الوصائل إلى الرسائل‏ - ج6

- السيد محمد الحسيني الشيرازي المزيد...
400 /
5

الوصائل الى الرسائل‏

تتمّة المقصد الثاني‏

«تتمّة دليل الانسداد»

[تتمة التنبيهات‏]

[تتمة الأمر الثالث‏]

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

و ملخّص هذا الأمر الثالث أنّ كلّ ظنّ تولّد منه الظنّ بالحكم الفرعيّ الكلّي فهو حجّة من هذه الجهة، سواء كان الحكم الفرعيّ واقعيّا أو كان ظاهريّا، كالظنّ بحجّية الاستصحاب تعبّدا أو بحجّية الأمارة الغير المفيدة للظنّ الفعليّ بالحكم، و سواء تعلّق الظنّ أوّلا بالمطالب العمليّة أو غيرها أو بالأمور الخارجيّة من غير استثناء في سبب هذا الظنّ.

____________

(و ملخّص هذا الأمر الثالث) من تنبيهات الانسداد (: انّ كل ظنّ تولّد منه الظنّ بالحكم الفرعي الكلّي، فهو) أي: الظّن الوالد، (حجّة من هذه الجهة) أي:

من جهة ولده، و هو الظّن بالحكم الفرعي الكلّي‏ (سواء كان) ذلك‏ (الحكم الفرعي واقعيّا أو كان ظاهريّا) فانّه لا فرق بين الظّنّ بوجوب الدعاء عند رؤية الهلال، و بين الظّنّ بأن هذا الحكم حكم ظاهري في حال الجهل.

(كالظّنّ بحجّيّة الاستصحاب تعبّدا) فإنّ الاستصحاب ليس كاشفا عن الواقع، بل هو حكم الانسان الجاهل بالحكم الواقعي.

(أو بحجّية الأمارة غير المفيدة للظّنّ الفعلي بالحكم) فاذا ظنّ بحجّية تلك الأمارة كفى في الأخذ بمؤدّاها و إن لم يظنّ فعلا بالحكم فإنّ الحكم المتولّد من الاستصحاب، بناء على اعتباره من باب التعبّد حكم ظاهري، و كذا الحال في الحكم المتولّد من الأمارة التي ذكرها المصنّف بقوله: «أو بحجّية الأمارة ...».

(و سواء تعلّق الظّن أولا بالمطالب العمليّة) كالظّن بالفروع‏ (أو غيرها) كالظّن بظواهر الألفاظ و مراداتها (أو بالامور الخارجية) كالظّن بعدالة الرّاوي‏ (من غير استثناء في سبب هذا الظّن) فأنّه بناء على حجّية الظّن، لا فرق في الحجّية بين الأسباب، و الموارد، و الأشخاص، و المراتب.

8

و وجهه واضح، فإنّ مقتضى النتيجة هو لزوم الامتثال الظنّي و ترجيح الراجح على المرجوح في العمل، حتّى أنّه لو قلنا بخصوصيّة في بعض الأمارات بناء على عدم التعميم في نتيجة دليل الانسداد، لم يكن فرق بين ما تعلّق تلك الأمارة بنفس الحكم أو بما يتولّد منه الظنّ بالحكم.

و لا إشكال في ذلك أصلا إلّا أن يغفل غافل عن مقتضى دليل الانسداد، فيدّعي الاختصاص بالبعض دون البعض من حيث لا يشعر.

و ربّما تخيّل بعض أنّ العمل بالظنون المطلقة في الرجال غير مختصّ بمن‏

____________

(و وجهه) أي: وجه هذا الملخّص‏ (واضح، فانّ مقتضى النتيجة) للانسداد (هو: لزوم الامتثال الظّنّي، و ترجيح الرّاجح على المرجوح في العمل) إطلاقا (حتى أنّه لو قلنا بخصوصيّة في بعض الأمارات، بناء على عدم التّعميم في نتيجة دليل الانسداد) قلنا- مثلا- انّ خبر الواحد حجّة و ليست الشهرة بحجّة و إن أوجبت الشهرة الظّن.

و عليه: فانّه‏ (لم يكن فرق بين ما تعلّق تلك الأمارة) التي رأينا حجيّتها كالخبر الواحد في المثال‏ (بنفس الحكم، أو بما يتولّد منه الظّن بالحكم) و ما يتولد عبارة عن: ظهور لفظ، أو مراد، أو أمر رجالي، أو جهة صدور من تقيّة، أو غيرها.

(و لا إشكال في ذلك أصلا، إلّا أن يغفل غافل عن مقتضى دليل الانسداد، فيدّعي الاختصاص) لحجّية الظّن الانسدادي‏ (بالبعض دون البعض) و إن كان الجميع متساويا في الوصول الى الحكم، فان هذا التخصيص غفلة (من حيث لا يشعر) صاحبها.

(و ربّما تخيّل بعض: انّ العمل بالظّنون المطلقة في الرجال غير مختصّ بمن‏

9

يعمل بمطلق الظنّ في الأحكام، بل المقتصر على الظنون الخاصّة في الأحكام أيضا عامل بالظنّ المطلق في الرجال.

و فيه: نظر يظهر للمتتبّع لعمل العلماء في الرجال، فانّه يحصل القطع بعدم بنائهم فيها على العمل بكلّ أمارة.

نعم، لو كان الخبر المظنون الصدور مطلقا أو بالظنّ الاطمئنانيّ من الظنون الخاصّة

____________

يعمل بمطلق الظّن في الأحكام) فإنّه إذا لم يكن انسداد في الأحكام، فالانسداد في الرّجال متحقّق فيعمل بالظّن المطلق في الرّجال‏ (بل المقتصر على الظّنون الخاصّة في الأحكام أيضا) حيث انّه لا يرى الانسداد فيها (عامل بالظّن المطلق في الرّجال).

و الحاصل: إنّ الانسداد موجود في الرّجال على أي حال، سواء قلنا بالانسداد في الأحكام أو لم نقل بالانسداد فيها.

(و فيه: نظر يظهر للمتتبّع لعمل العلماء في الرّجال، فانّه يحصل القطع بعدم بنائهم فيها) أي: في الرّجال‏ (على العمل بكل أمارة) و وجه الظهور: إنّ اختلافهم في اعتبار التعدد في المزكّى، أو عدم الاعتبار، شاهد على عدم اتفاقهم على العمل بالظّن المطلق في الرّجال، فانّهم لو كانوا عملوا بالظّن المطلق، كان الظّن معيارهم، لا تعدد المزكّي أو وحدته.

(نعم، لو كان الخبر المظنون الصّدور مطلقا) بأيّ ظنّ كان‏ (أو بالظنّ الاطمئناني) فقط (من الظّنون الخاصة) و قوله: «من الظّنون»، خبر لقوله «لو كان».

10

لقيام الأخبار أو الاجماع عليه، لزم القائل به العمل بمطلق الظنّ أو الاطمئناني منه في الرجال، كالقائل بالظنّ المطلق في الأحكام.

ثمّ إنّه قد ظهر مما ذكرنا أنّ الظنّ في المسائل الاصوليّة العمليّة حجّة بالنسبة الى ما يتولّد منه من الظنّ بالحكم الفرعي الواقعيّ أو الظاهريّ.

و ربّما منع منه غير واحد

____________

و إنّما يكون من الظّنون الخاصة (لقيام الأخبار أو الاجماع عليه) فمظنون الصدور يكون من الظّنون الخاصة، في (لزم القائل به، العمل بمطلق الظّن، أو الاطمئناني منه في الرّجال كالقائل بالظّن المطلق في الأحكام).

و الحاصل: إنّه لو قلنا انّ الخبر المظنون الصدور حجّة، كفى الظّن في باب الرّجال، لأنّه إذا ظنّنا إنّ زرارة- مثلا- عادل، فقد ظننّا بصدور خبره عن الامام (عليه السلام)، فقول المصنّف: «نعم» استثناء عن الاشكال الّذي ذكره بقوله: «فيه نظر»، و حاصل الاشكال: تمامية قول المتخيّل الذي قال بكفاية الظّن في باب الرّجال، و لو لم يكن انسداد في باب الأحكام.

(ثمّ انّه قد ظهر ممّا ذكرنا:) من أنّ الظّن مطلقا حجّة، سواء بالنسبة إلى الأحكام و الموضوعات، أو الرجال و غير ذلك‏ (أن الظّن في المسائل الاصولية العمليّة) مثل الظّن بالاستصحاب، أو البراءة، أو الاحتياط، أو غير ذلك‏ (حجّة بالنسبة الى ما يتولّد منه من الظّن بالحكم الفرعي الواقعي، أو الظّاهري) لما تقدّم:

من انّ كلّ ظنّ يكون في طريق الحكم، سواء كان الحكم واقعيا أو ظاهريا، يكون ذلك الظّن الّذي هو في الطريق حجّة.

(و ربّما منع منه) أي: من كون الظّنّ في المسائل الاصولية حجّة (غير واحد

11

من مشايخنا (رضوان اللّه عليهم). و ما استندوا إليه أو يصحّ الاستناد للمنع أمران: أحدهما: أصالة الحرمة و عدم شمول دليل الانسداد، لأنّ دليل الانسداد، إمّا أن يجري في خصوص المسائل الاصوليّة كما يجري في خصوص الفروع، و إمّا أن يقرّر دليل الانسداد، بالنسبة إلى جميع الأحكام الشّرعية، فيثبت حجّية الظنّ في الجميع و يندرج فيها المسائل الاصوليّة، و إمّا أن يجري في خصوص المسائل الفرعيّة، فيثبت به اعتبار الظنّ في خصوص الفروع، و لكنّ الظنّ بالمسألة الاصوليّة يستلزم الظنّ بالمسألة الفرعيّة الّتي يبتني عليها.

____________

من مشايخنا (رضوان اللّه عليهم)، و ما استندوا اليه، أو يصحّ الاستناد للمنع) عنه‏ (أمران) كما قال: (أحدهما: أصالة الحرمة و عدم شمول دليل الانسداد) للمسائل الاصولية (لأنّ دليل الانسداد، إمّا أن يجري في خصوص المسائل الاصولية، كما يجري في خصوص الفروع) أي: كما أنّ في الفروع دليل الانسداد جار، كذلك في المسائل الاصولية (و إمّا أن يقرّر دليل الانسداد بالنّسبة إلى جميع الأحكام الشّرعيّة) و ما يرتبط بالأحكام الشرعيّة، و ما يكون في طريقها (فيثبت حجّية الظّنّ في الجميع، و يندرج فيها) أي: في جميع الأحكام الشرعيّة (المسائل الاصولية) أيضا (و أمّا أن يجري في خصوص المسائل الفرعيّة فيثبت به) أي: بدليل الانسداد (اعتبار الظّن في خصوص الفروع).

و الحاصل: إنّ مقدّمات الانسداد، إمّا أن تجري في الفروع فقط، أو في الاصول فقط، أو في كليهما.

هذا (و لكن الظّن بالمسألة الاصوليّة يستلزم الظّن بالمسألة الفرعيّة التي يبتني عليها) فانّه إذا جرى الانسداد في خصوص الفروع فقط، فالمسائل الاصولية

12

و هذه الوجوه بين ما لا يصحّ و بين ما لا يجدي.

أمّا الأوّل: فهو غير صحيح، لأنّ المسائل الاصوليّة الّتي ينسدّ فيها باب العلم ليست في أنفسها من الكثرة بحيث يستلزم من إجراء الاصول فيها محذور كأن يلزم من إجراء الاصول في المسائل الفرعيّة التي انسدّ فيها باب العلم،

____________

أيضا يجري فيها الانسداد لابتناء الفروع على هذه الاصول.

و الحاصل: إنّ جريان الانسداد في المسائل الاصوليّة على أحد أوجه ثلاثة:

الأوّل: إنّ الانسداد جار في الاصول فقط.

الثاني: إنّه جار في كلّ من الاصول و الفروع معا.

الثالث: إنّه جار في الفروع فقط.

فعلى الأولين: يجري الانسداد في الاصول رأسا، و على الثالث: حيث انّ المسائل الاصولية في طريق الفروع و الانسداد في الفروع حجّة، فالانسداد في الاصول أيضا حجّة.

(و) لكن كلّ‏ (هذه الوجوه) الثلاثة (بين ما لا يصح، و بين ما لا يجدي) و لا ينفع في إفادة حجّية الظّن في المسائل الاصولية.

(امّا الأوّل:) و هو ما ذكرناه بقولنا: إمّا أن يجري في خصوص المسائل الاصولية (فهو غير صحيح، لأنّ المسائل الاصولية الّتي ينسدّ فيها باب العلم، ليست في أنفسها من الكثرة بحيث يستلزم من إجراء الاصول فيها) أي: في هذه المسائل الاصولية (محذور) من الخروج عن الدّين، و نحو ذلك‏ (كأن يلزم من إجراء الاصول في المسائل الفرعية الّتي انسدّ فيها باب العلم) فلا تجري مقدمات الانسداد في المسائل الاصولية.

13

لأنّ ما كان من المسائل الاصوليّة يبحث فيها عن كون شي‏ء حجّة، كمسألة حجّية الشهرة و نقل الاجماع و أخبار الآحاد، أو عن كونه مرجّحا، فقد انفتح فيها باب العلم و علم الحجّة منها من غير الحجّة و المرجّح منها من غيره بإثبات حجّية الظنّ في المسائل الفرعيّة، إذ بإثبات ذلك المطلب حصل الدلالة العقليّة على أنّ ما كان من الأمارات داخلة في نتيجة دليل الانسداد فهو حجّة.

____________

و إنّما لا يلزم محذور (لأنّ ما كان من المسائل الاصولية يبحث فيها عن كون شي‏ء حجّة، كمسألة حجّية الشّهرة، و نقل الاجماع، و أخبار الآحاد، أو عن كونه) أي: كون شي‏ء (مرجّحا) كموافقة الكتاب، و مخالفة العامّة، و ما أشبه ذلك‏ (فقد انفتح فيها) أي: في هذه المسائل الاصولية (باب العلم، و علم الحجّة منها من غير الحجّة و) علم‏ (المرجّح منها من غيره) أي: من غير المرجّح.

و إنّما انفتح فيها باب العلم‏ (ب) سبب‏ (إثبات حجّية الظّن في المسائل الفرعيّة) فإن الظّن لما كان ثابت الحجّية في المسائل الفرعية، علمنا من ذلك: انّ كل شي‏ء وصل إلى المسألة الفرعيّة فهو حجّة، سواء كان ذلك الشي‏ء الشهرة، أو الاجماع المنقول، أو الخبر، أو غيرها؟.

و سواء كان ذلك الشي‏ء معينا للحكم، أو مرجّحا لدليل على دليل، فيما إذا دار الأمر بين دليلين لم نعلم بحجّية أحدهما أوّلا و بالذات، و إنّما علمنا بالترجيح لموافقة الكتاب، و مخالفة العامّة، أو بما أشبه ذلك.

(إذ بإثبات ذلك المطلب) أي: حجّية الظّن في المسائل الفرعية (حصل الدلالة العقليّة على أنّ ما كان من الأمارات داخلة في نتيجة دليل الانسداد، فهو حجّة) و الدلالة العقليّة عبارة عن: التلازم بين حجّية الظّن في الفروع، و حجّية

14

و قس على ذلك معرفة المرجّح، فانّا قد علمنا بدليل الانسداد أنّ كلّا من المتعارضين إذا اعتضد بما يوجب قوّته على غيره من جهة من الجهات فهو راجح على صاحبه مقدّم عليه في العمل.

و ما كان منها يبحث فيها من الموضوعات الاستنباطيّة، و هي ألفاظ الكتاب و السنّة، من حيث استنباط الأحكام عنها، كمسائل الأمر و النهي و أخواتهما، من المطلق و المقيّد و العامّ و الخاصّ و المجمل و المبيّن، إلى غير ذلك، فقد علم حجّيّة الظنّ فيها من حيث استلزام الظنّ بها الظنّ بالحكم الفرعيّ الواقعيّ.

____________

ما يستلزم هذا الظّن أيضا.

(و قس على ذلك) أي: التلازم بين حجيّة الظّن في الفرع، و حجّية الظّنّ في المسألة الاصولية (معرفة المرجّح، فإنّا قد علمنا بدليل الانسداد: انّ كلا من المتعارضين إذا اعتضد بما يوجب قوّته على غيره من جهة من الجهات) كموافقة الكتاب، و مخالفة العامّة، و موافقة المشهور، إلى غير ذلك‏ (فهو) أي: المعتضد- بصيغة المفعول- (راجح على صاحبه مقدّم عليه في العمل) قطعا.

(و ما كان منها) أي: من المسائل الاصولية- قوله: «و ما كان» عطف على قوله قبل أسطر: «لأن ما كان من المسائل الاصولية ...»- (يبحث فيها من الموضوعات الاستنباطية، و هي: الفاظ الكتاب و السّنة من حيث استنباط الأحكام عنها) لا من حيث جهات النحو، و الصرف، و البلاغة، و شبهها، بل‏ (كمسائل الأمر، و النّهي، و أخواتهما: من المطلق و المقيّد و العام و الخاص، و المجمل و المبيّن، الى غير ذلك، فقد علم حجّية الظّنّ فيها من حيث استلزام الظّنّ بها) أي: بهذه المسائل المرتبطة بالفاظ الكتاب و السنّة (الظنّ بالحكم الفرعي الواقعي)

15

لما عرفت من أنّ مقتضى دليل الانسداد في الفروع حجّية الظنّ الحاصل بها من الأمارة ابتداء، و الظنّ المتولّد من أمارة موجودة في مسألة لفظيّة.

و يلحق بهما بعض المسائل العقليّة، مثل وجوب المقدّمة و حرمة الضدّ

____________

لأن ألفاظ الكتاب و السنّة و ما أشبه كلها في صدد بيان حكم الواقع.

و الحاصل: إنّا نحتاج هنا إلى أمرين:

الأوّل: ان نتكلم حول أنّ ظاهر الكتاب حجّة أم لا، و الخبر حجّة أم لا؟ الى غير ذلك.

و أشار إليه المصنّف بقوله: «لأن ما كان من المسائل الاصولية يبحث فيها ...».

الثاني: ان نتكلم حول انّ الأمر ظاهر في الوجوب أم لا، و المطلق يحمل على المقيد أم لا؟ إلى غير ذلك، و أشار اليه المصنّف بقوله: «و ما كان منها يبحث فيها ...».

ثمّ إنّ المصنّف انّما قال: حيث استلزم الظّن بها، الظّن بالحكم الفرعي الواقعي‏ (لما عرفت: من أنّ مقتضى دليل الانسداد في الفروع: حجّية الظّنّ الحاصل بها) أي: بتلك الفروع‏ (من الأمارة ابتداء) بأن ظنّ بأنّ الدعاء عند رؤية الهلال- مثلا- واجب‏ (و الظّن المتولّد من أمارة موجودة في مسألة لفظية) مثل: أن يظنّ بأنّ الأمر ظاهر في الوجوب.

(و يلحق بهما) الضمير عائد إلى ما ذكره المصنّف بقوله: «لأنّ ما كان من المسائل الاصولية يبحث فيها ...» و قول: «و ما كان منها يبحث فيها من الموضوعات الاستنباطية ...» و هما ما ذكرناهما بقولنا الأوّل و الثاني فيلحقهما (بعض المسائل العقليّة مثل: وجوب المقدّمة) للواجب.

(و حرمة الضّد) للواجب.

16

و امتناع اجتماع الأمر و النهي، و الأمر مع العلم بانتفاء شرطه و نحو ذلك ممّا يستلزم الظنّ به الظنّ بالحكم الفرعيّ، فانّه يكتفي في حجّية الظنّ فيها بإجراء دليل الانسداد في خصوص الفروع و لا يحتاج إلى إجرائه في الاصول.

و بالجملة: فبعض المسائل الاصوليّة صارت معلومة بدليل الانسداد و بعضها صارت حجّية الظنّ فيها معلومة بدليل الانسداد في الفروع و الباقي منها الذي‏

____________

(و امتناع اجتماع الأمر و النّهي) أو عدم امتناع اجتماعهما.

(و الأمر مع العلم بانتفاء شرطه) بأنّه هل يجوز أن يأمر به الآمر أو لا يجوز أن يأمر به مع علمه بانتفاء الشرط؟.

(و نحو ذلك ممّا يستلزم الظّنّ به) أي: بهذه المسائل الاصولية العقليّة (الظّنّ بالحكم الفرعي) لما عرفت: من أنّ كل شي‏ء وقع في طريق الظّنّ بالحكم الفرعي يكون الظّن فيها حجّة من باب الانسداد (فإنّه يكتفي في حجّية الظّن فيها) أي:

في هذه المسائل العقليّة (بإجراء دليل الانسداد في خصوص الفروع و لا يحتاج إلى إجرائه في الأصول) أي: في المسائل الاصولية.

(و بالجملة: فبعض المسائل الاصوليّة صارت معلومة بدليل الانسداد) و هذه المسائل هي ما أشار إليها المصنّف بقوله: «لأن ما كان من المسائل الاصولية يبحث فيها عن كون شي‏ء حجّة، كمسألة حجّية الشهرة، و نقل الاجماع ...».

(و بعضها) أي: و بعض المسائل الاصولية الأخر: (صارت حجّية الظّنّ فيها معلومة بدليل الانسداد في الفروع) و هي ما أشار اليه المصنّف بقوله: «و ما كان منها يبحث فيها من الموضوعات الاستنباطية و هي ألفاظ الكتاب و السنّة ...».

(و الباقي منها:) أي: من المسائل الاصولية الّتي لم تصر معلومة، و (الّذي‏

17

يحتاج في إثبات حجّية الظنّ فيها إلى إجراء دليل الانسداد في خصوص الاصول ليس في الكثرة بحيث يلزم من العمل بالأصول و طرح الظنّ الموجود فيها محذور. و إن كانت في أنفسها كثيرة، مثل المسائل الباحثة عن حجّية بعض الأمارات، كخبر الواحد و نقل الاجماع لا بشرط الظنّ الشخصيّ،

____________

يحتاج في إثبات حجّية الظّنّ فيها) أي: في هذه المسائل‏ (إلى إجراء دليل الانسداد في خصوص الاصول، ليس في الكثرة بحيث يلزم من العمل بالاصول) كالبراءة، و الاستصحاب، و التخيير، و ما أشبه‏ (و طرح الظّن الموجود فيها) أي:

في هذه المسائل‏ (محذور) و ذلك لما عرفت: من قلّة الفروع المترتبة عليها بالنسبة إلى سائر الفروع، فلا يلزم من إجراء الاصول في هذه المسائل الاصولية غير الكثيرة محذور الخروج عن الدّين، و نحو ذلك‏ (و إن كانت في أنفسها كثيرة، مثل المسائل الباحثة عن حجّية بعض الأمارات: كخبر الواحد، و نقل الاجماع) أي: الاجماع المنقول‏ (لا بشرط الظّن الشخصي).

و إنّما ذكر هذا القيد، لإخراج قول من يقول: بأنّ الخبر الواحد إنّما يكون حجّة بشرط ظنّ الشخص بصدق الخبر، و كذلك بالنسبة إلى الاجماع المنقول: بأنّه انّما يكون حجّة بشرط الظّن الشخصي بصدق الاجماع، و انّما قيّدها بهذا القيد لئلا يلزم التناقض بين قوله سابقا: «لأنّ ما كان من المسائل الاصولية يبحث فيها عن كون شي‏ء حجّة، كمسألة حجّية الشهرة، و نقل الاجماع، و أخبار الآحاد»، و بين قوله هنا: «مثل المسائل الباحثة عن حجية بعض الامارات، كخبر الواحد و نقل الاجماع»، اذ يمكن أن يستشكل على المصنّف: بأنّه كيف ذكرتم خبر الواحد، و الاجماع المنقول، في مكانين؟.

18

و كالمسائل الباحثة عن شروط أخبار الآحاد على مذهب من يراها ظنونا خاصّة، و الباحثة عن بعض المرجّحات التعبّديّة، و نحو ذلك، فانّ هذه المسائل لا تصير معلومة بإجراء دليل الانسداد في خصوص الفروع.

لكن هذه المسائل بل و أضعافها ليست في الكثرة بحيث لو رجع مع حصول الظنّ بأحد طرفي المسألة إلى الاصول و طرح ذلك الظنّ لزم محذور كان يلزم في الفروع.

و أمّا الثاني- و هو إجراء دليل الانسداد في مطلق الأحكام الشرعيّة،

____________

(و كالمسائل الباحثة عن شروط اخبار الآحاد على مذهب من يراها ظنونا خاصّة) لا أنّها حجّة من باب الانسداد، كاشتراط أن يكون المخبر عادلا، و ضابطا، و ما أشبه ذلك‏ (و الباحثة عن بعض المرجّحات التّعبّدية) مثل: مطابقة الكتاب، و مخالفة العامّة، و إلى غير ذلك ممّا هي في قبال المرجّحات العقلائية، مثل الأفقهية. و نحو ذلك ممّا يجريها العقلاء في أوامر مواليهم.

(و نحو ذلك) من المسائل الاصوليّة (فانّ هذه المسائل لا تصير معلومة بإجراء دليل الانسداد في خصوص الفروع) بل اللازم: إمّا إجراء دليل الانسداد في هذه المسائل الاصولية، أو القول: بأن دليل الانسداد عام يجري في الاصول و الفروع معا.

(لكن هذه المسائل، بل و أضعافها، ليست في الكثرة بحيث لو رجع مع حصول الظّنّ بأحد طرفي المسألة الى الاصول) العملية (و طرح ذلك الظّن) الّذي حصل بأحد طرفي المسألة (لزم محذور كان يلزم في الفروع) إذا رجع فيها إلى الاصول العمليّة: من لزوم الخروج عن الدّين و ما أشبه ذلك ممّا تقدّم.

(و أمّا الثاني: و هو إجراء دليل الانسداد في مطلق الأحكام الشّرعية،

19

فرعيّة كانت أو أصليّة- فهو غير مجد، لأنّ النتيجة و هو العمل بالظنّ لا يثبت عمومه من حيث موارد الظنّ إلّا بالاجماع المركّب أو الترجيح بلا مرجّح، بأن يقال: إنّ العمل بالظنّ في الطهارات دون الديات، مثلا، ترجيح بلا مرجّح و مخالف للإجماع.

و هذان الوجهان مفقودان في التعميم و التسوية بين المسائل الفرعيّة و المسائل الاصوليّة.

أمّا فقد الاجماع فواضح، لأنّ المشهور، كما قيل، على عدم اعتبار الظنّ‏

____________

فرعيّة كانت أو أصليّة) و المسائل الاصولية إنّما تسمّى بالأحكام الشرعيّة، لأولها إليها (فهو غير مجد، لأنّ النتيجة: و هو العمل بالظّن لا يثبت عمومه من حيث موارد الظّن إلّا بالاجماع المركّب، أو التّرجيح بلا مرجّح) حتى يشمل الاصول و الفروع.

لكن لا يخفى: إنّ هذا مبني على تقرير دليل الانسداد على طريق الكشف لتصير النتيجة مهملة، لا على طريق الحكومة.

و على أي حال: فوجه التعميم‏ (بأن يقال: إنّ العمل بالظّن في الطهارات دون الدّيات- مثلا- ترجيح بلا مرجّح) لأنّ الطهارات و الدّيات كلّها أحكام شرعية، فلما ذا يعمل بالظّن في الطهارات دون الدّيات، مع أنّ الدليل فيهما واحد؟

(و مخالف للإجماع) أيضا لأنّ المجمعين لا يرون الفرق بين مختلف المسائل.

(و هذان الوجهان): الترجيح بلا مرجّح، و المخالفة للإجماع‏ (مفقودان في التعميم و التّسوية بين المسائل الفرعيّة و المسائل الاصوليّة) فلا إجماع على استواء الطائفتين من المسائل كما أنّه ليس حجّية الظّن في الفروع دون الاصول ترجيحا بلا مرجّح.

(أمّا فقد الاجماع، فواضح، لأنّ المشهور كما قيل- على عدم اعتبار الظّنّ‏

20

في الأصول.

و أمّا وجود المرجّح، فلأنّ الاهتمام بالمطالب الاصوليّة أكثر، لابتناء الفروع عليها، و كلّما كانت المسألة مهمّة كان الاهتمام فيها أكثر، و التحفّظ عن الخطأ فيها آكد،

____________

في الاصول) لكن لا يخفى: إنّ نفي شي‏ء بالاستناد الى قول ضعيف غير وجيه، و هذا القول هو من شريف العلماء أستاذ المصنّف- كما سيأتي- لا أنّه ممّا يرتضيه المصنّف.

(و أمّا وجود المرجّح) لخروج المسائل الاصولية حتى لا تكون مشمولة لنتيجة الانسداد فوجهه: الاهتمام بالمسائل الاصولية أكثر، لأنّ مسألة واحدة من المسائل الاصولية يتفرع عليها من الفروع جملة كبيرة، و مثل هذه المسائل يهتم بها، فلا يكتفى فيها بالظّن، بل اللازم أن يقتصر فيها على القطع أو ما يشبه القطع من الظنون الخاصة.

و عليه: فلا يلزم من خروج المسائل الاصوليّة ترجيح بلا مرجّح بأن يقال: انّ المسائل الاصولية و المسائل الفقهية متساويتان فاذا أخذنا بنتيجة الانسداد في المسائل الفقهية دون المسائل الاصولية، لزم ترجيح المسائل الفقهية على المسائل الاصولية- في نتيجة الانسداد- بلا مرجّح كما قال:

(فلأن الاهتمام بالمطالب الاصوليّة أكثر لابتناء الفروع عليها) أي: على هذه المسائل الاصولية (و كلّما كانت المسألة مهمة كان الاهتمام فيها أكثر، و التحفّظ) بأن يحفظ الانسان نفسه‏ (عن الخطأ فيها آكد) فمسألة أصولية واحدة لها من الأهمية بقدر ما لعشر مسائل، أو ما لمائة مسألة من الأهمية، و ذلك أنّها ممّا يبنى عليها جملة من الفروع.

21

و لذا يعبّرون في مقام المنع عن ذلك، بقولهم: إنّ إثبات مثل هذا الأصل بهذا مشكل، أو إنّه إثبات أصل بخبر، و نحو ذلك.

و أمّا الثالث، و هو اختصاص مقدّمات الانسداد و نتيجتها بالمسائل الفرعيّة، إلّا أنّ الظنّ بالمسألة الفرعيّة قد يتولّد من الظنّ في المسألة الاصوليّة.

فالمسألة الاصوليّة بمنزلة المسائل اللغويّة يعتبر الظنّ فيها من حيث كونه منشأ للظنّ بالحكم الفرعيّ الواقعي.

ففيه: أنّ الظنّ بالمسألة الاصوليّة إن كان منشأ للظنّ بالحكم الفرعيّ،

____________

(و لذا يعبّرون في مقام المنع عن ذلك) أي: عن الاكتفاء بالظّن في الاصول‏ (بقولهم: إنّ إثبات مثل هذا الأصل بهذا مشكل، أو انّه إثبات أصل بخبر) واحد (و نحو ذلك) من التعبيرات الفقهائية.

(و أمّا الثالث: و هو اختصاص مقدمات الانسداد و نتيجتها بالمسائل الفرعية، إلّا أنّ الظّن بالمسألة الفرعيّة قد يتولّد من الظّن في المسألة الاصولية) فاذا كان الظّن في المسألة الفرعية حجّة، كان الظّنّ في المسألة الاصولية حجّة أيضا، لأنّ المسألة الأصولية والدة للمسألة الفرعية.

إذن: (فالمسألة الاصولية بمنزلة المسائل اللّغوية يعتبر الظّنّ فيها من حيث كونه منشأ للظّنّ بالحكم الفرعي الواقعي) فلفظ الصعيد- مثلا- هل هو لمطلق وجه الأرض، أو لخصوص التراب؟ مسألة لغويّة، فاذا ظننّا بأحد الطرفين في هذه المسألة اللغويّة تولّد منها مسألة فرعية بجواز التيمم بمطلق وجه الأرض، أو بخصوص التراب.

(ففيه: إنّ الظّنّ بالمسألة الاصولية إن كان منشأ للظّنّ بالحكم الفرعي،

22

كالباحثة عن الموضوعات المستنبطة و المسائل العقليّة، مثل وجوب المقدّمة و امتناع اجتماع الأمر و النهي، فقد اعترفنا بحجّية الظنّ فيها.

و أمّا ما لا يتعلّق بذلك و يكون باحثة عن أحوال الدّليل من حيث الاعتبار في نفسه أو عند المعارضة، و هي التي منعنا عن حجّية الظنّ فيها، فليس يتولد من الظنّ فيها

____________

كالباحثة عن الموضوعات المستنبطة) التي تحتاج الى الاستنباط، كلفظ الصعيد، و لفظ الآنية، و لفظ الغناء، و لفظ آلة اللهو، و غيرها، ممّا تحتاج الى الاستنباط لإجمالها في جملة من الفروع.

(و المسائل العقليّة، مثل وجوب المقدّمة) للواجب‏ (و امتناع اجتماع الأمر و النّهي، فقد اعترفنا بحجّية الظّن فيها) حيث قلنا قبل نصف صفحة تقريباً:

«و ما كان منها يبحث فيها من الموضوعات الاستنباطية و هي: الفاظ الكتاب و السنّة من حيث استنباط الأحكام عنها الى قولنا: و يلحق بهما بعض المسائل العقلية، مثل وجوب المقدّمة، و حرمة الضد، و امتناع اجتماع الأمر و النهي»، الى آخره.

(و أمّا ما لا يتعلّق بذلك) أي: بما ذكرناه: من الموضوعات المستنبطة و المسائل العقلية (و يكون باحثة عن أحوال الدّليل من حيث الاعتبار في نفسه، أو عند المعارضة) كما إذا بحثنا عن أنّه: هل الخبر الواحد حجّة أو لا، لا من حيث حصول الظّن منه؟ و كذا إذا تكلّمنا حول المرجّحات التعبديّة عند معارضة الدليلين.

(و هي التي منعنا عن حجّية الظّن فيها) حيث قلنا قبل صفحة تقريبا: «لأنّ ما كان من المسائل الاصولية يبحث فيها عن كون شي‏ء حجّة، كمسألة حجّية الشهرة، و نقل الاجماع، و أخبار الآحاد» الى آخره‏ (فليس يتولّد من الظّن فيها)

23

الظنّ بالحكم الفرعيّ الواقعيّ، و إنّما ينشأ منه الظنّ بالحكم الفرعيّ الظاهريّ، و هو ممّا لم يقتض انسداد باب العلم بالأحكام الواقعيّة العمل بالظنّ فيه، فإن انسداد باب العلم في حكم العصير العنبيّ إنّما يقتضي العمل بالظنّ في ذلك الحكم المنسدّ لا في حكم العصير من حيث أخبر عادل بحرمته.

بل أمثال هذه الأحكام الثابتة للموضوعات، لا من حيث هي، بل من حيث قيام الأمارة الغير المفيدة للظنّ الفعليّ عليها

____________

أي: في هذه المسائل‏ (الظّن بالحكم الفرعي الواقعي).

فإنا إذا ظننّا بالمسألة الاصولية فيها، لا ينشأ منه الظّن بالحكم الفرعي الواقعي‏ (و إنّما ينشأ منه الظّن بالحكم الفرعي الظاهري) لأنّا نظن: إنّ هذا حكمنا الفعلي، أمّا انّه حكم واقعي فلا نظنّ بذلك.

(و هو ممّا لم يقتض انسداد باب العلم بالأحكام الواقعية، العمل بالظّن فيه) أي: الفرعي الظاهري.

و إنّما يكون الفرعي الظّاهري ممّا لم يقتض انسداد باب العلم بالأحكام الواقعية العمل بالظّن فيه‏ (ف) ذلك‏ (إنّ انسداد باب العلم في حكم العصير العنبي إنّما يقتضي العمل بالظّن في ذلك الحكم المنسد) و هو الحكم الواقعي للعصير (لا في حكم العصير من حيث أخبر عادل بحرمته) و هو الحكم الظاهري.

فإنّا لما جهلنا الأحكام الواقعية التجأنا الى دليل الانسداد ليكشف لنا عن تلك الأحكام الواقعية، فاذا دلّ دليل على الحكم الظاهري، لم يكن ذلك مطلوبا لنا.

(بل أمثال هذه الأحكام) الظاهرية (الثابتة للموضوعات لا من حيث هي) لتكون أحكاما واقعية (بل من حيث قيام الأمارة غير المفيدة للظّنّ الفعلي عليها)

24

إن ثبت انسداد باب العلم فيها على وجه يلزم المحذور من الرجوع فيها إلى الاصول عمل فيها بالظنّ، و إلّا فانسداد باب العلم في الأحكام الواقعيّة و عدم إمكان العمل فيها بالاصول لا يقتضي العمل بالظنّ في هذه الأحكام، لأنّها لا تغني عن الواقع المنسدّ فيه العلم.

هذا غاية توضيح ما قرّره أستاذنا الشريف (قدّس سرّه) اللطيف، في منع نهوض دليل الانسداد لإثبات حجّية الظنّ في المسائل الاصوليّة.

____________

أي: غير المعتبر فيها ذلك الظنّ‏ (إن ثبت انسداد باب العلم فيها) أي: في هذه الأحكام الظاهرية (على وجه يلزم المحذور من الرّجوع فيها الى الأصول) العمليّة (عمل فيها بالظّن) أيضا.

(و إلّا فانسداد باب العلم في الأحكام الواقعيّة و عدم إمكان العمل فيها) أي: في الأحكام الواقعية (بالاصول) العمليّة (لا يقتضي العمل بالظّنّ، في هذه الأحكام) الظاهرية (لأنها لا تغني عن الواقع المنسدّ فيه العلم).

إذن: فالمطلوب: الأحكام الواقعية، و الانسداد ينتهي الى الأحكام الظاهرية، فالظنّ بالمسألة الاصولية يولّد الظّن بالمسألة الظاهرية، و الحال إنّا نريد المسألة الفرعية الواقعية، فليس الظنّ بالمسألة الاصولية المولّدة للفرعية الظاهرية حجّة من باب الانسداد، الذي يطلب منه الوصول الى الظّن بالواقع، لا الظّن بالحكم الظاهري.

(هذا غاية توضيح ما قرّره استاذنا الشريف) شريف العلماء ((قدّس سرّه) اللّطيف في منع نهوض دليل الانسداد لإثبات حجّية الظّنّ في المسائل الاصولية) و إنّما الانسداد هو حجّة في المسائل الفرعية فقط.

25

الثاني من دليل المنع: و هو أنّ الشهرة المحققة و الاجماع المنقول على عدم حجّية الظنّ في مسائل أصول الفقه، و هي مسألة اصوليّة، فلو كان الظنّ فيها حجّة وجب الأخذ بالشهرة و نقل الاجماع في هذه المسألة.

و الجواب: أمّا عن الوجه الأوّل فبأنّ دليل الانسداد وارد على أصالة حرمة العمل بالظنّ.

____________

(الثّاني من دليل المنع) أي: منع كون الانسداد حجّة بالنسبة إلى المسائل الاصولية (و هو: أنّ الشّهرة المحقّقة، و الاجماع المنقول على عدم حجّية الظّن في مسائل أصول الفقه) و قوله: «على» خبر قوله: «ان الشهرة» أي: انّ الشهرة و الاجماع قائمان على عدم حجّية الظّن في مسائل أصول الفقه‏ (و هي مسألة أصوليّة) أي: أنّ مسألة حجّية الظّن هي من مسائل أصول الفقه، و عدم الحجّية مسألة اصولية (فلو كان الظّن فيها حجّة، وجب الأخذ بالشّهرة و نقل الاجماع في هذه المسألة).

و الحاصل: انّه كما لا يمكن إبطال القياس بالقياس، كذلك لا يمكن إبطال الظّن في المسألة الاصولية بنفس الظّن في المسألة الاصولية لأنّ مسألة حجّية الظّن هي من المسائل الأصولية، و عدم الحجّية هي بنفسها مسألة اصولية.

ثمّ أنّه لما استدل شريف العلماء لعدم حجّية الظّنّ في المسائل الاصولية بدليلين:

الأوّل: أصالة الحرمة و عدم شمول دليل الانسداد للمسائل الاصوليّة.

الثاني: الشهرة المحقّقة و الاجماع المنقول على عدم حجّية الظنّ في المسائل الاصولية، شرع المصنّف في الجواب عن الدليلين فقال:

(و الجواب: أمّا عن الوجه الأوّل) و هو أصالة الحرمة (: فبأنّ دليل الانسداد وارد على أصالة حرمة العمل بالظّن) فكما يرد على أصالة حرمة العمل بالظّن أدلة

26

و المختار في الاستدلال به في المقام هو الوجه الثالث، و هو اجرائه في الأحكام الفرعيّة، و الظنّ في المسائل الاصوليّة مستلزم للظنّ في المسألة الفرعيّة.

و ما ذكر من كون اللازم منه هو الظنّ بالحكم الفرعيّ الظاهريّ صحيح، إلّا أنّ ما ذكر- من أنّ انسداد باب العلم في الأحكام الواقعيّة و بقاء التكليف بها و عدم جواز الرجوع فيها الى الاصول لا يقتضي إلّا اعتبار الظنّ بالحكم الشرعيّ الواقعيّ-

____________

خبر الواحد و ما أشبه، فكذلك يرد على أصالة حرمة العمل بالظنّ دليل الانسداد، لكن الخبر في حال الانفتاح و الظّن المطلق في حال الانسداد.

(و المختار في الاستدلال به) أي: بدليل الانسداد (في المقام هو الوجه الثالث) الذي ذكره شريف العلماء (و هو: إجرائه في الأحكام الفرعيّة، و الظّن في المسائل الاصولية مستلزم للظّن في المسألة الفرعية) حيث تقدمت عبارته- قبل صفحة و نصف تقريبا- بما لفظه: و أمّا أن يجري في خصوص المسائل الفرعية فيثبت به اعتبار الظّن في خصوص الفروع، و لكن الظّن بالمسألة الاصولية يستلزم الظنّ بالمسألة الفرعية التي يبتني عليها.

(و ما ذكره) شريف العلماء إشكالا على هذا الوجه الثالث‏ (من كون اللازم منه: هو الظّن بالحكم الفرعي الظّاهري صحيح، الّا أنّ ما ذكر: من أنّ انسداد باب العلم في الأحكام الواقعيّة و بقاء التكليف بها) أي: بتلك الأحكام الواقعية (و عدم جواز الرّجوع فيها الى الاصول لا يقتضي الّا اعتبار الظّنّ بالحكم الشّرعي الواقعي) غير تام، فقد تقدمت عبارته بقوله: «فليس يتولّد من الظّن فيها، الظّن بالحكم الفرعي الواقعي، و إنّما ينشأ منه الظّن بالحكم الفرعي الظاهري، و هو: ممّا لم‏

27

ممنوع.

بل المقدّمات المذكورة، كما عرفت غير مرّة، إنّما تقتضي اعتبار الظنّ بسقوط تلك الأحكام الواقعيّة و فراغ الذمّة منها. فاذا فرضنا مثلا أنّا ظننا بحكم العصير لا واقعا، بل من حيث قام عليه ما لا يفيد الظنّ الفعلي بالحكم الواقعي، فهذا الظنّ يكفي في الظنّ بسقوط الحكم الواقعيّ للعصير.

بل لو فرضنا أنّه لم يحصل ظنّ بحكم واقعيّ أصلا،

____________

يقتض انسداد باب العلم بالأحكام الواقعيّة العمل بالظّن فيه ...» فانّ هذا الاشكال‏ (ممنوع، بل المقدّمات المذكورة- كما عرفت غير مرّة- إنّما تقتضي اعتبار الظّن بسقوط تلك الأحكام الواقعية و فراغ الذمة منها).

هذا و سقوط الأحكام و فراغ الذمة، قد يكون بالوصول الى الواقع، و قد يكون بالوصول إلى بدله، فقوله: «إنّ الانسداد لا يوصل الى الواقع، بأن يعلم المكلّف إنّه واقع»، كلام صحيح، إلّا إنّا لا نريد الوصول الى الواقع فقط، بل يكفينا أن نصل الى الواقع أو بدل الواقع، و دليل الانسداد يصل الى أحدهما قطعا.

(فاذا فرضنا مثلا، إنّا ظننّا بحكم العصير لا واقعا) أي: لم نعلم إنّه حكم واقعي بالنسبة الى العصير (بل من حيث قام عليه ما لا يفيد الظّن الفعلي بالحكم الواقعي) أي: ظننّا بأن حكم العصير كذا، لكن لم يكن ظننا انّه كذا هو الحكم الواقعي للعصير بل احتملنا أنّه حكم واقعي و احتملنا انه حكم ظاهري‏ (فهذا الظّنّ يكفي في الظّنّ بسقوط الحكم الواقعي للعصير) و إن لم يكن ظنّا بالحكم الواقعي، لأنّا مأمورون بالواقع أو ببدله، لا بالواقع بما هو واقع.

(بل لو فرضنا: انّه لم يحصل ظنّ بحكم واقعي أصلا) أي: أنّ الظّن لم يتعلق‏

28

و إنّما حصل الظنّ بحجّية أمور لا تفيد الظنّ، فانّ العمل بها يظنّ معه سقوط الأحكام الواقعيّة عنّا، لما تقدّم من أنّه لا فرق في سقوط الواقع بين الاتيان بالواقع علما أو ظنّا و بين الاتيان ببدله كذلك، فالظنّ بالاتيان بالبدل كالظنّ بإتيان الواقع، و هذا واضح.

و أمّا الجواب عن الثاني: فبمنع الشهرة و الاجماع،

____________

بالحكم‏ (و إنّما حصل الظّنّ بحجّية أمور لا تفيد الظّن) كما اذا ظنّنا بحجّية خبر الواحد- مثلا- و قام الخبر الواحد على حرمة العصير، لكنّا لم نظنّ بالحرمة، لوضوح: انّ الظّن بالمسألة الاصولية لا يستلزم الظّن بالمسألة الفرعية.

بل القطع بالمسألة الاصولية لا يستلزم الظّن بالمسألة الفرعية، فاذا قطعنا- مثلا- بأنّ الشاهدين حجّة في نفسهما، و قام الشاهدان على انّ زيدا سارق، فإنّا قد نقطع بأنّه سارق، و قد نقطع انّه ليس بسارق، و قد نشك في سرقته و عدم سرقته و قد نظنّ بأحد الطرفين و نتوهم الطرف الآخر، فالقطع بالمسألة الاصولية لا يستلزم حتى الوهم بالنسبة الى الفرعية (فانّ العمل بها) أي: بتلك الامور كالعمل بالخبر الواحد- مثلا- (يظنّ معه سقوط الأحكام الواقعية عنّا).

و إنّما يظنّ‏ (لما تقدّم: من أنّه لا فرق في سقوط الواقع بين الاتيان بالواقع علما أو ظنّا، و بين الاتيان ببدله كذلك) أي: علما أو ظنّا (فالظّن بالاتيان بالبدل كالظّن بإتيان الواقع، و هذا واضح) لا غبار عليه، فقول شريف العلماء: «بأنّ الظّن في المسألة الاصوليّة ليس حجّة، لأنّه لا يوصل الى الظّن بالفرعيّة الواقعيّة»، غير تام، لأنّا لا نريد الفرعية الواقعية، بل يكفينا الفرعية الظاهرية التي هي بدل عن الواقع.

(و أمّا الجواب عن الثاني) الّذي قال: بأنّ الشهرة المحقّقة و الاجماع المنقول، يدلان على عدم حجّية الظّن في مسائل اصول الفقه‏ (فبمنع الشهرة و الاجماع)

29

نظرا إلى أنّ المسألة من المستحدثات، فدعوى الاجماع فيها مساوقة لدعوى الشهرة.

و ثانيا: لو سلّمنا الشهرة، لكنّه لأجل بناء المشهور على الظنون الخاصّة، كأخبار الآحاد و الاجماع المنقول.

و حيث إنّ المتّبع فيها الأدلة الخاصّة، و كانت أدلّتها كالإجماع و السيرة على حجّية أخبار الآحاد مختصّة بالمسائل الفرعيّة بقيت المسائل الاصوليّة تحت أصالة حرمة العمل بالظّنّ، و لم يعلم بل و لم يظنّ من مذهبهم الفرق بين الفروع و الاصول، بناء

____________

على هذه الدلالة (نظرا إلى إنّ المسألة من المستحدثات) فإن مسألة الانسداد بهذه الخصوصيات لا شك في أنّها مسألة حادثة، (فدعوى الاجماع فيها مساوقة لدعوى الشهرة) فيها، و كلاهما ممنوعان، إذ لا شهرة قطعا، و حيث لا شهرة قطعا فلا إجماع أيضا.

(و ثانيا: لو سلّمنا الشّهرة، لكنّه لأجل بناء المشهور على الظّنون الخاصة، كأخبار الآحاد، و الاجماع المنقول) و السيرة، و الأولوية، و نحوها.

(و حيث انّ المتبع فيها) أي: في الظّنون الخاصة (الأدلّة الخاصّة، و كانت أدلّتها- كالإجماع و السّيرة- على حجّية أخبار الآحاد مختصة بالمسائل الفرعيّة) فانّ غاية ما يثبت بالأدلة الخاصة اعتبار الظّنون الخاصة في المسائل الفرعية، فلو قامت الأدلة الخاصة على مسائل اصولية لم يكن دليل على اعتبار تلك الظّنون.

و لهذا (بقيت المسائل الاصولية تحت أصالة حرمة العمل بالظّنّ) فالظنّ حجّة في المسألة الفرعيّة لا في المسألة الاصولية.

هذا (و لم يعلم، بل و لم يظنّ من مذهبهم: الفرق بين الفروع و الاصول، بناء

30

على مقدّمات الانسداد و اقتضاء العقل كفاية الخروج الظنيّ عن عهدة التكاليف الواقعيّة.

و ثالثا: سلّمنا قيام الشهرة و الاجماع المنقول على عدم الحجّية على تقدير الانسداد، لكنّ المسألة أعني كون مقتضى الانسداد هو العمل بالظنّ مطلقا في الفروع دون الاصول عقليّة، و الشهرة و نقل الاجماع إنّما يفيدان الظنّ في المسائل التوقيفيّة دون العقليّة.

____________

على مقدّمات الانسداد) و إنّما يرون الفرق بينهما- بناء على الظّن الخاص- فيقولون بحجّية الظّن في الفروع دون الاصول.

(و) كذا لا يرون الفرق بين الفروع و الاصول بناء على‏ (اقتضاء العقل كفاية الخروج الظّني عن عهدة التكاليف الواقعيّة) حال الانسداد.

و الحاصل من الجواب على إشكال عدم حجّية الظّن في الاصول أمران:

أوّلا: لا شهرة و لا إجماع على عدم حجّية الظّن في المسائل الاصولية.

ثانيا: لو سلّمنا الشهرة و الاجماع، فهما يقولان بعدم حجّية الظّن في المسائل الاصولية على تقدير الانفتاح و حجّية الظن الخاص، و كلامنا نحن في حال الانسداد.

(و ثالثا: سلّمنا قيام الشّهرة و الاجماع المنقول على عدم الحجّية على تقدير الانسداد) أي: سلّمنا عدم صحة جوابنا الأوّل، و عدم صحة جوابنا الثاني‏ (لكنّ المسألة أعني: كون مقتضى الانسداد هو العمل بالظّن مطلقا) مقابل الظنون الخاصة (في الفروع دون الاصول، عقليّة) لأنّ العقل يقول: لا حجّية للظّن في الاصول‏ (و الشّهرة و نقل الاجماع إنّما يفيدان الظّن في المسائل التوقيفية، دون العقلية) لأنّ العقل لا يحتاج في حكمه الى ملاحظة حكم الغير.

31

و رابعا: إنّ حصول الظنّ بعدم الحجّية مع تسليم دلالة دليل الانسداد على الحجّية لا يجتمعان، فتسليم دليل الانسداد يمنع من حصول الظنّ.

و خامسا: سلّمنا حصول الظنّ، لكنّ غاية الأمر دخول المسألة فيما تقدّم من قيام الظنّ على عدم حجّية الظنّ، و قد عرفت أنّ المرجع فيه إلى متابعة الظنّ الأقوى، فراجع.

____________

و الحاصل: إنّ العقل يقول لا حجّية للظّن في الاصول، و أنتم تقولون الظّن حجّة في الاصول لقيام الشّهرة على حجّيته، فهو مثل أن يقول إنسان: يستحيل اجتماع النقيضين عقلا، و أنتم تقولون الشهرة قامت على جواز اجتماع النقيضين.

(و رابعا: إنّ حصول الظّن بعدم الحجّية) لأن الشهرة و الاجماع لما قاما على عدم الحجّية كان معناه: انّا نظنّ بسبب الشهرة و الاجماع عدم حجّية الظّن في الاصول‏ (مع تسليم دلالة دليل الانسداد على الحجّية) لأن المفروض: إنّ الظّن حاصل في المسائل الاصولية لكنّه ليس بحجّة على كلامكم، (لا يجتمعان) إذ كيف يجتمع الظّنّ بعدم الحجّية مع الظّن بالحجّية؟.

و عليه: (فتسليم دليل الانسداد) في الاصول‏ (يمنع من حصول الظّنّ) فيها، فالظّن في المسألة الاصولية لا يحصل أصلا.

(و خامسا: سلّمنا حصول الظّنّ) الذي منعناه في الجواب الرابع‏ (لكن غاية الأمر دخول المسألة فيما تقدّم من قيام الظّنّ على عدم حجّية الظّنّ) فهو من قبيل الظّن المانع و الممنوع.

(و قد عرفت: انّ المرجع فيه الى متابعة الظّنّ الأقوى، فراجع) و نتيجة ذلك:

أنّه ربّما يكون الظّنّ في مسائل أصول الفقه حجّة، و ربّما لا يكون حجّة، فأين ما ذكرتم بأنّه لا حجّية للظّن في المسائل الاصولية إطلاقا، حيث استدللتم‏

32

الأمر الرابع انّ الثابت بمقدّمات دليل الانسداد هو الاكتفاء بالظنّ في الخروج عن عهدة الأحكام المنسدّ فيها باب العلم، بمعنى أنّ المظنون إذا خالف حكم اللّه الواقعيّ لم يعاقب عليه بل يثاب عليه، فالظنّ بالامتثال إنّما يكفي في مقام تعيين الحكم الشرعيّ الممتثل.

و أمّا في مقام تطبيق العمل الخارجيّ على ذلك المعيّن، فلا دليل على الاكتفاء فيه بالظنّ.

____________

على ذلك بقيام الاجماع و الشهرة على عدم حجّية الظّن في مسائل أصول الفقه؟

لكن لا يخفى: إنّ بعض هذه الأجوبة محل تأمّل، و حيث إنّا بصدد الشرح غالبا نترك بيان الاشكال فيها الى المفصلات.

[الأمر الرابع إنّ الثابت بمقدمات دليل الانسداد هو حجّية الظّن في الأحكام و في مقدماتها]

(الأمر الرابع:) من تنبيهات الانسداد (إنّ الثابت بمقدمات دليل الانسداد) هو حجّية الظّن في الأحكام و في مقدماتها، أمّا في التطبيقات فالظّن ليس بحجّة، فالثابت بدليل الانسداد (هو الاكتفاء بالظّن في الخروج عن عهدة الأحكام المنسدّ فيها) أي: في تلك الأحكام‏ (باب العلم) و العلمي‏ (بمعنى: أنّ المظنون إذا خالف حكم اللّه الواقعي لم يعاقب عليه) أي: العامل بالظّن لا يعاقب على تركه حكم اللّه الواقعي. و إنّما لا يعاقب لأنّه عمل بظنّه‏ (بل يثاب عليه) لأنّه مأمور بالأمر العقلي المستتبع للأمر الشرعي، أو بالأمر الشرعي على اتباع الظنّ‏ (فالظّن بالامتثال إنّما يكفي في مقام تعيين الحكم الشرعي الممتثل) «الممتثل» مفعول «يكفي»، يعني يكفي المكلّف الظنّ.

(و أمّا في مقام تطبيق العمل الخارجي على ذلك المعيّن) أي: على ذلك الحكم المعين بحسب الظّن‏ (فلا دليل على الاكتفاء فيه) أي: في التطبيق‏ (بالظّن)

33

مثلا، إذا شككنا في وجوب الجمعة أو الظهر جاز لنا تعيين الواجب الواقعيّ بالظنّ، فلو ظننّا وجوب الجمعة فلا نعاقب على تقدير وجوب الظهر واقعا، لكن لا يلزم من ذلك حجّية الظنّ في مقام العمل على طبق ذلك الظنّ، فاذا ظننّا بعد مضيّ مقدار من الوقت بأنّا قد أتينا بالجمعة في هذا اليوم، لكن احتمل نسيانها فلا يكفي الظنّ بالامتثال من هذه الجهة، بمعنى أنّه إذا لم نأت بها في الواقع و نسيناها قام الظنّ بالاتيان مقام العلم به، بل يجب بحكم الأصل وجوب الاتيان بها.

____________

بل اللّازم أن يكون التطبيق بالعلم و العلمي.

(مثلا: إذا شككنا في وجوب الجمعة أو الظّهر، جاز لنا تعيين الواجب الواقعي بالظّن) و انّه هل الواجب في يوم الجمعة أن نأتي بصلاة الجمعة، أو بصلاة الظهر؟ (فلو ظننّا وجوب الجمعة فلا نعاقب) من قبل المولى‏ (على تقدير وجوب الظّهر واقعا) لأنّ العقل و الشرع قالا بإتباع الظنّ.

(لكن لا يلزم من ذلك) أي: من حجّية الظنّ على وجوب الجمعة (حجّية الظّن في مقام العمل على طبق ذلك الظّن)، بل اللازم أنّ نأتي بالجمعة قطعا بأن نقطع بأنّا أتينا بالجمعة، لا أن نظنّ أنّا أتينا بالجمعة.

و عليه: (فإذا ظنّنا بعد مضي مقدار من الوقت) يسع لفعل الجمعة (بأنّا قد أتينا بالجمعة في هذا اليوم، لكن احتمل نسيانها، فلا يكفي الظّن بالامتثال من هذه الجهة) أي: من جهة إنّا أتينا بالجمعة (بمعنى: أنّه إذا لم نأت بها) أي: بالجمعة (في الواقع و نسيناها، قام الظّن بالاتيان مقام العلم) فالظّن حجّة في أصل وجوب الجمعة، أمّا الاتيان بها في يوم الجمعة، فاللازم أن يكون مقطوعا (به، بل يجب بحكم الأصل) أي: أصالة عدم الاتيان‏ (وجوب الاتيان بها) أي: بالجمعة.

34

و كذلك لو ظننّا بدخول الوقت و أتينا بالجمعة فلا يقتصر على هذا الظنّ بمعنى عدم العقاب على تقدير مخالفة الظنّ للواقع بإتيان الجمعة قبل الزوال.

و بالجملة: إذا ظنّ المكلّف بالامتثال و براءة ذمّته و سقوط الواقع، فهذا الظنّ إن كان مستندا الى الظنّ في تعيين الحكم الشرعيّ كان المكلّف فيه معذورا مأجورا على تقدير المخالفة للواقع، و إن كان مستندا إلى الظنّ بكون الواقع في الخارج منه‏

____________

(و كذلك لو ظننا بدخول الوقت و أتينا بالجمعة) و لم نعلم بالدخول علما قطعيا (فلا يقتصر على هذا الظّن) بل اللازم الاتيان بها بعد القطع بدخول الوقت‏ (بمعنى: عدم العقاب على تقدير مخالفة الظنّ للواقع بإتيان الجمعة قبل الزوال) أي: إنّ هذا الظّن لا يرفع العقاب على تقدير كونه مخالفا للواقع.

و الحاصل: انّه لا يكفي الظّن في أصل الاتيان، أو في شرطه، أو في جزئه، كما إذا ظنّ بأنّه قد قرأ الحمد، و الحال إنّه بعد في محله فالمثال الأوّل: لأصل الاتيان، و المثال الثاني: للشرط، و لم يذكر المصنّف مثال الجزء اكتفاء منه بذكر الشرط، لأن الشرط و الجزء لهما حال واحد.

(و بالجملة: إذا ظنّ المكلّف بالامتثال و) ظنّ ب (براءة ذمته و سقوط الواقع) عنه‏ (فهذا الظّن إن كان مستندا الى الظنّ في تعيين الحكم الشرعي) بأن تعلق الظّن بأصل الحكم الشرعي، أو بمقدماته، كمسائل الاصول‏ (كان المكلّف فيه معذورا مأجورا على تقدير المخالفة للواقع) و ذلك للمصلحة السلوكية الّتي ذكرناها في أوّل الكتاب.

(و إن كان مستندا إلى الظّن بكون الواقع في الخارج منه) أي: من الحكم‏

35

منطبقا على الحكم الشرعيّ فليس معذورا، بل يعاقب على ترك الواقع أو ترك الرجوع الى القواعد الظاهريّة التي هي المعوّل لغير العالم.

و ممّا ذكرنا تبيّن: أنّ الظنّ بالأمور الخارجيّة عند فقد العلم بانطباقها على المفاهيم الكلّيّة التي تعلّق بها الأحكام الشرعيّة لا دليل على اعتباره، و أنّ دليل الانسداد إنّما يعذر الجاهل فيما انسدّ فيه باب العلم، لفقد الأدلّة المنصوبة من الشارع و إجمال ما وجد منها.

____________

(منطبقا على الحكم الشرعي، فليس معذورا، بل يعاقب على ترك الواقع، أو ترك الرّجوع الى القواعد الظّاهرية الّتي هي) أي: القواعد الظاهرية (المعوّل لغير العالم) و ذلك لأنه لا انسداد في مقام التطبيق، و انّما الانسداد في مقام الحكم، فاللازم في مقام التطبيق سلوك الطرق العقلائية من العلم أو العلمي.

هذا و قول المصنّف: «على ترك الواقع، أو ترك الرجوع»، اشارة الى التسوية بين الواقع، و بين القواعد الظاهرية، التي على المكلّف الرّجوع الى أيهما شاء، لأنا ذكرنا في مسألة القطع: إنّ العلمي في عرض العلم و إنّ تمكن المكلّف من العلم.

(و ممّا ذكرنا): من انّ الظنّ حجّة في الأحكام لا في التطبيقات‏ (تبيّن: أنّ الظّنّ بالامور الخارجيّة عند فقد العلم بانطباقها) أي: بانطباق هذه الامور الخارجية (على المفاهيم الكلّية الّتي تعلّق بها) أي: بتلك المفاهيم الكلّية (الأحكام الشرعيّة، لا دليل على اعتباره) أي: اعتبار هذا الظّن.

(و) تبين أيضا: (انّ دليل الانسداد إنّما يعذر الجاهل فيما انسدّ فيه باب العلم، لفقد الأدلة المنصوبة من الشّارع، و إجمال ما وجد منها) أي: من تلك الأدلة.

36

و لا يعذر الجاهل بالامتثال من غير هذه الجهة، فانّ المعذور فيه هو الظنّ بأنّ قبلة العراق ما بين المشرق و المغرب، أمّا الظنّ بوقوع الصلاة إليه فلا يعذر فيه.

فظهر اندفاع توهّم أنّه إذا بنى على الامتثال الظنيّ للأحكام الواقعيّة فلا يجدي إحراز العلم بانطباق الخارج‏

____________

و الواو في قوله: «و إجمال»، للترديد لا للجمع، أي: في مقام فقد الدليل أو إجمال الدّليل، مثل قولهم: «الكلمة: اسم و فعل و حرف»، حيث انّ الكلمة الواحدة ليست كل ذلك، بل المراد: انّ الكلمة: إمّا اسم، أو فعل، أو حرف.

(و لا يعذر الجاهل بالامتثال من غير هذه الجهة) أي: من جهة الأحكام، فالجاهل غير معذور من جهة التطبيقات.

هذا و المراد بالجاهل غير المعذور هنا: غير العالم و لو كان ظانّا مع التمكن من العلم، أمّا إذا لم يتمكن من العلم، فمعذور قطعا و يقوم الظنّ مقام العلم، مثل من غمّت لديه الشهور بالنسبة الى الصيام، و من كان في سجن مظلم بالنسبة الى أوقات الصلاة، و الى غير ذلك، و قد ذكر المصنّف لذلك مثالا بقوله: (فانّ المعذور فيه هو الظّن بأن قبلة العراق ما بين المشرق و المغرب) أي: فيما إذا لم يعلم الانسان خصوصية القبلة، و إنّما علم إجمالا انّها بين المغرب و المشرق، فاذا صلى فيما بينهما صحت صلاته.

(أمّا الظّن بوقوع الصّلاة اليه) أي: الى ما بين المغرب و المشرق‏ (فلا يعذر فيه) لو خالف الواقع‏ (فظهر) ممّا ذكرناه: من أنّ الظّن الانسدادي حجّة في الأحكام، لا في التطبيقات‏ (اندفاع توهّم) صاحب القوانين: من‏ (انّه إذا بنى على الامتثال الظّني للأحكام الواقعيّة، فلا يجدي إحراز العلم بانطباق الخارج‏

37

على المفهوم؛ لأنّ الامتثال يرجع بالآخرة الى الامتثال الظنّي، حيث أنّ الظانّ بكون القبلة ما بين المشرق و المغرب امتثاله للتكاليف الواقعيّة ظنيّ، علم بما بين المشرق و المغرب أو ظنّ.

و حاصله: انّ حجّية الظنّ في تعيين الحكم بمعنى معذوريّة الشخص مع المخالفة لا يستلزم حجّيته في الانطباق بمعنى معذوريّته لو لم يكن الخارج منطبقا على ذلك الذي عيّن و إلّا لكان الاذن في العمل بالظنّ في بعض شروط الصلاة أو أجزائها يوجب جوازه في سائرها

____________

على المفهوم) إذ أي فائدة في العلم بالانطباق و الحال انّه بالتالي يرجع الى الظّن؟

لأنّ النتيجة تابعة لأخس المقدمتين كما قال:

(لأنّ الامتثال يرجع بالآخرة إلى الامتثال الظّني حيث انّ الظّان بكون القبلة ما بين المشرق و المغرب امتثاله للتكاليف الواقعيّة ظنّي، علم بما بين المشرق و المغرب أو ظنّ) فاذا كان انسداد بالنسبة الى نقطة القبلة بين المشرق و المغرب، فكما يجوز انّ يعمل بالظّن في النقطة الخاصة ما بينهما، كذلك يجوز أن يعمل بالظّن بأنّه ما بين المشرق و المغرب أولا.

(و حاصله:) أي: حاصل الاندفاع و الجواب عن صاحب القوانين هو: (انّ حجّية الظّنّ في تعيين الحكم بمعنى: معذوريّة الشّخص مع المخالفة) للواقع، مخالفة للحكم‏ (لا يستلزم حجّيته) أي: حجّية الظّنّ‏ (في الانطباق) و الحجّية هنا (بمعنى: معذوريّته) أي: معذورية الشّخص في العمل الخارجي‏ (لو لم يكن الخارج منطبقا على ذلك الّذي عيّن) بالظّن.

(و إلّا لكان الاذن في العمل بالظّن في بعض شروط الصّلاة، أو أجزائها، يوجب جوازه) أي: جواز العمل بالظّن‏ (في سائرها) أي: في سائر الأجزاء

38

و هو بديهيّ البطلان.

فعلم أنّ قياس الظنّ بالأمور الخارجيّة على المسائل الاصوليّة و اللغويّة و استلزامه الظنّ بالامتثال قياس مع الفارق، لأنّ جميع هذه يرجع إلى شي‏ء واحد هو الظنّ بتعيين الحكم.

____________

و الشرائط.

و إنّما قلنا: «و إلّا لكان الاذن ...» لنفس الدّليل الّذي ذكره القوانين بقوله: «لأنّ الامتثال يرجع بالآخرة الى الامتثال الظنّي ...».

(و هو) إشارة الى قوله: و إلّا لكان الاذن ...» (بديهيّ البطلان) لوضوح: انّه إذا لم نتمكن من العلم في وجوب السورة و تمكنا من العلم بوجوب الحمد، لا يجوز لنا ترك العلم بالحمد الى الظّنّ به، فان يتنزّل من العلم الى الظّنّ بقدر الاضطرار، و لا اضطرار بالنسبة الى الحمد، و إنّما الاضطرار بالنسبة الى السورة فقط.

(فعلم: انّ قياس الظّنّ بالأمور الخارجية) الذي فعله صاحب القوانين حيث قال: بأن الظّن في التطبيقات الخارجيّة (على المسائل الاصولية و اللّغوية) حيث أنّ الظنّ حجّة في هذه المسائل، (و استلزامه) أي: هذا القياس كفاية (الظّنّ بالامتثال) فلا حاجة الى أن نقطع في التطبيق حتى يكون امتثال‏ (قياس مع الفارق).

إذن: فالمسائل الاصولية و اللّغوية الظّن فيها حجّة، أمّا التطبيقات الخارجية فالظنّ ليس حجّة فيها (لأنّ جميع هذه) أي: المسائل الاصولية و اللّغوية (يرجع الى شي‏ء واحد هو: الظّنّ بتعيين الحكم) لا التطبيق، فالتطبيق شي‏ء، و تعيين الحكم شي‏ء آخر، و الظّن إنّما هو حجّة في تعيين الحكم، لا في تطبيق الحكم‏

39

ثمّ إن المعلوم عدم جريان دليل الانسداد في نفس الامور الخارجيّة، لأنّها غير منوطة بأدلّة و أمارات مضبوطة حتّى يدّعى طروّ الانسداد فيها في هذا الزمان، فيجري دليل الانسداد في أنفسها، لأنّ مرجعها ليس الى الشرع و لا الى مرجع آخر منضبط.

____________

الكلي على المصداق الخارجي.

لا يقال: سلّمنا أنّه لا يجري دليل الانسداد المرتبطة بالأحكام في التطبيقات الخارجية، لكنّا نقرّر انسدادا آخر في باب التطبيقات.

لأنه يقال: (ثمّ انّ المعلوم: عدم جريان دليل الانسداد في نفس الامور الخارجية) و التطبيقات لكليات الأحكام على هذه الامور، لنقرّر دليل الانسداد في الوقت بالنسبة الى الصلاة- مثلا- و غير ذلك. و إنّما لا يجري‏ (لأنّها) أي: الامور الخارجية (غير منوطة بأدلّة و أمارات مضبوطة حتى يدّعى طروّ الانسداد فيها) أي: في تلك الأمارات و الأدلة، فليس مثل ما قرر الانسداد في الأحكام الشرعية حيث انّها منوطة بأدلة، و أمارات مضبوطة: كالخبر الواحد، و الاجماع المنقول، و الشهرة، و الأولوية، و السيرة، و ما أشبه ذلك.

و عليه: فانّ‏ (في هذا الزمان) المتأخر عن زمان المعصومين (عليهم السلام)، يجري الانسداد في الأحكام الشرعية فقط، دون التطبيقات الخارجية (ف) انّها غير منوطة بأدلة و أمارات مضبوطة، حتى‏ (يجري دليل الانسداد في أنفسها).

إذن: فلا طريق للانسداد في نفس تلك الأمور الخارجية (لانّ مرجعها ليس الى الشرع، و لا إلى مرجع آخر منضبط) حتى يدّعى طروّ الانسداد فيه، لانّ الشي‏ء المنضبط يجري فيه الانسداد اذا جهل ذلك الشي‏ء المنضبط، أمّا الشي‏ء

40

نعم، قد يوجد في الأمور الخارجيّة ما لا يبعد إجراء نظير دليل الانسداد فيه، كما في موضوع الضرر الذي انيط به أحكام كثيرة من جواز التيمّم و الافطار و غيرهما، فيقال: إنّ باب العلم بالضرر منسدّ غالبا إذ لا يعلم غالبا إلا بعد تحققه، فاجراء أصالة عدمه في تلك الموارد يوجب المحذور، و هو الوقوع في الضرر غالبا، فتعيّن إناطة الحكم فيه بالظنّ.

____________

غير المنضبط فلا انضباط له حتى يكون معلوما تارة و مجهولا اخرى، فاذا كان معلوما وجب العلم فيه، و إذا كان مجهولا جرى الانسداد فيه.

(نعم، قد يوجد في الامور الخارجية ما لا يبعد اجراء نظير دليل الانسداد فيه، كما في موضوع الضرر الذي أنيط به أحكام كثيرة) حيث انّ الشارع جعل الضرر سببا لأحكام كثيرة غير الأحكام الأوليّة (من جواز التيمّم) بدل الوضوء و الغسل‏ (و الافطار) إذا كان الصوم ضارا (و غيرهما) كالجبيرة، و مناسك الحجّ، حيث إنّ الاضطرار يغير الوضوء، و الغسل، و الجبيرة، و يغير جملة من أحكام الحجّ الى الأحكام الاضطرارية.

و إنّما يقرر الانسداد في باب الضرر بالكيفية التالية:

(فيقال: إنّ باب العلم بالضرر منسدّ غالبا، إذ لا يعلم غالبا) الضرر (إلا بعد تحقّقه) و ذلك يوجب الضرر على العباد إذا قيد الشارع: «لا ضرر» بالعلم بالضرر (فإجراء أصالة عدمه) أي: عدم الضرر (في تلك الموارد يوجب المحذور، و هو: الوقوع، في الضّرر غالبا) و الشارع لا يريد ضرر المكلفين لأنّه قال: «لا ضرر و لا ضرار» (فتعيّن إناطة الحكم فيه بالظّن).

و عليه: فكلّما ظنّ المكلّف الضرر تبدّل حكمه من الحكم الأولي الى الحكم‏

41

هذا إذا أنيط الحكم بنفس الضرر، و أمّا إذا انيط بموضوع الخوف فلا حاجة إلى ذلك، بل يشمل حينئذ الشكّ أيضا.

و يمكن أن يجري مثل ذلك في مثل العدالة و النسب و شبههما

____________

الثانوي، و إذا لم يظنّ الضرر كان مكلّفا بالحكم الأولي.

ثمّ أن‏ (هذا) الذي ذكرناه: من جريان دليل الانسداد في باب الضرر إنّما هو (إذا أنيط الحكم بنفس الضّرر) بأن قال الشارع: إنّ الّذي‏

يتضرر بالصوم لا يصوم، و إنّ الذي يتضرر بالوضوء و الغسل يتيمم، و هكذا.

(و أمّا اذا أنيط) الحكم الضرري‏ (بموضوع الخوف) بأن قال الشّارع: إذا خفت الضرر فلا تصم، أو لا تحج، أو تتيمم، أو ما أشبه‏ (فلا حاجة الى ذلك) الانسداد (بل يشمل حينئذ) موضوع الخوف‏ (الشّك أيضا).

و عليه: فاذا شك في انّ الشي‏ء الفلاني ضرر عليه أو لا و خاف الضّرر، تنزّل الى الحكم الثانوي، بل إذا كان الموضوع هو خوف الضرر شمل الوهم أيضا فان الخوف يشمل الوهم، فاذا كان اللصوص يقتلون راكبي سيارة من عشر سيارات، فالراكب في احداها متوهم انّه يقتل لا شاك، لأنّ الشك فيما كان طرفاه متساويين، بينما هنا احتمال السلامة تسعة من عشرة، و احتمال القتل واحد من عشرة و مع ذلك يقول العقلاء هنا خوف الضرر.

(و يمكن أن يجري مثل ذلك) أي: مثل موضوع الضرر (في مثل العدالة، و النّسب، و شبههما) كقيم المتلفات، و الأرش في الجنايات، و ما أشبه ذلك، فان سبيل العلم بها على الوجه المضمون من الزيادة و النقيصة غير موجود غالبا،

42

من الموضوعات التي يلزم من إجراء الاصول فيها مع عدم العلم، الوقوع في مخالفة الواقع كثيرا، فافهم.

____________

إذ يضطرب فيها السوق و الخبراء و يزيدون و ينقصون باختلاف الرغبات.

و إلى غير ذلك‏ (من الموضوعات الّتي يلزم من إجراء الاصول فيها مع عدم العلم، الوقوع في مخالفة الواقع كثيرا).

مثلا: إذا شككنا في أرش الجناية بأنه عشرة، أو مائة، أو خمسمائة؟ فأجرينا أصل عدم الزيادة عن العشرة على الجاني، و كذا أجرينا أصل عدم العدالة في هذا الشاهد، و في هذا الامام، و في هذا القاضي، و في هذا المرجع، و أصل عدم انتساب هذا الولد الى هذا الأب، و أصل عدم أخوة زيد و عمرو فيما إذا مات أحدهما و ادعى الآخر ارثه، و أصل عدم الضرر في الوضوء و الغسل و الصوم، و هكذا، لزم الوقوع في مخالفة الواقع كثيرا.

و لهذا نجري الانسداد الصغير في هذه الامور و نقول: لا شك أنّ هناك أضرارا، و طريق العلم اليها منسدّ، و إجراء الأصل فيها يوجب الوقوع في كثير من تلك الأضرار، التي لا يرضى بها الشّارع، و الاحتياط عسر، و غير ذلك من مقدمات الانسداد، فاللازم أن يكون المرجع في تلك الأضرار: الظّن، فكلما ظننّا بالضرر عملنا بالحكم الثانوي كالتيمم، و كل ما لم نظنّ بالضرر عملنا بالحكم الأولي من باب الكشف، أو من باب الحكومة.

و هكذا نقول في العدالة و النسب و غيرهما.

(فافهم) و لعلّه إشارة إلى أنّه لا يجري الانسداد في هذه الموضوعات مطلقا، و إنّما يجري الانسداد فيما تمت فيه مقدّمات الانسداد من وقوع العسر و الحرج و الخروج عن الدّين، و ما أشبه.

43

الأمر الخامس في اعتبار الظنّ في اصول الدّين و الأقوال المستفادة من تتبّع كلمات العلماء في هذه المسألة، من حيث وجوب مطلق المعرفة أو الحاصلة عن خصوص النظر و كفاية الظنّ مطلقا أو في الجملة، ستّة:

____________

أو أنّ مراده من قوله: «فافهم»، أنّ العدالة، و النسب، و الضرر، و نحوها، يؤخذ من العرف حتى بدون الظن الشخصي، لأنّ الشارع لم يجعل فيه طريقا جديدا، و العرف له موازين خاصة في هذه الامور، فلا حاجة الى جريان الانسداد فيها.

[الأمر الخامس في اعتبار الظّنّ في اصول الدّين‏]

(الأمر الخامس) من تنبيهات الانسداد: (في اعتبار الظّنّ في اصول الدّين، و) أنّه هل يكفي الظّنّ أو يلزم فيه العلم؟.

(الأقوال المستفادة من تتبّع كلمات العلماء في هذه المسألة من حيث وجوب مطلق المعرفة) و لو كانت حاصلة من التقليد (أو الحاصلة عن خصوص النّظر) و الاجتهاد (و كفاية الظّنّ مطلقا) من أي سبب كان‏ (أو في الجملة) أي: من أسباب خاصة (ستة).

هذا و قد عرفت: أن أصول الأقسام أربعة:

الأوّل: وجوب المعرفة العلمية مطلقا و لو من التقليد.

الثاني: وجوب المعرفة الحاصلة من النظر فقط.

الثالث: كفاية الظّن مطلقا من أي: سبب حصل.

الرابع: كفاية الظّن في الجملة لا كلّ ظنّ.

44

الأوّل: اعتبار العلم فيها من النظر و الاستدلال، و هو المعروف عن الأكثر و ادّعى عليه العلّامة في الباب الحادي عشر من مختصر المصباح إجماع العلماء كافّة.

و ربّما يحكى دعوى الاجماع عن العضدي، لكنّ الموجود منه في مسألة عدم جواز التقليد في العقليات من اصول الدّين دعوى إجماع الامة على وجوب معرفة اللّه.

الثاني: اعتبار العلم و لو من التقليد، و هو المصرّح به في كلام بعض و المحكي عن آخرين.

الثالث: كفاية الظنّ مطلقا،

____________

و كيف كان:- فقد ذكر المصنّف هنا أقوالا ستة:

(الأوّل: اعتبار العلم فيها من النظر و الاستدلال) و لو كان استدلالا خفيفا (و هو المعروف عن الأكثر، و ادّعى عليه العلّامة في الباب الحادي عشر من مختصر المصباح: إجماع العلماء كافة) على أنّه يجب معرفة اصول الدين بالنظر و الاستدلال. (و ربّما يحكى دعوى الاجماع عن العضدي) من العامّة (لكن الموجود منه) أي: من كلام العضدي‏ (في مسألة عدم جواز التّقليد في العقليّات من اصول الدّين: دعوى إجماع الامة على وجوب معرفة اللّه) سبحانه، و ليس فيه تعرض لاعتبار العلم و لا لزوم كونه حاصلا عن الاستدلال و النظر.

(الثّاني: اعتبار العلم و لو من التّقليد) فلا حاجة الى الاستدلال و النظر (و هو المصرّح به في كلام بعض و المحكي عن آخرين) من علمائنا.

(الثالث: كفاية الظّنّ مطلقا) في مقابل القول الرابع و الخامس حيث فيهما

45

و هو المحكيّ عن جماعة، منهم: المحقّق الطوسيّ في بعض الرسائل المنسوبة إليه، و حكي نسبته إليه في فصوله و لم أجده فيه، و عن المحقّق الأردبيليّ و تلميذه صاحب المدارك، و ظاهر شيخنا البهائيّ و العلّامة المجلسيّ و المحدّث الكاشاني (قدّس سرّهم).

الرابع: كفاية الظنّ المستفاد من النظر و الاستدلال دون التقليد، حكي عن شيخنا البهائيّ، في بعض تعليقاته على شرح المختصر أنّه نسبه إلى بعض.

الخامس: كفاية الظنّ المستفاد من أخبار الآحاد، و هو الظاهر ممّا حكاه العلّامة (قدّس سرّه)، في النهاية عن الأخباريين، من أنّهم لم يعوّلوا في اصول الدين‏

____________

يشترط الظّن من طرق خاصة (و هو المحكي عن جماعة منهم المحقق الطّوسي في بعض الرّسائل المنسوبة اليه، و حكي نسبته اليه في فصوله) لأنّ المحقّق الطوسي كتب كتابا سمّاه الفصول‏ (و لم أجده فيه) أي: في ذلك الكتاب.

(و عن المحقّق الأردبيلي، و تلميذه صاحب المدارك، و ظاهر شيخنا البهائي، و العلّامة المجلسي، و المحدّث الكاشاني (قدّس سرّهم)) هذا القول أيضا، حيث انهم اكتفوا بالظّنّ مطلقا في اصول الدين.

(الرّابع: كفاية الظّنّ المستفاد من النظر و الاستدلال، دون التّقليد) فالظّن إذا كان مستندا إلى التقليد لم يكف، أمّا إذا كان مستندا إلى الاستدلال و النظر كفى‏ (حكي عن شيخنا البهائي في بعض تعليقاته على شرح المختصر انّه نسبه الى بعض) علمائنا.

(الخامس: كفاية الظّنّ المستفاد من أخبار الآحاد و هو الظاهر ممّا حكاه العلّامة (قدّس سرّه) في النّهاية عن الأخباريّين: من انّهم لم يعوّلوا في اصول الدين‏

46

و فروعه إلّا على أخبار الآحاد، و حكاه الشيخ في عدّته في مسألة حجّية أخبار الآحاد عن بعض غفلة أصحاب الحديث، و الظاهر أنّ مراده حملة الأحاديث الجامدون على ظواهرها المعروضون عمّا عداها من البراهين العقليّة المعارضة لتلك الظواهر.

السادس: كفاية الجزم بل الظنّ من التقليد مع كون النظر واجبا مستقلا، لكنّه معفوّ عنه،

____________

و فروعه، إلّا على أخبار الآحاد) و حيث انّ خبر الواحد يوجب الظّنّ النوعي فظاهر كلامهم: انّ الظّنّ في اصول الدين كاف.

(و حكاه الشيخ في عدّته في مسألة حجّية أخبار الآحاد عن بعض، غفلة أصحاب الحديث) أي: الغافلين الذين يحملون الأحاديث، فانهم يرون صحة الاعتماد في اصول الدين و فروع الدين على أخبار الآحاد.

(و الظاهر أنّ مراده: حملة الأحاديث، الجامدون على ظواهرها، المعرضون عمّا عداها من البراهين العقليّة، المعارضة لتلك الظواهر) كما ان الظاهر: عدم وجود مثل هؤلاء في الشيعة الذين نعرفهم، فلعلّ الشيخ أراد به الظاهرية من العامّة و الحشوية.

(السادس: كفاية الجزم بل الظّن من التقليد، مع كون النّظر واجبا مستقلا لكنّه معفوّ عنه) فهنا مسألتان:

أولا: مسألة وجوب الجزم أو الظنّ و لو من التقليد.

ثانيا: مسألة وجوب النظر.

فاذا ترك وجوب النظر ترك واجبا، لكنّه لم يترك المعرفة الواجبة إذا كان له جزم، أو ظنّ تقليدي.

47

كما يظهر من عدّة الشيخ (قدّس سرّه)، في مسألة حجّية أخبار الآحاد و في أواخر العدّة.

ثمّ إنّ محلّ الكلام في كلمات هؤلاء الأعلام غير منقّح، فالأولى ذكر الجهات التي يمكن أن يتكلّم فيها، و تعقيب كلّ واحدة منها بما يقتضيه النظر من حكمها، فنقول مستعينا باللّه: انّ مسائل اصول الدّين، و هي التي لا يطلب فيها أوّلا و بالذات إلّا الاعتقاد باطنا و التديّن ظاهرا و إن ترتّب على وجوب ذلك بعض الآثار العمليّة على قسمين:

____________

(كما يظهر من عدة الشيخ (قدّس سرّه) في مسألة حجّية أخبار الآحاد، و في أواخر العدّة).

و إنّما ذكر المصنّف هذا التنبيه هنا، لنرى: انّه مع الانفتاح هل يكفي الظّنّ بأصول الدين أو يلزم العلم بها؟ و انّه مع الانسداد لباب العلم في اصول الدين هل تجري مقدمات الانسداد في هذا الباب أيضا كما تجري في باب المسائل الشرعية أم لا؟.

(ثمّ إنّ محلّ الكلام في كلمات هؤلاء الأعلام) في باب اصول الدين‏ (غير منقّح، فالأولى ذكر الجهات الّتي يمكن أن يتكلّم فيها و تعقيب كلّ واحدة منها) أي: من هذه الجهات‏ (بما يقتضيه النظر من حكمها، فنقول مستعينا باللّه) متوكلا عليه:

[إنّ مسائل اصول الدّين على قسمين‏]

(إنّ مسائل اصول الدّين، و هي الّتي لا يطلب فيها أولا و بالذات إلّا الاعتقاد باطنا و التدين ظاهرا) و ذلك بأن يعتقد بقلبه و يقرّ بلسانه‏ (و ان ترتب على وجوب ذلك) الاعتقاد الباطني و التدين الظاهري‏ (بعض الآثار العمليّة) كالمطالعة لمعرفة الحق، و الاستماع لقائل الحق، و التعلم، و ما أشبه ذلك‏ (على قسمين) كالتالي:

48

أحدهما ما وجب على المكلّف الاعتقاد و التديّن غير مشروط بحصول العلم، كالمعارف، فيكون تحصيل العلم من مقدّمات الواجب المطلق فيجب.

الثاني: ما يجب الاعتقاد و التديّن به إذا اتفق حصول العلم به، كبعض تفاصيل المعارف.

و أمّا الثاني: فحيث كان المفروض عدم وجوب تحصيل المعرفة العلميّة، كان الأقوى القول بعدم وجوب العمل فيه بالظنّ لو فرض حصوله‏

____________

(أحدهما: ما وجب على المكلّف الاعتقاد و التّدين غير مشروط بحصول العلم) بأن قال الشارع له: يجب عليك أن تعتقد و تتدين‏ (كالمعارف) الخمسة من اصول الدين‏ (فيكون تحصيل العلم من مقدّمات الواجب المطلق، فيجب) هذا التحصيل للعلم و هذا أوّلا و بالذّات عقلي، و ثانيا و بالعرض شرعي لا بالنسبة الى جميع الاصول الخمسة، فإن مثل الامامة يكون- كما قاله جمع- بدليل شرعي بعد ثبوت النبوة على ما ذكرنا بعض تفصيله في كتاب «الاصول».

[القسم الثّاني ما يجب الاعتقاد و التديّن به إذا اتّفق حصول العلم به‏]

(الثّاني: ما يجب الاعتقاد و التديّن به إذا اتّفق حصول العلم به، كبعض تفاصيل المعارف) الخمسة: من أحوال البرزخ و المعاد، و خصوصيات الجنة و النّار، و كذلك خصوصيات النبيّ و الامام (صلوات اللّه عليهما).

(و أمّا الثّاني:) و هو ما يجب الاعتقاد و التديّن إذا اتفق حصول العلم به‏ (فحيث كان المفروض عدم وجوب تحصيل المعرفة العلميّة) بالنسبة اليه، (كان الأقوى القول: بعدم وجوب العمل فيه بالظّن لو فرض حصوله) يعني: انّه لو فرض حصول الظّنّ بخصوصيات البرزخ و ما أشبه، لم يجب العمل بذلك بأن يلتزم به قلبا، و يظهره للناس لسانا، و ما أشبه ذلك.

49

و وجوب التوقف فيه، للأخبار الكثيرة الناهية عن القول بغير علم و الآمرة بالتوقّف، و أنّه: «إذا جاءكم ما تعلمون فقولوا به، و إذا جاءكم ما لا تعلمون فها، و أهوى بيده إلى فيه»، و لا فرق في ذلك بين أن يكون الأمارة في تلك المسألة خبرا صحيحا أو غيره.

____________

و عليه: فاذا لم يظهره لم يكن مشمولا لقوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَ الْهُدى‏ مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ، أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَ يَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ‏ (1).

و لم يكن مشمولا للحديث القائل: «من كتم علما ألجمه اللّه تعالى يوم القيامة بلجام من نار» (2).

و ذلك لانصراف أمثال هذه الآيات و الروايات الى ما علم به، لا ما ظنّ.

(و) كذا كان الأقوى: القول بعدم‏ (وجوب التّوقّف فيه) فلا يلتزم بنفسه بذلك، هذا كله‏ (للأخبار الكثيرة الناهية عن القول بغير علم) كقوله سبحانه:

وَ لا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ‏ (3) (و الآمرة بالتوقّف و انّه: «إذا جاءكم ما تعلمون فقولوا به، و إذا جاءكم ما لا تعلمون فها») (4) قال الامام هذه الكلمة (و أهوى بيده الى فيه) أي: توقفوا و اسكتوا، و لعلّ: «ها»، اسم فعل بمعنى: «تنبّه»، و الهاء في كلمة هذا من هذا القبيل، لأنّ ذا: للإشارة، و ها: للتنبيه.

(و لا فرق في ذلك) الّذي ظنّ به الانسان ممّا لا يجب عليه إظهاره و العمل به‏ (بين أن يكون الأمارة في تلك المسألة خبرا صحيحا، أو غيره) كالإجماع‏

____________

(1)- سورة البقرة: الآية 159.

(2)- منية المريد: ص 42 (بالمعنى)، بحار الانوار: ج 2 ص 78 ب 13 ح 66 و ج 108 ص 115.

(3)- سورة الاسراء: الآية 36.

(4)- الكافي (اصول): ج 1 ص 57 ح 13.

50

قال شيخنا الشهيد الثاني في المقاصد العليّة- بعد ذكر أنّ المعرفة بتفاصيل البرزخ و المعاد غير لازم-: «و أمّا ما ورد عنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، في ذلك من طريق الآحاد فلا يجب التصديق به مطلقا و إن كان طريقه صحيحا، لأنّ خبر الواحد ظنّيّ، و قد اختلف في جواز العمل به في الأحكام الشرعيّة الظنّية، فكيف بالأحكام الاعتقاديّة العلميّة»، انتهى.

و ظاهر الشيخ في العدّة أنّ عدم جواز التعويل في اصول الدين على أخبار

____________

المنقول، و نحو ذلك.

و يؤيده ما استدل به المصنّف حيث قال: (قال شيخنا الشهيد الثّاني في المقاصد العليّة بعد ذكر: انّ المعرفة بتفاصيل البرزخ و المعاد غير لازم) ما لفظه:

(و أمّا ما ورد عنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في ذلك من طريق الآحاد، فلا يجب التّصديق به مطلقا) حتى‏ (و ان كان طريقه صحيحا، لأنّ خبر الواحد ظنّي، و قد اختلف في جواز العمل به في الأحكام الشرعيّة الظّنّية) كالمسائل الفقهية (فكيف بالأحكام الاعتقاديّة العلمية) (1) التي يطلب فيها الاعتقاد و العلم؟.

و الفرق بين العلم و الاعتقاد: انّ العلم هو: أن يعرف الانسان الشي‏ء، و الاعتقاد هو: ان يعقد قلبه عليه، فانّ كثيرا ما يعلم الانسان شيئا لكنّه لا يعقد، قلبه عليه، قال سبحانه: وَ جَحَدُوا بِها وَ اسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ‏ (2).

(انتهى) كلام الشهيد الثّاني (قدّس سرّه).

(و ظاهر الشّيخ في العدّة: انّ عدم جواز التّعويل في أصول الدّين على أخبار

____________

(1)- المقاصد العليّة: مخطوط.

(2)- سورة النمل: الآية 14.

51

الآحاد اتفاقيّ إلّا عن بعض غفلة أصحاب الحديث.

و ظاهر المحكيّ في السرائر عن السيّد المرتضى عدم الخلاف فيه أصلا، و هو مقتضى كلام كلّ من قال بعدم اعتبار أخبار الآحاد في اصول الفقه.

لكن يمكن أن يقال إنّه اذا حصل الظنّ من الخبر: فان أرادوا بعدم وجوب التصديق بمقتضى الخبر عدم تصديقه علما أو ظنّا، فعدم حصول الأوّل كحصول الثاني قهريّ لا يتّصف بالوجوب و عدمه.

____________

الآحاد اتّفاقي) بين العلماء (إلّا عن بعض غفلة أصحاب الحديث) (1) الذين يعتمدون في اصول الدّين على أخبار الآحاد، كما يعتمدون عليها في الفقه.

(و ظاهر المحكي في السّرائر عن السيّد المرتضى) (رحمه الله)، هو: (عدم الخلاف فيه أصلا) (2) و انّه لا يعتمد في اصول الدين على أخبار الآحاد.

(و هو مقتضى كلام كلّ من قال بعدم اعتبار أخبار الآحاد في اصول الفقه) لأنّ أخبار الآحاد إذا لم يعتمد عليها في اصول الفقه، كان عدم الاعتماد عليها في اصول الدين بطريق أولى.

(لكن يمكن أن يقال: انّه اذا حصل الظّن من الخبر، فان أرادوا بعدم وجوب التصديق، بمقتضى الخبر: عدم تصديقه علما أو ظنّا؟ فعدم حصول الأوّل) العلم‏ (كحصول الثّاني) الظّنّ‏ (قهريّ) لوضوح: انّه لم يحصل له العلم حتى يعلمه، و وضوح: انّه ظنّ بذلك الشي‏ء، فهو ظانّ به قهرا، و الظّنّ بالشي‏ء قهرا (لا يتّصف بالوجوب و عدمه) فانّه بعد حصول الشي‏ء لا يقال: إنّه واجب، كما أنّه بعد حصول الشي‏ء لا يقال: إنّ عدمه واجب.

____________

(1)- عدّة الاصول: ص 53.

(2)- السرائر: ص 6.

52

و إن أرادوا عدم التديّن به الذي ذكرنا وجوبه في الاعتقاديّات و عدم الاكتفاء فيها بمجرّد الاعتقاد- كما يظهر من بعض الأخبار الدالة على أنّ فرض اللسان القول و التعبير عمّا عقد عليه القلب و أقرّ به، مستشهدا على ذلك بقوله تعالى:

قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَ ما أُنْزِلَ إِلَيْنا

الى آخر الآية- فلا مانع من وجوبه في مورد خبر الواحد، بناء على أنّ هذا نوع عمل بالخبر، فانّ ما دلّ على وجوب تصديق العادل لا يأبى الشمول لمثل ذلك.

____________

(و إن أرادوا) بعدم وجوب التصديق بمقتضى الخبر (: عدم التّديّن به، الّذي ذكرنا وجوبه) أي: وجوب التدين. (في الاعتقاديات، و) ذكرنا: (عدم الاكتفاء فيها بمجرّد الاعتقاد) القلبي‏ (كما يظهر من بعض الأخبار الدّالة على أنّ فرض اللّسان: القول و التّعبير عمّا عقد عليه القلب و أقرّ به، مستشهدا) الامام (عليه السلام) (على ذلك) أي: على أنّ فرض اللسان: القول و التعبير عمّا عقد عليه القلب‏ (بقوله تعالى: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَ ما أُنْزِلَ إِلَيْنا (1) الى آخر الآية) المباركة؟.

(فلا مانع من وجوبه) أي: وجوب التّدين‏ (في مورد خبر الواحد) قوله:

«فلا مانع»، خبر قوله: «و أن أرادوا عدم التّدين به» فانّ إرادتهم: عدم وجوب التّدين بمثل هذا الخبر غير تام، و قوله: «فلا مانع»، ردّ لما أرادوه من عدم التّديّن.

و إنّما قلنا: لا مانع من وجوب التدين به‏ (بناء على أنّ هذا نوع عمل بالخبر، فإنّ ما دلّ على وجوب تصديق العادل لا يأبى الشّمول لمثل ذلك) فمعنى صدّق العادل: العمل بقوله، في مورد العمل، و التّدين بقوله، في مورد التّدين.

____________

(1)- سورة البقرة: الآية 136.

53

نعم، لو كان العمل بالخبر لا لأجل الدليل الخاصّ على وجوب العمل به، بل من جهة الحاجة اليه لثبوت التكليف و انسداد باب العلم، لم يكن وجه للعمل به في مورد لم يثبت التكليف فيه بالواقع كما هو المفروض، أو يقال: إنّ عمدة أدلّة حجّية أخبار الآحاد و هي الاجماع العملي لا تساعد على ذلك.

____________

(نعم، لو كان العمل بالخبر لا لأجل الدّليل الخاص على وجوب العمل به، بل من جهة الحاجة اليه لثبوت التكليف و انسداد باب العلم) أي: ان كان الخبر حجّة من باب الدليل الخاص، أوجب التّدين بما دلّ عليه الخبر من الاعتقاديات:

كأحوال البرزخ و المعاد، و أحوال الائمة و النبيّ و الزهراء (صلوات اللّه عليهم أجمعين).

و أمّا إن كان الخبر حجّة من باب الظّن العام و دليل الانسداد (لم يكن وجه للعمل به في مورد لم يثبت التكليف فيه بالواقع كما هو المفروض) فان وجوب التديّن و الاقرار من آثار العلم بهذا النوع من الاعتقاديات لأنفسها حتى يقوم الظّن مقام العلم بعد تعذّر العلم بها.

(أو يقال) في تقرير عدم الوجه للعمل بخبر الواحد و ان كان حجّة من باب الظن الخاص‏ (: إنّ عمدة أدلّة حجّية أخبار الآحاد و هي: الاجماع العملي، لا تساعد على ذلك) أي: لا تساعد على الأخذ بخبر الواحد في الامور الاعتقادية، فالخبر الواحد لا يلزم التديّن به في خصوصيات المعاد و البرزخ، و صفات المعصومين (عليهم السلام)، سواء كان حجّة من باب الظّن الخاص، أو من باب الظّن العام، و الانسداد.

و على هذا: فقوله: «أو يقال»، إضراب عمّا ذكره سابقا بقوله: «فإن ما دلّ‏

54

و ممّا ذكرنا يظهر الكلام في العمل بظاهر الكتاب و الخبر المتواتر في أصول الدين، فانّه قد لا يأبى دليل حجّية الظواهر عن وجوب التديّن بما تدلّ عليه من المسائل الاصوليّة التي لم يثبت التكليف بمعرفتها.

لكن ظاهر كلمات كثير عدم العمل بها في ذلك.

و لعلّ الوجه في ذلك أنّ وجوب التديّن المذكور إنّما هو من آثار العلم بالمسألة الاصوليّة، لا من آثار نفسها.

____________

على وجوب تصديق العادل لا يأبى الشمول لمثل ذلك».

(و ممّا ذكرنا): من شمول تصديق العادل لهذه الخصوصيات الاصولية، التي لا ترتبط بصميم العقيدة، لأنها ثانوية (: يظهر الكلام في العمل بظاهر الكتاب و الخبر المتواتر في اصول الدّين) الثانوية، لا الاصول الأولية: كالتوحيد، و العدل، و النبوة، و الامامة، و المعاد.

(فانّه قد لا يأبى دليل حجّية الظّواهر عن وجوب التّدين بما تدلّ عليه) ظواهر الكتاب، و الأخبار المتواترة (من المسائل الاصولية الّتي لم يثبت التكليف بمعرفتها) ابتداء مثل: قصص الأنبياء، و أحوال البرزخ، و أحوال السيّدة مريم (صلوات اللّه عليها)، و إلى غير ذلك.

(لكن ظاهر كلمات كثير: عدم العمل بها) أي: بظواهر الكتاب، و الخبر المتواتر (في ذلك) لأنّ الظاهر ليس بقطعي.

(و لعلّ الوجه في ذلك) أي: عدم العمل بها (: انّ وجوب التّديّن المذكور) بهذه المسائل الاصولية الثانوية (إنّما هو من آثار العلم بالمسألة الاصولية، لا من آثار نفسها) أي: آثار نفس المسألة الاصولية.

و عليه: فإذا علم الانسان هذه الامور، وجب عليه التّدين بها، لا لأنّه واقع، فانّه‏