الهداية إلى غوامض الكفاية - ج3

- محمد حسين الميرسجادي المزيد...
454 /
1

الهداية إلى غوامِض الكِفاية

الجزء الثالث‏

تقريراً لأبحاث آية اللّه الحاج‏

السيّد محمّد حسين النجفي الميرسجّادي‏

السيّد علي الميرسجادي‏

2

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

3

الحمد للّه ربّ العالمين و الصلاة و السلام على أشرف الأنبياء و المرسلين محمّد و آله الطيبين الطاهرين و اللعنة على أعدائهم أجمعين الى يوم الدين.

4

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

5

المقصد الثالث المفاهيم‏

6

مقدّمة: و هي (1) إنّ المفهوم كما يظهر من موارد إطلاقه هو:

عبارة عن حكم إنشائي أو إخباري تستتبعه خصوصية المعنى الذي اريد من اللفظ بتلك الخصوصية- و لو بقرينة الحكمة- و كان يلزمه لذلك وافقه في الإيجاب و السلب أو خالفه. فمفهوم: إن جاءك زيدٌ فاكرمه مثلًا، لو قيل به قضية شرطية سالبة شرطها و جزائها لازمة للقضية الشرطية التي تكون معنى القضية اللفظية و يكون لها خصوصية بتلك الخصوصية كانت مستلزمة لها.

[مقدمة] تعريف المنطوق و المفهوم‏

(1) (المنطوق): هو اللفظ الذي يُنطق به و يكون حاكياً عن المعنى و دالًا عليه في العُرف و اللّغة. و في اصطلاح الاصولي: (هو الحكم الإنشائي أو الإخباري تستتبعه خصوصية المعنى الذي أُريد من اللفظ بتلك الخصوصية و لو بقرينة الحكمة و كان يلزمه لذلك وافقه في الإيجاب و السّلب أو خالفه) و في فرض الموافقة: يُعرف بمفهوم الموافق أو فحوى الخطاب، و في فرض المخالفة:

يُعرف بمفهوم المخالف.

(المفهوم): في اللّغة هو ما يُفهم من اللفظ و يكون مرادفاً للمعنى و للمدلول، و إنّ الفرق بين الثلاثة اعتباري. و في الاصطلاح الاصولي هو ما يلزم المنطوق‏

7

...

لمناسبة بينهما، و لأجل التوضيح لا بد من ذكر أمورٍ:

أحدها: المثال المعروف لمفهوم الموافق: الآية الكريمة: «فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍ‏» (1) و مفهومها: النهي عن ضربهما و شتمهما بالأولوية. و لمفهوم المخالف للحكم الإنشائي: (إِن جاءك زيدٌ فأكرمه) و مفهومه: إنشاء انتفاء وجوب الاكرام عند انتفاء المجي‏ء. و للحكم الخبري: (إن جئتني فأنا اعطيك ديناراً) و مفهومه:

الإخبار بانتفاء اعطاء الدينار عند انتفاء المجي‏ء.

ثانيها: إِن في ضمن الكلام الذي يستفاد منه المفهوم لا بدّ من وجود خصوصيةٍ و لولاها لما استفيد منه المفهوم، فالخصوصية الموجودة في المثالين هي: ترتب الجزاء على الشرط ترتّب المعلول على علّته المنحصرة المستفادة من الهيئة الشرطية أو الأولوية القطعية.

ثالثها: لا بدّ أن تكون الخصوصية مستفادةً من اللفظ وضعاً أو بمقدمات الحكمة و يكون الحكم في المفهوم من لوازم المعنى لتلك الخصوصية، فإِن كانت مستفادةً من خارج اللفظ كالخصوصية الموجودة في صيغة افعل من الملازمة العقلية المستفاد منها وجوب المقدمة أو حرمة ضد المأمور به، فخارجٌ عن محل الكلام، و أنّه ليس بمفهومٍ. و المهم هو البحث عن الخصوصية، و بعد ثبوتها لا نحتاج الى البحث عن حجيتها، لأنه اذا ثبتت الملازمة البيّنة بالمعنى الأخص كان حُجّة لا محالة، و يكون دلالة اللفظ على المفهوم من مصاديق الظاهر الذي سيأتي ثبوت حجيّته ببناء العقلاء.

رابعها: إنّ الحكم المستفاد من المنطوق، قد يكون موافقاً له ايجاباً أو سلباً فهو المُعبّر عنه بالمفهوم الموافق، و قد يكون مخالفاً له ايجاباً أو سلباً فهو المُعبّر عنه بالمفهوم المخالف، أو دليل الخطاب. و لهذا يقع الكلام فيه في مقامين:

____________

(1)- سورة الاسراء: 23.

8

فيصح (1) أن يقال: إنّ المفهوم إنّما هو حكمٌ غير مذكور، لا أنّه (2) حكمٌ لغير مذكور، كما فُسّر به، و قد وقع النقض و الابرام بين الأعلام، مع أنّه لا موقع له- كما أشرنا اليه في غير مقام- لأنّه من قبيل شرح الإسم، كما في التفسير اللغوي، و منه قد انقدح غير هذا التفسير، ممّا ذكر في المقام فلا يهمّنا التصدي لذلك.

(1) ذكروا للمنطوق و المفهوم تعاريف متعدّدة، و قد وقع البحث في طردها و عكسها عند الأعلام فمنها: إن المنطوق حكمٌ مذكور و المفهوم حكم غير مذكور، فحرمة قول: أفّ للوالدين، و وجوب الاكرام عند مجي‏ء زيد: حكمان مذكوران في المثالين، فهما من المنطوق. و حرمة الضرب، و عدم وجوب الاكرام عند عدم مجي‏ء زيد: حكمان غير مذكورين بلا واسطة، و ان كانا مذكورين بواسطة الخصوصية فهما من المفهوم.

(2) من التعاريف لهما ما عن الحاجبي: بأن المفهوم: هو ما دلّ عليه اللفظ لا في محلّ النطق. و المنطوق: هو ما دل عليه اللفظ في محل النطق، و عن العضدي: ان المنطوق حكماً لمذكور و حالًا من أحواله، سواءٌ ذكر ذلك الحكم و نطق به أم لا؟ و المفهوم خلافه، أي أنه حكمٌ لغير المذكور و حالًا من أحواله، و قد أورد عليه: بأنّ الموضوع في كلتا القضيتين واحد و هو زيد فكيف صار في إِحداهما مذكوراً و في الاخرى غير مذكورٍ؟ و اجيب عنه:

بأن الموضوع فيهما مختلف، فأنّ موضوع المنطوق هو زيدٌ الجائي، و موضوع المفهوم زيدٌ الغير الجائي، و إِلّا لزم اجتماع حكمين مختلفين لموضوعٍ واحد في آنٍ واحد، و هذا الاختلاف في الموضوع كافٍ لرفع الإشكال، و قد ذكروا نقوضاً للتعاريف لا يرى الماتن (رحمه اللّه) مبرّراً لنقلها بعد فرض أنّها تعاريف‏

9

كما لا يُهمّنا (1) بيان أنّه من صفات المدلول أو الدلالة، و إِن كان بصفات المدلول أشبه، و توصيف الدلالة أحياناً كان من باب التوصيف بحال المتعلق.

لفظية و شرح الاسم، و ان كان التعريف الأول راجعاً على تعريف العضدي في الواقع.

و المحقق النائيني (رحمه اللّه) عرّف المفهوم: بأنه المدلول الالتزامي للجملة التركيبية على وجهٍ يكون اللّزوم بيّناً بالمعنى الأخص‏ (1). و يمكن أن يناقش بمناقشتين: الاولى: من البديهي أنه ليس كل مدلولٍ التزامي للكلام الذي كان بيّناً بالمعنى الأخص يكون مفهوماً، فان استفادة النجاسة لشي‏ء عن طريق نجاسة ملاقيه من المدلول الالتزامي عند جماعة مع أنه ليس بمفهومٍ، الثانية: ان اللزوم في المفهوم لم يكن من البيّن بالمعنى الأخص، إِذ كيف صار بيّناً مع اختلافهم فيه و اختلافهم في طريق الاستدلال عليه، فمنهم من حاول إِثبات المفهوم لبعض التراكيب ببعض القواعد العقلية مثل قاعدة: عدم صدور الكثير من واحد، و وافقهم هو (رحمه اللّه) في هذا الاستدلال، و هذا ينافي مع كون اللزوم بيّناً، فتعريف المتن أجود و أسلم عن الاشكال.

(1) اختلفوا في ان المنطوقية و المفهومية وصفان للدلالة حقيقة، و ان توصيف المدلول بهما يكون بحال المتعلق أم يكون الأمر بالعكس، و لا ثمرة عملية لهذا البحث و الماتن (رحمه اللّه) رجح الثاني، و هو الأظهر؛ لأن الدلالة تتصف بقوة الدلالة و ضعفها و الصراحة و الظهور؛ و لا تتصف بالمنطوقية و المفهومية إِلّا من قبيل الوصف بحال المتعلق و يمكن ان يكونا وصفين للدلالة حقيقة، فإن اللفظ

____________

(1)- فوائد الاصول: ج 1 ص 477.

10

و قد (1) انقدح من ذلك: أنّ النزاع في ثبوت المفهوم و عدمه في الحقيقة إِنّما يكون في أنّ القضية الشرطية أو الوصفية أو غيرهما هل تدل بالوضع أو بالقرينة العامة على تلك الخصوصية المستتبعة لتلك القضية الاخرى أم لا؟

من جهة اشتماله على الخصوصية يكون منطوقاً، و الخصوصية الموجبة لانتقال الذهن الى حكم آخر مفهوماً.

(1) بعد ما تبيّن أنّ المفهوم لبعض الجمل التركيبية كالجملة الشرطية ناشٍ عن ثبوت الخصوصية في المنطوق، فيكون البحث في الواقع في انّ الجملة الشرطية أو الجملة الوصفية هل يوجد في معناها خصوصية تستلزم المفهوم بحسب الدلالة اللفظية بالوضع كما ذهب اليه بعض المحققين، أو بالقرينة العامّة كما ذهب اليه بعضٌ آخر، أم لا؟ أي أن البحث في المقام هو في ثبوت المفهوم بمفاد كان التامة، لا في حُجيّته بعد فرض ثبوته بمفاد كان الناقصة، و إِن وقع في بعض التعابير ما يوهم ذلك من أنّ المفهوم الكذائي حُجّة أم لا؟ إِذ في فرض ثبوته فهو حُجّة من باب حُجية الظهور و لا يعتنى بالقرينة الخاصة في بعض التراكيب، فإنّ الكلام مع قطع النظر عن القرينة الخاصة.

هذا تمام الكلام في البحث عن حقيقة المفهوم، و الآن يذكر الجمل التركيبية التي وقع البحث في ثبوت المفهوم لها و عدمه.

11

فصل‏

الجملة الشرطية (1): هل تدل على الانتفاء عند الانتفاء كما تدل على الثبوت عند الثبوت بلا كلام أم لا؟ فيه خلاف بين الأعلام. لا شبهة في استعمالها و إرادة الانتفاء عند الانتفاء في غير المقام، إِنّما الإشكال و الخلاف في أنّه بالوضع أو بقرينة عامة، بحيث لا بدّ من الحمل (الجري) عليه لو لم يقم على خلافه قرينة من حالٍ أو مقال! فلا بد للقائل بالدلالة من إقامة الدليل على الدلالة بأحد الوجهين على تلك الخصوصية المستتبعة لترتب الجزاء على الشرط،

[فصل الجملة الشرطية] مفهوم الشرط

(1) من التراكيب التي وقع البحث عن ثبوت المفهوم لها و عدمه هو: الجملة الشرطية، فقد ادّعى جماعة على أنّ تلك الجملة متضمنة لخصوصية تدل بها وضعاً أو بالإطلاق و مقدمات الحكمة على انتفاء الحكم المذكور فيها عند الشرط، لا إشكال في أنّها قد استعملت في الدلالة على المفهوم في بعض الموارد بضميمة القرينة الخاصة، كما أنّها قد استعملت في عدم الدلالة على المفهوم بحسب القرينة الخاصة، و هذا مما لا كلام فيه.

و حكى في الحقائق عن الفوائد الطوسيّة أنّه استقصى- مائة مورد أو أكثر- جملًا شرطية من القرآن لا دلالة فيها على المفهوم، و إنّما الكلام فيما إِذا انتفت القرينة الخاصّة على كلٍّ من الأمرين، هل يجب حملها على افادة المفهوم وضعاً أو بمقدمات الحكمة- إِلّا إِذا قامت قرينة خاصّة على عدم ثبوت المفهوم لها- أم‏

12

نحو (1) ترتب المعلول على علّته المنحصرة. و أمّا القائل بعدم الدلالة

انّ الأمر بالعكس و أنّه يجب حملها على عدم المفهوم- إِلّا اذا دلّت القرينة الخاصة على المفهوم-.

استفادة المفهوم من القضية الشرطية موقوفة على إِثبات كون الشرط علة منحصرة للحكم المذكور في الجزاء، إمّا بالوضع كما يظهر دعواه من تقريرات الشيخ (قدّس سرّه) قال: (فالأولى، دعوى استفادة السببية من أدوات الشرط بحسب الوضع كما لا بعد في ذلك أيضاً عند ملاحظة معناها) و إمّا بمقدمات الحكمة، كما يظهر ذلك من جماعة، و أمّا القائل بعدم الدلالة فإِنّه في فسحةٍ عن إقامة الدليل عليه؛ لأنّ النافي يكفيه الأصل، و الذي يدعي الثبوت لا بد أن يثبت دعواه بدليل معتبر، و قد ذكروا لثبوت المفهوم لها وجوهاً، و بعضها- على تقدير تماميته- يثبت لها المفهوم وضعاً، و بعضها- على تقدير تماميته- يثبت لها المفهوم بالإطلاق و مقدمات الحكمة.

(1) الوجه الأوّل: دعوى أنّ ترتب‏ (1) الجزاء على الشرط ترتّب المعلول على علّته المنحصرة، و هو متقوم بدعاوي لا بدّ من إثباتها، و مع ثبوتها يثبت للجملة الشرطية مفهوم.

الاولى: ثبوت كون الشرطية لزومية، أي إنّ بين الشرط و الجزاء علاقة و ارتباط مثل: إن كان هذا إنساناً كان ناطقاً، لا أنها اتفاقية مثل: إن كان الإنسان ناطقاً كان الحمار ناهقاً.

الثانية: كون اللزوم‏ (2) على نحو الترتب، أي ليس اللزوم على نحو مطلق‏

____________

(1)- الترتب: بمعنى حصول الشي‏ء عند حصول شي‏ءٍ آخر و تفرعه عليه، بحيث يكون منشأ لتحققه.

(2)- اللّزوم: بمعنى حصول احد الشيئين مع شي‏ءٍ آخر لا ينفك عنه، و هو أعم من الترتب، فإنه يصدق على ملازمة المعلول للعلة و العلّة للمعلول و المعلولان لعلّةٍ ثالثة.

13

ففي فسحةٍ، فانّ له منع دلالتها على اللزوم، بل على مجرد الثبوت عند الثبوت، و لو من باب الاتفاق، أو منع دلالتها على الترتب، أو على نحو الترتّب على العلّة، أو العلّة المنحصرة بعد تسليم اللزوم و العلية، لكن (1) منع دلالتها على اللزوم، و دعوى كونها اتفاقية في غاية السقوط.

العلاقة فإن من انحائه التلازم، و هو كون الطرفين معلولين لثالث، كالتلازم بين حرمة شرب الخمر و بطلان بيعه، و هما معلولان للاسكار في مرتبةٍ واحدة.

الثالثة: كون الترتّب على نحو ترتب المعلول على علّته، أي كون الشرط مستقلًا في التأثير في الجزاء، فلا يكفي سائر انحاء الترتب من الترتب الطبعي كترتب الاثنين على الواحد، أو الزماني كترتب الظهر على طلوع الشمس، أو الرتبي الحسّي كتقدم الإِمام على المأموم، أو العقلي كترتب الفصل على الجنس، أو الرتبي الشرفي كتقدم الأب على الابن.

الرابعة: كون العلّة منحصرة، و لا يكفي مطلق العلية إِذ ربما يكون له بديل في العلية.

(1) هذا هو التحقيق حول الدّعاوي الأربعة: أما الدعوى الأُولى و الثانية فالظاهر ثبوتهما بالقطع، فالأُولى ظاهر الشرطية بمقتضى التبادر، و الثانية مستفادٌ من الفاء في الجزاء، و لهذا قال (رحمه اللّه): (منع دلالتها على اللزوم و دعوى كونها اتفاقية في غاية السقوط) و الأمر كما ذكره.

14

أما (1) المنع عن أنّه بنحو الترتب على العلّة- فضلًا عن كونها منحصراً- فله مجال واسع، و دعوى (2) تبادر اللزوم و الترتب بنحو الترتب على العلّة المنحصرة- مع (3) كثرة استعمالها في الترتب على نحو الترتب على غير المنحصرة منها بل في مطلق اللزوم- بعيدة،

و كلام المحقق النائيني (رحمه اللّه) بالنسبة الى هاتين الدعويين مرتبك، فقد ادعى أولًا وضع الأداة للتعليق ثم ذهب الى أنها مجعولة لجعل مدخولها موضع الفرض، و انها لا تدل على أكثر من اللزوم و الترتب مستفادٌ من سياق الكلام، و جعل التالي تالياً و المقدم مقدّماً، و في بحث الواجب المشروط ادعى أنها موضوعة للربط بين الجملتين.

(1) بالنسبة الى الدعوى الثالثة و الرابعة: فقد منع عن كون الترتب على نحو العليّة فضلًا عن كونها منحصرة، اذ لا دلالة لشي‏ءٍ من مفرداتها على ذلك كما لا دلالة على الهيئة التركيبية عليه، و مدّعي الدلالة لا بد من اثباتهما بدليل، و قد ذكروا لإِثباته طُرقاً ثلاثة: ذكرها و ناقشها في المتن.

(2) هذا هو الطريق الأول: و هو ان المتبادر من الأداة كون الشرط علّة منحصرة للجزاء، إِلا إِذا قامت قرينةٌ على الخلاف، و ناقشه بثلاث مناقشات.

(3) هذه هي المناقشة الأولى: و حاصلها أنه كيف يمكن دعوى تبادر العلّية المنحصرة مع ما نرى من كثرة استعمالها في مطلق اللزوم من دون أن يكون بينهما ترتب العلية فضلًا عن الانحصار، و دعوى ان تلك الاستعمالات كُلّها مجازية بعيدة، و يمكن الجواب عنها: بأنّ كثرة الاستعمال لا ينافي الظهور الوضعي أو الاطلاقي، فان صيغة (افعل) ظاهرة في الوجوب و قد كثر استعمالها في غيره.

15

عُهدتها على مدعيها، كيف (1) و لا يرى في استعمالها فيهما عناية و رعاية علاقة، بل إنما تكون ارادته كإِرادة الترتب على العلّة المنحصرة بلا عناية، كما يظهر على من أمعن النظر و أجال البصر في موارد الاستعمالات، و في (2) عدم الإلزام و الأخذ بالمفهوم في مقام المخاصمات و الاحتجاجات، و صحة الجواب بأنه لم يكن لكلامه مفهوم، و عدم صحته لو كان له ظهورٌ فيه معلوم. و أمّا دعوى (3) الدلالة بادّعاء انصراف اطلاق العلاقة اللزومية الى ما هو أكمل‏

(1) هذه هي المناقشة الثانية: و حاصلها أنها لو كانت الشرطية حقيقةً في العلية المنحصرة لزم ان يكون استعمالها في غير العلّة المنحصرة مجازاً و مع العناية مع انّ الأمر ليس كذلك، فإِن الاستعمالين يكونان على نسق واحد و من دون عناية، يظهر ذلك لمن أجال البصر و أمعن النظر في موارد الاستعمالات، و أجاب عنها في الحقائق: بأنه غير ظاهر، و الرجوع الى العُرف في مقام تشخيص مفاد القضية الشرطية يقتضي خلافه.

(2) هذه هي المناقشة الثالثة: و حاصلها عدم الزام الخصم عند الاحتجاج و المخاصمة بذلك، فلو أنكر المتكلم وجود المفهوم في كلامه يقبل منه عند أهل المحاورة منافٍ لوجود الظهور العرفي للقضية في العلية المنحصرة، أقول: لا بدّ من مراجعة العُرف و العقلاء في انّ سيرتهم في الاحتجاج على البناء على المفهوم أم لا؟ فإن بعض الأعلام ادعى عكس ما ادعاه المتن.

(3) هذا هو الطريق الثاني: و هو دعوى انصراف الإطلاق الى العلّية المنحصرة لكونها أكمل افراد العلة اللزومية، و المطلق ينصرف الى أكمل الأفراد.

16

أفرادها، و هو اللزوم بين العلة المنحصرة و معلولها ففاسد (1) جداً، لعدم (2) كون الأكملية موجبة للانصراف الى الأكمل لا سيّما مع كثرة الاستعمال في غيره كما لا يكاد يخفى، هذا مضافاً (3) الى منع كون اللزوم بينهما أكمل مما إذا لم تكن العلة بمنحصرة،

(1) هذا شروعٌ في الجواب بوجهين:

(2) هذا هو الوجه الأول: الراجع الى منع الكُبرى، و هو انّه سيأتي في بحث المطلق و المقيد: انّ الانصراف الناشي عن الأكملية لا يلزم تقييد الإطلاق به و إنّما يوجب التقييد الانصراف الناشئ عن استيناس الذهن بالحصّة عن الطبيعة على نحوٍ يكون عند أهل المحاورة بحكم القرينة المتصلة، و على تقدير تقييد المطلق بالانصراف لأكمل الأفراد ان لا يمنع عنه مانع، و هذا الشرط مفقودٌ في المقام، لأن كثرة استعمال الجملة الشرطية في غير العلّة المنحصرة مانعٌ عن الحمل على المنصرف اليه.

(3) هذا هو الوجه الثاني: الراجع الى منع الصُّغرى مع الاغماض عن منع الكبرى، و حاصله: منع كون اللزوم بين العلّة المنحصرة و معلولها اكمل من اللزوم في غير العلّة المنحصرة، فإن الخصوصية الموجودة بين الشرط و الجزاء عبارة عن الارتباط الخاص بينهما و لا فرق فيه بين أن يكون على نحو الانحصار أو غير الانحصار، إِذ ليس في الانحصار مزيّةٌ على غيره بعد تساويهما في التأثير كما يشهد به الوجدان.

17

فإن الانحصار لا يوجب أن يكون ذاك الرّبط الخاص الذي لا بدّ منه في تأثير العلة في معلولها آكد و أقوى. إن قلت: نعم (1)، و لكنه قضية الإطلاق بمقدمات الحكمة، كما انّ قضية إِطلاق صيغة الأمر هو الوجوب النفسي. قلت: أوّلًا (2): هذا فيما تمت هناك مقدمات الحكمة، و لا تكاد تتم فيما هو مفاد الحرف كما هو هنا، و إِلّا لما كان معنى حرفياً، كما يظهر وجهه بالتأمل.

(1) الطريق الثالث: لإثبات دلالة الجملة الشرطية على العلية المنحصرة ذكره بصورة الإشكال، و هو التمسك بإطلاق الشرط بضميمة مقدّمات الحكمة، و قد ذكر الماتن (رحمه اللّه) وجوهاً ثلاثة للأخذ بالإطلاق لإِثبات العلية المنحصرة، و هذا هو الوجه الأول، و حاصله: أنّه لو لم تكن العلّة منحصرة و كان لها عدل كان على الحكيم ان يبينه لئلا يكون مُخلًا بغرضه، كما هو الحال في اقتضاء إِطلاق الصيغة النفسية و العينية و التعيينية، لأن كل ما يقابل الثلاثة يحتاج الى بيانٍ زائد، و حيث لم يبين المتكلم ذلك لا بد من الأخذ بإطلاقه، و في محلّ الكلام كذلك.

(2) هذا هو الجواب عن الطريق بوجهين: أحدهما: انه لا يمكن التمسك بالإطلاق لإثبات العلية المنحصرة، لأن الخصوصية المذكورة لا بد من أخذها من إِطلاق الأداة، و هي من الحروف، و الحروف معنى حرفي، فإذا أردنا الأخذ بالإطلاق و إجراء مقدمات الحكمة فيها لزم ان تلاحظ مستقلًا، و الحرف لا يلاحظ مستقلًا بل لا بد من لحاظه آلياً دائماً، و اورد عليه المحقق الاصفهاني (رحمه اللّه):

بأنّ هذا الإشكال سارٍ في غير هذا المورد، مع أنه تمسك بإطلاق الهيئة للصيغة لإثبات عدم تقيده بقيد و كونه مطلقاً من دون توقف‏ (1).

____________

(1)- نهاية الدراية: ج 1 ص 322.

18

و ثانياً (1): تعيّنه من بين أنحائه بالاطلاق المسوق في مقام البيان بلا معين، و مقايسته مع تعيّن الوجوب النفسي باطلاق صيغة الأمر مع الفارق، فإن النفسي هو الواجب على كلّ حالٍ بخلاف الغيري، فإنه واجبٌ على تقديرٍ دون تقدير، فيحتاج بيانه الى مئونة التقييد بما إِذا وجب الغير، فيكون الاطلاق في الصيغة مع مقدمات الحكمة محمولًا عليه، و هذا بخلاف اللزوم و الترتب بنحو المترتب على العلّة المنحصرة، ضرورة ان كُلّ واحدٍ من انحاء اللزوم و الترتب، محتاجٌ في تعيينه الى القرينة مثل الآخر، بلا تفاوتٍ اصلًا كما لا يخفى. ثم إنه (2) ربما يتمسك للدلالة على المفهوم باطلاق الشرط.

(1) هذا هو الوجه الثاني من الجواب، و حاصله: انه على تقدير إِمكان التمسك بإطلاق أداة الشرط إِلا انه لا يمكن التمسك به لإثبات العلية المنحصرة، و لا يقاس التمسك به لذلك بالتمسك بإطلاق الهيئة لإِثبات الوجوب النفسي للفرق بينهما و أن الوجوب النفسي ملازمٌ لإِطلاق الصيغة، لأنّه الوجوب على كل حال وجب غيره ام لم يجب، بخلاف الواجب الغيري فإنه ثابتٌ في حالٍ دون حال، فلا مانع من التمسك بالإطلاق لحمل الصيغة على الواجب النفسي، و هذا بخلاف اداة الشرط الدالة على اللزوم بنحو الترتب، و لا يكون اللزوم و الترتب بنحو العلية المنحصرة ملازماً مع إِطلاقها، فترتب الجزاء على الشرط يكون ثابتاً سواءً ثبت الترتب على غير هذا الشرط أم لم يثبت، فعدم الانحصار كالانحصار في عدم ايجاد التقييد، و لانه في تعيين كل منهما من قرينة خاصة و لا يكفي الإطلاق لإثبات أحدهما.

(2) هذا هو الوجه الثاني للتمسك بالإطلاق لإثبات العلية المنحصرة، ذكره‏

19

بتقريب: انّه لو لم يكن بمنحصر يلزم على المتكلّم تقييده، ضرورة أنه لو قارنه أو سبقه الآخر لما أثر وحده، و قضية إِطلاقه أنّه يؤثر كذلك مطلقاً. و فيه (1) انّه لا تكاد تنكر الدلالة على المفهوم مع إِطلاقه كذلك، إِلّا أنّه من المعلوم ندرة تحققه، لو لم نقل بعدم اتفاقه. فتلخص بما ذكرناه: أنه لم ينهض دليلٌ على وضع مثل (إن) على تلك الخصوصية المستتبعة للانتفاء عند الانتفاء، و لم تقم عليها قرينة عامّة، أمّا قيامها احياناً كانت مقدمات الحكمة أو غيرها، مما لا يكاد ينكر، فلا يجدي القائل بالمفهوم أنه قضية الإطلاق في مقامٍ من باب الاتفاق.

في التقريرات، و لكن بإطلاق الشرط لا بإطلاق الأداة كما كان في الوجه الأوّل، و تقريبه: ان اطلاق الشرط مثل مجي‏ء زيد يقتضي ان يكون مؤثراً في الجزاء و هو وجوب اكرامه في جميع الحالات، سواءً سبقه شي‏ءٌ كالسّلام مثلًا أم قارن معه الشي‏ء الآخر أم لا؟ و هذا مساوقٌ مع العليّة المنحصرة، إِذ لو كان هناك علّةٌ اخرى غير هذا الشرط لم يكن هو علّةً في جميع الحالات، إِذ لو كانا مقارنين كان المؤثر الجامع بينهما و إِن كان أحدهما سابقاً على الآخر كان الأثر للسّابق، كما هو الحال في جميع موارد اجتماع العلل المتعددة، و هذا ينافي مع إِطلاق الشرط المقتضى لكونه علّةً في جميع الحالات، هذا هو مقصوده (رحمه اللّه) و إن كانت عبارته قاصرة عن إِفادة ذلك و الأولى حذف (أو سبقه آخر)، لأنّ عدم التأثير وحده مختصٌّ بصورة المقارنة، و إِذا فرض سبق احدهما فإن الأثر يكون للمتقدّم وحده.

(1) هذا هو الجواب عن الوجه: و حاصله: ان هذا الإطلاق لو تحقق لدلّ على المفهوم بلا إنكارٍ من أحد، إِلّا انّ هذا الإطلاق لم يتحقق إِلّا نادراً جدّاً بحكم المعدوم من دون أن تتم فيه مقدمات الحكمة، و ظاهره حصول الإطلاق للشرط

20

...

نادراً و بنحو الموجبة الجزئية، إلا إن فيه من الإيجاز ما لم يظهر منه مراده الّا بتوجيه، و لأجله وجهه جمعٌ من الأعلام بوجوهٍ.

و عُمدة توجيهه هو ما ذكره المحققين: النائيني و الأصفهاني و المشكيني رحمهم اللّه بما حاصله: انّ القضايا الشرطية المتضمنة للأحكام الشرعية ليست في مقام بيان فعليّة تأثير هذا الشرط و عليّته فعلًا بل في مقام بيان اقتضاء هذا الشرط لتحقق الجزاء، و هو لا ينافي عدم ترتب الجزاء عليه لاحتفافه بالمانع أو عدم الشرط، كما لا ينافي كون غيره مقتضياً و جزء المؤثر، وعليه فتأثير غيره في الجزاء لو سبقه لا ينافي كونه مقتضياً، نعم لو كانت في مقام بيان أنّه شرط و مؤثر فعلًا كان مقتضى الإطلاق انحصار الشرط فيه.

أقول: ان هذا التوجيه مما يقطع بعدم رضا الماتن (رحمه اللّه) به لوضوح بطلانه، فإن لازمه عدم وجوب شي‏ءٍ عند تحقق شرطه في القضايا الشرطية، ففي مثل:

(إِن ظاهرت فكفّر، و ان سافرت فقصر) لا يجب التكفير بعد الظهار، كما لا يجب التقصير على المسافر، لأنه يحتمل فيها وجود المانع، أو عدم الشرط، أو كون الشرط جزء المؤثر، أو وجود شرط يقوم مقامه في العلية، و هذا يستلزم فقهاً جديداً لا يمكن ان يلتزم به فقيه.

و للعبارة توجيهٌ آخر ذكره بعض الأعلام المعاصرين: و هو انّ هنا جهتان:

إحداهما: حدوث الجزاء عند حدوث الشرط، ثانيتهما: استناد الجزاء الى الشرط و ترتبه عليه، فالجملة الشرطية تدلّ على الأول دون الثاني، لأن الجملة لا تدل إلّا على الحدوث عند الحدوث وضعاً، و دلالته على الاستناد الى الشرط يتوقف على اجراء مقدمات الحكمة، و هي غير تامّة، مضافاً الى انّ الجملة

21

و أمّا توهّم (1) أنه قضية اطلاق الشرط، بتقريب ان مقتضاه تعيّنه، كما إن مقتضى اطلاق الأمر تعيّن الوجوب.

موضوعة للأعم أو لإفادة كلتا الجهتين، لكنها بحسب الاستعمال يلحظ فيها الدلالة على الجهة الاولى، و هذا التوجيه و إِن كان أسلم من التوجيه الأول من الإشكال إِلا أنه أيضاً غير سليم عنه و بعيدٌ عن عبارة المتن.

و الظاهر من عبارة المتن: تسليمه لإطلاق الشرط، إن تمت مقدمات الحكمة، و أنه في فرض وجود مؤثر آخر- سابق عليه أو مقارن له- كان على الحكيم بيانه كما هو الحال في جميع الإطلاقات و لكن في غالب القضايا الشرطية لم تتم المقدمات، لأن كون المتكلم في مقام بيان المراد من جهة كون الشرط علّة منحصرة نادرٌ جدّاً، و قد صرح في تلخيصه: ان الأداة لا تدل على العليّة المنحصرة المستتبعة للانتفاء عند الانتفاء لا وضعاً و لا بمقدمات الحكمة لعدم قيامها الّا نادراً.

(1) هذا هو الوجه الثالث من وجوه التمسك بالاطلاق، و حاصله: إن مقتضى إطلاق الشرط هو تعيّن الشرط في التأثير في الحكم من دون أن يكون شي‏ء آخر بديلًا عنه في التأثير، كما ان مقتضى إِطلاق الصيغة كون الوجوب متعيّناً في المتعلق، فكما انّ الوجوب التخييري يحتاج الى مئونة بيان، و هو ان يقول: (افعل هذا أو ذاك) بخلاف الوجوب التعييني، فإنه لا يحتاج الى بيان ذلك، و لأجل ذلك ينفى التخييري بالإطلاق و يثبت به التعييني، كذلك العليّة الغير المنحصرة تحتاج الى بيان بأن يقول: (إن جاءك زيدٌ أو سَلّم عليك فاكرمه) و هذا بخلاف العلّة المنحصرة، ففي صورة الشك يتمسّك بالإطلاق و يُنفى به بديل الشرط المذكور فيثبت به انحصار العلة، إِذ لو كان للشرط بديلٌ لكان على‏

22

ففيه (1): أنّ التعيّن ليس في الشرط نحواً يغاير نحوه فيما إِذا كان متعدداً، كما كان في الوجوب كذلك، و كان الوجوب في كلٍّ منهما متعلقاً بالواجب بنحوٍ آخر، لا بدّ في التخييري منهما من العدل، و هذا بخلاف الشرط فإنه واحداً كان أو متعدداً، كان نحوه واحداً و دخله في المشروط بنحو واحد، لا تتفاوت الحال فيه ثبوتاً كي تتفاوت عند الإطلاق إِثباتاً، و كان الإطلاق مثبتاً لنحوٍ لا يكون له عدلٌ لاحتياج ما له العدل الى زيادة مئونة، و هو ذكره بمثل (أو كذا) و احتياج ما إذا كان الشرط متعدداً الى ذلك إنما يكون لبيان التعدد، لا لبيان نحو الشرطية، فنسبة اطلاق الشرط اليه لا تختلف، كان هناك شرطٌ آخر أم لا، حيث‏

المتكلم ان يبينه بالعطف ب- (أو) كما كان الحال في الواجب المردّد بين التعيين و التخيير، و الفرق بين هذا الوجه و الوجه السابق مع اتحاد نتيجتهما هو:

في انّ هذا التقريب كان مبتنياً على استفادة الانحصار من طريق عدم تأثير غيره فيه عند انعدام هذا الشرط و قيام غيره مقامه، و التقريب المتقدم كان مبتنياً على استفادة العلية المنحصرة للشرط من طريق اثبات ترتّب الحكم على الشرط و عدم تأثير غيره فيه لو سبقه أو قارنه.

(1) هذا هو الجواب عن الوجه بوجهين أحدهما: أنّه يختلف الواجب التعييني و الواجب التخييري عن انحصار الشرط و عدم انحصاره، ثبوتاً و إثباتاً، و قياس الشرط على الوجوب في غير محلّه، لأن الوجوب التخييري سواءً كان الوجوب متعلقاً بكلّ من الطرفين على نحو التخيير الشرعي أم كان متعلقاً بالجامع بينهما على نحو التخيير العقلي فهو سنخ من الوجوب، يختلف عن الوجوب التعييني الذي هو تعلق الوجوب بشي‏ءٍ معين من غير عدلٍ له، فإذا شككنا في كون الوجوب تخييرياً، يحتاج الى ذكر عدل! أم تعيينياً

23

كان مسوقاً لبيان شرطيته بلا إهمال و لا اجمال، بخلاف إِطلاق الأمر، فإنه لو لم يكن لبيان خصوص الوجوب التعييني، فلا محالة يكون في مقام الإهمال أو الإجمال، تأمل تعرف. هذا مع (1) أنه لو سُلّم لا يجدي‏

ض

لا يحتاج الى ذكر العدل! لا مانع من التمسك بالإطلاق لنفي الحاجة الى ذكر العدل، و هذا بخلاف الشرط فإن الشرطية للشرط ذاتية و هي عبارة: عن التأثير بنحو العلية، فالنار مؤثرة في حرارة الماء، لا يتخلف، كانت الشمس بديلة عنها أم لا؟ فالمنحصر و غير المنحصر على حدٍّ سواء لا يختلفان في التأثير و الترتب، و وجوب البديل و عدمه لا يوجب تغييراً في التأثير، فإِذا كان قسمي الشرط في مرحلة الثبوت على نحوٍ واحد و سنخٍ واحد كان في مرحلة الإثبات أيضاً كذلك.

إِن قلت: ان ما ذكرتم لا يوجب فرقاً بين الوجوب و الشرط فيما نحن فيه، فاطلاق الصيغة إن كان كافياً في الدلالة على الوجوب التعييني، من جهة ان التخييري يحتاج الى بيانٍ زائد، لا بدّ أن يكون الحال في الشرط كذلك، فإنه إذا كان الشي‏ء متعيّناً في الشرطية لا يحتاج الى بيانٍ زائد، بخلاف ما اذا لم يكن متعيناً، فإنه لا بد من ذكر العدل له في مقام التشريع، و إِلّا كان مُخلًا بغرضه، و مع الإطلاق ينفى احتماله.

قلت: ليس الأمر في الشرطية كذلك، فإنه لو لم يذكر بديل الشرط في الشرطية لم يكن مُخلًا بالغرض، إِذ لا تأثير لذكره أو تركه في الشرطية، فإِذا ذكره الحكيم كان لأجل تفهيم تعدّد الشرط بخلاف الواجب التخييري، فإنه لا بدّ من ذكر العدل و بدونه يكون مُخلًا بغرضه و مقصّراً في التعبير، فيتمسك لنفيه بالإطلاق و لا يتمسك بالإطلاق لنفى احتمال تعدد الشرط.

(1) هذا هو الوجه الثاني من الجواب: و حاصله انّه على تقدير تسليم وجود

24

القائل بالمفهوم، لما عرفت أنّه لا يكاد ينكر فيما إِذا كان مفاد الإطلاق من باب الاتفاق.

التفاوت في الشرطية إِن كان له بديل، و انه يمكن اثبات كون الشرط من القسم الثاني بالتمسك بإطلاق دليل الشرط نقول: ان ثبوت الإطلاق في القضايا الشرطية نادرٌ جدّاً، لما ذكرنا من انّ غالب القضايا الشرطية لم يكن في مقام البيان من هذه الجهة و ان لهذه العِلّة بديلٌ أو أنها منحصرة، و على تقدير تمامية مقدمات الحكمة أحياناً فهو نادرٌ لا ينفع مُدّعي المفهوم على نحو الكلّية، إِلا إنّ المحقق النائيني (رحمه اللّه) اعتمد على هذا الإطلاق لإثبات المفهوم للشرط و قال: إنّ الشرط الذي تتضمنه القضية الشرطية تارةً يمكن أن يناط به المحمول، و يجعل منوطاً بذلك الشرط تشريعاً، و اخرى لا يمكن أن يجعل منوطاً به، بل يكون المحمول في نفسه منوطاً تكويناً بالشرط بحيث لا يُعقل تحقّقه بدون الشرط.

فإن كان الشرط على النحو الثاني فليس للقضية مفهوم، لأنّ القضية تكون حينئذٍ مسوقةً لبيان فرض وجود الموضوع، مثل: (إن رُزقت ولداً فاختنه، و ان ركب الأمير فخذ ركابه) فأنّه لا يعقل ختان الولد و لا اخذ ركاب الأمير الّا بعد تحقق الشرط، فالمحمول في مثل هذا لا يمكن أن يُقيّد بالشرط و يُناط به، اذ التقييد فرع امكان الإطلاق، و المحمول الذي يتوقف على الشرط عقلًا لا يمكن فيه الاطلاق فهو بنفسه مقيّدٌ به تكويناً، و هذا هو السرّ في عدم المفهوم للقضية اللقبية، من جهة ان الاشتراط الذي يتضمّنه اللّقب ليس الّا فرض وجود الموضوع، فمثل قوله: (اكرم زيداً) معناه انّه ان وجد زيدٌ فأكرمه، و الإكرام عقلًا يتوقف على وجود زيد.

و ان كان الشرط على النحو الأول لمجي‏ء زيد و ركوبه و جلوسه و غير ذلك‏

25

...

من الحالات التي لا يتوقف اكرامه عليها عقلًا، فلا محالة يكون الجزاء مقيّداً بذلك الشرط في عالم الجعل و التشريع، و معنى التقييد: هو إناطة الجزاء بذلك الشرط، و مقتضى إناطته به بالخصوص هو دوران الجزاء مداره وجوداً و عدماً بمقتضى الإطلاق و مقدمات الحكمة، حيث أنّه قيد الجزاء بذلك الشرط بخصوصه و لم يُقيّد بشي‏ء آخر، لا على نحو الاشتراك بأن جعل شيئاً آخر مجامعاً لذلك الشرط قيداً للجزاء، و لا على غير الاستقلال بأن جعل شيئاً آخر موجباً لترتب الجزاء عليه و لو عند انفراده و عدم مجامعته لما جعل في القضية شرطاً، و مقتضى ذلك هو دوران الجزاء مدار ما جعل شرطاً في القضية بحيث ينتفي عند انتفائه، و هو المقصود من تحقق المفهوم للقضية، فمقدمات الحكمة إنّما تجري في ناحية الجزاء من حيث عدم تقييده بغير ما جعل في القضية من الشرط لا في الشرط حتى يرد عليه ما تقدّم من الإشكال. و الحاصل: إنّ اطلاق الجزاء في المقام- بالنسبة الى ما عدا الشرط في اقتضائه المفهوم- يكون كإطلاق الوجوب في اقتضائه النفسية العينية التعيينية من غير فرق بين المقامين أصلًا، حيث ان مقدمات الحكمة انما تجري لاستكشاف المراد، و انّ المراد النفس الأمري هو ما تضمنه الكلام بعد احراز كون المتكلّم في مقام البيان، كما هو الأصل الجاري عند العقلاء في محاوراتهم، حيث إن الأصل العقلائي يقتضي كون المتكلم في مقام بيان مراده النفس الأمري الا أن تكون هناك قرينة نوعيةٌ على الخلاف، و في المقام مقتضى تقييد الجزاء بالشرط هو كون المتكلم في مقام البيان، و دعوى أنه في مقام البيان من هذه الجهة دون سائر الجهات و القيود فاسدة، فانه لو بُني على ذلك لانسد باب التمسك بالإطلاقات في جميع المقامات، اذ ما من مورد إلّا

26

...

و يمكن فيه هذه الدعوى‏ (1).

أقول: ان ما ذكره (رحمه اللّه) لا يمكن المساعدة عليه، لأن الفرق بين قسمي الوجوب و قسمي الشرط جوهري كما عليه الماتن، فأن الوجوب في التخييري بمعنى إنّ الواجب هو أحدهما على البدل، و هذا من الحالات و العوارض الطارئة على طبيعة الوجوب لا مانع من نفيه بالاطلاق، و هذا بخلاف الشرط فإن انحصار العلية و عدمه ليس من الحالات العارضة للطبيعة حتى ينفى بالإطلاق بل قيام سبب مقام سبب آخر، من قبيل ضمّ كلام الى كلام، ففي فرض عدم الانحصار بالشرط يكون المعنى: إنّ كُلًا منهما مؤثّر و هذا الفرق يوجب الاختلاف في التمسك بالاطلاق و عدمه، و أمّا ما ذكره الماتن (رحمه اللّه) من أنّ الغالب في المتكلّم ان لا يكون في مقام البيان من جهة انحصار السبب و عدمه فقد ذكره مماشاةً، و العمدة هو عدم امكان التمسك بالإطلاق لإثبات المفهوم للقضية الشرطية بالوجوه الثلاثة، و ما ذكره من المنع عن التمسك بالإطلاق اللفظي لإثبات المفهوم للقضية الشرطية هو الصحيح.

و لكن لا مانع من التمسك بالإطلاق المقامي للقضية لإثبات المفهوم، فإنا لو راجعنا العرف في محاوراتهم و الفقهاء في استنباطاتهم نراهم يعتمدون على هذا الإطلاق، الا اذا دلت قرينةٌ على خلافه. و بيانه: أنه لو أمر الآمر بشي‏ءٍ معلّقاً على أمرٍ أو أخبر معلّقاً على شي‏ءٍ، و كان في مقام بيان تمام مراده و لم يذكر شيئاً آخر يكون دخيلًا في الحكم- مع ذلك الشرط أو قائماً مقامه- فأنه من هذا السُّكوت يستكشف عقلًا أنه لا بديل لهذا الشرط و لا مساند له في مقام التشريع،

____________

(1)- فوائد الاصول: ج 1 ص 483.

27

ثمّ (1) أنّه ربما استدل المنكرون للمفهوم بوجوه: أحدها: ما (2) عزي الى السيد من أن تأثير الشرط أنما هو تعليق الحكم به، و ليس يمتنع أن يخلفه و ينوب منابه شرط آخر يجري مجراه، و لا يخرج عن كونه شرطاً، فأن قوله تعالى: «

وَ اسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ‏

» يمنع من قبول الشاهد الواحد، حتى ينضمّ اليه شاهدٌ آخر، فانضمام الثاني الى الأول شرطٌ في القبول، ثمّ علمنا إنّ ضمّ امرأتين الى الشاهد الأول شرطٌ في القبول، ثم علمنا إنّ ضمّ اليمين يقوم مقامه أيضاً، فنيابة بعض الشروط عن بعضٍ أكثر من أن تحصى، مثل الحرارة فأنّ انتفاء الشمس لا يلزم انتفاء الحرارة، لاحتمال قيام النار مقامها، و الأمثلة

اذ لو كان لكان على الحكيم بيانه و إلّا كان مُخلًا بمقصوده. فالإنصاف: انّ القضايا الشرطية الواردة في الشريعة تفيد الانتفاء عند الانتفاء، الا اذا دلّت قرينة على الخلاف كما يشهد له الوجدان.

[ثمّ أنّه ربما استدل المنكرون للمفهوم بوجوه‏]

(1) بعد الفراغ عن ذكر ادلّة المثبتين و الجواب عنها شرع في ذكر ادلة النافين، و قد نقل وجوهاً من استدلالهم مع أجوبتها.

[أحدها]

(2) الوجه الأول: حكى عن السيّد (قدّس سرّه) و محصله: انّ معنى الشرط بمقتضى مفاد الأداة: اناطة الحكم المذكور في الجزاء به و تعليقه عليه و هذا لا كلام فيه، الا أنه لا مانع من ان يقوم شي‏ءٌ آخر مقام ذلك الشرط و يجري مجراه في هذه الفائدة، و مع ذلك لا يخرج الشرط الأول عن كونه شرطاً، و ذلك واقع كثيراً في التكوينيات و التشريعيات، فمن التكوينيات: انّ النار مؤثر في حرارة الماء و الشمس تقوم مقامها في نفس الأثر و الفائدة، و من التشريعيات: انّ ضم شاهدٍ مؤثر في شهادة الشاهد الآخر بمقتضى قوله تعالى «وَ اسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ‏» (1)

____________

(1)- سورة البقرة: 282.

28

لذلك كثيرة شرعاً و عقلًا. و الجواب: أنه (1) (قدّس سرّه) ان كان بصدد اثبات بيان امكان نيابة بعض الشروط عن بعضٍ في مقام الثبوت و في الواقع، فهو مما لا يكاد ينكر، ضرورة أن الخصم يدعي وقوعه في مقام الأثبات، و دلالة القضية الشرطية عليه، و ان كان بصدد ابداء احتمال وقوعه، فمجرد الاحتمال لا يضره، ما لم يكن بحسب القواعد اللفظية راجحاً أو مساوياً، و ليس فيما أفاده ما يثبت ذلك أصلًا، كما لا يخفى. ثانيها:

أنه (2) لو دل لكان بإحدى الدلالات، و الملازمة كبطلان التالي ظاهره،

و مع ذلك فأن ضمّ شهادة امرأتين يقوم مقامه في بعض الموارد، كما دل الدليل عليه، و ضمّ اليمين أيضاً يقوم مقام الشرط أيضاً؛ و هذا يكشف عن أنّ الشرط الأول لم يكن منحصراً في الشرطية، فلا يمكن من الشرطية الانتفاء عند الانتفاء، و صدر كلامه (رحمه اللّه) ظاهر في اعترافه بدلالة الشرطية على العلية التامة التي انكرها الماتن (رحمه اللّه).

(1) حاصل الجواب: أنّه إن أراد (قدّس سرّه) اثبات الإمكان الذاتي مقابل الاستحالة فلا كلام في ذلك من أحدٍ، فإن القائل بالمفهوم يعترف بذلك، و كذلك ان اراد اثبات الوقوع الاحتمالي، فإنّ مجرد الاحتمال لا يضرّ بدعوى ظهور الجملة في الانتفاء عند الانتفاء، فإن كل ظهورٍ يجتمع مع احتمال الخلاف و إلّا فهو ليس بظهورٍ بل هو نصٌّ، و بناء العقلاء على عدم الاعتناء باحتمال الخلاف، الّا اذا كان مانعاً عن انعقاد الظهور بأن كان الاحتمال مساوياً أو راجحاً، و ان اراد أنه لا ظهور للجملة الشرطية في المفهوم، فأنه يحتاج الى إثبات، و مجرّد الإمكان لا يكفي للثبوت.

[ثانيها]

(2) الوجه الثاني: دليل عقلي على شكل قياس شرطي رفع فيه التالي أنتج رفع المقدم هذه صورته: إن كانت الجملة الشرطية دالة على المفهوم لكانت الدلالة بإحدى الثلاث، و التالي باطلٌ فيكون المقدم مثله، أما ثبوت الملازمة

29

و قد اجيب عنه: بمنع (1) بطلان التالي، و ان الالتزام ثابت و قد، عرفت بما لا مزيد عليه ما قيل أو يمكن أن يقال في إثباته أو منعه، فلا تغفل.

ثالثها: قوله (2) تبارك و تعالى: «

وَ لا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً

» و فيه ما لا يخفى (3)، ضرورة انّ استعمال الجملة الشرطية فيما لا مفهوم له أحياناً و بالقرينة، لا يكاد ينكر، كما في الآية

فلأن الدلالة الوضعية اللفظية منحصرة في الثلاثة، و أما بطلان التالي: فالمطابقة و التضمن فغير محتمل عند الجميع، و الالتزام يعتبر فيه ان يكون اللزوم (عقلياً كان أو عادياً أو عرفياً) بيّناً، و هذا الشرط مفقود في محلّ الكلام اذ لو كان بيّناً لما وقع الخلاف العظيم فيه.

(1) حاصل الجواب عن الدليل: ان القائل بالمفهوم يمنع عن بطلان التالي، و يدعي ثبوت دلالة الجملة الشرطية على الانتفاء عند الانتفاء بالدلالة الالتزامية. و قد تقدم البحث عنها ثبوتاً أو نفياً فلا حاجة الى الإعادة.

[ثالثها]

(2) الوجه الثالث: الاستدلال بالآية الكريمة: «وَ لا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ ...» (1) على عدم ثبوت المفهوم للجملة الشرطية، إذ لو كان لها مفهوم دلّت الآية على جواز اكراه الفتيات على الزّنا إن لم يردن التحصن و هذا مما يقطع ببطلانه، فإنّ من المقطوع به عدم جواز الاكراه على النساء سواءً اردن التحصن أم لم يردن، فلا دلالة للآية على المفهوم، و ان لم يكن لها مفهوم لا بدّ و ان لا يكون للجميع مفهوم، لأن حكم الأمثال فيما يجوز و ما لا يجوز واحد.

(3) هذا هو الجواب عن الوجه، بوجهين: أحدهما: ان الجميع متفقون على انّ الجملة استعملت من دون دلالةٍ على المفهوم بالقرينة الخاصة، كما أنّهم متّفقون أيضاً على استعمالها في المفهوم كذلك، و الخلاف هو فيما لم تكن قرينة

____________

(1)- سورة النور: 33.

30

و غيرها، و انما القائل به يدّعي ظهورها فيما له المفهوم وضعاً أو بقرينة عامة، كما عرفت. بقي هنا أمورٌ، الأول: انّ المفهوم (1) هو انتفاء سنخ الحكم المعلّق على الشرط عند انتفائه، لا انتفاء شخصه،

خاصة، هل للجملة دلالة على المفهوم وضعاً كما يدعيه بعضهم، أو اطلاقاً و بمقدمات الحكمة كما يدعيه جمعٌ، أم لا دلالة لها، فالآية الكريمة خارجة عن محلّ الكلام لأن دلالتها على عدم ثبوت المفهوم لها كانت بضميمة قرينة خاصة.

الوجه الثاني: لم يذكره في المتن و ذكره غيرهم، و هو انّ فرض انتفاء الشرط هو من انتفاء الموضوع، لأنه في فرض عدم ارادتها التحصّن تكون راغبةً الى الزنا، و في هذا الحال لا يتحقق الإكراه عليه من باب السالبة بانتفاء الموضوع.

[بقى هاهنا الامور]

الأمر الأول [ضابط اخذ المفهوم‏]

(1) المفهوم: (على تقدير ثبوته) هو انتفاء سنخ الحكم المعلّق على الشرط و المذكور في الجزاء عند انتفاء الشرط لا انتفاء شخص الحكم، و لأجل تبين الأمر لا بد من بيان المراد من السنخ و الشخص.

المراد بالسنخ: طبيعي الحكم المطلقة لا جميع افراد الطبيعة، بل بمعنى الطبيعة الغير المقيدة بشي‏ءٍ. و المراد من الشخص: ما يوجد في الخارج مع بعض الخصوصيات، فإنّ وجوب اكرام زيد بشرط مجيئه، يمكن ان يكون بعنوان أنه انسان، كما يمكن ان يكون الحكم ثابتاً له بعنوانه. و ليس المراد من شخص الحكم: الحكم الموجود، اذ لا يعقل ان يوجد موجودٌ خارجي نفسه بواسطة سببٍ آخر، فإن الموجود الخارجي غير قابلٍ للوجود ثانياً، كما لا معنى لانتفائه لأنّ الشي‏ء لا ينقلب عمّا وقع عليه. و مما ذكرنا من توضيح المراد من اللفظين يتبين‏

31

ضرورة (1) انتفائه عقلًا بانتفاء موضوعه و لو ببعض قيوده، و لا يتمشى الكلام في أن للقضية الشرطية مفهوماً أو ليس لها مفهوم، الّا في مقام كان هناك ثبوت سنخ الحكم في الجزاء، و انتفاؤه عند انتفاء الشرط ممكناً، و انما وقع النزاع في أنّ لها دلالة على الانتفاء عند الانتفاء، أو لا يكون لها دلالة. و من (2) هنا انقدح: أنه ليس من المفهوم دلالة.

امكان كل من الاحتمالين في محلّ الكلام و في مرحلة الثبوت، و أما في مرحلة الإثبات فقد ذكر إنّ المفهوم هو انتفاء سنخ الحكم المعلّق على الشرط، و سيأتي ثمرة النزاع بين الاحتمالين أو القولين.

(1) هذا هو الدليل لإثبات دعواه، و محصّله: انّه لو كان المراد انتفاء شخص الحكم لما كان للبحث عن ثبوت المفهوم و عدم ثبوته عند انتفاء الشرط مجال، لأن البحث المذكور فرع بقاء الموضوع، ففي قولك: (اكرم زيداً ان جاءك) يكون الموضوع للحكم مجي‏ء زيد، و اذا انتفى مجيئه فقد انتفى الموضوع لانتفاء بعض قيوده، فلا مجال للنزاع، نعم لو كان المراد من الحكم المذكور في الجزاء طبيعة الحكم حتى يمكن انشاء حكمٍ آخر عند انتفاء الشرط كان للنزاع مجال و يقال:

هل للجملة الشرطية دلالة على الانتفاء عند الانتفاء أم لا؟ فإن الاثبات يكون فرع الثبوت، فالمعتبر في المفهوم امكان بقاء الحكم عند ارتفاع الشرط، فلو لم يمكن بقائه فهو خارجٌ عن المفهوم.

(2) ممّا ذكرناه من اعتبار امكان بقاء الحكم عند ارتفاع الشرط يظهر ان الوقف أو الوصية أو النذر أو الحلف لأشخاص سواء لأعيانهم في (مفهوم اللقب) مثل: (اوقفت الدار على اولادي) أو بوصف شي‏ء في (مفهوم الوصف) مثل:

(وقفت لأولادي الفقراء) أو بشرط شي‏ءٍ في (مفهوم الشرط) مثل: (ان كانوا

32

...

عدولًا) عند انتفاء الوصف أو الشرط أو الموضوع ينتفي الوقف و الوصية و النذر، الّا أنه ليس من مفهوم الوصف أو الشرط أو اللقب، و ان ذكر الشهيد الثاني (رحمه اللّه) في تمهيد القواعد: أنه من المفهوم و ان في الوقف دلالة على هذا المفهوم، و لكنه بما ذكرنا يتبين أنه ليس ذلك من المفهوم، لما عرفت من انّ المعتبر في المفهوم هو امكان بقاء الحكم عند ارتفاع ما علّق عليه و في الأمثلة المتقدمة لم يكن الموضوع باقياً، فأن انتفاء الوقف عند انتفاء الشرط هو من باب عدم الصلاحية، و المال الواحد لا يصلح ان يوقف مرتين، لما عرفت من ان المعتبر في المفهوم ان يكون الحكم المذكور في الجزاء قابلًا لأن ينشأ مرةً اخرى حتّى ينطبق عليه الضابط المتقدم، فان لم يكن صالحاً للإنشاء مرّة اخرى يكون انتفاء الحكم عقلياً، نظير انتفاء العرض بانتفاء موضوعه، فما ذكره الشهيد (رحمه اللّه): من أنه من المفهوم، فهو قابل للمنع اذ لا علاقة له بالمفهوم أصلًا، الّا اذا قلنا بأنّ المنتفي هو انتفاء شخص الحكم لا سنخه الذي عرفت بطلانه.

33

القضية على الانتفاء عند الانتفاء في الوصايا و الاوقاف و النذور و الأيمان كما تُوهّم، بل عن الشهيد في تمهيد القواعد: انّه لا إشكال في دلالتها على المفهوم، و ذلك لأنّ انتفائها عن غير ما هو المتعلق لها، من الأشخاص التي تكون بألقابها أو بوصف شي‏ء أو بشرطه، مأخوذة في العقد أو مثل العهد ليس بدلالة الشرط أو بالوصف أو باللّقب عليه، بل لأجل انه اذا صار شي‏ءٌ وقفاً على احد أو أوصى به أو نذر له، الى غير ذلك، لا يقبل ان يصير وقفاً على غيره أو وصيةً أو نذراً له، و انتفاء شخص الوقف أو النذر أو الوصية عن غير مورد المتعلق، قد عرفت أنه عقليٌّ مطلقاً و لو قيل بعدم المفهوم في موردٍ صالحٍ له. اشكال و دفع:

لعلك (1) تقول: كيف يكون المناط في المفهوم‏

[توهم جزئية الحكم المعلق على الشرط و دفعه‏]

(1) هذا هو الإشكال على القول: بأن المنفي في المفهوم هو سنخ الحكم، ذكره في التقريرات، و حاصله: انه كيف يمكن ان يقال: بأنّ المنتفي في المفهوم سنخ الحكم مع ان الحكم الثابت في المنطوق جزئي و ليس بكُلّي، لأنه قد حصل و تحقق في الخارج فلا بد و ان يكون جزئياً، لأنّ الشي‏ء ما لم يتشخص لم يوجد في الخارج، فالوجود الخارجي للحكم المنشأ يكون مساوقاً مع الجزئية، و اذا كان مقيداً بشرطٍ أو وصفٍ و نحوهما لا بد و ان يكون المفهوم موافقاً مع المنطوق، لأن حقيقة المفهوم كما عرفت هو انتفاء الحكم عند انتفاء القيد المذكور في المنطوق، و المفروض ان القيد كان وارداً على الحكم الجزئي الوارد في المنطوق فمع انتفائه لا بدّ و ان يكون المنتفى في المفهوم أيضاً ذلك الحكم الجزئي بمقتضى الملازمة بين المنطوق و المفهوم عقلًا، و أما سنخ الحكم و طبيعته فهو أجنبي عن حكم المنطوق فلا وجه لانتفائه في المفهوم، و قد أجاب الشيخ (قدّس سرّه) عنه بأسلوب، و أجاب عنه الماتن (رحمه اللّه) بأسلوبٍ آخر، و قدّم جوابه ثم ذكر جواب الشيخ (قدّس سرّه) و ناقشه.

34

هو سنخ الحكم؟ لا نفس شخص الحكم في القضية، و كان الشرط في الشرطية أنّما وقع شرطاً بالنسبة الى الحكم الحاصل بإنشائه دون غيره، فغاية قضيتها انتفاء ذاك الحكم بانتفاء شرطه لا انتفاء سنخه، و هكذا الحال في سائر القضايا التي تكون مقيّدة للمفهوم. و لكنك (1) غفلت عن انّ المعلّق على الشرط هو نفس الوجوب الذي هو مفاد الصيغة و معناها، و أمّا الشخص و الخصوصية الناشئة من قبل استعمالها فيه لا تكاد تكون من خصوصيات معناها المستعملة فيه كما لا يخفى، كما لا تكون الخصوصية الحاصلة من قبل الأخبار به من خصوصيات ما أخبر به و استعمل فيه أخباراً لا انشاءً. و بالجملة: كما لا يكون المخبر به المعلّق على الشرط خاصّاً بالخصوصيات الناشئة من قبل الأخبار به، كذلك المنشأ بالصيغة المعلق عليه، و قد عرفت (2)

(1) هذا هو الجواب عن الإشكال، و حاصله: إنّ المنشأ في القضية المنطوقية كُلّي، و ليس بجزئي فقولك: (إن جاءك زيدٌ فأكرمه) معناه: أنّه اوجبت عليك اكرامه عند المجي‏ء بالوجوب الكلي، كما هو الحال في القضية الخبرية مثل ان تقول: (إن جاءك زيدٌ فأنت تكرمه) و قد سبق منه في معنى صيغة الأمر إنّ الموضوع له هو مفهوم الوجوب لا مصداقه الخارجي، على خلافٍ في ذلك بينه و بين الشيخ (قدّس سرّه). و يرجع هذا البحث الى أن الخصوصيات الحاصلة في حين الاستعمال و كان من شُئون الاستعمال لا يكون جزءاً فى المعنى المستعمل فيه داخلًا فى المفهوم حتى يوجب ذلك جزئية المعنى، فلا فرق بين الجملة الخبرية و الجملة الانشائية، فكما انّ الخصوصيات الحاصلة من قبل الاخبار به لا تكون داخلة فيما أخبر به و استعمل فيه اللفظ كذلك المنشأ بالصيغة المعلّق عليه، و مقتضى الملازمة بين المنطوق و المفهوم لا بدّ أن يكون الحكم في المفهوم أيضاً كلّياً.

(2) يشهد لما ذكره- من عدم دخول ما هو من خصوصيات الاستعمال في‏

35

بما حققناه في معنى الحرف و شبهه، أن ما استعمل فيه الحرف عامّ كالموضوع له، و ان خصوصية لحاظه بنحو الآلية و الحالية لغيره من خصوصية الاستعمال، كما إنّ خصوصية لحاظ المعنى بنحو الاستقلال في الإسم كذلك، فيكون اللحاظ الآلي كالاستقلالي، من خصوصيات الاستعمال و المستعمل فيه: و بذلك قد (1) انقدح: فساد ما يظهر من التقريرات في مقام التفصي عن هذا الإشكال، من التفرقة بين الوجوب الإخباري و الإنشائي بأنه كُلّي في الأول، و خاصّ في الثاني،

المعنى المستعمل فيه حتى يجعله جزئياً- ما تقدم منه في المعنى الحرفي من ان لحاظه الآلية فيه لا يجعله جزئياً، كما أن لحاظ الاستقلالية في الاسم لا يجعل معناه جزئياً، و ان هذه الخصوصية في معنى الاسم و معنى الحرف من شئون الاستعمال و ان الموضوع له و المستعمل فيه فيهما يكون كُليّاً، و الوجوب أيضاً كذلك، و ان المنشأ أو المخبر به هو مفهوم الوجوب و هو كُلّي و ليس مصداقه حتّى يكون جزئياً.

(1) هذا هو جواب الشيخ (قدّس سرّه) عن الإشكال كما في تقريراته: و هو أنه فرق بين الوجوب الذي هو مفاد الجملة الخبرية و الذي هو مفاد الجملة الانشائية، فإن كان خبرياً مثل؛ (ان جئتني سأكرمك) كان الوجوب كليّاً لأنه مدلول المادّة و المادة موضوعة للطبيعة و هي كُليّة، و بهذا يرتفع الإشكال فيه، و لا مانع من أن يكون المنتفي فيه سنخ الحكم، و ان كان انشائياً مثل: (ان جاءك زيدٌ فاكرمه) فمفاده و ان كان جزئياً (لأنه مفاد الهيئة و هو معنى حرفي و المعاني الحرفية جزئية في نظره (قدّس سرّه)) الا إنّ اداة الشرط الواردة على المنشأ بالصيغة تدل على انحصار علة الحكم بالشرط، و مع ارتفاعه يرتفع طبيعي الوجوب في قضية المفهوم، و كلّية

36

حيث دفع الإشكال بأنه لا يتوجه في الأول، لكون الوجوب كلّياً، و على الثاني بأن ارتفاع مطلق الوجوب فيه من فوائد العلية المستفادة من الجملة الشرطية، حيث (1) كان ارتفاع شخص الوجوب ليس مستنداً الى ارتفاع العلّة المأخوذة فيها، فأنه يرتفع و لو لم يوجد في حيال اداة الشرط كما في اللّقب و الوصف. و أورد (2) على ما تفصّى به عن الإشكال بما ربما يرجع الى ما ذكرناه، بما حاصله: إنّ التفصي لا يبتني على كُليّة الوجوب، لما أفاده، و كون الموضوع له في الانشاء عاماً لم يقم عليه دليل، لو لم نقل بقيام الدليل على خلافه، حيث انّ‏

الحكم المرتفع في المفهوم من فوائد العلّة المنحصرة المستفادة من الجملة الشرطية.

(1) هذا توضيحٌ لما ادّعاه من ان انتفاء سنخ الحكم في المفهوم يكون من فوائد انحصار العلية: و هو أنّه لو كان الحكم المنفي في المفهوم حكماً جزئياً كان انتفائه بانتفاء الشرط عقليّاً، من باب ارتفاع الحكم بارتفاع موضوعه، و هو أجنبيٌّ عن المفهوم و إلّا كان للقب مفهوماً، فإنّ بانتفاء اللقب- الذي هو موضوع الحكم- ينتفي الحكم عقلًا بلا ريب، مع أنّه لا مفهوم للقب، كما سيجي‏ء، فلا بد من أن يكون المنفي في المفهوم سنخ الحكم، و هذا يستفاد من أداة الشرط حيث تدلّ على انحصار العلية في الشرط و أنّه علّة لطبيعي الحكم بلا فرقٍ بين وقوع الشرط في الجملة الخبرية أو الإنشائية.

(2) بعد ما دفع الشيخ (قدّس سرّه) الإشكال بالتقريب المتقدم ذكر دفعاً آخر للإشكال قريباً من دفع الماتن (قدّس سرّه) و أجاب عنه، و محصّل ما ذكره: هو انه قد يجاب عن‏

37

الخصوصيات بأنفسها مستفادة من الألفاظ. و ذلك (1) لما عرفت من انّ الخصوصيات في الانشاءات و الإخبارات أنما تكون ناشئة من الاستعمالات بلا تفاوت اصلًا بينهما، و لعمري- لا يكاد ينقضى تعجّبي- كيف تجعل خصوصيات الانشاء من خصوصيات المستعمل فيه! مع أنّها كخصوصيات الإخبار، تكون ناشئة من الاستعمال، و لا يكاد يمكن أن يدخل في المستعمل فيه ما ينشأ من قبل الاستعمال، كما هو واضح لمن تأمّل.

الإشكال بأن الوجوب المنشأ في المنطوق هو الوجوب الكلي، لأنه هو المعنى الموضوع له و ان التشخصات و الخصوصيات راجعةٌ الى فعل الآمر كما انّ تشخص الفعل المأتي به يرجع الى فعل المأمور، فمطلق الوجوب منتفي في جانب المفهوم.

و أجاب عنه: بأن دفع الإشكال لا يتوقف على القول بأن مفاد الصيغة و المنشأ بها في المنطوق هو الوجوب الكُلّي وضعاً، إذ بإمكاننا استفادة الكُلّية عن طريق الشرط حيث يدلّ على انحصار العليّة من دون حاجة الى القول بأنّ الموضوع له عامّ و ان الخصوصيات مستفادة من الامور الخارجية و يرجع الى فعل الآمر، فإن هذه الدّعوى خالية عن الدليل، بل الدليل قائمٌ على خلافه، فإن التشخصات مستفادة من لفظ افعل و انّ المنشأ به هو الوجوب الخاص الإنشائي.

(1) هذا جوابه عن ايراد الشيخ (قدّس سرّه): و هو انّ الوجوب الذي هو مفاد الصيغة كُلّي كما تقدم غيره، لأن وضع الحروف هو وضع الأسماء، ثم تعجّب من الشيخ (قدّس سرّه) حيث فرّق بين الوجوب الذي هو مفاد الجملة الخبرية و ما هو مفاد الجملة الانشائية، و جعل الأوّل كُلّياً و الثاني جزئياً. و وجه التعجّب: هو انّ الخصوصيات‏

38

الأمر الثاني: إذا (1) تعدّد الشرط مثل: (اذا خفي الأذان فقصّر، و اذا خفي الجدران فقصر) فبناءً على ظهور الجملة الشرطية في المفهوم، لا بدّ من التصرف و رفع اليد عن الظهور.

الناشئة من قبل الانشاء ان كانت داخلة في المنشأ فلتكن الخصوصيات الناشئة من قِبل الإخبار أيضاً داخلة في المخبر عنه، و ان لم تكن داخلة في الإخبار فلتكن في الانشاء أيضاً كذلك، و التفريق بينهما لا يرجع الى محصّل.

أقول: لاوجه لتعجبه فأنّ الشيخ (قدّس سرّه) قد تكلّم على مبناه في المعنى الحرفي، كما أنّه (رحمه اللّه) تكلّم على مبناه فيه، فكُلّ مشى على مختاره، و لكن يرد على ما أفاده الشيخ (قدّس سرّه) أولًا: إنّ ظاهر قوله: (و على الثاني بأنّ ارتفاع مطلق الوجوب فيه من فوائد العلّية المستفادة من الجملة الشرطية) بل صريحه هو رجوع القيد الى الوجوب الذي هو مفاد الهيئة، مع أنه في الواجب المشروط نفى صلاحيّة رجوع القيد الى الهيئة بل التزم برجوعه الى المادة ثبوتاً و إثباتاً، و ثانياً: إنّ استفادة العموم من العلّية غير صحيحة، لأنّ العلّة هنا (الشرط) و المعلول (شخص الحكم) و المنتفي عند انتفاء العلّة هو الحكم الشخصي، و انّما نقول في سائر الموارد بأنّ الحكم عامٌّ بعموم علّته، لأنّ التعليل هناك يرجع الى سنخ الحكم لا شخصه كما هو الحال في محلّ الكلام.

الأمر الثاني [اذا تعدد الشرط و قلنا بالمفهوم فهل يخصص المفهوم كل به منطوق الآخر]

(1) إذا اتّحد الجزاء في شرطيتين مثل: (اذا خفي الأذان فقصّر، و اذا خفت الجُدران فقصر) (1) فإن قلنا: بأن الجملتين لا دلالة لهما على المفهوم فإنه يجب الأخذ بالمنطوقين من دون محذور و لا اشكال، و ان قلنا: بأنهما تدلان‏

____________

(1)- الوسائل: ج 5 ص 505 ب 6 من أبواب صلاة المسافر.

39

أما بتخصيص (1) مفهوم كل منهما بمنطوق الآخر، فيقال بانتفاء وجوب القصر عند انتفاء الشرطين. و أمّا (2) برفع اليد عن‏

على المفهوم، فإنّه يلزم معارضة كُل منطوقٍ منهما مع عموم مفهوم الآخر بالعموم من وجه، فإن مفهوم الشرطية الأولى تدل على عدم التقصير عند عدم خفاء الأذان و ان خفت الجُدران، و مفهوم الشرطية الثانية عدم وجوب التقصير عند خفاء الجُدران و ان خفي الأذان، و قد وقع الخلاف في كيفية الجمع بينهما على وجوهٍ، و ذكر في المتن وجوهاً أربعة للجمع.

و ليعلم أولًا: إنّ ما ذكرناه من المثال- كما هو المشهور في المقام- هو مع قطع النظر عمّا في المثال من الخصوصية الفقهية على نحو لا يحتاج الى تصرف في أحدهما أو في كليهما، و عما يقال في المثال من أن خفاء الأذان يحصل قبل خفاء الجدران دائماً فلا معارضة خارجاً حتّى يحتاج الى الجمع بينهما.

و ثانياً: إنّ الجزاء قد يكون ممّا يقبل التكرار كالعتق، و قد لا يقبل التكرار كالقتل، و قد يقبل التكرار تكويناً و لا يقبله شرعاً كما في المثال، فإن تكرار الصلاة بالجمع بين القصر و الإتمام و ان كان ممكناً تكويناً الّا أنه ممنوعٌ شرعاً، لأن الواجب في اليوم الواحد صلاة واحدة و الممتنع شرعاً كالممتنع عقلًا.

(1) هذا هو الوجه الأول للجمع: و هو تخصيص عموم كل مفهومٍ بعموم المنطوق الآخر و يقال: انه لا يجب القصر ان لم يخف الأذان الّا اذا خفت الجدران، كما لا يجب القصر ان لم تخف الجدران الا اذا خفي الأذان. و مبناه: هو تقديم تخصيص عموم المفهوم على تخصيص عموم المنطوق، لأنه عند المعارضة تقدم اصالة عموم المنطوق على أصالة عموم المفهوم، و النتيجة: هو وجوب القصر بخفاء أحدهما، و ان لم يخفيا معاً يجب الإتمام.

(2) هذا هو الوجه الثاني للجمع: و هو البناء على عدم المفهوم للشرطيتين‏

40

المفهوم فيهما، فلا دلالة لهما على عدم مدخلية شي‏ءٍ آخر في الجزاء، بخلاف الوجه الأول، فأنّ فيهما الدّلالة على ذلك. و إما (1) بتقييد اطلاق الشرط في كُلّ منهما بالآخر، فيكون الشرط هو خفاء الأذان و الجُدران معاً، فإذا خفيا وجب القصر، و لا يجب عند انتفاء خفائهما و لو خفي أحدهما. و إمّا (2) بجعل الشرط هو القدر المشترك بينهما، بأن‏

و ان حالهما حال اللقب على عدم المفهوم، و النتيجة: هو النتيجة في الوجه الأول، و ان بخفاء كلٌّ من الأمرين يجب القصر، و الفرق بين الوجهين: هو ان الأول يدلّ على عدم قيام شي‏ءٍ آخر مقام الشرطين في ثبوت الجزاء فبهما ينتفي الشرط الثالث، و الثاني لا دلالة فيه على نفي الشرط الثالث.

(1) هذا هو الوجه الثالث للجمع: و هو التصرف في اطلاق كلٍّ من الشرطين بالتقييد بالآخر، و يرفع اليد عن ظهور كُلٍّ من الشرطين في الاستقلال في التأثير و تكون النتيجة: ان خفي الأذان و خفت الجدران معاً يقصر، فكُلّ من الشرطين أحد جزئي السبب، فعند خفاء أحد الأمرين يجب الاتمام و لا يجب القصر الّا بخفائهما معاً، و يدلان على نفي الشرط الثالث.

(2) هذا هو الوجه الرابع للجمع: و هو البناء على أنّ المؤثر هو الجامع للشرطين: فكلّ شرط لا يكون بعنوانه و في نفسه مؤثراً. ففي المثال يقال أنّ الشرط الابتعاد الخاص عن الوطن أو محلّ الاقامة، و ان كُلًا من الأمرين يكون محصلًا للشرط، كما هو الحال في التخيير العقلي، و نتيجته: ثبوت الجزاء بأحد الأمرين و ينتفي بانتفائهما معاً- كما في الوجه الأول- و يدلان على عدم قيام شي‏ء آخر مقامهما في الشرطية، و يختلف عن الوجه الأول بأنّ المؤثر هو العنوان الجامع بين الأمرين لا خصوص كُلٍّ من الشرطين.

41

يكون تعدد الشرط قرينةً على إنّ الشرط في كُلٍّ منهما ليس بعنوانه الخاص، بل بما هو مصداق لما يعمّهما من العنوان. و لعل (1) العرف يساعد على الوجه الثاني، كما إنّ العقل ربما يعيّن هذا الوجه، بملاحظة أنّ الامور المتعددة بما هي مختلفة لا يمكن أن يكون كلٌّ منهما مؤثراً في واحد، فأنه لا بدّ من الربط الخاص بين العلّة و المعلول، و لا يكاد يكون الواحد بما هو واحد مرتبطاً بالاثنين بما هما اثنان، و لذلك أيضاً لا يصدر من الواحد

و اختار الحلي وجهاً خامساً و هو الاعتماد على خصوص الأذان‏ (1). و ذكر المحقق الاصفهاني (رحمه اللّه): أنّه ذكر الماتن (رحمه اللّه) أولًا ثم ضرب عليه خط المحول في النسخ الصحيحة (2)، و لعلّ مبني الحلّي كون خفاء الأذان دائماً يكون قبل خفاء الجدران فالشرطية الثانية لغو، و لا ينافيه ورودهما في الخبر، لأنّه لا يقول بحجية الخبر الواحد. و قد يوجه بأنّ الخبرين متكافئان و الوظيفة التخيير عند فقد المرجح، و هو اختار شرطية الأذان، أو أنه عنده من المحفوف بالقرينة القطعية بعد بنائه على عدم حجيّة الخبر الظني.

(1) هذا مختاره في المسألة: و هو ان العرف الحاكم في تعيين ظواهر الألفاظ يرجح الوجه الثاني (عدم بناء القضية على إفادة المفهوم في الشرطيتين)، و العقل يعيّن الوجه الرابع لاستحالة تأثير مؤثرين استقلالًا في أمرٍ واحد لعدم صدور الواحد عن الكثير، من جهة لزوم وجود الربط و السنخية بين الأثر و المؤثر، فاتفق ما ظاهره اجتماع مؤثرين في اثرٍ، يوجّه: بأنّ المؤثر هو الجامع‏

____________

(1)- السرائر: ص 74.

(2)- نهاية الدراية: ج 1 ص 324.

42

الّا الواحد، فلا بدّ من المصير الى أنّ الشرط في الحقيقة واحدٌ، و هو المشترك بين الشرطين بعد البناء على رفع اليد عن المفهوم، و بقاء اطلاق الشرط في كلّ منهما على حاله، و ان كان بناء العرف و الأذهان العاميّة على تعدّد الشرط و تأثير كل شرطٍ بعنوانه الخاصّ، فافهم.

بينهما فهو واحد حقيقةً و ان كان بحسب الصورة متعدداً فمن وحدة الجزاء نكشف عن وحدة الشرط و هو الجامع بين الشرطين.

و فيه: أولًا: انّ القاعدة على تقدير تسليمها تامّة في الواحد الشخصي و أمّا النوعي فلا مانع من تأثير الكثير فيه، فالنار مؤثرة في الحرارة، و الشمس مؤثر فيها، و الكهرباء مؤثر فيها، و الحركة السريعة مؤثرة كذلك، و ثانياً: أنّها تجري في الأسباب التكوينية و لا تجري في الأسباب الشرعية لأنّها ليست بسببٍ حقيقة على نحو التأثير غايته ترتّب تحقق الشي‏ء على وجود شي‏ء آخر و لا مانع من اعتبار شي‏ءٍ واحد مرتباً على شيئين.

و الوجه الثالث: ظاهر الضعف لأنه جمعٌ تبرّعي و تصرّف في ظاهر اللفظين بدون ضرورة و لعلّه لأجل ظهور ضعفه لم يضعفه الماتن (رحمه اللّه)، و منه يظهر ضعف ما في كلام المحقق النائيني (رحمه اللّه) حيث اختار هذا الوجه، و قال: إنّ الأمر يدور بين رفع اليد عن اطلاق الشرط المقابل للعطف ب- (أو) و تقييده و رفع اليد عن اطلاقه المقابل للعطف ب- (الواو) و حيث لا معين لأحد التقييدين كان مقتضى العلم الاجمالي سقوط كلّ من الاطلاقين عن الحُجيّة، و نتيجة ذلك: عدم ترتّب الجزاء الّا عند حصول كلا الشرطين لعدم العلم بترتبه بحصول احدهما و الأصل ينفيه‏ (1).

يبقى الأمر دائراً بين الوجهين الأولين: و لا ريب في ترجيح الثاني، بناءً

____________

(1)- أجود التقريرات: ج 1 ص 424.

43

الأمر الثالث: اذا تعدد (1) الشرط و اتّحد الجزاء، فلا إشكال على‏

على ما هو الصحيح في مبنى المفهوم و هو ثبوته بالإطلاق المقامي، فإن ذكر الشرط الآخر كاشفٌ عن أنّ المتكلّم لم يكن في مقام بيان ما هو الشرط في الواقع، و معه لا مجال للتمسّك بالاطلاق فلم تكن القضية مبنيّةً على افادة المفهوم، مضافاً الى ما في الوجه الأول: من أن المفهوم ليست قضية مستقلة حتى يمكن تقييدها بدون تقييد المنطوق، بل هو تابع للمنطوق في جميع القيود.

الأمر الثالث [تداخل المسببات‏]

(1) بعد ما تبين في الأمر السابق: من أن السببين اذا اجتمعا في مسببٍ واحد حاله حال سائر الأسباب في كونهما مستقلين في السببية، يتفرع على ذلك هل أنهما يتداخلان، أي في مرحلة الامتثال يكتفى بإيجاد مسبب واحد ام لا؟ بل يقتضي كُلّ سببٍ مستقلّ مسبباً فلا بد من ايجاد مسببين، و بهذا البيان تبين تفرع هذا الأمر على الأمر السابق.

و هذا النزاع لا يجري على الوجه الثالث من الجمع في الأمر السابق بلا إشكال، لأنه كان مبنيّاً على رفع اليد عن ظهور كُلٍّ من الشرطين في الاستقلال، فخروجه من مسألة التداخل يكون من السالبة بانتفاء الموضوع، و يجري على الوجه الأول و الثاني من وجوه الجمع المتقدمة.

و الماتن (رحمه اللّه) اقتصر في هذا الأمر على ذكر تداخل الأسباب و لم يتعرض لتداخل المسبب، بخلاف المحقق النائيني (رحمه اللّه) قال: إنّ البحث قد يكون في تداخل الأسباب (أي انّ اجتماع الأسباب المتعددة لا يقتضي الّا ايجاد جزاءٍ واحد) و قد يكون في تداخل المسببات (أي يكتفي في مقام الامتثال بإيجادٍ واحد) ففي‏

44

الوجه الثالث، و أما على سائر الوجوه فهل اللازم الإتيان بالجزاء متعدداً حسب تعدد الشرط؟ أو يتداخل، و يكتفى بإتيانه دفعةً واحدة؟

فيه أقوال: المشهور (1) عدم التداخل، و عن جماعةٍ- منهم المحقّق الخوانساري (رحمه اللّه)- التداخل، و عن الحلّي التفصيل بين اتحاد جنس الشرط و تعدده.

و التحقيق (2): أنّه لما كان ظاهر الجملة الشرطية حدوث الجزاء عند حدوث الشرط بسببه، أو بكشفه عن سببه، و كان قضيته تعدد الجزاء عند تعدد الشرط، كان الأخذ بظاهرها اذا تعدد الشرط حقيقةً أو وجوداً محالًا، ضرورة إن لازمه أن يكون الحقيقة الواحدة- مثل‏

الأول تكون الذمّة مشغولةً بإيجاد واحد، و لا يجوز ايجاد الجزاء متعدداً، و في الثاني يكون الحكم على نحو الرخصة لا العزيمة (1).

(1) الأقوال في المسألة كما ذكرت في المتن ثلاثة: عدم التداخل مطلقاً و هذا هو المشهور و المختار، و التداخل مطلقاً و هو قول جماعةٍ منهم المحقق الخوانساري (رحمه اللّه)، و التفصيل بين اتحاد جنس الشرط كالبول مرتين و بين تعدد جنسه كالنوم و البول، و أنه في الأوّل يتداخل دون الثاني كما حكى عن الحلي (رحمه اللّه).

(2) هذا هو الدليل على قول المشهور، و تقريبه: ان حدوث الشرط المذكور في كلّ قضية شرطية يكون موجباً لحدوث الجزاء، إما بسببه ان كان الشرط سبباً حقيقياً، أو بكشفه ان كان معرفاً للسبب الحقيقي، فإن تعدد كان قضيته تعدد الجزاء، بلا فرقٍ بين أن يكون السببان من حقيقةٍ واحدة كما اذا بال مرتان، أو من حقيقتين كما اذا بال و نام بالنسبة الى وجوب الوضوء، أي انّ‏

____________

(1)- أجود التقريرات: ج 1 ص 428.

45

الوضوء- بما هي واحدة، في مثل (اذا بلت فتوضأ، و اذا نمت فتوضأ) أو فيما اذا بال مكرّراً و نام كذلك، محكوماً بحكمين متماثلين، و هو واضح الاستحالة كالمتضادين. فلا بدّ على القول بالتداخل من التصرف فيه: إمّا (1) بالالتزام بعدم دلالتها في هذا الحال على الحدوث عند الحدوث، بل على مجرّد الثبوت،

للجملة الشرطية ظهوران، أحدهما: ظهورها في الحدوث عند الحدوث، و ثانيهما: ظهورها في تعدد الجزاء عند تعدد الشرط لأن الشرط، علّةٌ للحكم لا لتأكّده و شدته، و حينئذٍ يدور الأمر بين أمرين: أحدهما: الالتزام بعدم التداخل حتى لا يلزم محذور اجتماع حكمين متماثلين في موضوعٍ واحد، الذي هو لازم القول بالتداخل، فإنه في الفرض يكون الوضوء محكوماً بوجوبين عند حدوث الشرطين بمقتضى الظهور الأول للشرطية، ثانيهما: التصرف في ظهور الجملتين المتقدم بوجهٍ من وجوه التوجيه الآتية، ان قلنا بالتداخل.

(1) هذا هو التوجيه الأوّل: و هو رفع اليد عن أول الظُّهورين، و نقول: إنّ الشرطية غير ظاهرة في الحدوث عند الحدوث، بل هي ظاهرةٌ في الثبوت عند الثبوت، الذي هو الجامع بين الحدوث و البقاء، فإن تقارن السببان زماناً يكون حدوث الجزاء مستنداً الى الجامع لهما، و ان كان بينهما ترتّباً يكون الثبوت بمعنى الحدوث مستنداً الى أقدم السببين، و ان الثبوت بمعنى البقاء يكون مستنداً الى المتأخر منهما، و لازم هذا التوجيه هو رفع اليد عن ظهور الشرط في كونه سبباً مستقلًا، بل يمكن أن يكون مستقلًا و يمكن أن لا يكون مستقلًا.

46

أو (1) الالتزام بكون متعلّق الجزاء و ان كان واحداً صورةً، الّا أنّه حقائق متعددة حسب تعدد الشرط، متصادقة على واحد، فالذمّة و ان اشتغلت بتكاليف متعددة، حسب تعدد الشروط، الا انّ الاجتزاء بواحدٍ لكونه مجمعاً لها، كما في (اكرم هاشمياً و أضف عالماً) فاكرم العالم الهاشمي بالضيافة، ضرورة أنّه بضيافته بداعي الأمرين، يصدق أنه امتثلهما، و لا محالة يسقط الأمر بامتثاله و موافقته، و ان كان له امتثال كلّ منهما على حدة، كما أكرم الهاشمي بغير الضيافة، و اضاف العالم غير الهاشمي. ان قلت: كيف (2) يمكن ذلك- أي الامتثال بما تصادق عليه‏

(1) هذا هو التوجيه الثاني، و حاصله: هو البناء على ما هو ظاهر الشرط من الحدوث عند الحدوث، الا أنه يتصرف في الجزاء و يلتزم بأن الجزاء لم يكن حقيقة واحدة بل هو حقائق متعددة حسب تعدد الشرط، فالوضوء في المثال من بعد البول حقيقة و من بعد النوم حقيقة اخرى و هكذا، غايته أنهما بعد الشرطين تصادقا على وجودٍ واحد، فالذمّة و ان اشتغلت بوضوءين بعد حدوث السببين و لكن يكتفى بوجودٍ واحد لكونه مجمعاً للتكليفين فيصدق عليه أنه امتثلهما من جهة اتيانه الحقيقتين، و ان كان قد يتوهّم أن المأتي هو حقيقةٌ واحدة، نظيره ما اذا قال المولى بخطابين: (اكرم هاشميّاً و اضف عالماً) و المكلّف اضاف عالماً هاشمياً، فإنه يصدق عليه أنّه امتثل الخطابين، لأنّه قد أتى بمتعلقهما بداعي امتثال الأمرين و بذلك يسقط الأمران و ان كان بإمكانه امتثال كُلٍّ منهما على حدة، فيكرم هاشمياً بغير ضيافة و يضيف العالم الهاشمي، و في مرحلة الامتثال لا فرق بين الأمرين في تحقق الامتثال من الجمع بينهما أو التفريق بينهما.

(2) حاصل الإشكال: أنه على تقدير تسليم كون الجزاء حقائق متعددة

47

العنوانان- مع استلزامه محذور اجتماع الحكمين المتماثلين فيه؟

قلت (1): انطباق عنوانين واجبين على واحدٍ لا يستلزم اتصافه بوجوبين، بل غايته إن انطباقهما عليه يكون منشأً لاتصافه بالوجوب و انتزاع صفته له، مع أنه- على القول بجواز الاجتماع- لا محذور في اتصافه بهما، بخلاف ما اذا كان بعنوانٍ واحد فافهم. أو الالتزام (2) بحدوث الأثر عند وجود كل شرط، الا أنّه وجوب الوضوء في المثال‏

لا بدّ من الالتزام بعدم جواز الاكتفاء بوجودٍ واحد في مرحلة الامتثال، لاستلزامه اجتماع وجوبين في متعلقٍ واحد، و هو من اجتماع المثلين في محلّ واحدٍ، و في المثال أيضاً لا يجزي اكرام العالم الهاشمي بالضيافة بل لا بدّ من ايجاد متعلقين.

(1) حاصل الجواب: أنّا لا نُسلّم اجتماع حكمين على موضوعٍ واحد، فإنّ انطباق عنوانين على شي‏ءٍ واحدٍ يكون مصداقاً لهما لا يوجب اتصافه بوجوبين بل وجود واحد مؤكّد، و على تقدير اتصافه بوجوبين نقول: أنّه لا محذور فيه بناءً على القول بالجواز في مسألة الاجتماع فيما اذا كان الواحد معنوناً بعنوانين، و انما يلزم اجتماع المثلين اذا كان الواحد معنوناً بعنوان واحد. و يمكن أن يناقش بأن الوضوء في المثال ليس له الّا عنوان واحد، فاجتماع المثلين لازم فيه على أيّ حالٍ، و لعلّه بهذا أشار بقوله فافهم.

(2) هذا هو التوجيه الثالث: و هو التصرف في الشرطيتين بالالتزام في الاولى بأن الشرط فيها مؤثّرٌ في حدوث الأثر مستقلًا في الجزاء، و في الثانية بأن الشرط فيها مؤثرٌ في تأكّد وجوبه. و بعبارةٍ اخرى: إن الشرط في كُلٍّ منهما مؤثر في الجملة ففي أحدهما مستقلًا و في الآخر ضمناً، مع بقاء الجزاء على ظهوره في كونه موضوعاً بعنوانه، و بهذا التوجيه يرتفع محذور اجتماع المثلين.

48

عند الشرط الأول، و تأكد وجوبه عند الآخر. و لا يخفى (1): أنّه لا وجه لأن يصار الى واحدٍ منها، فإنّه (2) رفع اليد عن الظاهر بلا وجهٍ، مع (3) ما في الأخيرين من الاحتياج الى إثبات انّ متعلّق الجزاء متعدد متصادقٌ على واحد، و ان كان صورةً واحد سُمّي باسمٍ واحد، كالغُسل، و إلى إثبات أنّ الحادث بغير الشرط الأول تأكّد ما حدث بالأول، و مجرّد الاحتمال لا يجدي ما لم يكن في البين ما يثبته. إن‏

(1) هذا شروعٌ في مناقشة التوجيهات بنحوين، أحدهما: ما هو المشترك بين التوجيهات كُلّها، ثانيهما: ما هو مختصٌّ بالوجهين الأخيرين.

(2) هذا هو الإشكال المشترك على التوجيهات: و هو ان تلك التوجيهات- مضافاً الى أنها على خلاف المتفاهم العرفي- خلاف الظاهر للجملتين، من دون دليلٍ يدلّ عليه، و هو غير جائزٍ الّا بقرينة صارفة و المفروض أنّها مفقودة، فلا مناص الّا في الأخذ بظاهر كُلٍّ من الجملتين و هو حدوث الجزاء عند حدوث الشرط و هو مستلزم لاجتماع الحكمين في واحدٍ، ان قلنا بالتَّداخل.

(3) هذا هو الاشكال المختص بالوجهين الأخيرين: و هو أنه على تقدير تسليم عدم كون التوجيه الأول على خلاف الظاهر، و ان الشرطية لا تكون ظاهرة في الحدوث عند الحدوث بل هي ظاهرة في الثبوت الجامع للحدوث و البقاء، الا أنّ التوجيهين الآخرين خلاف الظاهر قطعاً، فإن دعوى كون الجزاء حقائق متعددة تصادقا على واحد يحتاج الى اثبات، و إلّا فالوضوء حقيقةٌ واحدة سواء كان بعد البول أم بعد النوم، و مثلها دعوى: ان الحادث بالشرط الثاني يكون مؤكداً للحادث الأول، و مجرّد الدّعوى على خلاف الظاهر لا يكفي لدفع الاشكال ما لم يدل دليل، فمحذور اجتماع المثلين باقٍ على حاله.

49

قلت (1): وجه ذلك هو لزوم التصرّف في ظهور الجملة الشرطية، لعدم امكان الأخذ بظهورها، حيث ان قضيته هو اجتماع الحكمين في الوضوء في المثال، كما مرّت الإشارة اليه. قلت (2): نعم، اذا لم يكن المراد بالجملة- فيما اذا تعدد الشرط كما في المثال- و هو وجوب الوضوء مثلًا بكلّ شرطٍ غير ما وجب بالآخر، و لا ضير في كون فردٍ محكوماً بحكم فرد آخر أصلًا كما لا يخفى. ان قلت (3): نعم، لو لم يكن‏

(1) حاصل الإشكال: ان ما ذكرتم من كون التوجيهات الثلاثة كُلّها على خلاف الظاهر مما لا كلام فيه، الّا أنه لا بدّ من الحمل على خلاف القرينة العقلية، و هو ان الإبقاء على الظاهر يستلزم محذور الاستحالة العقلية، و هو لزوم اجتماع المثلين الذي هو في الاستحالة كاجتماع الضدين، اذ لو بنينا على ظاهر الشرطية و هو الحدوث عند الحدوث يلزم اجتماع الوجوبين في الوضوء، فلأجل التخلّص من المحذور نلتجئ الى تلك التوجيهات.

(2) انّ ما ذكر من لزوم المحذور العقلي- ان بنينا على ظاهر اللفظ- صحيحٌ و لا كلام فيه كما لا إشكال فيه، و لكن هناك توجيهٌ رابع يدفع به المحذور من دون لزوم خلاف الظاهر، و هو ما رُمنا إثباته من البناء على أصالة عدم التداخل الذي هو محملٌ عقلائي معقول و موافقٌ لظاهر الشرطية، فيؤتى بمتعلق الحكم في الجزاء بعد حدوث الشرط متعدداً من دون أن يلزم محذورٌ.

(3) حاصل الاشكال: ان ما ذكر من البناء على أصالة عدم التداخل تحفظاً على ظاهر الشرطيتين أيضاً غير سليمٍ عن الاشكال، فإنه منافٍ مع الظهور الإطلاقي للمتعلق المقتضي للاكتفاء بالفرد الواحد من الطبيعة في الامتثال.

50

تقدير تعدد الفرد على خلاف الإطلاق. قلت (1): نعم، لو لم يكن ظهور الجملة الشرطية في كون الشرط سبباً أو كاشفاً عن السبب، مقتضياً لذلك أي تعدد الفرد، و بياناً (أي لتعدد الفرد و إلّا كان بياناً) لما هو المراد من الإطلاق. و بالجملة (2): لا دوران بين ظهور الجملة في حدوث الجزاء و ظهور الإطلاق، ضرورة أن ظهور الاطلاق يكون مُعلّقاً على عدم البيان، و ظهورها في ذلك صالح لأن يكون بياناً،

(1) حاصل الجواب: هو أنّ ما ذكرتم من اقتضاء اطلاق الجزاء فرداً واحداً من الطبيعة صحيحٌ في نفسه، الّا أنه لا مجال للتمسك بهذا الاطلاق في المقام، لأنه متوقّفٌ على جريان مقدمات الحكمة التي منها عدم ما يصلح أن يكون بياناً، و المفروض هو وجوده، و هو ظهور الشرط في الحدوث عند الحدوث، أي كون الشرط بنفسه مؤثراً أو كاشفاً عن السبب الحقيقي، و كل سببٍ يقتضي مسبّباً عقلًا، لاستحالة اجتماع اسبابٍ متعددة على مسببٍ واحد المقتضي لتعدد الجزاء، فليس المطلوب في الجزاء الطبيعة بل أفرادها.

(2) هذا دفع توهّم: و هو أنّه يقع التعارض بين الظهور الإطلاقي المقتضي لتعلق الشرطين بالطبيعة أن يأتي بفردٍ واحد منها، و ظهور الشرط في الحدوث عند الحدوث المقتضى لتعدّد الجزاء، فيتساقطان بالتعارض، و يرجع الى أصالة البراءة عن وجوب الفرد الآخر.

و الدفع: هو انّ التعارض يصحّ ان كان الظهوران في مرتبةٍ واحدة و ليس الأمر كذلك، لأنّ ظهور الشرط في الحدوث عند الحدوث منجزٌ، و الظهور الاطلاقي معلّقٌ على عدم وجود ما يصلح أن يكون بياناً و ظهور الشرط صالحٌ للبيانية فيكون حاكماً على الظهور الإطلاقي و لا بدّ من الأخذ به. و للماتن (رحمه اللّه)