الوصائل إلى الرسائل‏ - ج5

- السيد محمد الحسيني الشيرازي المزيد...
400 /
3

-

4

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

5

الوصائل الى الرسائل‏

- تتمّة المقصد الثاني‏

- «تتمّة بحث الانسداد»

[تتمّة المقدمة الثالثة]

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

و الجواب: عن هذا الوجه أنّ أدلّة نفي العسر، سيّما البالغ منه حدّ اختلال النظام، و الاضرار بامور المعاش و المعاد، لا فرق فيها بين ما يكون بسبب يسند عرفا الى الشارع، و هو

____________

ثم لا يخفى: إنّ عسر الاجتهاد في زماننا- هذا- بخلاف الأزمنة السابقة كزمان شيخ الطائفة و ابن ادريس و من أشبههما- نشأ بسبب كثرة الاحتمالات التي أبداها الفقهاء في مختلف أبواب الفقه، فهو مثل ما اذا كان كتاب الطب منحصرا في قانون ابن سينا فانّ الشخص كان يصير طبيبا بقراءته، أما اذا جاء بعده مائة طبيب، و كتب كلّ منهم كتابا فهل يعذر الطبيب في جهله اذا لم يقرأ الّا كتاب ابن سينا؟.

لا يقال: يكفينا الكتاب و السنّة، فنرجع إليهما كما رجع شيخ الطائفة اليهما.

لأنّه يقال: لا حقّ لنا في الاكتفاء بالرجوع اليهما دون الرجوع الى اجتهادات أعاظم الفقهاء حولهما، اذ لو فرض عدم توصل شيخ الطائفة الى الحكم بعد رجوعه اليهما، كان معذورا عند العقل و العقلاء، لأنّه لم يملك أكثر من ذلك، بخلاف ما اذا جهلنا الحكم، فالشارع الحكيم يقول لنا: أنت كنت تملك التوصل الى الحكم فلما ذا تركته؟.

و عليه: فمثل الاجتهاد اليوم مثل كلّ علم ينمو، حيث المتأخر يملك أكثر ممّا يملك المتقدّم، فلا يعذر المتأخر في جهله و تخطبه، و إن كان المتقدّم يعذر في ذلك.

(و الجواب عن هذا الوجه: إنّ أدلّة نفي العسر سيّما البالغ منه) أي: من العسر (حدّ اختلال النظام، و الاضرار بامور المعاش و المعاد) بأنّ يكون العسر و الحرج شديدين، فانّه‏ (لا فرق فيها) أي: في أدلة نفي العسر (بين ما يكون بسبب يسند عرفا الى الشارع، و هو) أن يكون الشارع بنفسه قد سبّب ذلك، كما إذا جعل‏

8

الذي اريد بقولهم (عليهم السلام): «ما غلب اللّه عليه فاللّه أولى بالعذر»، و بين ما يكون مسندا الى غيره.

و وجوب صوم الدّهر على ناذرة اذا كان فيه مشقّة لا يتحمّل عادة ممنوع.

و كذا أمثالها من المشي الى بيت اللّه جلّ ذكره، و إحياء

____________

صلاة حرجيّة، أو صوما حرجيّا، و هكذا، فان هذا و العسر المسند الى الشارع، هو (الّذي اريد بقولهم (عليهم السلام): «ما غلب اللّه عليه فاللّه أولى بالعذر») (1).

و عليه: فان معنى هذا الحديث: هو إن ما سبّب اللّه عسره أو استحالته، فانّ اللّه يعذر الانسان في تركه، كما اذا جاءت صاعقة فجففت المياه، فاللّه لا يريد من الانسان الطهارة المائية، أو جاء مرض فتمرض الانسان بحيث لا يتمكن من القيام في الصلاة أو الصيام، فاللّه لا يريد القيام في الصلاة أو الصيام منه، و في هذا الحديث دلالة على سقوط العسر الذي لم يكن الانسان هو السبب فيه.

و عليه: فلا فرق بين ذلك‏ (و بين ما يكون) العسر (مسندا الى غيره) لأنّ كليهما عسر، و اطلاق أدلة نفي العسر يرفع كليهما.

(و) أما ما قيل: من إنّ الناذر اذا أوجب على نفسه شي‏ء، وجب عليه مع إنّه عسر، ممّا يدل على أنّ العسر المرفوع هو العسر الآتي من قبل الشارع، لا من قبل العبد نفسه، فنقول في جوابه: (وجوب صوم الدّهر على ناذره، اذا كان فيه مشقّة لا يتحمّل عادة ممنوع) فلا نقول: بوجوب صوم الدهر و إن أوجب الناذر ذلك الصوم على نفسه، فان أدلة النذر منصرفة على مثل ذلك، أو أنّ أدلة العسر مخصّصة لمثل ذلك‏ (و كذا أمثالها من المشي الى بيت اللّه جلّ ذكره، و إحياء

____________

(1)- الكافي (فروع): ج 3 ص 412 ح 1 و قريب منه في علل الشرائع: ص 271 و المناقب: ج 2 ص 36.

9

الليالي، و غيرهما، مع إمكان أن يقال بانّ ما ألزمه المكلّف على نفسه من المشاقّ خارج من العمومات، لا ما كان السبب فيه نفس المكلّف، فيفرّق بين الجنابة متعمدا فلا يجب الغسل مع المشقّة، و بين اجازة النفس للمشاق،

____________

اللّيالي و غيرهما) فانّ دليل نفي العسر يرفع كل ذلك.

هذا (مع إمكان أن يقال) بجواب آخر غير الجواب الأوّل، فان في كلام المصنّف الأول الذي بيّنه بقوله: و الجواب عن هذا الوجه، أراد بيان أنّ العسر مطلقا مرفوع، سواء كان من قبل الشارع، أم من قبل المكلّف، و في هذا الجواب يريد بيان إنّ العسر الآتي من قبل المكلّف قسمان: قسم منه مرفوع، كما اذا أجنب و كان الغسل مشقة عليه حيث هذا الغسل مرفوع، و يبدّله بالتيمم، لانّ الشارع أوجب الغسل بعد الجنابة، لا إن العقلاء فعلوا ذلك.

و قسم ليس بمرفوع، كالإجارة الشاقة حيث إنّ العقلاء أوجبوا العمل عليه و الشارع أمضاه، لا انّ الشارع جعله كما جعل غسل الجنابة.

و عليه: فالجواب هنا بالتفصيل: (بأنّ ما الزمه المكلّف على نفسه من المشاق، خارج من العمومات) أي: من عمومات أدلة نفي العسر (لا ما كان السّبب فيه نفس المكلّف، فيفرّق بين الجنابة متعمّدا فلا يجب الغسل مع المشقة) لأنّ المكلّف لم يلزم وجوب الغسل على نفسه، بل اجنب و إنّما الشارع هو الذي أوجب الغسل اذا تحقق هذا الموضوع، و حيث إنّ الشارع لا يوجب الحكم الشاق، لا يوجب عليه الغسل بل يبدّله بالتيمم.

(و بين إجازة النفس للمشاق) فانّ المكلّف- هو الذي ألزم الأمر الشاق على نفسه، من دون مدخلية للشارع، و العقلاء هم الذين يوجبون العمل بالاجازة على‏

10

فإنّ الحكم في الأوّل تأسيس من الشارع و في الثاني إمضاء لما ألزمه المكلّف على نفسه، فتأمل.

و أمّا الاجتهاد الواجب كفاية عن انسداد باب العلم، فمع أنّه شي‏ء يقضي بوجوبه الأدلة القطعيّة، فلا ينظر الى تعسره و تيسّره.

فهو ليس أمرا حرجا خصوصا بالنسبة الى أهله، فانّ مزاولة العلوم لأهلها ليس بأشقّ من أكثر المشاغل الصّعبة التي يتحمّلها النّاس لمعاشهم.

____________

هذا الشخص و الشارع أمضاه.

و عليه: (فانّ الحكم في الأوّل:) أي: الغسل‏ (تأسيس من الشارع، و في الثاني:) أي الاجارة (إمضاء لما ألزمه المكلّف على نفسه) بينهما فرق في أنّ احدهما مرفوع، و الآخر غير مرفوع.

(فتأمّل) و لعله إشارة الى أنّه لا يفرق بين القسمين بعد أن الشارع أوجب الغسل و أمضى الاجارة، فالشارع بالتالي هو السبب في المشقة.

(و أمّا الاجتهاد الواجب كفاية عند انسداد باب العلم، فمع انّه) أوّلا: (شي‏ء يقضي بوجوبه الأدلّة القطعيّة، فلا ينظر الى تعسره و تيسّره) كما لا ينظر الى ما يكون عسرا و هو واجب شرعا، كالجهاد و نحوه.

و ثانيا: (فهو ليس أمرا حرجا، خصوصا بالنّسبة الى أهله) من طلبة العلم الّذين يحبون الاجتهاد قربة الى اللّه سبحانه و تعالى تحصيلا لرضاه و ثوابه‏ (فانّ مزاولة العلوم لأهلها، ليس بأشق من أكثر المشاغل الصّعبة التي يتحمّلها الناس لمعاشهم) إذ الاجتهاد أسهل من عمل البنّاء و النجّار و الحدّاد، و ما اشبه ذلك.

نعم، في الاجتهاد جهد فكري، و في تلك الامور جهد بدني، و حيث أنّ الفكر

11

و كيف كان فلا يقاس عليه.

و أمّا عمل العباد بالاحتياط و مراقبة ما هو أحوط الأمرين أو الامور في الوقائع الشخصيّة اذا دار الأمر فيها بين الاحتياطات المتعارضة، فانّ هذا دونه خرط القتاد، إذ أوقات المجتهد لا تفي بتمييز موارد الاحتياطات، ثمّ إرشاد المقلّدين الى ترجيح بعض الاحتياطات على بعض، عند تعارضها في الموارد الشخصيّة التي يتّفق للمقلّدين.

____________

وراء الاجتهاد، و الفكر افضل من العمل البدني، كان الاجتهاد أفضل، كما ان الأمر كذلك بالنسبة الى الطب، و الهندسة، و نحوهما، فانّها افضل من الأعمال البدنية، و قد ذكرنا في كتاب: «الفقه الاقتصاد» (1) تفصيل هذا الامر.

(و كيف كان: فلا يقاس) الاحتياط عند الانسداد (عليه) أي: على الاجتهاد، حتى يقال: انّه كما يجب الاجتهاد، مع عسره يجب الاحتياط مع عسره.

(و أمّا عمل العباد بالاحتياط) عند الانسداد (و مراقبة ما هو أحوط الأمرين، أو الامور في الوقائع الشخصيّة) لكلّ مكلّف مكلّف، (اذا دار الأمر فيها) أي: في الوقائع الشخصيّة (بين الاحتياطات المتعارضة، فانّ هذا) الاحتياط (دونه) و أسهل منه‏ (خرط القتاد) فلا ينبغي أن يقاس على الاجتهاد و يقال: كما انّ الاجتهاد عسر و مع ذلك واجب كذلك الاحتياط عند الانسداد عسر لكنّه واجب.

(إذ أوقات المجتهد لا تفي بتمييز موارد الاحتياطات) من أول الفقه الى آخر الفقه‏ (ثمّ إرشاد المقلّدين الى ترجيح بعض الاحتياطات على بعض عند تعارضها في الموارد الشخصيّة التي يتفق للمقلدين) كما اذا كان آخر الوقت، و دار أمر

____________

(1)- موسوعة الفقه: ج 107- 108 للشارح.

12

كما مثّلنا لك سابقا بالماء المستعمل في رفع الحدث الأكبر.

و قد يرد الاحتياط بوجوه أخر غير ما ذكرنا من الاجماع و الحرج.

منها: إنّه لا دليل على وجوب الاحتياط و أنّ الاحتياط أمر مستحبّ اذا لم يوجب إلغاء الحقوق الواجبة.

و فيه:

____________

الصلاة بين قراءة السورة فيها، فيقع بعض الصلاة خارج الوقت، فهما احتياطان متعارضان يحتاج الفقيه الى ترجيح هذا على ذاك أو بالعكس.

و (كما مثّلنا لك سابقا) في الاحتياطات المتعارضة (بالماء المستعمل في رفع الحدث الأكبر) ممّا لا داعي الى تكراره.

هذا (و قد يردّ) لزوم‏ (الاحتياط) عند الانسداد (بوجوه أخر غير ما ذكرنا من الاجماع، و الحرج) ممّا تقدّم، و قد اشار اليها المصنّف بقوله: (منها: إنّه لا دليل على وجوب الاحتياط، و إنّ الاحتياط أمر مستحب اذا لم يوجب إلغاء الحقوق الواجبة) كما إذا علم بانّه مديون لأحد شخصين من دون تعيين فإلغاء الاحتياط، و الاستناد الى أصالة البراءة بالنسبة الىّ كلّ واحد منهما يوجب الغاء حق واجب عليه، و كذا إذا أوجب الاحتياط في الصلاة تكرارها في ثياب متعددة بعضها نجس ممّا يوجب عدم تمكنه من تحصيل المعاش الواجب لزوجته و سائر واجبي النفقة عليه.

(و فيه:) إذا لوحظ الاحتياط في كلّ واقعة واقعة وحدها و في نفسها بدون ارتباطها بسائر الوقائع فلا بأس بالقول بعدم وجوب الاحتياط فيها، لجريان البراءة في كل واقعة واقعة، أما اذا لوحظ كل الوقائع معا فمقتضى العلم الاجمالي الناشئ من الانسداد- لأن الكلام على فرض الانسداد- هو لزوم الاحتياط في الجميع.

13

إن أريد أنّه لا دليل على وجوبه في كلّ واقعة اذا لوحظت مع قطع النظر عن العلم الاجمالي بوجود التكليف بينها و بين الوقائع الأخر فهو مسلّم بمعنى أنّ كلّ واقعة ليست ممّا يقتضي الجهل فيها بنفسها للاحتياط بل الشّكّ فيها إن رجع الى التكليف،- كما في شرب التتن و وجوب الدّعاء عند رؤية الهلال- لم يجب فيها الاحتياط، و إن رجع الى تعيين المكلّف به، كالشّك في القصر و الإتمام و الظهر و الجمعة، و كالشك في مدخليّة شي‏ء في العبادات،

____________

إذن: (إن اريد) باستحباب الاحتياط: (انّه لا دليل على وجوبه) أي: الاحتياط (في كلّ واقعة اذا لوحظت) وحدها، اي: (مع قطع النظر عن العلم الاجمالي) الناشئ من الانسداد (بوجود التكليف بينها و بين الوقائع الأخر، فهو) اي: عدم وجوب الاحتياط فيها (مسلّم بمعنى: إن كل واقعة) بوحدها (ليست ممّا يقتضي الجهل فيها بنفسها) مستقلا (للاحتياط) الجار و المجرور متعلق ب «يقتضي».

(بل الشك فيها) أي: في الواقعة (إنّ رجع الى التكليف، كما في شرب التتن) في الشك التحريمي‏ (و وجوب الدعاء عند رؤية الهلال) في الشك الوجوبي‏ (لم يجب فيها) أي: في كل واقعة (الاحتياط) لأنّه من الشك في التكليف، و الشّك في التكليف مجرى البراءة.

(و إن رجع الى تعيين المكلّف به) مع العلم بالتكليف‏ (كالشك في القصر و الاتمام، و الظّهر و الجمعة) حيث يعلم الانسان بوجوب صلاة عليه لكنّه لا يعلم هل انّها قصر أو تمام، أو انّها ظهر أو جمعة؟.

(و كالشّك في مدخليّة شي‏ء في العبادات) جزءا أو شرطا، بأن شكّ مثلا- في انّه هل يجب جلسة الاستراحة في الصلاة؟ أو انّه هل يجب عدم نية القطع‏

14

بناء على وجوب الاحتياط فيما شكّ في مدخليّته وجب فيها الاحتياط، لكن وجوب الاحتياط في ما نحن فيه في الوقائع المجهولة من جهة العلم الاجماليّ بوجود الواجبات و المحرّمات فيها، و إن كان الشكّ في نفس الواقعة، شكّا في التكليف.

و لذا ذكرنا سابقا أنّ الاحتياط هو مقتضى القاعدة الأوّلية عند انسداد باب العلم.

____________

و القاطع في الصوم، و هكذا.

و ذلك‏ (بناء على وجوب الاحتياط فيما شك في مدخليّته) أي: بأن لا نقول بالبراءة في الشك في الجزء و الشرط في المركّب الارتباطي، فعند ذلك‏ (وجب فيها الاحتياط) لأنّه مقتضى العلم الاجمالي.

(لكن وجوب الاحتياط فيما نحن فيه في الوقائع المجهولة) حيث انسدّ باب العلم، و نحن نعلم بوجود أحكام كثيرة في المشكوكات و المظنونات و الموهومات‏ (من جهة العلم الاجمالي بوجود الواجبات و المحرّمات فيها) أي:

في الوقائع المجهولة، فانّه‏ (و إن كان الشكّ في نفس الواقعة) الشخصيّة مثل الدعاء عند رؤية الهلال، أو شرب التتن، (شكا في التكليف) لكنّه لا يلاحظ كل واقعة واقعة حتى يكون المجرى: البراءة، بل إنّما يلاحظ الاحكام مجموعة- كما سبق الاشارة اليه-.

(و لذا ذكرنا سابقا: انّ الاحتياط هو مقتضى القاعدة الأوليّة عند انسداد باب العلم) فلا يقال: إنّ كل واقعة واقعة مشكوك، فاللازم جريان البراءة، فان المشهور قالوا بوجوب الاحتياط في كل أطراف العلم، و إن قال بعض: بأنّه لا يلزم الّا الموافقة الاحتمالية بالعمل ببعض أطراف العلم لا كل الأطراف، و بعض: بأنّه‏

15

نعم، من لا يوجب الاحتياط حتى مع العلم الاجمالي بالتكليف فهو يستريح عن كلفة الجواب عن الاحتياط.

و منها: إنّ العمل بالاحتياط مخالف للاحتياط، لانّ مذهب جماعة من العلماء بل المشهور بينهم اعتبار معرفة الوجه بمعنى تمييز الواجب عن المستحبّ اجتهادا أو تقليدا.

قال في الارشاد، في أوائل الصلاة: «يجب معرفة واجب أفعال الصلاة من‏

____________

لا يلزم شي‏ء اطلاقا، فالعلم الاجمالي لا يلزم موافقته القطعيّة و لا موافقته الاحتمالية.

(نعم، من لا يوجب الاحتياط حتى مع العلم الاجمالي بالتكليف، فهو يستريح عن كلفة الجواب عن الاحتياط) لأنّه يقول: إنّا و إن كنّا نعلم بوجود واجبات و محرّمات، الّا إنّ علم اجمالي في أطراف الظنون و الشكوك و الأوهام، و العلم الاجمالي لا يلزم موافقته اطلاقا.

(و منها) أي: من الايرادات على الاحتياط عند الانسداد (: إنّ العمل بالاحتياط مخالف للاحتياط) و إذا كان العمل بالاحتياط مخالفا للاحتياط، فاللازم تركه لا فعله‏ (لأنّ مذهب جماعة من العلماء بل المشهور بينهم) خصوصا القدماء (اعتبار معرفة الوجه) عند إتيان الانسان بالعبادة و الوجه‏ (بمعنى تمييز الواجب عن المستحب اجتهادا أو تقليدا) فالذي يشرع في الصلاة يلزم عليه أن يعرف إنّ الحمد واجب و القنوت مستحب و هكذا، و يدلّ على ذلك تصريحاتهم في الكتب الفقهية في باب العبادات.

مثلا: (قال في الارشاد في أوائل الصلاة: يجب معرفة واجب أفعال الصلاة من‏

16

مندوبها و إيقاع كلّ منهما على وجهه».

و حينئذ: ففي الاحتياط إخلال بمعرفة الوجه التي أفتى جماعة بوجوبها و باطلاق بطلان عبادة تارك طريقيّ الاجتهاد و التقليد.

و فيه: أوّلا: أنّ معرفة الوجه ممّا يمكن، للمتأمل في الادلّة و في إطلاقات العبادة

____________

مندوبها، و إيقاع كلّ منهما على وجهه) فإذا أراد قراءة الحمد يجب عليه أن ينوي الوجوب، و إذا أراد القنوت يجب عليه نيّة النّدب، و هكذا.

(و حينئذ) أ: حين كان معرفة الوجه واجبة في العبادات‏ (ففي الاحتياط إخلال بمعرفة الوجه التي افتى جماعة: بوجوبها، و بإطلاق بطلان عبادة تارك طريقيّ الاجتهاد و التقليد) و إن كان آتيا بالاحتياط، فانّه اذا لم يعلم- مثلا- ان جلسة الاستراحة واجبة أو مستحبة، لا يجوز أن يأتي بها، لانّه لا يتمكن أن ينوي بها الوجوب و لا الاستحباب، لانّه لا يعلم هذا أو ذاك، و هكذا في سائر أبواب الاحتياطات، فالاحتياط بإتيان جميع المظنونات و المشكوكات و الموهومات عند انسداد باب العلم خلاف الاحتياط فلا يجوز.

(و فيه أولا: ان معرفة الوجه) أي: لزوم أن يعرف المكلّف الوجه فيما يأتي به من العبادات و أن أي شي‏ء منها واجب و أيّ شي‏ء منها مستحب‏ (ممّا يمكن للمتأمّل في الأدلّة) نفيها فان سكوت الكتاب، و السنّة، و الاجماع، و العقل عنها، يدلّ على العدم، و إنّه لو وجب الوجه لزم التنبيه عليه، فعدم التنبيه دليل العدم.

(و في اطلاقات العبادة) مثل قوله تعالى: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى‏ غَسَقِ‏

17

و في سيرة المسلمين و في سيرة النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و الائمّة (عليهم السلام) مع الناس، الجزم بعدم اعتبارها حتى مع التمكّن من المعرفة العلميّة.

و لذا ذكر المحقّق (قدّس سرّه) كما في المدارك في باب الوضوء: «إنّ ما حقّقه المتكلّمون من وجوب ايقاع الفعل لوجهه‏

____________

اللَّيْلِ‏ (1) و قوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ‏ (2) و قوله سبحانه: وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا (3) الى غير ذلك.

(و في سيرة المسلمين) حيث جرت سيرتهم على عدم قصد الوجه في الصلاة و غيرها.

(و في سيرة النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و الائمة (عليهم السلام) مع الناس) فانّهم بيّنوا للناس الأجزاء، و الشرائط، و الموانع، و القواطع، و لم يذكروا الوجه.

و عليه: فالمتأمّل يحصل له‏ (الجزم بعدم اعتبارها) أي: عدم اعتبار معرفة الوجه‏ (حتى مع التمكن من المعرفة العلميّة) فانّ الانسان الذي يعلم انّ الحمد واجب و القنوت مستحب، لا يلزم أن ينوي الوجوب عند قراءة الحمد، و لا النّدب عند القنوت.

(و لذا) أي: لأجل ما ذكرناه: من عدم اعتبار قصد الوجه حتى مع التمكن من المعرفة العلميّة (ذكر المحقّق (قدّس سرّه) كما) نقل عنه‏ (في المدارك في باب الوضوء) من‏ (انّ ما حقّقه المتكلّمون: من وجوب إيقاع الفعل لوجهه) يعني: إنّه يقصد

____________

(1)- سورة الاسراء: الآية 78.

(2)- سورة البقرة: الآية 183.

(3)- سورة آل عمران: الآية 97.

18

أو وجه وجوبه كلام شعريّ» و تمام الكلام في غير هذا المقام.

و ثانيا: لو سلّمنا وجوب المعرفة أو احتمال وجوبها الموجب للاحتياط، فانّما هو مع التمكّن من المعرفة العلميّة.

أما مع عدم التمكّن فلا دليل عليه‏

____________

الوجوب اذا كان واجبا، او النّدب اذا كان ندبا.

(أو وجه وجوبه) بمعنى: الاتيان بالفعل الواجب أو المندوب بقصد كون وجوبه أو استحبابه لطفا، أو الاتيان بقصد الشكر، أو لأجل أمر اللّه سبحانه و تعالى، أو جميع ذلك- على ما ذكره الشهيد الثاني، و غيره- فان كلّ ذلك‏ (كلام شعريّ) تخيلي، و ليس كلاما برهانيا، و المراد بالشعر: ما ذكره المنطقيون في الصناعات الخمس.

و عليه: فلا يجب أن يأتي الانسان بالحمد في الصلاة بقصد إنّه واجب، و لا بقصد إنّه شكر للّه سبحانه و تعالى، و لا بقصد إنّه واجب شكرا للّه تعالى بالجمع بين الأمرين، و هكذا.

(و تمام الكلام) في عدم لزوم الوجه ياتي إنشاء اللّه‏ (في غير هذا المقام) من الاصول، اذ ليس مقامه هنا- كما هو واضح-.

(و ثانيا: لو سلّمنا وجوب المعرفة، أو احتمال وجوبها) بأن كانت الأدلة الدالة على وجوب المعرفة غير كافية لافادة الوجوب، بل تكفي لاحتمال الوجوب‏ (الموجب) ذلك لاحتمال‏ (للاحتياط، فانّما هو مع التمكن من المعرفة العلميّة) بانّ يتمكن الانسان من تحصيل العلم بأنّ الحمد- مثلا- واجب، و إنّ القنوت مستحب.

(أما مع عدم التمكّن) من المعرفة العلميّة (فلا دليل عليه) أي: على وجوب‏

19

قطعا، لأنّ اعتبار معرفة الوجه إن كان لتوقّف نيّة الوجه عليها، فلا يخفى أنه لا يجدي المعرفة الظنيّة في نيّة الوجه، فانّ مجرّد الظنّ بوجوب شي‏ء لا يتأتى معه القصد لوجوبه، اذ لا بدّ من الجزم بالنيّة، و لو اكتفى بمجرّد الظنّ بالوجوب و لو لم يكن نيّة حقيقة فهو ممّا لا يفي بوجوبه ما ذكروه في اشتراط نيّة الوجه.

____________

المعرفة (قطعا، لأنّ اعتبار معرفة الوجه إن كان، لتوقّف نيّة الوجه عليها) اي: على المعرفة العلمية بمعنى: إنّ الانسان يجب عليه أن يعرف الوجه، حتى يتمكن من أن ينوي الوجه عند إرادة الصلاة و سائر العبادات.

و عليه: (فلا يخفى: إنّه لا يجدي المعرفة الظنيّة في نيّة الوجه) فانّ الانسان اذا ظنّ الوجوب، أو ظنّ الاستحباب، لم يكف هذا الظنّ في أن ينوي الوجه، فاذا ظنّ- مثلا- بانّ جلسة الاستراحة واجبة، فهل يتمكن أن يقول في قلبه: انّي آتي بجلسة الاستراحة التي هي واجبة؟.

(فانّ مجرد الظّن بوجوب شي‏ء لا يتأتى معه القصد لوجوبه) فانّ الانسان اذا لم يعرف الوجوب، كيف ينوي الوجوب؟ و لو نواه فرضا كانت نيته اعتباطا (اذ لا بدّ من الجزم بالنيّة) اذ بدون الجزم بالنيّة لا تصدق العبادة فكما يحتاج الى الجزم بالنسبة الى ذات العبادة كذلك يحتاج الى الجزم بسائر خصوصياتها، و التي من تلك الخصوصيات الوجه.

(و لو) قلت: (اكتفى بمجرّد الظنّ بالوجوب و لو لم يكن نيّة حقيقة) بان يقول المصلّي: آتي بجلسة الاستراحة بظنّ الوجوب.

قلت: هذا غير كاف‏ (فهو ممّا لا يفي بوجوبه) اي: بوجوب الوجه، و يدلّ عليه‏ (ما ذكروه في اشتراط نية الوجه) فانّ دليلهم على لزوم نيّة الوجه، يدلّ على‏

20

نعم، لو كان الظنّ المذكور ممّا ثبت وجوب العمل به، تحقق معه نيّة الوجه الظاهريّ على سبيل الجزم، لكنّ الكلام بعد في وجوب العمل بالظنّ، فالتحقيق إنّ الظنّ بالوجه اذا لم يثبت حجّيته فهو كالشكّ فيه لا وجه لمراعاة نيّة الوجه معه أصلا.

____________

لزوم أن يأتي بالوجه قاطعا لا ظانا.

(نعم) لو قيل: بأنّه كلّما لزم علما قام مقامه بالظنّ، فنية الوجوب كانت لازمة علما بأن يعلم المصلّي انها واجبة، و الحال حيث لا يعلم بالوجوب يكفي ظنّا بأن ينوي المصلّي- مثلا- أجلس جلسة الاستراحة لظنّ وجوبها، فانّه‏ (لو كان الظنّ المذكور ممّا ثبت وجوب العمل به) أي: بهذا الظن‏ (تحقق معه نيّة الوجه الظاهري على سبيل الجزم).

قلنا: (لكن الكلام بعد في وجوب العمل بالظنّ) فان ثبت العمل بالظنّ و إنّه يقوم مقام العلم، تمكن أن يأتي بالوجه الظنّي، لكن ذلك لم يثبت بعد، و لذا قال بعض المحشّين: فوجوب العمل بالظنّ يتوقف على بطلان الاحتياط، فلو توقف بطلان الاحتياط على وجوب العمل بالظنّ لزم الدّور المصرّح.

ثم إنّ الدّليل على ما ذكره من قوله: «لا يفي بوجوبه ما ذكروه» الخ، هو ما ذكره كاشف اللّثام، حيث قال: الوجوب و النّدب، و الأداء و القضاء إنّما يجبان يعني:

يجب قصدهما في الصلاة لأنّها إنّما تتعين بهما.

و حاصله: إنّ اعتبار قصد الوجه، إنّما هو لتمييز المأتي به عن غيره حيث يكون مشتركا، و من الواضح: انّ الظنّ لا يكفي في ذلك التمييز (فالتحقيق أنّ الظنّ بالوجه اذا لم يثبت حجيته) أي: حجيّة هذا الظنّ‏ (فهو كالشّك فيه) أي: في الوجه، و (لا وجه لمراعاة نيّة الوجه معه) أي: مع الظنّ‏ (اصلا) فانّ الظنّ‏

21

و إن كان اعتبارها لأجل توقّف الامتثال التفصيلي المطلوب عقلا و شرعا عليه- و لذا اجمعوا ظاهرا على عدم كفاية الامتثال الاجمالي مع التمكّن عن التفصيلي بأن يتمكّن من الصلاة الى القبلة في مكان و يصلّي في مكان آخر غير معلوم القبلة الى أربع جهات أو يصلي في ثوبين مشتبهين أو أكثر، مرّتين أو اكثر، مع امكان صلاة واحدة في ثوب معلوم الطّهارة،

____________

و الشكّ سيّان في إنّه لا يعمل بأي منهما.

(و إنّ كان اعتبارها) أي: اعتبار معرفة الوجه- و هذا عطف على قوله: «لأنّ اعتبار معرفة الوجه إن كان لتوقف نية الوجه عليها» الخ- (لأجل توقّف الامتثال التفصيلي المطلوب عقلا و شرعا عليه) أي: أن يعرف ذلك، فانّ الانسان اذا لم يعرف شيئا لم يتمكن من الامتثال التفصيلي لذلك الشي‏ء، و الامتثال التفصيلي مطلوب عقلا، لأنّ العقل يلزم العبد بان يمتثل امتثالا تفصيليا ما أمره المولى مع تمكنه، كما أن الشرع اتّبع العقل في ذلك من باب الارشاد، لا من باب انّه امر مولوي.

(و لذا) أي: لاجل ما ذكرناه: من لزوم الامتثال التفصيلي عقلا و شرعا (أجمعوا ظاهرا) أي: على الظاهر أنهم اجمعوا (: على عدم كفاية الامتثال الاجمالي مع التمكّن عن التفصيلي، بانّ) يقدّم التفصيلي على الاجمالي، و إنّما يلتجئ الى الاجمالي اذا لم يتمكّن من التفصيلي، فلو كان‏ (يتمكن من الصلاة الى القبلة في مكان، و يصلّي في مكان آخر غير معلوم القبلة الى أربع جهات) فانّه لا يجوز الثاني مع التمكن من الأول.

و كذلك فيما ذكره من المثال الآخر بقول: (أو يصلّي في ثوبين مشتبهين أو أكثر، مرّتين أو أكثر، مع امكان صلاة واحدة في ثوب معلوم الطّهارة) فانّه يلزم عليه أن يصلي في الثوب الطاهر المعلوم الطهارة، دون أن يأتي بصلاتين في‏

22

الى غير ذلك-.

ففيه: إنّ ذلك انّما هو مع التمكّن من العلم التفصيليّ.

و أمّا مع عدم التمكّن منه، كما فيما نحن فيه، فلا دليل على ترجيح الامتثال التفصيلي الظنّي على الامتثال الاجمالي العلمي، اذ لا دليل على ترجيح صلاة واحدة في مكان الى جهة مظنونة على الصلاة المكرّرة في مكان مشتبه الجهة،

____________

ثوبين مشتبهين احدهما طاهر.

(الى غير ذلك) من الامثلة، كما اذا كان هناك ماءان أحدهما مضاف، و ماء مقطوع الاطلاق، فانّه لا يجوز للانسان الغسل أو الوضوء بذينك الماءين و هو قادر على انّ يغتسل أو يتوضأ بالماء المعلوم الاطلاق.

لكن لا يخفى: إن هذا لو قلنا به فانّما هو في العبادات المحتاجة الى قصد القربة، و الّا فتطهير يده بماءين احدهما مضاد مع تمكنه من الماء المطلق لا بأس به.

(ففيه:) هذا جواب قوله: و إن كان اعتبارها لأجل توقف الامتثال التفصيلي‏ (إنّ ذلك) أي: تقدّم الامتثال التفصيلي على الامتثال الاجمالي‏ (إنّما هو مع التمكّن من العلم التفصيلي) كما ذكره في الامثلة المتقدّمة.

(و أمّا مع عدم التمكّن منه) أي: من العلم التفصيلي‏ (كما فيما نحن فيه) حيث المفروض انسداد باب العلم‏ (فلا دليل على ترجيح الامتثال التفصيلي الظني على الامتثال الاجمالي العلمي).

فلو دار العلم بين امتثال تفصيلي ظنّي، أو امتثال اجمالي علمي، فلا دليل على تقدّم الظنّي على العلمي‏ (اذ لا دليل على ترجيح صلاة واحدة في مكان الى جهة مظنونة، على الصلاة المكرّرة في مكان مشتبه الجهة) فاذا ظنّ- مثلا- بأنّ جهة

23

بل بناء العقلاء في إطاعاتهم العرفيّة على ترجيح العلم الاجمالي على الظنّ التفصيليّ.

و بالجملة، فعدم جواز الاحتياط مع التمكّن من تحصيل الظنّ ممّا لم يقم له وجه؛ فان كان و لا بدّ من اثبات العمل بالظنّ فهو بعد تجويز الاحتياط و الاعتراف برجحانه و كونه مستحبا، بل لا يبعد ترجيح الاحتياط على الظن الخاصّ الذي قام الدليل عليه بالخصوص،

____________

الجنوب القبلة، و علم أنّه اذا صلى الى اربع جهات أدرك القبلة قطعا، فلا دليل على تقدّم الصلاة الى جهة الجنوب من الصلاة الى أربع جهات، و هكذا في سائر موارد الدّوران بين الظنّ و بين العلم الاجمالي.

(بل بناء العقلاء في إطاعاتهم العرفية على ترجيح العلم الاجمالي على الظنّ التفصيلي) و لا دليل على انّ الشارع قد غيّر هذه الطريقة، فاللازم أن تكون الطريقة الشرعيّة في الامتثال الشرعي، كالطريقة العرفيّة في الامتثال العرفي.

(و بالجملة: فعدم جواز الاحتياط مع التمكّن من تحصيل الظنّ، ممّا لم يقم له وجه) عقليّ و لا شرعيّ.

و عليه: (فانّ كان و لا بدّ من إثبات العمل بالظنّ) و إنّه بعد انسداد باب العلم يعمل بالظن‏ (فهو) أي: اثبات العمل بالظنّ، يكون‏ (بعد تجويز الاحتياط، و الاعتراف برجحانه) أي: رجحان الاحتياط (و كونه مستحبا) أي: محبوبا.

(بل لا يبعد ترجيح الاحتياط على الظنّ الخاص الّذي قام الدّليل عليه بالخصوص) كما اذا كان في الصحراء و لم يعلم جهة القبلة، فقام شاهدان على إنّ جهة القبلة: الجنوب، فانّه يرجّح الصلاة الى أربع جهات على الصلاة الى الجهة التي قامت عليها البيّنة.

24

فتأمّل.

نعم، الاحتياط مع التمكّن من العلم التفصيلي في العبادات ممّا انعقد الاجماع ظاهرا على عدم جوازه، كما أشرنا اليه في أول الرّسالة، في مسألة اعتبار العلم الاجمالي و أنّه كالتفصيليّ من جميع الجهات أم لا، فراجع.

و مما ذكرنا ظهر أنّ القائل بانسداد باب العلم و انحصار المناط في مطلق الظنّ ليس له أنّ يتأمّل في صحّة عبادة تارك طريقيّ‏

____________

(فتأمل) و لعلّ وجهه: انّ الظنّ الخاص كالعلم، و كما لا يجوز تقديم الاحتياط على العلم، كذلك لا يجوز تقديم الاحتياط على الظنّ الخاص، ففرق بين الظنّ الخاص و الظنّ الانسدادي، فلا يتم ما ذكره المصنّف بقوله: ب «لا يبعد ترجيح الاحتياط على الظنّ الخاص».

و على أي حال: فالاحتياط ليس ممنوعا مع وجود الظنّ العام أو الظنّ الخاص.

(نعم، الاحتياط مع التمكّن من العلم التفصيلي في العبادات، ممّا انعقد الاجماع) انعقادا (ظاهرا) لأنّا لا نقطع بوجود هذا الاجماع أيضا (على عدم جوازه) أي: الاحتياط (كما أشرنا اليه في أوّل الرّسالة في مسألة اعتبار العلم الاجمالي، و انّه كالتفصيلي مع جميع الجهات أم لا؟) فقد سبق: إنّ العلم الاجمالي ليس كالعلم التفصيليّ من جميع الجهات، بل العلم التفصيلي يقدّم على الاحتياط بخلاف العلم الاجمالي‏ (فراجع) ما اشرنا اليه هناك.

(و ممّا ذكرنا: ظهر أنّ القائل بانسداد باب العلم) بالإحكام و إنّه ليس هناك علم و لا علمي بغالب الاحكام الشرعيّة (و انحصار المناط في مطلق الظنّ) و إنّه يلزم أن نعمل بالظنّ العام في الأحكام‏ (ليس له أن يتأمل في صحّة عبادة تارك طريقي‏

25

الاجتهاد و التقليد اذا أخذ بالاحتياط، لانّه لم يبطل عند انسداد باب العلم الّا وجوب الاحتياط، لا جوازه أو رجحانه.

فالأخذ بالظنّ عنده و ترك الاحتياط عنده من باب الترخيص و رفع العسر و الحرج، لا من باب العزيمة.

____________

الاجتهاد و التقليد اذا أخذ بالاحتياط) فانّ لازم قوله هذا، إنّه يجوز للإنسان أن يحتاط بين فتاوى الفقهاء، فلا يأخذ طريق الاجتهاد حتى يجتهد، فيكون ظانا بالأحكام و لا طريق التقليد فيقلّد بما يوجب ظنّه بالأحكام.

و إنّما له أن يأخذ بالاحتياط (لأنّه لم يبطل) فاعله ما يأتي من قوله: الّا وجوب الاحتياط (- عند انسداد باب العلم- الّا وجوب الاحتياط لا جوازه أو رجحانه) و الضمير «أن» يعودان الى الاحتياط.

(فالأخذ بالظنّ عنده و ترك الاحتياط عنده) أي: عند الانسدادي‏ (من باب الترخيص و رفع العسر و الحرج، لا من باب العزيمة) كما هو الشأن في جميع أقسام العسر و الحرج، حيث يجوز للإنسان أن يترك الحكم الحرجي، لا أنّه يجب عليه.

نعم، فيما اذا كان الحرج و العسر بحيث لا يرضى به الشارع اطلاقا، يكون الأمر من باب العزيمة لا الرّخصة، كما اذا كان الصوم عليه عسرا شديدا بحيث يؤدّي الى فقد بصره أو ما اشبه ذلك، فانّه لا يجوز له الصوم، و لذا قسّم الفقهاء الصوم الى: واجب، و حرام، و جائز، لانّه قد يكون ترك الصوم رخصة و قد يكون ترك الصوم عزيمة.

ثم حيث أشكل المستشكل على الاحتياط بأنّه ينافي قصد الوجه ردّه المصنّف بما يلي:

أوّلا: إنّه لا دليل على لزوم الوجه.

26

و ثالثا: سلّمنا تقديم الامتثال التفصيليّ و لو كان ظنيّا على الاجماليّ، و لو كان علميّا، لكنّ الجمع ممكن بين تحصيل الظنّ، في المسألة و معرفة الوجه ظنّا و القصد على وجه الاعتقاد الظنيّ و العمل على الاحتياط.

مثلا، اذا حصل الظنّ بوجوب القصر في ذهاب أربعة فراسخ، فيأتي بالقصر بالنيّة الظنيّة الوجوبية و يأتي بالاتمام بقصد القربة احتياطا.

و كذلك اذا حصل الظنّ بعدم وجوب السورة في الصلاة، فينوي الصلاة الخالية عن السورة على وجه الوجوب،

____________

ثانيا: إنّه على تقدير لزومه، إنّما فيما اذا علم الوجه، لا ما اذا جهله كحالة الانسداد.

(و ثالثا:) إنّه يمكن للمكلّف أن يجمع بين الاحتياط و بين قصد الوجه، فيجمع بين الاحتياط في العمل و بين العمل بالظن، كما قال:

(سلّمنا تقديم الامتثال التفصيلي و لو كان ظنيّا، على الاجمالي و لو كان علميّا لكن الجمع ممكن بين تحصيل الظنّ في المسألة) حسب الانسداد (و معرفة الوجه ظنّا و القصد) اليه، أي: الى ذلك الوجه‏ (على وجه الاعتقاد الظني و) بين‏ (العمل على الاحتياط) فالعمل بالظنّ الانسدادي لا ينافي الاحتياط عملا.

(مثلا: اذا حصل الظنّ بوجوب القصر في ذهاب أربعة فراسخ) و رجوع أربعة فراسخ، و انّه لا يحتاج القصر الى ذهاب ثمانية فراسخ امتدادا (فيأتي بالقصر بالنيّة الظنّية الوجوبيّة) حسب الظنّ الانسدادي‏ (و يأتي بالاتمام بقصد القربة احتياطا) و بذلك يجمع بين الظنّ و الاحتياط.

(و كذلك اذا حصل الظنّ بعدم وجوب السورة في الصلاة، فينوي الصّلاة الخالية عن السورة على وجه الوجوب) أي: إنّ الصلاة الخالية عن السورة واجبة

27

ثم يأتي بالسورة قربة الى اللّه للاحتياط.

و رابعا: لو أغمضنا عن جميع ما ذكرنا فنقول: إنّ الظنّ إذا لم يثبت حجّيته فقد كان اللازم بمقتضى العلم الاجماليّ بوجود الواجبات و المحرّمات في الوقائع المشتبهة هو الاحتياط، كما عرفت سابقا. فاذا وجب الاحتياط حصل معرفة وجه العبادة و هو الوجوب، و تأتي نيّة الوجه الظاهريّ كما تأتي في جميع الموارد التي يفتي فيها الفقهاء بالوجوب من‏

____________

(ثم يأتي بالسورة قربة الى اللّه تعالى للاحتياط) فانّه جمع بين العمل بالظنّ، و بين العمل بالاحتياط.

(و رابعا: لو أغمضنا عن جميع ما ذكرنا) من الوجوه الثلاث في رد إشكال المستشكل على الاحتياط بأنّه ينافي الوجه.

(فنقول:) إنّكم قلتم: لا تأتي الانسدادي بالاحتياط لأنّه ينافي الوجه، فيعمل بالعمل الظنيّ ليحرز الوجه، و نحن نقول: إذا أتى الانسدادي بالظّن فالوجه ظاهري لا واقعي، و مع الاحتياط أيضا يكون الوجه ظاهريا لا واقعيا، فأي فرق بين العمل بالظّن أو بالاحتياط من جهة الوجه؟.

و ذلك‏ (إنّ الظّن إذا لم يثبت حجّيته، فقد كان اللازم بمقتضى العلم الاجمالي بوجود الواجبات و المحرّمات في الوقائع المشتبهة: هو الاحتياط- كما عرفت سابقا-) لأنّ الانسان إذا لم يتمكن من الامتثال التفصيلي، وجب عليه الامتثال الاجمالي بالاحتياط في أطرافه‏ (فاذا وجب الاحتياط حصل معرفة وجه العبادة:

و هو الوجوب) لأنّه وجب عليه الاحتياط حينئذ.

(و) بذلك‏ (تأتي نيّة الوجه الظّاهري) حينما علم بالوجوب‏ (كما تأتي في جميع الموارد التي يفتي فيها الفقهاء بالوجوب من‏

28

باب الاحتياط و استصحاب الاشتغال، فتأمّل.

فتحصّل ممّا ذكرنا أن العمدة في ردّ الاحتياط هو ما تقدّم من الاجماع و لزوم العسر دون غيرهما، إلّا أنّ هناك شيئا ينبغي أن ينبّه عليه، و هو

____________

باب الاحتياط و استصحاب الاشتغال) فانّه كما يأتي الوجه في الاحتياط و في الاستصحاب الفقهائي، كذلك يأتي في الاحتياط الانسدادي.

و الحاصل: إنّه يمكن قصد الوجه مع الاحتياط، و إن كان هو الوجه الظاهري لا الواقعي، كما يمكن مع العمل بالظّن ذلك، إذ مع وجوب الاحتياط يجب الفعل أو الترك فيأتي بالفعل أو يتركه بهذا الوجه الظاهري، و في باب الظن الانسدادي لا يتمكن أن يحصل الانسان أكثر من الوجه الظاهري، فكما يكفي في باب الظّن الوجه الظاهري، كذلك يكفي في باب الاحتياط الوجه الظاهري.

(فتأمّل) قال الآشتياني في وجه التأمل: قد يناقش في هذا الوجه الرابع: بأن وجوب كل من المحتملين أو المحتملات في موارد العلم الاجمالي وجوب عقلي ارشادي محض، لا دخل له بوجوب المعلوم بالاجمال في حكم الشارع، فقصد هذا الوجوب كمعرفته ليس قصدا للوجوب الواقعي يقينا، كما إن معرفته ليست معرفة له، فلا يجدي على القول بوجوب معرفة الوجه أو قصد الوجه جدا.

(فتحصّل ممّا ذكرنا: انّ العمدة في ردّ الاحتياط) و إنّه لا يجب الاحتياط عند انسداد باب العلم و العلميّ بإتيان جميع المظنونات و المشكوكات و الموهومات‏ (هو ما تقدّم: من الاجماع و لزوم العسر، دون غيرهما) ممّا ذكروه لردّ الاحتياط.

(إلّا أنّ هناك شيئا ينبغي أن ينبّه عليه، و هو) ما حاصله: إن القائلين بالانسداد يقولون بحجّية الظّن المطلق كالعلم، و بترك المشكوكات و الموهومات رأسا، و الحال إنّ ما استدلّوا به من الاجماع و العسر على عدم الاحتياط التام في جميع‏

29

أنّ نفي الاحتياط بالاجماع و العسر لا يثبت إلّا أنّه لا يجب مراعاة جميع الاحتمالات مظنونها و مشكوكها و موهومها.

و يندفع العسر بترخيص موافقة الظنون المخالفة للاحتياط كلا أو بعضا بمعنى عدم وجوب مراعاة الاحتمالات الموهومة،

____________

المظنونات و المشكوكات و الموهومات، لا يدل إلّا على ترك الاحتياط بقدر العسر، فإذا كان هناك الف مسألة- مثلا- ثلثها مظنونات، و ثلثها موهومات، و ثلثها مشكوكات، و كان العسر في الثلث فقط، ترك الموهومات و أتى بالمظنونات و المشكوكات، أو في السدس فقط، ترك نصف الموهومات و أتى بالمظنونات و المشكوكات، و نصف الموهومات، أو في الثلثان فقط، ترك الموهومات و المشكوكات معا، و هكذا.

إذن: فلا يكون نتيجة دليل الانسداد العمل بالظّن، بل ترك العسر من العمل بالاحتياط المطلق، و يعمل بما بقي، سواء كان ما بقي مظنونا فقط أو مع المشكوكات أو مع بعض الموهومات أيضا.

هذا بعض ما ذكره المصنّف، و يأتي بعضه الآخر فيما بعد إنشاء اللّه تعالى، أما ما ذكره الآن فهو: (انّ نفي الاحتياط بالاجماع و العسر لا يثبت) هذا الظن‏ (إلّا انّه لا يجب مراعاة جميع الاحتمالات مظنونها و مشكوكها و موهومها).

(و يندفع العسر) عن المكلّف‏ (بترخيص) المكلّف‏ (موافقة الظّنون المخالفة للاحتياط كلا أو بعضا) فاذا لم يكن عسر في كل الظّنون عمل بكل الظنون، و إذا كان في كل الظنون عسر عمل ببعض الظّنون القوية و ترك الظّنون الضعيفة.

و عليه: فليس رفع العسر دليلا لحجية الظنّ مطلقا، بل هو (بمعنى: عدم وجوب مراعاة الاحتمالات الموهومة) التي هي تقابل الظّنون، فإذا ظن- مثلا-

30

لأنّها الأولى بالاهمال.

إذا ساغ لدفع الحرج ترك الاحتياط في مقدار ما من المحتملات يندفع به العسر، و يبقى الاحتياط على حاله في الزائد على هذا المقدار. لما تقرّر في مسألة الاحتياط، من أنّه إذا كان مقتضى الاحتياط هو الاتيان بمحتملات و قام الدّليل الشرعيّ على عدم وجوب إتيان بعض المحتملات في الظاهر،

____________

بألف حكم وجوبي، فإن في طرف هذه الظّنون ألف وهم وجوبي أيضا، مثل إنّه ظنّ بوجوب الجمعة و وهم وجوب الظهر، فانّه يأتي بالجمعة لمكان الظّنّ و يترك الظهر لمكان الوهم، لأن إتيانه بألفي حكم عسر، فإن لم يكن عسر في الألفين الزم الاتيان بالجميع.

و إنّما يترك الوجوبات الموهومة و يأتي بالوجوبات المظنونة فقط (لأنّها) أي:

الاحتمالات الموهومة هي‏ (الأولى بالاهمال، إذا ساغ- لدفع الحرج- ترك الاحتياط) «و ترك الاحتياط»: فاعل «ساغ» أي: إذا جاز ترك الاحتياط (في مقدار ما من المحتملات، يندفع به) أي: بترك الاحتياط في ذلك المقدار (العسر) فاعل «يندفع» (و يبقى الاحتياط على حاله في الزائد على هذا المقدار).

و إنّما نقول: بأنّ دليل الاحتياط لا يثبت الظنّ و إنّما يسقط العسر فقط، و لذا يسقط بعض الظنّ أيضا، و قد يثبت بعض الشك أيضا (لما تقرر في مسألة الاحتياط: من انّه إذا كان مقتضى الاحتياط هو الاتيان بمحتملات) عدة (و قام الدّليل الشرعي على عدم وجوب إتيان بعض المحتملات في الظّاهر) أي لا واقعا.

و إنّما قال في الظاهر: لأنه من المحتمل الوجوب في الواقع بالنسبة الى هذا

31

تعيّن مراعاة الاحتياط في باقي المحتملات و لم يسقط وجوب الاحتياط رأسا.

توضيح ما ذكرنا: إنّا نفرض المشتبهات التي علم إجمالا بوجود الواجبات الكثيرة فيها بين مظنونات الوجوب و مشكوكات الوجوب و موهومات الوجوب، و كان الاتيان بالكلّ عسرا أو قام الاجماع على عدم وجوب الاحتياط في الجميع تعيّن ترك الاحتياط و إهماله في موهومات الوجوب،

____________

الذي يريد تركه، كما إذا كان له عشرة ثياب أحدها طاهر، لكنّه لا يتمكن من عشر صلوات في كل الثياب لمكان العسر، و إنّما يتمكن من تسع صلوات، فاذا أتى بتسع صلوات كانت العاشرة لاجل العسر غير واجبة في الظاهر، لكن من المحتمل وجوبها في الواقع، بأن كان الثوب العاشر هو الطاهر، و الذي كان يكلّف بالصلاة فيه لو كان عالما بالواقع.

إذن: ففي صورة عسر بعض المحتملات‏ (تعيّن مراعاة الاحتياط في باقي المحتملات، و لم يسقط وجوب الاحتياط رأسا) فان العسر بقدره يسقط من الموهومات و المشكوكات و حتى من المظنونات، لا إنّه يجعل الظنّ حجّة مطلقا، كما يدعيه من يقول بحجّية الظّن الانسدادي.

(توضيح ما ذكرنا: إنّا نفرض المشتبهات الّتي علم إجمالا بوجود الواجبات) و المحرمات‏ (الكثيرة فيها، بين مظنونات الوجوب، و مشكوكات الوجوب، و موهومات الوجوب) و كذلك بالنسبة إلى مظنونات التحريم و مشكوكاته و موهوماته‏ (و كان الاتيان بالكلّ عسرا، أو قام الاجماع على عدم وجوب الاحتياط في الجميع) بأن قام الاجماع على نفي الاحتياط لا على حجّية الظّن مطلقا (تعيّن ترك الاحتياط و إهماله في موهومات الوجوب) فقط إذا كان ترك‏

32

بمعنى أنّه اذا تعلّق ظنّ بعدم الوجوب لم يجب الاتيان.

و ليس هذا معنى حجّية الظنّ، لأنّ الفرق- بين المعنى المذكور، و هو أنّ مظنون عدم الوجوب لا يجب الاتيان به، و بين حجّية الظنّ بمعنى كونه في الشريعة معيارا لامتثال التكاليف الواقعية نفيا و إثباتا.

و بعبارة اخرى: الفرق بين تبعيض الاحتياط في الموارد المشتبهة و بين جعل الظن فيها حجّة- هو أنّ الظنّ إذا كان حجّة في الشرع، كان الحكم في الواقعة الخالية عنه الرجوع إلى ما يقتضيه الأصل في تلك الواقعة

____________

الموهومات ينفي العسر، أما المشكوكات و المظنونات فيأتي بهما لعدم العسر فيهما.

و إنّما قلنا: يتعين ترك الاحتياط في الموهومات‏ (بمعنى: انّه إذا تعلّق ظنّ بعدم الوجوب، لم يجب الاتيان) كما مثلنا له بالظنّ بوجوب الجمعة، و الوهم بوجوب الظهر، فانّه يأتي بمظنون الوجوب و يترك موهوم الوجوب.

(و ليس هذا) الترك للعسر، هو (معنى حجّية الظنّ) كما عرفت‏ (لأنّ الفرق بين المعنى المذكور و هو: إنّ مظنون عدم الوجوب لا يجب الاتيان به، و بين حجّية الظّن بمعنى: كونه في الشريعة معيارا لامتثال التكاليف الواقعية نفيا و اثباتا) فيكون الظّنّ قائما مقام العلم فإنّ الفرق بينهما واضح.

(و بعبارة أخرى: الفرق بين تبعيض الاحتياط في الموارد المشتبهة، و بين جعل الظّن فيها حجّة) حيث إنّ الأول، ملازم لترك العسر، و الثاني، لا يلازم ترك العسر (هو: إنّ الظّن إذا كان حجّة في الشرع، كان الحكم في الواقعة الخالية عنه:

الرّجوع إلى ما يقتضيه الأصل في تلك الواقعة) فكما إنّه في حال الانفتاح يرجع‏

33

من دون التفات إلى العلم الاجماليّ بوجود التكاليف الكثيرة بين المشتبهات إذ حال الظنّ حينئذ كحال العلم التفصيليّ و الظن الخاصّ بالوقائع، فيكون الوقائع بين معلومة الوجوب تفصيلا أو ما هو بمنزلة المعلوم و بين مشكوكة الوجوب رأسا.

____________

الى الأصل فيما لم يكن علم، كذلك إذا كان الظّن حجّة في حال الانسداد يلزم الرجوع الى الأصل إذا لم يكن ظنّ.

هذا هو معنى حجّية الظّنّ بقول مطلق في حال الانسداد، و لكن ليس الأمر كذلك و إنّما يلزم نفي الأحكام بقدر العسر فقط، فاذا لم يكن ظنّ لكل كان العمل بالشك أو الوهم غير عسير، لزم العمل بهما لا العمل بالأصل.

و الحاصل: إنّا نعمل بالظنّ و نترك ما سواه‏ (من دون التفات إلى العلم الاجمالي بوجود التكاليف الكثيرة بين المشتبهات) و إن لم يكن عسر في غير المظنونات أيضا (إذ حال الظّن حينئذ) أي: إذا كان الظنّ حجة في الشرع‏ (كحال العلم التفصيليّ و) كحال‏ (الظّن الخاص بالوقائع) كالخبر الواحد عند من يراه حجة، فكما نأخذ بالخبر و نترك ما سواه للاصول، و نأخذ بالعلم و نعمل فيما سواه بالاصول، كذلك إذا كان الظّنّ حجّة نأخذ بالظّن و نعمل بالاصول فيما سوى المظنونات.

و عليه: (ف) كما انّه‏ (يكون الوقائع بين معلومة الوجوب تفصيلا، أو ما هو بمنزلة المعلوم) فيما إذا كان خبر الواحد حجّة (و بين مشكوكة الوجوب رأسا) و يرجع في مشكوك الوجوب إلى البراءة في موردي: العلم، و ما كان بمنزلة العلم، يكون الظنّ حينئذ كذلك، بأن يكون المظنون حجّة، و فيما عدا المظنون يرجع‏

34

و أمّا إذا لم يكن الظنّ حجّة- بل كان غاية الأمر، بعد قيام الاجماع و نفي الحرج على عدم لزوم الاحتياط في جميع الوقائع المشتبهة التي علم إجمالا بوجود التكاليف بينها، عدم وجوب الاحتياط بالاتيان بما ظن عدم وجوبه، لأنّ ملاحظة الاحتياط في موهومات الوجوب خلاف الاجماع و موجب للعسر- كان اللازم في الواقعة الخالية عن الظنّ الرجوع الى ما يقتضيه العلم الاجمالي-

____________

الى البراءة.

(و أما إذا لم يكن الظّن حجّة) لأنّه لا دليل على حجّية الظّن‏ (بل كان غاية الأمر- بعد قيام الاجماع، و نفي الحرج على عدم لزوم الاحتياط في جميع الوقائع المشتبهة) من الوقائع‏ (التي علم إجمالا بوجود التكاليف بينها- عدم وجوب الاحتياط) و «عدم» خبر قوله: «بلّ كان غاية الأمر» أي: غاية الأمر: عدم وجود الاحتياط (بالاتيان بما ظنّ عدم وجوبه) أي: بالموهومات، كما مثّلنا له سابقا بالظّن بعدم وجوب الظهر في يوم الجمعة.

و عليه: فمعنى عدم وجوب الاحتياط: انّه لا يأتي بالظهر الموهوم وجوبه‏ (لأن ملاحظة الاحتياط في موهومات الوجوب خلاف الاجماع، و موجب للعسر) فالاجماع و العسر يرفعان الاحتياط في الموهومات، فإذا كانت المظنونات يجب العمل بها فالموهومات لا يجب العمل بها.

ثم يبقى العمل بالمشكوكات لأنّ المشكوكات طرف للاحتياط و العلم الاجمالي أيضا، و هو ما أشار اليه بقوله: (كان اللازم في الواقعة الخالية عن الظّن) أي: الظن بعدم التكليف، سواء ظنّ بالتكليف أو شك فيه، و المراد هنا: الشك في التكليف، فاللازم حينئذ في المشكوكات‏ (الرّجوع الى ما يقتضيه العلم الاجمالي‏

35

المذكور من الاحتياط، لأنّ سقوط الاحتياط في سلسلة الموهومات لا يقتضي سقوطه في المشكوكات، لاندفاع الحرج بذلك.

و حاصل ذلك: انّ مقتضى القاعدة العقليّة و النقليّة لزوم الامتثال العلميّ التفصيليّ للأحكام و التكاليف المعلومة إجمالا.

و مع تعذّره يتعيّن الامتثال العلميّ الاجماليّ، و هو الاحتياط المطلق.

و مع تعذّره لو دار الأمر بين الامتثال الظنّيّ في الكلّ و بين‏

____________

المذكور: من الاحتياط).

إذن: فليس كما قلتم أنتم الانسداديون: بأنّ اللازم: الظّن فقط، بل اللازم:

الظن و الشك معا لأنّ كلا من الظنّ و الشك طرف للعلم الاجمالي، و ذلك‏ (لأنّ سقوط الاحتياط في سلسلة الموهومات) للاجماع و العسر (لا يقتضي سقوطه) أي سقوط الاحتياط (في المشكوكات) و إنّما لا يسقط في المشكوكات‏ (لاندفاع الحرج بذلك) أي: بسقوط الاحتياط في سلسلة الموهومات.

(و حاصل ذلك:) أي الدّليل العقلي في كيفية الامتثال‏ (إنّ مقتضى القاعدة العقليّة و النقليّة: لزوم الامتثال العلميّ التفصيليّ للأحكام، و) لزوم إتيان‏ (التكاليف المعلومة إجمالا) لأنّا نعلم إجمالا بأحكام كثيرة، ثم نرجع إلى الامتثال العلمي التفصيلي فنجده بقدر الكفاية، و هذا أول المراحل.

(و مع تعذره) أي: تعذر الامتثال العلمي التفصيلي بأن لم يكن بقدر الكفاية (يتعيّن الامتثال العلميّ الاجماليّ، و هو الاحتياط المطلق) في جميع المظنونات و المشكوكات و الموهومات، و هذا ثاني المراحل.

(و مع تعذّره) لأنّ الانسان لا يتمكن من الاحتياط المطلق‏ (لو دار الأمر بين الامتثال الظّني في الكل) بأن يعمل بالظنّ فقط و يترك المشكوك و الموهوم‏ (و بين‏

36

الامتثال العلميّ الاجماليّ في البعض، و الظنّيّ في الباقي كان الثاني هو المتعيّن عقلا و نقلا.

ففيما نحن فيه إذا تعذّر الاحتياط الكلّيّ و دار الأمر بين إلغائه بالمرّة و الاكتفاء بالاطاعة الظنيّة و بين إعماله في المشكوكات و المظنونات و إلغائه في الموهومات كان الثاني هو المتعيّن.

و دعوى لزوم الحرج أيضا من الاحتياط في المشكوكات، خلاف الانصاف،

____________

الامتثال العلمي الاجمالي في البعض، و الظّنّي في الباقي) بأن يعمل بالظّنّ و الشك، و يترك الوهم فقط (كان الثاني هو المتعيّن عقلا و نقلا) و ذلك لأنّ العلم الاجمالي يلزمه بالاحتياط ما دام لم يكن عسرا، و الاحتياط ممكن في المظنونات و المشكوكات، فلما ذا يترك في المشكوكات؟.

و عليه: فليس مقتضى دليل الانسداد: حجّية الظّنّ فقط، بلّ حجّية المظنونات و المشكوكات و ترك الموهومات فقط.

إذن: (ففيما نحن فيه) حيث انسد باب العلم و العلمي‏ (إذا تعذّر الاحتياط الكلّي) في جميع الموهومات و المشكوكات و المظنونات‏ (و دار الامر بين إلغائه) أي: الاحتياط (بالمرّة، و الاكتفاء بالاطاعة الظّنية) فقط (و بين إعماله) أي:

الاحتياط (في المشكوكات و المظنونات، و إلغائه) أي: الاحتياط (في الموهومات، كان الثاني) و هو: إعمال الاحتياط في المشكوكات و المظنونات‏ (هو المتعيّن) لما عرفت: من إنّه مقتضى الاحتياط.

(و دعوى لزوم الحرج أيضا من الاحتياط في المشكوكات) فاللازم الاحتياط في المظنونات فقط و ترك الموهومات و المشكوكات‏ (خلاف الانصاف).

37

لقلّة المشكوكات، لأنّ الغالب حصول الظنّ إمّا بالوجوب و إمّا بالعدم.

اللّهم إلّا أن يدّعى قيام الاجماع على عدم وجوب الاحتياط في المشكوكات أيضا.

و حاصله: دعوى أنّ الشارع لا يريد الامتثال العلميّ الاجماليّ في التكاليف الواقعية المشتبهة بين الوقائع.

فيكون حاصل الاجماع دعوى انعقاده على أنّه لا يجب شرعا إلا طاعة العلميّة الاجماليّة في الوقائع المشتبهة مطلقا، لا في الكلّ و لا في البعض.

____________

و إنّما كان خلاف الانصاف‏ (لقلة المشكوكات).

و إنّما كانت المشكوكات قليلة (لأن الغالب حصول الظّنّ إمّا بالوجوب و إمّا بالعدم) و هكذا حصول الظّنّ إمّا بالحرمة، و إمّا بعدم الحرمة.

(اللّهم إلّا أن يدّعى قيام الاجماع على عدم وجوب الاحتياط في المشكوكات أيضا) و حينئذ يكون دليل الانسداديين بضميمة الاجماع دالا عليب حجّية الظّن فقط، من دون أن يكون الواجب على الانسان العمل بالمشكوكات أيضا.

(و حاصله:) أي: حاصل الاجماع المذكور (دعوى انّ الشارع لا يريد الامتثال العلمي الاجمالي في التكاليف الواقعية المشتبهة بين الوقائع) و إنّما يريد الشارع الامتثال العلمي الاجمالي في التكاليف التي هي مشتبهة بين المشكوكات أو بين الموهومات فلا يريدها الشارع.

و عليه: (فيكون حاصل الاجماع: دعوى انعقاده) أي: انعقاد الاجماع‏ (على انّه لا يجب شرعا) الاحتياط التام و هو: (الاطاعة العلميّة الاجماليّة في الوقائع المشتبهة مطلقا) فلا يريد الشارع كل الوقائع المشكوكة (لا في الكل) الشامل للموهومات و المشكوكات و المظنونات‏ (و لا في البعض) الشامل للمشكوكات‏

38

و حينئذ: تعيّن الانتقال إلى الاطاعة الظنيّة.

لكن الانصاف: أنّ دعواه مشكلة جدّا و إن كان تحققه مظنونا بالظنّ القويّ، لكن لا ينفع ما لم ينته إلى حدّ العلم.

فان قلت:

____________

و الموهومات، فكأنّ الشارع قال: لا أريد منك كلّ التكاليف الواقعية حتى تحتاط في جميع المظنونات و المشكوكات و الموهومات، و لا أريد منك التكاليف الواقعية التي هي مشتبهة في المشكوكات و الموهومات.

(و حينئذ) أي: حين بطل الاحتياط المطلق، و بطل الاحتياط في المشكوكات و الموهومات‏ (تعيّن الانتقال إلى الاطاعة الظنيّة) فما ظنّ وجوبه فعله، و ما ظنّ حرمته تركه، أما ما شك في وجوبه أو حرمته، أو توهم وجوبه أو حرمته، فلا يعمل به.

هذا (لكنّ الانصاف إنّ دعواه) للاجماع هذه‏ (مشكلة جدا و إن كان تحقّقه) أي: تحقق مثل هذا الاجماع‏ (مظنونا بالظّنّ القوي، لكن لا ينفع) مثل هذا الظن القوي‏ (ما لم ينته الى حدّ العلم) لأنّه إثبات لحجّية الظّنّ بالظّنّ، و هو مصادرة- كما لا يخفى- إذ معناه: إنّ اللازم هو العمل بالظّنّ فقط لأنّا نظن بوجود الاجماع، و من المعلوم: إنّ الدليل إذا كان عين المدعى كان مصادرة.

(فان قلت:) إذا قام الاجماع على بطلان وجوب الاحتياط في المشكوكات و الموهومات، فاللازم الظنّ ببطلان الاحتياط فيهما و يكون المرجع في المشكوكات و الموهومات: الاصول الجارية في مورد الموهومات و المشكوكات، لأنّ العلم الاجمالي سقط بواسطة الاجماع، فتكون الاصول العمليّة مظنونة الاعتبار في المشكوكات و الموهومات، إذ لا فرق في نتيجة

39

إذا ظنّ بعدم وجوب الاحتياط في المشكوكات، فقد ظنّ بأنّ المرجع في كلّ مورد منها إلى ما يقتضيه الأصل الجاري في ذلك المورد، فتصير الاصول مظنونة الاعتبار في المسائل المشكوكة.

فالمظنون في تلك المسائل عدم وجوب الواقع فيها على المكلّف و كفاية الرّجوع إلى الاصول.

و سيجي‏ء أنّه لا فرق في الظنّ الثابت حجّيّته بدليل الانسداد بين الظنّ المتعلّق بالواقع و بين الظنّ المتعلّق بكون شي‏ء طريقا إلى الواقع‏

____________

الانسداد- كما سيأتي إنشاء اللّه تعالى- بين الظّنّ بالحكم أو الظّنّ بالطريق.

و من المعلوم: إنّ الظّنّ بالاصول العمليّة ظنّ بالطّريق، فأنّه قد يظنّ انّ اللازم- مثلا- صلاة الجمعة، و قد يظنّ إنّ الاستصحاب حجّة، و الاستصحاب يقول ببقاء وجوب الجمعة منذ زمان الرسول الى هذا اليوم، فالنتيجة: وجوب الجمعة أيضا.

و عليه: فانّه‏ (إذا ظن بعدم وجوب الاحتياط في المشكوكات، فقد ظنّ بانّ المرجع في كل مورد منها) أي: من المشكوكات‏ (إلى ما يقتضيه الأصل الجاري في ذلك المورد) من البراءة، أو الاحتياط، أو الاستصحاب، أو التخيير (فتصير الاصول) الأربعة هذه‏ (مظنونة الاعتبار في المسائل المشكوكة) التي قد شك في حكمها بانّها واجبة أو ليست بواجبة، أو إنّها محرمة أو ليست بمحرمة؟.

إذن: (فالمظنون في تلك المسائل) المشكوكة، هو: (عدم وجوب الواقع فيها على المكلّف) فلا يريد الشارع الواقع منه‏ (و كفاية الرّجوع الى الاصول) العملية فيها.

هذا (و سيجي‏ء: انّه لا فرق في الظن الثابت حجّيته بدليل الانسداد، بين الظن المتعلق بالواقع و بين الظنّ المتعلّق بكون شي‏ء طريقا الى الواقع) كالظّن بأنّ خبر

40

و كون العمل به مجزيا عن الواقع و بدلا عنه و لو تخلّف عن الواقع.

قلت:

____________

الواحد حجّة، أو الشهرة، أو الاجماع حجّة، أو إنّ الاصول يلزم العمل بها (و) بين الظنّ المتعلق ب (كون العمل به مجزيا عن الواقع و بدلا عنه) كالظنّ- مثلا- بوجوب الجمعة، حتى‏ (و لو تخلّف عن الواقع) هذا الظنّ.

و الحاصل لان قلت هو: إنّه لو قام الاجماع على عدم وجوب الاحتياط لزم منه الرّجوع في المشكوكات و الموهومات الى الاصول، و الاصول في المشكوكات و الموهومات مظنونة الاعتبار، فيكون الظنّ حجّة مطلقا: في المظنونات للانسداد، و في المشكوكات و الموهومات لجريان الأصل المستند ذلك الأصل الى الاجماع، و من المعلوم: إن الاجماع ظني الاعتبار، ففي الكل يكون المرجع:

الظنّ.

(قلت:) هذا الكلام منكم يبطل كون حجّية الظن من باب الانسداد لأنه صار الظّن حجّة من جهة الاجماع المذكور، إذ العمل بالاصول في المسائل المشكوكة و الموهومة فرع عدم العلم الاجمالي فيها، فانّه لو كان في المسائل المشكوكة و الموهومة علم إجمالي، لم يرجع فيها الى الاصول، بلّ كان اللازم فيها:

الاحتياط.

و العلم الاجمالي إنّما يرتفع إذا وجدت الحجّة في جملة من المسائل، و ذلك بان يكون هناك في بعض المسائل حجّة كافية، دون بعضها الآخر، فتكون تلك المسائل التي لا حجّة فيها مسرحا للأصول، و من المعلوم: إنّ الحجّة الكافية- بحسب الفرض- ليست إلّا الظّنّ الانسدادي.

و الحاصل: إن الاجماع على الاصول في المشكوكات و الموهومات معناه:

41

مرجع الاجماع، قطعيّا أو ظنيّا، على الرجوع في المشكوكات الى الاصول هو الاجماع على وجود الحجّة الكافية في المسائل التي انسدّ فيها باب العلم حتى تكون المسائل الخالية عنها موارد للاصول.

و مرجع هذا إلى دعوى الاجماع على حجّية الظنّ بعد الانسداد.

____________

الاجماع على حجّية الظّن في غير المشكوكات، فان‏ (مرجع الاجماع) سواء كان‏ (قطعيّا أو ظنيّا على الرّجوع في المشكوكات الى الاصول: هو الاجماع على وجود الحجّة الكافية في المسائل التي انسدّ فيها باب العلم، حتّى تكون المسائل الخالية عنها) أي: عن الحجّة الكافية (موارد للأصول) فانّ الاصول إنّما تجري فيما لا حجّة، و لازمه: أن توجد الحجّة في بعض المسائل دون البعض الآخر.

(و مرجع هذا) أي: مرجع وجود الحجّة الكافية في غير المشكوكات و الموهومات‏ (إلى دعوى الاجماع على حجّية الظن بعد الانسداد) لا بسبب الانسداد.

و الحاصل إنّ الظنّ يكون حجّة لكن لا بالاستناد الى الدّليل الانسدادي، بل بالاستناد الى الاجماع المذكور، و لهذا قال الآخوند (رحمه اللّه) في حاشيته على الرّسائل:

«انّه إثبات حجّية الظّن بغير دليل الانسداد، و هو ليس بالمراد، و إن شئت قلت: ان حاصل كلام الشيخ في قوله «قلت»: إنّكم إذا ادّعيتم الاجماع على الرجوع الى الاصول في المشكوكات و الموهومات كان إجماعكم هذا مبطلا لدليل الانسداد، لأنّ الاجماع المذكور يدلّ على حجّية الظّن في المظنونات، لا انّ الظّن يكون حجّة حينئذ بدليل الانسداد».

هذا و لا يخفى: انّ الكلام في المقام طويل- كما يظهر من حواشي الآخوند، و الآشتياني، و الأوثق، و غيرهم- و انّما اكتفينا بهذا القدر لعدم التشويش‏

42

فان قلت: إذا لم يقم في موارد الشك ما ظنّ طريقيّته، لم يجب الاحتياط في ذلك المورد من جهة كونه أحد محتملات الواجبات أو المحرّمات الواقعية و إن حكم بوجوب الاحتياط من جهة اقتضاء القاعدة في نفس المسألة؛ كما لو كان الشكّ فيه في المكلّف به.

____________

على ذهن الطالب.

(فان قلت) في موارد الشكّ- بالمعنى المصطلح- بالحكم، لا احتياط قطعا من جهة العلم الاجمالي العام، و ذلك للاجماع على عدم الاحتياط في موارد الشك، فاذا ظنّ بعدم الحكم كان أولى بعدم الاحتياط، لانّ الظنّ حجّة في حال الانسداد.

بالاضافة الى انّه لو كان شك اصطلاحي فلا حكم للمشكوك، لاجل الاجماع، فاذا ظنّ بعدم الحكم كان أولى بعدم لزوم الاحتياط، فانّه‏ (إذا لم يقم في موارد الشك) الاصطلاحي‏ (ما ظنّ طريقيّته) الى الواقع‏ (لم يجب الاحتياط في ذلك المورد من جهة كونه: أحد محتملات الواجبات أو المحرمات الواقعية) فانّ الاحتياط إنّما يكون من جهة العلم الاجمالي العام، و إنّما لا يجب الاحتياط للاجماع الذي سيأتي نقله.

و عليه: فالاحتياط لا يجب من تلك الجهة (و إن حكم بوجوب الاحتياط من جهة اقتضاء القاعدة في نفس المسألة، كما لو كان الشّك فيه) أي: في ذلك المورد (في المكلّف به) فاذا شك في وجوب الجمعة، لم يكن مقتضى العلم الاجمالي العام- بوجود أحكام في الفقه من أوله الى آخره- هو الاحتياط و إن لزم الاحتياط بالاتيان بالجمعة و الظهر معا، من جهة انّه يعلم وجوب صلاة عليه في يوم الجمعة و يشك في إنّ المكلّف به هل هو الظهر أو الجمعة؟.

43

و هذا إجماع من العلماء، حيث لم يحتط أحد منهم في مورد الشكّ من جهة احتمال كونه من الواجبات و المحرّمات الواقعيّة، و إن احتاط الاخباريّون في الشبهة التحريميّة من جهة مجرّد احتمال التحريم، فاذا كان عدم وجوب الاحتياط إجماعيّا مع عدم قيام ما يظنّ طريقيّته على عدم الوجوب، فمع قيامه لا يجب الاحتياط بالأولويّة القطعيّة.

____________

(و هذا) الذي ذكرناه: من انّه لا يجب الاحتياط في موارد الشك‏ (إجماع من العلماء، حيث لم يحتط أحد منهم في مورد الشّك) احتياطا (من جهة احتمال كونه من الواجبات و المحرّمات الواقعيّة) بل انّهم يجرون البراءة (و إن احتاط الاخباريون في الشّبهة التّحريميّة) لا في الشبهة الوجوبيّة.

مثلا: إذا شك في انّ التبغ حرام أم لا؟ الاخباريون يحتاطون بالترك، أمّا إذا شك في انّ الدّعاء عند رؤية الهلال واجب أم لا؟ فالاخباريون لا يحتاطون بالاتيان.

و أما الاصوليون فمجمعون على انّه لا احتياط إطلاقا، لا في الشبهة التحريمية و لا في الشبهة الوجوبيّة.

و الحاصل: انّ الاخباريين يحتاطون في الشبهة التحريميّة (من جهة مجرّد احتمال التّحريم) و إن لم يكن علم إجمالي، و إنّما يحتاطون بجهة بعض الأخبار التي ذكروا إنّهم استظهروا منها الاحتياط في الشبهات التحريمية.

و عليه: (فإذا كان عدم وجوب الاحتياط إجماعيّا مع عدم قيام ما يظنّ طريقيته على عدم الوجوب) أي: في مورد الشك الاصطلاحي‏ (فمع قيامه) أي: قيام ما يظنّ طريقيته على عدم الوجوب‏ (لا يجب الاحتياط بالأولويّة القطعيّة) فانّه إذا ظنّ بعدم الحكم، فهو أولى بعدم الاحتياط ممّا إذا شك في الحكم.

44

قلت: العلماء إنّما لم يذهبوا الى الاحتياط في موارد الشك، لعدم العلم الاجماليّ لهم بالتكاليف، بلّ الوقائع لهم بين معلوم التكليف تفصيلا أو مظنون لهم بالظنّ الخاصّ و بين مشكوك التكليف رأسا؛ و لا يجب الاحتياط في ذلك عند المجتهدين بل عند غيرهم في الشبهة الوجوبيّة.

و الحاصل: أنّ موضوع عمل العلماء القائلين بانفتاح باب العلم أو الظنّ‏

____________

(قلت:) الاجماع الذي ادعيتموه، ليس مورده ما نحن فيه- و هو حال الانسداد- بل مورده حال الانفتاح، فسحبه الى مورد الانسداد يكون بلا مجوّز، فان‏ (العلماء إنّما لم يذهبوا الى الاحتياط في موارد الشكّ، لعدم العلم الاجمالي لهم بالتّكاليف) فانّ العلم الاجمالي العام منحل عندهم الى أطراف معلومة الحكم و أطراف مشكوكة، ففي معلومة الحكم يعملون حسب ذلك الحكم، و في الأطراف المشكوكة يعملون بالبراءة، كما قال: (بلّ الوقائع لهم بين معلوم التكليف تفصيلا أو مظنون لهم بالظّن الخاص) كالخبر الواحد، و الاجماع، و ما أشبه ذلك ممّا هو حجّة (و بين مشكوك التكليف رأسا) و مشكوك التكليف في هذه الحالة هو مجرى البراءة (و لا يجب الاحتياط في ذلك) أي: في مشكوك التكليف‏ (عند المجتهدين) مطلقا، لا في الشبهة التحريمية و لا في الشبهة الوجوبية.

(بل عند غيرهم) من الاخباريين أيضا (في الشّبهة الوجوبيّة) فانّ الاخباريين و إن قالوا بوجوب الاحتياط في الشبهة التحريمية، لكنّهم متفقون مع المجتهدين في عدم وجوب الاحتياط في الشبهة الوجوبية.

(و الحاصل: انّ موضوع عمل العلماء القائلين بانفتاح باب العلم أو الظّن‏

45

الخاصّ مغاير لموضوع عمل القائلين بالانسداد؛ و قد نبّهنا على ذلك غير مرّة في بطلان التمسّك على بطلان البراءة و الاحتياط بمخالفتهما لعمل العلماء، فراجع.

و يحصل ممّا ذكر إشكال آخر أيضا من جهة أنّ نفي الاحتياط بلزوم العسر لا يوجب كون الظنّ حجّة ناهضة لتخصيص العمومات الثابتة بالظنون الخاصّة

____________

الخاص، مغاير لموضوع عمل القائلين بالانسداد) فلا يمكن سحب إجماعهم الذي هو في حال الانفتاح الى حال الانسداد (و قد نبّهنا على ذلك) التغاير و عدم الانسحاب‏ (غير مرّة في بطلان التمسك على بطلان البراءة و الاحتياط بمخالفتهما لعمل العلماء) و قلنا: بانّ عمل العلماء إنّما هو في حال الانفتاح، فلا ينحسب الى حال الانسداد (فراجع) ما ذكرناه غير مرة مفصلا.

و الحاصل من الاشكال بأن قلت: انّ الظّنّ حجّة، كما انّ الخبر الواحد حجّة على مدعى الانسدادي، و حاصل جواب الشيخ ب «قلت»: انّه لم يثبت بذلك كون الظّنّ حجّة.

(و يحصل ممّا ذكر) آنفا: من انّه لا دليل على كون الظّن حجّة شرعا حتى يكون كالخبر الواحد (إشكال آخر أيضا) و هو: انّ معنى حجّية الظّنّ الّذي يدّعيه الانسدادي: إنّ الظّن في حال الانسدادي يكون- كالخبر الواحد إذا قلنا بحجيته- مخصصا و مقيّدا و مبيّنا للعام و المطلق و المجمل و ما أشبه، و الحال إن ذلك لا يثبت بدليل الانسداد.

و عليه: فهذا الاشكال هو (من جهة انّ نفي الاحتياط ب) سبب‏ (لزوم العسر لا يوجب كون الظّنّ حجّة ناهضة لتخصيص العمومات الثّابتة بالظنون الخاصّة)

46

و مخالفة سائر الظواهر الموجودة فيها.

و دعوى: «أنّ باب العلم و الظنّ الخاصّ إذا فرض انسداده سقط عمومات الكتاب و السنّة المتواترة و خبر الواحد الثابت حجّيّته بالخصوص عن الاعتبار للعلم الاجماليّ بمخالفة ظواهر أكثرها لمراد المتكلم، فلا يبقى ظاهر منها على حاله حتى يكون الظنّ الموجود على خلافه من باب المخصّص و المقيّد»،

____________

أي: الاصول اللفظية: كالعام و المطلق و المجمل، و ما أشبه‏ (و) ل (مخالفة سائر الظواهر الموجودة فيها) أي في الظّنون الخاصة.

مثلا: لا يكون الظّن سببا لحمل الأمر الظاهر في الوجوب على الاستحباب، و النهي الظاهر في التحريم على الكراهة، الى غير ذلك ممّا إذا كان الخبر حجّة عمل بكل ذلك.

(و دعوى) إنّا لا نحتاج الى جعل الظّن بمنزلة الخبر الواحد في الامور المذكورة، لأنه إذا حصل الانسداد لم تكن هناك ظواهر حجّة حتى تحتاج الى التخصيص و التقليد و الصرف عن الظاهر الى غير الظاهر، و ذلك كما قال: (انّ باب العلم و الظّنّ الخاص إذا فرض انسداده، سقط عمومات الكتاب، و السّنة المتواترة، و خبر الواحد الثابت حجّيته بالخصوص) سقوطا (عن الاعتبار).

و إنّما تسقط هذه الظواهر (للعلم الاجمالي بمخالفة ظواهر أكثرها لمراد المتكلم) فانّ ذلك السقوط هو مقتضى العلم الاجمالي المخالف لهذه الظواهر (فلا يبقى ظاهر منها) أي: من عمومات الكتاب و السنّة و ما أشبه‏ (على حاله) في الظهور (حتى يكون الظّن الموجود على خلافه من باب المخصّص و المقيّد) و من باب صرف الظاهر عن ظاهره الى غير ظاهر، مثل: صرف الأمر الى‏

47

مجازفة، إذ لا علم و لا ظنّ بطروّ مخالفة الظاهر في غير الخطابات التي علم إجمالها بالخصوص. مثل:

وَ أَقِيمُوا الصَّلاةَ،* وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ،

و شبههما.

____________

الاستحباب و النهي الى الكراهة.

لكن هذه الدعوى‏ (مجازفة) غير صحيحة، اذ الخطابات الشرعيّة في الكتاب و السنّة على قسمين: الأول: ما صار مجملا بسبب وجود تخصيص أو تقييد، أو خلاف ظاهر يرجع الى بعضها و لا نعلم الى أيّ منها؟ فيصير الجميع مجملا.

مثلا: إذا قال المولى: أكرم العلماء، ثم قال: أكرم الزّهاد، ثم قال: لا تكرم الفساق، فاشتبه الأمر بانّه هل استثنى الفسّاق من العلماء، أو من الزّهاد؟ فيكون وجوب الاكرام مجملا بالنسبة الى أفراد كل من العنوانين، و في هذا القسم يكون كلام المدعي تاما لانّه لا ظاهر حتى يستشكل الشيخ عليه: بأن الظن الانسدادي لا يتمكن من تخصيص أو تقييد أو صرف العمومات و المطلقات و الظواهر عن ظواهرها.

القسم الثاني: ما لم يصر مجملا، و هذا القسم لا يتمكن الظنّ الانسدادي من تقييده و تخصيصه، و في هذا القسم يرد إشكال الشيخ على القائل: بانّ الظّنّ الانسدادي يقوم مقام العلم و العلمي في حال الانسداد (إذ لا علم و لا ظنّ بطروّ مخالفة الظاهر في غير الخطابات التي علم إجمالها بالخصوص مثل: وَ أَقِيمُوا الصَّلاةَ (1) وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ‏ (2) و شبههما) فانّ مثل هاتين الآيتين قد علم إجمالهما، لكثرة التخصيصات و التقييدات بالنسبة الى الصلاة و الحجّ و نحوهما.

____________

(1)- سورة النور: الآية 56.

(2)- سورة آل عمران: الآية 97.

48

و أمّا كثير من العمومات التي لا نعلم باجمال كلّ منها، فلا يعلم و لا يظنّ بثبوت المجمل بينها، لأجل طروّ التخصيص في بعضها. و سيجي‏ء بيان ذلك عند التعرّض لحال نتيجة المقدّمات إنشاء اللّه تعالى؛ هذا كلّه حال الاحتياط في جميع الوقائع.

و أمّا الرجوع في كل واقعة إلى ما يقتضيه الأصل في تلك الواقعة، من غير التفات الى العلم الاجماليّ بوجود الواجبات و المحرمات بين الوقائع، بأن يلاحظ

____________

(و أمّا كثير من العمومات التي لا نعلم بإجمال كلّ منها، فلا يعلم و لا يظنّ بثبوت المجمل بينها لأجل طروّ التخصيص في بعضها) و حيث لم تكن هذه العمومات مجملة فهي باقية على إطلاقاتها و عموماتها، فلا يتمكن الظّن الانسدادي من تخصيصها أو تقييدها أو صرف ظواهرها، مثل صرف ظواهر الأمر من الوجوب الى الاستحباب.

هذا، و قد أشار المصنّف الى القسم الأوّل من القسمين بقوله: «في غير الخطابات التي علم إجمالها»، و أشار الى القسم الثاني بقوله: «و أمّا كثير من العمومات».

(و سيجي‏ء بيان ذلك عند التعرّض لحال نتيجة المقدّمات إنشاء اللّه تعالى، هذا كله حال الاحتياط في جميع الوقائع) و قد عرفت: إنّه غير واجب، أو غير جائز إذا استلزم اختلال النظام بعد أن سدّ باب العلم و العلمي بالأحكام.

(و أمّا الرّجوع في كل واقعة) واقعة (الى ما يقتضيه الأصل) العملي‏ (في تلك الواقعة) من الاصول الأربعة (من غير التفات الى العلم الاجمالي بوجود الواجبات و المحرّمات بين الوقائع، بأن) لا يلاحظ العلم الاجمالي العام، و إنما (يلاحظ

49

نفس الواقعة: فان كان فيها حكم سابق يحتمل بقاؤه استصحب، كالماء المتغيّر بعد زوال التغيّر. و إلّا فان كان الشكّ في أصل التكليف، كشرب التتن، أجرى البراءة، و إن كان الشك في تعيين المكلّف به، مثل القصر و الاتمام: فان أمكن الاحتياط وجب، و الّا تخيّر، كما إذا كان الشكّ في تعيين التكليف الالزاميّ، كما إذا دار الأمر بين الوجوب و التحريم.

____________

نفس الواقعة) منفردة عن سائر الوقائع.

(فان كان فيها حكم سابق يحتمل بقاؤه) بأن كمّل أركان الاستصحاب‏ (استصحب، كالماء المتغيّر بعد زوال التغيّر) حيث نجري استصحاب النجاسة.

(و إلّا) يكن له حالة سابقة بأن لم تتم أركان الاستصحاب‏ (فان كان الشّك في أصل التكليف كشرب التتن أجرى البراءة) و كذلك بالنسبة الى الشك في وجوب الدّعاء عند رؤية الهلال، فانّه يجري البراءة عن الوجوب أيضا.

(و إن كان الشّك في تعيين المكلّف به) بعد العلم بأصل التكليف‏ (مثل القصر و الاتمام) بأن شك المكلّف هل إنّ تكليفه القصر أو التمام؟ (فان أمكن الاحتياط، وجب) مقدّمة لأداء التكليف المعلوم إجمالا.

(و إلّا) بأن لم يمكن الاحتياط (تخيّر، كما إذا كان الشّك في تعيين التكليف الالزامي، كما إذا دار الأمر بين الوجوب و التحريم) حيث لا يتمكن من الجمع بينهما، فيتخير أحدهما من الاتيان و عدمه.

و كذا يتخيّر أحدهما إذا كان شكه بين أمرين، من دون أن يكون أحدهما واجبا و الآخر حراما، بل كانا واجبين أو محرّمين، لكنّه لا يتمكن من الجمع بينهما، كما لو شك في وجوب كونه في كربلاء يوم عرفة أو كونه في عرفات؟.

50

و يردّ هذا الوجه انّ العلم الاجماليّ بوجود الواجبات و المحرّمات يمنع عن إجراء البراءة و الاستصحاب المخالف للاحتياط، بل و كذا العلم الاجماليّ بوجود غير الواجبات و المحرّمات في الاستصحابات المطابقة للاحتياط يمنع من العمل بالاستصحابات من حيث إنّها استصحابات، و إن كان لا يمنع من العمل بها من حيث الاحتياط،

____________

(و يردّ هذا الوجه: إنّ العلم الاجمالي بوجود الواجبات و المحرّمات، يمنع عن اجراء البراءة، و الاستصحاب المخالف للاحتياط) إذ لا يجوز إجراء البراءة في أطراف العلم الاجمالي، كما إنّه لا يجوز إجراء الاستصحاب المخالف للاحتياط في أطرافه، لأنّ العلم الاجمالي يقتضي الاشتغال لا البراءة و الاحتياط لا خلاف الاحتياط.

(بل و كذا العلم الاجمالي بوجود غير الواجبات و المحرّمات في الاستصحابات المطابقة للاحتياط، يمنع من العمل بالاستصحابات من حيث أنّها استصحابات و ان كان لا يمنع من العمل بها من حيث الاحتياط) و انّما يمنع من العمل بالاستصحابات من حيث إنّها استصحابات، لأنّ اليقين الّذي ينقض به اليقين أعم من الاجمالي و التفصيلي، كما قرر ذلك في باب الاستصحاب.

مثلا: إذا علم بعدم وجوب أحد أمرين: إمّا عدم وجوب صلاة الجمعة، و إما عدم وجوب الدّعاء عند رؤية الهلال، فكيف يتمكن من استصحاب وجوب هذه و وجوب هذا؟ فان الاستصحاب لا يجري في أطراف العلم الاجمالي لا سلبا و لا إيجابا.

إن قلت: لا نقول: بالاستصحاب، و إنّما نقول: بالاحتياط، فيحتاط في إتيان صلاة الجمعة، و في إتيان الدّعاء عند رؤية الهلال، و كذا في غير ذلك‏

51

لكنّ الاحتياط في جميع ذلك يوجب العسر.

و بالجملة، فالعمل بالاصول النافية للتكليف في مواردها مستلزم للمخالفة القطعيّة الكثيرة، و بالاصول المثبتة للتكليف من الاحتياط و الاستصحاب مستلزم للحرج.

و هذا لكثرة المشتبهات في المقامين، كما لا يخفى على المتأمّل.

و أمّا رجوع هذا الجاهل الذي انسد عليه باب العلم في المسائل المشتبهة إلى فتوى‏

____________

من الأحكام الكثيرة.

قلت: (لكن الاحتياط في جميع ذلك يوجب العسر) و الحرج- كما قرّر سابقا-.

(و بالجملة: فالعمل بالاصول النافية للتكليف في مواردها) أي: في موارد الاصول مثل: البراءة و استصحاب العدم‏ (مستلزم للمخالفة القطعيّة الكثيرة) و ذلك ممّا لا يجوز.

(و) العمل‏ (بالاصول المثبتة للتكليف: من الاحتياط و الاستصحاب) المثبت للتكليف‏ (مستلزم للحرج) و العسر- كما عرفت-.

(و) عليه: فان‏ (هذا) الذي ذكرناه: من المخالفة القطعيّة و الحرج، إنّما هو (لكثرة المشتبهات في المقامين) في مقام الاصول النافية و مقام الاصول المثبتة (كما لا يخفى على المتأمّل) لسعة دائرة الابتلاء بالمسائل الفقهية من أوّل الفقه الى آخره.

(و أمّا رجوع هذا الجاهل) الذي هو عالم في الحقيقة، و إنّما يجهل بالأحكام لأنّه‏ (الّذي انسدّ عليه باب العلم في المسائل المشتبهة) بأن يرجع‏ (إلى فتوى‏

52

العالم بها و تقليده فيها، فهو باطل لوجهين: أحدهما الاجماع القطعيّ.

و الثاني: أنّ الجاهل الذي وظيفته الرجوع إلى العالم هو الجاهل العاجز عن الفحص، و أمّا الجاهل الذي يبذل الجهد و شاهد مستند العالم و غلّطه في استناده إليه و اعتقاده عنه، فلا دليل على حجّية فتواه بالنسبة إليه، و ليست فتواه من الطرق المقرّرة لهذا الجاهل.

فان من يخطئ القائل بحجيّة الخبر الواحد في فهم دلالة آية النبأ عليها، كيف يجوز له متابعته؟ و أيّ مزيّة له عليه؟

____________

العالم بها) أي: بتلك المسائل، و هو المجتهد الانفتاحي‏ (و تقليده: فيها، فهو باطل لوجهين) كما يلي:

(أحدهما: الاجماع القطعيّ) فانّ أحد المجتهدين لا يجوز له الرجوع الى المجتهد الآخر قطعا.

(و الثاني: انّ الجاهل الّذي وظيفته الرّجوع الى العالم، هو الجاهل العاجز عن الفحص) عن الأدلة (و أمّا الجاهل الّذي يبذل الجهد، و شاهد مستند العالم، و غلّطه) أي: غلّط العالم في استناده الى هذا المستند، فهو يغلّطه‏ (في استناده إليه) أي: إلى هذا المستند (و) في‏ (اعتقاده عنه) أي: عن هذا المستند (فلا دليل على حجّية فتواه بالنسبة اليه) أي: فتوى الانفتاحي بالنسبة الى الانسدادي‏ (و ليست فتواه من الطرق المقرّرة لهذا الجاهل) الذي هو انسدادي و إن كان عالما.

(فإنّ من يخطّئ القائل بحجّية الخبر الواحد في فهم دلالة آية النبأ عليها) و يقول بأنّ آية النبأ لا دلالة لها على حجّية خبر الثقة أو خبر العادل‏ (كيف يجوز له) أي: لهذا المخطّئ‏ (متابعته؟) أي: متابعة من يرى دلالة الآية؟.

ثم‏ (و أي مزيّة له) أي: للانفتاحي‏ (عليه؟) أي: على الانسدادي، فان‏