الوصائل إلى الرسائل‏ - ج8

- السيد محمد الحسيني الشيرازي المزيد...
400 /
5

و الثاني: كما إذا حصل الشكّ باحتمال وجود النقيض لما قام عليه الدليل الشرعيّ احتمالا مستندا إلى بعض الأسباب المجوّزة، كما إذا كان مقتضى الدليل الشرعيّ إباحة شي‏ء و حلّيّته، لكن يحتمل قريبا بسبب بعض تلك الأسباب أنّه ممّا حرّمه الشارع.

و منه جوائز الجائر، و نكاح امرأة بلغك أنّها أرضعت معك الرضاع المحرّم و لم يثبت شرعا.

____________

[تتمة المقصد الثالث‏]

[تتمة مبحث البراءة]

[تتمة الموضع الأول‏]

[تتمة المطلب الثاني‏]

[تتمة المسألة الأولى‏]

(و الثاني): أي: مورد الاحتياط المستحب فهو (كما اذا حصل الشك) في الحكم‏ (باحتمال وجود النقيض لما قام عليه الدّليل الشّرعي) بأن كان هناك دليل شرعيّ على الحليّة و نحتمل وجود دليل آخر على الحرمة، و انّما نحتمل هذا (احتمالا مستندا الى بعض الأسباب المجوّزة) للاحتمال عقلا (كما اذا كان مقتضى الدّليل الشرعيّ) من مثل: «يد المسلم»، «و سوق المسلمين»، و نحوهما (اباحة شي‏ء و حليته، لكن يحتمل قريبا) نقيضه‏ (بسبب بعض تلك الأسباب) المجوزة (انّه ممّا حرّمه الشارع) علينا.

(و منه: جوائز الجائر) فانّ مقتضى يده: الملكية سواء كان مسلما أو كافرا، اذ يد الكافر أيضا أمارة على ملكيته، و لذا يجوز لنا الاشتراء من الكفار اذا لم نعلم ان يدهم يد غصب و نحوه، فيحل للأخذ ما أعطاه الجائر جائزة أو هبة أو ما أشبه ذلك، و لكن من الواضح: انّه يحتمل فيه عقلا كونه ممّا أخذه من الناس غصبا، أو رشوة، أو نهبا، أو ما أشبه ذلك، ممّا يعتاده الجائرون.

(و نكاح امرأة بلغك انّها أرضعت معك الرّضاع المحرّم) بان كانت اختك من الرضاعة رضاعة جامعة لشرائط التحريم‏ (و) لكن‏ (لم يثبت شرعا) انّها اختك من الرضاعة، و ذلك لعدم شهادة عدلين أو ما أشبه ذلك، ممّا يوجب الاثبات‏

6

و منه أيضا الدليل المرجوح في نظر الفقيه.

أمّا إذا لم يحصل ما يوجب الشكّ و الرّيبة، فانّه يعمل على ما ظهر له من الأدلّة و إن احتمل النقيض في الواقع و لا يستحبّ له الاحتياط،

____________

الشرعيّ، فانّ من الواضح: انّه يحل نكاحها بمقتضى أصالة عدم الرضاع المحرّم، لأنها كانت محللة و نشك في رضاعها الرضاع المحرّم، فالأصل عدم رضاعها كذلك و انّ احتملنا الحرمة من جهة الرضاع الكامل، فانّ الشارع لم يوجب لنا الاحتياط في أمثال هذه الشبهات الموضوعية.

و كهذين المثالين: ما لو اشترينا اللحم من مسلم، أو من سوق المسلمين، أو وجدناه في أرضهم حيث يحكم بحليته و انّ احتملنا حرمته بسبب عدم جريان الشرائط في تذكيته، أو احتملنا انّه لحم غير محلل كلحم الأرنب و نحوه.

(و منه) أي: من الثاني الذي يستحب الاحتياط فيه‏ (أيضا: الدليل المرجوح في نظر الفقيه) كما اذا دلّ خبر صحيح علي حلية شي‏ء، و خبر آخر ضعيف بنظر الفقيه على حرمته، فانّه يجوز له الافتاء و العمل طبق الخبر الأوّل الدال على الحلية و انّ استحب له الاحتياط في الفتوى و العمل، لكن اذا أفتى بالاحتياط يجب انّ لا يفتي بالاحتياط الوجوبي، بل يفتي بالاحتياط الاستحبابي- كما هو واضح-.

(أمّا اذا لم يحصل ما يوجب الشك و الرّيبة) بأن لم يكن هناك منشأ عقلائي لاحتمال الحرمة اطلاقا، و انّ كان احتمال وهمي عليه‏ (فانه يعمل على ما ظهر له من الأدلة) على الحلية (و ان احتمل النقيض) للحلية بأن احتمل الحرمة (في الواقع) لكن مثل هذه الاحتمالات الوهمية لا يعتنى بها عقلا و لا شرعا (و لا يستحب له الاحتياط) بمجرد هذا الاحتمال الموهوم‏

7

بل ربما كان مرجوحا لاستفاضة الأخبار بالنهي عن السؤال عند الشراء من سوق المسلمين».

ثم ذكر الأمثلة للأقسام الثلاثة لوجوب الاحتياط، أعني اشتباه الدليل و تردّده بين الوجوب و الاستحباب و تعارض الدليلين و عدم النصّ، قال:

«و من هذا القسم ما لم يرد فيه نصّ من الأحكام التي لا يعمّ به البلوى‏

____________

(بل ربما كان) الاحتياط (مرجوحا) و ذلك‏ (لاستفاضة الأخبار بالنهي عن السؤال) عن الحلية و عن توفر الشرائط (عند الشراء من سوق المسلمين) (1).

هذا (ثم ذكر) المحدّث البحراني‏ (الأمثلة للأقسام الثلاثة لوجوب الاحتياط) ممّا يشمل الشبهة الوجوبية ايضا، و (أعني): من الاقسام الثلاثة ما يلي:

أوّلا: (اشتباه الدليل) بمعنى: اجماله‏ (و تردده بين الوجوب و الاستحباب).

ثانيا: (و تعارض الدليلين).

ثالثا: (و عدم النّص).

ثمّ‏ (قال: و من هذا القسم) أي: القسم الذي يجب فيه الاحتياط ممّا يشمل الشبهة الوجوبية و الشبهة التحريمية (ما لم يرد فيه نصّ من الأحكام) بأن لم يكن هناك نص على الوجوب في الشبهة الوجوبية، و لا نصّ على التحريم في الشبهة التحريمية، و هذا ظاهر في انّ المحدّث البحراني يقول بوجوب الاحتياط في الشبهة الوجوبية الناشئة من فقد النصّ، فانّ ما لم يرد فيه نص من الأحكام‏ (التي لا يعمّ به البلوى) يجب فيه الاحتياط.

____________

(1)- الحدائق الناظرة: ج 1 ص 68.

8

عند من لم يعتمد على البراءة الأصليّة، فانّ الحكم فيه ما ذكرنا، كما سلف»، انتهى.

و ممّن يظهر منه وجوب الاحتياط هنا المحدّث الأسترآباديّ، حيث حكي عنه في الفوائد المدنية أنّه قال: «إنّ التمسّك بالبراءة الأصليّة إنّما يجوز قبل إكمال الدين.

____________

أما ما يعم به البلوى فيستصحب البراءة الاصلية، لأنه لو كان عام البلوى و لم يرد فيه نص على الوجوب أو على التحريم، دل عدم النص على أن الشارع لا يريد فيه حكما الزاميا، و من ذلك يظهر عرفا: انّه مباح للمكلّف.

لكن تخصيص وجوب الاحتياط بصورة عدم عموم البلوى، إنّما هو (عند من لم يعتمد على البراءة الأصليّة) و هم الأخباريون، أما من يعتمد على البراءة الأصليّة و هم الاصوليون فانهم يجرون البراءة، سواء كان الحكم المشكوك فيه ممّا يعم به البلوى ام ممّا لا يعم به البلوى؟ (فانّ) ما لا يعم به البلوى يكون‏ (الحكم فيه ما ذكرنا): من الاحتياط و التوقف‏ (كما سلف‏ (1)، انتهى) كلام المحدّث البحراني.

(و ممّن يظهر منه وجوب الاحتياط هنا) أي: في الشبهة الوجوبية من جهة عدم النص المعتبر (: المحدّث الاسترابادي حيث حكي عنه في) كتابه‏ (الفوائد المدنية انّه قال: انّ التمسك بالبراءة الأصليّة انّما يجوز قبل اكمال الدين) فانّ في زمن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قبل نزول آية: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ‏

____________

(1)- الحدائق الناظرة: ج 1 ص 70.

9

و أمّا بعد تواتر الأخبار بأنّ كلّ واقعة يحتاج إليها الى يوم القيامة فيها خطاب قطعيّ من اللّه فلا يجوز قطعا.

و كيف يجوز و قد تواترت عنهم (عليهم السلام)، وجوب التوقّف فيما لا يعلم حكمه معلّلين بأنّه بعد أن كملت الشريعة لا تخلو واقعة عن حكم قطعيّ وارد من اللّه تعالى،

____________

نِعْمَتِي، وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً (1) اذا لم يعرف مسلم حكما من الأحكام، و انه هل هو واجب أو لا؟ او هل هو محرم أو لا؟ يجوز له التمسك بالبراءة الأصليّة.

(و أمّا بعد تواتر الأخبار بأن كلّ واقعة يحتاج إليها الى يوم القيامة فيها خطاب قطعي من اللّه) كما قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «ما من شي‏ء يقرّبكم الى الجنة و يبعّدكم عن النار الّا و قد أمرتكم به، و ما من شي‏ء يقرّبكم الى النار و يبعّدكم عن الجنة الّا و قد نهيتكم عنه» (2) (فلا يجوز) العمل بالبراءة الأصليّة (قطعا) بلا ريب.

(و كيف يجوز و قد تواترت عنهم (عليهم السلام) وجوب التّوقف فيما لا يعلم حكمه؟) ممّا هو شامل للشّبهة الوجوبية و الشبهة التحريمية (معللين بانّه بعد ان كملت الشّريعة لا تخلو واقعة عن حكم قطعي وارد من اللّه تعالى) فاللازم البحث و الفحص عنه، فانّ ظفرنا به علمنا به، و انّ لم نظفر به وجب علينا التوقف و الاحتياط.

____________

(1)- سورة المائدة: الآية 3.

(2)- مستدرك الوسائل: ج 13 ص 27 ب 10 ح 14643 و قريب منه في الكافي (اصول): ج 2 ص 74 ح 2 و وسائل الشيعة: ج 17 ص 45 ب 12 ح 21939 و بحار الانوار: ج 7 ص 96 ب 47 ح 3.

10

و من حكم بغير ما أنزل اللّه تعالى‏

فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ.

ثم أقول: هذا المقام ممّا زلّت فيه أقدام أقوام من فحول العلماء، فحريّ بنا أن نحقّق المقام و نوضّحه بتوفيق الملك العلّام و دلالة أهل الذكر (عليهم السلام).

فنقول: التمسّك بالبراءة الأصليّة إنّما يتمّ عند الأشاعرة المنكرين للحسن و القبح الذاتيّين،

____________

هذا (و) قد قال سبحانه: انّ‏ (من حكم بغير ما أنزل اللّه تعالى‏ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ‏) (1)، و نص الآية: وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ‏ (2) و في آية أخرى: وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ‏ (3).

و في آية ثالثة: وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ‏ (4).

إذن: فمن يعمل بالبراءة الاصلية في واقعة يكون ممّن لم يحكم بما أنزل اللّه، أو حكم بغير ما أنزل اللّه.

قال المحدّث الاسترابادي في تتمة كلامه السابق: (ثمّ أقول: هذا المقام) أي:

مقام التمسك بالبراءة الأصليّة في الشبهة الوجوبية أو التحريمية (ممّا زلّت فيه اقدام أقوام من فحول العلماء فحريّ) أي: جدير و حقيق‏ (بنا أن نحقق المقام و نوضحه بتوفيق الملك العلّام، و دلالة أهل الذكر (عليهم السلام)) ممّا ورد منهم من الأخبار (فنقول): ان‏ (التمسّك بالبراءة الأصليّة) في الشبهتين الوجوبية و التحريمية (انّما يتم عند الاشاعرة المنكرين للحسن و القبح الذّاتيين) فليس‏

____________

(1)- الفوائد المدنية: ص 138.

(2)- سورة المائدة: الآية 44.

(3)- سورة المائدة: الآية 45.

(4)- سورة المائدة: الآية 47.

11

و كذلك عند من يقول بهما و لا يقول بالحرمة و الوجوب الذاتيّين، كما هو المستفاد من كلامهم (عليهم السلام)، و هو الحقّ عندي.

____________

عندهم في الأشياء حسن ذاتي و لا قبح ذاتي‏ (و كذلك عند من يقول بهما) أي:

بالحسن و القبح الذاتيين‏ (و لا يقول بالحرمة و الوجوب الذاتيين) أي: يقول:

لا تلازم بين الحسن و الوجوب و لا بين القبح و الحرمة (كما هو) أي: عدم الملازمة بين حكم العقل و حكم الشرع‏ (المستفاد من كلامهم (عليهم السلام)) حيث قالوا:

«انّ دين اللّه لا يصاب بالعقول‏ (1)، و انّه لا شي‏ء أبعد من دين اللّه من العقل» (2) (و هو الحق عندي).

أقول: هنا ثلاثة مذاهب:

الأوّل: انّه لا حسن عقلا و لا قبح كذلك في الأشياء، بل الحسن ما حسّنه الشارع و القبح ما قبّحه الشارع، و هذا مذهب الأشاعرة من العامة.

الثاني: انّ في الأشياء حسنا و قبحا و لكن الأحكام الشرعية لا تتبع الحسن و القبح، بل الأحكام تابعة لارادة المولى، فمن الممكن أن يكون في الشي‏ء حسن و يحرّمه الشارع، أو قبح و يوجبه الشارع، و هذا مذهب جماعة من المعتزلة.

الثالث: انّ هناك حسنا و قبحا، و انّ الأحكام تابعة للحسن و القبح، للملازمة بين حكم الشرع و حكم العقل، فانّه كلّ ما حكم به الشرع حكم به العقل، و كلّ ما حكم به العقل حكم به الشرع، و هذا هو مذهب الشيعة الإمامية.

____________

(1)- مستدرك الوسائل: ج 17 ص 262 ب 6 ح 21289، كمال الدين: ص 324 ح 9، بحار الانوار: ج 2 ص 303 ب 34 ح 41 (بالمعنى).

(2)- وسائل الشيعة: ج 27 ص 192 ب 13 ح 33572، بحار الانوار: ج 92 ص 91 ب 8 ح 37 و ص 94 ح 45 (بالمعنى).

12

ثمّ على هذين المذهبين إنّما يتمّ قبل إكمال الدين لا بعده‏

____________

ثم قال المحدّث الاسترابادي: انّه على القول الأوّل، يمكن أن يقال بالبراءة في الشبهة الحكمية، اذ لما لم يرى العقل حسنا و لا قبحا في شي‏ء فمن أين يحتمل التكليف الالزامي الوجوبي أو التحريمي حتى يحتاط فيه؟، و على القول الثاني، يمكن القول بالبراءة أيضا، اذ لا تلازم بين حكم الشرع و حكم العقل، فمن الممكن أن يكون الشي‏ء حسنا و لا يوجبه الشارع، أو قبيحا و لا يحرّمه الشارع.

أمّا على القول الثالث: فلا يمكن القول بالبراءة، بل يلزم القول بالاحتياط لاحتمال العقل في مورد الشبهة: حسّنها أو قبّحها، فيلزم أن يحتاط فيها.

هذا، لكن انا الاسترابادي أقول بالقول الثاني، فانّه و انّ كان مقتضاه: البراءة، الّا اني أقول: انّ ذلك قبل اكمال الدين، أما بعد اكماله حسب الآيات و الرّوايات في زمن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فلا بد من الاحتياط و ذلك لوجود الحكم الواقعي قطعا، و لكن حيث لا نعلمه يلزم علينا الاحتياط لئلا نخالف الحكم الواقعي بسبب اجراء البراءة.

و الى مذهبه هذا اشار بقوله: (ثمّ على هذين المذهبين) أي: مذهب من ينفي الحسن و القبح الذاتيين، و مذهب من يقول بالحسن و القبح الذاتيين، لكنه يقول لا ملازمة بين حكم الشرع و حكم العقل‏ (إنّما يتمّ) التمسك بالبراءة الأصليّة في الشبهات الحكمية الوجوبية و التحريمية (قبل اكمال الدّين لا بعده).

و انّما يتم قبله لا بعده لأن كثيرا من الوقائع قبل اكمال الدين لم ينزل اللّه به حكما شرعيا، فكان من الممكن أن نقول بانتفاء الحرمة واقعا في الشبهة الحكمية التحريمية، أو بانتفاء الوجوب واقعا في الشبهة الحكمية الوجوبية، لكن بعد

13

إلّا على مذهب من جوّز من العامّة خلوّ الواقعة عن حكم.

لا يقال: بقي هنا أصل آخر، و هو أن يكون الخطاب الوارد في الواقعة موافقا للبراءة الأصليّة.

لأنّا نقول: هذا الكلام ممّا لا يرضى به لبيب،

____________

اكمال الدين و النص على ذلك في القرآن الحكيم: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ‏ (1) و التصريح من النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): بانّه «ما من شي‏ء يقرّبكم الى الجنة ...» (2) الى آخر الحديث المتقدّم، فقد جعل اللّه تعالى الحكم الشرعي لجميع الوقائع و أنزله على الرسول فلا يمكن أن نقول بانتفاء الحرمة أو الوجوب واقعا، بل اللازم علينا الاحتياط حتى لا نخالف ذلك الحكم الواقعي على تقديره‏ (الّا على مذهب من جوّز من العامة خلو الواقعة عن حكم) و هذا ما لا نقول به نحن.

(لا يقال: بقي هنا أصل آخر) غير أصل البراءة- الذي لا نقول به نحن- و نتيجته هو البراءة أيضا (و هو:) أي: هذا الأصل الآخر (أن يكون الخطاب الوارد في الواقعة موافقا للبراءة الأصليّة) فانا نقول: انّ للتتن حكما لكن مع ذلك لا يلزم الاحتياط لاحتمال أن يكون حكم التتن في الواقع الاباحة و الحليّة، فمجرد وجود الحكم للتتن في الواقع لا يستلزم انّ يكون ذلك الحكم: التحريم، بل من الممكن أن يكون: الاباحة، فمن أين يلزم الاحتياط؟.

(لأنا نقول: هذا الكلام) و هو أصل التطابق بين البراءة و الحكم الواقعي‏ (ممّا لا يرضى به لبيب) فمن أين أن حكم التتن في الواقع: الحل، حتى تكون البراءة

____________

(1)- سورة المائدة: الآية 3.

(2)- مستدرك الوسائل: ج 13 ص 27 ب 10 ح 14643، بحار الانوار: ج 70 ص 96 ب 47 ح 3، و قريب منه في الكافي (اصول): ج 2 ص 74 ح 2 و وسائل الشيعة: ج 17 ص 45 ب 12 ح 21939.

14

لأنّ خطابه تعالى تابع للمصالح و الحكم، و مقتضيات الحكم و المصالح مختلفة- إلى أن قال:- هذا الكلام ممّا لا يرتاب في قبحه، نظير أن يقال: انّ الأصل في الأجسام تساوي أن نسبة طبائعها إلى جهة السفل و العلو،

____________

موافقة لذلك الحكم الواقعي؟ و ذلك‏ (لأن خطابه تعالى تابع للمصالح و الحكم).

ثمّ انّ قوله: «الحكم» جمع حكمة، و الفرق بين المصلحة و الحكمة: انّ المصلحة يقصد بها في مثل هذا المقام: المصلحة في ذات الشي‏ء مثل: مصلحة وجوب غسل الميت لتطهيره من نجاسته بالموت، و الحكمة في قبال المصلحة اذ انّها تطلق بملاحظة الامور الخارجية لا بملاحظة ذات الشي‏ء، مثل غسل جسد الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لجريان السنة (1) أي: لضرب القانون مع انّه طاهر مطهر حيّا و ميتا، و بهذا التعليل علّل عليّ (عليه السلام) غسل الرسول بعد موته مع انّه طاهر مطهر.

(و) من المعلوم: انّ‏ (مقتضيات) بصيغة اسم المفعول‏ (الحكم و المصالح مختلفة) فلا دليل على انّ حكم التتن في الواقع: الحل، حتى نقول بأصالة تطابق الواقع مع البراءة الأصليّة، فانّه قد تقتضي الحكمة أو المصلحة الوجوب فلا يمكن اجراء البراءة، و قد تقتضي الحكمة و المصلحة الحرمة فلا يمكن اجراء أصل البراءة ايضا (الى أن قال: هذا الكلام ممّا لا يرتاب في قبحه) أحد، و المراد بهذا الكلام: التطابق بين البراءة و الحكم الواقعي في كلّ مورد شبهة.

و عليه: فهذا الكلام‏ (نظير أن يقال: انّ الأصل في الأجسام تساوي نسبة طبائعها الى جهة السّفل و العلو) أي: أن الاجسام بطبيعتها لا ميل لها الى جانب‏

____________

(1)- وسائل الشيعة: ج 2 ص 477 ب 1 ح 2691 و فيه «و ذا سنة».

15

و من المعلوم بطلان هذا المقال.

ثم أقول: هذا الحديث المتواتر بين الفريقين المشتمل على حصر الامور في الثلاثة، و حديث «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك»، و نظائرهما، أخرج كلّ واقعة لم يكن حكمها بيّنا عن البراءة الأصليّة و أوجب التوقّف فيها.

____________

السفل و لا الى جانب العلو، فهي لا تميل الى أحد الجانبين‏ (و من المعلوم:

بطلان هذا المقال) لوضوح: انّ الجسم اذا كان خفيفا كان مائلا الى العلو كالنار و البخار و اذا كان ثقيلا كان مائلا الى السفل كالحجر و المدر و كذلك في المقام فانّ الفعل انّ اشتمل على المصلحة وجب، أو المفسدة حرم، فلا يمكن أن يقال:

انّه لا حكم في الواقع حتى يجري أصل البراءة في كلّ شبهة حكمية وجوبية أو تحريمية.

قال المحدّث المذكور: (ثمّ أقول هذا الحديث المتواتر بين الفريقين المشتمل على حصر الامور في الثلاثة) أي: في حلال بيّن، و حرام بيّن، و شبهات بين ذلك‏ (1) (و حديث: «دع ما يريبك الى ما لا يريبك» (2) و نظائرهما) من أخبار الاحتياط و التوقف قد (أخرج كلّ واقعة لم يكن حكمها بيّنا) اخراجا (عن البراءة الأصليّة، و أوجب التوقف فيها) أي: في كلّ واقعة.

و عليه: فحاصل «أقول» في قول المحدّث المذكور هو: انّه و انّ سلّمنا تطابق أصل البراءة مع الحكم الواقعي في الشبهتين: الوجوبية و التحريمية، لكنا نقول:

____________

(1)- الكافي (اصول): ج 1 ص 68 ح 10، من لا يحضره الفقيه: ج 3 ص 8 ب 2 ح 3233، تهذيب الاحكام: ج 6 ص 302 ب 22 ح 52، وسائل الشيعة: ج 27 ص 106 ب 9 ح 33334.

(2)- غوالي اللئالي: ج 1 ص 394 ح 40، الذكرى: ص 138، الغارات: ص 135، وسائل الشيعة: ج 27 ص 167 ب 12 ح 33506 و ص 170 ب 12 ح 33517، كنز الفوائد: ج 1 ص 351.

16

ثمّ قال، بعد أنّ الاحتياط قد يكون في محتمل الوجوب و قد يكون في محتمل الحرمة: «إنّ عادة العامّة و المتأخّرين من الخاصّة جرت بالتمسّك بالبراءة الأصليّة، و لما أبطلنا جواز التمسّك بها في المقامين، لعلمنا بأنّ اللّه أكمل لنا ديننا و علمنا بأنّ كلّ واقعة يحتاج إليها ورد فيها خطاب قطعيّ من اللّه خال عن المعارض،

____________

ان الشارع رفع هذا الأصل بايجابه التوقف في الشبهات.

(ثمّ قال بعد) بيان‏ (انّ الاحتياط قد يكون في محتمل الوجوب و قد يكون في محتمل الحرمة:) انّه يلزم علينا استثناء موردين من وجوب الاحتياط، لأن الاحتياط لا يلزم في مورد يوجد فيه خبر قوي السند ظاهر في الندب، و كذلك لا يلزم في مورد يوجد فيه خبر ضعيف السند دال على الوجوب، و ذلك لأن الخبر في المورد الأوّل ظاهر في عدم الوجوب و الخبر حجّة، و الخبر في المورد الثاني و انّ كان ظاهرا في الوجوب، الّا انّ ضعف سنده مانع عن العمل به، فيعمل في مورده بحديث الحجب، و يقال أن وجوبه محجوب عنّا، فالحكم بالوجوب موضوع عنا.

ثمّ قال: (انّ عادة العامة و المتأخرين من الخاصة) و يريد المحدّث الاسترابادي بالمتأخرين: الاصوليين‏ (جرت بالتمسك بالبراءة الأصليّة) في الشبهة الحكمية التحريمية و الوجوبية (و لما أبطلنا جواز التمسك بها) أي:

بالبراءة الأصليّة (في المقامين): من محتمل الوجوب و محتمل الحرمة (لعلمنا بأنّ اللّه أكمل لنا ديننا، و علمنا بأنّ كلّ واقعة يحتاج اليها ورد فيها خطاب قطعي من اللّه خال عن المعارض).

و إنّما قال: «خال عن المعارض» لانّه اذا كان في مورد خبران متعارضان‏

17

و بأنّ كلّ ما جاء به نبيّنا (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) مخزون عند العترة الطاهرة (عليهم السلام)، و لم يرخّصوا لنا في التمسّك بالبراءة الأصليّة، بل أوجبوا التوقّف في كلّ ما لم يعلم حكمه، و أوجبوا الاحتياط في بعض صوره، فعلينا أن نبيّن ما يجب أن يفعل في المقامين، و سنحقّقه فيما يأتي إن شاء اللّه تعالى.

____________

لم يكن من اللّه سبحانه و تعالى فيه بيان لنا.

(و) كذا لعلمنا (بأن كلّ ما جاء به نبينا (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) مخزون عند العترة الطاهرة (عليهم السلام)) و انّ لم يصل الينا فقد قال عليّ (عليه السلام): علّمني رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) الف باب من العلم يفتح لي من كلّ باب ألف باب» (1) (و لم يرخصوا) (عليهم السلام) (لنا في التمسك بالبراءة الأصليّة، بل أوجبوا التّوقف) و الاحتياط بقولهم: «فانّ الوقوف عند الشّبهة خير من الاقتحام في الهلكة» (2) (في كلّ ما لم يعلم حكمه) فلا يجوز لنا أن نحكم بشي‏ء (و أوجبوا الاحتياط) في العمل‏ (في بعض صوره) أي: صور الشك، كما في صورة الشك في الحكم سواء كانت الشبهة وجوبية أو تحريمية، بخلاف صورة الشك في الموضوع، حيث انّ الأخباريين يرون عدم وجوب الاحتياط في الشبهة الموضوعية وجوبية كانت أو تحريمية.

إذن: (فعلينا أن نبيّن ما يجب أن يفعل في المقامين) أي: مقام محتمل الوجوب و مقام محتمل الحرمة في الشبهة الحكمية (و سنحقّقه فيما يأتي إن شاء اللّه تعالى).

____________

(1)- الخصال: ج 2 ص 647، تاريخ ابن كثير: ج 7 ص 360، تاريخ ابن عساكر: ج 2 ح 1003، بحار الانوار: ج 22 ص 462.

(2)- كما جاء في رواية الزهري و السكوني و عبد الأعلى انظر الكافي (اصول): ج 1 ص 50 ح 9، المحاسن: ص 215 ح 102، وسائل الشيعة: ج 27 ص 155 ب 12 ح 33465 و كما جاء في موثقة سعد بن زياد انظر تهذيب الاحكام: ج 7 ص 474 ب 36 ح 112، وسائل الشيعة: ج 20 ص 259 ب 157 ح 73.

18

و ذكر هناك ما حاصله: «وجوب الاحتياط عند تساوي احتمالي الأمر الوارد بين الوجوب و الاستحباب و لو كان ظاهرا في الندب بنى على جواز الترك.

و كذا لو وردت رواية ضعيفة بوجوب شي‏ء و تمسّك في ذلك بحديث:

«ما حجب اللّه علمه»، و حديث «رفع التسعة»،

____________

و لا يخفى: انّ كلام المحدّث الاسترابادي من قوله قبل أسطر: «بعد انّ الاحتياط قد يكون ...» تكرار لما سبق منه، و انّما أعاده المصنّف مقدمة لذكر الموردين السابقين: مورد ضعف السند في الخبر الدال على الوجوب، و مورد ضعف الدلالة في الخبر القوي السند الذي استثناهما المحدّث الاسترابادي من وجوب التوقف و الاحتياط.

ثمّ الى هذا الاستثناء أشار المصنّف بقوله: (و ذكر) المحدّث الاسترابادي‏ (هناك) أي: في كتابه: الفوائد المدنية (ما حاصله: وجوب الاحتياط عند) اجمال الدليل بمعنى: (تساوي احتماليّ الأمر الوارد بين الوجوب و الاستحباب) و هذا يجب فيه الاحتياط (و) أمّا (لو كان) الدليل‏ (ظاهرا في الندب بنى على جواز التّرك) أي: ترك الاحتياط في مورده لأنّ الظواهر حجّة عند الاسترابادي‏ (و كذا) يبنى على جواز الترك‏ (لو وردت رواية ضعيفة بوجوب شي‏ء) و هذان مورد الاستثناء (و تمسّك في ذلك) أي: في عدم الاحتياط في مورد الخبرين:

الخبر الضعيف السند، أو الضعيف الدلالة (بحديث: «ما حجب اللّه علمه) عن العباد فهو موضوع عنهم» (1) (و حديث: «رفع التسعة») حيث قال‏

____________

(1)- الكافي (اصول): ج 1 ص 164 ح 3، التوحيد: ص 413 ح 9، وسائل الشيعة: ج 27 ص 163 ب 12 ح 33496، بحار الانوار: ج 2 ص 280 ب 33 ح 48.

19

قال: و خرج عن تحتهما كلّ فعل وجوديّ لم يقطع بجوازه بحديث التثليث».

أقول: قد عرفت فيما تقدّم في نقل كلام المحقق (قدّس سرّه)، أنّ التمسّك‏

____________

النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «رفع عن أمّتي تسع: ما لا يعلمون ...» (1) الى آخره.

ثمّ‏ (قال) المحدّث الاسترابادي: (و خروج عن تحتهما) أي: خرج من عموم حديث «الحجب» و حديث «الرفع» (كلّ فعل وجودي) مشتبه الحرمة أي: (لم يقطع بجوازه).

فلا يقال: أنّ عموم حديث الحجب و حديث الرفع شامل للشبهة التحريمية، فكيف تقولون أنتم الاخباريون بوجوب الاحتياط فيها؟ لأنا نقول: بأن الشبهة التحريمية خارجة عن تحت الحديثين المذكورين‏ (ب) سبب‏ (حديث التثليث) (2) المتقدّم حيث جاء فيه: «انّما الامور ثلاثة: أمر بيّن رشده فيتبع، و أمر بيّن غيّه فيجتنب، و أمر مشكل يردّ حكمه الى اللّه و رسوله» (3).

انتهى كلام المحدّث الاسترابادي.

(أقول:) أن البراءة التي يتمسك بها مشهور الاصوليين ليست هي البراءة الاصلية كما تصوره المحدّث الاسترابادي، بل هي أصل تعبدي و حكم ظاهري معناها: القطع بنفي تنجّز التكليف و ان ثبت واقعا، و قد استدلوا لها بقبح العقاب بلا بيان، فانّه كما (قد عرفت فيما تقدّم في نقل كلام المحقق (قدّس سرّه): انّ التمسك‏

____________

(1)- تحف العقول: ص 50، التوحيد: ص 353 ح 24، الخصال: ص 417.

(2)- الفوائد المدنية: ص 138 و ص 161.

(3)- الكافي (اصول): ج 1 ص 68 ح 10، تهذيب الأحكام: ج 6 ص 302 ب 22 ح 52، من لا يحضره الفقيه: ج 3 ص 8 ب 2 ح 3233، وسائل الشيعة: ج 27 ص 106 ب 9 ح 33334.

20

بأصل البراءة منوط بدليل عقليّ هو قبح التكليف بما لا طريق إلى العلم به.

و هذا لا دخل له لاكمال الدين و عدمه، و لكون الحسن و القبح أو الوجوب و التحريم عقليّين أو شرعيّين في ذلك، و العمدة فيما ذكره هذا المحدّث من أوّله إلى آخره تخيّله أنّ مذهب المجتهدين التمسّك بالبراءة الأصليّة لنفي الحكم الواقعيّ و لم أجد أحدا يستدلّ بها على ذلك.

____________

بأصل البراءة منوط بدليل عقلي هو: «قبح التكليف بما لا طريق الى العلم به») و ذلك لقبح العقاب بلا بيان، فاذا كان العقاب بلا بيان قبيحا و المفروض انّه لم يصل البيان الى المكلّف كان له أن يجري البراءة.

(و هذا) الدليل الذي ذكره المحقّق للبراءة و تبعه عليه غيره‏ (لا دخل له لاكمال الدين و عدمه، و لا لكون الحسن و القبح، أو الوجوب و التحريم عقليين أو شرعيين) على ما ذكره المحدّث الاسترابادي، اذ كلّ هذه الامور لا ربط لها (في ذلك) الذي ذكره الاصوليون من البراءة.

(و) حينئذ لا يكون كلام المحدّث الاسترابادي مربوطا بمسألة البراءة، و لا ردا على المشهور اذ (العمدة فيما ذكره هذا المحدث من أوله الى آخره: تخيّله أنّ مذهب المجتهدين: التمسك بالبراءة الأصليّة لنفي الحكم الواقعي) حيث قال في عبارته المتقدّمة: «لعلمنا بأن اللّه أكمل لنا ديننا، و علمنا بأنّ كلّ واقعة يحتاج اليها ورد فيها خطاب قطعي من اللّه خال عن المعارض، و بأنّ كلّ ما جاء به نبيّنا مخزون عند العترة الطاهرة» (و لم أجد أحدا يستدل بها) أي بالبراءة (على ذلك) أي: على نفي الحكم واقعا، فانّ الاصوليين لا يريدون نفي الحكم واقعا، و انّما يقولون: نتمسك بالبراءة لأنه حكم ظاهري قرّره العقل و الشرع.

21

نعم، قد عرفت سابقا أنّ ظاهر جماعة من الاماميّة جعل أصالة البراءة من الأدلة الظنّية، كما تقدّم في المطلب الأوّل استظهار ذلك من صاحبي المعالم و الزبدة، لكنّ ما ذكره من إكمال الدين لا ينفي حصول الظنّ، لجواز دعوى أنّ المظنون بالاستصحاب او غيره موافقة ما جاء به النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) للبراءة، و ما ذكره من تبعيّة خطاب اللّه تعالى للحكم و المصالح لا ينافي ذلك.

____________

(نعم، قد عرفت سابقا: أن ظاهر جماعة من الإمامية جعل أصالة البراءة من الأدلة الظنّيّة) الكاشفة عن الواقع‏ (كما تقدّم في المطلب الأوّل استظهار ذلك من صاحبي المعالم و الزبدة) حيث جعلا البراءة أمارة ظنيّة معناها: الظنّ بنفي التكليف واقعا، و استدلالها باستصحاب البراءة الاصلية.

(لكن ما ذكره) المحدّث الاسترابادي في الاعتراض عليهم: (من اكمال الدين) لا يتوجه اليهم أيضا، لانه‏ (لا ينفي) استصحاب البراءة الاصلية في مورد الشك، لأن اكمال الدين لا يثبت أن الخطاب الصادر في مورد الشك: واجب أو حرام حتى لا يبقى مجال لاستصحاب البراءة الاصلية.

كما أنه لا ينفي‏ (حصول الظنّ) بالواقع من طريق استصحاب البراءة الاصلية (لجواز دعوى: انّ المظنون بالاستصحاب أو غيره) كقاعدة «عدم الدليل دليل العدم»، و قاعدة «غلبة المباحات» المستفادتين من العقل و النقل‏ (موافقة ما جاء به النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) للبراءة) الاصلية (و) حينئذ: فانّ‏ (ما ذكره) هذا المحدّث‏ (: من) وجود الحسن و القبح العقليين، و (تبعية خطاب اللّه تعالى للحكم و المصالح لا ينافي ذلك) الظن الذي هو العمل بالبراءة، لأنها مورثة للظنّ بالواقع، فانّ المصلحة كما تكون في التكليف الالزامي وجوبا أو تحريما في بعض الأفعال،

22

لكنّ الانصاف: أنّ الاستصحاب لا يفيد الظنّ خصوصا في المقام، كما سيجي‏ء في محلّه و لا أمارة غيره يفيد الظنّ، فالاعتراض على مثل هؤلاء إنّما هو منع حصول الظنّ و منع اعتباره على تقدير الحصول،

____________

كذلك تكون في البراءة في بعض الأفعال الأخر، و عليه: فالحكم الواقعي محفوظ، فانّ كان الحكم الواقعي هو البراءة فهو، و انّ كان الحكم الواقعي غير البراءة، فمصلحة التسهيل و نحوه جعل التكليف الفعليّ: «البراءة»، فالحكمان هنا الواقعي و البراءة بمنزلة الأحكام الأولية و الأحكام الثانوية في سائر الموارد.

(لكن الانصاف أنّ) كلام المعالم و الزبدة غير تام عندنا اذ، (الاستصحاب لا يفيد الظنّ) ببقاء الحالة السابقة، بل قد يظن الانسان بالبقاء، و قد يظن بخلاف البقاء، و قد يشك في البقاء و عدم البقاء، فالظن ليس معيارا (خصوصا) الظنّ الحاصل من الاستصحاب الذي نريد اجرائه‏ (في المقام) و هو: استصحاب حال ما قبل الشرع لاثبات البراءة فيما بعد الشرع‏ (كما سيجي‏ء) عدم افادة الاستصحاب للظنّ‏ (في محلّه) في بحث الاستصحاب إن شاء اللّه تعالى.

و عليه: فكلام المعالم و الزبدة غير تام، اذ لا ظن حاصل من الاستصحاب‏ (و لا أمارة غيره) أي: غير الاستصحاب‏ (يفيد الظنّ) بالبراءة.

و كيف كان: فانّا لا نحتاج الى الظنّ حتى نتكلم حول انّه هل يحصل لنا الظنّ بالبراءة أو لا يحصل؟ بل انا نجري البراءة استنادا الى الأدلة الأربعة كما تقدّم الكلام فيها.

إذن: (فالاعتراض) من المحدّث الاسترابادي‏ (على مثل هؤلاء) المتمسّكين باستصحاب البراءة، مقدمة للظنّ بعدم التكليف، و ذلك في مورد عدم وجود الدليل على التحريم أو الوجوب‏ (انّما هو منع حصول الظنّ) من الاستصحاب‏ (و منع اعتباره) أي: اعتبار مثل هذا الظن‏ (على تقدير الحصول) لأنّ الظنّ لا دليل‏

23

و لا دخل لاكمال الدين و عدمه، و لا للحسن و القبح العقليين في هذا المنع.

و كيف كان: فيظهر من المعارج القول بالاحتياط في المقام عن جماعة حيث قال: «الاحتياط غير لازم، و صار آخرون إلى لزومه و فصّل آخرون»، انتهى.

____________

على حجيّته، و انّما يكون البناء على الحالة السابقة ممّا يسمّى بالاستصحاب مستندا الى بناء العقلاء و بعض الرّوايات كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى.

هذا (و) من الواضح: انّه‏ (لا دخل لاكمال الدين و عدمه و لا للحسن و القبح العقليّين) و لا للتلازم بين حكم العقل و حكم الشرع، و لا لتبعيّة الأحكام للمصالح و المفاسد (في هذا المنع) أي: في منع قول صاحبي المعالم و الزبدة، فنحن و المحدّث الاسترابادي و ان كنّا نشترك في الاشكال على المعالم و الزبدة الّا أنّ اشكالنا من جهة و اشكاله من جهة اخرى، و قد عرفت: عدم استقامة اشكاله.

(و كيف كان: فيظهر من المعارج القول بالاحتياط في المقام عن جماعة حيث قال: الاحتياط غير لازم، و صار آخرون الى لزومه، و فصّل آخرون‏ (1)، انتهى) و هو ظاهر في انّ في المسألة ثلاثة أقوال: الأوّل: القول بلزوم الاحتياط في الشبهة الحكمية وجوبية كانت أو تحريمية، الثاني: القول بعدم لزوم الاحتياط فيهما، الثالث: القول بالتفصيل بين الشبهة التحريمية فيجب فيها الاحتياط، و الشبهة الوجوبية فلا يجب فيها الاحتياط.

____________

(1)- معارج الاصول: ص 216.

24

و حكي عن المعالم نسبته إلى جماعة، فالظاهر أنّ المسألة خلافيّة، لكن لم يعرف القائل به بعينه، و إن كان يظهر من الشيخ و السيّدين، التمسّك به أحيانا، لكن يعلم مذهبهم من أكثر المسائل، و الأقوى فيه جريان أصالة البراءة للأدلّة الأربعة المتقدّمة مضافا إلى الاجماع المركّب.

____________

(و حكي عن المعالم نسبته) أي: نسبة الاحتياط في محتمل الوجوب‏ (الى جماعة) من العلماء أيضا.

و عليه: (فالظاهر: انّ المسألة خلافية، لكن لم يعرف القائل به بعينه و انّ كان يظهر من الشيخ و السّيدين التمسك به) أي: بالاحتياط في بعض الموارد (أحيانا، لكن يعلم مذهبهم من أكثر المسائل) التي تمسكوا فيها بالبراءة على انهم يقولون بالبراءة.

هذا (و الأقوى فيه) أي: في المشتبه بالشبهة الوجوبية: (جريان أصالة البراءة للأدلّة الأربعة المتقدّمة مضافا الى الاجماع المركب) فانّ كلّ من قال بجريان الاصل اجراه في الشبهتين: التحريمية و الوجوبية، و كلّ من لم يقل بجريان الأصل لا يجريه في الشبهتين، فالتفصيل بين الشبهتين بجريان الأصل في الشبهة الوجوبية دون الشبهة التحريمية خرق للاجماع المركب.

لا يقال: قد نسب التفصيل في كلامي المعارج و المعالم الى جماعة، فكيف يكون التفصيل خرقا للاجماع المركب؟.

لأنه يقال: قد تقدّم منّا: انّه لم يعرف أحد بعينه قال بذلك، و الشاذ الذي قال به لم يعلم هل أنّه من العامة أو الخاصة؟ و مثله لا يضر الاجماع المركب.

25

و ينبغي التنبيه على أمور الأوّل:

انّ محلّ الكلام في هذه المسألة هو احتمال الوجوب النفسيّ المستقلّ، و أمّا إذا احتمل كون شي‏ء واجبا لكونه جزءا أو شرطا لواجب آخر، فهو داخل في الشك في المكلّف به، و إن كان المختار

____________

[ينبغي التنبيه على امور]

هذا (و ينبغي التنبيه على امور) تالية:

[الأمر الأوّل انّ محلّ الكلام في هذه المسألة هو احتمال الوجوب النفسيّ المستقلّ‏]

(الأوّل: انّ محلّ الكلام في هذه المسألة) أي: في مسألة الشبهة الوجوبية الناشئة عن فقد النص‏ (هو احتمال الوجوب النّفسي المستقل) كوجوب الصلاة على محمّد و آله عند ذكره (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و كوجوب الدعاء عند رؤية الهلال، و ما أشبه ذلك من الواجبات النفسية المستقلة التي لم يعلم هل أمر الشارع بها حتى تكون واجبة، أو ندب اليها حتى تكون مستحبة؟.

(و أمّا اذا احتمل كون شي‏ء واجبا) غيريا (لكونه جزءا) لواجب آخر كالسورة في الصلاة، و جلسة الاستراحة، و ما أشبه ذلك‏ (أو شرطا لواجب آخر) كشرطية الوضوء للصلاة و الطواف- حيث يشك الانسان اذا كان قد اغتسل غسلا واجبا غير غسل الجنابة في شرطية الوضوء لهذه الصلاة و الطواف الذي اغتسل المكلّف قبلهما (فهو داخل في الشك في المكلّف به) اصطلاحا، لأنّ المكلّف به مردد بين الأقل و الأكثر الارتباطيين فيجب عليه الاحتياط باتيانه.

هذا (و ان كان المختار) عندنا: انّ هذا أيضا يرجع الى الشك في التكليف لوضوح: انّ الأقل متيقن، و الزائد مشكوك في أصل التكليف فيه، بينما الشك في المكلّف به خاص في المتباينين كالظهر و الجمعة، و ما أشبه ذلك، فالمختار

26

جريان أصل البراءة فيه أيضا، كما سيجي‏ء إن شاء اللّه تعالى، لكنّه خارج عن هذه المسألة الاتفاقيّة.

الثاني:

انّه لا إشكال في رجحان الاحتياط بالفعل حتّى فيما احتمل كراهته.

و الظاهر ترتّب الثواب عليه إذا اتى به لداعي احتمال المحبوبيّة، لأنّه انقياد و إطاعة حكميّة.

و الحكم بالثواب هنا

____________

في الشك في الأقل و الأكثر الارتباطيين‏ (جريان أصل البراءة فيه) أي: في الزائد (أيضا، كما سيجي‏ء إن شاء اللّه تعالى؛ لكنّه خارج عن هذه المسألة الاتفاقية) لأنّ الاتفاق حاصل على جريان البراءة في الشبهة الوجوبية المستقلة، بينما اختلفوا في الشبهة الوجوبية اذا كان المشكوك جزءا أو شرطا.

[الأمر الثاني انّه لا إشكال في رجحان الاحتياط بالفعل حتّى فيما احتمل كراهته.]

الأمر: (الثاني: انّه لا اشكال) عقلا و نقلا (في رجحان الاحتياط بالفعل) في مشكوك الوجوب، و ذلك لأنه احراز للواقع و الشارع مهتم بأحكامه‏ (حتى فيما احتمل كراهته) و ذلك لأنّ جلب المنفعة الملزمة أولى من دفع المفسدة غير الملزمة.

نعم، يظهر من بعض الرّوايات: عدم رجحان الاحتياط في بعض الموارد المستلزم للحرج، أو اختلال النظام، أو الوسواس، أو ما أشبه ذلك، كما تقدّم الكلام فيه.

(و الظاهر:) في غير الموارد المرجوحة استقلال العقل على‏ (ترتّب الثواب عليه اذا أتى به لداعي احتمال المحبوبية، لأنّه انقياد و اطاعة حكميّة) أي: انّ الاحتياط عند العقل و العقلاء في حكم الطاعة كما أنّ الاتيان بالمطلوب المعلوم طاعة حقيقية (و الحكم بالثواب هنا) في الانقياد باتيان محتمل المحبوبية احتياطا

27

أولى من الحكم بالعقل على تارك الاحتياط اللازم، بناء على انّه في حكم المعصية و إن لم يفعل محرّما واقعيّا.

و في جريان ذلك في العبادات عند دوران الأمر بين الوجوب و غير الاستحباب وجهان، أقواهما العدم،

____________

(أولى من الحكم بالعقاب على تارك الاحتياط اللازم) كترك محتمل التحريم قبل الفحص فيما لم يكن في الواقع حراما.

و انّما يكون أولى‏ (بناء على أنّه في حكم المعصية) لأنّه تجرّ و ليس بمعصية، كما قال: (و ان لم يفعل محرّما واقعيّا) لفرض انّه لم يكن محرّما في الواقع، و انّما كان مأمورا بالفحص فلم يفحص و أقدم، فيكون في حكم المعصية، و الاولوية من جهة انّ اللّه سبحانه و تعالى سبقت رحمته غضبه، و انّ الثواب فضل بينما العقاب عدل.

هذا (و في جريان ذلك) أي: رجحان الاحتياط و الثواب عليه‏ (في العبادات عند دوران الأمر بين الوجوب و غير الاستحباب) كالكراهة و الاباحة (وجهان) أما دوران الأمر بين الوجوب و الاستحباب فهو محبوب على كلّ حال لأنّه أما محبوب مع المنع من النّقيض ممّا يعبّر عنه بالوجوب أو محبوب بدون المنع من النقيض ممّا يعبّر عنه بالاستحباب.

لكن الاحتياط في العبادات عند دورانها بين الوجوب و غير الاستحباب هل هو راجح أم لا فيه احتمالان: (أقواهما العدم) لأنّ الاحتياط معناه: احراز الواقع على تقدير ثبوته؛ و هذا المعنى لا يتحقق الّا في التوصليّات فاذا احتمل- مثلا- وجوب الاستهلال، فبمجرد الاستهلال يحرز الواقع على تقدير ثبوته، فيكون الشخص مطيعا للمولى بهذا الاحتياط و يثاب عليه لأنّه اطاعة حكمية- كما تقدّم-.

28

لأنّ العبادة لا بدّ فيها من نيّة التقرّب المتوقفة على العلم بأمر الشارع تفصيلا او إجمالا كما في كلّ من الصلوات الأربع عند اشتباه القبلة، و ما ذكرنا من ترتّب الثواب على هذا الفعل لا يوجب تعلّق الأمر به،

____________

لكن مثل هذا لا يتحقق في التعبديات‏ (لأنّ العبادة لا بدّ فيها من نية التقرب) و نية القربة هي‏ (المتوقفة على العلم بأمر الشارع تفصيلا) و ذلك بأن يعلم أن الظهر واجبة عليه‏ (أو اجمالا) بأن يعلم أن الواجب عليه: الظهر أو الجمعة (كما في كلّ من الصلوات الأربع عند اشتباه القبلة) فانّ الانسان الذي يشتبه في القبلة يحتاط بأربع صلوات الى اربع جهات، لعلمه بأمر الشارع بالصلاة اجمالا.

أما في المقام فلا يعلم بأمر الشارع بهذا الشي‏ء لا تفصيلا و لا اجمالا، لفرض دوران الأمر بين الوجوب و غير الاستحباب، فكيف يأتي به بقصد القربة و هو لا يعلم بأن الشارع أمر به حتى يقصد فيه القربة؟ أم كيف يأتي به بدون قصد القربة مع انّه لو أمر به الشارع لم يقع بدون القربة ما أمر به الشارع من العبادة لأن هيكل العبادة بدون قصد القربة ليست بعبادة؟.

(و) حيث اشكل على القائلين بتحقق الاحتياط في العبادات- بهذا الاشكال- أجابوا عنه بوجوه ستة أشار اليها المصنّف كما يلي:

الأوّل: نكتشف وجود الأمر بالدليل الإنّي، لأنه لو أتى بمحتمل العبادة بقصد الاحتياط كان فيه الثواب، و كلّ ما كان فيه الثواب فهو مقرّب قد تعلّق به الأمر، لكن هذا الجواب غير تام لما ذكره المصنّف بقوله: انّ‏ (ما ذكرنا: من ترتّب الثواب على هذا الفعل لا يوجب تعلّق الأمر به) فانّ الثواب انّما يكشف عن الأمر و يدل عليه اذا كان ثوابا ناشئا عن الأمر، لا ما إذا كان ثوابا ناشئا عن الانقياد للشرع.

29

بل هو لأجل كونه انقيادا للشرع، و العبد معه في حكم المطيع، بل لا يسمّى ذلك ثوابا.

و دعوى: «أنّ العقل إذا استقلّ بحسن هذا الاتيان ثبت بحكم الملازمة الأمر به شرعا»، مدفوعة، لما تقدّم في المطلب الأوّل، من أنّ الأمر الشرعيّ بهذا النحو من الانقياد كأمره بالانقياد الحقيقيّ و الاطاعة

____________

و من الواضح: انّ هذا الثواب ليس ناشئا عن الأمر (بل هو لأجل كونه) أي كون الاحتياط (انقيادا للشرع، و العبد معه) أي مع هذا الانقياد (في حكم المطيع) لا انّه مطيع حقيقة اذ الاطاعة الحقيقية انّما هي فيما إذا علم بالأمر (بل لا يسمى ذلك ثوابا) و انّما هو تفضّل و تكرّم إذ الثواب هو: ما يستحقه العبد في مقابل امتثال التكاليف المعلومة، و هذا ليس من التكاليف المعلومة حسب الفرض.

(و) الثاني: انكم ذكرتم انّ الاحتياط بحكم العقل حسن مطلقا و هذا الاحتياط في محتمل العبادة ايضا حسن عقلا و قد ثبت انّه كلّ ما حكم به العقل حكم به الشرع، فهذا الاحتياط حسن شرعا، و اذا ثبت حسنه الشرعي كان فيه الأمر، اذ الشارع يأمر بكل حسن كما انّه ينهى عن كلّ قبيح.

لكن هذا الجواب أيضا غير مستقيم، لأنّ‏ (دعوى: انّ العقل اذا استقلّ بحسن هذا الاتيان) بمحتمل العبادة (ثبت بحكم الملازمة) بين الشرع و العقل‏ (الأمر به شرعا).

هذه الدعوى‏ (مدفوعة) بأنّ الحسن الشرعي من باب الأمر الارشادي لا من باب الأمر المولوي، و الأمر الارشادي لا يوجب اطاعته قربا، و لا معصيته بعدا (لما تقدّم في المطلب الأوّل) أي: البحث حول الشبهة التحريمية (من أن الأمر الشرعي بهذا النحو من الانقياد) الاحتياطي‏ (كأمره بالانقياد الحقيقي و الاطاعة

30

الواقعيّة في معلوم التكليف إرشاديّ محض، لا يترتّب على موافقته و مخالفته أزيد ممّا يترتّب على نفس وجود المأمور به أو عدمه، كما هو شأن الأوامر الارشاديّة،

____________

الواقعية في معلوم التكليف) مثل قوله تعالى: أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ‏ (1) (و ارشاديّ محض لا يترتب على موافقته و مخالفته أزيد ممّا يترتب على نفس وجود المأمور به أو عدمه، كما هو شأن الأوامر الارشادية) كأوامر الطبيب.

و من الواضح: انّ الانسان لو أطاع أمر الطبيب و شرب الدواء، لم يحصل الّا على الصحة التي هي من توابع شرب الدواء، لا من توابع اطاعة أمر الطبيب، كما أنه اذا عصى أمر الطبيب لا يترتب عليه الّا مضرة عدم شرب الدواء، لا مضرة عدم اطاعة أمر الطبيب، و كذا المصلي فانّه ينال منافع الصلاة اذا أتى بها، كما أن تارك الصلاة يقع في مضرة تركها اذا تركها سواء كان هناك أمر بالطاعة أم لا؟ يعني سواء قال سبحانه: أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ‏ أم لم يقل؟ فانّ العبد اذا أتى بالصلاة نال منافعها لا منافع أمر «أَطِيعُوا اللَّهَ‏» كما أنّه اذا ترك الصلاة نال مضرة تركها لا مضرة ترك «أَطِيعُوا اللَّهَ‏».

و كذا بالنسبة الى أوامر الاحتياط: فانّ من يستهل في أول الشهر ينال منافع الاستهلال، و من يترك الاستهلال يقع في مضرة ترك الاستهلال على تقدير وجوبه واقعا، من غير فرق بين أن يكون أمر شرعي أو عقليّ بالاحتياط، أم لم يكن أمر عقلي، أو شرعي به، كما هو شأن كلّ أمر ارشادي، سواء كان ارشادا

____________

(1)- سورة النساء: الآية 59.

31

فلا إطاعة لهذا الأمر الارشاديّ، و لا ينفع في جعل الشي‏ء عبادة.

كما أنّ إطاعة الأوامر المتحققة لم تصر عبادة بسبب الأمر الوارد بها في قوله تعالى:

أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ*

.

____________

من العقل أو إرشادا من الشرع.

و عليه: (فلا إطاعة) و لا مخالفة (لهذا الأمر الارشادي) بحسن الاحتياط (و لا ينفع) هذا الأمر الارشادي‏ (في جعل الشي‏ء عبادة) فانّ عبادية الدعاء عند رؤية الهلال لا تحصل بالأمر بالاحتياط و انّما إن كان له أمر واقعي كان عبادة، و الّا لم يكن عبادة، فكيف يتمكن أن يأتي المكلّف بالدعاء عند الهلال قربة الى اللّه مع انّه لا يعلم بالأمر الواقعي من اللّه سبحانه و تعالى فيه، فيكون نسبته اليه سبحانه تشريعا محرّما.

(كما أن اطاعة الأوامر المتحقّقة) شرعا ممّا نعلم بوجوبها، كالأمر بالصلاة، و الصيام، و الحج، و الخمس، و ما أشبه‏ (لم تصر عبادة بسبب الأمر الوارد بها) أي: بالاطاعة (في قوله تعالى: أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ‏) (1) فانّ الأمر بالاطاعة لا بجعل الشي‏ء عبادة، بل عبادية الصلاة و الصيام و نحوهما انّما هي بسبب الأمر بالصلاة كما في قوله سبحانه: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ‏ (2) و الأمر بالصيام كما في قوله سبحانه: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ‏ (3) و نحوهما.

الثالث: انّا لا نحتاج في العبادة الى الأمر، بل يكفي الحسن، و لا شكّ في أن الاحتياط حسن كما اعترفتم به، فالاستهلال لما كان حسنا- لاحتمال وجوبه فرضا- كان عبادة، و الى هذا أشار المصنّف بقوله:

____________

(1)- سورة النساء: الآية 59.

(2)- سورة الاسراء: الآية 78.

(3)- سورة البقرة: الآية 183.

32

و يحتمل الجريان بناء على أنّ هذا المقدار من الحسن العقليّ يكفي في العبادة و منع توقفها على ورود أمر بها، بل يكفي الاتيان به لاحتمال كونه مطلوبا أو كون تركه مبغوضا.

و لذا استقرّت سيرة العلماء و الصلحاء فتوى و عملا على إعادة العبادات لمجرّد الخروج من مخالفة النصوص الغير المعتبرة و الفتاوى النادرة.

____________

(و يحتمل الجريان) أي: جريان الاحتياط في العبادة المحتملة (بناء على أن هذا المقدار من الحسن العقلي) حيث أن العقل يرى حسن الاحتياط في كلّ ما يحتمل فيه الأمر، عبادة كان أو غير عبادة، و هذا (يكفي في العبادة، و منع) أي:

نمنع‏ (توقفها) أي: توقف العبادة (على ورود أمر بها) أي: بالعبادة.

لكن أشكل على هذا: بأن الحسن العقلي لا يجعل الشي‏ء عبادة، فانّ الحسن أعمّ من التوصلي و التعبّدي و لا يكون الأعم دليلا على الأخص.

الرابع: انّا لا نشترط في العبادة قصد الأمر (بل يكفي الاتيان به) أي: بالشي‏ء المحتمل العبادية، و ذلك‏ (لاحتمال كونه مطلوبا) لدى المولى طلبا عباديا (أو كون تركه مبغوضا) لديه، فليس المعتبر في العبادة خصوص قصد الأمر، بل يكفي قصد احتماله عند الشك كما أنه في التوصليات يكفي احتمال الأمر بها في تحقق الاحتياط، فانّ العقل يرى حسن ذلك، و هذا الوجه هو الذي يعتمد عليه المشهور في حسن الاحتياط في العبادة المحتملة (و لذا استقرّت سيرة العلماء و الصلحاء فتوى و عملا على اعادة العبادات لمجرّد الخروج من مخالفة النّصوص غير المعتبرة و الفتاوى النّادرة).

الخامس: وجود أوامر الاحتياط و الاتقاء، و انّ هذه الأوامر تشمل التوصليات‏

33

و استدلّ في الذكرى، في خاتمة قضاء الفوائت، على شرعيّة قضاء الصلوات لمجرّد احتمال خلل فيها موهوم بقوله تعالى:

فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ‏

، و

اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ‏

، و قوله:

وَ الَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَ قُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى‏ رَبِّهِمْ راجِعُونَ‏

.

و التحقيق:

____________

و التعبديات‏ (و) لذا (استدل) الشهيد الأوّل‏ (في الذكرى في خاتمة قضاء الفوائت على شرعيّة قضاء الصلوات) احتياطا (لمجرد احتمال خلل فيها موهوم) ذلك الخلل، فاستدل له‏ (بقوله تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ‏ (1) و اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ‏ (2) و قوله: وَ الَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَ قُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى‏ رَبِّهِمْ راجِعُونَ) أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَ هُمْ لَها سابِقُونَ‏ (3) الى غير ذلك من الآيات الدالّة على الاحتياط و الاتقاء، بتقريب انّها تدل على أن اتيان العمل خوفا منه تعالى خير مطلوب.

و من المعلوم: انّ الذي يقضي الصلاة المحتملة الخلل انّما يقضيها من باب الاتقاء و الخوف من انّ تكون صلواته السابقة غير مقبولة، عند اللّه تعالى.

(و التحقيق) انّ هذا الجواب بنفسه لا يكفي الّا اذا ضممنا اليه بعض الأجوبة السابقة، و حينئذ نكون في غنى من هذا الجواب، لأنّ بعض الأجوبة السابقة كاف في الاستدلال.

و انّما نقول: انّ كلام الشهيد وحده لا يكفي، لأنّه مستلزم للدّور، فانّ موضوع الاتقاء يلزم أن يثبت من الخارج، اذ الحكم لا يثبت موضوعه، فاذا أريد تحقيق‏

____________

(1)- سورة التغابن: الآية 16.

(2)- سورة آل عمران: الآية 102.

(3)- سورة المؤمنون: الآيات 60- 61.

34

أنّه إن قلنا بكفاية احتمال المطلوبيّة- في صحّة العبادة فيما لا يعلم المطلوبية- و لو إجمالا فهو، و إلّا فما أورده (قدّس سرّه)، في الذكرى، كأوامر الاحتياط، لا يجدي في صحّتها.

____________

الموضوع بسبب نفس أمر الاتقاء كان دورا.

و بعبارة اخرى: انّ الأمر موقوف على كونه احتياطا و كونه احتياطا، موقوف على قصد القربة، فاذا توقف صحة قصد القربة فيه على الأمر كان دورا، لتوقف الأمر على الأمر، فهو مثل أنّ يقال: أكرم العالم، فانّ العالم يجب أن يعرف من الخارج لا انّ يكون أكرم محققا للعالم، فانّه حينئذ دور حيث انّ الاكرام يتوقف على كونه عالما، فاذا توقف كونه عالما على أكرم لزم الدور.

و عليه: ف (انّه انّ قلنا بكفاية احتمال المطلوبيّة- في صحة العبادة فيما لا يعلم المطلوبيّة- و لو اجمالا) لأنّه إذا علم الانسان المطلوبيّة الاجمالية كالصلاة الى أربع جوانب فلا كلام في صحتها، و انّما الكلام فيما اذا لم يعلم المطلوبية و انّما يحتملها كما في صلاة ليلة الرغائب- مثلا- حيث لا يعلم مطلوبيتها لأن راويها عامي لا يعتمد عليه، فاذا قلنا بصحة محتمل المطلوبية في مثل هذه الصلاة (فهو) اذ يصح حينئذ الاتيان بها بقصد العبادة.

لكن هذا لا يكون جوابا جديدا، بل هو الجواب السابق الذي ذكرناه بقولنا في «الرابع» من الأجوبة: بل يكفي الاتيان به لاحتمال كونه مطلوبا أو كون تركه مبغوضا.

(و الّا) بأن لم نقل بكفاية احتمال المطلوبية في صحة العبادة (فما أورده) الشهيد ((قدّس سرّه) في الذكرى، كأوامر الاحتياط لا يجدي في صحّتها) أي: في صحة هذه العبادة المحتمل مطلوبيتها.

35

لأنّ موضوع التقوى و الاحتياط الذي يتوقف عليه هذه الأوامر لا يتحقّق إلّا بعد إتيان محتمل العبادة على وجه يجتمع فيه جميع ما يعتبر في العبادة حتّى نيّة التقرّب، و إلّا لم يكن احتياطا، فلا يجوز أن تكون تلك الأوامر منشأ للقربة المنويّة فيها، اللّهم إلّا أن يقال- بعد النقض بورود هذا الايراد

____________

و انّما لا يجدي لكونه مستلزما للدور الذي نبهنا عليه‏ (لأنّ موضوع التّقوى و الاحتياط، الذي يتوقف عليه) أي: على هذا الموضوع‏ (هذه الأوامر، لا يتحقّق الّا بعد اتيان محتمل العبادة على وجه يجتمع فيه) أي: في محتمل العبادة (جميع ما يعتبر في العبادة) من الأجزاء و الشرائط، و فقد الموانع و القواطع‏ (حتى نيّة التقرب) أيضا.

(و إلّا لم يكن احتياطا) فانّه اذا لم يتحقق الموضوع بجميع أجزائه و شرائطه مع فقده لجميع الموانع و القواطع لا يكون احتياطا، فالاحتياط في التطهير- مثلا- يجب أن يكون بالماء المطلق، فاذا لم يكن ماء، أو لم يكن اطلاق، لم يكن احتياط في التطهير.

و عليه: (فلا يجوز أن تكون تلك الاوامر منشأ للقربة المنوية فيها) أي:

في هذه الأمور المحتمل عباديتها، لما عرفت من أنّه مستلزم للدّور، فانّ الأمر يتوقف على تحقق موضوعه، و لو توقف تحقق موضوعه على هذا الأمر لزم الدور.

لكن اشكال الدور غير وارد نقضا و حلا.

أما نقضا: فكما قال: (اللّهم الّا أن يقال- بعد النقض بورود هذا الايراد

36

في الأوامر الواقعيّة بالعبادات، مثل قوله:

أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ آتُوا الزَّكاةَ*

، حيث أنّ قصد القربة ممّا يعتبر في موضوع العبادة شطرا أو شرطا، و المفروض ثبوت مشروعيّتها بهذا الأمر الوارد فيها-

____________

في الأوامر الواقعيّة بالعبادات مثل قوله: وَ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ آتُوا الزَّكاةَ (1) حيث أنّ قصد القربة ممّا يعتبر في موضوع العبادة شطرا أو شرطا و المفروض ثبوت مشروعيّتها) أي: مشروعية هذه العبادة (بهذا الأمر الوارد فيها-) اذ لو لا الأمر بصلاة الظهر- مثلا- لم يصح الاتيان بها بقصد القربة، و لو لا قصد القربة الذي هو جزء أو شرط من شروط صلاة الظهر لم يصح تعلق الأمر بها، فما كان الجواب عن الدور في العبادة الواقعية يكون هو الجواب عنه في العبادة المحتملة الاحتياطية؟.

و ان شئت قلت: أنّ قوله: صلّ الظهر- مثلا- موضوعه: الأركان المخصوصة مع نية القربة بسائر الأجزاء و الشرائط و فقد الموانع، و صدور هذا الأمر من الشارع موقوف على تحقق الموضوع المذكور، و تحققه موقوف على صدور الأمر المذكور، اذ لو لم يصدر الأمر المذكور لا يشرّع نية القربة، فيكون هذا دورا، فما كان الجواب عن هذا الدور في العبادة الواقعية يكون هو الجواب عن الدور في العبادة الاحتمالية؟.

و أما حلا: فلأنا نقول: الأمر بصلاة الظهر، أو الأمر بصلاة الاحتياط- مثلا- قد تعلّق بهيكل العبادة: من الأجزاء و الشرائط و فقد الموانع و القواطع، من دون قصد القربة، فلمّا تعلّق الأمر بهذا الهيكل لزم أن نأتي به مع قصد القربة، لأنا علمنا

____________

(1)- سورة البقرة: الآية 43.

37

إنّ المراد من الاحتياط و الاتقاء في هذه الأوامر هو مجرّد الفعل المطابق للعبادة من جميع الجهات عدا نيّة القربة، فمعنى الاحتياط بالصلاة الاتيان بجميع ما يعتبر فيها عدا قصد القربة، فأوامر الاحتياط يتعلّق بهذا الفعل.

و حينئذ: فيقصد المكلّف فيه التقرّب باطاعة هذا الأمر.

و من هنا يتجه الفتوى باستحباب هذا الفعل،

____________

من الخارج أن هذا الهيكل لا يؤتى به الّا بقصد القربة، فيتوقف الأمر على الموضوع لكن لا يتوقف الموضوع على الأمر حتى يستلزم الدور، كما قال:

(ان المراد من الاحتياط و الاتقاء في هذه الأوامر:) ليس معناهما الحقيقي الشامل لكلّ الأجزاء و الشرائط حتى نية القربة، بل‏ (هو مجرد الفعل المطابق للعبادة من جميع الجهات عدا نيّة القربة) فاذا كانت للصلاة- مثلا- عشرة أجزاء و شرائط و كان من جملتها نيّة القربة، فالأمر يتعلق بتسعة منها و لم يتعلّق بنيّة القربة.

و عليه: (فمعنى الاحتياط بالصلاة: الاتيان بجميع ما يعتبر فيها عدا قصد القربة، فأوامر الاحتياط يتعلق بهذا الفعل) الهيكلي بدون قصد القربة (و حينئذ) بعد تعلق الأمر به‏ (فيقصد المكلّف فيه) أي: في هذا الفعل‏ (التقرب بإطاعة هذا الأمر) لأنّ المكلّف يعلم: انّه بدون قصد القربة لا يمكن أن يأتي بصلاة الظهر الحقيقية أو بصلاة الظهر الاحتياطية على ما عرفت.

(و من هنا:) أي: من انا ذكرنا: انّ أمر الاحتياط متعلق بتسعة أجزاء و هو الهيكل فقط بدون الجزء العاشر الذي هو قصد القربة (يتجه) من الفقيه‏ (الفتوى) لمقلده‏ (باستحباب هذا الفعل) من الصلاة الاحتياطية حتى‏

38

و إن لم يعلم المقلّد كون ذلك الفعل ممّا شكّ في كونها عبادة و لم يأت به بداعي احتمال المطلوبيّة.

____________

(و ان لم يعلم المقلّد كون ذلك الفعل ممّا شك في كونها عبادة) بل انّه أتى، بها بقصد العبادة جازما من دون أن يقصد احتمال كونها عبادة (و) كذا ان‏ (لم يأت) المقلد (به) أي: بهذا الفعل الاحتياطي‏ (بداعي احتمال المطلوبية) و انّما اتى به جازما بمطلوبيته لا باحتمال مطلوبيته.

و عليه: فانّه إذا كان نية القربة- مثلا- جزءا من الموضوع، كان على الفقيه أن يقول لمقلّده: يستحب الدّعاء عند رؤية الهلال بقصد احتمال كونه عبادة، لا أنه يطلق استحباب دعاء الهلال بلا ذكر قصد احتمال كونه عبادة، فانّ اطلاقه للاستحباب يدل على أن نية القربة ليس جزءا من الموضوع، بل أمر الاحتياط متعلق بالهيكل فقط.

و انّما نقول ذلك لأنه قد يكون الاتيان بالمركب من الاجزاء التسعة احتياطا فيقول الفقيه لمقلّده: ائت بهذا المركب، و قد يكون الاتيان بالأجزاء العشرة احتياطا فيقول له الفقيه: ائت بهذه الأجزاء التسعة منضمّة مع احتمال المطلوبية لأن هذه العشرة حينئذ احتياط، فتسعة أجزاء من المركب متيقن المطلوبية و الجزء العاشر محتمل المطلوبية، فيلزم للمقلّد أن ينوي هنا هكذا، لا أن ينوي المطلوبية في كلّ الأجزاء العشرة فهو مثل: أن يكون هناك عشر صلوات، تسعة منها في ذمة الانسان يقينا و العاشرة محتملة، فانّه لا يصح أن يقال له: ائت بكل الصلوات العشر المتيقنة الفوت، بل يقول: ائت بتسعة متيقنة و بعاشرة محتملة.

و الحاصل: انّ الاحتياط انّما هو باتيان الهيكل لا انّ الاحتياط باتيان الهيكل‏

39

و لو اريد بالاحتياط في هذه الأوامر معناه الحقيقيّ، و هو إتيان الفعل لداعي احتمال المطلوبيّة لم يجز للمجتهد أن يفتي باستحبابه إلّا مع التقييد باتيانه بداعي الاحتمال حتّى يصدق عليه عنوان الاحتياط مع استقرار سيرة أهل الفتوى على خلافه، فعلم أنّ المقصود إتيان الفعل بجميع ما يعتبر فيه عدا نيّة الداعي.

____________

مع قصد القربة كما قال: (و لو اريد بالاحتياط في هذه الأوامر) الاحتياطية (: معناه الحقيقي) أي: معنى الاحتياط حقيقة (و هو: اتيان الفعل لداعي احتمال المطلوبية، لم يجز للمجتهد أن يفتي) لمقلّده‏ (باستحبابه) أي: باستحباب هذا المركب من الأجزاء العشرة (إلّا مع التقييد باتيانه بداعي الاحتمال) أي: يقول لمقلده: ائت بالصلاة الاحتياطية بداعي احتمال المطلوبية.

و عليه: فلا يصح للفقيه أن يقول في مثال الدّعاء عند الهلال يستحب الدّعاء عند رؤية الهلال، بل اللازم أن يقول: يستحب الدّعاء عند الهلال بداعي احتمال الأمر الواقعي الموجب لمطلوبية الدّعاء.

و انّما يلزم على الفقيه أن يقول له بالنحو الثاني‏ (حتى يصدق عليه) أي: على الاتيان بداعي الاحتمال‏ (عنوان الاحتياط).

هذا (مع استقرار سيرة أهل الفتوى) من الفقهاء (على خلافه) إذا لم يأت الفقهاء بلفظ الاحتمال في فتاواهم، بل يفتون مطلقا و بلا قيد قائلين: أنّ الدّعاء عند رؤية الهلال مستحب‏ (فعلم: أنّ المقصود) بالاحتياط: (اتيان الفعل بجميع ما يعتبر فيه) من الأجزاء التسعة (عدا نيّة الدّاعي) و هو احتمال المحبوبية فانّ قصد الداعي ينضم إليه من الخارج، لأنّا نعلم أنّ هذا الهيكل المشتمل على تسعة أجزاء لا يؤتى به احتياطا إلّا إذا انضم إليه قصد الداعي، و إلّا فانّه إذا لم يقصد

40

ثمّ إنّ منشأ احتمال الوجوب، إذا كان خبرا ضعيفا، فلا حاجة إلى أخبار الاحتياط إثبات أنّ الأمر فيها للاستحباب الشرعيّ دون الارشاد العقليّ، لورود بعض الأخبار باستحباب فعل كلّ ما يحتمل فيه الثواب.

كصحيحة هشام بن سالم المحكيّة عن المحاسن عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)

____________

الداعي لم يأت بشي‏ء اطلاقا، اذ بدون قصد الداعي لا يكون الهيكل عبادة احتياطية.

السادس: كفاية روايات التسامح في أدلة السنن لجعل محتمل العبادة عبادة استحبابية إذا كان هناك فتوى من فقيه، أو خبر ضعيف يدل عليه من غير حاجة لتصحيحه بالاحتياط، فقد وردت روايات متعددة تدلّ على التسامح، و اليه اشار المصنّف بقوله: (ثمّ إنّ منشأ احتمال الوجوب إذا كان خبرا ضعيفا) أي: انّ الشبهة الوجوبية إذا كانت مستندة الى خبر ضعيف، أو فتوى فقيه، أو شهرة، أو ما أشبه ذلك‏ (فلا حاجة) في تصحيح محتمل العبادة بالإتيان به احتياطا (الى أخبار الاحتياط و إثبات أنّ الأمر فيها للاستحباب الشّرعي دون الارشاد العقليّ) فانّا أثبتنا سابقا حسن الاحتياط في العبادة المحتملة بحمل أوامر الاحتياط فيها على أنها للاستحباب لا للارشاد، إذ لو كان الأمر للارشاد لم يثبت الاستحباب.

هذا، لكنا نقول هنا: انّه لا حاجة الى إثبات الأمر الاستحبابي في الاحتياط في الشبهة الوجوبية في العبادة، و انّما تصحح الاحتياط هنا (لورود بعض الأخبار باستحباب فعل كلّما يحتمل فيه الثواب) سواء كان في الرواية الواردة أو في فتوى الفقيه تصريح بثواب كذا في طاعة كذا، أم لم يكن تصريح بذلك و انّما كانت الرواية أو الفتوى تقول باستحباب عمل كذا.

(كصحيحة هشام بن سالم المحكيّة عن المحاسن عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)

41

قال: «من بلغه عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، شي‏ء من الثواب فعمله كان أجر ذلك له و إن كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لم يقله».

و عن البحار، بعد ذكرها: «أنّ هذا الخبر من المشهورات رواه العامّة و الخاصّة بأسانيد».

و الظاهر أنّ المراد من «شي‏ء من الثواب» بقرينة ضمير «فعمله» و إضافة الأجر إليه‏

____________

قال: من بلغه عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) شي‏ء من الثّواب فعمله كان أجر ذلك له و إن كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لم يقله) (1) و من المعلوم: انّ قول النبيّ في الصحيحة من باب المثال فكل الأئمة (عليهم السلام) قولهم قول النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) كما ثبت في باب الامامة.

(و عن البحار بعد ذكرها) أي: ذكر هذه الصحيحة قال: ( «ان هذا الخبر من المشهورات رواه العامّة و الخاصة بأسانيد») (2) متعددة.

(و) إن قلت: ظاهر هذا الخبر و نحوه: انّ الشي‏ء المستحب قد ثبت استحبابه بدليل معتبر و انّما ورد في الرّواية الضعيفة انّ له كذا مقدار من الثواب كقصر في الجنة و نحوه، لا أنّ الخبر يقول: انّ الشي‏ء الفلاني مستحب، أو مستحب و له ثواب.

قلت: (الظاهر: انّ المراد من) قوله: ( «شي‏ء من الثواب»، بقرينة ضمير «فعمله») إذ الثواب لا يعمل، و انّما يعمل سبب الثواب و هو: صلاة كذا، أو حج كذا، أو صدقة كذا، أو ما أشبه ذلك‏ (و) بقرينة (إضافة الأجر إليه) فانّ الثواب لا أجر له، و انّما الأجر للعمل، فبهاتين القرينتين نعرف: انّ المراد من قوله‏

____________

(1)- المحاسن: ص 25 ح 1 (بالمعنى)، جامع أحاديث الشيعة: ج 1 ص 341، وسائل الشيعة: ج 1 ص 82 ب 18 ح 190.

(2)- بحار الانوار: ج 2 ص 256 ب 30 ح 3.

42

هو الفعل المشتمل على الثواب.

و في عدّة الداعي عن الكلينيّ (قدّس سرّه)، أنّه روى بطرقه عن الأئمة (عليهم السلام): «أنّه من بلغه شي‏ء من الخير فعمل به، كان له من الثواب ما بلغه و إن لم يكن الأمر كما فعله».

____________

«شي‏ء من الثواب» (هو: الفعل المشتمل على الثواب) فيكون معنى الحديث:

من بلغه فعل له ثواب فعمل بذلك الفعل، كان له أجر ذلك الفعل، و حيث انّه ليس من المهم ذكر الثواب في الرواية و عدم ذكره، نقول بأعمّيّة هذا الحديث لما ذكر فيه الثواب و لما لم يذكر.

مثلا: قد يقول: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): صلّوا صلاة ليلة الرغائب، و قد يقول:

قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): من صلّى صلاة ليلة الرغائب فله كذا من الثواب، فانّ هذا الحديث و شبهه يشمل كليهما.

كما انّه لا فرق بين أن يكون هناك فتوى فقيه على استحباب كذا أو رواية ضعيفة تقول باستحباب كذا، لأنّ فتوى الفقيه أيضا كاشفة عن الرواية لو لا قرينة خارجية بأنّها من استنباطه لا من الرواية، و كذلك إذا قامت الشهرة على شي‏ء.

(و في عدّة الدّاعي عن الكليني (قدّس سرّه) انّه روى بطرقه عن الأئمة (عليهم السلام): «انّه من بلغه شي‏ء من الخير فعمل به، كان له من الثواب ما بلغه و إن لم يكن الأمر كما فعله») (1) بأن لم يثبت ذلك حقيقة عن الرسول و الأئمة (عليهم السلام) و انّما اشتبه الراوي أو تعمّد الخطأ.

____________

(1)- الكافي (اصول): ج 2 ص 87 ح 1 (بالمعنى)، وسائل الشيعة: ج 1 ص 82 ب 18 ح 189.

43

و أرسل نحوه السيّد (قدّس سرّه)، في الاقبال عن الصادق (عليه السلام)، إلّا أنّ فيه: «كان له ذلك»، و الأخبار الواردة في هذا الباب كثيرة، إلّا أنّ ما ذكرناها أوضح دلالة على ما نحن فيه، و إن كان يورد عليه أيضا، تارة بأنّ ثبوت الأجر لا يدلّ على الاستحباب الشرعيّ.

____________

(و أرسل نحوه) أي: نحو حديث عدّة الداعي‏ (السيّد) ابن طاوس‏ ((قدّس سرّه) في) كتاب‏ (الاقبال عن الصادق (عليه السلام)، إلّا أن فيه: «كان له ذلك» (1)، و الأخبار الواردة في هذا الباب كثيرة) يأتي ذكر جملة منها في رسالتنا المستقلة في التسامح الملحقة بآخر البحث إن شاء اللّه تعالى.

(الّا أن ما ذكرناها أوضح دلالة على ما نحن فيه) من تصحيح العمل العبادي الاحتياطي بهذه الروايات و ذلك بتقريب: انّ أخبار «من بلغ» تدلّ بالمطابقة على ثبوت الثواب، و من الواضح: انّ الثواب موقوف على وجود الأمر، فتدل بالالتزام على وجود أمر مولوي ندبي بإتيان الفعل الذي بلغ عليه الثواب، و على هذا فيصح اتيان محتمل العبادة بداعي امتثال هذا الأمر، فانّه إذا قال المولى لعبده: اذا اطعت العالم الفلاني أعطيك دينارا، فهم العرف من هذا الكلام انّ إطاعة العالم محبوب للمولى و مأمور به.

هذا (و ان كان يورد عليه) أي: على الاستدلال بأخبار «من بلغ» لتصحيح الاحتياط في العبادة المحتملة (أيضا) أي: كما أورد على أوامر الاحتياط بانها لا تدل على المقصود (تارة: بأنّ ثبوت الأجر لا يدل على الاستحباب الشرعي)

____________

(1)- اقبال الاعمال: ج 3 ص 170، الاقبال: ص 556، وسائل الشيعة: ج 1 ص 82 ب 18 ح 189 (بالمعنى).

44

لإمكان أن يكون الأجر تفضليا كما في التوصليات.

و حاصل هذا الوجه: انّ هذه الأخبار لا تدل على أن الآتي بمحتمل العبادة امتثالا للأمر يستحق الثواب، حتى تدل هذه الأخبار بالالتزام على وجود أمر مولوي بمحتمل العبادة ليقال انّه يصح إتيان محتمل العبادة بداعي امتثاله، بل غاية ما تدل عليه هذه الأخبار انّ الآتي بمحتمل العبادة من باب الاحتياط ينال ثوابا تفضلا من اللّه سبحانه و تعالى.

و يؤيّد ذلك: قوله (عليه السلام): «فعمله التماس ذلك الثواب» (1)، و قوله في رواية أخرى: «فعمله طلبا لقول النبي» (2)، فلا تشمل هذه الأخبار محتمل العبادة الذي كلامنا فيه؛ و ذلك لعدم امكان الاحتياط في محتمل العبادة للإشكال المتقدّم.

و ان شئت قلت: انّ حاصل هذا الاشكال هو عدم الملازمة بين الثواب و بين الأمر، فلا يدل وجود الثواب على وجود الأمر، لجواز كون الثواب على الاطاعة الحكمية.

ثمّ لا يخفى: انّ مرادهم من التسامح في أدلة السنن: عدم اشتراطهم فيها ما اشترطوه في أدلة التكاليف الالزامية، فانّ التكليف إذا كان الزاميا من واجب أو حرام يحتاج الى دليل معتبر، أما إذا كان التكليف غير الزامي كالاستحباب و الكراهة، فلا يحتاج الى دليل معتبر، بل يكفي فيه الخبر الضعيف، و فتوى الفقيه، و الاجماع المنقول، و الشهرة، و ما أشبه ذلك.

____________

(1)- الاقبال: ص 627، فلاح السائل: ص 12.

(2)- المحاسن: ص 25 (بالمعنى) و نظير ذلك في الوسائل ج 1 ص 81 ب 18 ح 185.

45

و أخرى بما تقدّم في أوامر الاحتياط من أنّ قصد القربة مأخوذ في الفعل المأمور به بهذه الأخبار، فلا يجوز أن تكون هي المصحّحة لفعله فيختصّ موردها بصورة تحقق الاستحباب و كون البالغ هو الثواب الخاصّ فهو المتسامح فيه دون أصل شرعيّة الفعل.

____________

(و) يورد عليه تارة (اخرى: بما تقدّم) من الدور الذي ذكرناه‏ (في أوامر الاحتياط: من أنّ قصد القربة مأخوذ في الفعل المأمور به بهذه الأخبار، فلا يجوز أن تكون) الأخبار (هي المصحّحة لفعله) أي: لفعل محتمل العبادة، لأنّه يستلزم الدّور، فانّه لا قربة قبل أخبار « «من بلغ»» لأنه لا أمر؛ فاذا لم يكن أمر لا يكون قربة، فأخبار « «من بلغ»» تأتي بالقربة مع أن القربة يلزم أن تكون قبل هذه الأخبار، اذ القربة مأخوذة في موضوع هذه الأخبار، فهذه الأخبار متوقفة على وجود الموضوع و جزء من الموضوع هو القربة، و القربة تتوقف على هذه الأخبار، فهذه الأخبار تتوقف على هذه الأخبار، و هو دور على ما تقدّم تقريبه.

و عليه: (فيختص موردها) أي: مورد أخبار «من بلغ» (بصورة تحقق الاستحباب) من قبل، كما ورد: «صلّ صلاة الأعرابي» (و كون البالغ هو الثواب الخاص) بدليل آخر بأن قال بعد رواية صلّ صلاة الأعرابي: «من صلّى صلاة الأعرابي فله قصر في الجنة» (فهو) أي: ثبوت الثواب الخاص و هو القصر في الجنة في المثال يكون‏ (المتسامح فيه) فانّ اللّه سبحانه و تعالى يعطي القصر و ان لم يكن هذا الحديث: له قصر في الجنة، قاله رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).

هذا هو المتسامح فيه‏ (دون أصل شرعيّة الفعل) فانّ شرعيّة الفعل لا تثبت‏

46

و ثالثة بظهورها فيما بلغ فيه الثواب المحض لا العقاب محضا أو مع الثواب.

لكن يردّ هذا منع الظهور مع إطلاق الخبر، و يردّ ما قبله ما تقدّم في أوامر الاحتياط.

____________

بأحاديث «من بلغ»، و انّما الثواب يثبت بأحاديث «من بلغ» فلا يمكن أن يكون أحاديث «من بلغ» دليلا على استحباب ما ورد فيه خبر ضعيف أو فتوى فقيه.

(و) يورد عليه تارة (ثالثة): بأنّ هناك في «من بلغ» ثلاثة أقسام من الخبر الضعيف، و فتوى الفقيه، و ما أشبه:

الأوّل: ما قال: من صلّى صلاة الاعرابي- مثلا- فله قصر في الجنة، أو قال:

صلّ صلاة الاعرابي- مثلا-.

الثاني: ما قال: من ترك السواك- مثلا- فعليه عقاب كذا.

الثالث: ما قال: من صلّى صلاة الليل- مثلا- فله ثواب كذا، و من تركها فله عقاب كذا.

هذا، بينما الايراد الثالث يقول: انّ حديث «من بلغ» يشمل القسم الأوّل فقط، لأنّ ظاهره ما أثبت الثواب، أو قال: ائت بكذا ممّا لازمه: انّ فيه الثواب و ذلك‏ (بظهورها) أي: ظهور أخبار «من بلغ» (فيما بلغ فيه الثواب المحض، لا العقاب محضا، أو مع الثواب) فكيف يقول الفقهاء بأن أخبار «من بلغ» تشمل الأقسام الثلاثة كلها؟.

(لكن يردّ هذا) الايراد الثالث‏ (منع الظهور مع اطلاق الخبر) قوله: «منع»، فاعل قوله: «يرد» أي: انّ خبر «من بلغ» مطلق يشمل الأقسام الثلاثة، فلا وجه لادعاء ظهور الخبر المذكور في خصوص «ما بلغ»، من الثواب المحض، دون‏

47

و أمّا الايراد الأوّل، فالانصاف أنّه لا يخلو عن وجه، لأنّ الظاهر من هذه الأخبار كون العمل متفرعا على البلوغ و كونه الداعي على العمل.

____________

العقاب محضا، أو مع الثواب.

كما (و يردّ ما قبله) أي: ما قبل الايراد الثالث من الايرادين الآخرين‏ (ما تقدّم في أوامر الاحتياط): من انّ موضوع هذه الأخبار هو الهيكل فقط من دون قصد القربة، فاذا انضم إليه الخبر الدال على ثبوت الثواب فيه، المستلزم للأمر به، يصير خيرا حقيقيا، فيمكن اتيانه بنية امتثال هذا الأمر.

(و أمّا الايراد الاوّل) الذي ذكره المصنّف بقوله قبل صفحتين: «و ان كان يورد عليه تارة بانّ ثبوت الاجر لا يدلّ على الاستحباب الشرعي» (فالانصاف انّه لا يخلو عن وجه) و ذلك لأن أوامر «من بلغ» للارشاد، فلا يثبت الاستحباب الشرعي‏ (لأنّ الظاهر من هذه الأخبار كون العمل متفرّعا على البلوغ و كونه) أي:

البلوغ هو (الدّاعي على العمل).

و عليه: فالبلوغ ليس مستند العمل و انّما الأمر العقلي هو مستند العمل، و البلوغ ارشاد اليه، فانّ الأمر لمّا كان للإرشاد- لدلالة العقل على الاتيان بما يحتمل كونه أمر المولى لأنّه انقياد- كان الأمر الارشادي مستند العمل لا أدلة «من بلغ»، اذ هنا احتمالان:

الأوّل: انّ يثبت بأخبار «من بلغ» أصل الثواب، و هذا ممّا يدل عليه العقل لأنّه انقياد فلا حاجة الى أخبار «من بلغ».

الثاني: أن يثبت بأخبار «من بلغ» خصوصية الثواب: كقصر في الجنة و نحوه، و هذا و ان لم يثبت بالعقل لأنّ العقل لا يدل على الخصوصية، و انّما يدل على أصل ثواب الانقياد، الّا انّ الخصوصيات تفضّل ملزوم للأمر الارشادي‏

48

و يؤيّده تقييد العمل في غير واحد من تلك الأخبار بطلب قول النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و التماس الثواب الموعود، و من المعلوم أنّ العقل مستقلّ باستحقاق هذا العامل المدح و الثواب، و حينئذ:

____________

كما في قوله تعالى: مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها (1) فيكون حاصل من ذلك: انّ اخبار «من بلغ» لا تكون الّا ارشادا، و الارشاد لا يثبت الاستحباب الذي ذكره المشهور.

هذا، و قد أشار المصنّف الى الاحتمال الأوّل بقوله فيما يأتي: فانّ كان الثابت في هذه الأخبار أصل الثواب، كما و أشار الى الاحتمال الثاني بقوله: و ان كان الثابت بهذه الأخبار خصوص الثواب البالغ.

(و يؤيّده:) أي: يؤيد انّ المراد من اخبار «من بلغ»: اتيان محتمل العبادة احتياطا، فيكون طاعة حكمية لا طاعة حقيقية حتى يترتب عليه الثواب و يكون الثواب كاشفا عن الاستحباب بدليل «الإن» (تقييد العمل في غير واحد من تلك الأخبار) أي: أخبار «من بلغ» (بطلب قول النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و التماس الثواب الموعود) فهذه الأخبار واردة في موارد إمكان الاحتياط و لا تدل على أن اتيان المحتمل بداعي الأمر يترتب عليه ثواب الامتثال.

(و من المعلوم: انّ العقل مستقلّ باستحقاق هذا العامل المدح و الثواب) لأنّه انقياد و المنقاد عقلا مثاب، لأنّه ممدوح، و مدح الشارع هو ثوابه، كما انّ مدح العقل هو تحسينه.

(و حينئذ) أي: حين كان الثواب ثواب الانقياد لا ثواب الاستحباب الكاشف‏

____________

(1)- سورة الانعام: الآية 160.

49

فان كان الثابت في هذه الأخبار أصل الثواب كانت مؤكّدة لحكم العقل بالاستحقاق.

و أمّا طلب الشارع لهذا الفعل: فان كان على وجه الارشاد لأجل تحصيل هذا الثواب الموعود

____________

عن الأمر نقول: (فان كان الثابت في هذه الأخبار أصل الثواب) بأن يكون أخبار «من بلغ» دالّا على أن من يعمل بالشي‏ء يصيب في الجملة ثوابا (كانت) أخبار «من بلغ» (مؤكدة لحكم العقل بالاستحقاق) لأنّ العقل يدل على الاستحقاق الانقيادي و الشرع أكد ذلك، فيكون أوامر الشرع إرشادية، و الأوامر الارشادية لا تثبت الاستحباب، و حيث ثبت أصل الثواب نقول:

ان أريد كشف الأمر الارشادي بسبب هذا الثواب فهو تام، لكن الأمر الارشادي لا يثبت الاستحباب الذي يقول به المشهور، لأنّ المشهور يقولون: بأن أوامر «من بلغ» تثبت الاستحباب، بينما هي مثل: أَطِيعُوا اللَّهَ* (1) فانّه أمر ارشادي و ليس بمستحب أو واجب اذ لو كان: أَطِيعُوا اللَّهَ* مستحبا أو واجبا لكان له ثواب، فيلزم أن يكون لمن صلّى ثوابان: ثواب الصلاة، و ثواب الاطاعة، و هذا ما لا يقولون به.

و ان اريد كشف الأمر المولوي من أصل الثواب قلنا: انّ أصل الثواب ليس كاشفا عن الأمر المولوي لما عرفت: من انّ الثواب محقق بسبب الانقياد.

و الى هذين الوجهين أشار المصنّف بقوله: (و أما طلب الشارع لهذا الفعل، فان كان على وجه الارشاد لأجل تحصيل هذا الثواب الموعود) بسبب الاطاعة

____________

(1)- سورة النساء: الآية 59، سورة آل عمران: الآية 32 و الآية 132، سورة المائدة: الآية 92.

50

فهو لازم للاستحقاق المذكور و هو عين الأمر بالاحتياط.

و إن كان على وجه الطلب الشرعيّ المعبّر عنه بالاستحباب فهو غير لازم للحكم بتنجّز الثواب، لأنّ هذا الحكم تصديق لحكم العقل بتنجّزه، فيشبه قوله تعالى:

وَ مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي*

،

____________

الحكمية (فهو) حقّ، و (لازم للاستحقاق المذكور) فانّ العقل إذا حكم بالثواب ارشد الشرع اليه‏ (و هو عين الأمر بالاحتياط) فانّ أمر الاحتياط يثاب عليه بما انّه انقياد لا لأنّه أمر مولوي.

(و ان كان على وجه الطلب الشرعي) المولوي‏ (المعبّر عنه بالاستحباب، فهو غير لازم للحكم بتنجز الثواب) أي: انّ أوامر الاحتياط لا تدلّ على وجود الطلب الشرعي المولوي حتى يثبت الاستحباب بذلك، لأنّه لا يستلزم الأمر المولوي تنجز الثواب حتى نقول: كلّما تحقق الثواب تحقق الأمر المولوي، و ذلك‏ (لأن هذا الحكم) أي: حكم الشارع بتنجز الثواب حسب ما يستفاد من أخبار «من بلغ» (تصديق لحكم العقل بتنجزه) أي: بتنجز الثواب، فانّ العقل يقول بتنجز الثواب بسبب الانقياد، فيكون الأمر الشرعي إرشادا و لا يكون أمرا مولويا.

و عليه: (فيشبه) أمر «من بلغ» (قوله تعالى: وَ مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي) مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ (1) و ذلك من حيث أنّ الأمر بالاطاعة فيه أمر ارشادي الى نيل الثواب، و كذا يكون الأمر في اخبار «من بلغ» أمر ارشادي الى الثواب.

____________

(1)- سورة النساء: الآية 13.

51

إلّا أنّ هذا وعد على الاطاعة الحقيقيّة، و ما نحن فيه وعد على الاطاعة الحكميّة، و هو الفعل الذي يعدّ معه العبد في حكم المطيع، فهو من باب وعد الثواب على نيّة الخير التي يعدّ معها العبد في حكم المطيع من حيث الانقياد.

____________

(الّا أنّ هذا وعد) للثواب‏ (على الاطاعة الحقيقية) و هي اطاعة اللّه و الرسول‏ (و ما نحن فيه) من أوامر «من بلغ» (وعد) للثواب‏ (على الاطاعة الحكمية) و الفرق بين الطاعة الحقيقية و الطاعة الحكمية: انّ الطاعة الحقيقية متيقنة كصلاة الظهر، بينما الطاعة الحكمية محتملة مثل أوامر «من بلغ».

ثم انّه عرّف الطاعة الحكمية بقوله: (و هو الفعل الذي يعدّ معه العبد في حكم المطيع) فانّ الانسان إذا صلّى يكون مطيعا حقيقيا، أمّا إذا عمل حسب أخبار «من بلغ» يكون في حكم المطيع، لاحتمال أن لا يكون هنالك واقع للشي‏ء الذي اثبتته أخبار «من بلغ».

إذن: (فهو) أي: وعد الثواب على الفعل الثابت بسبب أخبار «من بلغ» (من باب وعد الثواب على نية الخير، التي يعدّ معها العبد في حكم المطيع من حيث الانقياد) فالثواب الذي يناله ثواب انقياد و ليس ثواب إطاعة.

انّ قلت: انّ اخبار «من بلغ» اثبتت الثواب، و الثواب كاشف عن الأمر المولوي؛ فاذا قال المولى: من سرّح لحيته كان له قصر في الجنّة- مثلا- دلّ هذا الثواب على وجود الأمر بتسريح اللحية، فكذلك بالنسبة الى أخبار «من بلغ» فانها تثبت الثواب، و الثواب يدل على وجود الأمر المولوي، و اذا كان هناك امر مولوي كان الاستحباب.

52

و أمّا ما يتوّهم من: «أنّ استفادة الاستحباب الشرعي فيما نحن فيه.

نظير استفادة الاستحباب الشرعيّ من الأخبار الواردة في الموارد الكثيرة المقتصر فيها على ذكر الثواب للعمل، مثل قوله (عليه السلام): «من سرّح لحيته فله كذا»، مدفوع: بأنّ‏

____________

و الى هذا الاشكال اشار المصنّف بقوله:

(و أما ما يتوهم:) أي: في تقرير دلالة أخبار «من بلغ» على الاستحباب الشرعي الذي يقول به المشهور (من أنّ استفادة الاستحباب الشرعي فيما نحن فيه) أي: في باب «من بلغ» (نظير استفادة الاستحباب الشرعي من الأخبار الواردة في الموارد الكثيرة المقتصر فيها على ذكر الثواب للعمل) بدون الأمر بتلك الأشياء يعني: انّ مجرد وجود الثواب كاشف عن الأمر (مثل قوله (عليه السلام): من سرّح لحيته فله كذا) (1) من الأجر، فانّ الاستحباب كما يستفاد من الأمر، كذلك يستفاد من وجود الثواب، ففي قوله: «من سرّح لحيته»، يستفاد الأمر من وجود الثواب، فكذا وجود الثواب في أخبار «من بلغ» يكشف عن وجود الأمر فيها.

هذا التوهم‏ (مدفوع: بأنّ) ترتب الثواب على قسمين:

الأوّل: ترتبه على الأمر، و هذا يكون أمرا مولويا.

الثاني: ترتبه على احتمال الأمر، و هذا يكون أمرا ارشاديا.

أما قوله: «من سرّح لحيته»، فقد رتّب الثواب على الأمر أي: تسريح اللحية فكأنّه قال: تسريح اللحية له ثواب كذا، بخلاف أخبار «من بلغ» فانّه رتّب الثواب‏

____________

(1)- الكافي (فروع): ج 6 ص 489 ح 10، من لا يحضره الفقيه: ج 1 ص 128 ح 321، وسائل الشيعة:

ج 2 ص 126 ب 76 ح 169 و في الجميع (بالمعنى)، بحار الانوار: ج 76 ص 117 ب 15 ح 4.

53

الاستفادة هناك باعتبار أنّ ترتّب الثواب لا يكون إلّا مع الاطاعة حقيقة أو حكما.

فمرجع تلك الأخبار إلى بيان الثواب على إطاعة اللّه سبحانه بهذا الفعل، فهي تكشف عن تعلّق الأمر بها من الشارع،

____________

على احتمال الأمر حيث قال (عليه السلام): «التماس ذلك» (1) و قال (عليه السلام): «طلب قول النبيّ» (2)، ففرق بين الثواب في قوله: «من سرّح»، الكاشف عن الأمر المولوي، و بين الثواب في قوله: «طلب قول النبي»، الكاشف عن الأمر الارشادي.

و انّما يكون هذا التوهم مدفوعا، لانّه كما قال: (الاستفادة هناك) فيما ذكر فيه الثواب‏ (باعتبار انّ ترتّب الثواب لا يكون إلّا مع الاطاعة حقيقة أو حكما).

و معلوم: ان الاطاعة الحقيقة في الأوامر، و الاطاعة الحكمية في مورد الانقياد في مثل أخبار «من بلغ»، و حيث كان قوله: «من سرّح لحيته فله كذا» (3) من القسم الأوّل، كان تسريح اللحية مأمورا به، بخلاف «من بلغه ثواب على عمل» فانّه من القسم الثاني، فتكون طاعة حكمية، و الطاعة الحكمية لا تكشف عن الأمر.

إذن: (فمرجع تلك الأخبار) أي: أخبار «من سرّح لحيته»، و ما أشبه‏ (الى بيان الثواب على اطاعة اللّه سبحانه بهذا الفعل، فهي) أي: هذه الأخبار الواردة في مثل: تسريح اللحية (تكشف عن تعلّق الأمر) المولوي‏ (بها) أي: بتلك الأفعال من قبيل تسريح اللحية (من الشارع) الجار متعلق بقوله: «الأمر».

____________

(1)- الاقبال: ص 627، فلاح السائل: ص 12.

(2)- المحاسن: ص 25 (بالمعنى)، وسائل الشيعة: ج 1 ص 81 ب 18 ح 185.

(3)- الكافي (فروع): ج 6 ص 489 ح 10، من لا يحضره الفقيه: ج 1 ص 128 ح 321، وسائل الشيعة: ج 2 ص 126 ب 76 ح 1 (بالمعنى)، بحار الانوار: ج 76 ص 117 ب 15 ح 4.

54

فالثواب هناك لازم للأمر يستدلّ به عليه استدلالا إنيّا، و مثل ذلك استفادة الوجوب و التحريم ممّا اقتصر فيه على ذكر العقاب على الترك أو الفعل.

و أمّا الثواب الموعود في هذه الأخبار فهو باعتبار الاطاعة الحكميّة،

____________

و عليه: (فالثواب هناك) في مثل قوله: «من سرّح لحيته» (لازم للأمر يستدل به) أي: بوجود الثواب‏ (عليه)، أي: على وجود الأمر (استدلالا إنّيا) و هو الانتقال من المعلوم الى العلة كالاستدلال من الدخان على وجود النار، فاذا ترتب الثواب على الفعل، يكون الثواب دليلا على الأمر و ان لم يكن أمر، بأن لم يقل الشارع: سرّح لحيتك، و انّما قال: من سرّح لحيته كان له كذا.

(و مثل ذلك) أي: مثل استفادة الأمر المولوي و الاستحباب ممّا ذكر فيه الثواب‏ (استفادة الوجوب و التحريم ممّا) أي: من الأدلة التي‏ (اقتصر فيه على ذكر العقاب على الترك) بأن قال: «من ترك الحكم بما أنزل الله قذف به في النار» (أو) اقتصر فيه على ذكر العقاب على‏ (الفعل) بأن قال: «من أكل الربا ملأ الله بطنه من النار» (1)، فانه يكشف بدليل الإنّ عن وجود الأمر المولوي بالوجوب في الأوّل، و الحرمة في الثاني.

(و أما الثواب) عطف على قوله: «فالثواب هناك»: (الموعود في هذه الأخبار) أي: أخبار التسامح‏ (فهو باعتبار الاطاعة الحكميّة) لأنّ هذه الأخبار لم تقل: انّ الثواب مترتّب على الشي‏ء الفلاني، بل تقول:

الثواب مترتّب على الالتماس و الطلب، و من الواضح: انّ الالتماس و الطلب احتمال.

____________

(1)- اعلام الدين: ص 416، جامع الاخبار: ص 145، وسائل الشيعة: ج 18 ص 122 ب 1 ح 23284.