الوصائل إلى الرسائل‏ - ج7

- السيد محمد الحسيني الشيرازي المزيد...
400 /
3

-

4

[تتمة المقصد الثالث‏]

[تتمة مبحث البراءة]

[تتمة الموضع الأول‏]

[تتمة المطلب الأول‏]

[تتمة المسألة الأولى‏]

[تتمة القول الأول‏]

[تتمة الاستدلال بالسنة للبراءة]

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

5

و المراد بالتفكّر ابتلاء الأنبياء (عليهم السلام)، بأهل الوسوسة، لا غير ذلك، كما حكى اللّه عن الوليد بن المغيرة:

إِنَّهُ فَكَّرَ وَ قَدَّرَ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ،

فافهم.

____________

(و المراد بالتفكّر: ابتلاء الأنبياء) و الأئمة (عليهم السلام) (بأهل الوسوسة) من الناس الذي يشككون في الأنبياء و في دعوتهم، و في الأئمة الطاهرين و الأولياء المقربين.

و على هذا، فيكون معنى هذا الحديث هو ما ذكره الصدوق‏ (لا غير ذلك) فان الانبياء معصومون و لا يكون فيهم شي‏ء من الصفات السّيئة.

و أما ابتلاء الأنبياء بأهل الوسوسة: فهو (كما حكى اللّه عن الوليد بن المغيرة) انه دخل مجلس قومه و قال: أ تزعمون انّ محمّدا مجنون و لم ير منه جنون، أو كاهن و لم يحدّث كما يحدثه الكهنة، أو شاعر و لم ير منه الشعر، أو كاذب و هو مشهور بالصدق و الأمانة؟ قالت قريش: فما ذا نقول فيه فاخذ يفكر في الجواب و يقدر التهمة تقديرا كما قال عنه تعالى: (إِنَّهُ فَكَّرَ وَ قَدَّرَ) أي: انّه جعل نسبة الكذب إلى النبي تقديرا خاصا، و قال: إنّه ساحر، فتوعّده اللّه بالعذاب حيث قال سبحانه‏ (فَقُتِلَ) أي: قتله اللّه، و هذا من الدعاء على الوليد، و ليس معناه الأخبار، و إنما معناه: التهديد بالموت و البوار، ثم العقاب و العذاب على أنه‏ (كَيْفَ قَدَّرَ (1)) (2) و هذا إظهار للتعجب منه بأنّه كيف استطاع ان يطعن النبي بما يناسب أذهان السذج من الناس حيث قال: انّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ساحر.

(فافهم) فان هذا التفسير الذي ذكره الصدوق و إن كان حسنا من جهة تنزيه‏

____________

(1)- سورة المدثر: الآيات 18- 19.

(2)- الخصال: ص 89 ح 27.

6

قد خرجنا في الكلام في النبوي الشريف عمّا يقتضيه وضع الرّسالة.

و منها: قوله (عليه السلام): «ما حجب اللّه علمه عن العباد فهو موضوع عنهم».

فانّ المحجوب حرمة شرب التتن، فهي موضوعة عن العباد.

و فيه: أنّ الظاهر ممّا حجب اللّه تعالى علمه‏

____________

الأنبياء، إلّا انّه خلاف ظاهر الرواية.

أقول: و قد ذكرنا سابقا معنى مناسبا للرواية لا ينافي ظاهرها.

ثم انّ المصنّف قال: (قد خرجنا في الكلام في النبوي الشريف عمّا يقتضيه وضع الرّسالة) فانّ مقتضى هذه الرسالة: الاكتفاء بتحقيق فقرة: «رفع ما لا يعلمون» لأنّها هي محل الكلام في انها هل تدل على البراءة، أو لا تدل عليها أمّا؟

سائر الفقرات فانّما ذكرناها استطرادا.

(و منها) أي: من الروايات التي استدل بها للبراءة (قوله (عليه السلام): ما حجب اللّه علمه عن العباد فهو موضوع عنهم) (1) و وجه تقريب الرّواية للدلالة على البراءة هو: ما ذكره المصنّف بقوله: (فانّ المحجوب: حرمة شرب التتن، فهي موضوعة عن العباد) و كذلك المحجوب: وجوب الدّعاء عند رؤية الهلال، فهو موضوع عن العباد، هذا في الشبهة الحكمية، و كذا في الشبهة الموضوعية، كما إذا كان حيوان لم نعرف انّه كلب أو شاة، و لم يؤدّ الفحص إلى نتيجة، فهو موضوع عن العباد، لأنّ اللّه حجب علمه أي: علم كونه شاة أو كلبا.

(و فيه: انّ الظّاهر ممّا حجب اللّه علمه) بقرينة نسبة الحجب إلى اللّه سبحانه‏

____________

(1)- التوحيد: ص 413 ح 9، الكافي (اصول): ج 1 ص 164 ح 3، وسائل الشيعة: ج 27 ص 163 ب 12 ح 33496، بحار الانوار: ج 2 ص 280 ب 33 ح 48.

7

ما لم يبيّنه للعباد، لا ما بيّنه و اختفى عليهم من معصية من عصى اللّه في كتمان الحق أو ستره، فالرواية مساوقة لما ورد عن مولانا أمير

____________

و تعالى‏ (ما لم يبيّنه للعباد، لا ما بيّنه و اختفى عليهم من معصية من عصى اللّه في كتمان الحق أو ستره) و تبديله الى الباطل، إذ قد يكتم الانسان الحق و لا يبوح به و قد يصادر الحق و ينشر مكانه الباطل.

و عليه: فاذا كان اللّه هو الحاجب، كان الحكم موضوعا عنهم، أمّا إذا بيّن اللّه سبحانه الحكم و إنّما لم يصل إلينا بسبب الاخفاء الصادر عن الأئمة (عليهم السلام) تقية، أو بسبب انّ المخالفين أحرقوا الكتب، و قتلوا الرواة، و ما أشبه ذلك، فهو ليس ممّا حجبه اللّه، و إنّما الحجب صار بسبب العصاة و من أشبههم.

ثم الظاهر من الكتاب و السنة: انّ كل الأحكام قد بيّنها اللّه سبحانه و تعالى في القرآن الحكيم كما في قوله تعالى‏ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ‏ (1).

و كما في الرّواية المروية عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في حجة الوداع حيث قال:

«ما من شي‏ء يقرّبكم من الجنّة، و يباعدكم من النار، إلا و قد أمرتكم به، و ما من شي‏ء يقرّبكم من النار و يباعدكم من الجنّة إلّا و قد نهيتكم عنه» (2).

هذا، و النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قد بين كثيرا من الأحكام للأوصياء من بعده، لكنّ الناس حالوا دون إفادة الأوصياء تلك الأحكام.

و عليه: (فالرّواية مساوقة) أي: مرادفة في الدلالة (لما ورد عن مولانا أمير

____________

(1)- سورة المائدة: الآية 3.

(2)- الكافي (اصول): ج 2 ص 74 ح 2، وسائل الشيعة: ج 17 ص 45 ب 12 ح 21939، بحار الأنوار:

ج 70 ص 96 ب 47 ح 3 و قريب منه في أعلام الدين: ص 342 ح 31 و مستدرك الوسائل: ج 13 ص 27 ب 10 ح 14643.

8

المؤمنين (عليه السلام): «إنّ اللّه تعالى حدّ حدودا فلا تعتدوها، و فرض فرائض فلا تعصوها، و سكت عن أشياء، لم يسكت عنها نسيانا فلا تتكلّفوها، رحمة من اللّه لكم».

____________

المؤمنين (عليه السلام): إنّ اللّه تعالى حدّ حدودا فلا تعتدوها، و فرض فرائض فلا تعصوها، و سكت عن أشياء، لم يسكت عنها نسيانا) بل سكت عنها مصلحة (فلا تتكلفوها) أي: لا تسبّبوا لأنفسكم المشقة في امتثالها، و ذلك‏ (رحمة من اللّه لكم) (1) أي: إن سكوته من جهة الرحمة عليكم حتى لا تقعوا في المشقة.

و لا يخفى: انّ جملة: «وضع عليه» معناها: أثبته عليه و كلفه به، أمّا جملة «وضع عنه» فمعناها: رفع عنه و لم يكلفه به، و في الحديث: موضوع عنهم، أي:

مرفوع عنهم، و قد تقدّم منّا: الفرق بين الوضع و الرّفع،، فلا داعي إلى تكراره.

لكن لا يبعد أن يكون الحديث دالا على البراءة، و لعلّ نسبة السكوت و الحجب إلى اللّه تعالى يكون من جهة نسبة كلّ شي‏ء إليه حتى الاضلال، فانّ الكفار و المخالفين حين لم يؤمنوا و أصروا على كفرهم و خلافهم تركهم اللّه ليفعلوا ما شاءوا امتحانا لهم، و للأنبياء و الأئمة، و المؤمنين، فمنعوا الأنبياء و الأئمة و الرواة: عن بيان الأحكام كما قال سبحانه: فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ‏ (2)، و قوله تعالى: وَ كَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَ الْجِنِ‏ (3) الى غير ذلك.

و يؤيد هذا المعنى انه لو لم يبيّن اللّه حكما لم يكلف الناس بذلك الحكم‏

____________

(1)- غوالي اللئالي: ج 3 ص 548 ح 15، وسائل الشيعة: ج 27 ص 175 ب 12 ح 33531، من لا يحضره الفقيه: ج 4 ص 74 ب 12 ح 5149، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج 18 ص 267 ب 102 (بالمعنى).

(2)- سورة إبراهيم: الآية 9.

(3)- سورة الانعام: الآية 112.

9

فهو يكون تأكيدا لا تأسيسا- و يكون الحكم تأكيدا إن قال به العقل، و تأسيسا ان تفرد به الشرع-.

و من المعلوم: انّ التأسيس هو مقتضى الكلام لا التأكيد إلّا إذا كان قرينة على التأكيد، و لا قرينة في المقام.

ثم ان معنى كلام أمير المؤمنين علي (عليه السلام) هو: انّ اللّه قد جعل لكلّ من البيع، و الرّهن، و النكاح، و غيرها من الامور حدودا و شرائط، فلا يصح التعدي عن تلك الحدود.

مثلا: حكم اللّه تعالى: انّه يلزم عدم مجهولية العوضين في البيع، و عدم مجهولية الزوجين في النكاح، و هكذا في سائر المعاملات، فانّ لها شرائط اذا تعدّاها الانسان وقعت منه باطلة غير صحيحة.

كما فرض اللّه الصلاة و الصيام و الحج، و الزكاة، و نحوها من العبادات و جعل لها حدودا و شرائط، فلا يجوز للانسان عصيانها و تركها، أو الزيادة و النقيصة فيها بما يوجب بطلانها.

كما انّ اللّه سكت عن وقت القيامة، و وقت ظهور المهدي (عجل اللّه تعالى فرجه)، و سكت عن بيان إنّ إبراهيم أفضل أم نوح، إلى غير ذلك، فالذي ينبغي للانسان هو أن لا يتكلّف معرفة وقت ظهور أو القيامة أو فضيلة هذا على ذاك، أو ذاك على هذا، و هكذا.

و لا يخفى: انّ هناك فرقا بين حديث الحجب، و حديث علي أمير المؤمنين (عليه السلام) فان الثاني- بعد بيان الجملتين: من الفرائض و الحدود- لا يفيد إلّا سكوته تعالى عن الاشياء الخارجة عن الأحكام، و ليس عن الأحكام، فانّ‏

10

و منها: قوله (عليه السلام): «الناس في سعة ما لا يعلموا».

فانّ كلمة «ما» إمّا موصولة اضيف إليها السعة و إمّا مصدريّة ظرفيّة، و على التقديرين يثبت المطلوب.

و فيه: ما تقدّم في الآيات‏

____________

الأحكام قد بينها، بخلاف حديث الحجب، فليس فيه هذه القرينة، فيشتمل الأحكام أيضا، و لهذا لا نرى بأسا بالاستدلال بحديث الحجب على البراءة، كما استدل به كثير من الاصوليين‏ (و منها) أي: من الروايات التي استدل بها للبراءة (قوله (عليه السلام): «النّاس في سعة ما لا يعلموا») (1) و في قراءة هذه الجملة احتمالان أشار اليهما المصنّف بقوله: (فانّ كلمة «ما» امّا موصولة أضيف إليها السّعة) فيكون معناه: الناس في سعة الحكم الذي لا يعلمونه، أو المراد: ب «ما» أعم من الحكم و الموضوع، أي: في سعة الشي‏ء الذي لا يعلمونه موضوعا كان أو حكما، و لا يخفى: انّ هذا المعنى أنسب بالحديث لأنّه مقتضى الاطلاق.

(و إمّا مصدرية ظرفية) فتكون «ما» بمعنى: «ما دام»، و يكون التقدير: الناس في سعة- بالتنوين- ما دام لا يعلمون، و حيث حذف متعلق لا يعلمون، و حذف المتعلّق يفيد العموم، يكون أعم من الحكم و الموضوع.

(و على التقديرين يثبت المطلوب) و هو: انّه لا حرمة على الانسان و لا وجوب فيما إذا كان الشك في الشي‏ء من الشك البدوي غير المقرون بالعلم الاجمالي. (و فيه:) انّه لا يدل على البراءة و ذلك لأجل‏ (ما تقدّم في الآيات:

____________

(1)- مستدرك الوسائل: ج 18 ص 20 ب 12 ح 21886، غوالي اللئالي: ج 1 ص 424 ح 109 و قريب منه في المحاسن: ص 452 ح 365 و الكافي (فروع): ج 6 ص 297 ح 2 و تهذيب الاحكام: ج 9 ص 99 ب 4 ح 167 و وسائل الشيعة: ج 3 ص 493 ب 50 ح 4270.

11

من أنّ الاخباريين لا ينكرون عدم وجوب الاحتياط على من لم يعمل بوجوب الاحتياط من العقل و النقل بعد التأمّل و التتبّع.

و منها: رواية عبد الأعلى عن الصادق (عليه السلام): «قال: سألته عمّن لم يعرف شيئا، هل عليه شي‏ء؟ قال: لا».

بناء على أنّ المراد بالشي‏ء الأوّل‏

____________

من أنّ الاخباريين لا ينكرون عدم وجوب الاحتياط على من لم يعمل بوجوب الاحتياط من العقل و النقل) بشرط ان يكون عدم علمه‏ (بعد التأمّل و التتبّع) بل إنهم يدّعون: انهم يعلمون بوجوب الاحتياط بدليل العقل و النقل، فلا يكون مورد الاحتياط ممّا لا يعلمون.

نعم، دليل الأخباريين ان تمّ لم يكن الخبر دالا على البراءة، لأنّ دليل الأخباريين وارد، على هذا الخبر، لكن دليلهم لا يتم- كما سيأتي- فهذا الخبر يكون دالّا على البراءة في الشبهة الموضوعيّة و الحكميّة، و التكليفيّة و الوضعيّة، تحريميّة كانت أو وجوبيّة.

(و منها) أي: من الروايات التي استدل بها للبراءة (رواية عبد الأعلى عن الصّادق (عليه السلام) قال: سألته عمّن لم يعرف شيئا، هل عليه شي‏ء؟ قال: لا) (1) و لا يخفى: انّ «شي‏ء» في آخر السؤال يشمل، العقاب و الاستحقاق، و الاعادة، و القضاء، و الكفارة، و الحدّ، و غير ذلك للاطلاق، فاللازم أن لا يكون عليه شي‏ء إذا كان غير العالم بأن لم يعرف شيئا.

و كيف كان: فهذا الحديث من أدلة البراءة (بناء على أنّ المراد بالشي‏ء الأوّل:

____________

(1)- الكافي (اصول): ج 1 ص 164 ح 2.

12

فرد معيّن مفروض في الخارج حتّى لا يفيد العموم في النفي، فيكون المراد:

هل عليه شي‏ء في خصوص ذلك الشي‏ء المجهول، و أمّا بناء على إرادة العموم، فظاهره السؤال عن القاصر الذي لا يدرك شيئا.

و منها: قوله (عليه السلام): «أيّما امرئ ركب‏

____________

فرد) أي: شي‏ء (معين مفروض في الخارج) يعني: انه سأل عما إذا لم يعلم الانسان- مثلا- وجوب الجمعة، أو حرمة التتن، هل عليه شي‏ء من الوجوب و الحرمة؟ فقال (عليه السلام): لا، لا شي‏ء عليه، ممّا يدل على البراءة.

هذا إذا أخذنا: «لم يعرف شيئا» بمعنى الفرد (حتى لا يفيد العموم في النفي) يعني: انّه لا يعرف شيئا خاصا، لا انّه لا يعرف شيئا أصلا (فيكون المراد: هل عليه شي‏ء في خصوص ذلك الشي‏ء المجهول؟) فقال (عليه السلام): لا.

(و أمّا بناء على إرادة العموم) من قوله: «لم يعرف شيئا» لانه نكرة في سياق النفي، و النكرة في سياق النفي تفيد العموم‏ (فظاهره) إنّما هو (السؤال عن القاصر الذي) يعيش في كهوف الجبال، أو منقطع من الأرض، أو جزيرة نائية، فهو (لا يدرك شيئا) من الأحكام، فلا يكون الحديث دالا على البراءة.

لكن يمكن أن يقال: انّه على العموم أيضا يدلّ على البراءة، فانّ من لا يعرف شيئا إطلاقا ملاكه يأتي فيمن لا يعرف شيئا بالخصوص، و بذلك يظهر وجه النظر في قول الأوثق حيث قال: «انّما لم يتعرّض المصنّف لرد هذه الرواية لوضوح ضعف دلالتها، لعدم دلالتها على البراءة سواء اريد بالشي‏ء: شي‏ء معين، أو غير معين».

(و منها:) أي: من الروايات التي استدل بها للبراءة (قوله (عليه السلام): أيّما امرئ ركب‏

13

أمرا بجهالة فلا شي‏ء عليه».

و فيه: أنّ الظاهر من الرواية و نظائرها من قولك: «فلان عمل كذا بجهالة»، هو اعتقاد الصواب أو الغفلة عن الواقع، فلا يعمّ صورة التردّد في كون فعله صوابا أو خطأ.

____________

أمرا بجهالة فلا شي‏ء عليه) (1) ذكره الإمام (عليه السلام) في باب الحج فيمن حج محرما في ثوب مخيط، لكنّه من باب المورد فلا يخصص الوارد، بل هو عام يشمل الشبهة الوجوبية و التحريمية، و الحكمية و الموضوعيّة، فيكون من أدلة البراءة.

لكنّ المصنّف حيث لم يرتض بدلالة هذه الرواية على البراءة، أشكل على دلالتها بقوله: (و فيه: انّ الظّاهر من الرّواية و نظائرها من قولك: فلان عمل كذا بجهالة، هو: اعتقاد الصّواب) في عمله بأن يكون جهلا مركبا، (أو الغفلة عن الواقع) بأن كان غافلا غفلة مطلقة (فلا يعمّ صورة) الجهل البسيط المقترن بالشك و (التردد في كون فعله صوابا أو خطأ).

فانّ الجاهل قد يكون غافلا محضا، و قد يكون جاهلا مركبا، و قد يكون جاهلا بسيطا، و الأولان ليسا من محل الكلام، و انّما الثالث هو محل البحث في البراءة لكن حيث يرى المصنّف انّ هذه الرواية ظاهرة في الأولين لا في الأخير الذي هو محل البحث أخرج الرواية عن الدلالة على البراءة فيما نحن فيه.

و ربّما استدل للمصنّف بأنّ سببية الغفلة و الجهل المركب أقوى للارتكاب من سببية الجهل البسيط للارتكاب، إذ الشاك كثيرا ما يخاف من الارتكاب بخلاف‏

____________

(1)- تهذيب الاحكام: ج 5 ص 72 ب 1 ح 47 و فيه (أي رجل)، وسائل الشيعة: ج 8 ص 248 ب 30 ح 10558 و ج 12 ص 489 ب 45 ح 16861.

14

و يؤيّده أنّ تعميم الجهالة بصورة التردّد، يحوج الكلام إلى التخصيص بالشاكّ الغير المقصّر، و سياقه يأبى عن التخصيص، فتأمّل.

____________

الغافل و الجاهل المركب.

لكنّ هذا لا يتمكن أن يخصص عموم الرواية بالأولين فقط حتى و ان قال المصنّف: (و يؤيّده) أي: يؤيد التخصيص الذي استظهرناه من الرواية (: انّ تعميم الجهالة) في الرواية (بصورة التردد، يحوج الكلام إلى التّخصيص بالشاك غير المقصّر) لوضوح انّ المقصّر في الفحص غير معذور. و يدل عليه ما في الحديث من انّه يقال في القيامة لغير العامل المعتذر بعدم العلم: «هلّا تعلمت» (1) كما ورد ذلك في تفسير قوله سبحانه: وَ قِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ‏ (2).

(و سياقه) أي: و سياق هذا الخبر (يأبى عن التخصيص) فقد ذكر بعض وجه الإباء: بأنّ الخبر ظاهر في أنّ الجهالة علّة للمعذورية، و حينئذ كلّما وجدت الجهالة، كانت عذرا سواء كانت عن قصور أو تقصير.

(فتأمّل) و كأنّ في التأمّل هذا اشارة الى وجود إشكالين في الكلام:

الأوّل: انّه من أين إباؤه عن التخصيص؟ بل ربّما يقال: انّ ظاهره: الجاهل القاصر، فهو مثل: «ما لا يعلمون» المنصرف إمّا إلى القاصر، أو يكون أعم، لكن يخصص بالقاصر حسب الأدلة الأخر، الدالة على انّ المقصّر غير معذور.

الثاني: انه لو خصّص الحديث بالغافل و الجاهل المركب، كان مخصّصا أيضا بما إذا لم تكن الغفلة و الجهل المركب عن تقصير، و إلّا لم يكن معذورا، و ذلك على ما هو بناؤهم في الكلام و الفقه و الاصول.

____________

(1)- انظر الامالي للمفيد: ص 292.

(2)- سورة الصافات: الآية 24.

15

و منها: قوله (عليه السلام) «إنّ اللّه تعالى يحتجّ على العباد بما آتاهم و عرّفهم».

و فيه: أنّ مدلوله، كما عرفت في الآيات و غير واحد من الأخبار، ممّا لا ينكره الأخباريّون.

و منها: قوله (عليه السلام) في مرسلة الفقيه:

____________

(و منها) أي: من الروايات التي استدل بها للبراءة (قوله (عليه السلام): إنّ اللّه تعالى يحتجّ على العباد بما آتاهم و عرّفهم) (1) بتقريب: انّ حكم التتن المجهول و حكم الدّعاء عند رؤية الهلال المجهول، ليس ممّا أعطى اللّه علمه للعباد، و إلّا لم يكن مجهولا لهم.

هذا، و لكنّ المصنّف لم يرتض دلالة هذه الرواية فاشكل على دلالتها قائلا:

(و فيه: أنّ مدلوله، كما عرفت في الآيات و غير واحد من الأخبار: ممّا لا ينكره الاخباريون) فانهم يدّعون العلم بالحكم الشرعي في مثل التتن، و الدعاء عند رؤية الهلال، و هو: وجوب الاحتياط، و حيث علموا فللّه عليهم حجة، لأنّه قد آتاهم و عرّفهم وجوب الاحتياط.

لكن الجواب عن هذا الاشكال هو: إنّ أدلة الأخباريين لا تقوم حجّة على وجوب الاحتياط كما قرر في محله، فدلالة هذه الرواية على البراءة أيضا لا غبار عليها.

(و منها:) أي: من الروايات التي استدل بها للبراءة (قوله (عليه السلام) في) رواية (مرسلة) منقولة في كتاب من لا يحضره‏ (الفقيه) و الرواية و ان كانت مرسلة لكنّها ممّا يعتمد عليها، لأن الصدوق ضمن حجيّة ما في كتابه هذا، و قوله (عليه السلام)

____________

(1)- الكافي (اصول): ج 1 ص 164 ح 4.

16

«كلّ شي‏ء مطلق حتّى يرد فيه نهي».

استدلّ به الصدوق (قدّس سرّه) على جواز القنوت بالفارسيّة و استند إليه في أماليه حيث جعل إباحة الأشياء حتّى يثبت الحظر من دين الاماميّة.

و دلالته على المطلب أوضح من الكلّ.

____________

بحسب هذه الرواية هو: (كلّ شي‏ء مطلق حتى يرد فيه نهي) (1) و معنى المطلق انه غير موقوف فإذا شك الانسان في ان التتن مطلق أو منهي عنه، كان مقتضى القاعدة انّه مطلق و ليس بمنهي عنه، و كذا بالنسبة إلى ترك الدعاء عنه رؤية الهلال.

هذا، و قد (استدلّ به) أي: بهذا الحديث‏ (الصدوق (قدّس سرّه) على جواز القنوت بالفارسيّة) لأنه قال: حيث لم يرد بالنسبة الى القنوت بالفارسية نهي فهو اذن جائز كما (و استند إليه في أماليه حيث جعل إباحة الأشياء حتّى يثبت الحظر من دين الاماميّة) أي: إنّ الصدوق في كتاب أماليه جعل من دين الإمامية كون الأصل في الأشياء: الاباحة حتى يثبت المنع، و مستنده في ذلك هذا الخبر فكلّما شك في شي‏ء انّه جائز أو محظور، جاز للإنسان ارتكابه.

(و دلالته) أي: دلالة هذا الخبر (على المطلب) أي: على الاباحة في الشبهة التحريميّة، و انّه لا يجب الاحتياط فيها عند المصنّف‏ (أوضح من الكلّ) أي: من كل الروايات المتقدّمة.

____________

(1)- من لا يحضره الفقيه: ج 1 ص 317 ح 937، غوالي اللئالي: ج 3 ص 462 ح 1، وسائل الشيعة:

ج 6 ص 289 ب 19 ح 7997 و ج 27 ص 174 ب 12 ح 33530.

17

و ظاهره عدم وجوب الاحتياط، لانّ الظاهر إرادة ورود النهي في الشي‏ء من حيث هو، لا من حيث كونه مجهول الحكم.

____________

(و) ذلك لأنك قد عرفت ما أشكله المصنّف عليها و ان كنا لم نر فيها شيئا من الاشكالات المذكورة، و قد ألمعنا إلى الجواب عنها عند كل رواية رواية.

و على كل حال، فالمصنف: على انّ هذه الرواية أوضح دلالة من كلّ الروايات المتقدمة إذ (ظاهره: عدم وجوب الاحتياط، لأنّ الظاهر إرادة ورود النهي في الشي‏ء من حيث هو، لا من حيث كونه مجهول الحكم) فإنّ الحديث يدل على انّ الاشياء بذاتها مباح قبل ورود النهي من الشارع و وصول ذلك النهي إلى المكلّف و حيث لم يرد في التتن- مثلا- نهي و لم يصل إلى المكلّف حرمته فهو مباح.

هذا، و في بعض نسخ الحديث «حتى يرد فيه أمر أو نهي» فيكون أوضح دلالة على الشبهة التحريميّة و الوجوبية معا.

و على كل حال: فالظاهر ان التتن- مثلا- بحسب هذا الحديث مطلق و مباح بذاته، لا انّه مطلق و مباح من حيث كونه مجهول الحكم، و أدلة الاحتياط تحكم بوجوب الاحتياط في مجهول الحكم، فيقع التعارض بين أدلة الاحتياط و هذا الحديث، إذا أدلة الاحتياط تقول: مجهول الحكم يحتاط فيه، و هذا الحديث يقول: ذات الشي‏ء مباح، و ذات الشي‏ء مباح، أعمّ من كونه مجهول الحكم أو غير مجهول، فيقع التعارض في مجهول الحكم فهو مثل أن يقول: الحيوان نام، و يقول: الانسان ليس بنام، إذ يقع التعارض بينهما في الانسان.

18

فان تمّ ما سيأتي من أدلّة الاحتياط دلالة و سندا، وجب ملاحظة التعارض بينها و بين هذه الرواية و أمثالها ممّا يدلّ على عدم وجوب الاحتياط، ثمّ الرجوع إلى ما يقتضيه قاعدة التعارض.

و قد يحتجّ بصحيحة عبد الرحمن بن الحجّاج: «فيمن تزوّج امرأة في عدّتها أ هي لا تحلّ له أبدا قال: أمّا إذا كان بجهالة فليتزوّجها بعد ما ينقضي عدّتها،

____________

و عليه: (فان تمّ ما سيأتي من أدلة الاحتياط دلالة و سندا، وجب ملاحظة التعارض بينها) أي: بين أدلة الاحتياط (و بين هذه الرّواية و أمثالها ممّا يدلّ على عدم وجوب الاحتياط) في مجهول الحكم لما عرفت: من انّ أدلة الاحتياط تدل على حرمة الشي‏ء من حيث كونه مجهول الحكم، و هذه الرواية تدل على عدم وجوب الاحتياط، إذ ذات كل شي‏ء مباح سواء كان مجهول الحكم أو لم يكن مجهول الحكم، فمجهول الحكم يكون مورد التعارض.

(ثم) اذا تعارض الدليلان لزم‏ (الرجوع إلى ما يقتضيه قاعدة التعارض) من الترجيح لهذا الجانب أو ذاك الجانب، و إذا لم يكن مرجح في البين جرى التخيير بينهما، فتكون النتيجة: عدم وجوب الاحتياط لأن التخيير بين الاحتياط و عدمه معناه: ان للمكلّف أن لا يحتاط و عدمه معناه. ان للمكلّف أن لا يحتاط.

(و قد يحتج) للبراءة في الشبهة التحريميّة (بصحيحة عبد الرّحمن بن الحجّاج فيمن تزوّج امرأة في عدتها أ هي لا تحلّ له أبدا؟) أي: انّها محرمة عليه تحريما أبديا، حتى انّه إذا انقضت عدتها أيضا تكون محرّمة و لا يجوز له أن يأخذها و يتزوج بها؟ (قال: أمّا إذا كان بجهالة فليزوّجها) أي: فيجوز له نكاحها و لا تكون عليه محرمة أبدا و ذلك‏ (بعد ما ينقضي عدّتها) ثم انه (عليه السلام) بيّن وجه‏

19

فقد يعذر الناس في الجهالة بما هو أعظم من ذلك، قلت: بأيّ الجهالتين أعذر، بجهالته أنّ ذلك محرّم عليه، أم بجهالته أنها في عدّة؟ قال: إحدى الجهالتين أهون من الأخرى، الجهالة بأن اللّه تعالى حرّم عليه ذلك. و ذلك لأنّه لا يقدر معها على الاحتياط.

____________

جواز النكاح في العدة قائلا: (فقد يعذر النّاس في الجهالة بما هو أعظم من ذلك) أي: بجهالة أعظم من جهالة أنّ المرأة في العدة و أنّ النكاح محرّم في العدة، فإنّ قتل المؤمن خطأ، و نكاح ذات البعل خطأ و الكفر خطأ، و غير ذلك، معذور فيها، فانّ القاتل في المثال لا يقتل، و النكاح في المثال لا يحد، و الذي كفر خطأ لا يجري عليه أحكام الكفر: من انفصال زوجته، و تقسيم ماله، و وجوب قتله.

قال: (قلت) يا سيدي‏ (بأي الجهالتين أعذر؟) أي: أكثر معذورية فهو من باب التفضيل‏ (بجهالته انّ ذلك) أي: النكاح في العدة (محرّم عليه) و هو الجهل بالحكم‏ (أم بجهالته أنّها في عدّة) و هو الجهل بالموضوع؟.

(قال: إحدى الجهالتين أهون من الاخرى) أي: انّ الرجل معذور في كلتا الجهالتين، لكن إحداهما أهون من الاخرى.

ثم إنّه بيّن أهون الجهالتين بقوله (عليه السلام): (الجهالة بأنّ اللّه تعالى حرّم عليه ذلك) أهون، فهو بهذه الجهالة الحكمية أعذر، من الجهالة بانّها في العدة، أي: من الجهالة الموضوعية.

(و ذلك) أي: وجه كون الجهالة بالحكم أهون‏ (لأنّه) أي: لأنّ هذا الجاهل بالحكم‏ (لا يقدر معها) أي: مع هذه الجهالة (على الاحتياط) فإنّ الانسان إذا لم يعلم إنّ البول نجس- مثلا- لا يتمكن من الفحص و الاجتناب، لفرض انّه غافل عن حكم البول، و من الواضح: انّ الغافل لا تكليف عليه امّا انّه اذا علم ان البول‏

20

قلت: فهو في الأخرى معذور، قال (عليه السلام): نعم، إذا انقضت عدّتها فهو معذور في أن يزوّجها».

____________

نجس فهو يتمكن أن يجتنب عن كل رطوبة احتياطا، لعلمه بأنّ إحدى هذه الرطوبات- مثلا- نجسة حتى و لو كان بعضها خارجا عن مقدوره، أو عن محل ابتلائه، أو كان مضطرا إليها، أو ما أشبه ذلك، فانّه يتمكن من اجتنابها احتياطا، فالاحتياط هو فرع العلم، فاذا فقد العلم انتفى الاحتياط معه.

قال: (قلت فهو في الاخرى) أي: في الجهالة بأنّها في العدّة، و هو الجهل الموضوعي‏ (معذور) أيضا، كما كان معذورا في الجهل الحكمي؟ (قال (عليه السلام):

نعم، إذا انقضت عدّتها فهو معذور في أن يزوّجها) (1).

و نمثل لذلك بمثال خارجي و هو: إنّ الانسان اذا كان غافلا كون الحيّة سامة، فهو لا يتمكن من الاجتناب عنها، أما إذا علم بأن الحيّة سامة لكنّه لا يعلم ان الحية ما هي من الحيوانات، فانّه يتمكن من الاجتناب عن كل حيوان و إن كان غافلا عن إنّ هذا الحيوان الذي يراه هي حية أم لا؟.

و ظاهر هذا الحديث هو: الجهل بأنّ المعتدّة محرّمة، و الجهل بأنّ هذه المرأة في العدّة، و كلا الجهلين شايع خصوصا في الناس الذين يسكنون القرى و الأرياف البعيدة عن أهل العلم بل رأينا بعضا يجهلون حرمة الجمع بين الاختين، و زواج الخامسة، و الجمع بين ام الزوجة و بنتها، حرمة تمتع المرأة التي لها زوج و غير ذلك من محرمات النكاح بل قد رأينا بعضهم قد تزوجوا كذلك حتى إذا نبهوا تركوا.

____________

(1)- الكافي (فروع): ج 5 ص 427 ح 3، نوادر القمّي: ص 110 ح 271.

21

و فيه: أنّ الجهل بكونها في العدّة إن كان مع العلم بالعدّة في الجملة، و الشكّ في انقضائها، فان كان الشكّ في أصل الانقضاء مع العلم بمقدارها، فهو شبهة في الموضوع خارج عمّا نحن فيه، مع أنّ مقتضى الاستصحاب المركوز في الأذهان عدم الجواز.

____________

(و فيه:) انّه لا يمكن الاستدلال بهذا الخبر على المطلوب و هو: البراءة في الشبهة الحكميّة التحريميّة، كالبراءة عن حرمة تزويج المعتدّة، و عدم استحقاق العقاب على هذا التزويج الذي أراد الاصوليّون الاستدلال به على البراءة مطلقا، و ذلك‏ (انّ الجهل بكونها في العدّة) بأن كان الزوج جاهلا بانّ هذه المرأة في العدة و تزوجها، له اقسام اربعة:

القسم الأوّل: (ان كان مع العلم بالعدّة) اي: ان الزوج كان يعلم الحكم بأن المعتدة يحرم تزويجها، و كان يعلم الموضوع أيضا بان المرأة في العدة (في الجملة، و) انّما كان‏ (الشّك في انقضائها) أي: في انقضاء العدة عنها (فإن كان الشّكّ في أصل الانقضاء مع العلم بمقدارها) بأن علم مثلا: انّ العدة ثلاثة أشهر، لكنّه لا يعلم هل انها انقضت او لم تنقض بعد؟.

ففي دلالة الخبر على البراءة في هذا القسم و هو القسم الأوّل إشكالان:

الاشكال الاول: (فهو شبهة في الموضوع خارج عمّا نحن فيه) لأنّه يكون الخبر دالا على المعذورية في الشبهة الموضوعية، و لا يستلزم من ذلك، المعذورية في الشبهة الحكمية التي كلامنا فيها الآن أيضا.

الاشكال الثاني: (مع إنّ مقتضى الاستصحاب المركوز في الأذهان: عدم الجواز) لأنّ الانسان إذا علم بأنّ المرأة في العدة و لم يعلم انقضاءها، يلزم عليه الاستصحاب و لا يجوز له التزويج بها، فلا يكون حينئذ معذورا.

22

و منه يعلم أنّه لو كان الشكّ في مقدار العدّة فهو شبهة حكميّة قصّر في السؤال عنها، فهو ليس معذورا اتفاقا، لأصالة بقاء العدّة و أحكامها، بل في رواية أخرى أنّه: «إذا علمت أنّ عليها العدّة لزمتها الحجّة»،

____________

الثاني: (و منه) أي: من القسم الأوّل و هو: المؤاخذة بهذا التزويج- الذي هو شبهة موضوعية لوجود الاستصحاب في بقاء العدّة (يعلم انّه لو كان الشّكّ في مقدار العدّة) بأن لم يكن يعلم هل انّ العدة ثلاثة أشهر أو شهران؟ (فهو شبهة حكميّة قصّر في السّؤال عنها، فهو ليس معذورا اتفاقا) بين العلماء و ذلك لأمرين:

الأمر الأوّل: انه قصّر في السؤال عن مقدار العدة، لان مقدار العدة ممّا يرتبط بالشارع، فهو من الشبهة الحكميّة، و الشبهة الحكميّة لا يجوز ارتكابها اتفاقا إلّا بعد الفحص و السؤال حتى اليأس، و كل تقصير في ذلك يوجب عدم المعذورية.

الأمر الثاني: (لأصالة بقاء العدّة و أحكامها) من حرمة التزويج و غير ذلك عند الشك في أنّ العدة شهران أو ثلاثة؟ و ذلك للاستصحاب‏ (بل في رواية أخرى، انّه: إذا علمت) المرأة (انّ عليها العدّة لزمتها الحجّة) (1) أي: لم يكن لها عذر في التزويج عند علمها بالعدة و الشك في مقدارها أو في انقضاء ذلك المقدار.

و ذلك لبقاء العدة بالاستصحاب، و حيث لا فرق بين الرجل و المرأة في ذلك، كان اللازم القول بعدم معذورية الرّجل إذا علم ان على المرأة العدة و مع ذلك تزوجها.

____________

(1)- الكافي (فروع): ج 7 ص 192 ح 2، وسائل الشيعة: ج 28 ص 127 ب 27 ح 34385.

23

فالمراد من المعذوريّة، عدم حرمتها عليه مؤيّدا لا من حيث المؤاخذة.

و يشهد له أيضا قوله (عليه السلام) بعد قوله: «نعم إذا انقضت عدّتها» فهو معذور في أن يزوّجها.

و كذا مع الجهل بأصل العدّة،

____________

و على هذا: (فالمراد من المعذوريّة) عند الجهل بالعدة التي ذكرها الإمام (عليه السلام) هو (: عدم حرمتها عليه مؤبّدا) و هذا حكم وضعي لا يرتبط بما نحن فيه، فالحديث‏ (لا) يدل على المطلوب الذي هو إثبات البراءة و المعذورية (من حيث المؤاخذة) و الحكم التكليفي، فانّ- مطلوب الاصوليين: إثبات البراءة المعذورية للشاك، بينما الحديث يثبت عدم الحرمة الأبدية، فلا يكون دليلا على البراءة.

(و يشهد له) أي: لما ذكرناه: من انّ المراد من المعذورية هنا: الحكم الوضعي، لا الحكم التكليفي‏ (أيضا) أي: بالاضافة إلى شهادة الرواية المتقدمة على عدم المعذورية في الحكم التكليفي و هي: «انّه اذا علمت انّ عليها العدة لزمتها الحجة» (قوله (عليه السلام) بعد قوله: نعم) فانه يشهد لما ذكرناه انّه (عليه السلام) قال‏ (: إذا انقضت عدّتها، فهو معذور في أن يزوّجها) (1) ممّا يدل على انّ الكلام في المعذورية بالنسبة للحكم الوضعي، لا المعذورية بالنسبة للحكم التكليفي و البراءة.

القسم الثالث: (و كذا) لا يعذر الرجل المتزوج للمرأة في العدة كما لم يكن المتزوج في القسم الثاني معذورا، لو تزوّجها (مع الجهل بأصل العدّة) بأن لم يكن الرجل هنا في القسم الثالث يعلم: انّ على المرأة عدّة يحرم التزويج بها

____________

(1)- الكافي (فروع): ج 5 ص 427 ح 3، نوادر القمي: ص 110 ح 271.

24

لوجوب الفحص و أصالة عدم تأثير العقد، خصوصا مع وضوح الحكم بين المسلمين الكاشف عن تقصير الجاهل.

هذا إن كان ملتفتا شاكّا،

____________

في العدة و تزوجها، و إنّما لا يعذر لوجهين:

الوجه الأوّل: (لوجوب الفحص) في الشبهة الحكمية، و المفروض ان الشبهة حكمية في المقام.

الوجه الثاني: (و أصالة عدم تأثير العقد) فانّ المرأة كانت محرّمة عليه، اذا عقد عليها يشك في انّ هذا العقد هل أثّر في الاباحة أو لم يؤثر؟ الأصل: عدم التأثير في إباحتها عليه و بقائها أجنبية عنه.

ثم انه كيف يصح معذورية الجاهل بالحكم‏ (خصوصا مع وضوح الحكم بين المسلمين) فانّهم يعلمون ان التزويج في العدة حرام‏ (الكاشف عن تقصير الجاهل) في السؤال؟.

و هذا مؤيد آخر يؤيد انّ الرواية في صدد معذورية الجاهل من حيث الحرمة الأبدية و الحكم الوضعي، لا من حيث المؤاخذة و الحرمة التي هي حكم تكليفي، فلا تكون الرواية دليلا على البراءة حتى يستشهد بها الاصوليّون.

و لا يخفى: انّ‏ (هذا) الذي ذكرناه في الأقسام الثلاثة من الجهل بالعدّة، و قلنا:

بعدم صحة حمل الرواية فيها على المعذورية من حيث المؤاخذة فانّه مؤاخذ و مستحق للعقاب، لانّه شك فلم يستصحب العدة في الشبهة الموضوعية، و لم يفحص عنها في الشبهة الحكمية بل قلنا: انّ الرواية محمولة فيها على المعذورية من حيث الحرمة الأبدية، فان المرأة هذه لا تكون على مثل هذا الرجل حرام أبدا هذا الحكم في الأقسام الثلاثة انّما هو (إن كان ملتفتا شاكا) بأن كان جاهلا جهلا بسيطا.

25

و إن كان غافلا أو معتقدا للجواز فهو خارج عن مسألة البراءة، لعدم قدرته على الاحتياط.

و عليه‏

____________

(و)، أمّا القسم الرابع هو: (إن كان غافلا) اطلاقا عن الحكم و الموضوع‏ (أو معتقدا للجواز) بأن كان جاهلا جهلا مركبا (فهو خارج عن مسألة البراءة، لعدم قدرته على الاحتياط) فإن الغافل لا يكلّف بالفحص، لانه لا يعقل تكليفه، فلا يتمكن من الاحتياط و الجاهل المركب أيضا كذلك، لانّه يقطع بأنّ المرأة ليست في العدة، و يقطع بأنّ المرأة التي في العدة لا حرمة له في تزويجها فيكون خارجا عن محل البحث.

و عليه: فاذا حملنا الرواية على الغافل أو الجاهل المركب، خرجت الرواية عن مورد كلام الاصوليين و الأخباريين، لأن كلامهما في مورد إمكان الاحتياط فيقول الاخباريون عندها: بالاحتياط، و الاصوليون بالبراءة، بينما الغافل و الجاهل المركب لا يتمكنا من الاحتياط و لا يتمكنان من إجراء البراءة، إذ لو تعلقت القدرة بأحد الطرفين تعلقت بالطرف الآخر أيضا أمّا إذا لم تتعلق القدرة بطرف فلا تتعلق بالطرف الآخر.

مثلا: القادر على الحركة إنّما يكون قادرا إذا كان قادرا على كل من الحركة و السكون حيث هما ضدان، فيقال له حينئذ: قادر، أما إذا لم يقدر على الحركة فليس بقادر على السكون أيضا، كما انّه إذا لم يكن قادرا على السكون لم يكن قادرا على الحركة، أيضا، فهو ليس بقادر إطلاقا، و البراءة و الاحتياط ضدان، فاذا لم يقدر على أحدهما لم يقدر على الآخر.

(و عليه) أي: على هذا الفرض و هو: كون الرجل جاهلا مركبا، أو غافلا

26

يحمل تعليل معذوريّة الجاهل بالتحريم بقوله (عليه السلام): «لأنّه لا يقدر، الخ»، و إن كان تخصيص الجاهل بالحرمة بهذا التعليل يدلّ على قدرة الجاهل بالعدّة على الاحتياط، فلا يجوز حمله على الغافل،

____________

(يحمل تعليل معذورية الجاهل بالتحريم) في الحديث و التعليل هو ما أشار اليه‏ (بقوله (عليه السلام): «لأنّه لا يقدر، الخ») فانّ الإمام (عليه السلام) قال: «لأنّه لا يقدر مع الجهالة على الاحتياط» و عدم القدرة على الاحتياط انّما يكون في الجاهل المركب أو في الغافل، أما الجاهل البسيط الملتفت، فلا شك في انّه قادر على الاحتياط.

و الحاصل: إن كان الزوج جاهلا مركبا أو غافلا لم يكن موردا للبراءة، فلا يمكن الاستدلال بهذه الرواية على البراءة، و إن كان جاهلا بسيطا ملتفتا لم يتم قوله (عليه السلام): «لأنه لا يقدر» اذ هو- كما عرفت- قادر و حيث قال (عليه السلام): «انه لا يقدر»، يلزم حمل الرواية على الجاهل المركب أو الغافل.

و على أي حال: فظاهر الرواية ينفي الاستدلال بها على البراءة (و إن) وصلية (كان تخصيص الجاهل بالحرمة) أي: الجاهل بالحكم‏ (بهذا التعليل) بقوله:

«لأنه لا يقدر» (يدل) بالمفهوم‏ (على قدرة الجاهل بالعدّة) و هو الجاهل بالموضوع‏ (على الاحتياط) لأن الإمام (عليه السلام) قد قابل بين الجاهل بالموضوع و الجاهل بالحكم، ثم نفى التمكن من الاحتياط بالنسبة إلى الجاهل بالحكم، ممّا يدل على ان الجاهل بالموضوع قادر على الاحتياط.

إذن: (فلا يجوز حمله) أي: حمل الجاهل بالعدة (على الغافل) لأن الغافل لا يقدر على الاحتياط.

و الحاصل: ان الإمام (عليه السلام) حكم: بأن الجهل بالحرمة و هو الجهل بالحكم أهون و علله بأنّه لا يقدر على الاحتياط، و معنى ذلك: ان الجاهل بالعدة و هو الجاهل‏

27

إلّا أنّه إشكال يرد على الرواية على كلّ تقدير.

و محصّله لزوم التفكيك بين الجهالتين، فتدبّر فيه و في دفعه.

____________

بالموضوع، يقدر على الاحتياط.

لكن هذا لا يتم إلا بفرض الجهل بالحرمة جهلا مركبا أو غفلة، مع فرض الجهل بالعدة جهلا بسيطا لا غير، و قد تقدّم: انّ الجاهل البسيط لا يعذر من حيث المؤاخذة في شي‏ء من صور الجهل بالعدة، بل يعذر من حيث الحرمة الأبدية فلا حرمة أبدية للمرأة عليه.

(إلّا أنّه) أي تخصيص عدم القدرة على الاحتياط بما إذا كان جاهلا بالحكم ممّا كانت شبهة الرجل شبهة حكمية (إشكال يرد على الرّواية على كل تقدير) أي: سواء قلنا بأنّ المراد من الرواية: الجهل بالعدة بشبهة موضوعية كما تقدمت، أو انّ المراد: بشبهة حكميّة، لأنّهما لا يتمكنان من الاحتياط.

(و محصّله) أي: محصل هذا الاشكال هو (: لزوم التفكيك بين الجهالتين) و التفكيك خلاف السياق، فانّ فرض الجهل بالحرمة مركبا و غفلة، ممّا لا يمكن معه الاحتياط، و فرض الجهل بالعدة بسيطا يمكن فيه الاحتياط، و الحال انّه يمكن في كل من الجهلين أن يكون بسيطا، أو مركبا، و غفلة خلاف السياق.

(فتدبّر فيه) أي: في الاشكال الذي ذكرناه‏ (و في دفعه) فانّه قد دفع هذا الاشكال بعض بما لا يوجب اختلاف السياق و هو كما قال:

انه (عليه السلام) أراد من الجهل في الموضعين: معناه العام الشامل لكل أقسام الجهل، إلا انّ الغالب في الجهل بالحرمة هو المركب أو الغفلة، إذ الملتفت إلى هذا الحكم لا يبقى في الجهل و الشك لوضوحه بين المسلمين، فيفحص عنه و يصل بالنتيجة

28

و قد يستدلّ على المطلب، أخذا من الشهيد في الذكرى، بقوله (عليه السلام): «كلّ شي‏ء فيه حلال و حرام فهو لك حلال حتّى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه».

____________

إلى الحرمة، بخلاف الجهل بالعدة، فإنّ الغالب فيه هو الشك، لأن المتعارف هو النظر و التأمّل الدقيق في خصوصيات المرأة التي يراد نكاحها، و عندئذ يتوجه الذهن قهرا إلى حالها من حيث العدة و عدمها.

إذن: فتنزيل الجهل بالعدة على المتردد، و الجهل بالحرمة على الغافل، ليس مستلزما للتفكيك في الجهالة، بل الجهل في كلا الموردين بمعنى عدم العلم، و انّما الخلاف في الموردين ناشئ من الخصوصية في هذا المورد و في ذاك المورد.

(و قد يستدل على المطلب) أي: البراءة في الشبهة التحريمية و المستدل هو الفاضل التوني في الوافية، و تبعه السيد الصدر شارح الوافية، كما انّ الفاضل النراقي في مناهج الاصول استدل بهذا الحديث من وجوه متعددة، و الكل‏ (أخذا من الشهيد) الأوّل حيث استدل للبراءة (في الذكرى، بقوله (عليه السلام): كلّ شي‏ء فيه حلال و حرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه) (1) أي: فتتركه.

و من المعلوم: ان الانسان لا يعلم حرمة شرب التتن بعينه، فلا يكون التتن عليه حراما، بل يمكن أن يقال بمثل ذلك في الشبهة الوجوبية أيضا، فانّ الانسان لا يعلم حرمة ترك الدعاء عند رؤية الهلال بعينه، فالترك لا يكون حراما بل هو مباح له.

____________

(1)- تهذيب الاحكام: ج 9 ص 79 ب 4 ح 72، من لا يحضره الفقيه: ج 3 ص 341 ب 2 ح 4208، وسائل الشيعة: ج 17 ص 88 ب 4 ح 22050، الذكرى: ص 5.

29

و تقريب الاستدلال، كما في شرح الوافية: «أنّ معنى الحديث أنّ كلّ فعل من الأفعال التي تتّصف بالحلّ و الحرمة، و كذا كلّ عين ممّا يتعلّق به فعل المكلّف و يتّصف بالحلّ و الحرمة إذا لم يعلم الحكم الخاصّ به من الحلّ و الحرمة فهو حلال.

فخرج ما لا يتّصف بهما جميعا من الأفعال الاضطراريّة و الأعيان التي لا يتعلّق بها فعل المكلّف و ما علم أنّه حلال لا حرام فيه‏

____________

(و تقريب الاستدلال) بهذا الحديث‏ (كما في شرح الوافية) للسيّد الصدر حيث شرح وافية الفاضل التوني فقال: (أنّ معنى الحديث: أنّ كل فعل من الأفعال الّتي تتصف) أي: القابلة للاتصاف‏ (بالحلّ و الحرمة) كالمشي، فانّه قابل، ليتصف بالحلّ، لأنّه للترويح عن النفس، و بالحرمة لأنّه سفر معصية لقتل مسلم- مثلا-.

(و كذا كل عين ممّا يتعلّق به فعل المكلّف و يتّصف بالحل و الحرمة) كالخمر حيث يتعلق به شرب المكلّف، و قابل لأن يكون حراما، لأنّه لا ضرورة إليه، و قابل أن يكون حلالا لأنه مضطر إلى شربه، فانه‏ (إذا لم يعلم الحكم الخاص به من الحلّ و الحرمة) بأن شك في انه حلال أو حرام‏ (فهو حلال) للانسان الشاك.

إذن: (فخرج ما لا يتّصف بهما جميعا) لأنا ذكرنا: انّه يجب أن يكون قابلا للاتصاف بالحلّ و الحرمة، فالشي‏ء غير القابل للاتصاف، خارج عمّا ذكرناه‏ (من الأفعال الاضطراريّة) ككون الانسان في الحيز، و التنفس، و حركة المرتعش، و نحو ذلك‏ (و الأعيان الّتي لا يتعلق بها فعل المكلّف) مثل: الشمس، و القمر، و النجوم السيارة، و نحوها.

(و) كذلك خرج ما لا شك في حكمه أي: (ما علم انّه حلال لا حرام فيه،

30

أو حرام لا حلال فيه، و ليس الغرض من ذكر الوصف مجرّد الاحتراز، بل هو مع بيان ما فيه الاشتباه.

فصار الحاصل: أنّ ما اشتبه حكمه و كان محتملا لأن يكون حلالا، و لأن يكون حراما فهو حلال، سواء علم حكم كلّي فوقه أو تحته‏

____________

أو حرام لا حلال فيه) كالماء الذي هو حلال لا حرام فيه، و كون بعض أفراد الماء حراما لا يضرّ بالمثال، و كذلك كالخمر الّتي هي حرام لا حلال فيه، و كون بعض أقسام الخمر للمضطر حلالا لا يضر بالمثال أيضا.

(و ليس الغرض من ذكر الوصف) أي: قوله (عليه السلام): «فيه حلال و حرام» (: مجرد الاحتراز) فقط ممّا ذكرناه من القسمين أي: ما لا يتعلق به حكم أو لا شك في حكمه‏ (بل هو) أي: الاحتراز (مع) أي: بالاضافة إلى‏ (بيان ما فيه الاشتباه) ان للوصف أمر سلبي و هو: الاحتراز، و أمر إيجابي و هو هنا: بيان أنّ موضوع الحلية الظاهرية هو: ما اشتبه حليته و حرمته، أما سائر الأحكام من المستحب، و المكروه، و المباح، فليس الكلام فيها.

(فصار الحاصل) من الوصف المذكور في الرواية (: انّ ما اشتبه حكمه) و لم يعلم انه حلال أو حرام‏ (و كان محتملا لأن يكون حلالا، و لأن يكون حراما) و قوله «و كان»، بيان لقوله: «ما اشتبه حكمه»، فانّ هذا الموضوع المحتمل للأمرين، يكون موضوعا للحكم الظاهري، و هو ما أشار إليه بقوله: (فهو حلال، سواء علم حكم كليّ فوقه) أي: فوق ذلك المشتبه‏ (أو تحته) أي: تحت ذلك المشتبه.

و عليه: فانّه قد يعلم كليّ الفوق، كما إذا رأى لحما و لم يعلم انه حرام أو حلال بينما يعلم كليّ لحم المذكى و انّه حلال، و كليّ لحم الميتة و انّه حرام، فهو يعلم‏

31

بحيث لو فرض العلم باندراجه تحته أو تحقّقه في ضمنه لعلم حكمه أم لا.

و بعبارة أخرى: إنّ كلّ شي‏ء فيه الحلال و الحرام عندك، بمعنى أنّك تقسمه إلى هذين و تحكم عليه بأحدهما لا على التعيين‏

____________

الكليّين، لكنّه لا يعلم هل هذا فرد يندرج تحت هذا الكليّ أو ذاك الكليّ؟.

و قد يعلم كليّ التحت، كما إذا علم انّ الخمر حرام و الخل حلال، لكنّه يجهل كليّ الفوق فلا يعلم إنّ المائع الشامل لهما هل الأصل فيه الحرمة و خرج منه الخل؟ أو الأصل فيه الحلية و خرج منه الخمر؟.

و يفيد معرفة كليّ الفوق في ان المشتبه الذي لا يعلم انه حلال أو حرام، كالشرب المصنوع من الخشب- مثلا- ممّا لا إسكار فيه بانه اذا كان الأصل في المائع الحرمة فهو حرام، و إذا كان الأصل الحلية فهو حلال، و ذلك كما قال المصنّف: (بحيث لو فرض العلم باندراجه) أي: اندراج هذه المشتبه‏ (تحته) أي: تحت الكليّ‏ (أو تحققه في ضمنه) أي: في ضمن الكلي‏ (لعلم حكمه) من الكليّ الفوق أو من الكليّ التحت، فاذا علم- مثلا- ان هذا اللحم مندرج في المذكى لعلم حليته، أو انّه مندرج في الميتة لعلم حرمته، و كذا لو علم تحقق هذا المائع في ضمن الخل علم حليته، أو في ضمن الخمر لعلم حرمته.

(أم لا) عطف على قوله: «بحيث لو فرض العلم باندراجه لعلم حكمه»، بمعنى: انّه لو فرض العلم باندراجه أيضا لا يعلم حكمه، و ذلك كما في الشبهة الحكمية كحرمة التتن- مثلا- حيث لا يعلم هل أنّ التتن حرام أو ليس بحرام؟ فقد ذكر للشبهة الموضوعية فرضين، و للشبهة الحكمية فرضا واحدا.

(و بعبارة اخرى: إنّ كل شي‏ء فيه الحلال و الحرام عندك، بمعنى: أنّك تقسمه إلى هذين) القسمين: الحرام و الحلال‏ (و تحكم عليه بأحدهما لا على التعيين)

32

و لا تدري المعيّن منهما، فهو لك حلال.

فيقال حينئذ: الرواية صادقة على مثل اللحم المشتري من السوق المحتمل للمذكّى و الميتة، و على شرب التتن، و على لحم الحمير، إن لم نقل بوضوحه و شككنا فيه، لأن يصدق على كلّ منها أنّه شي‏ء فيه حلال و حرام عندنا، بمعنى أنّه يجوز لنا أن نجعله مقسما لحكمين فنقول: هو إمّا حلال و إمّا حرام،

____________

لأنك لا تدري هل هذا حرام أو حلال؟ (و لا تدري المعين منهما، فهو لك حلال، فيقال حينئذ: الرّواية صادقة على) الشبهات الموضوعية (مثل اللّحم المشترى من السوق المحتمل للمذكى و الميتة) فيما إذا لم يكن هناك علم بأنّه سوق مسلم أو كافر، و إلّا كان اللحم محكوما في سوق المسلم بالتذكية، و في سوق الكافر بعدم التذكية.

(و) صادقة أيضا (على) الشبهات الحكمية مثل: (شرب التتن، و على لحم الحمير، إن لم نقل بوضوحه) و أما إذا قلنا بوضوحه و علمنا بأنّه حلال أو حرام فهو خارج عن مثال الشبهة الحكمية (و شككنا فيه) و هذا عطف بيان لقوله: «إن لم نقل بوضوحه»، يعني: إن شككنا في لحم الحمار، و لم يكن عندنا واضحا، فهو مثال لما نحن فيه، و يكون كشرب التتن في كونه من الشبهة الحكمية.

و انّما نقول: بأنّ الرواية تشمل الشبهات الموضوعية و الشبهات الحكميّة معا (لأنّه يصدق على كل منها) أي: من الأمثلة المذكورة (: انّه شي‏ء فيه حلال و حرام عندنا، بمعنى: انّه يجوز لنا أن نجعله) أي: نجعل كلّ واحد من الأمثلة المذكورة (مقسما لحكمين) بنحو الترديد (فنقول: هو: إمّا حلال و امّا حرام) في الشبهة الموضوعية.

33

و إنّه يكون من جملة الأفعال التي يكون بعض أنواعها و أصنافها حلالا و بعضها حراما و اشتركت في أنّ الحكم الشرعيّ المتعلّق بها غير معلوم»، انتهى.

أقول: الظاهر أنّ المراد بالشي‏ء ليس هو خصوص المشتبه، كاللحم المشترى و لحم الحمير على ما مثّله بهما،

____________

(و) ل (انّه يكون من جملة الأفعال التي يكون بعض أنواعها و أصنافها حلالا و بعضها حراما) كشرب التتن، حيث ان بعض أقسام الشرب حلال، كشرب مسحوق البنفسج للدواء، و بعض أقسامها حرام كشرب البنج، و هذا مثال للشبهة الحكمية.

هذا (و) قد (اشتركت) الأمثلة المذكورة (في انّ الحكم الشرعي المتعلّق بها غير معلوم) (1) الحلية أو الحرمة.

(انتهى) كلام السيد الصدر الذي أراد أن يبيّن: انّ هذه الرواية تشمل الشبهات الحكمية و الشبهات الموضوعية معا، فاذا شك في شي‏ء انّه حلال أو حرام، سواء كانت الشبهة موضوعية أو حكمية، فالأصل البراءة، كما هو مشرب الاصوليين.

(أقول): انّ المصنّف أشكل على كلام السيد الصدر بإشكالين:

الأول: ما أشار اليه بقول: (الظاهر: أنّ المراد بالشي‏ء) في قوله (عليه السلام): «كلّ شي‏ء ...» (ليس هو خصوص المشتبه) على نحو الجزئية ممّا له حكم واحد (كاللحم المشترى) من السوق‏ (و لحم الحمير على ما مثّله) أي: مثل السيد الصدر الشي‏ء في الرواية (بهما).

____________

(1)- شرح الوافية: مخطوط.

34

إذ لا يستقيم إرجاع الضمير في «منه» إليهما، لكن لفظة «منه» ليس في بعض النسخ.

____________

و إنّما نقول بأنّه ليس المراد بالشي‏ء خصوص المشتبه‏ (إذ لا يستقيم إرجاع الضمير في «منه» اليهما) أي: إلى مثل اللحم المشترى، و لحم الحمير، كما جاء في كلام السيد الصدر.

و حاصل الاشكال: إن قوله: «منه»، في الرواية يرجع إلى الكلي، لأنه بمعنى:

البعض لا الى الشخصي، فيقال مثلا: المائع منه حلال و منه حرام، و لا يقال: هذا الاناء منه حلال و منه حرام، كما لا يقال: التتن الكليّ منه حرام و منه حلال، لأنّ التتن الكليّ له حكم واحد، فيكون المراد بقوله (عليه السلام): «كلّ شي‏ء»: الكلي الذي فيه قسمان، لا الجزئي، و لا الكلي الذي له قسم واحد.

نعم، يمكن أن يراد بكلّ شي‏ء: الجزئي، و يراد ب «منه»: الكليّ، و ذلك على سبيل الاستخدام، فيكون لفظ شي‏ء قد استعمل في معنى، و ضميره في معنى آخر، و هذا ما يصطلح عليه بالاستخدام في علم البلاغة، كقول الشاعر:

إذا نزل السماء بأرض قوم‏* * * رعيناه و إن كانوا غضابا

فهو كما إذا قلت: هذا المائع في هذا الاناء الأحمر حرام، و هذا المائع في الاناء الأبيض حلال، ثم قلت: و كليّ المائع لك حلال حتى تعرف انّه حرام.

هذا (لكن) الذي يرفع النزاع هو: ان‏ (لفظة «منه» ليس في بعض النسخ) (1) كما ان الاستخدام خلاف الظاهر، فلا يصار إليه إلّا بالقرينة،.

الثاني من اشكالي المصنّف على السيد الصدر هو: ما أشار إليه بقوله:

____________

(1)- كرواية الغوالي: ج 3 ص 465 ح 16.

35

و أيضا: الظاهر أنّ المراد بقوله (عليه السلام): «فيه حلال و حرام» كونه منقسما إليهما، و وجود القسمين فيه بالفعل لا مردّدا بينهما، إذ لا تقسيم مع الترديد أصلا، لا ذهنا و لا خارجا، و كون الشي‏ء منقسما لحكمين، كما ذكره المستدلّ، لم يعلم له معنى محصّل، خصوصا مع قوله (قدّس سرّه) «أنّه يجوز لنا

____________

(و أيضا) حاصله: انّ قوله (عليه السلام): «فيه حلال و حرام» للتقسيم مثل الانسان أبيض و أسود، لا للترديد مثل زيد اما عالم أو جاهل، و السيد الصدر قال بأنه للترديد، فاشكل عليه المصنّف و قال:

(الظاهر: انّ المراد بقوله (عليه السلام): «فيه حلال و حرام» كونه) أي: كون الشي‏ء هنا (منقسما إليهما، و وجود القسمين فيه بالفعل) فقسم حلال و قسم حرام، كاللحم الذي قسم منه حلال و هو لحم الغنم، و قسم منه حرام و هو لحم الخنزير (لا مرددا بينهما) أي: ليس المراد احتمال الحرمة و احتمال الحليّة (إذا لا تقسيم مع الترديد أصلا لا ذهنا و لا خارجا) فليس معنى المردد: انّه في الذهن منقسم، أو في الخارج منقسم، بل معنى المردد: انّه في الخارج شي‏ء واحد، و في الذهن لا يعلم انه هكذا أو هكذا؟.

(و كون الشي‏ء) المردد (منقسما لحكمين) حلال و حرام‏ (كما ذكره المستدلّ، لم يعلم له معنى محصّل) قوله: «لم يعلم»، خبر لقوله: «و كون الشي‏ء».

و انّما لم يعلم له معنى محصّل، لأن ما ذكره من الترديد بين كون شي‏ء واحد حلالا أو حراما، هو من الترديد، لا من التقسيم، لأن التقسيم انّما يكون إذا كان لشي‏ء قسمان، لا إذا كان فيه احتمالان، فان الترديد يكون في شي‏ء واحد مجهول محتمل لان يكون حراما أو حلالا.

و هذا الاشكال يكون قويا على الصدر (خصوصا مع قوله (قدّس سرّه): «أنّه يجوز لنا

36

ذلك»، لأنّ التقسيم إلى الحكمين، الذي هو في الحقيقة ترديد لا تقسيم، أمر لازم قهريّ، لا جائز لنا.

و على ما ذكرنا فالمعنى- و اللّه العالم- أنّ كلّ كلّيّ فيه قسم حلال و قسم حرام، كمطلق لحم الغنم المشترك بين المذكّى و الميتة، فهذا الكلّيّ لك حلال إلى أن تعرف القسم الحرام معيّنا في الخارج فتدعه.

____________

ذلك») و انّما قال خصوصا (لأنّ التقسيم إلى الحكمين، الّذي) قسّم الصدر المردد اليه‏ (هو في الحقيقة ترديد لا تقسيم) و الترديد في الشي‏ء المشتبه‏ (أمر لازم قهريّ، لا جائز لنا) كما عبّر عنه السيد الصدر (قدّس سرّه).

و عليه: فالتعبير ب «يجوز لنا» كالتعبير بكون الشي‏ء مقسما لحكمين، غير ظاهر المعنى.

أقول: لا يخفى: انّ بعض إشكالات المصنّف عليه غير ظاهر.

(و على ما ذكرنا): من المراد بالشي‏ء: الكلي، لا الشخصي، و انّ ظاهر القضية: وجود الحلال و الحرام فعلا على نحو التقسيم، لا على نحو الترديد، (فالمعنى) للحديث يكون‏ (و اللّه العالم: انّ كلّ كلّي فيه قسم حلال و قسم حرام، كمطلق لحم الغنم المشترك بين المذكى و الميتة) و كذلك العصير المغلي بين قسم حرام لم يذهب ثلثاه، و قسم حلال ذهب ثلثاه، إلى غير ذلك‏ (فهذا الكلي لك حلال) أفراده‏ (إلى أن تعرف القسم الحرام) من ذلك الكليّ‏ (معيّنا في الخارج فتدعه) أي: تتركه.

و عليه: فلحم الغنم الذي لا يعرف إنّه حرام أو حلال، و لم يكن هناك أصل أو أمارة، على أحد الطرفين: محكوم بالحلية، و هكذا بالنسبة إلى سائر الشبهات الموضوعيّة.

37

و على الاستخدام يكون المراد: أنّ كلّ جزئيّ خارجيّ في نوعه القسمان المذكوران فذلك الجزئيّ لك حلال حتّى تعرف القسم الحرام من ذلك الكلّيّ في الخارج فتدعه، و على أيّ تقدير: فالرواية مختصّة بالشبهة في الموضوع.

____________

هذا بناء على تفسير الشي‏ء في الرواية بالمعنى الكليّ.

(و) اما (على الاستخدام) و هو عطف على قوله: «و على ما ذكرنا»، فهو: بأن يراد بالشي‏ء في كلام الإمام (عليه السلام): خصوص المشتبه، بالضمير في «فيه»، و «منه»: الكليّ، على نحو الاستخدام، حيث ذكرنا: انّ المحتمل في الرواية معنيان، و إن كان المعنى الاستخدامي خلاف الظاهر، و ذلك كما قال:

(يكون المراد: انّ كلّ جزئيّ خارجيّ) كاللحم المردد بين كونه مذكّى أو ميتة (في نوعه القسمان المذكوران) «في نوعه» خبر، «و القسمان المذكوران» مبتدأ أي: كان هذا اللحم الخارجي له نوع فوقه و في ذلك النوع قسمان: قسم محرم كالميتة و قسم محلّل كالمذكى‏ (فذلك الجزئي) الخارجي المشتبه بأنّه من هذا النوع أو من ذاك النوع‏ (لك حلال حتى تعرف القسم الحرام من ذلك الكلّي في الخارج) بأن تعرف انّ هذا الشخصي من النوع الحرام الميتة، لا من النوع الحلال المذكى‏ (فتدعه).

(و على أي تقدير) سواء قلنا: بأن المراد بالشي‏ء: الكليّ، أو قلنا: بانّ المراد منه: الجزئي على المعنيين الذين عرفتهما (فالرّواية مختصّة بالشّبهة في الموضوع) لا الشبهة في الحكم الذي هو محل الكلام في باب البراءة، فالرواية إذن لا تدلّ على البراءة في الشبهات الحكميّة.

ثم انّ المصنّف كرّر للتأكيد ما ذكره من الاشكالين على شارح الوافية بقوله:

38

و أمّا ما ذكره المستدلّ- من أنّ المراد من وجود الحلال و الحرام فيه احتماله و صلاحيته لهما- فهو مخالف لظاهر القضيّة و لضمير «منه» و لو على الاستخدام.

____________

(و أمّا ما ذكره المستدلّ: من انّ المراد من وجود الحلال و الحرام فيه) ليس تقسيمه إليهما، بل‏ (احتماله) أي: احتمال المشتبه‏ (و صلاحيته) أي: صلاحية المشتبه‏ (لهما) أي: للحلية و الحرمة، حيث انّ المستدلّ أرجع التقسيم إلى الترديد (فهو) غير تام لما يلي:

أولا: انه‏ (مخالف لظاهر القضيّة) كما عرفت: من انّ ظاهر القضية وجود الحلال و الحرام فعلا، لا احتمال الحرام و الحلال ترديدا.

(و) ثانيا: انّه مخالف‏ (لضمير «منه») لأن لفظة «من» للتبعيض، و التبعيض ظاهر في وجود القسمين فعلا، فلا يمكن إرجاع الضمير في «منه» إلى المشتبه المحتمل للحلّ و الحرمة، لأن المشتبه المردد بين الحلال و الحرام ليس فيه قسمان فيكون إرجاعه إليه غير جائز (و لو على الاستخدام) بأن يراد من الشي‏ء:

المشتبه، و من ضمير «منه» النوع استخداما حتى يكون المعنى: ان المشتبه الذي فيه احتمالان، لك حلال حتى تعرف القسم الحرام من نوعه.

و على أي حال: فالحديث في نظر المصنّف مختصّ بالشبهة الموضوعيّة و لا يشمل الشبهة الحكمية، لكنّ الظاهر: شموله لهما، فهذا اللحم الشخصي الخارجي الذي لم يعلم انّه من الميتة أو المذكى لك حلال و هو شبهة موضوعية، و هذا اللحم الكليّ للغراب الذي لم يعلم انه حلال أو حرام- حيث في كليّ اللحم حلال كلحم الحمام، و حرام كلحم الطاوس- هو لك حلال، و هو شبهة حكمية، و هذا هو الذي أشار إليه النراقي، و إن كان في بعض كلام النراقي تأمّل ذكره المصنّف.

39

ثم الظاهر: أنّ ذكر هذا القيد مع تمام الكلام بدونه- كما في قوله (عليه السلام) في رواية أخرى: «كلّ شي‏ء لك حلال حتّى تعرف أنّه حرام»- بيان منشأ الاشتباه جهة الحكمية

____________

(ثم) بدأ المصنّف يمهّد لردّ النراقي الذي فسر الحديث بتفسير لم يرتضه المصنّف فقال‏ (الظاهر: انّ ذكر هذا القيد) أي: قيد فيه حلال و حرام في الرواية (مع تمام الكلام بدونه) أي: بدون هذا القيد، لأنّه يصحّ أن يقال: كل شي‏ء لك حلال، حتى تعرف انّه حرام‏ (كما) لم يذكر هذا القيد (في قوله (عليه السلام) في رواية أخرى: كلّ شي‏ء لك حلال حتى تعرف انّه حرام) إنّما هو لأجل‏ (بيان منشأ الاشتباه) و سببه.

فإنّه قد يكون منشأ الاشتباه في هذا اللحم الخارجي بانّه حرام أو حلال، هو:

ان في كليّ لحم الغنم مذكى و ميتة، و هذا ما أشار إليه هذا الحديث و قال: بانّه حلال، فيختص الحديث بالحلية الظاهرية في الشبهة الموضوعية.

و قد يكون منشأ الاشتباه هو عدم العلم بالحكم الكليّ الذي جعله الشارع، كما إذا لم يعلم، إنّ الغراب حرّمه الشارع أو حلّله، فمنشأ هذا الاشتباه في الغراب ليس هو وجود القسمين، و انّما هو لأنا لا نعلم هل انّ الغراب حرّمه الشارع أو حلّله؟ فيكون من‏ (جهة الحكمية) فلا يشمله هذا الحديث.

لكن يمكن أن يقال: انّ منشأ الاشتباه في الغراب أيضا وجود القسمين من الطير: الطير الحلال، و الطير الحرام، و لم يعلم: إنّ الشارع حرّم الغراب كالطيور المحرمة، أو حلّلها كالطيور المحللة؟ فيكون الاختلاف بين الروايتين من‏

40

الذي يعلم من قوله (عليه السلام): «حتى تعرف».

و كما أنّ الاحتراز عن المذكورات في كلام المستدلّ أيضا يحصل بذلك.

____________

اختلاف التعبير، لا لأجل الاختلاف في الشبهة الموضوعيّة و الشبهة الحكمية، كما ذكره المصنّف.

ثم انّ المصنّف ذكر: انّ‏ (الذي) استفاده من دلالة القيد: «فيه حلال و حرام» في الرواية على انّه لبيان منشأ الاشتباه و سببه، فيختص بالحكم الظاهري في الشبهة الموضوعية بان ذلك‏ (يعلم) أيضا (من قوله (عليه السلام): «حتى تعرف») فإنّ حتى تعرف: دليل على إرادة الحليّة الظاهرية في الشبهة الموضوعية فان الحلية الظاهرية إنّما هي في صورة الاشتباه في الموضوع الخارجي، لا في الحكم، إذ منشأ الاشتباه في الحكم فقدان النص، أو إهماله، أو تعارضه، و لا يجري فيه البراءة إلا بعد الفحص و اليأس، و هذا ما لم يتعرض له هذا الحديث.

(و كما أنّ الاحتراز عن المذكورات في كلام المستدلّ أيضا يحصل بذلك) و مراده «بذلك»: هو قيد فيه حلال و حرام، و المراد من «المذكورات في كلام المستدل»: هو ما تقدّم من قوله: فخرج ما لا يتصف بهما جميعا: من الأفعال الاضطرارية، و الأعيان التي لا يتعلّق بها فعل المكلّف، و ما علم انّه حلال لا حرام فيه، أو حرام لا حلال فيه.

و الحاصل: انّ المصنّف قد ذكر لقيد «فيه حلال و حرام» أمرين:

الأول: إنّ هذا القيد هو احتراز عن المذكورات.

الثاني: أنّه بيان لسبب الاشتباه و منشئه.

ثمّ انّ المصنّف بعد ذكر من التمهيد لرد النراقي، ذكر وجه الرّد بقوله‏

41

و منه، يظهر فساد ما انتصر به بعض المعاصرين للمستدلّ، بعد الاعتراف بما ذكرنا من ظهور القضيّة في الانقسام الفعليّ، فلا يشمل مثل شرب التتن من: «أنّا نفرض شيئا له قسمان حلال و حرام و اشتبه قسم ثالث منه، كاللحم، فانّه شي‏ء فيه حلال و هو لحم الغنم و حرام و هو لحم الخنزير، فهذا الكلّيّ‏

____________

ب (و منه) أي: من أنّ قوله (عليه السلام): «فيه حلال و حرام» بيان لمنشا الشبهة، فيختص بالشبهة الموضوعيّة و لا يشمل الشبهة الحكميّة (يظهر فساد ما انتصر به بعض المعاصرين) و هو النراقي، فقد انتصر (للمستدل) و هو السيد الصدر (بعد الاعتراف) من هذا المعاصر (بما ذكرنا: من ظهور القضيّة في الانقسام الفعلي، فلا يشمل مثل شرب التتن) الذي ليس فيه الانقسام الفعلي، ممّا يدل على ان هذا المعاصر لم يرتض بالترديد الذي ذكره السيد الصدر.

و لا يخفى: انّ استثنائه لشرب التتن أيضا محل تأمّل لما تقدّم: من انّه يمكن تصوير الانقسام فيه، فان قسما من الشرب حلال، و قسما منه حرام، و قسما لا يعلم حكمه، فهناك- مثلا- ثلاث سيجارات: أحدها: حشي بنجا فهو حرام، و الآخر: حشي بالبنفسج فهو حلال، و الثالث: لا نعلم انه حلال أو حرام فهو حلال بمقتضى الرواية.

ثم بيّن المصنّف كيفية انتصار هذا المعاصر بقوله: (من انّا نفرض شيئا له قسمان: حلال و حرام، و اشتبه قسم ثالث منه) بالشبهة الحكمية التي هي محل الكلام بين الاصوليين و الأخباريين، و الاصوليون يستدلون بهذا الحديث على حليتها (كاللّحم) الكليّ‏ (فانّه شي‏ء فيه حلال و هو لحم الغنم، و حرام و هو لحم الخنزير) و قسم ثالث يشتبه بأنّه حلال أو حرام كلحم الحمار (فهذا الكلّي‏

42

المنقسم حلال، فيكون لحم الحمار حلالا حتّى تعرف حرمته».

وجه الفساد: أنّ وجود القسمين في اللحم ليس منشأ لاشتباه لحم الحمار و لا دخل له في هذا الحكم أصلا، و لا في تحقق الموضوع،

____________

المنقسم: حلال، فيكون لحم الحمار حلالا حتى تعرف حرمته) (1) فتتركه.

(وجه الفساد) لكلام النراقي هو: (ان) قوله (عليه السلام) في الخبر المتقدم: فيه حلال و حرام، إنما هو بيان لسبب الشبهة، و (وجود القسمين في اللحم ليس منشأ لاشتباه لحم الحمار) فانّ القسمين لو كانا معا حلالا أو كانا معا حراما لشككنا أيضا في لحم الحمار.

و إنّما نشك في لحم الحمار، لفقد النصّ، أو لإهماله، أو لتعارضه، فلا تشمل الرواية مثل لحم الحمار (و لا دخل له) أي: لوجود القسمين‏ (في هذا الحكم) بحلية لحم الحمار (أصلا). فانّ من الواضح: ان حلية الغنم و حرمة الخنزير، لا يؤثران في حكم الشرع بحلية لحم الحمار (و لا) دخل لهذين القسمين‏ (في تحقق الموضوع) للحكم بالحلية، إذ موضوع الحكم بالحلّية هو: الشك الناشئ، من فقدان النص، أو اهمال النّص، أو تعارض النصين و ليس هو وجود القسمين في الشي‏ء.

لكن ربّما يقال: انّ في كلام المصنّف نظر، فانّ لوجود القسمين دخل في الشك في القسم الثالث، فانّه إذا علمنا انّ للشارع في الطيور حلالا و حراما، و عرفنا الحلال في الحمام، و الحرام في الطاوس، و لم نعرف قسما ثالثا فشككنا في انّه من أي منهما كان له دخل، فهو كما إذا علمنا بأنّ للشارع في لحم الغنم‏

____________

(1)- مناهج الاحكام للنراقي: ص 214، بحر الفوائد: ح 2 ص 22.

43

و تقييد الموضوع بقيد أجنبيّ لا دخل له في الحكم و لا في تحقّق الموضوع مع خروج بعض الأفراد منه، مثل شرب التتن، حتّى احتاج هذا المنتصر إلى إلحاق مثله بلحم الحمار و شبهه، ممّا يوجد في نوعه قسمان معلومان بالاجماع‏

____________

حلالا هو المذكى، و حراما هو الميتة، و لم نعرف قسما ثالثا فشككنا انّه من أي منهما، فمنشأ الشك في القسم الثالث في المثالين هو وجود القسمين، و إلّا لو كان كل الطيور حلالا، أو كل الطيور حراما، لم نكن نشك في القسم الثالث، و هو الغراب، كما انّه كذلك لو كان كل اللحوم للأغنام حلالا، أو كل اللحوم للأغنام حراما.

(و تقييد) هذا مبتدأ خبره «مستهجن» يأتي فيما بعد مما حاصله: ان تقييد الإمام (عليه السلام) (الموضوع) في الخبر المتقدّم، و الموضوع، هو: كل شي‏ء (بقيد أجنبي) و المراد: انّه اجنبيّ عن الموضوع و عن الحكم حيث قال (عليه السلام): فيه حلال و حرام‏ (لا دخل له) اي لهذا القيد (في الحكم) أي: في حلية لحم الحمار (و لا في تحقيق الموضوع) أي: الشك في لحم الحمار، لأنّه نشك في لحم الحمار فنقول: بالحلية حسب ما قاله النراقي و غيره.

هذا (مع خروج بعض الأفراد منه) أي: هناك قسم ليس من هذا القبيل باعتراف النراقي نفسه‏ (مثل: شرب التتن) إذ النراقي انّما ألحق شرب التتن بالحمار في المثال ليساوي الاجماع، لا انه جعله من نفس «كل شي‏ء فيه حلال و حرام» (حتى احتاج هذا المنتصر) و هو النراقي‏ (إلى إلحاق مثله) أي: مثل التتن‏ (بلحم الحمار و شبهه، ممّا يوجد فيه نوعه قسمان معلومان).

فان النراقي ألحق التتن بلحم الحمار لا بشمول الدليل للتتن، بل‏ (بالاجماع‏

44

المركّب مستهجن جدّا لا ينبغي صدوره من متكلّم فضلا عن الإمام (عليه السلام).

هذا، مع أنّ اللازم ممّا ذكر عدم الحاجة إلى الاجماع المركّب، فانّ الشرب فيه قسمان: شرب الماء

____________

المركّب) و هو: ان كلّ من قال بحلية لحم الحمار قال بجواز شرب التتن، و كل من قال بحرمة لحم الحمار قال بحرمة شرب التتن، فليس لنا ان نفصّل بينهما فنقول بحلية لحم الحمار و حرمة شرب التتن.

و حيث انّ الرواية شملت حلية لحم الحمار، فلا بدّ ان نقول بحلية جواز شرب التتن.

و عليه: فهذا التقييد (مستهجن جدا لا ينبغي صدوره من متكلم) عادي‏ (فضلا عن الإمام (عليه السلام)) فإنّ الإمام لو قصد شمول الرواية للشبهة الحكمية لم يذكر القيد الذي لا ينفع في باب هذه الشبهة بل يوجب خروج بعض افراد الشبهة، مثل: شرب التتن، فانه لو أراد شمول الرواية للشبهة الحكمية كان اللازم أن يقول: كل شي‏ء حلال حتى تعرف انّه حرام، كما ورد في رواية اخرى، و على هذا: فالرواية السابقة المقيدة بقوله: فيه حلال و حرام خاصة بالشبهة الموضوعية و لا تشمل الشبهة الحكمية.

(هذا) هو الاشكال الأوّل من المصنّف على النراقي، و اما الاشكال الثاني عليه- و الظاهر انه وارد عليه، كما ألمعنا إليه سابقا- فهو ما أشار إليه بقوله: (مع انّ اللازم ممّا ذكر) حيث فرضنا شيئا له قسمان: حلال و حرام، كما فرضنا بالنسبة إلى لحم الحمار فانّه مشتبه بين قسمين حلال هو الغنم، و حرام هو الخنزير فاللازم منه‏ (عدم الحاجة إلى الاجماع المركّب) في حكم التتن أيضا و ذلك بفرض القسمين فيه كما قال: (فان الشرب) كليّ‏ (فيه قسمان: شرب الماء،

45

و شرب البنج و شرب التتن كلحم الحمار بعينه، و هكذا جميع الأفعال المجهولة الحكم.

ض

و أمّا الفرق بين الشرب و اللحم بأنّ الشرب جنس بعيد لشرب التتن بخلاف اللحم، فممّا لا ينبغي أن يصغى إليه.

____________

و شرب البنج) و الأوّل: حلال كلحم الغنم، و الثاني: حرام كلحم الخنزير.

(و شرب التتن) الذي هو القسم الثالث يكون حينئذ (كلحم الحمار بعينه) فإنّه مشكوك بأنّه حلال أو حرام، فاللازم أن يكون التتن كلحم الحمار في الحلية، لأنه قسم ثالث داخل في كليّ الشرب، كما ان لحم الحمار قسم ثالث داخل في كليّ اللحم.

(و هكذا) يمكن فرض القسمين لا في التتن فقط بل في‏ (جميع الأفعال المجهولة الحكم).

لا يقال: فرق بين التتن و لحم الحمار، إذ اللحم كليّ قريب للغنم و الخنزير و الحمار، بخلاف الشرب فهو كليّ بعيد، إذ الشرب له قسمان:

شرب المائع، و التدخين الذي يصطلح عليه بالشرب أيضا، و التدخين له أقسام، فيدخل لحم الحمار في كلّي اللحم، لانّه جنس قريب إلى لحم الحمار، بخلاف شرب التتن فانّه لا يدخل في كليّ الشرب لأنه جنس بعيد بالنسبة اليه.

لأنه يقال: (و أمّا الفرق بين الشرب و اللّحم: بأنّ الشرب جنس بعيد لشرب التتن) و شرب البنج مثلا (بخلاف اللحم، فممّا لا ينبغي ان يصغى إليه) لوضوح:

عدم الفرق بين القريب و البعيد، إذ للتتن أيضا جنس قريب و هو التدخين كما تقدّم: من انّه على ثلاثة اقسام: قسم محرم هو: التدخين بالبنج، و قسم محلل‏

46

هذا كلّه، مضافا إلى أنّ الظاهر من قوله (عليه السلام): «حتّى تعرف الحرام منه»، معرفة ذلك الحرام الذي فرض وجوده في الشي‏ء، و معلوم أنّ معرفة لحم الخنزير و حرمته لا يكون غاية لحلّيّة لحم الحمار.

____________

و هو: التدخين بالبنفسج، لأنّه نافع لبعض الأمراض، و قسم مشكوك فيه و هو:

التدخين بالتتن.

و عليه: فلو أغمضنا النظر عن أصل الاشكال الذي ذكرناه على النراقي، فلا ينبغي الفرق بين التتن و لحم الحمار، و في شمول الرواية لهما، كما لا حاجة في إدخال التتن في حكم الاباحة بما ذكره من الاجماع المركب.

(هذا كلّه) هو أول الاشكالين على النراقي، حيث أشرنا إليه بقولنا: وجه الفساد: ان وجود القسمين في اللحم ليس منشأ لاشتباه لحم الحمار، و هناك إشكال آخر على النراقي أشار إليه المصنّف بقوله:

(مضافا إلى انّ الظاهر من قوله (عليه السلام): «حتّى تعرف الحرام منه»: معرفة ذلك الحرام الذي فرض وجوده في الشي‏ء) فانّ المصنّف استظهر من الرواية: انّ هذا اللحم حلال حتى تعرف انّه غير مذكى، فهناك لحمان: مذكى و ميتة، الأوّل:

حلال، و الثاني: حرام، و الثالث: لا يعرف انّه حلال أو حرام، فيحكم بحليته حتى يعرف انّه من الميتة الذي هو القسم الحرام من القسمين.

و عليه: فاذا شك الانسان في لحم، فهو له حلال حتى يعرف انّه داخل في القسم الثاني الذي هو الميتة، و ليس كذلك لحم الحمار، فانّه لا يكون له حلالا حتى يعرف انّه لحم الخنزير، لانه واضح‏ (و معلوم انّ معرفة لحم الخنزير و حرمته لا يكون غاية لحلّية لحم الحمار) فانّه لا يعقل أن يقال اللحم الذي فيه حلال كالغنم، و حرام كالخنزير، هو لك حلال عند الشك في لحم الحمار حتى تعرف‏

47

و قد اورد على الاستدلال:

____________

انّه حرام لكونه لحم الخنزير.

لكن يمكن أن يقال في ردّ هذا الاشكال بما يلي:

أوّلا: من أين لزوم دخول اللحم المشكوك في العنوان الثاني حتى يشمله الخبر، بل الخبر يشمل ذلك كما يشمل ما لم يكن اللحم المشكوك داخلا في أحد القسمين؟.

و ثانيا: من الممكن أن يقال على تقدير القسمين أيضا: انّ ما خلقه اللّه من اللحوم قسم منه حلال و قسم منه حرام، فاذا شك في لحم الحمار يحكم بحليته حتى يعلم بكونه داخلا في القسم الحرام.

و إلى هنا انتهى كلام المصنّف في الاشكال على النراقي الذي جعل الخبر أعمّ من الشبهة الموضوعية و الشبهة الحكمية، حيث انّ المصنّف يرى انّ الخبر لا يشمل إلا الشبهة الموضوعيّة فقط، فلا يكون دليلا على البراءة التي ذكرها الاصوليون، و استشهدوا بهذا الخبر له.

ثم انّ المحقق القميّ أشكل على الاصوليين الذين جعلوا الخبر دليلا على البراءة في الشبهة الحكمية بالاضافة الى كونه دليلا على البراءة في الشبهة الموضوعيّة: بأنّه يلزم من شمول الخبر للقسمين من الشبهة استعمال اللفظ في معنيين، فتارة يراد بقوله: «فيه حلال و حرام» الشبهة الحكمية أي: ما يحتمل انّه حلال أو حرام كالتتن، و تارة يراد به: الشبهة الموضوعيّة أي: ما لا يعلم انّه مذكى أو ميتة، و إنّما يكون استعمالا للفظ في معنيين، لأنّه تارة يكون بمعنى الترديد، و أخرى بمعنى التقسيم، و الى هذا الاشكال أشار المصنّف بقوله: (و قد أورد) المحقق القميّ‏ (على الاستدلال) أي: استدلال السيد الصدر بهذه الرواية

48

«بلزوم استعمال قوله (عليه السلام): «فيه حلال و حرام»، في معنيين، أحدهما أنّه قابل للاتصاف بهما.

و بعبارة أخرى: يمكن تعلّق الحكم الشرعيّ به ليخرج ما لا يقبل الاتصاف بشي‏ء منهما، و الثاني، أنّه منقسم إليهما،

____________

على البراءة في الشبهة الحكمية إضافة إلى شمول الرواية للشبهة الموضوعيّة (بلزوم استعمال قوله (عليه السلام): «فيه حلال و حرام» في معنيين) و من المعلوم: ان استعمال اللفظ في معنيين، إما محال كما قاله الآخوند، و إما خلاف الظاهر فيحتاج إلى قرينة و لا قرينة في المقام كما قاله مشهور الاصوليين و أما المعنيين:

فهما عبارة عمّا يلي:

(أحدهما: انّه) أي: انّ قوله (عليه السلام): «كل شي‏ء» (قابل للاتصاف بهما) أي:

بالحلال و الحرام بمعنى الترديد.

(و بعبارة أخرى: يمكن تعلق الحكم الشرعي) من الحلال و الحرام‏ (به) أي:

بقوله: «كل شي‏ء» (ليخرج ما لا يقبل الاتصاف بشي‏ء منهما) أي: ما لا يقبل الحكم الشرعي أصلا، كالأفعال الاضطرارية، و الأعيان التي لا يتعلق بها فعل المكلّف- كما تقدّم في كلام السيد الصدر-.

و على هذا: فقوله: «فيه حلال و حرام» هو بمعنى الترديد كشرب التتن، و هي الشبهة الحكمية.

(و الثاني: انّه) أي: ان قوله (عليه السلام): «كلّ شي‏ء» (منقسم إليهما) أي: إلى الحلال و الحرام فيكون هناك قسم حلال كالمذكى، و قسم حرام كالميتة و لا قسم مشكوك الموضوع، فلا يعلم انّه داخل في القسم الحرام أو في القسم الحلال و هو الشبهة الموضوعية فيخرج بهذا المعنى ما علم انه حلال لا حرام فيه أو حرام‏

49

و يوجد النوعان فيه إمّا في نفس الأمر أو عندنا، و هو غير جائز، و بلزوم استعمال قوله (عليه السلام): «حتّى تعرف الحرام منه بعينه»، في المعنيين أيضا، لأنّ المراد حتّى تعرف من الادلّة الشرعيّة إذا اريد معرفة الحكم المشتبه و تعرف من الخارج من بيّنة أو غيرها

____________

لا حلال فيه، كما ذكره السيد الصدر أيضا.

(و) بعبارة أخرى: كل شي‏ء فيه حلال و حرام يعني: (يوجد النوعان فيه أمّا في نفس الأمر) أي: فعلا هو منقسم الى قسمين، و لا نعلم انّ هذا المشكوك داخل في القسم الحرام، أو في القسم الحلال، كما في الشبهات الموضوعية من مثال المذكى و الميتة و اللحم المشكوك بينهما.

(أو عندنا) أي: انا نتردد في ان هذا المشكوك حلال أو حرام بدون وجود القسمين فيه، كما في الشبهات الحكمية.

(و هو) أي: استعمال اللفظ في أكثر من معنى‏ (غير جائز).

هذا هو الاشكال الأوّل من المحقّق القميّ على السيد الصدر، و له اشكال ثان عليه، و هو: ان استعمال اللفظ في معنيين يلزم أيضا في قوله (عليه السلام): «حتى تعرف الحرام» فانّه يكون حينئذ بمعنى: أن تعرف انّه داخل في القسم الحرام كما في الميتة و المذكى في الشبهة الموضوعيّة، و تعرف انّ حكمه الحرمة من الخارج كما في التتن في الشبهة الحكميّة، و إلى هذا الاشكال الثاني أشار المصنّف بقوله:

(و بلزوم استعمال قوله (عليه السلام): «حتى تعرف الحرام منه بعينه» في المعنيين أيضا) و ذلك غير جائز (لأن المراد: حتى تعرف) الحرمة (من الأدلّة الشرعيّة إذا اريد معرفة الحكم المشتبه) في الشبهات الحكمية (و تعرف من الخارج: من بيّنة أو غيرها) كاخبار ذي اليد، و سوق المسلمين و أرضهم، و ما أشبه ذلك‏

50

الحرمة، إذا أريد معرفة الموضوع المشتبه فليتأمّل»، انتهى.

و ليته أمر بالتأمّل في الايراد الأوّل أيضا، و يمكن إرجاعه إليهما معا، و هو الأولى.

هذه جملة ما استدلّ به من الأخبار.

و الانصاف: ظهور بعضها في الدلالة على عدم وجوب الاحتياط فيما

____________

(الحرمة، إذا أريد معرفة الموضوع المشتبه) في الشبهات الموضوعية.

ثم قال المحقّق القميّ: (فليتأمّل) إشارة إلى انّه ممكن دفع الاشكال الثاني:

بأنّ المعرفة قد استعملت في معنى واحد و هو العلم، إلّا أن طرق المعرفة مختلفة، فربّما تكون المعرفة من الدليل الشرعي، و ربّما تكون المعرفة من الامور الخارجية و عليه: فالإشكال الثاني عند المحقق القميّ أيضا وارد على السيد الصدر (انتهى) كلام المحقّق القميّ أعلى اللّه مقامه:

قال المصنّف (رحمه الله): (وليته) أي: ليت المحقق القميّ‏ (أمر بالتأمّل في الايراد الأوّل أيضا) بأنّه من الممكن أن يكون قوله (عليه السلام): «فيه حلال و حرام» قد استعمل في معنى واحد و هو ما فيه الاشتباه الّا انّ ما فيه الاشتباه قد يكون منشؤه:

إجمال النّص، أو فقدانه، أو تعارض النصين، و قد يكون منشأة: الامور الخارجية.

هذا (و يمكن إرجاعه) أي: إرجاع التأمّل الذي امر به المحقّق القميّ‏ (إليهما) أي: إلى كلا الايرادين‏ (معا، و هو الأولى) أي: ارجاع التأمّل إلى كلا الايرادين يكون أولى هكذا ذكر بعض الشراح و المحشين وجه التأمّل في كلام المصنّف، لكن لنا في كون مراد المصنّف من التأمّل ما ذكروه تأمّل.

و كيف كان: فانّ‏ (هذه جملة ما استدل به من الأخبار) على البراءة.

(و الانصاف: ظهور بعضها في الدلالة على عدم وجوب الاحتياط فيما

51

لا نصّ فيه في الشبهة بحيث لو فرض تماميّة الأخبار الآتية للاحتياط وقعت المعارضة بينهما. لكن بعضها غير دالّ إلّا على عدم وجوب الاحتياط لو لم يرد أمر عامّ به، فلا تعارض ما سيجي‏ء من أخبار الاحتياط لو نهضت للحجّيّة سندا و دلالة.

____________

لا نصّ فيه في الشبهة) الحكمية مثل قوله (عليه السلام): «كل شي‏ء مطلق حتى يرد فيه النهي» (1) و غير ذلك‏ (بحيث لو فرض تماميّة الأخبار الآتية للاحتياط) ممّا استدل بها الأخباريون للاحتياط في الشبهة التحريمية (وقعت المعارضة بينهما) لأن كلّ شي‏ء مطلق يقول: ما لم يكن نهي فهو حلال، و خبر الاحتياط يقول: يلزم الاحتياط و إن لم يكن نهي.

(لكن بعضها) أي: بعض أخبار البراءة (غير دال إلّا على عدم وجوب الاحتياط لو لم يرد أمر عامّ به) أي بالاحتياط (فلا تعارض) هذه الأخبار الدالة على البراءة (ما سيجي‏ء من أخبار الاحتياط لو نهضت) أخبار الاحتياط (للحجّية) بأن تمت دلالتها، و سندها، و جهة صدورها بحيث كانت كما قال: حجّة (سندا و) نصّا، أو ظاهرا (دلالة) و صادرة لأجل بيان الحكم الواقعي لا للتقية و نحوها.

بل يلزم أن يقال حينئذ: انّ أخبار الاحتياط حاكمة على هذه الأخبار الدالة على البراءة كما سيجي‏ء، و إلى هنا تمّ الاستدلال بالآيات و الأخبار على البراءة.

____________

(1)- من لا يحضره الفقيه: ج 1 ص 317 ح 937، غوالي اللئالي: ج 3 ص 462 ح 1، وسائل الشيعة:

ج 6 ص 289 ب 19 ح 7997 و ج 27 ص 174 ب 12 ح 33530.

52

و أمّا الاجماع فتقريره على وجهين:

الأوّل: دعوى إجماع العلماء كلّهم من المجتهدين و الأخباريّين على أنّ الحكم- فيما لم يرد فيه دليل عقليّ أو نقليّ على تحريمه من حيث أنّه مجهول الحكم- هي البراءة و عدم العقاب على الفعل.

و هذا الوجه لا ينفع إلّا بعد عدم تماميّة ما ذكر من الدّليل العقليّ و النقليّ للحظر و الاحتياط، و هو نظير حكم العقل الآتي.

____________

[الاستدلال بالإجماع للبراءة]

(و أمّا الاجماع فتقريره على وجهين) بالنحو التالي:

(الأوّل: دعوى إجماع العلماء كلّهم من المجتهدين و الأخباريين على انّ الحكم) العلميّ‏ (فيما لم يرد فيه دليل) عام أو خاص‏ (عقليّ أو نقليّ على تحريمه) أي: تحريم الشي‏ء المشكوك في انّه حرام أو حلال‏ (من حيث انّه مجهول الحكم: هي البراءة و عدم العقاب على الفعل).

الضمير: «هي» راجع، إلى قوله: «الحكم»، و انّما انّث الضمير باعتبار البراءة، فانّ الضمير الذي يتوسط بين مذكر و مؤنث يجوز فيه التذكير و التأنيث.

(و هذا الوجه) من الاجماع الذي هو إجماع فرضي‏ (لا ينفع إلّا بعد عدم تمامية ما ذكر: من الدّليل العقليّ و النّقليّ للحظر و الاحتياط) إذ لو تمّ ما استدل به الأخباريون على الاحتياط من العقل أو النقل، لم يكن مجال لهذا الاجماع.

(و هو) أي: هذا الاجماع الفرضي يكون‏ (نظير حكم العقل الآتي) فيما بعد، الدال على البراءة، فانّ العقل انّما يدل على البراءة إذا لم يكن دليل للاحتياط، أما إذا كان هناك دليل على الاحتياط لم يكن مجال لحكم العقل.