الوسائل إلى غوامض الرسائل‏

- السيد رسول الموسوي الطهراني المزيد...
664 /
5

كلمة المؤلّف‏

بسم اللّه الرحمن الرحيم

الحمد للّه الذي سدّد الفروع بالاصول، و نشر الاصول بالفحول. ثمّ الصلاة و السلام على أصل الوجود الخاتم الموعود في الصحف و الزبور، سيّدنا و نبيّنا محمّد و آله الطاهرين، الغرّ الميامين الذين هم عدلاء القرآن و امناء الرحمن.

أمّا بعد، فهذا شرح مختصر في توضيح و تسهيل معضلات و مجملات السّفر القيّم فرائد الاصول المعروف بالرسائل لمصنّفه الكبير وحيد عصره و فريد زمانه الشيخ الأعظم، استاذ الكلّ، الذي هو آية الحقّ الباري، المرتضى الأنصاريّ طاب ثراه و جعل اللّه الجنّة مثواه.

و بعد، أيّها القارئ الكريم. هذه مسودّة كتبتها في سالف الأيّام معجلا لتكون تذكرة لنفسي عند الرجوع إلى المتن مع العلم بأنّها غير قابلة للإهداء إلى أحد حتّى أصاغر الطلبة فضلا عن أكابرهم، و لذا لم أرض حتّى الآن بانتشارها إلّا أنّ الأصدقاء الكرام حيث قد أصرّوا على انتشاره إصرارا كثيرا جدّا فرضيت به و أرجو من اللّه أن تكون عامّ المنفعة، إن شاء اللّه تعالى. آمين يا ربّ العالمين.

قم المقدّسة

السيّد رسول الموسويّ الطهرانيّ عفي عنه‏

سنة 1431 الهجريّة القمريّة

على هاجرها آلاف التحيّة و الثناء

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

مقدّمة التحقيق‏

بسم اللّه الرحمن الرحيم

الحمد للّه الّذي لا يبلغ مدحته القائلون، و لا يحصي نعماءه العادّون، و لا يؤدّي حقّه المجتهدون، الّذي لا يدركه بعد الهمم، و لا يناله غوص الفطن، الّذي ليس لصفته حدّ محدود، و لا نعت موجود، و لا وقت معدود، و لا أجل ممدود، فطر الخلائق بقدرته، و نشر الرّياح برحمته، و وتّد بالصّخور ميدان أرضه.

و الصلاة و السلام على رسوله المرتضى الذي أرسله بالهدى و دين الحقّ ليظهره على الدين كلّه و لو كره المشركون، و على أهل بيته الذين أذهب اللّه عنهم الرجس و طهّرهم تطهيرا، من اتّبعهم فالجنّة مأواه و من خالفهم فالنار مثواه.

تمهيد

إنّ الإسلام الذي ارتضاه اللّه للإنسان دينا كاملا و شريعة تامّة (1)، و ختم به الشرائع الإلهيّة (2)، و دور النبوّة و الرسالة (3)، و حتم على كافّة الناس اتّباعه إلى يوم القيامة (4)، إنّما

____________

(1) صرّح بذلك حيث قال عزّ و جلّ: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً (المائدة: 3).

(2) قد أشار إليه في قوله تعالى: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ‏ (آل عمران: 19).

(3) كما قال تعالى: ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَ لكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَ خاتَمَ النَّبِيِّينَ‏ (الأحزاب: 40).

(4) صرّح بذلك و أكّده بالتأييد حيث قال عزّ و جلّ: وَ مَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَ هُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ‏ (آل عمران: 85).

8

هو عبارة عن مجموعة من التعاليم التي جاء بها الرسول الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، و من أبرز تعاليم هذه الشريعة الخالدة هو التشريع الإسلاميّ مع ما له من الاستيعاب و الشمول، فما من صغيرة و لا كبيرة في حياة الفرد و المجتمع الإنسانيّ إلّا و تناولها التشريع الإسلاميّ و حدّ الموقف لها (1)، و العلم المتكفّل ببيان التعاليم الشرعيّة و كلّ ما يرتبط بأفعال المكلّفين و استنباطها من مصادرها المعتمدة هو «علم الفقه» و لذلك عرّف في ألسنة الفقهاء بأنّه «هو العلم بالأحكام الشرعيّة الفرعيّة عن أدلّتها التفصيليّة» (2)، و على هذا الأساس فالفقيه هو الذي يحاول أن يعرف في كلّ واقعة حكمه الشرعيّ من خلال تلك الأدلّة، غير أنّ أحكام الشريعة ليست بمستوى واحد من الوضوح و الصراحة، بل كثير منها تطلب عمليّة الاجتهاد و الاستنباط، و حيث كانت عمليّة استنباط الأحكام الشرعيّة تتوقّف على تحصيل مقدّمات: منها العلوم العربيّة، و تفسير القرآن الكريم، و علم المنطق، و علم الحديث، و علم الرجال، فلا بدّ من ضوابط و قواعد و منهج علميّ ينظّم عمليّة الاجتهاد و الاستنباط.

و لا يخفى على ذوي البصائر أنّ العلم الذي تكفّل لجمع تلك الضوابط و القواعد و نظّم منهج تصحيح عمليّة الاستنباط و تنسيقها، هو «علم اصول الفقه»، و لذلك عرّف تارة بأنّه «العلم بالقواعد الممهّدة لاستنباط الأحكام الشرعيّة» (3) و اخرى بأنّه «صناعة يعرف بها

____________

(1) يدلّ عليه قوله تعالى: وَ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ (النحل: 89)، و قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم):

«أيّها الناس، اتّقوا اللّه؛ ما من شي‏ء يقرّبكم من الجنّة، و يباعدكم من النار إلّا و قد نهيتكم عنه، و أمرتكم به» (بحار الأنوار 2: 171، الحديث 11)، و غيره من الأخبار الكثيرة الدالّة على شمول التشريع الإسلاميّ (انظر الكافي 1: 59- 62، باب الردّ إلى الكتاب و السنّة و أنّه ليس شي‏ء من الحلال و الحرام و جميع ما يحتاج الناس إليه إلّا و قد جاء فيه كتاب أو سنّة؛ و بحار الأنوار 2: 168- 172، كتاب العلم، باب 22، باب أنّ لكلّ شي‏ء حدّا و أنّه ليس شي‏ء إلّا ورد فيه كتاب أو سنّة و علم ذلك كلّه عند الإمام).

(2) معالم الدين: 26.

(3) كان هذا التعريف السائد قبل صاحب الكفاية، ذكره في كفاية الاصول: 9.

9

القواعد التي يمكن أن تقع في طريق استنباط الأحكام، أو التي ينتهي إليها في مقام العمل» (1) و عرّفه المحقّق النائينيّ بأنّه «العلم بالكبريات التي لو انضمّت إليها صغرياتها يستنتج منها حكم فرعيّ كلّيّ» (2) و عرّفه السيّد الخوئيّ بأنّه «العلم بالقواعد التي تقع بنفسها في طريق استنباط الأحكام الشرعيّة الكلّيّة الإلهيّة من دون حاجة إلى ضميمة كبرى أو صغرى اصوليّة اخرى إليها» (3).

و المستفاد من مجموعها أنّ فائدته و غايته «هي القدرة على استنباط الأحكام الشرعيّة عن أدلّتها» (4).

و من هنا تبدو أهمّيّة علم الاصول و يبرز أثره العظيم، فهو العلم الذي يبيّن لنا كيفيّة الاستنباط و تحصيل العلم بالأحكام الشرعيّة، و تسميته ب «اصول الفقه» يدلّنا على أنّه أساس علم الفقه و ركنه، المعبّر عنه ب «منطق الفقه» (5)، يعني كما أنّ المنطق يمثّل قانونا لتصحيح عمليّة التفكير (6) و رسم النهج الصحيح في كيفيّة إقامة البرهان، فكذلك علم الاصول أيضا يمثّل قانونا لتصحيح عمليّة التفكير الفقهيّ و يبيّن كيفيّة إقامة الدليل في‏

____________

(1) هذا التعريف ذكره صاحب الكفاية راجع المصدر السابق.

(2) فوائد الاصول (1- 2): 19.

(3) محاضرات في اصول الفقه 1: 8.

(4) قال المحقّق الخراسانيّ (قدّس سرّه) في كفاية الاصول: 468: «لا محيص لأحد في استنباط الأحكام الفرعيّة من أدلّتها إلّا الرجوع إلى ما بنى عليه في المسائل الاصوليّة، و بدونه لا يكاد يتمكّن من استنباط و اجتهاد ...»، و أيضا انظر حواشي المشكينيّ على كفاية الاصول 1: 68 حيث قال (رحمه اللّه): «إنّ غاية علم الاصول هو التمكّن منه [أي من الاستنباط]».

(5) المعبّر بهذا الاصطلاح الرائع هو الشهيد السعيد السيّد محمّد باقر الصدر (قدّس سرّه)، انظر المعالم الجديدة للاصول: 28.

(6) يقال: «المنطق آلة قانونيّة تعصم مراعاتها الذهن عن الخطأ في الفكر»؛ انظر الحاشية على تهذيب المنطق: 11.

10

استنباط الحكم الشرعيّ.

و الذي نستنتجه أنّ علم اصول الفقه، هو أهمّ ما يحتاج إليه الفقيه في عمليّة استنباط الأحكام الشرعيّة (1).

الشيخ المرتضى الأنصاريّ (رحمه اللّه) و دوره في تطوّر علم الاصول‏

هو مرتضى بن محمّد أمين الدزفوليّ الأنصاريّ، مؤسّس نهضة الاصول المعاصرة، قرأ أوائل عمره على عمّه الشيخ حسين من وجوه علماء دزفول، ثمّ مكث في كربلاء و تلمّذ عند السيّد محمّد المجاهد و شريف العلماء، ثمّ عزم الطواف في البلاد للقاء علمائها، فخرج إلى خراسان مارّا بكاشان حيث فاز بلقاء النراقيّ صاحب المناهج (قدّس سرّه) و تلمّذ عنده نحو ثلاث سنين، ثمّ إلى أصفهان، ثمّ إلى دزفول، و منها إلى النجف، فحطّ الرحل فيها، و قد انتهت الرئاسة العلميّة فيها آنذاك إلى الشيخ عليّ بن الشيخ جعفر و صاحب الجواهر، فتلمّذ عندهما إلى أن انتهت إليه الرئاسة الإماميّة العامّة بعد وفاتهما، و كان مجلس درسه يغص بالفقهاء.

و قد وفّق اللّه تعالى هذا العبد الصالح الجليل لكثير من التطوير و التجديد و التأسيس في مباحث علم الاصول، فاستوعب كلّ التراث العلميّ الذي سبقه في الاصول و نهض بعد ذلك بتجديد واسع في هذا العلم، و لذلك فهو بحقّ خاتم الاصوليّين، و على يده اكتسب هذا العلم آخر مراحل تطوّره العلميّ و كان حصيلة ذلك كلّه مدرسة علميّة ضخمة في علم الاصول آتت ثمارا طيّبة و قد تخرج من مدرسته أكثر الفحول من بعده.

____________

(1) قال المحقّق الخراسانيّ (قدّس سرّه) في كفاية الاصول: 468: «و عمدة ما يحتاج إليه هو علم الاصول، ضرورة أنّه ما من مسألة إلّا و يحتاج في استنباط حكمها إلى قاعدة أو قواعد برهن عليها في الاصول ...».

11

«فرائد الاصول» و سيادته في علم الاصول‏

لا يخفى أنّ كتاب «فرائد الاصول» يعدّ من أهمّ الكتب الاصوليّة التي عوّل عليها قاطبة الاصوليّين من الإماميّة في كلّ زمان و مكان.

هذا الكتاب الذي دارت عليه رحى الأبحاث و الدراسات الحوزويّة منذ تأليفه إلى يومنا هذا، بحيث لا يمكن لفقيه الاستغناء عمّا فيه من أفكاره و آراءه التي تمتاز بالعمق العلميّ، و الدقّة المتناهية.

و من أبرز خصائص و مميّزات فرائد الاصول- مضافا إلى العمق و الدقّة- منهجية الشيخ المبتكرة في اسلوبه و قد جدّد الشيخ الأنصاريّ في علم الاصول- بلا ريب- و جاء بمنهجة جديدة أصبحت هي منهج الاصول في المباحث العقليّة من بعده، و هو (رحمه اللّه) مبتكر هذه الطريقة بحيث لم يتّفق لأحد من قبله هذا الكشف و الفتح الذي فتحه اللّه على يده.

و سوف نرى أنّ المنهج الجديد الذي ابتكره هذا الفقيه الجليل في فرائده، يقوم على فهم جديد تماما للأدلّة و الحجج، و على هذا المنهج فتح اسلوب علميّ جديد في تنظيم أبواب و فصول و مسائل علم الاصول، و لهذا المنهج الجديد تأثير مباشر في عمليّة الاستنباط.

و لأجل هذه الخصائص و المميّزات نرى أنّ الكتاب منذ بزوغ نوره، مطروح على طاولة البحث و جعل من الموادّ الأساسيّة و ركائز الدراسات الاصوليّة في الحوزات الشيعيّة، و أصبح فهم محتواه و مضمونه دليلا على بلوغ مرحلة الاجتهاد.

يقول الشيخ آغا بزرگ الطهرانيّ (رحمه اللّه) في وصفه لهذا الكتاب:

«فرائد الاصول: المشهور بالرسائل، للشيخ مرتضى الأنصاريّ المتوفّى 1281 ه، و هو مشهور متداول لم يكتب مثله في الأواخر و الأوائل، محتو على خمسة رسائل في القطع و الظنّ و البراءة و الاستصحاب و التعادل، أسّس في هذه المباحث تأسيسا نسخ به‏

12

الاصول الكربلائيّة، فصارت كسراب بقيعة، و نسج على منواله المتأخّرون حتّى صار الفخر في فهم مراده، و كتب كلّ شرحا أو حاشية عليه بقدر ما غمر فيه فكره و درى ...» (1).

و نظرا لسيادة الكتاب في علم الاصول- مضافا إلى صعوبة فهم محتواه و مضمونه- فقد ألّف عليه عشرات من الشروح و الحواشي و التعاليق من مشاهير العلماء و أقدم كثير من تلامذة الشيخ على شرحه و تحشيته أو التعليق عليه، و أحصى الشيخ آغا بزرگ الطهرانيّ (رحمه اللّه) قريبا من ثمانين حاشية على هذا الكتاب بين مطبوع و مخطوط (2)، و قد تضاعف العدد إلى يومنا هذا.

و هاهنا نخصّ بالذكر بعض الحواشي و الشروح التي أقدم عليها تلامذة الشيخ و تلامذة تلاميذه رحمهم اللّه الذي تعدّ أولى من غيرها في شرح مادّة الكتاب و بيان مرادات الشيخ لقرب مؤلّفيها إلى المصنّف (رحمه اللّه) و لعلمهم بآرائه و أفكاره.

1- وسيلة الوسائل في شرح الرسائل: للسيّد محمّد باقر اليزديّ (1239- 1298 ه) (3).

2- أوثق الوسائل في شرح الرسائل: للميرزا موسى التبريزيّ (المتوفّى 1307 ه) (4).

3- قلائد الفرائد: للشيخ غلام رضا القمّيّ المعروف ب «حاج آخوند» المتوفّى (1312 ه) (5).

____________

(1) الذريعة 16: 132، الرقم 293.

(2) انظر الذريعة 6: 152- 162، الرقم 824- 889، مادّة «الحاشية على فرائد الاصول» حيث قال:

«فرائد الاصول المعروف بالرسائل، تأليف الشيخ الأنصاريّ مرتضى بن محمّد أمين المتوفّى (1281) في اصول الفقه- إلى أن قال-: فعلّقت عليه حواش كثيرة، نذكر بعضا ممّا ظفرنا به منها: ...».

(3) انظر الذريعة 25: 92، الرقم 505، و 6: 153، ذيل الرقم 831.

(4) انظر الذريعة 2: 473، الرقم 1846، و 6: 161، ذيل الرقم 884.

(5) انظر الذريعة 17: 164، الرقم 860، و 6: 160، ذيل الرقم 876.

13

4- بحر الفوائد في شرح الفرائد: للميرزا محمّد حسن الآشتيانيّ (المتوفّى 1319 ه).

قال العلّامة الطهرانيّ: «و كان من أعاظم تلاميذ المصنّف (رحمه اللّه)» (1).

5- الفوائد الرضويّة على الفرائد المرتضويّة: للشيخ آغا رضا الهمدانيّ (المتوفّى 1322 ه) (2).

6- درر الفوائد في الحاشية على الفرائد: للآخوند محمّد كاظم الخراسانيّ (1255- 1329 ه) (3). قال العلّامة الطهرانيّ: «و هي أدقّ الحواشي عليه» (4).

7- الحاشية على فرائد الاصول: للسيّد محمّد كاظم الطباطبائيّ اليزديّ صاحب «العروة الوثقى» (1247- 1337 ه) (5).

8- حاشية البارفروش على الرسائل: للشيخ محمّد حسن بن المولى صفر علي البارفروش المعروف بالشيخ الكبير (المتوفّى 1345 ه) (6).

9- حاشية رحمة اللّه على الرسائل: للشيخ ملّا رحمة اللّه الكرمانيّ.

10- إيضاح الفرائد في علم الاصول: للسيّد محمّد التنكابنيّ (1277- 1359 ه) (7) تلميذ الميرزا محمّد حسن الآشتيانيّ صاحب حاشية «بحر الفوائد» و كتابه شرح مفصّل و مبسوط على فرائد الاصول و يحتوي أيضا على آراء استاذه.

و هنا لا بدّ أن نشير إلى أنّ ثمرات مدرسة الشيخ الأعظم من الذين ألّفوا و كتبوا و علّقوا

____________

(1) انظر الذريعة 3: 44، الرقم 98، و 6: 155، الرقم 846.

(2) انظر الذريعة 16: 341، الرقم 1583، و 6: 157، الرقم 855.

(3) انظر الذريعة 8: 132، الرقم 485.

(4) الذريعة 6: 160، الرقم 879.

(5) انظر الذريعة 6: 160، الرقم 880.

(6) انظر الذريعة 6: 156، الرقم 850.

(7) انظر الذريعة 6: 161، الرقم 881.

14

على كتابه القيّم «فرائد الاصول» هم أكثر بكثير ممّن ذكرناهم و إنّما اكتفينا بهؤلاء مخافة التطويل فجزاهم اللّه تعالى عن العلم و أهله خير الجزاء.

و الكتاب الذي بين أيدينا الموسوم ب «الوسائل إلى غوامض الرسائل» من ثمرات هذه المدرسة الاصوليّة فقد الّف بيد الاستاذ السيّد رسول الموسوي الطهرانيّ- مدّ ظله العالي- و سوف نشير إلى نبذة من حياته، ثمّ نتطرّق لبعض خصائص هذا السفر القويم و منهج تحقيقه.

نبذة من حياة المؤلّف‏

مولده‏

ولد في العاصمة الإيرانيّة «طهران» في سنة 1315 للهجرة الشمسيّة المطابق لليوم التاسع عشر من شهر جمادي الاولى 1355 للهجرة القمريّة على مهاجرها آلاف التحيّة و السلام، و نشأ في بيت علوي طاهر.

دراسته في طهران‏

عند ما بلغ التسعة عشر من عمره ابتدأ و هو في عنفوان شبابه دراسته العلميّة في طهران في «مسجد الحاج ملّا جعفر» المعروف ب «مدرسة المجتهديّ» و درس أوّليات العلوم الأدبيّة- أي الكتب المجتمعة في كتاب يسمّى ب «جامع المقدّمات» و كتاب البهجة المرضيّة الموسوم بكتاب السيوطي و كتاب مغني اللبيب- عند سماحة آية اللّه الشيخ أحمد المجتهديّ (رحمه اللّه) الذي كان مؤسّسا للمدرسة و مديرا لها و كان له دور كبير في تعليم و تربية الطّلاب في مدينة طهران، و درس كتاب «المطوّل» في مدرسة الحاج أبو الفتح عند الشيخ الجواديّ الأفغانيّ و أخذ في دراسة كتاب «اللمعة الدمشقيّة» و «فرائد الاصول» و «المكاسب» عند سماحة الاستاذ الحاج الشيخ حسين الكنيّ (قدّس سرّه) و درس بعض علوم‏

15

الفلسفة و الهيئة عند العالم الجليل السيّد هاشم الحسينيّ (رحمه اللّه) كما درس كتاب «شرح التجريد» عند آية اللّه البتوليّ و بعض مباحث «كتاب الشفاء» عند العلّامة الشيخ محمّد تقي الجعفريّ (قدّس سرّه) و «كفاية الاصول» عند سماحة آية اللّه الشيخ علي الفلسفيّ التنكابنيّ (رحمه اللّه) و أيضا حضر دروسه في خارج الفقه و الاصول مدّة قصيرة من الزمن.

هجرته إلى النجف الأشرف‏

التحق بالحوزة العلميّة في النجف الأشرف أواخر سنة 1349 ه. ش و ذلك من أجل مواصلة دراسته و درايته العلميّة لكن مع الأسف رافقت هجرته هذه أزمة سياسيّة في العلاقات الإيرانيّة العراقيّة التي أدت إلى إخراج الإيرانيّين من العراق و لذلك لم يفسح له المجال للإقامة في النجف أكثر من ثلاثة أو أربعة أشهر، لكن بالرغم من قصر المدّة التي قضاها في النجف حالفه التوفيق في أن يتزوّد من فيوضات عدّة من الآيات العظام و فحول العلماء في تلك الحوزة الشامخة للشيعة من جملتهم المرجع الكبير سماحة آية اللّه السيّد الخوئيّ (قدّس سرّه).

هجرته إلى قم المقدّسة

و بعد عودته من النجف الأشرف و استقراره المؤقّت في طهران لأشهر معدودة هاجر إلى مدينة قم المقدّسة لمواصلة الدراسة و التحصيل، و بعد التحاقه بالحوزة العلميّة في قم حضر دروس خارج الاصول عند كلّ من الآيات العظام الأراكيّ و الميرزا هاشم الآمليّ رحمهما اللّه لأشهر عديدة و كذلك درس خارج الفقه لدى كلّ من الآيات العظام الشريعتمداريّ و الگلپايگانيّ رحمهما اللّه لمدّة مديدة.

16

تدريسه في طهران و قم المقدّسة

من الجدير بالذكر أنّ سماحته اشتغل بالتدريس ما يقارب النصف قرن بحيث إنّه خلال تدريسه لبعض الكتب الدراسيّة- من قبيل جامع المقدّمات، ألفية ابن مالك، شرح الشمسيّة في المنطق، المغني، الرسائل و الكفاية- لم يأل جهدا في تدريسها من البداية إلى النهاية لمرّات و كرّات عديدة، لذا أنّه من خلال تمسّكه بالآية الشريفة التي تقول:

تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ (1) كان يدرس كلّ كتاب من الكتب الدراسيّة عشر مرّات قبل أن يباشر بتدريس كتاب دراسيّ آخر، و قد نشأت علاقته الكبيرة بالتدريس و تعليم الطّلاب و تربيتهم وجده و اجتهاده في هذا الميدان منذ بداية تحصيله، فما أن يفرغ من دراسة كتاب من الكتب الدراسيّة حتّى يعمد إلى تدريسه و إملاءه على الغير، و كان يهتمّ كثيرا بانعقاد جلسات الدرس و يمكن أن نلمس ذلك بوضوح في أقواله و أفعاله، ففي خريف عام 1373 ه. ش كان يعاني من آلام الظهر لكن رغم هذه المحنة القاسية التي كان يمرّ بها لم يعمد إلى تعطيل درسه و لذا في فترة من الفترات كان يذهب فيها إلى الدرس و هو مقعد في عجلة متحرّكة! و بعد أن اجريت له عملية جراحيّة كتب لها النجاح بفضل دعاء الطلّاب و سائر المؤمنين و تماثل للشفاء الكامل كان يعقد جلسات الدرس في منزله أيضا و هو مضطجع طيلة المدّة التي قضاها بعد نقاهته من المرض!!

خصائص تدريسه‏

منذ اللحظة الاولى التي رحل فيها إلى مدينة قم المقدّسة بدأ بتدريس «المطوّل» و «الرسائل» نظرا إلى قلّة بعض الدروس الحوزويّة و تلبية للحاجة الراهنة للطّلاب‏

____________

(1) البقرة: 196.

17

الحوزويّين، ثمّ اتّجه تدريسه بعد ذلك في نطاق تدريس «الرسائل» و «الكفاية» و كان سماحته يغتنم كلّ لحظة من لحظات عمره الشريف و يستثمر بهمّته العالية المحمودة الفرص الذهبيّة في حياته و يصرفها في حقل التدريس و التحقيق و التصنيف و التأليف حتّى في أيّام التعطيل، و من البديهيّ أنّ يحظى مثل هذا المحفل العلميّ الغريق و الأصيل في محتواه و فحواه بخصوصيّات و امتيازات فريدة من نوعها، فيجدر بنا إذا أن نشير إلى جملة منها في هذا المقام.

1- ما يتمتّع به من بيان لطيف و سلس مقرونا دائما بذكر نكات قيّمة، و لذلك طالما يطرح اعقد مطالب الكتاب بشكل سهل و سلس حتّى لا يبقى حينئذ مجال للبحث أو نكتة لم يتمّ التطرّق إليها في واقع الأمر.

2- من خصوصيّاته البارزة التي يحسن الوقوف عندها في مجال التدريس هو حرصه الشديد على الأداء الكيفيّ لا الكمّيّ للدرس و لطالما حرص على أداء المطالب العلميّة على أحسن ما يكون للطلّاب بغضّ النظر عن حجم العبارة المقروءة من الكتاب و حجم الطلّاب و قلّتهم أو كثرتهم و مدى تأثيرهم على الاتجاه العلميّ و التحقيقيّ للدرس.

3- من الأولويّات التي اتّخذها معلما من معالم تدريسه هو إعمال جانب الدقّة في تفهيم تلامذته و البحث و التحقيق في مجال أدقّ المطالب العلميّة و أعمقها و لهذا السبب كان البحث في مسألة معيّنة يستغرق عدّة أيّام في بعض الأحيان حتّى لا تبقى نكتة مبهمة في ثنايا العبارات أو موضوعا مهمّا عاريا عن البيان المستوفى، مهما كان صغره و حجمه.

4- و من خصوصيّاته لحاظ جانب الاستيعاب و الإحاطة، فإنّ من النقاط ذات الأهمّيّة في العلوم النظريّة- سيّما في الاصول و الفقه- اتّصاف الباب و المسألة بما تستوعبه من احتمالات متعدّدة، و ما تعالجه من جهات شتّى مرتبطة بموضوع البحث، فإنّ هذه الخصيصة هي الأساس الأوّل في انتظام الفكر و المعرفة في أيّ مسألة من المسائل، و هذه الميزة أيضا كان يتمتّع بها سماحته في مدرسته بدرجة عالية، فإنّه‏

18

لم يكن يتعرّض لمسألة من المسائل العمليّة إلّا و يذكر فيها من الصور و المحتملات و المباني و الأقوال، و هذا هو جانب الاستيعاب و الإحاطة المعمقة في تدريسه.

5- و من معالم مدرسته هو المنهجيّة و الترتيب الفنّيّ للبحث بحيث يفرز الجهات و الجوانب المتداخلة في كلمات الآخرين، خصوصا في المسائل المعقدة، التي تتعسر على الفهم و يكثر فيها الالتباس و الخطأ، و يوضح المسألة و ينظّمها، و يحللها بشكل موضوعيّ و علميّ بحيث لا تبقى للباحث نكتة مبهمة، كما كان يتميّز بدقّة طريقة الاستدلال في كلّ موضوع.

6- من الخصوصيّات التي حاز عليها في مدرسته و حظيت باهتمام خاصّ من قبل سماحته هو التحقيق و التتبّع المتوالي و المتواصل للمطالب الدراسيّة و مسائلها الجانبيّة، فقد كان يتعامل مع المطالب العلميّة بصورة حرفيّة و تحقيقيّة دقيقة، لذا يتمّ في هذا المحفل تحليل و بحث عميق للمسائل المطروحة بحيث يأخذ طابع الدرس الخارج للاصول! و في هذه الظروف الخاصّة يتعرّف الطالب على اعقد المسائل الاصوليّة في أجلى مظاهرها و يحرز قدرة علميّة تستحقّ الثناء و التقدير مع مرور الزمن و تعاقب الأيّام.

7- من خصوصيّاته الاخرى البارزة أيضا توجّهه للجانب العمليّ من المباحث الاصوليّة، و تطبيق قواعدها على الأمثلة الفقهيّة المتنوّعة، و تسلّطه و إشرافه الكامل على عبارات الكتاب و العمل على تصحيحها أدبيّا في الموارد الضروريّة، و تقسيم المطالب و العناوين الدراسيّة، و تهيئة الظروف اللّازمة للتحقيق و البحث لدى الطلّاب و تشويقهم على ذلك، ذكر منابع و مآخذ الأقوال، و الدقّة- الجديرة بالامتنان و التقدير- في نقلها و الوقوف عندها، و بيان السير التاريخيّ للمباحث، و إيجاد العلقة المنطقيّة بين المطالب العلميّة و بين عبارات الكتاب، و التوجّه للأدلّة و المباني المخفيّة في طيّات الأقوال،

19

و التقيد بتدريس الكتاب من أوّله إلى آخره، كلّ ذلك يعد من الخصوصيّات الاخرى البارزة لمدرسته- دام عزّه-.

8- و ما تجدر الإشارة إليه هنا هو أنّه على الرغم من عدم تدريس مبحث الانسداد في كتاب الرسائل مع ما ينطوي عليه من مطالب مفيدة جدّا و جوهريّة في علم الاصول و القيام بحذفه مع الأسف من المناهج الدراسيّة للحوزات العلميّة لكن من حسن الحظّ أنّ سماحته ملأ هذا الفراغ و سدّ هذا النقص بإحيائه لهذه المطالب و تدريسها في العطلة الصيفيّة.

مؤلّفاته‏

على الرغم من اشتغاله في تعليم الطلّاب و تربيتهم و صرف جلّ وقته في تدريس كتب العلوم الإسلاميّة- بالأخصّ الفرائد و الكفاية- قد ألّف كتبا قيّمة، و هذا إن دلّ على شي‏ء يدلّ على أنّه قد جمع بين البيان و البنان، و فيما يلي بعض هذه المؤلّفات:

1- كتاب «الوسائل إلى غوامض الرسائل»، و هو الكتاب الذي بين يديك و يعدّ من أشهر تأليفاته، و قد شرع بتأليفه منذ أيّام شبابه و سنتعرّض لذكر خصائص هذا الأثر الشريف في ما بعد.

2- شرح الحاشية على تهذيب المنطق.

3- شرح الشمسيّة في المنطق.

4- شرح كتاب المطوّل.

5- شرح كفاية الاصول باللغة العربيّة.

6- شرح الكفاية باللغة الفارسيّة.

7- كتاب «مجمع الفوائد في شرح الفرائد» تقريرات درسه.

20

خصائصه الروحيّة و الأخلاقيّة

عرف سماحته بالتواضع و البعد عن مظاهر الاستعلاء و الكبرياء و حبّ الشهرة و الظهور، و ذلك لتجافيه عن دار الغرور و زخارف الدنيا الدنيّة.

و من مظاهر تواضعه أنّه ذات يوم وصلت بيده رسائل و مكاتيب لقّب فيها ب «آية اللّه» فانزعج و تأذّى كثيرا من هذا الوصف و قال: «إنّما أكون في النهاية استاذ لا غير».

كما أنّه امتنع من عقد دروس الخارج إلى يومنا هذا بالرغم من أهليّته و صلاحيّته لذلك و فضله و علمه الغزير الغير القابل للإنكار و المطالبات الحيثيّة من قبل طلبته و مريديه و لذا كان يصرف وقته الثمين بتدريس الكتب المتعلّقة بمرحلة السطوح دائما و ذلك لما ذهب إليه بعض علماء و أساتذة دروس السطوح إلى تدريس دروس الخارج ممّا أحدث فجوة و ثغرة في مرحلة السطوح، من هنا أحسّ سماحته بالتكليف الشرعيّ و اقتصر على تدريس السطوح.

جملة من نصائحه لطلّاب العلم‏

و أحسن ما نختم به هذا المقال هو إبداء بعض النصائح و التعليمات التي خاطب بها الطلّاب المكرمين كي يكون ذلك منارا يهتدي به الباحثون عن طريق الحقّ و الحقيقة، فقد أعرب سماحته في إحدى بياناته لجمع من الطلّاب قائلا: هنالك عدّة امور لها تأثير في المسيرة الطلابيّة و ما يترتّب عليها من توفيق و سداد، ففي مجال البعد المعنويّ قراءة صفحتين أو ثلاث صفحات من القرآن يوميّا على أقلّ التقادير، و قراءة زيارة عاشوراء، و القيام لصلاة الليل و التوسّل بأهل البيت (عليهم السّلام)، و في مجال البعد الظاهريّ المطالعة المسبقة للدرس، فإنّي اتعهّد شخصيّا أنّ من يسلك هذه الطريقة سوف يكون موفّقا إن شاء اللّه تعالى.

21

كذلك في مذكرة من مذكراته خاطب بها الطلّاب الأفاضل بالقول: أرجو من الطلّاب المحترمين و جنود الحجّة- عجّل اللّه تعالى فرجه الشريف- أن لا ينجذبوا لزخارف الدنيا و مباهجها و ملذّاتها المادّيّة، و أن لا يخرجوا من سلك الزيّ الروحانيّ و يقتنعوا بما قدر اللّه تعالى لهم من الرزق المقسوم؛ لأنّ الدنيا بكلّ زخارفها و مغرياتها آئلة إلى الزوال و الفناء و لا تستحقّ أن يضحي الإنسان بكرامته و عزّته من أجل الحصول على شي‏ء تافه و سخيف فيتصيّد بالماء العكر و يحاول التملّق لهذا و ذلك ليذل نفسه و يهين شخصيّته؛ لأنّ الحديث الشريف يقول: «عزّ من قنع و ذلّ من طمع».

خصائص هذا الكتاب‏

الجدير بالذكر أنّ جميع الخصائص المرتبطة بالبحوث المتقدّمة سوف نجدها بوضوح في آثاره و في مقدّمته هذا الأثر الجليل، و هذا يدعونا إلى أن نذكر بعض مميّزاته و امتيازاته بنحو الاختصار:

1- إنّ هذا العمل كان حصيلة ثلاثين عاما تقريبا من الجدّ و الاجتهاد في تدريس كتاب «فرائد الاصول» بما يقارب العشر مرّات كما مرّت الإشارة إليه سابقا، و من الطبيعيّ أن يحتوي هذا الأثر على الاستيعاب و الشمول العلميّ في موضوعه، فإنّه لم يكن يتعرّض لمسألة من المسائل العلميّة إلّا و يذكر فيها من الصور و المحتملات و المباني و الأقوال و ما شابه ذلك لكي يشبع البحث إشباعا كاملا.

2- من خصوصيّاته أيضا مراجعته و استفادته من حواشي تلامذة المصنّف (رحمه اللّه) التي كان لها الدور الأساسيّ في توضيح مجملات الكتاب و تسهيل الطريق للوصول إلى مرادات المصنّف (رحمه اللّه).

3- و من أبرز ميزاته ذكر المباني و الأقوال و إرجاعها إلى مصادرها الأصليّة.

22

و لأجل ذلك فمن الصعب أن يعدّ هذا الكتاب هو صرف الوصول إلى غوامض كتاب «فرائد الاصول»، بل هو في الواقع يحتوي أيضا على عمدة المباني الاصوليّة في مباحث الأدلّة؛ لأنّه تعرّض بشكل دقيق إلى الأقوال و المحاولات العلميّة في تلك المباحث ذاكرا موارد تمايز نظريّاته، و مع كلّ هذا الوصف عدّ هذا الأثر الجليل من الحواشي الثّمينة و الشروح الظريفة على كتاب «فرائد الاصول».

هذه نبذة مختصرة من حياة و معالم مدرسة هذا الاستاذ الذي كرّس عمره الشريف في تعليم الطلّاب و تربيتهم في الحوزة المباركة بقم المقدّسة بجهوده العلميّة المتواصلة و هي تعبّر بمجموعها عن البعد العلميّ من أبعاد هذه الشخصيّة المعاصرة فجزاه اللّه عن العلم و أهله خير الجزاء.

الجدير بالذكر أنّ هذه النبذة الوجيزة من حياته إنّما وردت و نقلت مع ما لها من مصداقيّة واقعيّة بالرغم من مخالفة سماحته لما ورد فيها و إصراره الشديد مرارا و تكرارا على عدم ذكرها أساسا، خصوصا الألقاب و المسمّيات الواردة التي يرى نفسه غير مستحقّ لها في هذا السفر المبارك و إنّما أوردنا ذلك لما نراه لزاما علينا طبقا لرعاية المسئوليّة الأخلاقيّة، و اللّه من وراء القصد.

منهج التحقيق‏

قدّمنا ما تيسّر لنا من خدمات متواضعة في سبيل تحقيق و ترتيب و تبويب هذا التراث الثمين، إليك منها:

1- قدّمنا نصّ كتاب «فرائد الاصول» تسهيلا لإفادة المطلوب، و قد اعتمدنا على النسخة التي قد بادرت بطبعها لجنة إحياء تراث الشيخ الأعظم المرتضى الأنصاريّ (قدّس سرّه) في مجمع الفكر الإسلاميّ نظرا إلى أنّها محقّقة و مصحّحة، مع مقابلتها مع النسخ المتعدّدة،

23

و مع ذلك فإنّها لا تخلو من موارد، و لذا أوردنا بعض النصوص المصحّحة عند المؤلّف- حفظه اللّه- و قد وضعناها بين معقوفتين، هكذا: [...]

2- حاولنا جهدنا في ترتيب و تبويب المباحث العلميّة بنحو دقيق، روعيت فيه الجوانب العلميّة و الارتباط العلميّ و المنطقيّ بين المباحث.

3- وضعنا العناوين المناسبة لمواضيع الكتاب بصورة كاملة من العناوين الرئيسيّة و الفرعيّة تنظيما لمطالب الكتاب و محتوياته و تسهيلا للرجوع إليها و ملاحظتها.

4- بذلنا ما في وسعنا من الجهد لتخريج الموارد التي أشار إليها المؤلّف- حفظه اللّه- في الشرح بنحو التالي:

تخريج الآيات الكريمة القرآنيّة الواردة نصّا أو مضمونا.

تخريج الأحاديث الشريفة الواردة نصّا أو مضمونا من مصادرها الأصليّة.

خرّجنا الأقوال و الآراء الواردة في الشرح تصريحا أو تلويحا و إرجاعها إلى مصادرها الأصليّة، و ذكرنا في بعض الموارد نصّ الكلام المشار إليه تعميما للفائدة.

و في تخريج الموارد التي أشار المؤلّف- حفظه اللّه- فيها إلى أقوال الفقهاء أو نسب القول إلى الأكثر، و كذلك الأقوال التي لم يسمّ المؤلّف قائلها و اكتفى بالتعبير عنها بمثل:

نقل، قيل، بعض الأصحاب، بعض الاصوليّين، التفصيل في محلّه و غيرها، ذكرنا لها أكثر من مصدر إلّا ما لم نعثر عليه.

و أيضا خرّجنا الإرجاعات التي أحال المؤلّف- حفظه اللّه- إلى المباحث السابقة و اللاحقة و ذكرنا في بعض الموارد العنوان أو النصّ و ذلك تسهيلا للقارئ الكريم للوصول إلى ما يريد بأقصر الطرق و أيسرها.

5- و أمّا الإضافات العلميّة و التوضيحيّة الواردة في الهوامش التي تبتدئ بعبارات مثل: أقول، اعلم، لا يخفى، إشارة و غيرها، كانت من المؤلّف نفسه- حفظه اللّه- و حفظا لترتيب المباحث العلميّة و عدم تشتّتها و تسهيلا للإفادة ذكرناها في الهوامش.

24

6- راعينا إلى أقصى حدود الإمكان قواعد تقويم و صياغة النصّ دون أدنى تغيير في المحتوى.

7- و إتماما للفائدة ختمنا تحقيق كلّ مجلّد بنحو مستقلّ باستخراج فهارس علميّة و فنّيّة شاملة تسهّل على القارئ الكريم الاستفادة من مطالب الكتاب المختلفة، و تساعده على الوصول إلى ما يبتغيه بسرعة و يسر.

و جدير بالإشارة هنا أنّ كلّ هذه الجهود كانت بمساهمة المؤلّف و تحت إشرافه و نظره الشريف، نسأل اللّه تعالى أن يشكر مساعيه و جهوده المباركة في هذا السبيل و يجعله ذخرا لطلاب العلم و روّاد المعرفة، إنّه سميع مجيب.

و يسرّنا هنا أن نتقدّم بجزيل الشكر إلى كافّة الإخوة الذين ساهموا في إنجاز و إخراج هذا الكتاب الجليل، خصوصا الإخوة المحقّقين الشيخ محمّد رسولي، و الأخ سعيد عرفانيان، و الأخ السيّد عليّ ميرسالاريّ، و الأخ خليل جندقيّ، المساعدون في تقويم و مقابلة النصوص، نسأل اللّه تعالى لهم التوفيق.

كما نشكر الأخ السيّد محمّد إمام الذي تصدّى لتنضيد الحروف و تصحيحها و تنظيم الصفحات و إخراجها على أحسن صورة.

و في الختام نتقدّم خالص شكرنا و تقديرنا إلى جميع من شارك في إنجاز هذا الأثر الجليل، جزاهم اللّه عن العلم و أهله خير الجزاء، و آخر دعوانا أن الحمد للّه ربّ العالمين.

علي أكبر الهلاليّ قم المقدّسة 1431 ه. ق‏

25

الوسائل إلى غوامض الرّسائل‏

لاستاذ الفقهاء و المجتهدين الشيخ مرتضى الأنصاريّ (قدّس سرّه) تأليف سماحة الاستاذ السيّد رسول الموسويّ الطهرانيّ الجزء الأوّل‏

26

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

27

مقدّمة البحث في تعريف المكلّف و حالاته الثلاث و بيان الاصول العمليّة الأربعة و مجاريها

28

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

29

بسم اللّه الرحمن الرحيم [1]

اعلم [2]: ...

____________

حول خطبة الكتاب‏

[1] الأولى بل الصواب ضمّ «تحميده تعالى و التحيّة و الصلاة على النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و أهل بيته المعصومين (عليهم السّلام) و التبرّي من أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين» إلى التسمية، و لعلّه (رحمه اللّه) ذهل و غفل عنه في المقام‏ (1)، و تداركه (قدّس سرّه) في قسم البراءة و الاستصحاب و التعادل و التراجيح‏ (2).

توضيح حول عبارة «اعلم»

[2] في بعض النسخ القديمة المصحّحة و أيضا في هذه النسخة الموجودة بأيدينا جاء «اعلم» من دون ذكر الفاء، و لعلّه الصواب. لكن في بعض النسخ‏ (3) ورد مع الفاء، و عليه فهو جواب «أمّا» المقدّرة؛ يعني أمّا بعد التسمية و التحميد و التحيّة و التبرّي فاعلم ...

____________

(1) أقول: عثرنا أخيرا على نسخة قديمة للفرائد منسوبة إلى خطّ المؤلّف (رحمه اللّه) جاء فيها كلمات التحميد و التحيّة و التبرّي، و عليه فلا مجال لنسبة الذهول و الغفلة إلى المصنّف (رحمه اللّه).

(2) انظر فرائد الاصول 2: 8، و 3: 8، و 4: 9.

(3) منها نسخة الشيخ رحمة اللّه (قدّس سرّه)، انظر الرسائل المحشّى: 2.

30

أنّ المكلّف إذا التفت [1] ...

____________

المكلّف و وجه تقييده بكونه ملتفتا

[1] عرّف «المكلّف» في كلام الأصحاب‏ (1) ب «البالغ العاقل القادر الملتفت»، و عليه تكون جملة «إذا التفت» زائدة مستدركة، كما اورد بذلك على المصنّف (قدّس سرّه).

توضيح ذلك: أنّ المصنّف (قدّس سرّه) جعل «المكلّف» مقسما شاملا للملتفت و غير الملتفت و احترز بقيد «إذا التفت» عن الأخير، مع أنّ لفظة «المكلّف» تكفي عنه و عليه يكون القيد لغوا مستدركا، فاللّازم إمّا حذف القيد رأسا، و إمّا تفسير المكلّف بمن وضع عليه قلم التكليف المعبّر عنه اصطلاحا بالمكلّف الشأنيّ أو المكلّف بالقوّة.

و أوّل من تنبّه لهذا الإيراد و أجاب عنه المحقّق الخراسانيّ (رحمه اللّه)، حيث قال في الكفاية: «فاعلم أنّ البالغ الذي وضع عليه القلم، إذا التفت إلى حكم ...» (2).

و أيضا قال في حاشيته على الفرائد: «مراده بالمكلّف، من وضع عليه القلم من البالغ العاقل، لا خصوص من تنجّز عليه التكليف، و إلّا لما صحّ جعله مقسما ...» (3).

____________

(1) منهم العلّامة في نهاية الوصول 1: 597- 604 عند قوله (قدّس سرّه): «المبحث الثاني: في شرائط المكلّف، و هي خمسة: الأوّل: البلوغ، فلا يكلّف الصبيّ ... الثاني: العقل، فلا يحسن تكليف المجنون ... الثالث: عدم الغفلة، فلا يصحّ تكليف الغافل ... الرابع: الاختيار ...

الخامس: جهة القصد ...».

(2) كفاية الاصول: 257.

(3) درر الفوائد: 21.

31

و أيضا قال في مبحث البراءة: «ثمّ الظاهر أنّ المراد من المكلّف هنا، إنّما هو من كان يصلح شرعا لأن يحكم عليه بالأحكام، لا من تنجّز عليه التكليف، و إلّا لما صحّ جعله مقسما ...» (1).

و المستفاد من مجموع كلام المحقّق المذكور هو ما ادّعيناه آنفا من لزوم حمل المكلّف على المكلّف الشأنيّ، أي من يصلح لوضع قلم التكليف عليه بالقوّة، لا بالفعل و معه فيرتفع الإيراد.

لكن هذا التوجيه منه (رحمه اللّه) ليس بوجيه بعد كون المشتقّ حقيقة في المتلبّس بالمبدإ بالفعل، لا في المتلبّس به في المستقبل، و لذا «الضارب» يطلق على من يصدر عنه الضرب فعلا، لا على من له شأنيّة الضرب في ما بعد، و التفصيل في محلّه‏ (2).

اعلم أنّ بعضا آخر وجّه الإيراد المذكور بتوجيه آخر، و هو حمل القيد على التوضيح و التفسير (3)- المعبّر عنه اصطلاحا بالقيد التوضيحي‏ (4)- الوارد كثيرا في المحاورات العرفيّة بل في الكتاب و السنّة أيضا، كما في قوله تعالى: وَ لا طائِرٍ يَطِيرُ

____________

(1) درر الفوائد: 183.

(2) انظر فوائد الاصول للمحقّق النائينيّ (رحمه اللّه) (1- 2): 119- 127 عند قوله (قدّس سرّه): «فاعلم أنّه اختلف القوم في كون المشتق حقيقة في خصوص المتلبّس أو للأعمّ منه و ما انقضى على أقوال ...».

(3) لم نعثر على قائله.

(4) راجع هداية المسترشدين 2: 472 حيث قال (قدّس سرّه): «فالقيد التوضيحي المتروك في الحدود غالبا هو ما لا يفيد إخراج شي‏ء من الحدّ، و إنّما ثمرته مجرّد الإيضاح و البيان ...» و أيضا انظر شرح المختصر: 87.

32

بِجَناحَيْهِ‏ (1)، فإنّ لفظة «طائر» مع دلالتها على وقوع الطيران خارجا بالجناحين، قد أوضحها اللّه تعالى أيضا بقوله: يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ‏ (2)، و هكذا لفظة «المكلّف» في المقام، فإنّها مع دلالتها على الالتفات بنفسها لا مانع من توضيحها ثانيا ب «إذا التفت»، و عليه فلا يكون القيد زائدا مستدركا، لكن هذا التوجيه أيضا ليس بوجيه؛ لأنّ الأصل في القيود أن تكون للاحتراز (3) إلّا ما خرج بالدليل كالآية الشريفة المذكورة.

و بعد ذلك كلّه لا يبعد إنكار ورود أصل الإيراد على المصنّف (رحمه اللّه)، و عليه فلا تصل النوبة إلى الدفع عنه و توجيهه بالتوجيهين المذكورين.

توضيح ذلك: أنّ «المكلّف» هنا يراد منه خصوص المجتهد، و المراد من الالتفات هو الالتفات التفصيليّ، و هذا التعريف لا يرد عليه إيراد أصلا حتّى‏

____________

(1) الأنعام: 38.

(2) انظر مجمع البيان (3- 4): 460 عند قوله (رحمه اللّه): «و ممّا يسأل عنه أن يقال: لم قال: يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ‏ و قد علم أنّ الطير لا يطير إلّا بالجناح، فالجواب: أنّ هذا إنّما جاء للتوكيد و رفع اللبس ...».

(3) مثل: «عين جارية» احترازا عن «عين باكية». راجع على سبيل المثال هداية المسترشدين 2: 471 و 472 حيث قال (قدّس سرّه): «اشتهر في الألسنة من أنّ الأصل في القيد أن يكون احترازيّا، و لا تزال تراهم يلاحظون ذلك في الحدود و التعريفات- إلى أن قال-: أنّ المراد بكون القيد احترازيّا؛ أن يكون مخرجا لما لا يندرج فيه عمّا يشمله من الإطلاق، أو العموم الثابت لما انضمّ إليه ذلك القيد- إلى أن قال-: و بعبارة اخرى: أنّ ما يفيده اختصاص الحكم الواقع بتلك الصورة و خروج المخرج من شمول ذلك الحكم له ...» و أيضا انظر اصول الفقه، (1- 2): 122.

33

يحتاج إلى التوجيه، كما صرّح به المحقّق النائينيّ (قدّس سرّه)، تلميذ المحقّق الخراسانيّ (رحمه اللّه)، فإنّه- على ما في تقريرات درسه- قال: «و المراد من المكلّف هو خصوص المجتهد؛ إذ المراد من الالتفات هو الالتفات التفصيليّ الحاصل للمجتهد بحسب اطّلاعه على مدارك الأحكام و لا عبرة بظنّ المقلّد و شكّه. و كون بعض مباحث القطع تعمّ المقلّد لا يوجب أن يكون المراد من المكلّف الأعمّ من المقلّد و المجتهد؛ إذ البحث عن تلك المباحث وقع استطرادا ...» (1).

و هذا قد أيّده بعض محشّي الكفاية ردّا على ماتنه و قال: «فالمكلّف و إن كان بإطلاقه شاملا للمجتهد و غيره، إلّا أنّ انقسامه إلى القاطع بالحكم و الظانّ به و الشاكّ فيه يقيّده بخصوص المجتهد، لتوقّف تشخيص الظنّ المعتبر عن غيره و تنقيح مجاري الاصول للشاكّ على الاجتهاد (2)؛ لعدم حصول الشرائط لغير المجتهد، فلا محالة يختصّ المكلّف في المقام بالمجتهد. و حجّيّة القطع بالحكم على المكلّف مطلقا- و إن لم يكن مجتهدا- لا توجب إرادة مطلق المكلّف و إن كان عاميّا، و ذلك لأنّ المكلّف المنقسم إلى مجموع الأقسام- أعني القاطع و الظانّ و الشاكّ- ليس إلّا المجتهد، كما هو واضح. و الحاصل: أنّ المكلّف- الناظر إلى الأدلّة- الذي يحصل له العلم بالحكم أو الظنّ به أو الشكّ فيه ليس إلّا المجتهد ...» (3).

____________

(1) فوائد الاصول 3: 3 و 4.

(2) الجارّ يتعلّق بالتوقّف.

(3) منتهى الدراية 4: 9 و 10.

34

و بالجملة، فلفظة «المكلّف» و إن شمل بإطلاقه المجتهد و المقلّد، إلّا أنّ ذكر لفظة «الشكّ و الظنّ» بعدها يوجب تقييد المكلّف، بحيث يراد منه خصوص المجتهد؛ إذ المجتهد هو الذي يعلم أنّ أيّ ظنّ معتبر ملحق بالقطع يجب العمل به.

و أيّ ظنّ غير معتبر ملحق بالشكّ تجرى فيه الاصول العمليّة الأربعة، أي البراءة في الشكّ في التكليف، و الاحتياط في الشكّ في المكلّف به، و التخيير عند دوران الأمر بين المحذورين، و الاستصحاب عند الشكّ في بقاء الحالة السابقة.

و بعد ذلك كلّه لعلّ كلام المحقّق النائينيّ (رحمه اللّه) أيضا لا يخلو عن إشكال، كما أشار إليه بعض‏ (1).

ثمّ اعلم أنّ في المقام توجيها آخر ذكره بعض تلامذة المصنّف (رحمه اللّه) مفصّلا، و هو وجيه مشتمل على دقّة النظر جدّا، و ملخّصه: حمل الجملة الشرطيّة- أعني قوله: «إذا التفت»- على الشرطيّة التي سيقت لبيان حال الموضوع، أي الشرطية التي لا مفهوم لها أصلا حتّى يحترز به عن شي‏ء، نظير قولنا: «إن رزقت ولدا فاختنه» (2).

ملخّص الكلام في المقام: أنّ عبارة المصنّف (رحمه اللّه) لا بدّ فيها من التصرّف في ظاهرها، إمّا في لفظة «المكلّف» بحمله على المجتهد أو على المكلّف الشأنيّ مع‏

____________

(1) المراد من البعض السيّد الخوئيّ و السيّد الروحانيّ رحمهما اللّه ظاهرا. انظر مصباح الاصول 2: 6- 9، و منتقى الاصول 4: 11- 13.

(2) انظر قلائد الفرائد 1: 26.

35

إلى حكم شرعيّ [1] ...

____________

قطع النظر عن الإيراد المذكور عليهما و إمّا في الجملة الشرطيّة بحملها على الشرطيّة غير ذات المفهوم، فافهم و تأمّل جيّدا.

المراد من الحكم الشرعيّ‏

[1] إنّ الحكم الشرعيّ و إن كان في نفسه عامّا يشمل الحكم الظاهريّ و الواقعيّ، و الجزئيّ و الكلّيّ، لكنّ المراد منه هنا:

أوّلا: هو خصوص الحكم الواقعيّ، بشهادة ذكر الشكّ في العبارة، و الشكّ إنّما يتصوّر في خصوص الحكم الواقعيّ، و أمّا الحكم الظاهريّ فهو مقطوع به دائما، و التفصيل في محلّه، و ملخّصه هنا أنّ المجتهد بعد رجوعه إلى الأدلّة الشرعيّة و التتبّع في كلمات الأصحاب يقطع بحكم اللّه الظاهريّ في حقّه و في حقّ مقلّديه، و لذا يصحّ أن يقال مثلا: «إنّ صلاة الجمعة قد أفتى المجتهد بوجوبها، و كلّ ما أفتى المجتهد به فهو الحكم الشرعيّ الظاهريّ في حقّه و في حقّ مقلّديه، فصلاة الجمعة تكون واجبة شرعا».

و ثانيا: هو خصوص الحكم الشرعيّ الكلّيّ بشهادة أنّ علم الاصول شأنه البحث عن الكلّيّ و إن يبحث فيه عن الجزئيّ استطرادا.

فالمراد من الحكم الشرعيّ، هو الحكم الشرعيّ الواقعيّ الكلّيّ، وضعيّا كان أم تكليفيّا، فلا تغفل.

36

فإمّا أن يحصل له الشكّ [1] فيه، أو القطع، أو الظنّ [2].

____________

الشكّ المأخوذ في الحالات العارضة على المكلّف‏

[1] قال بعض تلامذة المصنّف (رحمه اللّه): «إنّ المراد بالشكّ هنا ما هو أعمّ من الظنّ المشكوك الاعتبار، فالظنّ المشكوك الاعتبار مندرج تحت الشكّ حقيقة، لا أنّه ظنّ و حكمه حكم الشكّ ...» (1).

و سيصرّح المصنّف (رحمه اللّه) بإلحاق الظنّ الغير المعتبر- المشكوك اعتباره شرعا- بالشكّ في أوائل مبحث البراءة، بقوله: «ثمّ إنّ الظنّ الغير المعتبر حكمه حكم الشكّ ...» (2).

تثليث أقسام المكلّف عند الشيخ و وجه عدول المحقّق الخراسانيّ عنه‏

[2] هذا التقسيم يعبّر عنه اصطلاحا بالتقسيم الثلاثيّ، و قد عدل عنه المحقّق الخراسانيّ (رحمه اللّه) و اختار التقسيم الثنائيّ فقال في الكفاية عقيب كلامه المتقدّم: «فإمّا أن يحصل له القطع به، أو لا ...» (3).

و وجه عدول المحقّق المذكور عنه إلى الثنائيّ أنّه يرى أنّ الظنّ إن كان معتبرا شرعا فيلحق بالقطع، و إلّا فيلحق بالشكّ، و عليه فلا مجال لذكره مستقلّا، و لذا

____________

(1) قلائد الفرائد 1: 28.

(2) فرائد الاصول 2: 11.

(3) كفاية الاصول: 257.

37

قال في آخر كلامه: «و لذلك عدلنا عمّا في رسالة شيخنا العلّامة- أعلى اللّه مقامه- من تثليث الأقسام ...» (1).

و لكنّك ستعرف أنّ الصواب أن يذكر الظنّ استقلالا، كما اختاره المصنّف (رحمه اللّه) و أيّده المحقّق النائينيّ (رحمه اللّه) حيث قال: «فإنّ عقد البحث في الظنّ إنّما هو لأجل تميّز الظنّ المعتبر الملحق بالعلم عن الظنّ الغير المعتبر الملحق بالشكّ، فلا بدّ أوّلا من تثليث الأقسام، ثمّ البحث عن حكم الظنّ من حيث الاعتبار و عدمه ...» (2).

تقريب التثليث بالحصر العقليّ‏

و يناسب توضيح التثليث بالحصر العقليّ الدائر بين النفي و الإثبات، فيقال:

المكلّف إمّا أن يعتقد بحكم شرعيّ واقعيّ، أو أن لا يعتقد، و على الأوّل إمّا أن يحتمل فيه الخلاف أو أن لا يحتمل بل يجزم بمعتقده.

فعلى الأوّل‏ (3) يعدّ ظانّا، و على الثاني‏ (4) يعدّ قاطعا، و على الثالث‏ (5) يعدّ شاكّا.

و كيف كان، فالحقّ هو الالتزام بالتقسيم الثلاثيّ دون الثنائيّ الذي اختاره المحقّق الخراسانيّ (رحمه اللّه).

____________

(1) المصدر السابق.

(2) فوائد الاصول 3: 4.

(3) أي على فرض الاعتقاد بالحكم مع احتمال الخلاف فيه.

(4) أي على فرض الاعتقاد بالحكم مع عدم احتمال الخلاف فيه.

(5) أي على فرض عدم الاعتقاد.

38

فإن حصل له الشكّ، فالمرجع فيه هي القواعد الشرعيّة [1] الثابتة للشاكّ في مقام العمل، و تسمّى ب «الاصول العمليّة»، ....

____________

وجه تسمية الاصول العمليّة بالقواعد الشرعيّة دون العقليّة

[1] هذه إشارة إلى الاصول العمليّة الأربعة التي لا بدّ للمكلّف- أي المجتهد- من الرجوع إليها عند كونه شاكّا مردّدا في الحكم الواقعيّ الشرعيّ، و الأولى بل الصواب ضمّ لفظة «العقليّة» إلى الشرعيّة.

و الوجه فيه: أنّ الاصول الأربعة بعض منها عقليّ محض كالتخيير (1)، و بعض آخر شرعيّ محض كالاستصحاب‏ (2)- بناء على مذهب المتأخّرين‏ (3)- و قسمان آخران منها عقليّان و شرعيّان معا كالبراءة و الاحتياط (4)، و عليه فاللّازم أيضا

____________

(1) لا يخفى أنّ التخيير عقلا مناطه التساوي و عدم ترجيح أحد الاحتمالين على الآخر. قال المصنّف (رحمه اللّه) في مبحث التعادل و التراجيح: «فإن كان الأصل ممّا كان مؤدّاه بحكم العقل- كأصالة البراءة العقليّة، و الاحتياط و التخيير العقليين- فالدليل أيضا وارد عليه و رافع لموضوعه؛ لأنّ موضوع الأوّل عدم البيان، و موضوع الثاني احتمال العقاب، و مورد الثالث عدم المرجّح لأحد طرفي التخيير ...». فرائد الاصول 4: 12 و 13.

(2) أي بناء على كونه أصلا ظاهريّا ثبت التعبّد به من الأخبار، و أمّا بناء على كونه مفيدا للظنّ فيدخل في الأمارات الكاشفة عن الحكم الواقعيّ كما هو ظاهر كلمات الأكثر. راجع فرائد الاصول 2: 13 و 14، و 3: 13.

(3) منهم المصنّف (رحمه اللّه) عند قوله: «و حيث إنّ المختار عندنا هو الأوّل [أي من الأحكام الظاهريّة]، ذكرناه في الاصول العمليّة ...». فرائد الاصول 3: 13.

(4) لا يخفى أنّ البراءة و الاحتياط الشرعيّين مناطهما الأخبار، و أمّا العقليّان فمناطهما حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان و وجوب دفع الضرر المحتمل.

39

ذكر لزوم رعاية القواعد العقليّة كالقواعد الشرعيّة بعينها، و هو المطلوب.

و يمكن توجيه ما ذهب إليه المصنّف (رحمه اللّه) من الاكتفاء بالشرعيّة، بكونه من باب التغليب‏ (1) مثل الشمسين و القمرين و الوالدين و غيرها، و لعلّ الأولى منه توجيهه بأنّ القواعد العقليّة بعد كونها ممضاة عند الشارع الأقدس تعدّ قواعد شرعيّة، و الشاهد عليه قولهم: إنّ الشارع له أحكام تأسيسيّة تشريعيّة كالصوم و الصلاة مثلا، و أحكام تأكيديّة إمضائيّة كالبيع و النكاح مثلا (2).

و كيف كان، فالاصول العمليّة تكون مقابلة للاصول اللفظيّة، كالإطلاق و العموم و غيرهما من الاصول الاخرى المبحوث عنها في مباحث الألفاظ، و التفصيل في محلّه‏ (3).

____________

(1) راجع مغني اللبيب: 900، الباب الثامن، القاعدة الرابعة.

(2) قال المحقّق النائينيّ (قدّس سرّه): «المجعولات الشرعيّة: إمّا أن تكون تأسيسيّة و هي التي لا تكون لها عين و لا أثر عند العرف و العقلاء، كالأحكام الخمسة التكليفيّة؛ و إمّا أن تكون إمضائيّة و هي الامور الاعتباريّة العرفيّة التي يعتبرها العرف و العقلاء، كالملكيّة و الزوجيّة و الرقّيّة و الحرّيّة و نحو ذلك من منشآت العقود و الإيقاعات؛ فإنّ هذه الامور الاعتباريّة كلّها ثابتة عند عامّة الناس قبل الشرع و الشريعة و عليها يدور نظامهم و معاشهم، و الشارع قد أمضاها بمثل قوله تعالى: أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ‏ (البقرة: 275)، و أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (المائدة:

1)، و قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «الصلح جائز بين المسلمين» (من لا يحضره الفقيه 3: 20 و 21، باب الصلح، الحديث الأوّل)، و نحو ذلك من الأدلّة الواردة في الكتاب و السنّة ...». فوائد الاصول 4: 386.

(3) راجع فرائد الاصول 1: 135، و اصول الفقه (1- 2): 28- 31.

40

فائدة: في أقسام التخيير و أنواعه‏

اعلم أنّ التخيير على ما يقرّر في محلّه مفصّلا على أربعة أقسام‏ (1).

أحدها: التخيير الشرعيّ الظاهريّ في المسألة الاصوليّة (2)، كما في قوله (عليه السّلام) عند تعارض الخبرين المتكافئين: «إذن فتخيّر» (3).

ثانيها: التخيير الشرعيّ الواقعيّ في المسألة الفرعيّة (4)، كالتخيير في الصلاة بين القصر و الإتمام في الأماكن الأربعة كالحرمين الشريفين المكّة و المدينة، و مسجد الكوفة، و الحائر الحسينيّ (عليه السّلام)(5)، و كخصال الكفّارات المخيّر بين العتق و الصوم و الإطعام‏ (6).

ثالثها: التخيير العقليّ الواقعيّ، كما في إنقاذ الغريقين مثلا (7).

و رابعها: التخيير العقليّ الظاهريّ المبحوث عنه في المقام‏ (8).

____________

(1) راجع على سبيل المثال فوائد الاصول 3: 417- 421 و 442- 445.

(2) يبحث عن هذا القسم في باب تعارض الأدلّة. انظر فرائد الاصول 4: 33- 40 و 158، و كفاية الاصول: 442، و فوائد الاصول 3: 420.

(3) عوالي اللآلي 4: 133، الحديث 229، و مستدرك الوسائل 17: 303 و 304، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 2.

(4) أشار إلى هذا القسم المحقّق النائينيّ (رحمه اللّه). راجع فوائد الاصول 3: 417، و 4: 766.

(5) انظر الروضة البهيّة 1: 311، و كتاب الصلاة للمصنّف (رحمه اللّه) 3: 53.

(6) انظر الروضة البهيّة 1: 407 و 408.

(7) يبحث عن هذا القسم في باب التزاحم. انظر فوائد الاصول 3: 419.

(8) يبحث عن هذا القسم في مسألة دوران الأمر بين المحذورين. انظر فرائد الاصول 2:

178- 189.

41

و هي منحصرة [1] ...

____________

انحصار الاصول العمليّة و مجاريها في الأربعة

[1] إنّ انحصار الاصول في الأربعة حصر استقرائيّ، بمعنى أنّه بعد الفحص و الاستقراء التامّ اطّلعنا على اصول أربعة، و من الممكن أن يطّلع أحد بأصل آخر، بخلاف مجاريها، فإنّ الحصر فيها عقليّ دائر بين النفي و الإثبات و لا يمكن أن يوجد مجرى آخر.

و لذا قال المحقّق النائينيّ (رحمه اللّه): «و لا يخفى أنّ الحصر في مجاري الاصول إنّما يكون عقليّا لدورانه بين النفي و الإثبات، و أمّا حصر الاصول في الأربع فليس بعقليّ؛ لإمكان أن يكون هناك أصل آخر وراء هذه الاصول الأربعة ...» (1).

و الحاصل: أنّ حصر «الجاريات»- أي الاصول الأربعة- استقرائيّ، و أمّا «المجاري لها»- أي موارد جريان تلك الاصول- فحصرها عقليّ. و الأخير سيصرّح به المصنّف (رحمه اللّه) في مبحث البراءة بقوله: «ثمّ إنّ انحصار موارد (2) الاشتباه في الاصول الأربعة عقليّ؛ لأنّ حكم الشكّ إمّا أن يكون ملحوظا فيه اليقين السابق عليه ...» (3).

____________

(1) فوائد الاصول 3: 5.

(2) أي المجاري.

(3) فرائد الاصول 2: 14.

42

في أربعة [1]؛ ...

____________

وجه عدم ذكر أصالة الطهارة في عداد الاصول العمليّة

[1] إن قلت: إنّ أصالة الطهارة أيضا من الاصول العمليّة الثابتة للشاكّ قطعا في مقام العمل، فلم لم يذكرها المصنّف (رحمه اللّه) هنا في عداد الاصول العمليّة الأربعة، بل حكم بانحصارها في الأربعة؟!

قلت: لعلّ وجهه أوّلا رجوع أصالة الطهارة إلى أصالة البراءة، و ثانيا أنّ اعتبار أصالة الطهارة ممّا اتّفق عليه الكلّ حتّى الأخباريّ المنكر لجريان أصالة البراءة في الشبهة الحكميّة التحريميّة فهي لا نزاع فيها حتّى تحتاج إلى البحث عنها مستقلّا بخلاف الاصول العمليّة الأربعة فإنّ فيها خلافا و نزاعا بيّنا بين الاصوليّين و الأخباريّين، و التفصيل في محلّه‏ (1). و ثالثا أنّ أصالة الطهارة فائدتها قليلة غير مهمّة تجري في خصوص باب الطهارة، و أمّا سائر الاصول فليست كذلك، بل كانت مهمّة جدّا و فائدتها عامّة من أوّل باب الطهارة إلى آخر باب الديات، و لذا قال المحقّق الخراسانيّ (رحمه اللّه) في مبحث البراءة: «و المهمّ منها (2) أربعة، فإنّ مثل قاعدة الطهارة في ما اشتبه طهارته بالشبهة الحكميّة (3)، و إن كان ممّا ينتهى إليها في ما لا حجّة على طهارته و لا على نجاسته، إلّا أنّ البحث عنها ليس بمهمّ، حيث‏

____________

(1) انظر الصفحة 59 و 60 من هذا الأثر، ذيل عنوان «مختار الشيخ (رحمه اللّه) في مجاري الاصول».

(2) أي الاصول العمليّة.

(3) كنجاسة عرق الجنب من الحرام و طهارته مثلا.

43

لأنّ [1] الشكّ [2]: ....

____________

إنّها ثابتة بلا كلام، من دون حاجة إلى نقض و إبرام، بخلاف الأربعة، و هي: البراءة و الاحتياط، و التخيير و الاستصحاب، فإنّها محلّ الخلاف بين الأصحاب- إلى أن قال-: هذا مع جريانها (1) في كلّ الأبواب، و اختصاص تلك القاعدة ببعضها ...» (2).

[1] هذا بظاهره و إن كان تعليلا لحصر الاصول العمليّة في الأربعة، لكنّه في الحقيقة تعليل و تبيين لحصر مجاريها، و الشاهد عليه كلامه المتقدّم في مبحث البراءة (3).

التقريب الأوّل في بيان الحصر العقليّ في مجاري الاصول العمليّة

[2] هذا شروع منه (رحمه اللّه) في تقريب الحصر العقليّ في مجاري الاصول أوّلا في مقابل التقريب الآتي، و هو:

أنّ الشكّ إمّا أن يلاحظ فيه الحالة السابقة، فهو مجرى الاستصحاب، و إمّا أن لا يلاحظ فيه الحالة السابقة- المعبّر عنه بالشكّ البدويّ‏ (4).

و هذا تارة لا يمكن فيه الاحتياط مطلقا- سواء كان الشكّ في التكليف أو في المكلّف به- فهو مجرى التخيير.

____________

(1) أي الاصول الأربعة.

(2) كفاية الاصول: 337.

(3) انظر فرائد الاصول 2: 14.

(4) أقول: التعبير بالشكّ البدويّ غلط رائج مشهور، و الصواب هو الشكّ البدئيّ، فلا تغفل.

44

إمّا أن يلاحظ فيه الحالة السابقة [1]

____________

و اخرى يمكن فيه الاحتياط، و هذا تارة يكون الشكّ في التكليف، فهو مجرى أصالة البراءة، و اخرى في المكلّف به، فهو مجرى أصالة الاحتياط.

تصوير التقريب الأوّل‏

لما ذا اعتبر في الاستصحاب لحاظ الحالة السابقة و لم يكتف بمجرّد وجودها؟

[1] هذا إشارة إلى مورد جريان الاستصحاب، و غرضه (رحمه اللّه) عدم كفاية مجرّد وجود الحالة السابقة في جريانه بلا لحاظها فيه، و أشار إليه أيضا في مبحث‏

45

البراءة (1)، و هو الحقّ جدّا، و لذا قال المحقّق النائينيّ (رحمه اللّه): «و إنّما قيّدنا مجرى الاستصحاب بلحاظ الحالة السابقة و لم نكتف بمجرّد وجودها، فإنّ مجرّد وجودها بلا لحاظها لا يكفي في كونها مجرى الاستصحاب، إذ هناك من ينكر اعتبار الاستصحاب كلّيّة (2)، أو في خصوص الأحكام الكلّية (3)، أو في خصوص الشكّ في المقتضي‏ (4) ...» (5).

و لا يذهب عليك أنّ عدم لحاظ الحالة السابقة أعمّ من انتفاء اليقين رأسا و من وجوده مع عدم لحاظه، و بذلك صرّح الشيخ في مبحث البراءة عقيب كلامه المتقدّم و قال: «... سواء لم يكن يقين سابق عليه أم كان و لم يلحظ ...» (6).

____________

(1) انظر فرائد الاصول 2: 14.

(2) أي في الأحكام الكلّيّة و الجزئيّة، و المنكر له هو السيّد المرتضى (رحمه اللّه) (انظر الذريعة إلى اصول الشريعة: 557). أقول: إنكاره (رحمه اللّه) جريان الاستصحاب كلّيّة، وجهه أنّ أخبار الاستصحاب كقوله (عليه السّلام): «من كان على يقين ثمّ شكّ فليمض على يقينه، فإنّ الشكّ لا ينقض اليقين» (وسائل الشيعة 1: 175 و 176، الباب 4 من أبواب نواقض الوضوء، الحديث 6) حملها على قاعدة اليقين- المعبّر عنها بالشكّ الساريّ- مع أنّ الأصحاب حملها على قاعدة الاستصحاب، و التفصيل في محلّه. (انظر فرائد الاصول 3: 97 و 99).

(3) و ذاك من ناحية بعض الأخباريّين كالمحدّث الأسترآباديّ. انظر الفوائد المدنيّة: 58 و 59، 192 و 193 و 284- 299، و فرائد الاصول 3: 116.

(4) المنكر له هو نفس المصنّف (رحمه اللّه) المدّعي اعتبار الاستصحاب في خصوص الشكّ في الرافع بالتقريب الآتي في محلّه. انظر فرائد الاصول 3: 51 و ما بعده.

(5) فوائد الاصول 3: 4 و 5.

(6) فرائد الاصول 2: 14.

46

المثال الواضح لذلك- أي وجود الحالة السابقة مع عدم لحاظها- هو الشكّ في إتيان صلاة الظهر و العصر مثلا قبل الغروب، فإنّ اللّازم على المكلّف حينئذ إجراء أصالة الاشتغال و الحكم بوجوب إتيانها من دون حاجة إلى التمسّك بالاستصحاب و الحكم ببقاء التكليف الثابت يقينا في أوّل وقت الصلاة، فاليقين السابق و إن كان موجودا لكنّه لم يلحظ أصلا حتّى تصل النوبة إلى جريان الاستصحاب، و هذا صرّح به المصنّف (رحمه اللّه) في موارد كثيرة، منها في ابتداء مبحث الظنّ، فإنّه (قدّس سرّه) قال: «و هذا نظير قاعدة الاشتغال الحاكمة بوجوب اليقين بالفراغ؛ فإنّه لا يحتاج في إجرائها إلى إجراء أصالة عدم فراغ الذمّة (1)، بل يكفي فيها عدم العلم بالفراغ ...» (2).

و الحاصل: أنّ الاستصحاب مجراه ما يلحظ فيه يقين سابق مع الشكّ في بقائه، و مثاله الواضح هو الماء المتغيّر بالنجس سابقا الزائل تغيّره من قبل نفسه، فإنّه حين الشكّ في بقاء نجاسته و زوالها يستصحب بقاؤها و يحكم بنجاسته شرعا، خلافا للمثال المذكور آنفا، فإنّه حيث لم يلحظ فيه اليقين السابق فلا يصلح لأن يقع مجرى الاستصحاب بالتقريب المتقدّم.

و لا يخفى أنّ مقابل الشكّ الملحوظ سابقا الشكّ البدويّ اللّازم وجوده في سائر الاصول الثلاثة الأخر، فلا تغفل.

____________

(1) لا يخفى أنّ وجه عدم الاحتياج حصول اللغويّة في لحاظ الحالة السابقة.

(2) فرائد الاصول 1: 128.

47

أم لا [1].

____________

تقديم أمرين لبيان إشكالين في التقريب الأوّل لمجاري الاصول العمليّة

[1] إشارة إلى الشكّ البدويّ و شروع في توضيح مجاري الاصول الثلاثة الوارد عليه بعض نقاط الضعف، لكن قبل الشروع في تنقيح ذلك لا بدّ من بيان أمرين اللذين هما دخيلان في فهم المراد جدّا.

الأمر الأوّل: أقسام الشكّ في التكليف و بيان أحكامها

الشكّ في التكليف- على ما أوضحه المصنّف (رحمه اللّه) إجمالا في أوائل مبحث البراءة (1)- على قسمين:

أحدهما: الشكّ في جنس التكليف،

بأن لا يعلم المكلّف توجّه الإلزام الشرعيّ إليه أصلا، و ذلك كالشكّ في وجوب الدعاء عند رؤية الهلال، و كالشكّ في حرمة استعمال التتن مثلا.

و

ثانيهما: الشكّ في نوع التكليف،

بأن يعلم المكلّف جنس التكليف و توجّه الإلزام الشرعيّ إليه و لكن لا يعلم نوعه، كموارد دوران الأمر بين المحذورين، مثل أن يشكّ مثلا في وجوب دفن الميّت المنافق إلحاقا بالمسلم، و في حرمته إلحاقا بالكافر، فإنّه عالم بجنس التكليف و توجّه الإلزام إليه و لكنّه شاكّ في نوع التكليف، هل هو الوجوب أو الحرمة.

____________

(1) راجع فرائد الاصول 2: 17 عند قوله (رحمه اللّه): «لأنّ الشكّ إمّا في نفس التكليف و هو النوع الخاصّ من الإلزام و إن علم جنسه، كالتكليف المردّد بين الوجوب و التحريم ...».

48

و بالجملة، فالشكّ في التكليف معناه عدم العلم به، سواء علم جنسه كالأخير، أم لم يعلم كالأوّل.

و الفرق بين القسمين أنّه يمكن الاحتياط في الأوّل (أي الشكّ في جنس التكليف) فعلا و تركا- بأن يؤتى بالدعاء و يجتنب عن التتن خارجا- و أمّا الثاني (أي الشكّ في نوع التكليف) فلا يمكن فيه الاحتياط كالدفن في المثال و ذلك لأنّ المكلّف إمّا أن يكون فاعلا للدفن أو تاركا له، فإن دفن الميّت المنافق فقد خالف احتمال حرمة دفنه و إن لم يدفّنه فقد خالف احتمال وجوب دفنه، فلا يمكن له حصول المخالفة و لا الموافقة القطعيّتين في واقعة واحدة، بل كلاهما أمر احتماليّ.

و إنّما قيّدنا عدم إمكان الموافقة و المخالفة القطعيّتين في حقّه بكونه في واقعة واحدة؛ لأنّ الموافقة أو المخالفة القطعيّتين يمكن تصوّرهما في واقعتين كما أنّ المكلّف إن دفن ميّتا منافقا في مورد و لم يدفنه في مورد آخر حصل له القطع بالموافقة أو المخالفة القطعيّتين؛ لأنّ الدفن إن كان واجبا فقد خالفه قطعا بعدم دفن الميّت الثاني و إن كان حراما فقد خالفه أيضا بدفن الميّت الأوّل.

و لا يخفى أنّ حكم كلّ ذلك البراءة من التكليف عقلا و شرعا، لكنّها مشروطة بالفحص، لا قبله، كما سيأتي مفصّلا في مبحث البراءة (1).

____________

(1) قال (قدّس سرّه) في فرائد الاصول 2: 411: «فإن كان الشكّ الموجب للرجوع إليها [أي البراءة] من جهة الشبهة في الموضوع، فقد تقدّم أنّها غير مشروطة بالفحص عن الدليل المزيل لها، و إن كان من جهة الشبهة في الحكم الشرعيّ، فالتحقيق: أنه ليس لها إلّا شرط واحد، و هو الفحص عن الأدلّة الشرعيّة ...».

49

دفع توهّم إلحاق «الشكّ في التكليف النوعيّ» بالشكّ في المكلّف به‏

اعلم أنّ القسم الثاني من الشكّ في التكليف باعتبار اشتماله على العلم- أي علم المكلّف إجمالا بوجوب الدفن أو حرمته- قد أوجب اشتباه الأمر على بعض‏ (1)، حتّى عدّه من قبيل الشكّ في المكلّف به‏ (2)، كالظهر و الجمعة، مع أنّه ليس كذلك قطعا، و الشاهد عليه إمكان المخالفة و الموافقة القطعيّتين خارجا بالنسبة إلى الظهر و الجمعة- بتركهما معا و فعلهما معا- و عدم إمكانهما بالنسبة إلى الدفن في المثال.

و السرّ فيه‏ (3) أوّلا وحدة الموضوع و المتعلّق في مثال الدفن، و تعدّدهما في مثال‏

____________

(1) المراد من البعض السيّد الفيروزآباديّ (قدّس سرّه) ظاهرا، انظر عناية الاصول 3: 49، كما سيجي‏ء الإشارة إليه، انظر الصفحة 489، ذيل قولنا: «تنبيه: بعد ذلك كلّه بقي هنا محذور ...».

(2) أقول: و نقل (المتوهّم) ذلك- أي اندراج دوران الأمر بين المحذورين في الشكّ في المكلّف به- أيضا عن المصنّف (رحمه اللّه) في مبحث الانسداد عند قوله (رحمه اللّه): «فإن أمكن الاحتياط وجب، و إلّا تخيّر، كما إذا كان الشكّ في تعيين التكليف الإلزاميّ، كما إذا دار الأمر بين الوجوب و التحريم ...» (فرائد الاصول 1: 428) و حيث إنّ مبحث الانسداد ليس محلّ البحث عن مسألة دوران الأمر بين المحذورين و أنّ المسألة المذكورة طرحها المصنّف (رحمه اللّه) إجمالا في أواخر مبحث القطع فقال (رحمه اللّه): «نعم، ظاهرهم في مسألة (دوران الأمر بين الوجوب و التحريم) الاتّفاق على عدم الرجوع إلى الإباحة، و إن اختلفوا بين قائل بالتخيير، و قائل بتعيين الأخذ بالحرمة. و الإنصاف أنّه لا يخلو عن قوّة ...» (فرائد الاصول 1: 91) و أيضا قد طرحها مفصّلا في مبحث البراءة (انظر فرائد الاصول 2: 178- 193)، فلا يتمّ استشهاده بكلام المصنّف (رحمه اللّه).

(3) أي السرّ في اختلاف الشكّ في التكليف النوعيّ و الشكّ في المكلّف به.

50

الظهر و الجمعة، و ثانيا إمكان تحقّق المخالفة و الموافقة القطعيّتين في المثال الأخير و عدم إمكانه في المثال الأوّل فمجرّد وجود العلم في واقعة لا يوجب إلحاقها بالشكّ في المكلّف به، ما دام لم يتحقّق الشرطان المذكوران‏ (1).

كلام السيّد الخوئيّ (قدّس سرّه) في المقام‏

و الشاهد على بطلان هذا التوهّم ما جاء في كلام السيّد الخوئيّ (رحمه اللّه)، فإنّه قال في تضاعيف كلماته المفصّلة في مورد دوران الأمر بين المحذورين: «ثمّ إنّه قد يستشكل في الرجوع إلى الاصول العمليّة في المقام بوجهين:

الوجه الأوّل: أنّ الرجوع إليها مخالف للعلم الإجماليّ بكون أحد الأصلين على خلاف الواقع- إلى أن قال-: الوجه الثاني: أنّ الرجوع إلى الاصول النافية إنّما يصحّ عند الشكّ في أصل التكليف، و حيث إنّا نعلم في المقام بجنس الإلزام، فالشكّ إنّما هو في المكلّف به، لا في التكليف، فكيف يمكن الرجوع إلى الأصل النافي؟! (2)

و الجواب: أنّ العلم بالإلزام إنّما يمنع من جريان الاصول في ما إذا كان التكليف المعلوم إجمالا قابلا للباعثيّة، كما إذا دار الأمر بين وجوب شي‏ء و حرمة شي‏ء آخر (3)، و أمّا إذا دار الأمر بين وجوب شي‏ء و حرمته بعينه‏ (4) فالعلم بوجود

____________

(1) أي ما دام لا يمكن مخالفته أو موافقته بنحو القطع و الجزم خارجا، كما عرفته آنفا.

(2) أي أصالة البراءة.

(3) كدوران الأمر بين وجوب الدعاء عند رؤية الهلال و حرمة استعمال التتن مثلا.

(4) كالشكّ في وجوب دفن الميّت المنافق و حرمته.

51

الإلزام في حكم العدم؛ إذ الموافقة القطعيّة كالمخالفة القطعيّة مستحيلة، و الموافقة الاحتماليّة كالمخالفة الاحتماليّة حاصلة لا محالة، [و عليه‏] فلا أثر للعلم الإجماليّ بالإلزام أصلا، فصحّ أن نقول: إنّ مورد دوران الأمر بين محذورين من قبيل الشكّ في التكليف، لا الشكّ في المكلّف به ...» (1).

ضابطة: في مناط الشكّ في التكليف و الشكّ في المكلّف به‏

اعلم أنّ الشكّ في التكليف له فردان:

أحدهما: الشبهات البدويّة وجوبيّة كانت أو تحريميّة.

و ثانيهما: بعض موارد العلم الإجماليّ.

نعم، العلم الإجماليّ الموجود مع الشكّ في المكلّف به مشروط بشرطين:

أحدهما: تعدّد الموضوع و المتعلّق.

ثانيهما: إمكان تحقّق الموافقة و المخالفة القطعيّتين خارجا كالعلم بوجوب الظهر و الجمعة في المثال، و كالعلم بوجوب الدعاء أو حرمة التتن مثلا.

فتحصّل أنّ موارد الشكّ في التكليف النوعيّ تكون مختلفة؛ لأنّها قد تكون ملحقة بالشكّ في التكليف الجنسيّ، كالدفن في المثال المعبّر عنه اصطلاحا بدوران الأمر بين المحذورين مع وحدة الموضوع و المتعلّق، و قد تكون ملحقة بالشكّ في المكلّف به؛ نظير العلم الإجماليّ إمّا بوجوب الدعاء عند رؤية الهلال أو

____________

(1) مصباح الاصول 2: 331 و 332.

52

بحرمة استعمال التتن مثلا المعبّر عنه اصطلاحا بدوران الأمر بين المحذورين مع تعدّد الموضوع و المتعلّق.

فعلم أنّ الشكّ في التكليف نوعا مناطه أمران: وحدة الموضوع و المتعلّق و عدم إمكان المخالفة و الموافقة القطعيّتين فيه و الشكّ في المكلّف به- الذي سيجي‏ء قريبا تعريفه و بيان أقسامه- أيضا مناطه أمران: تعدّد الموضوع و المتعلّق و إمكان المخالفة و الموافقة القطعيّتين فيه، و التفصيل في محلّه. فافهم و اغتنم حتّى لا تقع في ما وقع فيه بعض من توهّم اندراج دوران الأمر بين المحذورين في الشكّ في المكلّف به.

الأمر الثاني: أقسام الشكّ في المكلّف به و بيان أحكامها

و في مقابل الشكّ في التكليف بكلا قسميه الشكّ في المكلّف به بأن يكون التكليف معلوما جنسا و نوعا و مشكوكا من حيث متعلّقه، كصورة الترديد بين وجوب صلاة الجمعة و الظهر في زمان الغيبة مثلا، فإنّ وجود تكليف وجوبيّ بأصل الصلاة في يوم الجمعة معلوم شرعا، و لكن لا يعلم أنّ التكليف الوجوبيّ متعلّق بالظهر أو بالجمعة.

و الشكّ في المكلّف به أيضا على قسمين:

أحدهما: ما يمكن فيه الاحتياط،

كالظهر و الجمعة في المثال، بالتقريب المتقدّم آنفا.

ثانيهما: ما لا يمكن فيه الاحتياط،

مثل أن ينذر شخص مثلا الكون في أحد الحرمين الشريفين- أي حرم اللّه تعالى و حرم الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)- في أوّل شهر رجب‏

53

و على الثاني: فإمّا أن يمكن الاحتياط أم لا.

و على الأوّل: فإمّا أن يكون الشكّ في التكليف أو في المكلّف به.

فالأوّل مجرى الاستصحاب، و الثاني [1] مجرى التخيير، ...

____________

عند زوال الشمس‏ (1) و عرض له الشكّ في تعيينه.

فالأوّل حكمه الاحتياط بالجمع بين الصلاتين الظهر و الجمعة.

و الثاني حكمه التخيير؛ لعدم إمكان الجمع بين الكون في الحرمين الشريفين في آن واحد، كما لا يخفى، توضيح ذلك: أنّ المكلّف بعد علمه بتوجّه خطاب «ف بنذرك» إليه و عدم تمكّنه من الاحتياط، تعيّن في ذمّته الكون في أحد الحرمين باختياره أيّاما شاء منهما.

إذا عرفت ذلك كلّه فلنشرع في تبيين ما وعدناه من الإشكالين و توضيحهما مفصّلا.

محطّ الإشكال الأوّل‏

[1] إشارة إلى صورة عدم إمكان الاحتياط مطلقا، سواء كان الشكّ في التكليف أو في المكلّف به، و ظهر ممّا ذكرنا في الأمر الثاني أنّ الشكّ في المكلّف به إن أمكن فيه الاحتياط فحكمه جريان أصالة الاحتياط فيه، بالجمع بين الصلاتين، كما اقتضاه قاعدة الاشتغال اليقينيّ لتحصيل البراءة اليقينيّة، و إلّا فحكمه التخيير، بأن يختار الكون في أحد الحرمين الشريفين، مع أنّ المصنّف (قدّس سرّه)

____________

(1) أي عند رأس الظهر الشرعيّ.

54

و الثالث مجرى أصالة البراءة [1]، و الرابع مجرى قاعدة الاحتياط.

____________

عند عدم إمكان الاحتياط حكم بالتخيير مطلقا- أي سواء كان الشكّ في التكليف أو في المكلّف به- و هذه إحدى نقاط الضعف في تقريبه الأوّل لبيان مجاري الاصول العمليّة.

محطّ الإشكال الثاني‏

[1] إشارة إلى صورة إمكان الاحتياط مع كون الشكّ في التكليف، و ظهر ممّا ذكرنا في الأمر الأوّل أنّ الشكّ في التكليف حكمه البراءة، سواء أمكن فيه الاحتياط كالقسم الأوّل (أي الشبهات البدويّة) أم لم يمكن كالقسم الثاني (أي الدوران بين المحذورين)، مع أنّ المصنّف (رحمه اللّه) قد اعتبر في جريانها (1) إمكان الاحتياط و هذه نقطة ضعف آخر منه (رحمه اللّه).

ملخّص الكلام في المقام‏

فتحصّل ممّا ذكرنا أنّ تقريب مجاري الاصول- حسب ما أفاده المصنّف (رحمه اللّه)- فيه مسامحتان، و لذا بمجرّد الالتفات إليهما عدل عنه و اختار التقريب الثاني الخالي عنهما، فانتظر توضيحه عند قوله (رحمه اللّه): «و بعبارة اخرى ...».

و لا يخفى أنّ المصنّف (رحمه اللّه) أعاد أيضا هذا التقريب المشتمل على المسامحتين المذكورتين في ابتداء مبحث البراءة فقال (رحمه اللّه): «و الثاني إمّا أن يكون الاحتياط فيه‏

____________

(1) أي البراءة.