الهداية إلى غوامض الكفاية - ج2

- محمد حسين الميرسجادي المزيد...
396 /
1

[تتمة البحث في المقصد الاول الاوامر]

[ادامة البحث فى مقدمة الواجب‏]

[بيان بقية الامور]

[ادامة الامر الثالث فى تقسيمات الواجب‏]

الهداية

إلى غوامِض الكِفاية

الجزء الثاني‏

تقريراً لأبحاث آية اللّه الحاج‏

السيّد محمّد حسين النجفي الميرسجّادي‏

السيّد علي الميرسجادي‏

2

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

3

بسم الله الرحمن الرحيم‏

الحمد للّه ربّ العالمين و الصلاة و السلام على أشرف الأنبياء و المرسلين محمّد و آله الطيبين الطاهرين و اللعنة على أعدائهم أجمعين الى يوم الدين.

4

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

5

و منها (1): تقسيمه الى المعلّق و المنجّز قال في الفصول: (أنّه ينقسم باعتبار آخر الى ما يتعلق وجوبه بالمكلّف و لا يتوقف حصوله على أمر غير مقدور له كالمعرفة (2) و ليسمّ منجّزاً، و إلى ما يتعلق وجوبه به فيتوقف حصوله على أمر غير مقدور له و ليسمّ: معلقاً كالحج فإنّ وجوبه يتعلق بالمكلّف من أول زمن الاستطاعة أو (3) خروج الرفقة و يتوقف فعله على مجي‏ء وقته و هو غير مقدور له و الفرق (4) بين هذا النوع و بين الواجب المشروط هو إنّ التوقف هناك للوجوب وهنا للفعل) (5) انتهى كلامه رفع مقامه.

[و منها تقسيمه الى‏] المعلق و المنجز

(1) هذا التقسيم آخر للواجب و هو تقسيمه الى المعلّق و المنجز و الذي يبدو أنّ الأصل في هذا التقسيم و مبتكره هو صاحب الفصول (رحمه اللّه) و لهذا نقل في المتن قسماً من عبارته.

(2) فإنّ تحصيل المعرفة باللّه تعالى شأنه و العقائد الحقة واجب عقلًا على كلّ إنسان من دون أن يكون وجوبه مشروطاً بشي‏ء و بزمان أو مكان أو صنف و أمثال ذلك.

(3) هذا الترديد هو من أجل اختلافهم في زمان تعلّق وجوب الحج بالمكلّف فمنهم من قال بأنّه يجب عند حصول الاستطاعة و منهم من قال بأنّه يجب عند خروج الرفقة الى الحج.

(4) هذا الفرق مبني على مختاره في الواجب المشروط تبعاً للمشهور من رجوع القيد الى الهيئة فيكون الوجوب موقوفاً على الشرط خلافاً للشيخ (قدّس سرّه)، و حيث إنّ الشرط في الواجب المعلق يكون راجعاً الى الواجب الذي هو مفاد المادة و الوجوب الذي هو مفاد الهيئة يكون مطلقاً و حالياً فيحصل الفرق بين الواجبين.

(5) يظهر من العبارة المنقولة في المتن أنّ الواجب المعلّق عند صاحب‏

6

لا يخفى (1) إنّ شيخنا العلّامة أعلى اللّه مقامة حيث اختار في الواجب المشروط ذاك المعنى و جعل الشرط لزوماً من قيود المادة ثبوتاً و إثباتاً حيث ادّعى امتناع كونه من قيود الهيئة كذلك أي إثباتاً و ثبوتاً على خلاف القواعد العربية و ظاهر المشهور كما يشهد به ما تقدم آنفاً عن البهائي أنكر على الفصول هذا التقسيم، ضرورة (2) إنّ المعلّق بما فسّره يكون من المشروط بما اختار له من المعنى على ذلك كما هو

الفصول (رحمه اللّه) هو ما يتوقف حصوله على شرط غير مقدور كالحج الذي يكون متوقفاً على إتيانه في الموسم الذي هو خارج عن قدرة المكلف، إلّا إنّه بعد سطور من تلك العبارة ذكر ما يعم الشرطين قال: (و اعلم إنّه كما يصح أن يكون وجوب الواجب على تقدير حصول أمر غير مقدور و قد عرفت بيانه كذلك يصح أن يكون وجوبه على تقدير عدم حصوله و على تقدير حصوله يكون واجباً قبل حصوله و ذلك كما لو توقف الحج المنذور على ركوب الدابة المغصوبة).

(1) هذا إيراد على ما أورده الشيخ (رحمه اللّه) على الفصول في هذا التقسيم و حاصل إيراد الشيخ (رحمه اللّه) أنّه: لا حاجة الى هذا التقسيم للاستغناء عنه بالتقسيم السابق، و ذكر في المتن إنّ منشأ إيراد الشيخ (رحمه اللّه) هو ما اختاره في الواجب المشروط من رجوع القيد الى المادة ثبوتاً و إثباتاً، و ادّعى عدم إمكان رجوع القيد الى الهيئة على خلاف المشهور و على خلاف القواعد العربية كما اعترف بذلك، و على خلاف ما ذكره شيخنا البهائي (رحمه اللّه) من أنّ: إطلاق الواجب على الواجب المشروط يكون مجازاً بعلاقة: الاول أو المشارفة، يستغني حينئذٍ عن هذا التقسيم.

(2) هذا بيان إيراد الشيخ (رحمه اللّه) على الفصول و منشؤه، و حاصله: إنّ المعلّق‏

7

واضح، حيث لا يكون هناك معنىً آخر معقول كان هو المعلق المقابل للمشروط، و من (1) هنا انقدح: إنّه في الحقيقة أنّما أنكر الواجب‏

الذي أسّسه في الفصول هو عين الواجب المشروط على مبنى الشيخ، فإنّ في الواجب المعلّق يكون الوجوب حالياً حسبما عرفت و الواجب استقبالياً، و الأمر في الواجب المشروط على مبنى الشيخ يكون كذلك فإنه برجوع القيد الى المادة يكون الوجوب فيه حالياً و الواجب استقبالياً، و حينئذٍ لا يبقى فرق معقول بين الواجبين حسبما عرفت، فما أسّسه من التقسيم يكون لغواً و إنكار الشيخ يكون في محلّه؛ و لكن ما نقله في المتن عن الفصول يختلف عن الواجب المشروط للشيخ (رحمه اللّه) لأنّ الشيخ (رحمه اللّه) يقول برجوع القيد (اختيارياً كان أو غيره) الى المادة، و في الفصول خصّص المعلّق بالقيود الاختيارية و هذا هو الفرق بينهما، و لكن عرفت: عدم تخصيصه بالغير الاختياري بمقتضى العبارة الثانية فيتساوى الواجبان و يكون البحث عن الواجب المعلّق لغواً.

(1) هذا هو الإيراد على الشيخ (رحمه اللّه) و هو: إنّه بإرجاعه القيد في الواجب المشروط الى المادة قد التزم بالواجب المعلق الذي ادّعاه في الفصول، غايته: إنّه سمّاه بالواجب المشروط فهما متفقان في الحقيقة على أمر و هو: إنّ الوجوب في قسم من الواجبات يكون حالياً و الواجب استقبالياً، فهو في الحقيقة لم ينكر الواجب المعلق و إنّما أنكر الواجب المشروط عند الفصول و مشهور الاصوليين من رجوع القيد الى الهيئة، و كون الوجوب كالواجب استقبالياً الذي هو المطابق للقواعد العربية حسب اعترافه، و ادّعى عدم إمكان ذلك. و لكنّك عرفت في الفصل السابق عدم تمامية ما أفاده و صحة رجوع القيد الى الوجوب فلا يبقى مجال للإنكار عليه.

8

المشروط بالمعنى الذي يكون هو ظاهر المشهور و القواعد العربية لا الواجب المعلّق بالتفسير المذكور و حيث قد عرفت بما لا مزيد عليه امكان رجوع الشرط الى الهيئة كما هو ظاهر القواعد و ظاهر المشهور فلا يكون مجال لإنكاره عليه، نعم (1) يمكن أن يقال: إنّه لا وقع لهذا التقسيم لأنّه بكلا قسميه من المطلق المقابل للمشروط، و خصوصية كونه حالياً أو استقبالياً لا يوجبه ما لم يوجب الاختلاف في المهم و إلّا لكثرت تقسيماته،

(1) هذا إشكاله على الفصول فهو إشكال آخر على التقسيم المذكور و حاصله: و هو إنّ التقسيم إنّما يحسن فيما كان بين القسمين اختلافاً جوهرياً و يكون لكل قسم آثار متميّز عن الآخر، و هذا الأمر مفقود في هذا التقسيم فإنّ القسمين من الواجب المطلق، غايته: انّهما يختلفان في بعض الحالات و هو: إنّ زمان الإتيان بالواجب في أحدهما يكون متأخراً عن زمان الوجوب و في الآخر يكون مقارناً مع زمانه، و هذا ليس فرقاً جوهرياً و إنّما هو تفاوت بين الصنفين من حيث الحالات، و لو كان ذلك مسوّغاً للتقسيم لكان اللازم أن يذكر للواجب تقسيمات كثيرة، فإنّ للواجب أصنافاً كثيرة متفاوتة في بعض الحالات و العوارض فالذي يحسن أن يقال في المقام: هو أن يذكر في جملة مسائل الواجب المطلق إنّ منه ما يكون زمان إتيانه متأخراً عن زمان إيجابه و منه ما يكون زمان إتيانه مقارناً مع زمان إيجابه كما يقال إنّ الإسم المعرب منه ما يكون إعرابه ظاهراً و منه ما يكون إعرابه مقدّراً.

9

لكثرة الخصوصيات و لا اختلاف فيه، فإنّ (1) ما رتّبه عليه من وجوب المقدمة فعلًا كما يأتي إنّما هو من أثر إطلاق وجوبه و حاليته لا من استقبالية الواجب فافهم. ثم (2) إنّه ربما حكي عن بعض أهل النظر

(1) هذا دفع توهّم و هو إنّه: كيف لا يكون فرق مهم بين القسمين مع أنّ الغرض المهم متوقف على هذا التقسيم، و توضيحه: و هو إنّ الذي دعا صاحب الفصول (رحمه اللّه) الى الالتزام بالواجب المعلق هو الذي دعا الشيخ (قدّس سرّه) الى الالتزام بإرجاع القيد الى المادة، و هو معالجة ما يسمّى (بالمقدمات المفوتة)، فهناك مقدمات للواجب لا بد من الإتيان بها قبل زمان الواجب كالسير للحج قبل الموسم لمن كان بعيداً عن مكة، و غسل المحدث بالحدث الأكبر في الليل لصوم الغد، فقد وقع الأعلام رحمهم الله بالنسبة الى مثل هذه المقدمات في حيص و بيص من جهة أنّ وجوب المقدمة (على القول بالملازمة) مترشح من وجوب ذيها، فإذا لم يكن ذو المقدمة وجوبه فعلياً كيف يمكن أن يكون وجوب مقدمته فعلياً؟ و إن لم يكون وجوب تلك المقدمات فعلياً لجاز تركها و بتركها يفوت الواجب الأصلي من جهة عدم القدرة عليه في زمانه و لهذا سُميت تلك المقدمات بالمفوتة. و لأجل التخلص عن هذه العويصة أرجع الشيخ (رحمه اللّه) القيود الى المادة فيكون وجوب الواجب الأصلي حالياً قبل زمانه فيترشح منه الوجوب الى مقدماته، و صاحب الفصول (رحمه اللّه) التزم بالواجب المعلّق و إن وجوب الحج يكون حالياً قبل الموسم؛ فيكون السير الذي هو مقدمة وجودية له أيضاً واجباً فهذه فائدة مهمة تستلزم التقسيم، و محصّل الدفع و هو: إنّ هذه المهمة لم تترتب على استقبالية الواجب حتى يحسن له التقسيم و إنما تترتب على إطلاق الواجب و حاليته، فإشكال اللغوية باقٍ على حاله.

[الاشكال على واجب المعلق و دفعه‏]

(2) هذا إشكال ثالث على الواجب المعلق حُكي عن بعض‏ (1) أهل النظر

____________

(1)- قيل: إنّ المراد منه المحقق المولى عبد الرحيم النهاوندي (رحمه اللّه) الذي كان من كبار تلاميذ الشيخ (رحمه اللّه).

10

من أهل العصر إشكال في الواجب المعلق و هو: إنّ الطلب و الإيجاب إنّما يكون بإزاء الإرادة المحركة للعضلات نحو المراد فكما لا تكاد تكون الإرادة منفكّة عن المراد فليكن الإيجاب غير منفكّ عمّا يتعلّق به فكيف يتعلق بأمر استقبالي؟ فلا يكاد يصح الطلب و البعث فعلًا

من أهل عصر الماتن (رحمه اللّه) و وافقه بعض الأعلام و حاصله: هو إنّ الطلب و الإيجاب فعل اختياري للآمر حاله حال سائر الأفعال الاختيارية التي لا تصدر إلّا عن الإرادة، غايته: إنّ الإرادة المتعلقة بالطلب يُعبّر عنها ب- (الإرادة التشريعية) و التي تتعلق بالأفعال التكوينية يعبّر عنها ب- (الإرادة التكوينية)، فمتعلق الإرادة التشريعية هو انبعاث المخاطب الى الامتثال و إيجاد داعٍ في نفسه، و متعلق الإرادة التكوينية نفس الفعل الصادر منه، و في كلتا الإرادتين يستحيل الانفكاك عن المراد فإنّ الإرادة (على ما عرفت في بحث الطلب و الإرادة) على ما هو الصحيح هو: الشوق المؤكد المستتبع لحركة العضلات فلا يعقل أن تتعلق الإرادة التشريعية بما هو متأخر زماناً، الإرادة و المراد كالعلّة و المعلول فكما يستحيل انفكاك العلّة التامّة عن المعلول كذلك يستحيل الانفكاك في الإرادة و المراد، بعبارة اخرى: إنّ الطلب و البعث لأجل إيجاد الداعي في المكلّف و لا يمكن حدوث الداعي فعلًا لأمر استقبالي، فإذا امتنع الداعي امتنع البعث امتناع تخلّف الأثر عن المؤثر.

11

نحو أمر متأخّر. قلت: (1) فيه إنّ الإرادة (2) تتعلق بأمر متأخّر استقبالي كما تتعلق بأمر حالي و هو أوضح من أن يخفى على عاقل فضلًا عن فاضل ضرورة (3) إنّ تحمّل المشاق في تحصيل المقدمات فيما إذا كان المقصود بعيد المسافة و كثير المئونة ليس إلّا لأجل تعلق إرادته به و كونه مريداً له قاصداً إيّاه لا يكاد يحمله على التحمّل إلّا ذلك.

و لعلّ (4) الذي أوقعه في الغلط ما قرع سمعه من تعريف الإرادة بالشوق المؤكّد المحرّك للعضلات نحو المراد و توّهم إنّ تحريكها نحو المتأخر ممّا لا يكاد،

(1) شروع في الجواب عن الإشكال بوجهين.

(2) هذا هو الوجه الأوّل: و حاصله: إنّ الإرادة سواءً كانت تكوينية أم تشريعية كما تتعلق بأمر حالي كذلك تتعلق بأمر استقبالي، و ذلك فيما إذا كانت لمتعلقها مقدمات طويلة الأمد لا يتيسّر الوصول إليه إلّا بعد تمهيد تلك المقدمات، فبالشروع في أول مقدمة يكون مريداً لذيها؛ إذ لو لم يكن مريداً له لما أقدم بإتيان تلك المقدمات و هذا أوضح من أن يخفى على عاقل فضلًا عن الفاضل.

(3) من الضروري: إنّ الإرادة الى ذي المقدمة تشوّق النفس الى تحصيل المقدمات و تحمّل المصاعب في سبيل الوصول الى تلك الغاية، و لولاها لما أقدم على تلك الأعمال الشاقة و ما خضع لتلك المخاطر، و الهدف السامي يذلّل للإنسان جميع المعضلات.

(4) هذا توجيه لما أفاده بعض أهل النظر من استلزام الواجب المعلّق الانفكاك بين الإرادة و المراد و هو مستحيل في كلتا الإرادتين و هو: إنّ الذي أوقعه‏

12

و قد (1) غفل عن أنّ كونه محركاً نحوه يختلف حسب اختلافه في كونه ممّا لا مئونة له كحركة نفس العضلات أو ممّا له مئونة و مقدمات قليلة أو كثيرة فحركة العضلات تكون أعم من أن تكون بنفسها مقصودة أو مقدمة له و الجامع أن يكون نحو المقصود، بل (2) مرادهم من هذا الوصف في تعريف الإرادة

في هذا الوهم ما سمعه من تعريف الإرادة ب-: (الشوق المؤكّد المحرّك للعضلات نحو المراد) حيث توهّم: أنّه لا بدّ و أن يكون المراد أمراً حالياً لعدم إمكان التحريك بالفعل نحو ما هو متأخر.

(1) هذا هو الإشكال على التوجيه و التنبيه على خطأ الوهم المذكور و هو:

إنّ الإرادة كما تكون محركة نحو أمر حالي لم يتوقف على مقدمة أصلًا كحركة عضو من أعضاء بدنه كاليد و الرجل، كذلك تكون محركة الى ما يتوقف على مقدمة أو مقدمات، و المقدمات أيضاً مختلفة فمنها: ما يقتضي زماناً قصيراً و منها: ما يقتضي زماناً طويلًا ففيما لا يحتاج الى مقدمة لم تكن الإرادة منفكة عن المراد الأصلي و فيما يحتاج الى مقدمة فأيضاً لا تنفك عن المراد التبعي (المقدمة)، فما ذكر في التعريف من استحالة انفكاك الإرادة عن المراد صحيح إلّا إنّ المراد يعمّ الأصلي و التبعي، و الجامع هو: التحريك بالفعل نحو المراد في جميع الموارد.

(2) هذا تنبيه آخر لبيان غفلة اخرى لأهل النظر و هو: إنّ المراد من التحريك المذكور في التعريف: التحريك بالفعل دائماً و هذا أيضاً غير صحيح، بل المراد منه: التحريك الجامع لما هو تحريك بالفعل أو التحريك في ظرف المراد المتأثر عن الشوق الشديد، فإنّ متعلق الشوق قد يكون أمراً حالياً من دون توقف على مقدمة فيكون التحريك اليه فعلياً، و قد يكون أمراً استقبالياً و متوقفاً

13

بيان مرتبة الشوق الذي يكون هو الإرادة و إن لم يكن هناك فعلًا تحريك لكون المراد و ما اشتاق إليه كمال الاشتياق أمراً استقبالياً غير محتاج الى تهيئة مئونة أو تمهيد مقدمة ضرورة أنّ شوقه اليه ربما يكون أشد من الشوق المحرّك فعلًا نحو أمر حالي أو استقبالي محتاج الى ذلك، هذا (1) مع أنّه لا يكاد يتعلق البعث إلّا بأمر متأخر عن زمان البعث، ضرورة أنّ البعث إنما يكون لإحداث الداعي للمكلّف الى المكلّف به‏

على تهيئة مئونة تمهيد مقدمة فيكون التحريك اليه فعلياً في ظرف المراد، فإنّ الشوق الى زيارة المحبوب في المستقبل قد يكون أشدّ من الشوق الى الأمر الحالي الذي لا يحتاج الى مقدمة على ما يشهد به الوجدان الصحيح.

(1) هذا هو الوجه الثاني من الجواب و هو: إنّه لو سلّمنا استحالة انفكاك الإرادة التكوينية عن المراد لما ذكره من أنّها عبارة عن: الشوق المؤكد المحرّك بالفعل نحو المراد، إلّا إنّا نمنع ذلك في الإرادة التشريعية لأنّ الأمر في الإرادة التشريعية تختلف عن الإرادة التكوينية، و حاصله: هو إنّ متعلق الإرادة التشريعية هو الفعل الصادر عن الغير الصادر عنه بإرادته و اختياره لا على نحو الإلجاء، فالشوق المؤكد متعلق بالبعث و التحريك نحو الفعل الذي تعلقت الإرادة به، فهو متوقف على انبعاثه بالفعل نحو ذلك العمل و الانبعاث هو فعل اختياري للمكلف متوقف على مقدمات؛ لأنّ الاختيار لا يوجد إلّا بعد تحقق تلك المقدمات و ترتب تلك المقدمات يقتضى زماناً و لو كان قصيراً إذ لو كان التفكيك محالًا لزم أن لا يفصل بينهما و لو بفترة قليلة، فلا فرق بين الزمان القصير و الزمان الطويل في نظر العقل الذي هو الحاكم في تشخيص ملاك الاستحالة و الإمكان.

14

بأن يتصوره بما يترتّب عليه من المثوبة و على تركه من العقوبة، و لا يكاد يكون هذا إلّا بعد البعث بزمان فلا محالة يكون البعث نحو أمر متأخر عنه بالزمان و لا يتفاوت طوله و قصره فيما هو ملاك الاستحالة و الإمكان في نظر العقل الحاكم في هذا الباب، و لعمري (1) ما ذكرناه واضح لا سترة عليه و الإطناب إنّما هو لأجل رفع المغالطة الواقعة في أذهان بعض الطلاب.

فتحصّل: إنّه لو التزمنا بالاستحالة في الإرادة التكوينية لما يمكننا الالتزام به في الإرادة التشريعية لأنّه يتوسّط بينهما و بين المراد- فعل الغير-: حدوث الداعي في نفس الغير الذي يتوقف على تصوّره لما يترتب على ذلك من المثوبة على الفعل و العقوبة على الترك، و هذا مستلزم لوقوع الفصل لا محالة بين الأمرين و ان كان قصيراً.

(1) حلف يميناً على أنّ ما ذكره من عدم استحالة انفكاك الإرادة عن المراد خصوصاً في الإرادة التشريعية واضح جدّاً، و إنّما أطنب الكلام في ذلك من جهة رسوخ مغالطة في أذهان الطلاب الناشي من سوء الفهم و عدم التدبّر في تعريف الإرادة.

أقول: إنّ متعلق الإرادة التشريعية ليس فعل الغير الناشي عن الداعي اليه و المتوقف على إرادته حتّى يقال: بأنّ إرادته تتوسط بين إرادة المولى و مراده، بل متعلقها هو انبعاث المكلّف نحو الفعل و حال البعث الإنشائي حال البعث الخارجي، فكما إنّ البعث و الانبعاث الخارجيان مثل الكسر و الانكسار لا يفترقان و لا يختلفان إلّا اعتباراً كذلك البعث و الانبعاث الإنشائي فلا يقع فصل‏

15

...

بينهما، فهما متلازمان خارجاً.

و ما أفاده بعض أهل النظر صحيح فإنّ البرهان قائم على استحالة انفكاك الإرادة عن المراد بناءً على ما هو الصحيح: من تعريف الإرادة بالشوق المؤكّد المحرك للعضلات، ففى الإرادة التكوينية يحرّك الشوق عضلته نحو فعل المراد، و في التشريعية يحرّك عضلته لبعث الغير خارجياً و يحرك يدا الغير ليكتب، أو إنشائياً و يقول له: اكتب. و ما أورده المتن من موارد النقض غير وارد لأنّ الإرادة لم تتحقق في النفس إلّا إذا كان المراد مقدوراً فإن كان الأمر الاستقبالي الذي له مقدمة أو مقدمات لا يمكن أن تتعلق الإرادة به و إنما تتعلق بأول مقدمة من مقدماته، نعم يكون في النفس الرغبة و الميل الذي من مقدمات الإرادة الى ذي المقدمة و إنّما يعبّر في لسان العامة عن تلك الرغبة بالإرادة مسامحة و تنزيلًا لها منزلها، كما يعبّرون عن الاحتياط بالعلم و اليقين من باب المشابهة. نعم لو عدلنا عن تعريف المشهور للإرادة الى ما ذكره العلامة النائيني (رحمه اللّه) من أنّها عبارة عن:

(هجمة النفس‏ (1)) كان لما ذكره (رحمه اللّه) من إمكان التفكيك مجال، إلّا إنّه لا يقول به و لا يمكن الالتزام به لجهات من الإشكال الوارد عليه ليس هنا محلّ ذكره، فالصحيح: هو إنّه لا مناص عن الالتزام باستحالة الواجب المعلّق للوجه المذكور.

____________

(1)- الفرق بين الشوق و الهجمة: إنّ الأوّل من صفات النفس و الثاني من أفعال النفس.

16

و ربما (1) اشكل على المعلق أيضاً بعدم القدرة على المكلف به في حال البعث مع أنّها من الشرائط العامة، و فيه (2): إنّ‏

و

لشيخنا الاستاذ (قدّس سرّه) وجهاً آخر للاستحالة يغنينا عن هذا الوجه و إن كان هذا الوجه صحيحاً أيضاً و هو: إنّ الحكم من سنخ الوجود النعتي المستحيل وجوده بدون المنعوت فهو يشبه الأعراض عند الفلاسفة، فكما إنّ العرض لا يوجد إلّا إذا كان قائماً بالجوهر كذلك النعت يستحيل وجوده بدون المنعوت، فإذا بنينا على أنّ الوجوب حالي و الواجب استقبالي كما هو الحال في الواجب المعلق لزم وجود النعت بدون المنعوت و هو محال، و هذا الوجه للاستحالة جارٍ لما أفاده الشيخ (قدّس سرّه) في الواجب المشروط من رجوع القيد الى المادة و إنّ الوجوب فيه يكون حالياً و الواجب استقبالياً، فالصحيح: إنّ الواجب المعلّق ممتنع كما إنّ ما ذكره الشيخ على ما نُسب إليه أيضاً فمتنع.

(1) هذا إشكال آخر على المعلق فهو إشكال خامس و حاصله: إنّ القول به مستلزم للتكليف بغير المقدور، فإنّ إيجاب الصلاة المقيّد بما بعد الزوال قبل الزوال و إيجاب الحج في الموسم و هو في شهر شوال عليه غير مقدور للمكلّف امتثالهما، و لا إشكال في أنّ القدرة من الشرائط العامة للتكليف (على المشهور) لأنّ التكليف بغير المقدور قبيح عند المشهور و غير واقع عند المحقق النائيني (رحمه اللّه).

(2) هذا جواب الإشكال و حاصله: هو إنّ القدرة المعتبرة فى التكليف هي القدرة على الامتثال في زمانه و إن كان المكلّف حين التكليف عاجزاً و كان حين الإتيان قادراً كان التكليف صحيحاً، غايته: إنّه في هذا الفرض تكون القدرة ملحوظة فيه على نحو الشرط المتأخر الذي قد تقدم الكلام فيه مفصّلًا و إنّ الماتن لأجل التخلّص عن انخرام القاعدة العقلية من استلزام الشرط المتأخر لتأخر بعض‏

17

الشرط إنّما هو القدرة على الواجب في زمانه لا في زمان الإيجاب و التكليف غاية الأمر يكون من باب الشرط المتأخر و قد عرفت بما لا مزيد عليه أنّه كالمقارن من غير انخرام القاعدة العقلية أصلا. ثم (1) لا وجه لتخصيص المعلق بما يتوقف حصوله على أمر غير مقدور بل ينبغي تعميمه الى أمر مقدور متأخر على نحو لا يكون مورداً للتكليف و يترشح عليه الوجوب من الواجب أولا لعدم تفاوت فيما يهمّه من وجوب تحصيل المقدمات التي لا يكاد يقدر عليها في زمان الواجب على المعلق‏

الأجزاء للعلة التامة عن المعلول بما عرفت من إرجاع الشرط المتأخر الى الشرط المقارن لأنّ المعتبر في التكليف هو وجوده اللحاظي، لا الوجود الخارجي و يكون التعبير عنه بالشرط المتأخر مبنياً على المسامحة.

(1) هذا إشكال آخر على الفصول حيث عرفت إنّه في العبارة المنقولة في المتن خصّ الكلام في الواجب المعلق بالشرط الغير المقدور حيث مثّل له بالوقت بالنسبة الى وجوب الحج و قال: (فيتوقف حصوله على أمر غير مقدور له)، و لا وجه لهذا التخصيص بل اللازم التعميم له بالنسبة الى الشرط المقدور الذي يكون بوجوده الاتفاقي مأخوذاً في التكليف كالاستطاعة بالنسبة الى الحج، و ملك النصاب بالنسبة الى وجوب الزكاة لاشتراك الجميع في المهم المبحوث عنه و هو:

التخلّص عن إشكال المقدمات المفوّتة، فعلى القول بالواجب المعلّق من الالتزام بكون الوجوب حالياً و الواجب استقبالياً، فإنّه بناءً على وجوب المقدمة شرعاً لا مانع من القول بترشّح الوجوب من الواجب الى جميع المقدمات و الشرائط مقدوراً كان للمكلف أو غير مقدور.

18

دون (1) المشروط لثبوت الوجوب الحالي فيه فيترشح منه الوجوب على المقدمة بناءً على الملازمة دونه لعدم ثبوته فيه إلّا بعد الشرط، نعم (2) لو كان الشرط على نحو الشرط المتأخر و فرض وجوده كان الوجوب المشروط به حالياً أيضاً فيكون وجوب سائر المقدمات الوجودية للواجب أيضاً حالياً و ليس الفرق بينه و بين المعلق حينئذٍ إلّا كونه مرتبطاً بالشرط بخلافه و إن ارتبط به الواجب.

و اعلم: إنّي شرحت المتن على نسخة الحقائق و المسجّل فوق و هي: (على نحو لا يكون مورداً للتكليف و يترشّح عليه الوجوب من الواجب) لا النسخة الاخرى التي هي: (على نحو يكون مورداً للتكليف و يترشّح عليه الوجوب من الواجب).

ثمّ إنّ هذا الإشكال الذي ذكره لما عرفت من غير محلّه أنّه في صدر كلامه و إن خصّ البحث بالشرط الغير المقدور إلّا إنّه في ذيل كلامه عمّم الكلام بالنسبة الى الشرط المقدور و قد تقدمت عبارته التي عمّم فيها الكلام صريحاً.

(1) إنّ ما ذكر من ترشح الوجوب الى المقدمة إنّما يتم على القول بالواجب المعلق و أمّا إذا كان الواجب مشروطاً على مبنى المشهور من رجوع القيد الى الهيئة فلا يصح ذلك إذ لم يكن الوجوب فيه حالياً قبل الشرط حتّى يترشح الى مقدمته.

(2) استدرك ممّا ذكره في عدم ترشح الوجوب الى المقدمة على مبنى المشهور في الواجب المشروط ما إذا كان الشرط مأخوذاً في الواجب على نحو فرض وجوده بنحو الشرط المتأخر، و حينئذٍ يكون الوجوب المشروط به حالياً

19

تنبيه: قد انقدح من مطاوي ما ذكرناه: أنّ المناط في فعلية وجوب المقدمة الوجودية و كونه في الحال بحيث يجب على المكلف تحصيلها هو فعلية وجوب ذيها و لو كان أمراً استقبالياً كالصوم في الغد و المناسك في الموسم كان وجوبه مشروطاً بشرط موجود أخذ فيه و لو متأخراً أو مطلقاً منجزاً كان أو معلقاً فيما (1)

أيضاً و الفرق بينه و بين الواجب المعلّق هو: إنّ الوجوب في الواجب المشروط بشرط متأخر يكون مرتبطاً بالشرط بخلاف المعلّق فإنّ الوجوب فيه لم يكن مرتبطاً بالشرط.

تنبيه [وجوه دفع الاشكال فى فعليت وجوب المقدمة قبل ذيها] في المقدمات المفوّتة

(3) هذا هو الكلام فيما يكن أن يتخلّص به عن مشكلة المقدمات المفوّتة التي تقدّمت الإشارة إليها و قد تبيّن إنّ ما اختاره الشيخ (قدّس سرّه) في الواجب المشروط و ما أسّسه الفصول ممن الواجب المعلّق كان لأجل حلّ الإشكال فيها، و قد حان للماتن (رحمه اللّه) أن يبيّن طريق الحل المطلوب عنده فما سيبيّنه هو الطريق الثالث لحل الإشكال، و حاصل ما اختاره من الحل: هو إنّ وجوب الشي‏ء إن كان فعلياً (سواءً كان حالياً أم كان استقبالياً كالصوم في الغد و المناسك في الموسم و كان منجزاً أو معلقاً على شرط هو موجود في ظرفه مقارناً أو متقدماً أو متأخراً) فإنّه يستلزم فعلية وجوب المقدمة الوجودية (بناء على القول بالملازمة) إذا توفّرت في تلك المقدمة شروط ثلاثة.

(1) هذا هو الشرط الأوّل و هو: أن لا تكون المقدمة الوجودية مقدمة للوجوب أيضاً كالاستطاعة بالنسبة الى الحج، فإنّها في فرض كونها مقدمة للوجوب لا يكون للحج وجوب قبل حصولها فكيف يمكن سراية الوجوب‏

20

إذا لم يكن مقدمة للوجوب أيضاً أو (1) مأخوذة في الواجب على نحو يستحيل أن يكون مورداً للتكليف كما إذا أخذ عنواناً للمكلّف كالمسافر و الحاضر و المستطيع و غير ذلك أو جعل (2) الفعل المقيّد باتفاق حصوله و تقدير

اليها؟ إلّا إنّ هذا الشرط مستدرك كما نبّه إليه بعض المحشّين لما عرفت من أنّ الموضوع هو ما إذا كان الوجوب لذي المقدمة فعلياً، و في فرض كون الشرط مقدمة للوجوب لا يكون ذيها واجباً فعلياً قبل حصول تلك المقدمة و بعد حصولها يكون ترشح الوجوب اليها تحصيلًا للحاصل.

(1) هذا هو الشرط الثاني و هو: أن لا تكون المقدمة مأخوذة قيداً في الموضوع مثل قوله: إن سافرت فقصّر و إن استطعت فحجّ، لاستحالة تعلق الوجوب به بعد فرض أخذه في الموضوع؛ لأنّ قيود الموضوع كنفس الموضوع تكون في مرتبة العلّة بالنسبة الى الحكم فقبل تحقق قيد الموضوع لا حكم و بعد تحققه يكون ترشح الوجوب اليه من قبيل تحصيل الحاصل، و هذا الشرط أيضاً يكون كالسابق مستدركاً لأنّ الموضوع إن كان مقيداً لخرج الواجب عن كونه مطلقاً و صار مشروطاً و محل الكلام هو الواجب المطلق. ثمّ إنّ الصحيح في عبارة المتن: (و لا مأخوذة) كما نبّه إليه في الحقائق لأنّ المسلوب جميع الثلاثة لا واحداً منها.

(2) هذا الشرط الثالث و هو: أن لا يكون القيد بوجوده الاتفاقي شرطاً للواجب على وجه لا يكون أمراً داعياً إليه، سواءً كان أمراً اختيارياً كالاستطاعة للحج أم غير اختياري كالوقت بالنسبة الى الصلاة.

21

وجوده بلا اختيار أو باختياره مورداً للتكليف ضرورة (1) أنّه لو كان مقدمة الوجوب أيضاً لا يكاد يكون هناك وجوب إلّا بعد حصوله و بعد الحصول يكون وجوبه طلب الحاصل كما إنّه إذا أخذ على أحد النحوين يكون كذلك فلو لم يحصل لما كان الفعل مورداً للتكليف و مع حصوله لا يكاد يصح تعلّقه به فافهم، إذا (2) عرفت ذلك فقد عرفت: أنّه لا إشكال أصلًا في لزوم الإتيان بالمقدمة قبل زمان الواجب إذا لم يقدر عليه بعد زمانه فيما كان وجوبه حالياً مطلقاً و لو كان مشروطاً

(1) هذا بيان لوجه اعتبار الشروط الثلاثة لسراية الوجوب الى المقدمة أمّا الشرط الأوّل فلما عرفت من أنّه: إن كان مقدمة الوجوب كما إنّها مقدمة الواجب فلا وجوب قبل حصولها للواجب فكيف يترشح منه الوجوب؟ و بعد حصول تلك المقدمة فإنّ وجوب الواجب و إن صار فعلياً إلّا أنّ ترشح‏الوجوب إلى تلك المقدمة يكون تحصيلًا للحاصل، و أمّا الشرط الثاني و الثالث: فكذلك فإنّ الشرط إن كان مأخوذاً قيداً في الموضوع كان مقدماً على الحكم فلا يعقل سراية الحكم اليه كما إنّه إذا كان بوجوده الاتفاقي مأخوذاً في الواجب لا يكون المكلف ملزماً بتحصيله و إن حصل اتفاقاً لا يعقل سراية الوجوب اليه فإنّه من تحصيل الحاصل، إلّا إنّك عرفت أنّ الشرطين الأولين لا حاجة الى ذكرهما، و لعلّه من أجله أمر بالفهم.

(2) حاصله: أنّه إذا كان وجوب ذي المقدمة فعلياً (سواء كان مطلقاً أم مشروطاً بشرط حاصل أم كان مأخوذاً فيه معلوم الوجود بنحو الشرط المتأخر) يصير وجوب مقدمته أيضاً فعلياً (بناء على القول بالملازمة)، فيجب الإتيان بها قبل زمان الواجب إن كان الواجب غير مقدور في زمانه إن لم يأت بتلك المقدمة قبله.

22

بشرط متأخّر كان معلوم الوجود فيما بعد كما لا يخفى ضرورة (1) فعلية وجوبه و تنجزه بالقدرة عليه بتمهيد مقدمته فيترشح منه الوجوب عليها على الملازمة و لا يلزم منه محذور وجوب المقدمة قبل وجوب ذيها و إنما اللازم الإتيان بها قبل الإتيان به بل (2) لزوم الإتيان بها عقلًا و لو لم نقل بالملازمة لا يحتاج الى مزيد بيان و مئونة برهان كالإتيان بسائر المقدمات في زمان الواجب قبل إتيانه، فانقدح (3) بذلك: أنّه لا ينحصر التفصّي عن هذه العويصة بالتعلق بالتعليق أو بما يرجع اليه من جعل الشرط من قيود المادة في المشروط،

(1) في فرض التمكن من إتيان المقدمة قبل زمان الواجب على ما عرفت يصير الواجب مقدوراً له بالواسطة، و المقدور بالواسطة مقدور فيصير وجوبه فعليّاً منجزاً فيترشح الوجوب منه الى تلك المقدمة و لا يلزم محذور وجوب المقدمة قبل وجوب ذيها بعد فرض فعلية وجوب ذي المقدمة، غايته: إنّه يجب إتيانها قبل إتيان ذيها فالتقدم و التأخر ليس في زماني الوجوب بل في زماني الإتيان، و هذا لا محذور فيه.

(2) في هذا الإضراب ذكر أنّ حل إشكال المقدمة المفوتة بالبيان المتقدم لا يتوقف على القول بوجوب المقدمة، بل لا إشكال في لزوم إتيانها قبل زمان الواجب و ان لم نقل بالملازمة في مقدمة الواجب؛ لأنّ العقل يحتّم على المكلف الإتيان بها كذلك كما يحتّم عليه إتيان سائر المقدمات مقارناً مع الواجب في الزمان إن لم يتمكن المكلف من إتيان الواجب في زمانه إذا ترك تلك المقدمات.

(3) فبالبيان المذكور تنحل مشكلة (المقدمة المفوّتة) من دون حاجة الى الالتزام بالواجب المعلق الذي ابتكره صاحب الفصول (رحمه اللّه) أو الالتزام بمبنى‏

23

...

الشيخ (قدّس سرّه) في الواجب المشروط من رجوع القيد فيه الى المادة، إذ لا مانع من لزوم الإتيان بتلك المقدمة و إن قلنا بأنّ القيد راجع الى الهيئة (كما هو الصحيح)، و يكون على نحو الشرط المتأخر الذي مرّ الكلام في لحاظه.

و أورد عليه المحقق الأصفهاني (رحمه اللّه) بأنّ: هذا الوجه مشترك مع الواجب المعلق في الصحة و البطلان لأنّه إن قلنا بأنّ التفكيك بين الواجب و الوجوب محال كما هو الصحيح، بطل الواجب المعلق و بطل مدّعاه هنا لأنّه على كلا المسلكين يكون زمان الوجوب متقدماً على زمان الواجب، و إن قلنا بإمكان التفكيك فقد صح الالتزام بالواجب المعلق من دون حاجة الى الالتزام بالشرط المتأخر.

و قد يقال: بأنّ الشرط المتأخر في محل الكلام محال و إن قلنا بإمكانه في سائر الموارد على النحو المختار عند الماتن (رحمه اللّه)، لأنّ الشرط في بقية الموارد يكون وحده متأخراً و زماني الوجوب و الواجب واحد ففي المثال المعروف يكون زمان الوجوب متحداً مع زمان الواجب (الصوم)، غايته: إنّ زمان الشرط غسل المستحاضة متأخر و لا مانع من الالتزام بأنّ الشرط بوجده العملي يكون مأخوذاً في الواجب، و هذا بخلاف المقدمة المفوتة فإنّ زمان الوجوب يكون متقدماً على زمان الواجب و هو الحج في الموسم، فلا موجب لتقديم الوجوب إلّا من أجل تحقّق الشرط في زمان الواجب، و هذا موجب لتأثير المتأخر في المتقدم و هو محال، و إن أغمضنا عن استحالة التفكيك بين الوجوب و الواجب الذي تقدم تقريره.

24

فانقدح (1) بذلك: أنّه لا إشكال في الموارد التي يجب في الشريعة الإتيان بالمقدمة قبل زمان الواجب كالغسل في الليل في شهر رمضان و غيره ممّا وجب عليه الصوم في الغد إن يكشف به بطريق الإن عن سبق وجوب الواجب و إنّما المتأخر هو زمان إتيانه و لا محذور فيه أصلًا، و لو فرض (2) العلم بعدم سبقه لاستحال اتصاف مقدمته بالوجوب الغيري فلو نهض دليل على وجوبها فلا محالة يكون وجوبها نفسياً و لو تهيّؤاً ليتهيّأ

(1) تبيّن ممّا ذكره في حل العويصة في المقدمة المفوتة: إنّنا نستكشف بطريق الإن أي: العلم بالعلّة عن طريق العلم بالمعلول سبق فعلية وجوب مقدماته و إن كان مشروطاً بشرط متأخر، غايته: إنّ زمان إتيانه يكون متأخراً و هذا لا محذور فيه، أقول: كيف لا محذور فيه مع أنّ هذا الحل مشترك مع الواجب المعلق و الواجب المشروط عند الشيخ (قدّس سرّه) في لزوم انفكاك الوجوب عن الواجب و هذا هو المحذور المشترك في الجميع.

(2) حاصل ما أفاده: هو إنّ ما ذكره في حلّ الإشكال عن طريق استكشاف فعلية وجوب ذي المقدمة قبل زمان الواجب بطريق الإن إنّما يصحّ إذا لم يعلم عدم وجوب ذي المقدمة قبل زمان إتيانه، و أمّا إذا فرض العلم بعدم الوجوب فإنّه لا بدّ من رفع اليد عن هذه المحاولة و اللّجوء الى محاولة اخرى لحل إشكال المقدمة المفوّتة و هي: الالتزام بالوجوب النفسي التهيّئي لتلك المقدمة، و هذا هو الحل الرابع للإشكال، و قد التزم المحقق الأردبيلي و تلميذه السيّد المدارك رحمهم الله:

بالقول: بالوجوب النفسي التهيئي لخصوص تعلّم الحكم، و عن المحققين التقي و الرشتي رحمهم الله: القول به في جميع المقدمات المفوتة.

25

بإتيانها و يستعد لإيجاب ذي المقدمة عليه فلا محذور أيضاً. إن قلت: (1) و لو كان وجوب المقدمة في زمان كاشفاً عن سبق وجوب ذي المقدمة لزم وجوب جميع مقدماته و لو موسّعاً و ليس كذلك بحيث يجب عليه المبادرة لو فرض عدم تمكّنه منها لو لم يبادر، قلت (2): لا محيص عنه إلّا إذا أخذ في الواجب من قبل سائر المقدمات قدرة

و معنى الواجب النفسي التهيئي هو: أن يكون منشأ إيجاب المقدمة تكميل استعداد المكلّف لإتيان الواجب، فهو في الحقيقة برزخ بين الواجب النفسي المستقل و بين الواجب الغيري، فهو يشبه الأوّل في أنّ وجوبه لم يكن مترشحاً من واجب آخر، و يشبه الثاني في أنّه لم يكن بملاك مستقل بل هو في الملاك تابع للواجب المستقل إلّا أنّه بإرادة مستقلّة، فعليه لا مانع من أن يكون وجوبه فعلياً قبل وجوب الواجب، فبذلك يرتفع المحذور في المقدمات المفوتة.

و هذا الحلّ و إن لم يلزم منه محذور ثبوتاً كما لزم في الحلول المتقدمة إلّا إنّه لا شاهد له إثباتاً، و سيأتي إنّ أخبار التعلّم لا يستفاد منها ذلك، و مجرّد الإمكان الثبوتي لا يكفي للالتزام به خصوصاً و إنّ الظاهر من تلك الموارد ارتباط تلك المقدمات بالواجب ارتباط الشرط بالمشروط و هذا ينافي الواجب التهيّئي.

(1) هذا إشكال على ما اختاره من الحل و هو: استكشاف فعلية وجوب ذي المقدمة قبل حلول زمان إتيانه إنّاً عن طريق سبق فعلية مقدمته، و حاصله: إنّ ذلك يستلزم وجوب جميع مقدماته في ذلك الزمان لا خصوص المفوّتة منها فيجب في ذلك الزمان تحصيل الساتر و الطهارة و أمثالهما، مع أنّ من المسلّم عدم لزوم تحصيل تلك المقدمات و المبادرة اليها و إن فرض عدم التمكّن منها إن لم يبادر، و هذا يكشف عن عدم تمامية الحل.

(2) حاصل الجواب هو: أنّه لا مانع من الالتزام بوجوب الإتيان بالمقدمات‏

26

خاصة و هي القدرة عليه بعد مجي‏ء زمانه لا القدرة عليه في زمانه من زمان وجوبه فتدبّر جيّداً.

قبل زمان الواجب و صيرورة وجوبها فعلياً بفعلية وجوب ذيها و إن لم تكن من المفوّتة، إن كانت القدرة المعتبرة في المقدمة مطلقة أي من أول زمان الوجوب الى زمان وجود الواجب، و أمّا إذا كانت القدرة المعتبرة فيها مقيدة بخصوص زمان إتيان الواجب كما إذا استفدنا من قوله تعالى: «إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ» (1) إنّ وجوب الوضوء مختص بزمان يتمكن فيه من إتيان الصلاة، فلا بدّ من القول بعدم وجوب الوضوء قبل دخول الوقت و إن فرض عدم تمكّنه منه بعد دخول الوقت، و الإشكال و الجواب مذكوران في تقريرات الشيخ (قدّس سرّه).

و قد تبين: إنّ الحلول الأربعة لمشكلة المقدمة المفوتة كلها غير خالية عن الإشكال، و إن كان الحل الأخير أقلّ إشكالًا من الثلاثة لعدم امتناعها عقلًا غايته:

إنّه عارٍ عن الدليل.

و هناك حل خامس اختاره سيدنا الاستاذ تبعاً لاستاذه المحقّق النائيني (رحمه اللّه) و هو مركّب من مقدمتين: الاولى: أنّه في صورة ترك تلك المقدمة قبل دخول وقت الواجب يلزم تفويت الملاك عمداً، فمع ترك الغسل قبل الفجر في المثال يفوت ملاك صوم الغد فإنّه و إن صار ممتنعاً إلّا إنّ الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار، الثانية: إنّ تفويت الملاك عمداً يكون في القبح عند العقل كترك التكليف الإلزامي، ثمّ إنّه اختلف نظرهما في الاستنتاج من المقدمتين.

فالنائيني استكشف منهما وجود الملاك الملزم للصوم قبل الفجر غايته: إنّه لم يكن وجوبه فعلياً فلأجل وجود الملاك يجب الغسل ليلًا، إلّا إنّه لم يكن‏

____________

(1)- المائدة: 6.

27

...

مترشحاً من وجوب ذيها لما عرفت من عدم فعلية وجوبه، كما إنّ وجوبه لم يكن نفسياً إذ لم يكن له ملاك مستقل بل ملاكه هو التحفظ لرعاية الواجب النفسي و بنفس ملاك قوله تعال: «فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ» (1) فيكون وجوبه شرعياً (2).

و سيدنا الاستاذ استكشف منها إنّ العقل يحكم بلزوم إتيانها قبل زمان الواجب من دون استكشاف لحكم شرعي لأنّ استكشاف الحكم الشرعي من حكم العقل لا بد و أن يكون عن طريق قاعدة الملازمة بين حكم العقل و حكم الشرع، و لكن تلك القاعدة غير جارية في المقام كما لا تجري في حكم العقل بحسن الطاعة و قبح المعصية لأنّ الجميع من الأحكام العقلية الواقعية الواقعة في طول الحكم الشرعي، فيكون تعلق الحكم الشرعي المولوي به لغواً بل تحصيلًا للحاصل، ثمّ ذكر: إنّ لزوم الإتيان بالمقدمة المفوتة من قبيل لزوم الإتيان بالمقدمة العلمية فكما يحكم العقل بصحة العقاب على مخالفة التكليف الذي تتحقق في المستقبل و لو بترك ما يستلزم تركه مخالفة ذلك التكليف في زمانه كذلك نحكم بصحة العقاب على تفويت غرض المولى الملزم للزوم تحصيله، فإذا علم المكلف إنّ للمولى غرضاً ملزماً يتحقق بإتيان الفعل في الزمان المستقبل يحكم العقل حينئذٍ بلزوم المحافظة عليه و صحة العقاب على تفويته في ظرفه، فإذا توقف تحققه على الإتيان بالفعل في هذا الزمان لزم ذلك بحكم العقل لأنّه مقدمة علمية (3).

____________

(1)- البقرة: 185.

(2)- فوائد الاصول: ج 1، ص 202.

(3)- المحاضرات: ج 2، ص 316.

28

تتمة (1): قد عرفت اختلاف القيود في وجوب التحصيل و كونه مورداً للتكليف و عدمه فإن (2) علم حال القيد فلا إشكال و إن دار أمره ثبوتاً بين أن يكون راجعاً الى الهيئة نحو الشرط المتأخر أو المقارن، و أن يكون راجعاً الى المادة على نهج يجب تحصيله أو لا يجب، فإن كان في مقام الإثبات ما يعيّن حاله و إنّه راجع الى أيّهما من القواعد العربية فهو و إلّا فالمرجع هو الاصول العملية.

و هذا الحل هو الطريق المختار مع ما استنتجه سيدنا الاستاذ فإنّ ما ذكره المحقق النائيني (رحمه اللّه) يرجع الى الوجوب التهيئي و إن لم يعبّر عنه، و قد عرفت الكلام فيه.

تتمة في دوران القيد بين رجوعه الى المادة أو الهيئة

(1) لو دار أمر القيد بين رجوعه الى الهيئة أو الى المادة هل هناك مرجّح لأحدهما أم لا؟ و الاصل في هذا البحث هو الشيخ (قدّس سرّه) على ما يأتي.

(2) إذا أحرز في مقام الإثبات و بحسب القرائن أو القواعد العربية رجوع القيد الى أحدهما على نحو يحصل له ظهور فيه، فإنّه لا بد من العمل على طبقه بمقتضى حجية الظهور، و إن لم يكن له ذلك الظهور مثل ما إذا قال: أكرم العالم إن جاءك و تردّد أمره بين الرجوع الى المادة على نحو يجب تحصيل الشرط أو كان بوجوده الاتفاقي شرطاً و بين الرجوع الى الهيئة (الوجوب) بنحو الشرط المتأخر أو المقارن بأن لم يكن لكل من الاحتمالين مرجّح فقد وقع الخلاف في ذلك فالماتن (رحمه اللّه): على لزوم الرجوع الى الأصل العملي حينئذٍ لسقوط الكلام عن الظهور بعد فرض تساوي الاحتمالين، فإن كان الشك في وجوب تحصيل القيد و عدمه يكون الأصل الجاري فيه هو البراءة عن الوجوب.

29

و ربما (1) قيل في الدوران بين الرجوع إلى الهيئة أو المادة بترجيح الإطلاق في طرف الهيئة و تقييد المادة بوجهين أحدهما إنّ (2) إطلاق الهيئة يكون شمولياً كما في شمول العام لأفراده فإنّ وجوب الإكرام على تقدير الإطلاق يشمل جميع التقادير التي يمكن أن يكون تقديراً له و إطلاق المادة يكون بدلياً غير شامل لفردين في حالة واحدة.

(1) القائل هو الشيخ (قدّس سرّه) في التقريرات فإنّه فرض الشك في لزوم تقييد الهيئة و إبقاء إطلاق المادة بحاله أو العكس بأن يقيد إطلاق المادة و يبقى الهيئة على إطلاقه و لا يعترض عليه بأنّه كيف عنون المسألة بصورة الدوران بين الأمرين، و هو قائل بعدم إمكان تقييد الهيئة على ما تقدم كلامه مفصلًا لأنّ ما ذكره هنا من الشك مبني على الفرض و التقييد و المماشاة مع المشهور القائلين بإمكان تقييد الهيئة.

و اختار الثاني و هو تقييد المادة و ترجيحه على تقييد الهيئة بوجهين.

(2) حاصل الوجه الأوّل: هو إنّه في صورة الدوران يكون إطلاق الهيئة شمولياً مثل إطلاق‏ «أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ» (1)؛ لأنّ شأن الوجوب هو الاستمرار و الدوام الى أن يؤتى بمسقط له من إطاعة أو معصية أو غيرهما بخلاف المادة، فإنّ إطلاقها يكون بدلياً نظير الإطلاق في قوله تعالى‏ «فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ» (2) لأنّ الواجب هو صرف الوجود من الطبيعة و ليس له تكرار و لا استمرار، فإذا دار الأمر بين تقييد أحد الإطلاقين فإنّه لا بدّ من إرجاع القيد الى ما شأنه البدلية، و إبقاء ما من طبعه الاستمرار و الدوام على حاله.

____________

(1)- البقرة: 275.

(2)- النساء: 92.

30

ثانيهما (1): إنّ تقييد الهيئة يوجب بطلان محل الإطلاق في المادة و يرتفع به مورده بخلاف العكس و كلّما دار الأمر بين تقييدين كذلك كان التقييد الذي لا يوجب بطلان الآخر أولى، أمّا (2) الصغرى فلأجل إنّه لا يبقى مع تقييد الهيئة محل حاجة و بيان لإطلاق المادة لأنّها لا محالة لا تنفك عن وجود قيد الهيئة بخلاف تقييد المادة فإنّ محل الحاجة الى إطلاق الهيئة على حاله فيمكن الحكم بالوجوب على تقدير وجود القيد و عدمه‏

(1) الوجه الثاني لترجيح تقييد المادة يكون مركباً من مقدمتين على شكل قياس برهاني:

المقدمة الأولى و هي الصغرى: إنّ تقييد الهيئة مستلزم لبطلان محل الإطلاق في المادة فإن كان وجوب إكرام العالم مقيداً بالمجي‏ء في المثال كان بقاء إطلاق الإكرام لغواً، بخلاف العكس فإنّ الإكرام إن كان مقيداً بالمجي‏ء يكون إطلاق الوجوب مقيداً، أو بعبارة أخرى إنّ إرجاع القيد الى الهيئة مستلزم لرفع اليد عن إطلاقين بخلاف إرجاعه الى المادة.

المقدمة الثانية و هي الكبرى: كلّما دار الأمر في التقييد بين أن يرفع اليد عن إطلاقين أو إطلاق واحد لا ريب في تعيّن الثاني؛ لأنّ التقييد و إن لم يكن موجباً للمجازية على الصحيح إلّا أنّه على خلاف أصالة الظهور التي هي حجة ببناء العقلاء الذي هو المعتمد في المحاورات العرفية و أمضاها الشارع بالنسبة الى ألفاظ الكتاب و السنة، ففي فرض دوران الأمر بين ارتكاب خلاف ظاهرين أو ارتكاب خلاف ظاهر واحد لا بد من ترجيح الثاني.

(2) هذا بيان الصغرى و إثباتها و تقريبه كما عرفت: إنّه إذا قيّدنا مفاد الهيئة

31

و أمّا الكبرى (1) فلأنّ التقييد و إن لم يكن مجازاً إلّا أنّه خلاف الأصل و لا فرق في الحقيقة بين تقييد الإطلاق و بين أن يعمل عملًا يشترك مع التقييد في الأمر و بطلان العمل به، و ما ذكرناه من الوجهين موافق لما أفاده بعض مقرّري بحث الاستاذ العلامة أعلى اللّه مقامه، و أنت خبير (2) بما فيها أمّا في الأول (3) فلأنّ إطلاق الهيئة و إن كان شمولياً

(الوجوب) بالمجي‏ء في المثال فمعناه إنّه بدون المجي‏ء لا وجوب للإكرام، فلا أثر حينئذٍ لإطلاق المادة (الإكرام) بخلاف العكس، فإذا قيّدنا الإكرام بالمجي‏ء و أبقينا الوجوب على إطلاقه فإنّ له أثر واضح إذ يترتب على هذا الإطلاق وجوب مقدماته بعد فرض كون الوجوب فعلياً؛ لأنّ الوجوب حسب الفرض يكون حالياً و الواجب استقبالياً، و هذه فائدة مهمة لا يستهان بها.

(1) هذا تقرير الكبرى و إثباتها و حاصله انّه: لو دار الأمر بين ارتكاب عمل يوجب بطلان الدليل الآخر و ارتكاب ما لا يوجب ذلك لا ريب في تعيّن الثاني؛ لأنّ التقييد حسبما هو التحقيق عند الاصوليين منذ عهد سلطان العلماء (رحمه اللّه) و إن لم يوجب المجازية كما سيأتي تفصيله إن شاء اللّه في محلّه إلّا أنّه على خلاف الأصل أعني: أصالة الظهور، ففي فرض تقييد الهيئة و إن لم يلزم تقييد المادة إلّا أنّ المدّعى هو عدم بقاء أثر لإطلاقها، و لا فرق في نظر العقلاء بين يقيد أن الإطلاق أو أن يعمل عملًا يرتفع به أثر الإطلاق في كونه على خلاف الظاهر بعد فرض مساواتهما في كونهما على خلاف أصالة الظهور و على خلاف حكمة الوضع و هي:

التفهيم و التفهّم، بعبارة اخرى: لا فرق في إبطال العمل بالمطلق بين أن يكن على نحو الرفع أو على نحو الدفع.

(2) هذا شروع في الجواب عن الوجهين.

(3) هذا هو الجواب عن الوجه الأوّل و هو: إنّ إطلاق الهيئة و إن كان شمولياً

32

بخلاف المادة إلّا إنّه لا يوجب ترجيح على إطلاقها لأنّه أيضاً يكون بالإطلاق و مقدمات الحكمة غاية الأمر أنّها تارةً تقتضي العموم الشمولي و اخرى البدلي كما ربما يقتضي التعيين أحياناً كما لا يخفى.

و ترجيح (1) عموم العام على إطلاق المطلق إنّما هو لأجل كون دلالته بالوضع لا لكونه شمولياً بخلاف المطلق فإنّه بالحكمة فيكون العام أظهر منه فيقدم عليه فلو فرض أنّهما في ذلك على العكس فكان عام بالوضع دلّ على العموم البدلي و مطلق بإطلاقه دلّ الشمولي لكان العام يقدم بلا كلام.

و إطلاق المادة بدلياً كما ذكره، إلّا أنّه لا وجه لترجيح الإطلاق الشمولي على الإطلاق البدلي بعد فرض كون ظهور كلّ منهما في الإطلاق ناشئاً عن تمامية مقدمات الحكمة فيه، فهما في الظهور على حدّ سواء، مع أنّ المناط في ترجيح دليل على دليل آخر بالأظهرية، و مجرد الشمولية لا يوجب الأظهرية، بل الشمولية أو البدلية في مرتبة واحدة و سيأتي: إنّ نتيجة مقدمات الحكمة تختلف بحسب خصوصيات الموارد ففي مورد تنتج المقدمات الشمولية و في مورد آخر تنتج البدلية و في ثالث تنتج التعيين مثل مورد صيغة افعل فإنّ إطلاقها تقتضي خصوص النفسي العيني التعييني، و لكن الظهور في الجميع على حدّ سواء.

(1) هذا دفع توهم: و هو إنّ الشمولية إن لم تكن موجبة للترجيح على البدلية فلما ذا يقدم العام على المطلق عند التعارض مثل ما إذا قال المولى أكرم عالماً و لا تكرم الفساق؟ فعند التعارض كما إذا كان هناك عالم فاسق فإنّه لا بدّ من ترجيح الثاني فيه ويحكم بحرمة إكرامه، و ليس ذلك إلّا لأنّه شمولي و الأوّل بدلي.

و الدفع إنّه: إنّ تقديم الثاني على الأول لا إشكال فيه و لا كلام إلّا إنّه ليس ذلك من جهة شموليته، بل لأجل أنّ دلالته على العموم بالوضع بخلاف الأوّل فإنّ‏

33

و أمّا في الثاني (1) فلأنّ التقييد و إن كان خلاف الأصل إلّا إنّ العمل الذي يوجب عدم جريان مقدمات الحكمة و انتفاء بعض مقدماته لا يكون على خلاف الأصل أصلًا إذ معه لا يكون هناك إطلاق كي يكون بطلان العمل به في الحقيقة مثلًا التقييد الذي يكون على‏

دلالة لفظ عالم على الإطلاق يكون بمقدمات الحكمة و الدلالة الحاصلة بالوضع تقدم على الدلالة الحاصلة بمقدمات الحكمة، و لهذا لو انعكس الأمر بأن فرضنا دلالة المطلق على الإطلاق كان بالوضع و دلالة العام على العموم بمقدمات الحكمة لزم تقديم الأوّل على الثاني.

و هذه مسألة وقع الخلاف فيها فالشيخ (قدّس سرّه) يرى في المثال لزوم ترجيح الشمولي على البدلي و إنّ الوجه هو الشمولية، و الماتن (رحمه اللّه) يرى إنّ وجه الترجيح هو كون الدلالة بالوضع مع اتفاقهما على لزوم ترجيح العام على المطلق، و الصحيح: هو ما ذكرنا من لزوم ترجيح الأظهر على الظاهر فالشمولية في نفسها لا توجب الأظهرية كما ذكره الماتن (رحمه اللّه) ما لم تكن هناك عناية اخرى موجبة للأظهرية، فانّ تلك العناية قد تكون في طرف البدلية و الأمر في الظهور الوضعي، و الحِكَمي أيضاً كذلك فإنّه قد تكون في الطرف الدلالة الحاصلة من مقدمات الحكمة عناية خاصة موجبة للأظهرية، و بالجملة: إنّ موارد التعارض بين العام و المطلق و بين العامين أو المطلقين مختلفة و المناط في الترجيح: هو الأظهرية.

(1) هذا جواب عن الوجه الثاني و مرجعه الى إنكار الصغرى بعد فرض كون الكبرى مسلّمة و إنّ إرادة ما هو خلاف الظاهر يكون على خلاف الحكمة في التفهيم و التفهّم، إلّا إنّ في تقييد الهيئة لا يلزم ارتكاب خلاف الظاهر في إطلاقين، بل غاية ما يلزم هو المنع عن جريان مقدمات الحكمة في المادة لأنّ من المقدمات‏

34

خلاف الأصل، و بالجملة (1): لا معنى لكون التقييد خلاف الأصل إلّا كونه خلاف الظهور المنعقد للمطلق ببركة مقدمات الحكمة و مع انتفاء المقدمات لا يكاد ينعقد له هناك ظهور ليكون [كان‏] ذاك العمل المشارك مع التقييد في الأثر و بطلان العمل بإطلاق المطلق مشاركاً معه في خلاف الأصل أيضاً (2) و كأنه توهم‏

أن لا يكون هناك ما يصلح أن تكون قرينة على الخلاف و مع تقييد الهيئة تنتفي هذه المقدمة ففي الفرض لا ينعقد للمادة ظهور في الإطلاق، و ليس هذا على خلاف الأصل العقلائي و الذي هو خلاف الأصل إرادة خلاف الظاهر من اللفظ، و هذا الأمر غير متحقق في المقام بعد فرض عدم التقييد خارجاً.

(1) هذا بيان وجه إنكار الصغرى و هو: إنّ المراد من خلاف الأصل العقلائي هو أن يكون للكلام ظهور و أراد المتكلم خلافه، فخلاف الظهور هو فرع الظهور، فإذا فرض إنّ بتقييد الهيئة لا ينعقد للمادة ظهور في الإطلاق لأجل عدم تمامية مقدمات الحكمة فيه لم يكن ذلك خلاف الأصل العقلائي.

(2) ذكر هنا مؤيّداً لكلام الشيخ (قدّس سرّه) و ضعّفه أمّا المؤيّد فهو إنّه إذا كان للفظ ظهور في العموم لا بد من حمله عليه كما عليه بناء العقلاء و لا يرفع اليد عن ذلك إلّا بأحد أمرين أحدهما: ورود المخصص له و الثاني: إيجاد عمل يمنع من الأخذ بالعموم فليكن الأمر في المطلق كذلك.

و أمّا تضعيفه: فإنّ الأمر فى العام و إن كان كذلك إلّا إنّه قياس المطلق عليه في غير محلّه؛ و ذلك لأنّ ظهور العام في العموم يكون بالوضع فإذا تحقق أحد الأمرين كانت هناك قرينة صارفة مانعة عن الأخذ بالظهور الوضعي و هذا بخلاف المطلق فإنّ ظهوره في الإطلاق يكون بوسيلة مقدمات الحكمة، فإن تمّت فقد انعقد له ظهور في ذلك و إن لم تتم كما هو المفروض في محلّ الكلام حيث لم تتم مقدمات الحكمة في المادة بعد فرض تقييد الهيئة فلا يحصل له ظهور في الإطلاق.

35

إنّ إطلاق المطلق كعموم العام ثابت و رفع اليد عن العمل به تارة لأجل التقييد و اخرى بالعمل المبطل للعمل به، و هو فاسد لأنّه لا يكون إطلاق إلّا فيما جرت هناك المقدمات، نعم (1) إذا كان التقييد بمنفصل و دار الأمر بين الرجوع الى المادة أو الهيئة كان لهذا التوهم مجال حيث انعقد للمطلق إطلاق و قد استقر له ظهور و لو بقرينة الحكمة فتأمل.

أقول: سيأتي في بحث ألفاظ العموم أنّه يصرّح بأنّ ظهور بعضها في العموم يكون بالإطلاق لا بالوضع، فما ذكره هنا على نحو العموم منافٍ لما سيذكره هناك.

(1) استدرك عمّا ذكره في مسألة الدوران من أنّ ما ذكرناه من عدم الترجيح هو في المقيد المتصل، و أمّا إذا كان المقيد منفصلًا فقد انعقد لكل من القيد و المقيد ظهور في الإطلاق و حينئذٍ يتمّ ما ذكره الشيخ (رحمه اللّه) من لزوم ترجيح إطلاق الهيئة و تقييد المادة.

و يمكن أن يناقش بأنّه: في فرض انفصال دليل المقيد و انعقاد الظهور لكل من المقيِّد و المقيَّد في الإطلاق و تعارض الإطلاقان لا بدّ للترجيح من دليل يبيّن أظهرية الراجح و هو مفقود فرضاً، فلا فرق بين المقيد المتصل و المنفصل في عدم الترجيح و لعلّه لهذا أمر بالتأمل. نعم يختلف المتصل عن المنفصل بأنّه في أنّ الأوّل لا ينعقد لكل منهما ظهور في الإطلاق من جهة عدم تمامية مقدمات الحكمة لوجود ما يصلح أن تكون قرينة بالنسبة الى كلّ من الإطلاقين، و في الثاني قد انعقد الظهور لكل من الإطلاقين بعد فرض تمامية مقدمات الحكمة بالنسبة الى كل منهما، فيقع التنافي بينهما و لا مرجح لأحدهما على الآخر فيتساقطان بالتعارض.

36

و منها: تقسيمه إلى النفسي و الغيرى و حيث (1) كان طلب شي‏ء و إيجاده (2) لا يكاد يكون بلاد داعٍ فإن كان الداعي فيه التوصّل به الى واجب لا يكاد يمكن التوصل بدونه اليه لتوقفه عليه فالواجب غيري‏

[و منها تقسيمه الى‏] النفسي و الغيري‏

(1) هذا التقسيم أشدّ ارتباطاً بمسألة مقدمة الواجب من سائر التقسيمات لأنّ وجوب المقدمة على القول به غيري، فلا بدّ من الاعتناء الأكثر بهذا التقسيم.

ذكروا لكل من الواجب الغيري و الواجب التوصّلي تعاريف و المشهور هو:

إنّ الواجب النفسي ما أمر به لنفسه و الغيري ما أمر به لأجل غيره، و أورد عليه كما في التقرير بأنّ التعريف لم يكن مانعاً لأنّ كثيراً من الواجبات النفسية داخلة في الواجبات الغيرية لأنّها مطلوبات شرعاً لأجل غايات هي خارجة عن حقيقتها فيصدق عليه انّه أمر لأجل غيره، ثمّ قال: فالأولى تحديدهما هو: إنّ الواجب الغيري ما أمر به للتوصّل الى واجب آخر و النفسي ما لم يكن كذلك فإنّه سيتمّ فيه الطرد و العكس و سيأتي الإشكال عليه في المتن.

و الماتن (رحمه اللّه) حسب عادته عدل عن التعريف الى بيان خصوصيات الواجبين لأنّه يرى إنّ هذه التعاريف كلها ليست بتعاريف حقيقية، فيمكن معرفتهما عن طريق الخصوصيات أحسن من ذكر التعريف.

(2) لأنّه فعل اختياري لا بدّ و أن يكون له داعياً و الداعي لإنشاء الوجوب إمّا أن يكون التوصّل به الى واجب آخر و كان الآخر متوقفاً على هذا المنشأ بحيث لا يتوصّل اليه بدونه، و إمّا أن لا يكون الداعي اليه ذلك فالأول هو: الواجب الغيري و الثاني هو: الواجب النفسي.

37

و إلّا فهو نفسي سواء (1) كان الداعي محبوبية الواجب بنفسه كالمعرفة باللّه تعالى أو محبوبيته بماله من فائدة مترتبة عليه كأكثر الواجبات من العبادات و التوصّليات هذا لكنّه (2) لا يخفى إنّ الداعي لو كان هو محبوبيته كذلك أي بما له من الفائدة المترتبة عليه كان‏

(1) الواجب النفسي قد يكون محبوباً ذاتاً لا لما يترتب عليه من الفائدة كمعرفة اللّه سبحانه، و قد يكون محبوباً لما يترتب عليه من الفائدة كغالب الواجبات النفسية بناءً على ما هو الصحيح: من تبعية الأحكام للمصالح و المفاسد و لهذا اشتهر: (إنّ الواجبات الشرعية ألطاف في الواجبات العقلية) سواءً كان الواجب عبادياً أم توصّلياً و يندرج فيه الواجبات الاختيارية. ثمّ إنّ في التمثيل للأول بالمعرفة إشكالًا لما ذكر لها من الفائدة في علم الكلام من أداء شكر المنعم بها و دفع احتمال الضرر بها و الوصول الى كمال النفس بها، و الصحيح أنّه: لا يعرف له مثالًا.

(2) هذا إشكال على التقريرات من أنّه يرد عليه ما أورده على التعريف المشهور: من استلزامه لدخول غالب الواجبات النفسية في تعريف الواجب الغيري؛ لأنّ الفوائد التي من أجلها أوجب الشارع الواجبات توصلياً كان الواجب أم تعبّديّاً تكون دواعي للتوصّل به الى الواجب فالصلاة واجبة لكونها معراج المؤمن، فيلزم على التعريف أن تكون واجبة غيرية مع أنّ الأمر ليس كذلك، فإشكال عدم الطرد وارد عليه أيضاً.

و يمكن الجواب عنه بأنّ: مراد الشيخ (قدّس سرّه) من (الواجب الآخر) في التعريف:

ما تعلّقت به الإرادة مستقلًا و كلّف بأن يؤتى به، و هذا لا ينطبق على الفوائد و الملاكات المترتبة على متعلقات الأحكام.

38

الواجب في الحقيقة واجباً غيرياً فإنّه لو لم يكن وجود هذه الفائدة لازماً لما دعا الى إيجاب ذي الفائدة، فإن قلت (1): نعم و إن كان وجودها محبوباً لزوماً إلّا أنّه حيث كانت من الخواص المرتبة على الأفعال التي ليست داخلة تحت قدرة المكلف لما كاد يتعلق بها بهذا الإيجاب، قلت (2): بل هي داخلة تحت القدرة لدخول أسبابها تحتها و القدرة على السبب‏

(1) هذا إشكال على الإيراد المتقدم و حاصله: هو إنّ الفوائد المترتبة على متعلقات الأحكام المعبّر عنها بالمصالح و إن كانت محبوبة للمولى، إلّا إنّه لا يتعلق الطلب بها لأنّها من قبيل الخواص المترتبة على الأشياء و الخارجة عن قدرة المكلف.

(2) هذا جواب الإشكال و هو: إنّ الفوائد و المصالح و إن لم تكن مقدورة في نفسها إلّا إنّها من المسبّبات التي تكون مقدورة بالقدرة على أسبابها، فهي مقدورة بالواسطة فتكون مقدورة، و لهذا نرى الأمر بكثير من المسبّبات التي تكون أسبابها مقدورة كالطهارة الحاصلة من الغُسل في قوله تعالى: «وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا» (1) و النكاح مثل (تناكحوا) و العتق مثل: (اعتق رقبة) و كذلك التمليك و الطلاق و أمثال ذلك، فلو كانت غير مقدورة لما تعلّق التكيف بها.

و المحقق النائيني (رحمه اللّه) يرى: إنّ المصالح ليست من قبيل المسبّبات المقدورة السبب و إنّما هي معلولة لما يكون بعض أجزاء علّته مقدوراً و بعضها غير مقدور، و أورد عليه سيدنا الاستاذ: من أنّ الغرض الأقصى و إن كان خارجاً

____________

(1)- المائدة: 6.

39

قدرة على المسبّب و هو واضح و إلّا لما صح وقوع مثل التطهير و التمليك و التزويج و الطلاق و العتاق الى غير ذلك من المسبّبات مورداً لحكم من الأحكام التكليفية، فالأولى (1) أن يقال: إنّ الأثر المترتب عليه و إن كان لازماً إلّا أنّ ذا الأثر لمّا كان معنوناً بعنوان حسن يستقل العقل بمدح فاعله بل و بذمّ تاركه صار متعلقاً للإيجاب بما هو كذلك و لا ينافيه كونه مقدمة لأمر مطلوب واقعاً بخلاف الواجب الغيري لتمحّض وجوبه في أنّه لكونه‏

عن القدرة و لكن الغرض الأدنى و هو الإعداد و التهيّؤ يكون مقدوراً للمكلف و هو كافٍ في مقدوريته، و الصحيح: إنّ الطريق الموصل الى الغرض الأقصى نوعاً غالباً في علم اللّه هو ما أمر به فإن تمكّن المكلّف من تطبيقه دقيقاً و لم يخطأ في تشخيصه يكون موصلًا اليه قطعاً، إلّا إنّ ذلك غير ميسّر إلّا للأولياء الذين هم خزّان علمه و معادن حكمته، فالمانع ليس عدم القدرة الذي ادّعاه النائيني (رحمه اللّه) و إنّما هو جهلنا بالسبب الحقيقي حتّى يظهر اللّه وليّه و يعلّمنا شيئاً من علومه.

(1) هذا هو التعريف الصحيح المقتبس من تعريف الشيخ (قدّس سرّه) مع التصحيح و التصليح و حاصله: إنّ كلًا من الواجب النفسي و الواجب الغيري يكون لازماً للفائدة و الأثر المترتب عليه من المصالح الداعية الى الأمر به، و إنّ وجوبه يكون تابعاً لتلك المصلحة إلّا إنّ الفعل قد يكون بالإضافة الى كونه ذا فائدة مع ذلك يكون معنوناً بعنوان حسن و متصفاً بالحسن الذاتي الذي يستقل العقل بمدح فاعله و ذمّ تاركه، و لأجل ذلك الحسن صار مطلوباً للمولى، فالأمر به لم يكن لأجل كونه ذا فائدة فحسب بل لأجل كونه ذا حسن ذاتي، و قد لا يكون بالإضافة الى كونه ذا

40

مقدمة لواجب نفسي و هذا أيضاً لا ينافي أنّه يكون معنوناً بعنوان حسن في نفسه إلّا إنّه لا دخل له في إيجابه الغيري و لعله (1) مراد من فسّرهما بما أمر به لنفسه و ما أمر به لأجل غيره فلا (2) يتوجه عليه الاعتراض بأنّ‏

فائدة ذا حسن و إنّ الأمر به لم يكن لأجل كونه حسناً، إن كان في نفسه حسناً، فالأول هو الواجب النفسي و الثاني هو الواجب الغيري.

فالواجب النفسي هو ما يكون الأمر به منبعثاً عن حسنه الذاتي لا عن المصالح المترتبة عليه حتّى يكون بلحاظه واجباً غيرياً، و الواجب الغيري هو ما لم يكن الأمر المتعلّق به منبعثاً عن حسنه الذاتي سواء كان معنوناً بالحسن كالطهارات الثلاث فإنّ الوضوء نور كما في الحديث، إلّا أنّ الأمر به لم يكن لذلك، أم لم يكن معنوناً بالحسن كنصب السلّم للصعود على السطح، فعلى هذا التعريف تكون النفسية و الغيرية صفتان إضافيتان و على تعريف الشيخ (رحمه اللّه) إنّهما متباينان.

أقول: لا شك في أنّ الواجبات النفسية كلها معنونة بعنوان حسن إلّا أنّه لا يلزم أن يكون ذاتياً بل يمكن أن يكون بالوجوه و الاعتبار، و هذا الأمر موجود في الواجبات الغيرية فتعريف المتن أيضاً لم يرجع الى محصّل.

(1) هذا توجيه لتعريف المشهور على نحو ينطبق على تعريفه الأخير و هو أنّه يحتمل أن يكون مرادهم من الواجب النفسي: ما امر به لنفسه أي لحسن نفسه و من الواجب الغيري: ما امر به لأجل غيره أي لكونه مقدمة لذي عنوان حسن على حذف المضاف.

(2) بما ذكر من التوجيه يسلم تعريف المشهور عن إيراد التقريرات عليه و هو: (استلزامه لصيرورة جلّ الواجبات لو لا كلها واجبات غيرية لأنّ جلّها مطلوبات لأجل غايات هي خارجة عن حقيقتها).

41

جلّ الواجبات لو لا الكلّ يلزم أن يكون من الواجبات الغيرية فإنّ المطلوب النفسي قلّ ما يوجد في الأوامر فإنّ جلّها مطلوبات لأجل الغايات التي هي خارجة عن حقيقتها فتأمل.

ثمّ (1) إنّه لا إشكال فيما إذا علم بأحد القسمين و أمّا إذا شك في واجب إنّه نفسي أو غيري فالتحقيق (2): إنّ الهيئة و إن كانت موضوعة

و لكن في هذا التوجيه مضافاً الى وجود الكلفة الشديدة و الإضمار من دون قرينة عليه، إنّه: غير مقصود لهم لأنّهم أرادوا به إنّه لا يكون الواجب النفسي غاية غير إتيان متعلّقه بعنوان لا بعنوان حسن المنطبق عليه، فإيراد الشيخ (قدّس سرّه) يكون وارداً عليه، و قد أطال الكلام في التعريف و هو منافٍ لمبناه من أنّه تعريف لفظي و شرح الإسم فإن كان الغرض من التعريف إعطاء عنوان مشير الى المعرّف فتعريف المشهور كافٍ لذلك و إن كان الغرض منه معرفة كنههما فالأحسن تحصيلها عن طريق الخواص و المميزات، و حيث لا ثمرة عملية له فلا طائل لإطالة الكلام فيه.

(1) هذا هو البحث المهم في المسألة و هو: إنّ كثيراً من الواجبات الشرعية يكون نفسيته أو غيريته معلومة إلّا إنّ هناك موارد يشك في كون وجوبه نفسياً أو غيرياً مثل: صلاة الطواف و متابعة المأموم للإمام في الجماعة، و في مثله هل الأصل يقتضي البناء على النفسية أو على الغيرية؟ و قد ذهب الى كلّ منهما جماعة من الأعلام فالماتن (رحمه اللّه) تبعاً لجماعة اختار الأول، و جماعة منهم الشهيد اختاروا الثاني و الكلام هنا لا بد من أن يقع في مقامين أحدهما: فيما يقتضيه الأصل اللفظي و الثاني: فيما يقتضيه الأصل العملي بعد فقد الدليل اللفظي.

(2) هذا كلام في المقام الأول و هو: إنّ الأمر و إن كان موضوعاً لجامع‏

42

لما يعمّها إلّا أنّ إطلاقها يقتضي كونه نفسياً فإنّه لو كان شرطاً لغيره لوجب التنبيه عليه على المتكلم، و أمّا (1) ما قيل: من أنّه لا وجه للاستناد الى إطلاق الهيئة لدفع الشك المذكور بعد كون مفادها للأفراد التي لا يعقل فيها التقييد نعم لو كان مفاد الأمر هو مفهوم الطلب صح القول بالإطلاق لكنّه بمراحل من الواقع إذ لا شك في اتصاف‏

الطلب الصادق على النفسي و الغيري إلّا أنّ إطلاق الصيغة بضميمة مقدمات الحكمة يقتضي النفسية لأنّ الغيرية تحتاج الى بيان زائد، فإذا كان مراد المتكلم الغيرية لزم على الحكيم أن يبيّنه حتّى لا يلزم الإخلال بالغرض، و مع عدم البيان لا بد من البناء على الإطلاق كما تقدّم ذلك في أبحاث الصيغة، ففي صورة الشك لا بد من البناء على أصالة النفسية.

(1) القائل هو: الشيخ (قدّس سرّه) على ما في تقريراته ذكره إيراداً على أصالة النفسية و بنى إيراده على مقدمتين إحداهما: إنّ مفاد الصيغة معنى حرفي و هو جزئي غير قابل للتقييد، فإذا لم يكن قابلًا للتقييد لم يكن قابلًا للإطلاق لأنّ التقابل بينهما هو تقابل العدم و الملكة، الثانية: لا شك في أنّ الفعل المأمور به إنّما يتصف بالمطلوبية من جهة تعلق مصداق الطلب اليه الذي يكون بالحمل الشائع طلباً و قائماً بنفس المولى لا مفهومه، و هو غير قابل للتقييد، و الذي يعقل تقييده هو مفهوم الطلب و لكنه لا يتصف الفعل الخارجي المطلوب بمفهوم الطلب و الإرادة بالوجدان، كما إنّ الفعل يصير مراداً بواسطة واقع الارادة و حقيقتها به لا بواسطة مفهومها بلا ريب.

43

الفعل بالمطلوبية بالطلب المستفاد من الأمر و لا يعقل اتصاف المطلوب بالمطلوبية بواسطة مفهوم الطلب فإنّ الفعل يصير مراداً بواسطة تعلّق واقع الإرادة و حقيقتها لا بواسطة مفهومها و ذلك واضح لا يعتريه ريب، ففيه (1): إنّ مفاد (2) الهيئة كما مرّت الإشارة اليه ليس الأفراد بل هو مفهوم الطلب كما عرفت تحقيقه في وضع الحروف و لا يكاد يكون فرد الطلب الحقيقي و الذي يكون بالحمل الشائع طلباً و إلّا لما صح إنشاؤه بها ضرورة: إنّه من الصفات الخارجية الناشئة من الأسباب الخاصة: نعم (3) ربما يكون هو السبب بإنشائه كما يكون غيره أحياناً و اتصاف (4) الفعل بالمطلوبية

(1) هذا شروع في الجواب عن كلتا المقدمتين.

(2) هذا هو الجواب عن المقدمة الاولى و حاصله: إنّ مفاد الهيئة ليس مصداق الطلب الذي هو صفة قائمة بالنفس و هو فرد خارجي غير قابل للإطلاق و التقييد، بل مفادها هو مفهوم الطلب الذي هو قابل للإطلاق و التقييد و ذلك لأنّ الطلب الخارجى الذي هو مصداق الطلب أمر خارجي و ناشٍ من أسباب خاصة فلا يمكن أن ينشأ بالصيغة مع أنّ الطلب إنّما يتحقق بسبب الإنشاء فلا بد و أن يكون المنشأ أمراً قابلًا للإنشاء و ليس ذلك إلّا مفهوم الطلب كما تقدم في بحث الصيغة.

(3) ذكر في هذا الاستدراك إنّه: قد يكون الطلب الخارجي داعياً و سبباً للإنشاء كما قد يكون الداعي له غيره مثل التمنّي و الترجّي و التهديد و أمثال ذلك ممّا ذكر معنى للصيغة، إلّا إنّ ذلك لا يقتضي أن يكون مفاد ذاك المعنى الصيغة كما إنّ بقية الدواعي أيضاً لا تكون مفاد الصيغة.

(4) هذا هو الجواب عن المقدمة الثانية و حاصله: إنّ الفعل المأمور به قد

44

الواقعية و الإرادة الحقيقية الداعية الى إيقاع طلبه و إنشاء إرادته بعثاً نحو مطلوبه الحقيقي و تحريكاً الى مراده الواقعي لا ينافي اتصافه بالطلب الإنشائي أيضاً و الوجود الإنشائي لكل شي‏ء ليس إلّا قصد حصول مفهومه بلفظه كان هناك طلب حقيقي أو لم يكن بل كان إنشاؤه بسبب آخر و لعل (1) منشأ الخلط و الاشتباه تعارف التعبير عن مفاد

يتصف بالمطلوبة الحقيقية كما ذكره الشيخ (قدّس سرّه) و قد يتصف بالمطلوبية الإنشائية و قد يتصف بهما، و توضيحه: (على ما تقدم في معنى الصيغة) إنّ النسبة بين الطلب الحقيقي الذي هو صفة من صفات النفس و الطلب الإنشائي أعني ما قصد حصول مفهومه بلفظه على مبنى المشهور لتعريف الإنشاء- و إيجاد اللفظ بداعي إبراز ما في نفسه من الطلب (على مبنى المختار تبعاً للسيد الاستاذ) هو العموم من وجه، فإذا قال المولى لعبده: اسقني ماء، و جاء العبد بالماء فإن كان المولى عطشاناً واقعاً ففعل العبد كما يتصف بكونه مطلوباً إنشائياً يتصف بكونه مطلوباً حقيقياً أيضاً، و إن لم يكن عطشاناً و إنّما أراد بذلك اختبار العبد فإنّه يتصف بكونه مطلوباً إنشائياً، و إن لم يطلب منه السقي لمانع و كان في الواقع عطشاناً فإنّ إتيانه الماء يتصف بالمطلوبية الحقيقية.

فما أفاده في المقدمة الثانية من أنّ الفعل يتصف بالمطلوبية الحقيقية فقط غير صحيح، بل إنّه كما تتصف بها كذلك تتصف بالإنشائية و قد تتصف بهما، و إنّ الاتصاف بهما هو ما إذا أنشأ الطلب و كان داعيه للإنشاء الطلب الحقيقي الذي كان في نفسه لا التمنّي أو الترجّي أو غيرهما، و هذا لا يثبت ما ادعاه من أنّ مفاد الصيغة هو مصداق الطلب و هو غير قابل للتقييد، بل مفادها هو مفهوم الطلب و هو قابل للتقييد.

(1) هذا توجيه كلام الشيخ (قدّس سرّه) و مناقشته: و هو إنّه (قدّس سرّه) لاحظ التعبير

45

الصيغة بالطلب المطلق فتوهّم منه إنّ مفاد الصيغة يكون طلباً حقيقياً يصدق عليه الطلب بالحمل الشائع، و لعمري إنّه من قبيل اشتباه المفهوم بالمصداق.

فالطلب (1) الحقيقي إذا لم يكن قابلا للتقييد لا يقتضي أن [لا] يكون مفاد الهيئة قابلا له و إن تعارف تسميته بالطلب أيضا و عدم تقييده بالإنشائي لوضوح إرادة خصوصه و أن الطلب الحقيقي لا يكاد

المتعارف عن مفاد الصيغة بأنّه (الطلب) مطلقاً من دون تقييد له بالحقيقي و الإنشائي، و توهّم إنّ مرادهم بذلك هو خصوص الحقيقي الذي هو طلب بالحمل الشائع و إنّه فرد خارجي لا يكون كليّاً حتّى يكون قابلًا للتقييد كما لا يكون له إطلاق، مع إنّ المراد مفهوم الطلب لتعلّق الإنشاء به و الإنشاء لا يتعلّق إلّا بالمفهوم كما هو الحال في جميع موارد الإنشاء و منشأ ما ذهب إليه (قدّس سرّه) هو اشتباه المفهوم بالمصداق الذي قد يقع من الأعلام.

(1) المراد منه مصداق الطلب الذي هو صفة من الصفات النفسانية و هو فرد لا يقتضي الإطلاق و التقييد، إلّا إنّ مفاد الهيئة هو مفهوم الطلب و يعبّر عنه بالطلب الإنشائي و أمّا ما نشاهده من التعبير عن مفهوم الصيغة ب- (الطلب) المطلق من دون تقييد له بالإنشائي فلأجل وضوح إنّ الطلب الحقيقي أمر تكويني غير قابل للإنشاء فلا يتوهم من الإطلاق غير الطلب الإنشائي.

تكرّر هذا النزاع بين العلمين في مفاد الصيغة فالشيخ (قدّس سرّه) يرى إنّه هو الطلب الحقيقي و إنّ الفعل يتصف بالمطلوب حقيقية، و الماتن (رحمه اللّه) يرى إنّه هو الطلب الإنشائي لأنّه هو قابل بالصيغة و الطلب الحقيقي لا ينشأ بالصيغة لأنّه أمر تكويني، و ما وقع منهما غريب فإنّ كلًّا من الطلبين وجود اسمي لا يمكن أن يكون مدلولًا للصيغة الذي هو معنى حرفي فلا بد من أن يكون مفادها النسبة الطلبية، و هل إنّها قابلة للتقيد أم لا؟ فقد تقدم الكلام فيه في مسألة الواجب المشروط.

46

ينشأ بها كما لا يخفى. فانقدح (1) بذلك صحة تقييد مفاد الصيغة بالشرط كما مر هاهنا بعض الكلام و قد تقدم في مسألة اتحاد الطلب و الإرادة ما يجدي المقام، هذا إذا كان هناك إطلاق.

و أما (2) إذا لم يكن فلا بد من الإتيان به فيما إذا كان التكليف بما

(1) تبيّن ممّا تكلّم به هاهنا (مسألة مقدمة الواجب) حيث استوعب البحث عنه في مسألة الواجب المشروط، كما تكلّم عنه في بحث الصيغة من أنّ مفادها هو الطلب الإنشائي و لا أقل من انصرافه اليه عند الإطلاق و هو قابل للتقييد بالشرط لأنّه كلّي و يكون له إطلاق، و حينئذٍ عند الشك في النفسية و الغيرية لا مانع من التمسك بإطلاق الهيئة لدفع احتمال الغيرية، و تلخّص الكلام في المقام الأوّل إنّه:

لا مانع من التمسك بالأصل اللفظي لإثبات الغيرية.

(2) هذا هو الكلام في المقام الثاني و هو ما يقتضيه الأصل العملى إن لم يمكن التمسك بالأصل اللفظي كما إذا لم يكن لدليل الوجوب بإطلاق بأن كان مجملًا أو لم يكن لفظياً و محصّل الكلام فيه: تارةً يكون عالماً بوجوب ما احتمل أن يكون مشروطاً بالذي يشك في نفسيته أو غيريته و كان التكليف بالنسبة اليه فعلياً، و اخرى يشك في وجوبه فعلًا ففى الصورة الأولى يجب الإتيان بما يشك في نفسيته أو غيريته لقاعدة الاشتغال، و في الصورة الثانية يكون من موارد الشك في التكليف فيرجع الى البراءة مثال ذلك: ما إذا شك في أنّ الوضوء واجب غيري لقراءة القرآن أو إنّه مطلوب نفسي، فإن كان وجوب قراءة القرآن فعلياً وجب الإتيان بالوضوء و إن لم يعلم جهة وجوبه، و إن لم يكن وجوبها فعلياً بل كان مشكوكاً فيرجع الى البراءة بالنسبة الى الوضوء.

47

احتمل كونه شرطا له فعليا للعلم بوجوبه فعلا و إن لم يعلم جهة وجوبه، و إلّا (1) فلا لصيرورة الشك فيه بدويا كما لا يخفى.

(1) في العبارة إيجاز مخلّ و الصحيح أن يقول: (و إن لم يكن التكليف به فعلياً فلا يجب الإتيان به) و هي تشمل صورتي العلم بعدم الوجوب و الشك فيه.

و أورد عليه المحقق النائيني (رحمه اللّه) بأنّ: المفروض في الصورة الأولى العلم بوجوب كلّ من الواجبين و الشك في تقييد أحدهما بالآخر فبالنسبة الى التقييد تجري البراءة فتثبت النفسية و للمكلف أن يأتي بكل من الواجبين قبل الآخر مثل ما إذا علم بوجوب الإحرام و الطواف مثلًا و شك في تقيّد الطواف بالإحرام فبالنسبة الى التقيّد تجري البراءة و تكون النتيجة جواز إتيان الإحرام قبل الطواف و بعده‏ (1).

و أجاب عنه سيدنا الاستاذ بأنّا: نعلم إجمالًا بأنّ الطواف إما أن يكون مقيّداً بالإحرام و إمّا أن يكون واجباً نفسياً، و مقتضى تنجّز العلم الإجمالي وجوب الاحتياط عليه بعد فرض عدم جريان الأصل النافي في كلّ منهما، فلا محيص عن الاحتياط عقلًا بالإحرام أولًا ثمّ الطواف بعده لأنّ المقام نظير العلم الإجمالي بين المتباينين و النتيجة: إنّه لا بد من معاملة الوجوب الغيري مع الإحرام‏ (2).

____________

(1)- أجود التقريرات: ج 1، ص 170.

(2)- المحاضرات: ج 2، ص 392.

48

تذنيبان الأول (1): لا ريب في استحقاق الثواب على امتثال الأمر النفسي و موافقته و استحقاق العقاب على عصيانه‏

[تذنيبان‏]

التذنيب الأوّل [لا ريب فى استحقاق الثواب على امتثال الامر النفسى‏]

(1) هذا التذنيب منعقد لدفع إشكالين على بعض الواجبات الغيرية و منشؤهما هو: إنّ للواجب الغيري خاصتان يمتاز بهما عن الواجب النفسي إحداهما: إنّ الواجب الغيري لم يستتبع ثواباً في امتثاله و لا عقاباً في عصيانه و الواجب النفسي يستتبعهما، فلو ترك الواجب الذي له مقدمات لا يستحق إلّا عقاباً واحداً و في فرض امتثاله لا يستحق إلّا ثواباً واحداً. ثانيهما: إنّ الواجب الغيري وجوبه توصّلي لا يعتبر في امتثاله قصد القربة إلّا إنّا نرى في الواجبات الغيرية ما ليس فيه الخاصتان، أمّا الخاصة الأولى: فإنّه قد ورد بالنسبة الى بعض المقدمات الثواب و أمّا الخاصة الثانية: فإنّ هناك بعض الواجبات الغيرية يعتبر في صحتها قصد القربة، و يمكن المثال للجهتين بالطهارات الثلاث.

و ليعلم: إنّ المتكلمين تسالموا على أنّ العقوبة على المعصية يكون من باب الاستحقاق عقلًا لأنّ العبد في معصيته يكون طاغياً و متمرداً على المولى الذي هو ظلم له بالحمل الشائع و قبيح عقلًا، كما تسالموا على أنّ الثواب للانقياد (و هو إتيان العمل برجاء كونه مطلوباً) يكون من باب التفضّل و يستحق فاعله المدح، و أمّا بالنسبة الى الطاعة فقد اختلفوا فذهب جمهور العامة و أكثر المتكلمين من العدلية على استحقاقه الثواب، و ذهب جمع من المحققين منهم شيخنا المفيد (رحمه اللّه) الى أنّ الثواب لها من باب التفضّل، و هذا هو الأقرب لأنّ الاستحقاق بمعنى ثبوت الحق للمطيع بإزاء إطاعته على نحو يكون منعه عنه ظلماً فإنّه قابل للمنع؛ لأنّ‏

49

و مخالفته عقلا و أما استحقاقهما على امتثال الغيري و مخالفته ففيه (1) إشكال‏

اللازم عقلًا على العبد الجري على رسم العبودية و العمل بما يأمره المولى لا لطمع أجر و جزاء، و العبد بالنسبة الى التكاليف الإلهية جارٍ على طبق وظيفة العبد بالنسبة الى المولى لا الأجير بالنسبة الى المستأجر، و لا ينافي ذلك استحقاقه المدح من العقلاء فإنّ ذلك غير ما هو المبحوث عنه في محل النزاع كما إنّ ذلك لا ينافي استحقاقه شرعاً للثواب بإزاء إطاعته بمعنى إنّ المولى يثيبه وفاء للوعد الذي وعد عباده المطيعين بثواب من الجنة و إنّ خلف الوعد قبيح، فإنّ هذا ليس استحقاقاً عقلياً لسبقه الوعد و لولاه لما كان له شي‏ء عقلًا، فالاستحقاق العقلي للثواب غير ثابت بالنسبة الى التكاليف النفسية فضلًا عن الغيرية فما ذكره في المتن بقوله: (لا ريب في استحقاق الثواب على امتثال الأمر النفسي و موافقته و استحقاق العقاب على عصيانه و مخالفته عقلًا) صحيح بالنسبة الى العقاب و ممنوع بالنسبة الى الثواب.

(1) وجه الإشكال هو إنّ الثواب و العقاب تابعان للأمر الحقيقي الصادر بداعي البعث الحقيقي، و هذا الأمر ثابت في الأوامر النفسية، و أمّا الأوامر الغيرية فإنها صادرة بداعي إمكان الوصول الى امتثال الأمر النفسي، فلو فرض إمكان وصوله إليه بدون الإتيان بالمأمور به بالأمر الغيري لم يتعلّق به أمر. فبناءً على هذا ان من امتثل الأمر الغيري فهو و إن كان مطيعاً لأمر صادر من الشارع الذي كان العقل يحتّم عليه العمل على طبقه، إلّا إنّ صدوره لم يكن لأجل مصلحة في متعلقه بل هو لأجل مصلحة الوصول الى الواجب النفسي، و في مثله لا يستقل العقل باستحقاق العقاب على معصيته كما لا يكون أهلًا لتفضل المثوبة اليه.

50

و إن (1) كان التحقيق عدم الاستحقاق على موافقته و مخالفته بما هو موافقة و مخالفة ضرورة استقلال العقل بعدم الاستحقاق إلّا لعقاب واحد أو لثواب كذلك فيما خالف الواجب و لم يأت بواحدة من مقدماته على كثرتها أو وافقه و أتاه بما له من المقدمات، نعم (2) لا بأس باستحقاق العقوبة على المخالفة عند ترك المقدمة و زيادة المثوبة على الموافقة فيما لو أتى بالمقدمات بما هي مقدمات له من باب أنه يصير حينئذ من أفضل الأعمال حيث صار أشقها

و لأجل هذا الإشكال ذهب جمع من الأساطين منهم الشيخ الأعظم و الماتن الى أنّ طاعة الأمر الغيري لم يكن مورداً للثواب و عصيانه لم يكن مورداً للعقاب، و عن بعض على ما نقله في القوانين ثبوتهما على الأمر الغيري، و عن المناهل احتماله، و عن الغزالي الى ثبوت الثواب دون العقاب، و عن بعض عكس ذلك و اختار سيدنا الأستاذ إنّ العقاب لا يترتب إلّا على ترك ذي المقدمة و لكن الثواب يترتب على فعلها إذا قصد بها الامتثال فيستحق ثواباً زائداً على ثواب ذي المقدمة (1).

(1) لأنّ العقل الذي هو الحاكم بالاستقلال في استحقاق العقاب و عدمه لا يرى في امتثال الواجب النفسي أكثر من ثواب واحد و إن كانت له مقدمات كثيرة، و كذلك لا يرى في مخالفته أكثر من عقاب واحد كما يشهد به الوجدان.

(2) في هذا الاستدراك ذكر إنّه لا مانع من استحقاق العقوبة على مخالفة الأمر النفسي عند ترك المقدمة لأنّه بمجرد ترك المقدمة يصدق عليه الشروع في المعصية، و كذلك لا مانع من زيادة الثواب للواجب النفسي إذا أتى بالمقدمة مع‏

____________

(1)- المحاضرات: ج 2، ص 395.