الوسيط في اُصول الفقه‏ - ج1

- الشيخ جعفر السبحاني المزيد...
255 /
1

الوسيط في أُصول الفقه كتاب يبحث عن الأدلة اللفظية و العقلية بين الايجاز و الاطناب تأليف الفقيه المحقّق جعفر السبحاني كتاب دراسي أَعِدَّ لطلبة الحوزة العلمية، السنة الخامسة

2

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

(فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ‏) التوبة: 122

4

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

5

[مقدمة المؤلف‏]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

الحمد للّه ربّ العالمين، و الصّلاة و السلام على أفضل خليقته، و أشرف بريّته، و خاتم رسله، محمّد و على آله حفظة سننه، و عيبة علمه، و خزنة سره، صلاة دائمة ما دامت السماء ذات أبراج، و الأرض ذات فجاج.

أمّا بعد، فقد ألّفتُ في سالف الزمان كتاب» الموجز في أُصول الفقه «للمبتدئين في دراسة هذا الفن، توخّيت منه التعرض لأهمّ المسائل الأُصولية بنحو موجز يتلاءم مع روح العصر و قد انكبَّ عليه الدارسون بالبحث و المطالعة حتى غدا محور الدراسة في الجامعات الإسلامية.

و لمّا كانت الغاية من تأليفه هو بيان أُمّهات المسائل الأُصولية على وجه الايجاز، فقد أوجزت الكلام في بعض المسائل، و تركت التعرّض لبعضها الآخر رعاية لحال الدارسين، فدعا الأمر إلى تأليف كتاب آخر يتميز عن سابقه بميزتين:

1. تبسيط ما أوجز في الكتاب الأوّل.

2. طرح المسائل الأُصولية التي لم نتعرض إليها في الموجز.

و ربما مست الحاجة إلى تكرار بعض ما ذكرناه في» الموجز «حفظاً لنظام البحث و تسلسله و ليعلم انّ المتن الدراسي يتميز عن غيره بمزية خاصة و هي انّه يأخذ على عاتقه التعبير عن المطالب و المحتويات بأقصر العبارات و أوجزها،

6

خالية من التعقيد و الغموض.

و على ذلك جرى ديدن القدماء في تأليف المتون الدراسية و قد راعينا هذا الأُسلوب في كتابنا، و احترزنا عن الاسهاب و الاطناب كما احترزنا عن التعقيد و حرصنا على أن تكون لغته على مستوى اللغة الدارجة في الحوزة العلمية.

و اسميته ب» الوسيط «لتوسطه بين الايجاز و التبسيط.

و نستهلُّ البحث بنبذة موجزة عن تاريخ علم الأُصول و كيفية نشوئه و تكامله و الأدوار التي مرّ بها و الجهود التي بُذلت بغية ارساء قواعده.

و ختاماً أرجو من اللّه سبحانه أن ينتفع به رواد هذا العلم و ينير لهم الدرب في تذليل الصعوبات التي تعترض سبيلهم.

7

إلماع إلى تاريخ علم الأُصول‏

الإسلام عقيدة و شريعة؛ فالعقيدة هي الإيمان باللّه سبحانه و صفاتِه و التعرّفُ على أفعاله، و الشريعة هي الأحكام و القوانين الكفيلة ببيان وظيفة الفرد و المجتمع في حقول مختلفة تجمعها العبادات، و المعاملات، و الإيقاعات، و السياسات.

فالمتكلِّم الإسلامي مَن تكفّل ببيانِ العقيدة و برهَن على الإيمان باللّه سبحانه و صفاتِه الجمالية و الجلالية، و أفعاله من لزوم بعث الأنبياء و الأوصياء لهداية الناس و حشرهم يوم المعاد.

كما أنّ الفقيه من قام ببيان الأحكام الشرعية الكفيلة بإدارة الفرد و المجتمع، و التنويه بوظيفتهما أمام اللّه سبحانه و وظيفة كلّ منهما بالنسبة إلى الآخر.

بيد أنّ لفيفاً من العلماء أخذوا على عاتقهم بكلتا الوظيفتين، فهم في مجال العقيدة أبطال الفكر و سنامه، و في مجال التشريع أساطين الفقه و أعلامه، و لهم الرئاسة التامّة في فهم الدين على مختلف الأصعِدة.

إنّ علم أُصول الفقه يعرّف لنا» القواعدَ الممهّدة لاستنباط الأحكام الشرعية و ما ينتهي إليه المجتهد في مقام العمل «، و قد سُمِّي بهذا الاسم لصلته الوثيقة بعلم الفقه، فهو أساس ذلك العلم و ركنه، و عماد الاجتهاد و سناده.

الاجتهاد: عبارة عن بذل الوسع في استنباط الأحكام الشرعية، أو الوظائف‏

8

العمليّة من مصادرها، و هو رمز خلود الدين و حياته، و جعله غضّاً طريّاً، مصوناً عن الاندراس عبْر القرون و مغنياً المسلمينَ عن التطفّل على موائد الأجانب، و يتّضح ذلك من خلال أُمور:

1. انّ طبيعة الدين الإسلامي أي كونه خاتم الأديان إلى يوم القيامة تقتضي فتح باب الاجتهاد لما سيواجه الدين في مسيرته من أحداث و تحدّيات مستجدَّة، و موضوعات جديدة لم يكن لها مثيل أو نظير في عصر النص، فلا محيص عن معالجتها إمّا من خلال بذل الجهود الكافية في فهم الكتاب و السنّة و غيرهما من مصادر التشريع و استنباط حكمها، و إمّا باللجوء إلى القوانين الوضعية، أو عدم الفحص عن حكمها و إهمالها.

و الأوّل هو المطلوب، و الثاني يكوّن نقصاً في التشريع الإسلامي، و هو سبحانه قد أكمل دينه بقوله: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ‏) (1) و الثالث لا ينسجم مع طبيعة الحياة و نواميسها.

2. لم يكن كل واحد من أصحابِ النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) متمكناً من دوامِ الحضورِ عنده (صلى الله عليه و آله و سلم) لأخذ الأحكام عنه، بل كان في مدّة حياته يحضره بعضهم دون بعض، و في وقت دون وقت، و كان يسمع جواب النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) عن كلّ مسألة يسأل عنها بعض الأصحاب و يفوت عن الآخرين، فلمّا تفرّق الأصحاب بعد وفاته (صلى الله عليه و آله و سلم) في البلدان، تفرّقت الأحكام المروية عنه (صلى الله عليه و آله و سلم) فيها، فتُروى في كلّ بلدة منها جملة، و تُروى عنه في غير تلك البلدة جُملة أُخرى، حيث إنّه قد حضر المدنيّ من الأحكام، ما لم يحضره المصري، و حضر المصريّ ما لم يحضره الشاميّ، و حضر الشاميّ ما لم يحضره البصري، و حضر البصري ما لم يحضره الكوفي إلى غير ذلك، و كان كل منهم‏

____________

(1). المائدة: 3.

9

يجتهد فيما لم يحضره من الأحكام. (1) إنّ الصحابي قد يسمع من النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) في واقعة، حكماً و يسمع الآخر في مثلها خلافه، و تكون هناك خصوصية في أحدهما اقتضت تغاير الحكمين غفل أحدهما عن الخصوصية، أو التفت إليها و غفل عن نقلها مع الحديث، فحصل التعارض في الأحاديث ظاهراً، و لا تنافي واقعاً؛ و من هذه الأسباب و أضعافِ أمثالها احتاج حتى الصحابة الذين فازوا بشرف الحضور، في معرفة الأحكام إلى الاجتهاد و النظر في الحديث، و ضمّ بعضه إلى بعض، و الالتفات إلى القرائن الحالية، فقد يكون للكلام ظاهر، و مراد النبي خلافه اعتماداً على قرينة في المقام، و الحديث نُقِلَ و القرينة لم تنقل.

و كلُّ واحد من الصحابة، ممّن كان من أهل الرأي و الرواية، تارة يروي نفس ألفاظ الحديث، للسامع من بعيد أو قريب، فهو في هذا الحال راو و محدث، و تارة يذكر الحكم الذي استفاده من الرواية، أو الروايات بحسب نظره و اجتهاده فهو في هذا الحال، مفت و صاحب رأي. (2) 3. و هناك وجه ثالث و هو انّ صاحبَ الشريعة ما عُني بالتفاصيل و الجزئيات لعدم سنوح الفرص ببيانها، أو تعذر بيان حكم موضوعات لم يكن لها نظير في حياتهم، بل كان تصوّرها لعدم وجودها أمراً صعباً على المخاطبين، فلا محيص لصاحبِ الشريعةِ عن إلقاء أُصول كلية ذات مادة حيويّة قابلة لاستنباط الأحكام وفقاً للظروفِ و الأزمنة.

4. انّ حياة الدين مرهونة بمدارسته و مذاكرته و لو افترضنا أنّ النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) ذكر

____________

(1). المقريزي: الخطط: 333/ 2.

(2). أصل الشيعة و أُصولها: 147، طبعة القاهرة.

10

التفاصيل و الجزئيات و أودعها بين دفّتي كتاب، لاستولى الركود الفكري على عقلية الأُمة، و لانحسر كثير من المفاهيم و القِيَم الإسلامية عن ذهنيّتها، و أوجب ضياع العلم و تطرق التحريف إلى أُصوله و فروعه حتى إلى الكتاب الذي فيه تلك التفاصيل.

على هذا، لم تقم للإسلام دعامة، و لا حُفِظَ كِيانُه و نظامه، إلّا على ضوء هذه البحوث العلمية و النقاشات الدارجة بين العلماء، أو ردّ صاحب فكر على ذي فكر آخر بلا محاباة.

11

تاريخ أُصول الفقه عند الشيعة الإمامية

لم يكن علم الأُصول بمحتواه أمراً مغفولًا عنه في عصر الأئمّة (عليهم السلام)، فقد أملى الإمام الباقر (عليه السلام) و أعقبه الإمام الصادق (عليه السلام) على أصحابهما قواعد كلّية في الاستنباط، رتّبها بعض الأصحاب على ترتيب مباحث أُصول الفقه.

و ممن ألّف في ذلك المضمار:

1. المحدّث الحرّ العاملي (المتوفّى 1104 ه)

مؤلف كتاب:» الفصول المهمة في أُصول الأئمّة «و هذا الكتاب يشتمل على القواعد الكلية المنصوصة في أُصول الفقه و غيرها.

2. السيد العلّامة الشبّر عبد اللّه بن محمد الرضا الحسيني الغروي (المتوفّى 1242 ه)

له كتاب» الأُصول الأصلية «.

3. السيد الشريف الموسوي، هاشم بن زين العابدين الخوانساري الاصفهاني، له كتاب:» أُصول آل الرسول «، و قد وافته المنيّة عام 1318 ه.

فهذه الكتب الحاوية على النصوص المروية عن أئمة أهل البيت في القواعد و الأُصول الكلية في مجال أُصول الفقه، تعرِبُ عن العناية التي يوليها أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) لهذا العلم.

و قد تبعهم أصحابهم، منهم:

12

1. يونس بن عبد الرحمن (المتوفّى 208 ه)

يقول النجاشي: كان يونس بن عبد الرحمن وجهاً في أصحابنا، متقدّماً، عظيم المنزلة، روى عن أبي الحسن موسى و الرضا (عليهما السلام). فقد صنف كتابَ:» اختلاف الحديث و مسائله « (1) و هو قريب من باب التعادل و الترجيح في الكتب الأُصولية.

2. أبو سهل النوبختي إسماعيل بن علي (237 311 ه)

يقول النجاشي: كان شيخ المتكلمين من أصحابنا و غيرهم، له جلالة في الدنيا و الدين، إلى أن قال: له كتاب» الخصوص و العموم «، و» الأسماء و الأحكام «. (2) و يقول ابن النديم: هو من كبار الشيعة، و كان فاضلًا عالماً متكلّماً، و له مجلس يحضره جماعة من المتكلّمين، إلى أن قال: له كتاب» إبطال القياس «. (3)

3. الحسن بن موسى النوبختي‏

عرّفه النجاشي بقوله: شيخنا المتكلّم، المبرّز على نظرائه في زمانه قبل الثلاثمائة و بعدها. و ذكر من كتبه» خبر الواحد و العمل به «. (4) يقولُ ابن النديم: الحسن بن موسى ابن اخت أبي سهل بن نوبخت، متكلّم فيلسوف، كان يجتمع إليه جماعة من النقَلة لكتب الفلسفة. (5)

____________

(1). رجال النجاشي: 420/ 2 برقم 1209.

(2). رجال النجاشي: 121/ 1 برقم 67.

(3). الفهرست: 225.

(4). رجال النجاشي: 179/ 1 برقم 146.

(5). الفهرست: 225.

13

يقول ابن حجر: الحسن بن موسى النوبختي، أبو محمد من متكلّمي الإمامية، و له تصانيف كثيرة. (1)

أُصول الفقه و أدواره‏

اجتاز علم الأُصول من لدن تأسيسه إلى زماننا هذا مرحلتين، و لكلّ منهما أدوار، و امتازت المرحلة الثانية بالإبداع و الابتكار و طرح مسائل مستجدّة لم تكن مذكورة في كتب الفريقين.

المرحلة الأُولى: مرحلة النشوء و الازدهار

ابتدئتْ المرحلةُ الأُولى منذُ أوائل القرن الثالث إلى عصر العلّامة الحلي (726648) و قد اجتازت أدواراً ثلاثة.

الدور الأوّل: (دور النشوء)

و قد بُدئ هذا الدور بإفراد بعض المسائل الأُصولية بالتأليف دون أن يعمَّ كافّة المسائل المعنونة في هذا العلم يومذاك، و لم نقف في هذا الدور على كتاب عام يشمل جميع مسائله، و قد عرفت أنّ يونس بن عبد الرحمن صنَّف كتابَ» علل الحديث «، و أبا سهل النوبختي كتابَ» الخصوص و العموم «و» إبطال القياس «، و الحسن بن موسى النوبختي كتاب» خبر الواحد و العمل به «و بالرغم من ذلك فقد ازدهرتْ حركة الاستنباط و الاجتهاد بين أصحابنا في هذا الدور، فهذا هو» الحسن بن علي العماني «شيخ فقهاء الشيعة، المعاصر للشيخ الكليني (المتوفّى 329 ه) ألّف كتاب» المتمسِّك بحبل آل الرسول «.

____________

(1). لسان الميزان: 258/ 2، برقم 175.

14

يقول النجاشي: أبو محمد العماني، فقيه متكلّم، ثقة، له كتب في الفقه و الكلام، منها كتاب» المتمسّك بحبل آل الرسول «كتابٌ مشهورٌ في الطائفة.

و قيل: ما ورد الحاج من خراسان إلّا طلَب و اشترى منه نسخاً. (1) كما ألّف الشيخ الكبير أبو علي الكاتب الإسكافي (المتوفّى 381 ه) كتاب» تهذيب الشيعة لأحكام الشريعة «في الفقه، و هو كتابٌ كبيرٌ جامعٌ، ذكر فهرس كتبه، الشيخ النجاشي في رجاله، و له كتاب» الأحمدي في الفقه المحمدي «.

يقول النجاشي: وجهٌ في أصحابنا، ثقةٌ، جليلُ القدرِ، صنّف فأكثر. (2)

الدور الثاني: (دور النمو)

إنّ حاجة المستنبط في علم الأُصول لم تكن مقصورة على عصر دون عصر، بل كلّما تقدّمتْ عجلة الحضارة نحوَ الإمام، ازدادت الحاجة إلى تدوين قواعد الاستنباط للإجابة على الحوادث المستجدّة و ملابساتها التي كان الفقهاء يواجهونها طيّ الزمان، مما ترك تأثيراً إيجابياً على علم الأُصول و ساهم في نموّه، فأفردوا جميع المسائل (بدل البعض كما في الدور الأوّل) بالتأليف، و قد تحمّل ذلك العب‏ء ثلّة من أساطين العلم و سنامه، منهم:

4. محمد بن محمد بن النعمان المفيد (336 413 ه)

هو شيخنا و شيخ الأُمّة محمد بن محمد بن النعمان المشهور بالمفيد، صنف كتاباً باسم» التذكرة بأُصول الفقه «و طبع في ضمن مصنّفاته‏ (3) و نقل خلاصته شيخنا الكراجكي (المتوفّى 449 ه) في كتابه» كنز الفوائد «.

____________

(1). رجال النجاشي: 153/ 1.

(2). رجال النجاشي: 306/ 2: برقم 1048.

(3). المؤتمر العالمي بمناسبة الذكرى الألفيّة لوفاة الشيخ المفيد، المصنّفات: 5/ 9.

15

5. الشريف المرتضى (355 436 ه)

هو السيد الشريف علي بن الحسين المعروف بالمرتضى.

قال عنه النجاشي: حاز من العلوم ما لم يدانه أحد في زمانه، و سمع من الحديث فأكثر، و كان متكلماً، شاعراً، أديباً، عظيم المنزلة في العلم و الدين و الدنيا، و عدّ من كتبه» الذريعة « (1) و قد طبع الكتاب في جزءين طباعة منقّحة، و قد عثرت على نسخة خطية منها في مدينة» قزوين «جاء في آخرها انّ المؤلف فرغ من تأليفها عام 400 ه، و قد نقل عنه جلُّ من تأخّر من السنّة و الشيعة.

6. سلّار الديلمي (المتوفّى 448 ه)

هو سلّار بن عبد العزيز الديلمي. يعرّفه العلّامة بقوله: شيخنا المقدّم في الفقه و الأدب و غيرهما، كان ثقة وجهاً ألّف» التقريب في أُصول الفقه «، ذكره في الذريعة. (2)

7. الشيخ الطوسي (385 460 ه)

هو محمد بن الحسن المعروف بالشيخ الطوسي.

يقول عنه النجاشي: أبو جعفر، جليل من أصحابنا، ثقةٌ، عينٌ، من تلامذة شيخنا أبي عبد اللّه المفيد، و عدَّ من كتبه كتاب» العدّة في أُصول الفقه « (3)، و قد طُبِع غير مرّة، و هو كتابٌ مفصلٌ مبسوطٌ يحتوى على الآراء الأُصولية المطروحة في عصره.

____________

(1). رجال النجاشي: 102/ 1 برقم 706.

(2). الذريعة: 365/ 4 و ذكر أنّه توفّي في السفر سنة 448.

(3). رجال النجاشي: 332/ 2 برقم 1069.

16

الدور الثالث: (دور الازدهار)

بدأ هذا الدور منذ أواخر القرن السادس إلى أواسط القرن الثامن، و قد صنف أصحابنا كتباً خاصّة في أُصول الفقه تعرب عن الإنجازات الضخمة، و المنزلة الراقية التي بلغها علمُ الأُصول من خلال دراسة مسائله باسهاب و دقّة و إمعان أكثر، و من المصنّفين في هذا الحقل:

8. ابن زهرة الحلبي (511 558 ه)

هو الفقيه البارع السيد حمزة بن علي بن زهرة الحلبي مؤلف كتاب» غنية النزوع إلى علمي الأُصول و الفروع «و كتابه هذا يدور على محاور ثلاثة، العقائد و المعارف، أُصول الفقه، و الفروع. و قد طبع الكتاب محقّقاً في مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام) في جزءين، و الناظر في قسم أُصول الفقه يرى فيه التفتح و الازدهار بالنسبة إلى ما سبقه.

9. سديد الدين الحمصي (المتوفّى نحو 600 ه)

هو الشيخ سديد الدين محمود بن علي بن حسن الحمصي الرازي و قد صنف» كتابه المنقذ من التقليد، و المرشد إلى التوحيد «عام 581 ه في الحلة الفيحاء عند منصرفه من زيارة الحرمين بالحجاز. (1) قال منتجب الدين الرازي: الشيخ الإمام سديد الدين علّامة زمانه في الأُصوليين، ورع ثقة، و ذكر مصنّفاته الّتي منها:» المصادر في أُصول الفقه «و» التبيين و التنقيح في التحسين و التقبيح «. (2)

____________

(1). لاحظ المنقذ من التقليد: 17، مقدّمة المؤلف.

(2). الفهرست: برقم 389.

17

10. نجم الدين الحلي (602 676 ه)

هو نجم الدين جعفر بن الحسن بن أبي زكريا الهذلي الحلي، المكنّى بأبي القاسم، الملقّب بنجم الدين، و المشتهر بالمحقّق.

قال ابن داود في رجاله: جعفر بن الحسن، المحقّق المدقّق، الإمام، العلّامة، واحد عصره كان ألسَنَ أهل زمانه، و أقومهم بالحجة، و أسرعهم استحضاراً، قرأت عليه و ربّاني صغيراً، و كان له عليّ إحسان عظيم، و ذكر من تآليفه:» المعارج في أُصول الفقه « (1) و قد طبع غير مرّة، و هو و إن كان صغير الحجم، لكنّه كثير المعنى شأنُ كلِّ ما جادت به قريحتُه في عالم التأليف، فهذا كتابه» شرائع الإسلام «عكف عليه العلماء في جميع الأعصار، و كتبوا عليه شروحاً و تعاليق و قد طبع في إيران و لبنان.

و قال في أعيان الشيعة: و من كتبه» نهج الوصول إلى معرفة علم الأُصول «. (2)

11. العلّامة الحلّي (648 726 ه)

الحسن بن يوسف المطهر المعروف بالعلّامة الحلّي و هو غنيٌّ عن التعريف، برع في المعقول و المنقول، و تقدَم على العلماء الفحول و هو في عصر الصبا، أخذ عن فقيه أهل البيت الشيخ نجم الدين أبي القاسم جعفر بن الحسن، خاله، و من أبيه سديد الدين يوسف بن مطهر الحلّي، و أخذ العلوم العقلية عن نصير الدين الطوسي و غيره.

____________

(1). رجال ابن داود: 83.

(2). أعيان الشيعة: 92/ 4. لاحظ الذريعة: 426/ 24.

18

و قد ألّف في غير واحد من الموضوعات: النقلية و العقلية، كما ألّف في أُصول الفقه تصانيف عديدة ذكرها السيد الأمين في» أعيان الشيعة «نشير إليها:

1. النكت البديعة في تحرير الذريعة للسيد المرتضى.

2. غاية الوصول و إيضاح السبل في شرح مختصر منتهى الوصول لابن الحاجب.

3.» مبادئ الوصول إلى علم الأُصول «مطبوع في ذيل المعارج للمحقّق.

4.» نهاية الوصول إلى علم الأُصول «في أربعة أجزاء. (1) 5.» تهذيب الوصول في علم الأُصول «صنّفه باسم ولده فخر الدين، و هو مطبوع.

و قد كتب عليه شروح و تعاليق مذكورة في أعيان الشيعة. (2)

12. عميد الدين الأعرجي (المتوفّى عام 754 ه)

عبد المطلب بن أبي الفوارس بن محمد بن علي الأعرجي الحسيني ابن أُخت العلّامة الحلّي.

وصفه الشهيد الأوّل بقوله: السيد، الإمام، فقيه أهل البيت (عليهم السلام) في زمانه، عميد الحقّ و الدين، أبو عبد اللّه عبد المطلب بن الأعرج الحسيني.

كما وصفه غيره بقوله: درّة الفخر و فريد الدهر، مولانا الإمام الرباني و هو ابن أُخت العلّامة الحلّي (رحمه الله) و قد ألّف كتباً كثيرة في الفقه و غيره، كما ألّف في أُصول الفقه كتابه» منية اللبيب في شرح التهذيب « (3) لخاله العلّامة الحلي و قد فرغ منه في‏

____________

(1). نحتفظ بنسخة منها في مكتبة مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام) في قم المقدّسة.

(2). أعيان الشيعة: 404/ 5.

(3). نحتفظ بنسخة من هذا الكتاب في مكتبة مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام) في قم المقدّسة. و ربما ينسب المنية لأخيه ضياء الدين الأعرجي و النقول في تهذيب الأُصول لعميد الدين.

19

الخامس عشر من رجب سنة 740 ه. (1)

13. ضياء الدين الأعرجي‏

هو السيد ضياء الدين عبد اللّه بن أبي الفوارس ابن أُخت العلّامة الحلّي فقد شرح كتاب تهذيب الأُصول لخاله و أسماه» النقول في تهذيب الأُصول «، و قام الشهيد بالجمع بين الشرحين و أسماه» جامع البين الجامع بين شرحي الأخوين «.

14. فخر المحقّقين (682 771 ه)

هو محمد بن الحسن نجل العلّامة الحلّي، فقد شرح تهذيب والده و أسماه» غاية السئول في شرح تهذيب الأُصول «.

كان الأمل أن يواكب التأليفُ تقدّمَ العصر و لكن الركب توقف عن متابعة هذا التطور و أخلد إلى الركود، فلا نكاد نعثر على تصانيف أُصولية بعد شيخنا عميد الدين إلّا ما ندر كمقدّمة المعالم للمحقّق الشيخ حسن صاحب المعالم، نجل الشهيد الثاني (المتوفّى 1011 ه). قد صار محور الدراسة قرابة أربعة قرون و عكف عليه العلماء بالتعليقة و الشرح.

نعم انصبّت الجهود على تدوين القواعد الفقهية و تنظيمها بشكل بديع نستعرض بعضها:

1. محمد بن مكي المعروف ب» الشهيد الأوّل « (786734 ه) قد ألّف كتاب» القواعد و الفوائد «و قد استعرض فيه 302 قاعدة، و مع الاعتراف بفضله و تقدّمه في التأليف، لم يفصل القواعد الفقهية عن الأُصولية أو العربية، كما لم‏

____________

(1). السيد الخوانساري: روضات الجنات: 261.

20

يرتِّب القواعد الفقهية على أبواب الفقه المشهورة ممّا حدا بتلميذه المقداد عبد اللّه السيوري بترتيب تلك القواعد كما سيوافيك.

2. الفقيه المتبحر و الأُصولي المتكلّم مقداد بن عبد اللّه السيوري (المتوفّى 826 ه) من أكابر رجال العلم و التحقيق، فقد قام بترتيب كتاب القواعد لشيخه الشهيد و سمّاه ب» نضد القواعد الفقهية على مذهب الإمامية «و قد طبع محقّقاً عام (1404 ه).

3. الشيخ الأجل زين الدين بن نور الدين علي بن أحمد المعروف ب» الشهيد الثاني « (966911 ه)، ولد في عائلة نذرت نفسها للدين و العلم، و قد ألّف في غير واحد من الموضوعات و من آثاره كتابه:» تمهيد القواعد «جمع في هذا الكتاب بين فني تخريج الفروع على الأُصول و تخريج الفروع على القواعد العربية، و هو كتاب قلّ نظيره عظيم المنزلة، طبع مرّة مع كتاب الذكرى للشهيد الأوّل، كما طبع أخيراً محقّقاً في مشهد الإمام الرضا استعرض المؤلِّف فيه مائتي قاعدة و فرغ منها في مستهل عام 958 ه.

*** عصر النكسة و الركود

ظهرت الأخبارية في أواخر القرن العاشر و بداية القرن الحادي عشر على يد الشيخ محمد أمين الاسترابادي (المتوفّى 1033 ه) فشنَّ حملة شعواء على الأُصول و الأُصوليّين و زيّف مسلك الاجتهاد المبني على القواعد الأُصولية، و زعم انّ طريقة أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) و أصحابه تخالف ذلك المسلك، فممّا قاله في ذم الاجتهاد:

21

و أوّل من غفل عن طريقة أصحاب الأئمّة (عليهم السلام) و اعتمد على فن الكلام، و على أُصول الفقه المبنيّين على الأفكار العقلية المتداولة بين العامة، محمد بن أحمد ابن الجنيد العامل بالقياس، و حسن بن علي بن أبي عقيل العماني المتكلم، و لما أظهر الشيخ المفيد حسنَ الظن بتصانيفهما بين أصحابه منهم السيد الأجل المرتضى، و شيخ الطائفة شاعت طريقتهما بين متأخري أصحابنا، حتى وصلت النوبة إلى العلّامة الحلّي، فالتزم في تصانيفه أكثرَ القواعد الأُصولية من العامة، ثمّ تبعه الشهيدان و الفاضل الشيخ علي رحمهم اللّه تعالى. (1) أقول: الأخبارية منهج مبتدع، و لم يكن بين علماء الشيعة إلى زمان ظهورها منهجان متقابلان متضادان في مجال الفروع باسم المنهج الأُصولي و الأخباري حتى يكون لكل منهج مبادئ مستقلة يناقض أحدهما الآخر، بل كان الجميع على خطّ واحد، و كان الاختلاف في لون الخدمة و كيفية أداء الوظيفة.

يقول شيخنا البحراني: إنّ العصر الأوّل كان مملوءاً من المجتهدين و المحدّثين مع أنّه لم يرتفع بينهم مثل هذا الخلاف و لم يطعن أحد منهم على الآخر بالاتصاف بهذه الأوصاف و إن ناقش بعضهم بعضاً في جزئيات المسائل. (2) و العجب انّ الشيخ الاسترابادي (رحمه الله) استدلّ على انقسام علماء الإمامية إلى أخباريّين و أُصوليّين بأمرين:

1. ما ذكره شارح المواقف، حيث قال: كانت الإمامية أوّلًا على مذهب أئمّتهم حتى تمادى بهم الزمان فاختلفوا و تشعّب متأخّروهم إلى المعتزلة و إلى الأخباريين، و ما ذكره الشهرستاني في أوّل‏

____________

(1). الفوائد المدنيّة: 44، الطبعة الحجريّة.

(2). الحدائق الناضرة: 167/ 1701، المقدمة الثانية عشرة.

22

كتاب الملل و النحل: من أنّ الإمامية كانوا في الأوّل على مذهب أئمّتهم في الأُصول ثمّ اختلفوا في الروايات عن أئمّتهم حتى تمادى بهم الزمان، فاختارت كلّ فرقة طريقة، فصارت الإمامية بعضها معتزلة إمّا وعيدية و إمّا تفضيلية، بعضها أخبارية مشبِّهة و إمّا سلفية.

2. ما ذكره العلّامة في» نهاية الوصول إلى علم الأُصول «عند البحث عن جواز العمل بخبر الواحد، فقال: أمّا الإمامية فالأخباريون منهم لم يعولوا في أُصول الدين و فروعه إلّا على أخبار الآحاد، و الأُصوليّون منهم كأبي جعفر الطوسي و غيره وافقوا على خبر الواحد و لم ينكره سوى المرتضى و أتباعه.

لكن كلا الشاهدين أجنبيان عمّا يرومه الأمين.

أمّا الشاهد الأوّل: فقد نقله بالمعنى، و لو نقل النصّ بلفظه لظهر للقارئ الكريم ما رامه شارح المواقف، و إليك نصه: ... و تشعب متأخّروهم إلى» المعتزلة «: إمّا وعيدية أو تفضيلية (ظ. تفضلية) و إلى» أخبارية «يعتقدون ظاهر ما ورد به الأخبار المتشابهة، و هؤلاء ينقسمون إلى» مشبّهة «يجرون المتشابهات على أنّ المراد بها ظواهرها، و» سلفية «يعتقدون أنّ ما أراد اللّه بها حقّ بلا تشبيه كما عليه السلف و إلى ملتحقة بالفرقة الضالة «.

و بالتأمل في نصّ كتاب المواقف يظهر فساد الاستنتاج، و ذلك لأنّ مسلك الأخبارية الذي ابتدعه الشيخ الأمين ليس إلّا مسلكاً فقهياً قوامه عدم حجّية ظواهر الكتاب أوّلًا، و لزوم العمل بالأخبار قاطبة من دون إمعان النظر في الاسناد، و علاج التعارض بالحمل على التقية و غيرها ثانياً، و عدم حجّية العقل في استنباط الأحكام ثالثاً.

23

و ما ذكره شارح» المواقف «و» الشهرستاني «من تقسيم الشيعة إلى أخبارية و غيرها راجع إلى المسائل العقائدية دون الفقهية، فعلى ما ذكراه فالشيعة تشعّبت في تفسير الصفات الخبرية كاليد و الاستواء و الوجه و غير ذلك ممّا ورد في الأخبار بل الآيات إلى طوائف ثلاث: مشبِّهة، و سلفية، و ملتحقة بالفرق الضالة.

و الحكم بأنّ ما ذكره شارح المواقف راجع إلى المسلك الذي ابتدعه الاسترآبادي عجيب جداً مع اختلافهما في موضوع البحث، فأين العمل بظواهر الأخبار في صفاته سبحانه، عن الأخبارية التي ابتدعها الأمين الاسترآبادي في سبيل استخراج الأحكام الشرعية من الكتاب و السنة، مضافاً إلى أنّ مسلكه مبني على أسس و قوائم لم تكن معروفة عند غيره.

و أمّا الشاهد الثاني أعني ما ذكره العلّامة، فهو أيضاً لا يمتُّ بصلة إلى مسلك الأخبارية المبتدَع، بل هو راجع إلى مسألة خلافية بين علماء الإمامية منذ زمن بعيد، و هو هل الخبر الواحد حجّة في الأُصول كما هو حجّة في الفروع أو لا؟ فالمحدّثون و الذين سبروا غور الأخبار، ذهبوا إلى القول الأوّل، و الأُصوليون الذين حكَّموا العقل في مجال العقائد قالوا بالثاني.

فالأخباري في كلام العلّامة هو ما يمارس الخبر و يدوّنه شأن كل محدّث، لا من يسلك مسلك الأخباريّين في استنباط الأحكام الشرعية.

إنّ هذه الفكرة الخاطئة الشاذة عن الكتاب و السنّة و إجماع الأصحاب الأوائل شغلت بال العلماء من أصحابنا ما يقرب من قرنين، و أضحت تلك البرهة فترة ركود الأُصول و تألق نجم الأخبارية، فترى أنّ أكثر مؤلّفاتهم تعلو عليها صبغة الأخبارية، و هم بين متطرِّف كالأمين الاسترابادي، و معتدل كالشيخ يوسف البحراني (المتوفّى 1186 ه) صاحب الحدائق الناضرة.

24

و من سوء الحظ انّ النزاع بين أصحاب المسلكين لم يقتصر على نطاق المحافل العلمية، بل تسرّب إلى الأوساط العامة و المجتمعات، فأُريقت دماء طاهرة و هتكت أعراض من جرّاء ذلك، و قتل فيها الشيخ أبو أحمد الشريف محمد بن عبد النبي المحدِّث النيسابوري المعروف بميرزا محمد الأخباري (12331178 ه) لمّا تجاهر بذمِّ الأُصوليين قاطبة و النيل منهم، فلقي حتفه عند هجوم العامة عليه عن عمر يناهز 55 عاماً.

بالرغم من الهجوم العنيف الذي شنّه الأمين الأسترآبادي و أتباعه على الحركة الأُصولية، نرى أنّ هناك من أخذ بزمام الحركة بتأليف كتب استطاعت حينها أن تصمد بوجه الأخبارية و تذود عن كيانها و قاموا بمحاولات:

15. الفاضل التوني (المتوفّى 1071 ه)

هو عبد اللّه بن محمد التوني البشروي. وصفه الحر العاملي بقوله: عالم، فاضل، ماهر، فقيه، صنّف» الوافية «في أُصول الفقه فرغ منها عام 1059 ه، و قد طبعت و انتشرت و له حاشية على معالم الأُصول.

16. حسين الخوانساري (المتوفّى 1098 ه)

هو المحقّق الجليل السيد حسين بن محمد الخوانساري مؤلّف كتاب» مشارق الشموس في شرح الدروس «و كتابه هذا يشتمل على أغلب القواعد الأُصولية و الضوابط الاجتهادية، طرح فيه أفكاراً أُصولية بلون فلسفي.

17. محمد الشيرواني (المتوفّى 1098 ه)

هو محمد بن الحسن الشيرواني.

له تعاليق على» المعالم «و مصنّفات جمة، مثل حاشية على» شرح المطالع «

25

و أُخرى على» شرح المختصر «للعضدي.

18. جمال الدين الخوانساري (المتوفّى عام 1121 ه أو 1125)

هو المحقق الكبير جمال الدين محمد بن الحسين الخوانساري، له تعليقة على شرح مختصر الأُصول للعضدي كما هو مذكور في ترجمته.

و هذه الكتب المؤلفة في فترة انقضاض الحركة الأخبارية على المدرسة الأُصولية مهّدت لظهور حركة أُصولية جديدة تبنّاها المحقّق الوحيد البهبهاني (1118 1206 ه) الذي فتح بأفكاره آفاقاً جديدة في علم الأُصول.

إلى هنا تمت المرحلة الأُولى التي طواها علم الأُصول و حان استعراض المرحلة الثانية التي هي مرحلة الإبداع و الابتكار.

المرحلة الثانية مرحلة الإبداع و الابتكار

ابتدأت هذه المرحلة من عصر المحقّق البهبهاني و امتدت إلى يومنا هذا، مع ما لها من أدوار مختلفة، و إليك بيانها:

19. المحقق البهبهاني (1118 1206 ه)

كان للأُستاذ الأكبر الشيخ محمد باقر الوحيد البهبهاني دور فعال في إخماد نائرة الفتنة، بالرد القاطع على الأخباريين، و تزييف أفكارهم، و تربية جيل من العلماء و المفكّرين على أُسس مستقاة من الكتاب و السنّة و العقل الصريح، و اتّفاق الأصحاب، و استطاع أن يشيِّدَ للأُصولِ أركاناً جديدةً، و دعامات رصينة، فنهض بالأُصول من خموله الذي دام قرنين، مذعناً بانتهاء عصر الركود و ابتداء عصر التطور و الابتكار.

26

و بلغت تصانيفه 103 ما بين رسائل مختصرة و كتب مفصّلة، منها: الرسائل الأُصولية، إبطال القياس؛ إثبات التحسين و التقبيح العقليين؛ الاجتهاد و التقليد، و الفوائد الحائرية، و غيرها.

و بذر البذرة الأُولى لهذه المرحلة التي تلقّفها العلماء بعده بالرعاية حتى أينعت و أثمرت ثمارها على أيدي أساطين من العلماء في غضون الأدوار: و بها امتازت هذه المرحلة عمّا سبقها من المرحلة الأُولى:

الدور الأوّل: (دور الانفتاح)

ابتدأ هذا الدور بنخبة من تلامذة الوحيد البهبهاني و في طليعتهم:

20. جعفر كاشف الغطاء (1156 1228 ه)

هو الشيخ الأكبر جعفر بن خضر بن يحيى النجفي المعروف بكاشف الغطاء، تلمّذ عند: الشيخ محمد مهدي الفتوني، و المحقّق البهبهاني.

قال عنه شيخنا الطهراني: و هو من الشخصيات العلمية النادرة المثيل، و انّ القلم لقاصر عن وصفه و تحديد مكانته و إن بلغ الغاية في التحليل، و في شهرته و سطوع فضله غنى عن إطراء الواصفين.

و من جملة تصانيفه» كشف الغطاء «، و» غاية المأمول في علم الأُصول «. (1)

21. أبو القاسم القمي (1151 1231 ه)

هو أبو القاسم محمد حسن الجيلاني القمي، تلمّذ عند: المحقّق البهبهاني، و الشيخ محمد مهدي الفتوني، و محمد باقر الهزار جريبي.

____________

(1). الكرام البررة في القرن الثالث بعد العشرة: 248/ 1 برقم 506.

27

حطّ الرحال في قم، و عكف فيها على التدريس و التصنيف حتى أصبح من كبار المحقّقين و أعاظم الفقهاء المتبحّرين، و اشتهر أمره و طار صيته و لقب بالمحقّق القمي.

من تصانيفه الأُصولية» القوانين «.

22. السيد علي الطباطبائي (12311161 ه)

هو السيد علي بن محمد بن علي الطباطبائي، يعرفه الرجالي الحائري بقوله: ثقة، عالم، جليل القدر، وحيد العصر، و من تآليفه في الأُصول:» رسالة في الإجماع و الاستصحاب «، و تعليقة على معالم الدين، و تعليقة على مبادئ الوصول إلى علم الأُصول. (1)

الدور الثاني: (دور النضوج)

ابتدأ هذا الدور بتلاميذ خرّيجي مدرسة البهبهاني، فقاموا بوضع صياغة جديدة للأُسس الأُصولية من منظار جديد و على رأسهم:

23. محمد تقي بن عبد الرحيم الاصفهاني (المتوفّى 1248 ه)

هو محمد تقي بن عبد الرحيم الطهراني الاصفهاني عالم جليل، محقّق، له:» شرح الوافية «، و» شرح طهارة الوافي «من تقرير أُستاذه بحر العلوم، و» حاشية على المعالم «. (2)

24. شريف العلماء (المتوفّى 1245 ه)

هو الشيخ الجليل محمد شريف الآملي المازندراني المعروف بشريف العلماء،

____________

(1). راجع ترجمته في مقدّمة كتاب» رياض المسائل «الذي طبع عام 1412 ه.

(2). أعيان الشيعة: 198/ 9.

28

و كفى به فخراً انّ الشيخ مرتضى الأنصاري ذلك النجم اللامع في سماء الأُصول، ممّن استسقى من فيّاض علمه، و قد بقيت من آثاره العلمية رسالة» جواز أمر الأمر مع العلم بانتفاء الشرط «.

25. محمد حسين بن عبد الرحيم الاصفهاني (المتوفّى 1261 ه)

الفقيه الأُصولي الشهير، أخذ عن أخيه الشيخ محمد تقي صاحب هداية المسترشدين، و عن الشيخ علي بن الشيخ جعفر، قطن كربلاء فرحل إليه الطلاب.

له مؤلفات في الأُصول، منها:» الفصول «و هو من كتب القراءة في هذا الفن، أورد فيه مطالب القوانين و حلّها و اعترض عليها، و هو مشهور. (1)

الدور الثالث: (دور التكامل)

بلغ فيه علم الأُصول الذروةَ في التحقيق و التعميق و البحث و تطرّقت إليه مسائل جديدة لم تكن مألوفة فيما سبق، و يُعتبر الشيخ مرتضى الأنصاري هو البطل المِقْدام في هذا الحقل حيث استطاع بعقليّته الفذّة أن يشيّد أركاناً جديدة لعلم الأُصول بلغ بها قمةَ التطور و التكامل.

و أنت إذا قارنت المؤلفات الأُصولية في هذه البرهة مع ما ألّف في المرحلة الأُولى و حتى مستهلّ المرحلة الثانية تجد بينهما بوناً شاسعاً يُتراءى في بادئ النظر كعلمين، و ما هذا إلّا بفضل التطور و التكامل الذي طرأ على بِنْية الأُصول بيد هذا العبقري الفذّ و لم يزل ينبوعه فيّاضاً إلى يومنا هذا.

____________

(1). أعيان الشيعة: 233/ 9.

29

26. مرتضى الأنصاري (1214 1281 ه)

هو مرتضى بن محمد أمين الدزفولي الأنصاري، مؤسس النهضة الأُصولية المعاصرة، قرأ أوائل عمره على عمّه الشيخ حسين من وجوه علماء دزفول، ثمّ مكث في كربلاء و تلمّذ عند السيد محمد المجاهد و شريف العلماء، ثمّ عزم على الطواف في البلاد للقاء علمائها، فخرج إلى خراسان مارّاً بكاشان حيث فاز بلقاء النراقي صاحب المناهج و تلمذ عنده نحو ثلاث سنين، ثمّ إلى أصفهان، ثمّ إلى دزفول، و منها إلى النجف، فحط الرحال فيها، و قد انتهت الرئاسة العلمية فيها آنذاك إلى الشيخ علي بن الشيخ جعفر و صاحب الجواهر، فتلمذ عندهما إلى أن انتهت إليه الرئاسة الإمامية العامة بعد وفاتهما، و كان مجلس درسه يغص بالفقهاء، و قد تخرّج به أكثر الفحول من بعده، مثل: الميرزا الشيرازي، و الميرزا الرشتي، و السيد حسين الكوهكمري، و المامقاني، و الخراساني. و قد ذاع صيته و انتشرت آثاره في الآفاق.

أمّا مصنّفاته الأُصولية فيعد كتابه» فرائد الأُصول «من أهم الكتب الأُصولية التي عوّل عليها قاطبة الأُصوليين من الإمامية في كلّ زمان و مكان، و هذا الكتاب يضم في طياته خمس رسائل أُصولية هي:

1. أحكام القطع.

2. رسالة حجّية الظنّ.

3. أصل البراءة و الاشتغال.

4. الاستصحاب.

5. التعادل و الترجيح.

و قد طبعت مراراً، و علق عليها مشاهير العلماء بعده، أخص منهم بالذكر:

30

موسى التبريزي، و الشيخ حسناً الآشتياني، و الشيخ محمد حسن المامقاني، و الشيخ محمد كاظم الخراساني، و الشيخ محمد رضا الهمداني. (1) إنّ عصر الشيخ الأنصاري كوّن منعطفاً رائعاً في تاريخ علم الأُصول، و قد تخرّج في مدرسته مئات المحقّقين، و أُلّفت عشرات الكتب في الأُصول التي تحمل في طياتها الفكر الأُصولي الذي صاغه الأنصاري، و هذه الكتب بين تأليف مستقل أو تعليقة أو تحشية على فرائد الشيخ الأنصاري، أو على كفاية الأُصول لتلميذه المحقّق الخراساني، أو بين تقرير يمليه الأُستاذ و يكتبه التلميذ أثناء الدرس أو خارجه.

و بما انّ الإفاضة في هذا المجال على ما هو حقّه تورث الإطناب، فلنقتصر على سرد أسماء المشاهير من الأُصوليين في هذا العصر اعتماداً على ما فصلنا ترجمتهم و ترجمة تلاميذهم إلى نهاية القرن الرابع عشر في آخر موسوعة طبقات الفقهاء.

و خرج من مدرسته العديد من الفطاحل و العباقرة، و أخص بالذكر منهم:

27. السيد المجدّد الشيرازي (1224 1312 ه)

هو السيد محمد حسن بن محمود بن إسماعيل الحسيني الشيرازي، كان فقيهاً، عالماً، ماهراً، محقّقاً، مدقّقاً، ورعاً، تقياً، انتهت إليه رئاسة الإمامية العامة في عصره، و طار صيته و اشتهر ذكره و وصلت رسائله التقليدية و فتاواه إلى جميع الأصقاع.

من مؤلّفاته الأُصولية: رسالة في اجتماع الأمر و النهي، و تلخيص إفادات‏

____________

(1). أعيان الشيعة: 117/ 10 118.

31

أُستاذه الأنصاري، و رسالة في المشتق. (1)

28. محمد كاظم الخراساني (1255 1329 ه)

هو المحقّق الكبير الشيخ محمّد كاظم الخراساني الهروي، مؤلّف كتاب» كفاية الأُصول «و يُعدّ كتابه هذا محور البحوث الأُصولية في الحوزات العلمية إلى يومنا هذا.

و قد تخرّج على يديه، نخبة من رجال الفكر و العلماء البارعين في علم الأُصول.

29. الميرزا حسين النائيني (13551274 ه)

المحقّق البارع الميرزا حسين النائيني له محاضرات قيّمة في الأُصول و قد دوّن آراءه تلميذه البارع الشيخ محمد علي الكاظمي (1309 1365 ه) و قد نشرت باسم» فوائد الأُصول «، كما دوّن تلك الآراء أيضاً تلميذه الآخر المرجع الديني السيد أبو القاسم الخوئي و نشرت باسم» أجود التقريرات «.

30. عبد الكريم الحائري (1274 1355 ه)

هو الشيخ الكبير عبد الكريم بن محمد جعفر الحائري اليزدي مؤسس الحوزة العلمية في قم المحمية، و شيخنا هذا ضمّ إلى عمله و فقهه الجمّ حصافة في العقل و دراية في الحياة، مؤلّف كتاب» درر الفوائد «و كان محوراً لمحاضراته التي كان يلقيها على طلاب الحوزة العلمية، و تخرج على يديه نخبة من الفطاحل و جيل من الأعاظم لو قام باحث بتدوين أسمائهم و سيرتهم لخرج بكتاب مفرد كبير.

____________

(1). أعيان الشيعة: 304/ 5.

32

31. ضياء الدين العراقي (13611278 ه)

الأُستاذ الكبير الشيخ ضياء الدين العراقي صاحب كتاب» المقالات في علم الأُصول «و قد دون أفكاره العلّامة الحجّة الشيخ محمد تقي البروجردي و نشرها تحت عنوان» نهاية الأفكار «طبعت في ثلاثة أجزاء، و العالم البارع الشيخ هاشم الآملي (14121322 ه) في كتاب» بدائع الأفكار «.

32. محمد حسين الاصفهاني (13611296 ه)

المحقّق الكبير الشيخ محمّد حسين الأصفهاني من أعاظم تلاميذ المحقّق الخراساني، و قد تخرّج عليه طليعة من العلماء، منهم: المحقّق العلّامة السيد محمد حسين الطباطبائي (14011321 ه) و السيد المحقّق محمد هادي الميلاني (13951313 ه) و من مصنفاته كتاب» نهاية الدراية في التعليقة على الكفاية «طبعت في أجزاء ثلاثة.

33. السيّد محمد الحجّة الكوهكمري (1301 1372 ه)

أُستاذنا الكبير و الفقيه البارع السيد محمّد الحجّة الكوهكمري تخرج على أعلام عصره في النجف الأشرف كالسيد الطباطبائي اليزدي و شيخ الشريعة الاصفهاني و المحقّق النائيني. لعب دوراً كبيراً في تنشيط حوزتي النجف و قم و تخرّج على يده العديد من الفقهاء و المجتهدين. و دوّن غير واحد من تلاميذه آراءه و أفكاره و أخصّ بالذكر سماحة آية اللّه الحاج علي الصافي الكلبايكاني فقد نشر ما تلقى عنه تحت عنوان» المحجة في تقريرات الحجّة «.

33

34. السيد حسين البروجردي (1392 1380 ه)

هو السيد حسين البروجردي الطباطبائي سيد مشايخنا العظام تخرج على أعلام عصره في النجف الأشرف و تردد كثيراً إلى أندية دروس المحقّق الخراساني و نال منه إجازة الاجتهاد (عام 1328 ه)، و للسيّد البروجردي دور كبير في تنقيح مباني الاجتهاد و أُصول الفقه و الرجال، و قد حضرنا درسه سنين طوالًا و كتبنا شيئاً من تقريراته و له تعليقة على كفاية الأُصول في جزءين لم تر النور.

35. السيّد روح اللّه الموسوي الخميني (1320 1409 ه)

المجاهد الكبير قائد الثورة الإسلامية المباركة و الذاب عن حياض الإسلام بقلمه و لسانه و ما أُوتي من حول و قوة السيّد روح اللّه بن السيد مصطفى الخميني فقد ربى جيلًا كبيراً في الجامعة الإسلامية و درّس الأُصول دورة بعد دورة. و قد برز بقلمه الشريف» مناهج الوصول إلى علم الأُصول «في المباحث اللفظية، و» الرسائل «في المباحث العقلية، إلى غير ذلك و قد قمنا بتدوين محاضراته الأُصولية و نشرناها تحت عنوان» تهذيب الأُصول «عام 1375 1383. و له على الإسلام و المسلمين أياد بيضاء تشكر.

36. السيد أبو القاسم الخوئي (1317 1411 ه)

هو السيّد أبو القاسم بن السيد علي أكبر الخوئي أحد المراجع العظام و زعيم الحوزة العلمية في النجف الأشرف. تخرج على يديه جيل كبير من الفضلاء و المحقّقين، و قد ألقى محاضرات في الأُصول سنين عديدة حتى تجاوزت دوراته عن الخمس. و دوّنت آراؤه عن طريق تلامذته و انتشرت بعنوانات مختلفة، و قد تألّق نجمه في علم الأُصول منذ شبابه إلى أوان رحيله.

34

هذه إلماعة عابرة إلى تاريخ أُصول الفقه عند الشيعة الإمامية و قد اقتصرنا في ذلك على أعلام العصر في كلّ قرن، و لو قمنا بترجمة كلّ من له دور في تنشيط هذا العلم لأحوج الأمر إلى تأليف مفرد.

و في الختام أرفع أسمى آيات الاعتذار إلى المشايخ الّذين لعبوا دوراً فعالًا في تصعيد نشاط الحركة الأُصولية و لم أُوفق لذكر أسمائهم و تقدير جهودهم و العذر عند كرام الناس مقبول.

*** ثمّ إنّ كتابنا هذا يشتمل على مقدمة و مقاصد، و المقدّمة على أُمور، و إليك الخوض فيها واحداً تلو الآخر:

35

الوسيط في أُصول الفقه كتاب يبحث عن الأدلة اللفظية و العقلية بين الايجاز و الاطناب تأليف جعفر السبحاني كتاب دراسي أُعِدَّ لطلبة الحوزة العلمية، السنة الخامسة

36

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

37

[مقدمة الكتاب: و فيها أمور تسعة:]

الأمر الأوّل في تعريف علم الأُصول و بيان موضوعه و مسائله و غايته‏

قد جرى ديدن العلماء في مقدّمة الكتاب على التعرض لأُمور أربعة:

1. تعريف العلم، 2. بيان موضوعه، 3. الإلماع إلى مسائله، 4. و الإشارة إلى غايته.

أمّا الأوّل: فقد عُرّف علم الأُصول بتعاريف أدقّها هي:» القواعد الآليّة التي يمكن أن تقع كبرى لاستنباط الأحكام الكلية الفرعية الإلهية، أو الوظيفة العملية «.

و المراد ب» القواعد الآلية «هو ما ينظر بها إلى الحكم الشرعي و تكون ذريعة إلى استنباطه؛ فخرجت القواعد الفقهية، فانّها تتضمن نفس الحكم الشرعي، و لا ينظر بها إلى حكم شرعي آخر بل هي ممّا ينظر فيها. (1) كما أنّه دخل بقولنا:» يمكن «الظنون غير المعتبرة كالقياس و الاستحسان‏

____________

(1). و الأوّل كقولنا: خبر الواحد حجّة، فيقع ذريعة لاستنباط الحكم الشرعي بخبر زرارة على وجوب شي‏ء أو حرمته.

و الثاني كقولنا: كلّ شي‏ء طاهر حتّى تعلم انّه قذر و هو يتضمن نفس الحكم الشرعي و سيوافيك التفصيل في الأمر الثاني.

38

و الظن الانسدادي، فإنّ الجميع قواعد أُصولية تصلح لأن تقع في طريق الاستنباط، لكن أحجم الشارع عن إعمالها.

و خرج بقولنا:» تقع كبرى «مسائلُ سائر العلوم التي ليس لها هذا الشأن.

كما دخل بقولنا:» الوظيفة العملية «ما إذا انتهى المجتهد إلى استنباط الوظيفة الفعلية، لا استنباط الحكم الشرعي، كما هو الحال في حكم العقل بالبراءة عند الشك في أصل التكليف، و حكمه بالاحتياط عند العلم بالتكليف و الشك في المكلّف به فكلا الحكمين، أعني: البراءة و الاحتياط في الموردين وظيفة عملية لدى الشك، لا حكم شرعيّ.

بقي في المقام علم اللغة الذي ربما يقع في طريق الاستنباط كالعلم بمعنى» الصعيد «و» المفازة «و» الوطن «، فربما يقال: إنّه يخرج بقيد الآليّة، فإنّه ليس آلة للاستنباط و إن كان ربما يترتب عليه فانّ الغاية من علم اللغة أوسع من ذلك بكثير.

و يمكن أن يقال بعدم دخوله في التعريف حتّى يحتاج إلى الخروج إذ ليس في علم اللغة» قواعد «كلّية بل هو علم كافل لبيان معاني المفردات، و لا يوصف مثل ذلك بالقواعد.

و بما انّ مضامين سائر القيود المأخوذة في التعريف واضحة نترك البحث فيها روماً للاختصار.

و أمّا الثّاني: فقد اختلفت كلمة الأُصوليّين في بيان موضوع ذلك العلم، و النظر الحاسم عندنا هو انّ موضوعه:» الحجّة في الفقه «.

فنقول إيضاحاً: قد اشتهر بينهم انّ موضوع كلّ علم ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية.

فالشي‏ء الذي يبحث في العلم عن خصائصه و آثاره المطلوبة منه، هو

39

الموضوع، و الخصائص و الآثار المترتبة على ذلك الشي‏ء هي العوارض و إليك بعض الأمثلة:

1. انّ موضوع علم الطب هو البدن، و الخصائص و الآثار المطلوبة منه هي عوارضه من الصحة و المرض.

2. انّ موضوع علم النحو هو الكلمة و الكلام، و الآثار المترتبة عليه من الرفع و النصب و الجر هي العوارض المترتبة عليها.

3. انّ موضوع العلم الطبيعي هو الجسم و الآثار المترتبة عليه، أعني: الحركة و السكون، و الحرارة و البرودة و غيرهما هي العوارض الطارئة عليه. إلى غير ذلك من العلوم.

و على ضوء ذلك فعلم الأُصول كسائر العلوم له موضوع، و موضوعه هو الحجّة في الفقه، و يمكن استكشاف ذلك (كون موضوعه هو الحجّة في الفقه) من امعان النظر في الغرض المطلوب من ذلك العلم، فانّ الغاية القصوى للفقيه هو معرفة الحجج الشرعية أو العقلية سواء أ كانت حجّة شرعية للحكم الشرعي أم حجّة للوظيفة العملية كما في مورد الأُصول فيصبح موضوع ذلك العلم هو الحجّة في الفقه.

و أمّا عوارضه أي الخصائص و الآثار المترتبة عليه فهي عبارة عن البحث عن تفاصيلها و حدودها و خصوصياتها، حيث إنّ الفقيه يعلم بوجود حجّة بينه و بين ربّه لكن لا يعلم بخصوصياتها على وجه التفصيل فيبحث عن تشخّص» الحجّة في الفقه «بخبر الواحد أو بالشهرة أو بالإجماع أو بالسيرة أو بالأُصول العملية، فتعيناتها و خصوصياتها هي عوارضها، و البحث فيها يتكفله علم الأُصول.

و بالجملة العلم بالحجّة الإجمالية بيننا و بين ربّنا لا يُسمن و لا يغني من جوع‏

40

ما لم تُعلم حدودها و تعيّناتها، فالعلم الذي يقوم بهذه المهمّة هو علم الأُصول حيث يُحدِّد و يعيِّن حدودَ ذلك الموضوع و خصوصياته و تعيّناته بإحدى الحجج، كما أنّه ربما ينفي تعيّنها و تحددها بأُمور أُخرى كالقياس و الاستحسان.

فتلخص من ذلك انّ الموضوع هو» الحجّة في الفقه «بوجه مطلق غير متعيّن الحدود و الخصوصيات، و أمّا العوارض فهي ما يُخرج الموضوع عن الإطلاق و يحدده و يقيده بإحدى الخصوصيات.

و أنت إذا تفحّصت المسائل الأُصولية تقف على أنّ روح البحث في جميعها يرجع إلى تعيين الحجج على الأحكام الشرعية أو الوظائف العملية، و ما من مسألة من المسائل الأُصولية إلّا و يحتج بها على أحد الأمرين بنحو من الاحتجاج.

و أمّا الثالث أعني مسائله فقد تبين ممّا ذكرنا، فإنّها عبارة عن المحمولات (العوارض) التي تعرض للموضوع أي الحجّة في الفقه على وجه الإطلاق، فالخصوصيات المحمولة على الموضوع من كونها خبر الواحد أو الاستصحاب أو غير ذلك هي مسائل ذلك العلم. (1) و إن شئت قلت: انّ الحجّة في الفقه بوصف الإطلاق هي الموضوع، و تعيناتها و تشخصاتها بإحدى الخصوصيات هي المسألة.

و أمّا الرابع أعني غايته فقد تبين ممّا ذكرنا فانّ غاية ذلك العلم هي تحصيل ملكة استنباط الحجج على الأحكام أو الوظيفة العمليّة.

____________

(1). فانّ الحق انّ المسائل عبارة عن نفس المحمولات المنتسبة إلى موضوعاتها في مقابل من يقول بانّها عبارة عن المركب من الموضوع و المحمول و النسبة. و التفصيل موكول إلى محلّه.

41

الأمر الثاني الفرق بين المسألة الأُصولية و القاعدة الفقهية

قد عرفت أنّ المسألة الأُصولية عبارة عن القاعدة الممهّدة لاستنباط الأحكام الشرعية أو الوظيفة العملية، و على هذا فالمسألة الأُصولية تتميّز بالخصوصيات التالية:

1. انّها تقع في طريق استنباط الأحكام الشرعية أو الوظيفة العملية.

2. أنّها لا تختص بباب دون باب، كحجية خبر الواحد التي يُستند إليها في عامّة الأبواب.

3. انّها لا تتضمّن حكماً شرعياً و لا وظيفة عملية، بل يستنبط منها الحكم الشرعي و الوظيفة العملية.

و أمّا القاعدة الفقهية فهي تمتاز بميزتين:

1. انّها تشتمل على حكم شرعي كلّي أو منتزع من عدّة أحكام، و الأوّل كقاعدة الطهارة و الثاني كقاعدة ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده.

42

2. لا تجري في عامة الأبواب بل تختص بباب أو بأبواب معدودة، كقاعدة الطهارة و قاعدة ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده.

و هذه الميزة الثانية هي الغالبة خرجت منها قاعدتا نفي الضرر و الحرج فانّهما تعمّان جميع أبواب الفقه.

و أمّا المسألة الفقهية فهي ما يبحث فيها عن أحكام الموضوعات الخاصة كطهارة الماء و نجاسة الدم، و ربما يبحث فيها عن ماهية الموضوعات كماهية الصلاة و أجزائها و موانعها و شرائطها.

هذا هو المختار عندنا و ربما تذكر هنا ضابطتان أُخريان:

إحداهما للشيخ الأنصاري، و الأُخرى للمحقّق العراقي تطلبان من محلّهما. (1)

____________

(1). و من أراد التفصيل فليرجع إلى المحصول: 43/ 1.

43

الأمر الثالث في الوضع‏

لا شكّ انّ الإنسان العارف باللسان، إذا سمع لفظ» الماء «ينتقل إلى معناه، أعني: الجسم السيّال الرطب، إنّما الكلام في سبب الانتقال، فهنا احتمالان:

1. وجود الرابطة الذاتية بين اللفظ و المعنى التي تكون سبباً لحضور المعنى. لكنّه احتمال ساقط إذ لازم ذلك، حضور المعنى لكلّ من سمع اللفظ سواء كان عارفاً باللسان أم لا.

2. انّ سبب الحضور، هو وضع الواضع اللفظ للمعنى، و بما انّ الوضع أمر اعتباري تكون العلقة الحاصلة بين اللفظ و المعنى كذلك غير انّهم اختلفوا في تفسير حقيقة ذلك الأمر الاعتباري.

فذهب المحقّق النهاوندي (المتوفّى 1317 ه) إلى أنّ حقيقة الوضع ليس إلّا التعهد بذكر اللفظ عند إرادة تفهيم المعنى، و تبعه عدّة من الأعلام منهم المحقّق الخوئي، قال: الوضع عبارة عن الالتزام النفسي بإبراز المعنى الذي تعلّق قصد المتكلّم بتفهيمه بلفظ مخصوص. (1) يلاحظ عليه: مضافاً إلى استلزامه أن يكون كلّ مستعمل واضعاً لصدق‏

____________

(1). أجود التقريرات: 12/ 1 و لاحظ المحاضرات: 48/ 1.

44

حدّه عليه: أنّ التّعهد، أو الالتزام النفسي غير داخل في حقيقة الوضع، بل هو من دواعيه، الخارجة عن حقيقة الشي‏ء، فيكفي في تحقّق الوضع» جعل اللّفظ في مقابل المعنى «بداعي الانتقال إليه عند التكلّم كما هو الحال في سائر الدوال كالعلامات الرائجة لإدارة المرور، فلا فرق بين وضع الألفاظ و نصب العلامة على رأس الفرسخ، فالوضع في الجميع على نسق واحد، فليس عمل ناصب العلامة على رأس الفرسخ إلّا وضعه عليه بداعي الانتقال من رؤيته إليه من دون تعهّد منه.

و يدلّ على ذلك انّ الملموس في المجامع العلمية المختصة لوضع الألفاظ للمعاني المستحدثة، غير ذاك فانّ الأخصّائيّين من علماء اللغة، ليس لهم شأن إلّا تعيين الألفاظ في مقابل المعاني، و لا يخطر ببالهم عند الوضع غير هذا، و أمّا التزام الواضع بأنّه متى أراد تفهيم المعنى، يتكلّم بهذا اللّفظ فهو من دواعي الوضع و ليس نفسَه و لا جزءه.

فالحقّ أن يقال: إنّ وضع الألفاظ للمعاني، أمر اعتباري يُعلم كنهه من حال سائر العلامات و الدوال التي تضعها إدارة المرور للانتقال إلى وظائف خاصة، ككون الدخول في الشارع مجازاً أو ممنوعاً، فإنّ ماهية جعل تلك الدوال ليس إلّا جعلها للانتقال إلى مقاصد خاصة، فيكون وضع الألفاظ أيضاً من هذه المقولة، و يعرف بأنّها» جعل اللفظ في مقابل المعنى «بداعي الانتقال إليه عند سماعه؛ أو تعينه علامة على المعنى بسبب كثرة الاستعمال. و الأوّل كما في الوضع التعييني، و الثاني كما في الوضع التعيّني.

ثمّ إنّ وضع اللفظ في مقابل المعنى أو استعماله فيه بداعي الوضع كما إذا قال: ائتني بولدي الحسن بداعي تسميته به عمل اختياري صادر من الفاعل المختار الذي لا يرجِّح أحد الطرفين إلّا بمرجّح.

و امّا ما هو المرجّح لاختيار لفظ

45

خاص على سائر الألفاظ فيختلف حسب اختلاف المقامات.

لكن التتبع يكشف عن انّه يُستند في تسمية الحيوانات إلى أصواتها كالهدهد، و البوم، و الحمام، و العصفور، و الهرة. كما يستند في حكاية الأفعال و الحركات إلى أصواتها كالدقّ و الدكّ و الشقّ و الكسْر، و الصرير، و الدَّويّ و النهيق. و لأجل ذلك يمكن أن يقال: إنّ كلّ إنسان في الأدوار السالفة، كان ينتخب لإبراز ما في ضميره ألفاظاً يرى مناسبة خيالية أو وهمية بينها و بين معانيها، كالمشابهة في الشكل و الهيئة و غير ذلك من المناسبات، فها هو لفظ الهيولى يستعمله العرف الخاص في الموجود المُخيف و المَهيب لمناسبة يرى بين اللّفظ و المعنى.

و قد جرّبنا ذلك في بعض الأطفال فرأيناهم يخترعون لبعض الأشياء و المعاني عند الحكاية عنها ألفاظاً مهملة، لمناسبة خيالية بينهما عندهم، و ربما يكون هذا هو السرّ لتكثّر الألفاظ و تكامل اللغة من دون أن يكون هناك وضع تعييني، و لعلّ هذا هو مقصود من قال بوجود العلقة بين اللفظ و المعنى لا ما هو المعروف عن قائلها من رابطة ذاتيّة بينهما فلاحظ.

في أقسام الوضع‏

إذا كان الوضع بمعنى» جعل اللّفظ في مقابل المعنى «فلا بدّ حينَه من تصوّر اللفظ أوّلًا، و المعنى ثانياً، أمّا الأوّل فواضح، و أمّا الثاني فله أقسام:

1. الوضع العام و الموضوع له العام‏

و هو أن يتصوّر المعنى الكلّي بلا واسطة و يضع اللّفظ عليه، كوضع لفظ الإنسان للحيوان الناطق.

2. الوضع الخاص و الموضوع له الخاص‏

و هو أن يتصوّر المعنى الجزئي مباشرة و يضع اللّفظ عليه كما في الأعلام.

46

3. الوضع العام و الموضوع له الخاص‏

و هو أن يتصوّر المعنى الجزئي من خلال العنوان الكلّي المنطبق عليه، كتصوّر المعاني الجزئية للابتداء من خلال تصوّر مفهوم الابتداء الكلّي و يضع اللّفظ على مصاديقه.

4. الوضع الخاص و الموضوع له العام‏

و هو أن يتصوّر المعنى الكلّي من خلال تصوّر الفرد و يضع اللّفظ على المعنى الكلّي.

لا شكّ في وقوع الأوّلين، إنّما الكلام في الثالث و الرابع فقد ذهب المحقّق الخراساني إلى إمكان الثالث و امتناع الرابع، و قال في وجههما ما هذا توضيحه:

إنّ العام باعتبار انّه كلي يصلح لأن يكون مرآة لأفراده و آلة للحاظ مصاديقه لوضوح كون العام حاكياً عن المصاديق التي تحته و عندئذ يصحّ أن يتصور الواضع المفهوم العام و يجعله مرآة لأفراده التي يشملها ثمّ يضع اللفظ بإزاء تلك الأفراد.

مثلًا: إذا تصوّر الواضع» المفرد المذكر «على النحو الكلّي من دون لحاظ الخصوصيات و مشخصات الأفراد، ثمّ وضع لفظ» هذا «لكلّ فرد و مصداق من ذلك الكلي فعندئذ يكون الوضع عاماً لكون الملحوظ عاماً و الموضوع له خاصاً لانّ المفروض انّه عبارة عن الأفراد الخارجية و المصاديق العينيّة.

هذا في الوضع العام و الموضوع له الخاص، و أمّا القسم الآخر أي الوضع الخاص و الموضوع له العام، فوجه امتناعه انّ الملحوظ إذا كان خاصاً (كزيد) فهو بما انّه متشخص بخصوصيات، لا يصدق إلّا على مصداق واحد و لا يحكي عن المعنى العام، حتّى يوضع اللفظ بإزاء ذلك المعنى العام.

مثلًا: إذا تصوّر الواضع مفهوم» زيد «الذي هو علم لشخص معيّن فلا يتصور أن يضع لفظ الإنسان إزاء المعنى العام كالحيوان الناطق بواسطة ذلك‏

47

الملحوظ الخاصّ لانّه لا يحكي عن المعنى العام حتّى يوضع اللفظ له، و من المعلوم انّ الواضع ما لم يتصور الموضوع له بنحو من الأنحاء لا يمكن له أن يضع اللفظ بإزائه.

يلاحظ عليه: بانّ الخاص بما هو خاص كما لا يكون مرآة للعام و لا يمكن تصوره من خلال تصور الخاص، كذلك لا يمكن تصور الخاص من خلال تصوّر العام و ذلك لأنّ العام لم يوضع إلّا لنفس الحقيقة المعرّاة من كلّ قيد و شرط، فعندئذ كيف يمكن أن يكون مرآة للخصوصيات و الجزئيات؟ فإنّ المرآتية فرع الوضع و المفروض انّه وضع للمعرّاة عن الخصوصية.

و بذلك ظهر انّه لا فرق بين الثالث و الرابع في امتناع الحكاية و المرآتية، فالعام لسعته لا يحكي عن الجزئيات، و الخاص لضيقه لا يحكي عن الحقيقة المجرّدة المعرّاة عن كلّ قيد.

و الحقّ أن يقال: إنّ القسمين مشتركان في الامتناع على وجه و في الإمكان على نحو آخر، فلو قلنا بأنّه يشترط أن يكون الملحوظ عند الوضع حاكياً عن الموضوع له، و مرآة له فهو غير ممكن في القسمين لما عرفت انّ عنوان العام كالإنسان لا يحكي إلّا عن حيثية الإنسانية دون ما يقارنها من العوارض و الخصوصيات لخروجها عن حريم المعنى الكلي، و الحكاية فرع الدخول في الموضوع له.

كما انّ عنوان الخاص كزيد بما انّه متشخّص في فرد خاص لا يمكن أن يكشف عن الماهية المعرّاة المجرّدة.

و أمّا لو قلنا بأنّه يكفي في الوضع، الانتقال إلى الموضوع له بأي نحو تحقّق فالظاهر إمكان كليهما، فإنّ الانتقال من تصوّر العام إلى تصوّر مصاديقه أو بالعكس أمر ممكن، فإنّ التداعي ليس رهن الحكاية بل ربما ينتقل الإنسان من‏

48

الضدّ إلى الضدّ الآخر.

و الظاهر انّه لا يتوقف الوضع على الحكاية و المرآتية بل يكفي العنوان الإجمالي المشير إلى الموضوع له فيكون القسمان كالأوّلين من الأقسام الممكنة.

انقسام الوضع إلى شخصيّ و نوعيّ‏

قد تقدّم انّ الوضع يتوقّف على لحاظ اللّفظ أوّلًا و لحاظ المعنى ثانياً، و قد عرفت الثاني على وجه التفصيل، و أمّا الأوّل فربما يكون اللّفظ ملحوظاً بشخصه، فيكون الوضع شخصياً كوضع الأعلام، و ربما يكون ملحوظاً بعنوان كلّي ينطبق عليه و على غيره فيكون الوضع نوعياً و هذا كأسماء الفاعلين و المفعولين و غيرهما. فانّ هيئة الفاعل وضعت لمن قام به الفعل بنحو من الأنحاء، و لكن الموضوع ليس هو الهيئة الشخصية القائمة بمادة» فعل «بل الهيئة النوعية المتحقّقة فيها و في غيرها، و ذلك لأنّ إحضار تمام المواد عند وضع الهيئة أمر صعب للغاية فتوضع الهيئة في ضمن مادة خاصة كفاعل و نحوه و لكن يراد منه كلّ ما كان على هذه الهيئة في ضمن أيّة مادّة تحققت.

49

الأمر الرابع في المعاني الحرفية

يقع الكلام في الحروف في موضعين:

1. ما هو معانيها و مفاهيمها؟

2. في كيفية وضعها.

أمّا الأوّل فقد عُرِّف المعنى الحرفي بما ذكره ابن الحاجب في» كافيته «حيث قال: الاسم ما دلّ على معنى في نفسه، و الحرف ما دلّ على معنى في غيره.

و المراد من قوله» ما دلّ «هو اللفظ، و الضمير في كلّ من:» في نفسه «و» في غيره «يرجع إلى المعنى، و انّه في حدّ ذاته على قسمين:

قسم يكون مفهوماً محصَّلًا في نفسه، لا يتوقّف تصوّره في الذهن إلى معنى آخر.

و قسم يكون مفهوماً متحقّقاً في الذهن بتبع غيره.

» فمعاني الأسماء معان مستقلة ملحوظة بذواتها، و معاني الحروف معان آلية حيث إنّها تلحظ بنحو الآلية و المرآتية لملاحظة غيرها «.

توضيحه: إنّ الغاية من وضع الألفاظ سواء أ كان بالوضع التعييني أو التعيّني، هي رفع الحاجة و إظهار ما يقوم في النفس من المفاهيم و المعاني التي ينتقل إليها الذهن من طرق الحواس و غيرها من أدوات المعرفة و لمّا كانت النشأة

50

الخارجية على أقسام، كانت المفاهيم المتّخذة منها على غرارها، ذاتَ أقسام.

إنّ الإنسان إذا أجال نظره في صحيفة الوجود يجد انّ ثمّة أقساماً من الحقائق:

الأوّل: ما هو مستقل ذاتاً و ماهية، كما هو مستقل خارجاً و وجوداً، كالجواهر كلّها. و هذا ما يعبر عنه ب» ما وجوده في نفسه لنفسه «و يشير قولهم:» في نفسه «إلى كونها ذات مفاهيم مستقلة، كما يشير قولهم:» لنفسه «إلى كونها غير ناعتة على خلاف الأعراض المتأصّلة.

الثاني: ما هو مستقل ذاتاً و ماهية، غير مستقل خارجاً و وجوداً و هذا كالأعراض مثل البياض و السواد، فانّ لكلّ مفهوماً مستقلًا، فيعرّف الأوّل بأنّه نور مفرّق لنور البصر، و الثاني بأنّه نور قابض لنور البصر لكنّه غير مستقل في عالم الوجود حيث لا يوجد إلّا في الموضوع.

الثالث: ما هو غير مستقل ذاتاً و وجوداً، فهو اندكاكيّ المعنى كما هو اندكاكيّ الوجود، فمفهومه فان في غيره كما أنّ وجوده في الخارج كذلك. و هذا ما يسمّى ب» الوجود الرابط «و» المعنى الحرفي «فهو لا يتصوّر إلّا تبعاً للمعنى الاسمي، كما لا يتحقّق إلّا مندكاً في الغير، و هذا نظير قولنا: زيد في الدار، فكلّ من» زيد «و» الدار «من المعاني الاسمية أمّا كونه فيها من المعاني الحرفية، إذ لا يتصوّر الكون إلّا مضافاً إلى زيد و الدار، كما لا يتحقّق إلّا بهما، فالكون قائم بهما تصوّراً و خارجاً، و لو أردنا إضفاء الاستقلالية لهذا المعنى الحرفي لزم انسلاخه عن حقيقته، فالمعنى الحرفي من أضعف مراتب الوجود.

و بما انّ وضع لفظ لمعنى يتوقف على تصوّره، و المعاني الحرفية لا يمكن تصوّرها و إلّا لا نسلخ عن المعنى الحرفي و انقلب إلى المعنى الاسمي، فيُحتال في مقام الوضع، بملاحظة المعاني الاسمية كالابتداء و الانتهاء و يوضع اللّفظ لا