الطريق هو ان تصير الكبرى هكذا (كل قضية وجدت فيها الخصوصيّة

42

الملزومة للمفهوم يجب ان تكون دالة على المفهوم اذا لم يكن لغوا).

اذا عرفت هذا الطريق فنقول انه طريق فاسد قد افسده الشيخ الانصاري (ره) في بعض مباحث آية النبأ.

و وجه فساده ان اللغوية التي توجب منع الدلالة انما هي اللغوية في القضية المستقلّة فإن القضية المستقلّة ان كان معناها لغوا قبح صدورها من المتكلم و اما اذا كانت القضية لها عدة معاني مفيدة و لها معنى التزامي لغو بديهي لم يكن في ذلك اي قبح بل تكون القضية دالة عليه ايضا مثلا قولك (شرب زيد ماء) فإنها قضية مقبولة عرفا و تدل بالدلالة الالتزامية على وجود الماء في الكرة الأرضية التي يوجد عليها زيد و من الواضح ان هذا المعنى الالتزامي بديهي و يلغو ذكره و لكن إنما يلغو ذكره مستقلا حتى اذا قلت (يوجد ماء على الكرة الأرضية) كان خبرا مضحكة للناس و لكن لا يلغو ان تقول (شرب زيد ماء) و إن كان يدل بالدلالة الالتزامية على وجود الماء.

و من هنا لا يصح ان تنكر دلالة (شرب زيد ماء) على قضية (يوجد ماء) بمجرد ان هذه قضية يلغو ذكرها. بل قضية (شرب زيد ماء) ما زالت دالة على وجود الماء و ان كان هذا المدلول الالتزامي في غاية البداهة.

الطريق الثاني: و حاصله انا لا ندعي ان القضية الشرطية بنفسها لا تستلزم هذا المفهوم. بل نحن نقر و نعترف انها تستلزم المفهوم و تدل عليه و لكنا ندعي دعوى اخرى.

و هي ان المتكلم لا يمكن ان يقصد الدلالة على هذا المعنى اللغوي فمثلا اذا قلت (شرب زيد الماء) كانت هذه الجملة بنفسها دالة على وجود الماء في الكون و لكن هذا المعنى لما كان بديهيا كان من القبيح على المتكلم ان يقصد الاخبار به.

و من هنا نقول ان المدلولات البديهية التي يلغو ذكرها دائما لا تكون مقصودة للمتكلم بكلامه. فمن قال (اني احب علي بن ابي طالب (ع)) لا يمكن ان يكون مقصوده الاخبار عن وجود علي بن ابي طالب (ع) و إن كان هذا المعنى لازم كلامه.

43

فالحاصل ان المعاني اللغوية البديهية و ان كانت لازمه للكلام و الكلام بنفسه يدل عليها إلا ان المتكلم لا يمكن ان يقصد الاخبار بها.

و هذا الطريق ايضا هو عبارة عن خدشه في كبرى القياس فإن مقتضاه ان تصير الكبرى هكذا (كل قضية وجدت فيها الخصوصيّة الملزومة للمفهوم يجب ان تكون دالة على المفهوم و يقصد منها المفهوم اذا لم يكن لغوا).

اذا عرفت هذا الطريق فنقول إنه طريق فاسد و ذلك لأمرين.

الأول: ان الاعتراف بوجود الدلالة على المفهوم كاف فنحن لا نريد ان نثبت اكثر من ذلك اي ان القضية الشرطية المسوقة لبيان الموضوع دالة على المفهوم و ان لم يقصد المتكلم الاخبار بهذا المفهوم.

الثاني: ان القصد (بمعنى الالتفات الى المفهوم و قصد الإخبار به) غير متحقق حتى في القضية الشرطية غير المسوقة لبيان الموضوع ففي نحو (اذا جاءك زيد فتصدق عليه) لا يعلم ان المتكلم يقصد إفادة المفهوم اي (اذا لم يأتك فلا تتصدق عليه) بل يمكن الاطمينان غالبا بأن المتكلم لم يلتفت تفصيلا الى المفهوم فضلا عن ان يلتفت الى الإخبار به.

و عليه فلا فرق بين القضية الشرطية المسوقة لبيان الموضوع و بين القضية الشرطية غير المسوقة لبيان الموضوع. في هذه الجهة.

فانقدح فساد الطريقين المذكورين و ينقدح بالتالي أنه يجب الالتزام بأن القضية الشرطية المسوقة لبيان تحقق الموضوع دالة على المفهوم على مذهب المشهور.

و هذا من الاشكالات المتوجهة إلى مذهب المشهور لوضوح أن الوجدان يأبى عن الالتزام بأن القضية الشرطية المسوقة لبيان الموضوع لها دلالة على المفهوم‏

تنبيه: قد يترتب ثمره على القول بأن القضية الشرطية المسوقة لبيان الموضوع لها مفهوم.

و حاصله ان من اقسام هذه القضية ما لو كان الجزاء يستحيل تحققه‏

44

بعد فرض وجوده. و منه قوله تعالى:

وَ لا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً

فإنه لا يعقل فرض الإكراه على البغاء إلا بعد فرض إرادة التحصن من قبل الفتيات.

____________

عرفا بدون الشرط مثل (أن جاء زيد من السفر فصافحه) فهذه القضية مسوقة لبيان الموضوع لأن العرف يرى ان الجزاء لا يحصل بدون الشرط.

و حينئذ فلو فرض اتفاقا ان المكلف هو سافر الى زيد فبناء على القول بأن القضية المسوقة لبيان الموضوع لا دلالة لها على المفهوم لم تدل هذه القضية على عدم وجوب المصافحة.

و اما بناء على ان القضية الشرطية المسوقة لبيان الموضوع دالة على المفهوم يمكن ان يقال ان هذه القضية دالة على عدم وجوب المصافحة لأن مفهومها (إن لم يأت زيد من السفر فلا يجب مصافحته).

و لكن الانصاف عدم صحة هذه الثمرة بناء على مذهب المصنف (ره) من ان الخصوصيّة تستفاد من الإطلاق و ذلك بدعوى عدم الاطلاق و ذلك لعدم كون المتكلم في مقام البيان و ذلك لغفلته عن سفر المكلف الى زيد و هذا الجواب يتضح عما قريب فانتظر.

قوله (ره): (و منه قوله تعالى (وَ لا تُكْرِهُوا ... الآية).

اقول: قد توهم بعض اللغويين كالتفتازاني و غيره ان هذه الآية غير مسوقة لبيان الموضوع و لذا توهم دلالتها على المفهوم ثم وقع في حيص بيص في الإجابة عن توهمه.

و اما المصنف (ره) فقد نبه الى ان الآية مسوقة لبيان الموضوع و ذلك لأن الاكراه هو اجبار الغير على ان يفعل خلاف إرادته.

و من ثم فيستحيل اكراه الفتيات على البغاء إلا اذا فرض ان الفتيات لا يردن البغاء لأنهن إن أردن البغاء كان دعوتهن الى البغاء دعوة الى ما يوافق هواهن و بالتالي لا يكون ذلك إجبارا و اكراه لما عرفت ان الاكراه هو الاجبار على فعل خلاف الإرادة.

نعم قد يتوهم توهمان تستوجب كون الآية غير مسوقة لبيان الموضوع.

45

و قد اتفق الأصوليون على أنه لا مفهوم لهذا النحو من الجملة الشرطية، لأن انتفاء الشرط معناه انتفاء موضوع الحكم، فلا معنى للحكم بانتفاء التالي على تقدير انتفاء المقدم إلا على نحو السالبة بانتفاء الموضوع. و لا حكم حينئذ بالانتفاء، بل هو انتفاء الحكم. فلا مفهوم للشرطية في المثالين، فلا يقال: «إن لم ترزق ولدا فلا تختنه»، و لا يقال: «إن لم يردن تحصنا فأكرهوهن على البغاء».

____________

الأول: ان الانسان على ثلاث حالات الأولى ان يريد البغاء الثانية ان يريد عدم البغاء الثالثة ان يكون مترددا.

فإذا كان مريدا للبغاء لم يمكن اجباره على البغاء و لكن ان كان مترددا امكن اجباره على البغاء و عليه فالإكراه على البغاء يمكن ان يتحقق في حال عدم ارادة التحصن اعني حال التردد.

الثاني: ان الانسان الذي يريد البغاء قد يريده على نحو مخصوص فمثلا قد تكون الفتاة المريدة للبغاء تريده في الليل فقط فيمكن اكراهها على البغاء في النهار و عليه فيمكن اكراه الفتيات على البغاء المخصوص حتى لو كن يردن البغاء بالجملة.

اقول الجواب على هذين التوهمين واحد و هو ان الآية مسوقة لبيان الموضوع بنظر العرف لا بالدقة العقليّة فالعرف يرى ان الاكراه على البغاء انما يكون في صورة ارادة التحصن و اما هاتان الصورتان اللتان ذكرناهما فمما لا يلتفت العرف اليهما.

قوله (ره): (و قد اتفق الأصوليون على انه لا مفهوم ...).

اقول: هذا جواب المصنف على السؤال الثاني المتقدم و ظاهر تتمه كلام المصنف انه برر عدم الدلالة بالطريق الأول من الطريقين المتقدمين لكنك عرفت فساده.

قوله (ره): (إلا على نحو السالبة بانتفاء الموضوع ...).

اقول: قد عرفت ان القضية المسوقة لبيان الموضوع على قسمين.

الأول ان يكون شرطها لأجل فرض وجود الموضوع الذي تعلق به‏

46

2- ألا تكون مسوقة لبيان الموضوع، حيث يكون الحكم في التالي منوطا بالشرط على وجه يمكن فرض الحكم بدونه، نحو قولهم:

«إن أحسن صديقك فأحسن إليه». فإن فرض الإحسان إلى الصديق لا يتوقف عقلا على فرض صدور الإحسان منه، فإنه يمكن الإحسان إليه أحسن أو لم يحسن.

و هذا النحو الثاني من الشرطية هو محل النزاع في مسألتنا، و مرجعه إلى النزاع في دلالة الشرطية على انتفاء الحكم عند انتفاء الشرط، بمعنى أنه هل يستكشف من طبع التعليق على الشرط انتفاء نوع الحكم المعلق- كالوجوب مثلا- على تقدير انتفاء الشرط.

____________

الحكم مثل (ان رزقت ولدا فاختنه).

الثاني ان يكون شرطها لأجل فرض المورد الذي يمكن تعلق الحكم بالموضوع المسلم وجوده مثل (ان صعدت الى القمر فقبله) فإن الموضوع هو القمر موجود و انما الشرط لأجل فرض المورد الخاص الذي يمكن فيه تعلق الحكم بالموضوع.

و من هذا القبيل آية. (وَ لا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ ...).

اذا عرفت ذلك فنقول ان المفهوم الذي يكون على نحو السالبة بانتفاء الموضوع انما هو مفهوم القسم الأول فإن مفهومه (ان لم ترزق ولدا فلا تختنه).

و اما المفهوم في القسم الثاني فليس على نحو السالبة بانتفاء الموضوع بل على نحو السالبة باستحالة المحمول فإن مفهومها (ان لم تصعد الى القمر فلا تقبله) و من الواضح ان الموضوع و هو القمر موجود فقضية (لا تقبله) سلب التقبيل عن القمر الموجود غايته ان المسلوب و هو التقبيل محال في ظرف عدم الشرط.

اللهم إلا أن يريد أن الموضوع هو تقبيل القمر و لكن لا يناسب كلامه.

47

و إنما قلنا (نوع الحكم)، لأن شخص كل حكم في القضية

____________

قوله (ره): (و انما قلنا (نوع الحكم) لأن شخص ...).

اقول هذا شروع في بيان الخصوصيّة التي تستوجب الدلالة على المفهوم. و المصنف (ره) و ان ذكرها هنا في بحث مفهوم الشرط إلا ان هذه الخصوصيّة هي مناط الدلالة على المفهوم في كافة القضايا كما نبهنا عليه سابقا فنقول:

قال المشهور ان هذه الخصوصيّة مركبه من ركنين.

الركن الأول: ان يكون الحكم المعلق هو (نوع الحكم) و بعضهم يعبر ب (سنخ الحكم) و العبارتان بمعنى واحد و مرادهم منها يتضح بعد بيان مقدمة و هي ان الحكم (التصدق) مثلا على قسمين.

الأول: حكم شخصي و المراد به هو الحكم الملحوظ تعينه و انطباقه على موضوع خاص مثلا تقول (من ضحك يجب عليه التصدق) و تلاحظ وجوب التصدق بما هو حكم منطبق على هذا الموضوع (من ضحك) او قل انك تنظر الى حصة خاصة من (وجوب التصدق) و هي الحصة المحمولة على موضوع (من ضحك) فهذه الحصة من الحكم نسميها بشخص الحكم.

و اذا اردت زيادة التوضيح نضرب لك مثلا آخر و هو (العلم) فتارة تنظر اليه كما هو و تارة اخرى تنظر الى حصة خاصة منه و هي الحصة الموجودة في (زيد العالم).

فإذا نظرت الى العلم الخاص هذا سمينا العلم حينئذ بشخص العلم.

و هكذا الحكم مثل (وجوب التصدق) فإن نظرت إلى حصة خاصة منه و هي الحصة الموجودة في موضوع (من ضحك) مثلا. سمينا هذا الحكم حينئذ بشخص الحكم.

القسم الثاني نوع الحكم و هو كلي الحكم دون ان يكون مقيدا بأي موضوع بخلاف (شخص الحكم) فإنه الحكم الخاص الموجود في موضوع خاص.

اذا عرفت هذين القسمين و اتضح عندك معناهما نقول اذا قال المولى‏

48

(المسافر يجب عليه الصدقة) فهذه العبارة تدل على ثبوت حكم وجوب التصدق على موضوع المسافر.

فإذا فرض انتفاء الموضوع فلا ريب في ان شخص الحكم (اي وجوب التصدق الموجود في المسافر) ينتفي بانتفاء المسافر كما ان العلم الموجود في زيد ينتفي بانتفاء زيد.

و هذا لا كلام فيه لأحد فإنه امر بديهي لا نقاش فيه فلا ريب ان العرض الخاص بمعروض ينتفي بانتفاء ذلك المعرض.

و لكن من البديهي أيضا أن انتفاء شخص الحكم بانتفاء الموضوع لا يعني بأي وجه انتفاء نوع الحكم عن غير الموضوع.

مثلا (المسافر يجب عليه التصدق) ففي العالم الذي انتفى عنه عنوان المسافر لا ريب انه ايضا ينتفي عنه شخص الحكم الذي كان موجودا في المسافر (اي الحصة الخاصة من الحكم بوجوب التصدق و هي الحصة التي كانت موجودة في المسافر) لكن هذا المقدار لا يثبت لنا ان العالم لا يجب عليه التصدق و ذلك لبقاء احتمال ان العالم وجد فيه حصه اخرى من الحكم بوجوب التصدق فإن انتفاء حصة خاصة معينه من الكلي عن موضوع لا تستلزم ابدا انتفاء بقية حصص الكلي عن ذلك الموضوع.

و ذلك لوضوح ان انتفاء الجزئي لا يستلزم انتفاء الكلي كما ان انتفاء البياض الخاص الموجود في الثلج عن زيد لا يستلزم انتفاء البياض اصلا عن زيد.

و لأجل هذا قال مشهور المتأخرين بأن المفهوم انما ينفع ان دل على انتفاء كلي الحكم عند انتفاء الشرط او نحوه مثلا لو قال المولى (اذا مرضت وجب عليك التصدق بدرهم) و فرضنا ان المفهوم هو عبارة عن انتفاء الحصة الخاصة من الحكم بوجوب التصدق عند انتفاء المرض.

فإذا فرض ان المفهوم هو على هذا النحو لم ينفعنا اصلا و ذلك لأن هذا المفهوم لا يدل على عدم وجوب التصدق عند السفر مثلا لأن الفرض‏

49

ان المنتفي عند عدم المرض انما هو الحصة الخاصة من وجوب التصدق و من الواضح كما عرفت ان انتفاء الحصة الخاصة من وجوب التصدق عند عدم المرض لا يستلزم انتفاء بقية حصص الحكم بوجوب التصدق عند عدم المرض و بالتالي فإحتمال وجود حصه اخرى من الحكم بوجوب التصدق عند عدم المرض (كالسفر مثلا) احتمال موجود لم يدفعه شي‏ء.

فتحصل ان الذي ينفع انما هو ان يكون المفهوم هو عبارة عن انتفاء كلي الحكم عند انتفاء الشرط فإنه من الواضح انه اذا انتفى الكلي عند انتفاء الشرط يستحيل ان يكون حصة من الكلي موجودة عند انتفاء الشرط مثلا اذا قال المولى (اذا مرضت وجب عليك التصدق) و فرضنا ان المفهوم هو انتفاء كلي الحكم بوجوب التصدق عند انتفاء المرض.

اذا فرضنا ذلك امكننا ان نجزم انه لا يجب التصدق عند السفر و عدم المرض لأن المفروض انتفاء كلي وجوب التصدق عند عدم المرض فكيف نفرض وجوده او وجود حصه منه عند عدم المرض في السفر او غيره.

اذن المفهوم الذي نريد إثباته هو انتفاء نوع الحكم عند انتفاء الشرط في القضية الشرطية او غيره في غيرها. ثم انه لأجل دقة المقام نعيد و نلخص ما ذكرناه في نقاط.

الأولى: ان الحكم تارة يكون كليا و هو الذي لوحظ على سعته غير مقيد بموضوع خاص. و تارة اخرى يكون حصة خاصة و هو الحكم المقيد في موضوع خاص.

الثانية: انه لا ريب في ان انتفاء الموضوع يستلزم انتفاء الحصة الخاصة من الحكم التي كانت موجودة في الموضوع و ذلك لاستحالة وجود العرض في غير معروضه.

الثالثة: ان انتفاء الحصة الخاصة من الحكم عند انتفاء الشرط مثلا لا تنفع شيئا لأن انتفاء الحصة الخاصة من الحكم لا يدل على انتفاء سائر حصص الحكم.

الرابعة: ان الذي ينفع المشهور و يريدون إثباته هو انتفاء كلي الحكم‏

50

الشرطية أو غيرها ينتفي بانتفاء موضوعه أو أحد قيود الموضوع، سواء كان للقضية مفهوم أو لم يكن.

و في مفهوم الشرطية قولان أقواهما أنها تدل على الانتفاء عند الانتفاء.

____________

عند انتفاء الشرط في القضية الشرطية او عند انتفاء الوصف في القضية الوصفية.

إذا عرفت هذه النقاط و لا سيما الثالثة و الرابعة يتضح عندك لما ذا اشترط المشهور في الخصوصيّة الركن الأول و هو أن يكون الحكم الموجود في القضية هو كلي الحكم لا حصه خاصة منه، فإنهم اشترطوا ذلك حتى إذا وجد الركن الثاني (الذي يقتضي انتفاء الحكم عند انتفاء الشرط مثلا) في القضية كان المنتفي هو الكلي لا الحصة.

هذا كله في بيان ما هو مرادهم بالركن الأول.

و يبقى الكلام في ان الجملة الشرطية هل تحتوي على هذا الركن ام لا (اي هل الحكم الموجود فيها هو كلي الحكم لا حصة خاصة منه؟) و هذا السؤال سوف نجيب عليه في مكان آخر لأن غرضنا الآن مجرد بيان الخصوصية التي تستوجب الدلالة على المفهوم في سائر القضايا. هذا كله في الركن الأول.

و أما الركن الثاني: من الخصوصية فهو الدلالة على العلية الانحصارية و سيأتي بيانه عند تعرض المصنف (ره)

تنبيه: قد مثلنا الحكم الشرعي في هذا البحث بالعرض و شبهنا موضوع الحكم الشرعي بالمعروض و هذا مسامحة لوضوح ان الحكم الشرعي امر اعتباري لا عرض موجود في الموضوع. و سوغ هذه المسامحة ان الأعلام يعاملونه معاملة العرض.

قوله (ره): (... ينتفي بانتفاء موضوعه او احد قيود الموضوع ...).

اقول شخص الحكم (اي الحصة الخاصة من الحكم) لا بد ان تحمل‏

51

المناط في مفهوم الشرط:

إن دلالة الجملة الشرطية على المفهوم تتوقف على دلالتها- بالوضع أو بالاطلاق- على أمور ثلاثة مترتبة:

____________

على موضوع و عرفت في البحث السابق أنها تنتفي بانتفاء الموضوع.

و إنما نريد هنا التعليق على عبارة المصنف من جهة اخرى و هي أن موضوع الأحكام الشرعية دائما مركب.

هذا من جهة و من جهة اخرى لا ريب كلما انتفى الجزء انتفى الكل فإذا انتفى جزء المركب انتفى المركب.

و من هنا يقع سؤال انه كيف عطف المصنف (ره) قوله (احد قيوده) على (الموضوع) مع ان انتفاء احد القيود هو عين انتفاء الموضوع.

الجواب احد أمرين.

الأول: ان مراده بالموضوع هو كله بمجموعه اي كأنه قال (انتفى كل اجزاء الموضوع او احد اجزائه).

الثاني: ان مراده عطف السبب على المسبب.

قوله (ره): (المناط في مفهوم الشرط).

اقول قد عرفت ان هذا المناط هو لجميع المفاهيم المخالفة فلو عمم عبارته فقال (المناط في استفادة المفهوم) لكان اولى و احسن.

قوله (ره): (ان دلالة الجملة الشرطية على المفهوم ...).

اقول هذا شروع في بيان الركن الثاني من الخصوصية التي هي مناط المفهوم.

و هذا الركن الثاني هو دلالة القضية على اللزوم العلي الانحصاري أي أن الشرط يلازم الجزاء و علة له بل علة منحصرة بمعنى أنه لا علة أخرى له.

فإذا تم هذا الركن فإذا انتفى الشرط و فرض انه العلة المنحصرة للجزاء لزم انتفاء الجزاء لوضوح ان المعلول لعلة منحصرة ينتفي عند انتفاء العلة المنحصرة.

52

1- دلالتها على الارتباط و الملازمة بين المقدم و التالي.

2- دلالتها- زيادة على الارتباط و الملازمة- على أن التالي معلق على‏

____________

فتحصل من كل ما ذكرناه في ضابط و مناط المفهوم انه مركب من ركنين.

الأول كون الحكم هو سنخ الحكم.

الثاني كون المعلق عليه هو العلة المنحصرة و من الواضح ان انتفاء العلة المنحصرة يستوجب انتفاء المعلول الذي هو سنخ الحكم.

بقي أمور.

الأول لما ذا اشترطوا اللزوم في الركن الثاني.

الجواب انهم اشترطوه لوضوح انه لو كان التقاء الجزاء و الشرط مثلا اتفاقيا لن يثبت في تلك الجملة دلالتها على الثبوت عند الثبوت فضلا عن دلالتها على الانتفاء عند الانتفاء.

الثاني: ما معنى العلية التي جعلوها شرطا في الركن الثاني.

و الجواب يتوقف بيانه على بيان مقدمتين.

الأولى: ان المعلول في محل البحث انما هو الحكم الشرعي و من البديهي ان الحكم الشرعي انما هو اعتبار مولوي و قانون اعتباري كسائر قوانين الدول و تشريعاتها فهي اعتباريات محضة فليس لها وجود خارجي حتى يسأل عن علته التكوينية.

نعم سن القانون و تشريعه و ضربه في اللوح المحفوظ هو فعل من الافعال الاختيارية فيمكن ان تسأل عن فاعلها الذي هو علتها الفاعليّة كما يمكنك ان تسأل عن هدفه و غايته عند ما فعل ذلك الفعل و هذا الهدف هو علته الغائيّة.

و من الواضح ان فاعل التشريع هو الله تعالى و غاياته غير معلومه عندنا تفصيلا و انما نعلم انه تعالى لم يرد ظلما بالعباد.

53

المقدم و مترتب عليه و تابع له، فيكون المقدم سببا للتالي.

و المقصود من السبب هنا هو كل ما يترتب عليه الشي‏ء و إن كان شرطا و نحوه، فيكون أعم من السبب المصطلح في فن المعقول.

3- دلالتها- زيادة على ما تقدم- على انحصار السببية في المقدم، بمعنى أنه لا سبب بديل له يترتب عليه التالي.

____________

فتحصل ان الاحكام الشرعيّة كسائر القوانين لا وجود خارجي لها فلا مجال لأن يسأل عن علته.

نعم سن الحكم الشرعي و تشريعه فعل من الافعال الاختيارية يحتاج الى فاعل و غاية و الفاعل هو الله تعالى و غايته المصلحة.

الثانية: اصطلحوا على تقسيم العلّة الى تامة و ناقصة فالتامة هي الجامعة لجميع اجزاء العلّة (كالسبب و الشرط و المعد و عدم المانع) و هي بحيث لو وجدت استحال عدم وجود المعلول.

و الناقصة و هي احد اجزاء العلّة التامة و غالبا ما تطلق على ما كان مقتضيا للمعلول و على كل حال فغالبا ما يكتفون بكلمة (علة) بدون ان يعبروا بتمام او نقصان.

اذا عرفت هاتين المقدمتين نقول قد اتضح من المقدمة الأولى ان الشرط مثلا لا يمكن ان يكون علة تكوينيه للجزاء الذي هو الحكم الشرعي فمثلا اذا قال (اذا سافرت فقصر) لم يمكن ان يكون السفر هو علة تكوينيه لوجوب التقصير لما عرفت ان الحكم الشرعي لا علة له و تشريعه علته الله تعالى لا السفر.

اذن يبقى سؤال و هو انهم كيف اطلقوا اسم علة على الشرط.

فنقول في الجواب عن هذا السؤال ان الاعلام اصطلحوا على التعبير عن موضوع الحكم الشرعي بأنه علة الحكم الشرعي فيقولون مثلا (ان السفر علة لوجوب التقصير و ان الافطار عمدا في رمضان علة لوجوب التكفير و ذلك لأن السفر هو موضوع الحكم الشرعي بوجوب التقصير كما ان الافطار هو موضوع الحكم الشرعي بوجوب التكفير.

54

و توقف المفهوم للجملة الشرطية على هذه الأمور الثلاثة واضح، لأنه لو كانت الجملة اتفاقية، أو كان التالي غير مترتب على المقدم، أو كان مترتبا و لكن لا على نحو الانحصار فيه- فإنه في جميع ذلك لا يلزم من انتفاء المقدم انتفاء التالي.

____________

و هكذا اصطلحوا على تسمية كل موضوع حكم شرعي بأنه علة لهذا الحكم مع التفاتهم الى ان الموضوع ليس علة بالمعنى الدقيق للكلمة.

و كذلك ايضا اطلقوا جميع اصطلاحات العلة على موضوع الحكم الشرعي فجاءوا بكلمة مقتضى و عدم مانع و شرط و نحو ذلك.

اذا عرفت كل ذلك نقول مرادهم بالعلة في هذا البحث هو الاعم من العلة التامة و العلة الناقصة اعني اعم من تمام اجزاء الموضوع او بعض اجزاء الموضوع.

الثالث: لما ذا اشترطوا العلية في الركن الثاني.

الجواب لأن المفهوم هو الانتفاء عند الانتفاء لا يتحقق إلا اذا كان الشرط علة الجزاء. ضرورة انه اذا لم يكن الشرط علة للجزاء فلا يخلو من حالين.

الأول: ان يكون الجزاء علة الشرط.

الثاني: ان يكون الشرط و الجزاء معلولين معا لعلة ثالثه.

و على هذين الحالين معا لا مجال لثبوت المفهوم.

اما على الأول فلأن انتفاء الشرط حينئذ لا يثبت انتفاء الجزاء فإن الشرط معلول و الجزاء علة حسب الفرض و انتفاء المعلول انما يدل على انتفاء العلة التامة و لا يدل على انتفاء جميع اجزاء العلة فقد ينتفي المعلول و يبقى معظم اجزاء العلة كما هو واضح.

و نمثل له باحتراق ابراهيم (ع) فإن علته التامة هو النار و الملاصقة بها و عدم المانع من الاحتراق. فإذا انتفى الاحتراق عن ابراهيم (ع) علمنا بعدم تحقق جميع اجزاء العلة التامة معا ضرورة استحالة وجود العلة التامة مع عدم وجود معلولها. و لكن لا يمكن العلم بانتفاء كل جزء من اجزاء العلة ضرورة

55

انه لا مانع من وجود عدة اجزاء من العلة مع انتفاء المعلول كما حدث فعلا في قضية ابراهيم (ع) حيث وجدت النار و لاصقها ابراهيم (ع) و مع ذلك لم يحترق و ذلك لوجود المانع.

فتحصل انه اذا كان الجزاء علة ناقصة فانتفاء الشرط الذي هو معلوله لا يستلزم انتفاء الجزاء الذي هو العلّة الناقصة. هذا كله مع غض النظر عن ان هذا الفرض خارج عن محل البحث كما لا يخفى على المتأمل‏ (1).

اما على الثاني فلأن انتفاء الشرط حينئذ لا يثبت انتفاء الجزاء أيضا و ذلك لأمرين.

الأول: أن انتفاء الشرط إنما يثبت انتفاء علته و التي هي علة الجزاء ايضا فيستحيل ان يوجد الجزاء بهذه العلة و لكن لا يعني ذلك انه يستحيل وجود الجزاء مطلقا و ذلك لاحتمال وجوده بعلة اخرى اذا فرض ان علته المنفية ليست هي العلة المنحصرة.

مثلا النهار و غليان الماء معلولان للشمس فإذا انتفى النهار جزمنا بانتفاء الشمس و بالتالي نجزم باستحالة وجود غليان الماء المعلول للشمس و لكن لا يمكن الجزم بانتفاء غليان الماء مطلقا و ذلك لاحتمال أنه غلى بعلة ثانية و هي اتصاله بالنار و ذلك لوضوح ان الشمس ليست هي العلة المنحصرة لغليان الماء.

الثاني ان انتفاء الشرط يحتمل احتمالين.

الأول انتفاؤه بانتفاء المقتضي كما في مثال النهار فإنه انتفى لانتفاء مقتضى النهار و هو الشمس ففي هذه الحالة يجري فيه الكلام المتقدم.

الثاني انتفاؤه لا لانتفاء المقتضي بل لوجود المانع و ذلك كما في قضية ابراهيم (ع) فإن عدم احتراقه (ع) لم يكن لعدم وجود النار بل لوجود المانع ففي هذه الحالة يمكن ان يفرض ان المانع وجد لأحد المعلولين دون الآخر

____________

(1) إذ هذا النحو لا يمكن أن يكون مفهومه انتفاء الحكم عن الموضوع فلاحظه جيدا.

56

مثلا في قضية ابراهيم (ع) وضع ابراهيم (ع) في النار و وضع الحطب في النار و احتراقهما كلاهما معلولان لعلة واحدة و هي النار و لكن لم يحترق ابراهيم (ع) لوجود المانع و هذا لا يعني عدم احتراق الحطب بل قد احترق الخشب لعدم وجود مانع من احتراقه و تماميّة علته التامة.

فتحصل انه قد ينتفي المعلول لمانع يختص به فيبقى المعلول الآخر الذي كان معلولا لنفس علة المعلول المنتفي وجوده.

هذا مع غض النظر ايضا عن ان هذا الفرض خارج عن محل البحث لعدم الانتفاع منه في انتفاء الاحكام الشرعيّة عن موضوعاتها.

الرابع لما ذا اشترطوا الانحصارية في العلية حيث اشترطوا ان يكون الشرط علة منحصرة للجزاء بمعنى انه ليس للجزاء علة اخرى غير الشرط.

قلت سبب الاشتراط واضح و ذلك لأن الشرط ان كان علة للجزاء و لم يكن علة منحصرة فمن الواضح ان انتفاء الشرط حينئذ لا يدل على انتفاء الجزاء لوضوح ان انتفاء العلة لا يستلزم انتفاء المعلول لاحتمال وجود علة اخرى له يوجد بوجودها.

فإذن لا انتقال من انتفاء الشرط الى انتفاء الجزاء إلا اذا كان الشرط علة منحصرة للجزاء ففي هذا الفرض اذا انتفى الشرط يعلم باستحالة وجود الجزاء و ذلك لعدم وجود علته و يستحيل وجود الممكن المعلول بلا علة و المفروض ان لا علة للجزاء غير الشرط.

الخامس قد عرفت في هذه الأمور المتقدمة ما خلاصته ان المشهور اراد اثبات المفهوم الذي هو انتفاء الجزاء عند انتفاء الشرط بواسطة قضية عقلية بديهيه و هي ان عدم العلة المنحصرة يكشف عن عدم المعلول.

فحاصل الخصوصيّة المستوجبة للمفهوم عند المشهور هي ان الجزاء هو سنخ الحكم و الشرط هو العلة المنحصرة له فينتج بالتالي انه اذا انتفى الشرط انتفى سنخ الحكم و بالتالي يستحيل وجود الحكم في غير الشرط و هذا هو المطلوب فإذا قال (اذا سافرت تصدق) كان الجزاء هو نوع وجوب التصدق‏