الوصائل إلى الرسائل‏ - ج9

- السيد محمد الحسيني الشيرازي المزيد...
400 /
5

[تتمة المقصد الثالث‏]

[تتمة المقام الأول‏]

[تتمة الموضع الثاني‏]

[تتمة المطلب الأول‏]

[تتمة المقام الأول في الشبهة المحصورة]

الخامس:

لو اضطر إلى ارتكاب بعض المحتملات، فان كان بعضا معينا، فالظاهر عدم وجوب الاجتناب عن الباقي إن كان الاضطرار قبل العلم الاجمالي أو معه، لرجوعه إلى عدم تنجّز التكليف بالاجتناب عن الحرام‏

____________

[تتمة التنبيهات‏]

[الخامس لو اضطر إلى ارتكاب بعض المحتملات‏]

(الخامس) من التنبيهات: (لو اضطر إلى ارتكاب بعض المحتملات) من اطراف الشبهة المحصورة، فانه قد يكون الاضطرار إلى البعض المعيّن، كما لو كان أحد المشتبهين لبنا و الآخر ماء و اضطر الى اللبن لأنه- مثلا- قد تسمّم و أمره الطبيب بشرب اللبن حيث يكون الاضطرار هنا الى المعيّن و قد يكون الاضطرار إلى البعض غير المعيّن: كما لو كان كلا المشتبهين لبنا حيث لا يختلف اضطراره إلى هذا أو إلى ذاك، فيكون الاضطرار إلى غير المعيّن.

و عليه: (فان كان) المضطر اليه‏ (بعضا معينا) كما مثّلنا له‏ (فالظاهر: عدم وجوب الاجتناب عن الباقي) فيجوز ارتكاب الجميع.

أمّا اللبن: فلأنه مضطر إليه.

و أمّا الماء: فلأنّه لا تكليف منجّز بالنسبة إليه تفصيلا و لا اجمالا.

هذا، فيما (ان كان الاضطرار قبل العلم الاجمالي أو معه) بأن اضطر إلى شرب اللبن ثم علم بأن احد الإناءين من اللبن أو الماء نجس، أو كان اضطراره و علمه بنجاسة أحدهما في وقت واحد.

و انّما قلنا بعدم وجوب الاجتناب عن الباقي و هو الماء في المثال‏ (لرجوعه) أي: لرجوع الأمر في هذا المثال‏ (إلى عدم تنجّز التكليف بالاجتناب عن الحرام‏

6

الواقعي، لاحتمال كون المحرّم هو المضطرّ إليه، و قد عرفت توضيحه في الأمر المتقدّم.

و ان كان بعده، فالظاهر وجوب الاجتناب عن الآخر، لانّ الإذن في ترك بعض المقدّمات العلميّة

____________

الواقعي) و ذلك‏ (لاحتمال كون المحرّم هو المضطرّ إليه) فيرتفع التكليف بالنسبة الى المضطر اليه و هو اللبن، و يبقى الماء مشكوك النجاسة، فيكون من الشبهة البدوية و هو مجرى البراءة.

هذا (و قد عرفت توضيحه في الأمر) الثالث من التنبيهات في البحث‏ (المتقدّم) حيث ذكرنا هناك: إنّ التكليف بالاجتناب عن المشتبهين انّما يتنجّز إذا كان كلّ من المشتبهين بحيث لو فرض القطع بكونه الحرام كان التكليف منجزا.

و أمّا إذا كان أحدهما كذلك دون الآخر، و ذلك اما للاضطرار أو لخروجه عن محل الابتلاء، أو لعدم انفعاله كما في مثال الكرّ و الاناء، فلا يتنجز التكليف فيه بالاجتناب لأنّ المفروض خروج أحدهما عن كونه كذلك و يبقى الآخر مشكوكا بالشك البدوي فتجري فيه البراءة.

هذا كله إذا كان الاضطرار إلى المعيّن قبل العلم الاجمالي أو مع العلم الاجمالي‏ (و) أما (ان كان) الاضطرار الى المعيّن‏ (بعده) أي: بعد العلم الاجمالي، بان علم بنجاسة احد المشتبهين من الماء أو اللبن، ثم اضطر إلى اللبن‏ (فالظاهر:

وجوب الاجتناب عن الآخر) و هو الماء في المثال.

و انّما يجب الاجتناب عن الآخر (لانّ الإذن في ترك بعض المقدّمات العلميّة

7

بعد ملاحظة وجوب الاجتناب عن الحرام الواقعي يرجع إلى اكتفاء الشارع في امتثال ذلك التكليف بالاجتناب عن بعض المشتبهات.

و لو كان المضطرّ اليه بعضا غير معيّن وجب الاجتناب عن الباقي و إن كان الاضطرار قبل العلم الاجمالي، لأنّ العلم حاصل بحرمة واحد من‏

____________

بعد ملاحظة وجوب الاجتناب عن الحرام الواقعي) بينهما حيث قد كلّف أوّلا باجتناب الحرام الواقعي المشتبه بين اللبن و الماء، فاذا إذن له في ارتكاب اللبن لأنه صار مضطرا إليه، فهذا الاذن‏ (يرجع إلى اكتفاء الشارع في امتثال ذلك التكليف بالاجتناب عن بعض المشتبهات) لا الترخيص في كل المشتبهات.

و عليه: فانّه بعد تنجّز التكليف بالاجتناب للعلم الاجمالي بوجود النجس بين اللبن و الماء إذا أذن له بارتكاب اللبن الذي هو بعض الأطراف لم يكن وجه لسقوط التكليف عن الطرف الآخر الذي هو الماء فيبقى على وجوبه.

هذا تمام الكلام فيما إذا كان الاضطرار الى أحدهما المعيّن.

(و) أمّا (لو كان المضطرّ اليه بعضا غير معيّن) كما مثلنا له بإناءين من لبن حيث لا يختلف الحال في ان يشرب هذا أو ذاك، فانه إذا اضطر المكلّف إلى أحدهما (وجب الاجتناب عن الباقي) مطلقا سواء كان الاضطرار قبل العلم أم بعد العلم، و لهذا فسّره بقوله: (و إن كان الاضطرار قبل العلم الاجمالي) بان اضطر الى شرب أحد اللبنين أولا، ثم علم بأن أحدهما نجس، ففي كلتا الصورتين يجب الاجتناب عن الباقي.

و انّما يجب الاجتناب عن الباقي مطلقا (لأنّ العلم حاصل بحرمة واحد من‏

8

امور لو علم حرمته تفصيلا وجب الاجتناب عنه، و ترخيص بعضها على البدل موجب لاكتفاء الامر بالاجتناب عن الباقي.

فان قلت: ترخيص ترك بعض المقدّمات دليل على عدم إرادة الحرام الواقعي، و لا تكليف بما عداه، فلا مقتضي لوجوب الاجتناب عن الباقي.

قلت: المقدّمة العلميّة مقدّمة للعلم،

____________

امور لو علم حرمته تفصيلا وجب الاجتناب عنه، و) ذلك لفرض ان الاضطرار يرتفع بارتكاب ذلك البعض غير المعين، فان‏ (ترخيص بعضها على البدل موجب لاكتفاء الامر بالاجتناب عن الباقي).

و عليه: فان التكليف بالاجتناب قد تنجز فاذا أذن له بارتكاب البعض غير المعين، و كان الاجتناب عن البعض الآخر باقيا على وجوبه، اذ لا وجه لرفع اليد عنه.

(فان قلت: ترخيص) الشارع في‏ (ترك بعض المقدّمات) أذن بارتكاب المضطر إليه المعين أو غير المعين، معناه: رفع يده عن بعض المقدّمات العلمية للحرام الواقعي، و هو (دليل على عدم إرادة) الشارع اجتناب‏ (الحرام الواقعي) و ذلك للملازمة بين ارادة الشارع اجتناب الحرام الواقعي و وجوب المقدّمات.

(و) عليه فاذا كان الترخيص في البعض ملازما لعدم التكليف بالواقع، فلا تكليف رأسا، اذ (لا تكليف بما عداه) أي: بما عدا الحرام الواقعي، و حينئذ (فلا مقتضي لوجوب الاجتناب عن الباقي) فمن اين قلتم بوجوب اجتناب الباقي؟.

(قلت: المقدمّة العلميّة مقدّمة للعلم) أي: مقدمة لعلم المكلّف بانّه قد اجتنب عن الحرام الواقعي و ليست المقدمة مقدمة لنفس اجتناب الحرام الواقعي، حتى‏

9

و اللّازم من الترخيص فيها عدم وجوب تحصيل العلم، لا عدم وجوب الاجتناب عن الحرام الواقعي رأسا.

و حيث أنّ الحاكم بوجوب تحصيل العلم هو العقل، بملاحظة تعلّق الطّلب الموجب للعقاب على المخالفة الحاصلة من ترك هذا المحتمل، كان الترخيص المذكور موجبا للأمن من‏

____________

يكون رفع اليد عن بعض المقدمات دليلا على اسقاط الشارع الحرام عن الحرمة.

(و) عليه: فانّ‏ (اللّازم من الترخيص فيها) أي: في بعض المقدمات‏ (عدم وجوب تحصيل العلم) بالاجتناب عن الحرام الواقعي‏ (لا عدم وجوب الاجتناب عن الحرام الواقعي رأسا).

إذن: فالشارع يريد اجتناب الحرام الواقعي بقدر الامكان، فيبقى الباقي على وجوبه، لانّ الاذن في ارتكاب أحدهما لا يدلّ على عدم وجوب الاجتناب رأسا، بل يدل على عدم وجوب تحصيل العلم بالاجتناب عن الحرام الواقعي و الاكتفاء بالاجتناب الظني و هو يحصل بالاجتناب عن احدهما.

هذا (و حيث انّ الحاكم بوجوب تحصيل العلم) باجتناب الحرام الواقعي المتحقق باجتناب كلا المشتبهين‏ (هو العقل بملاحظة تعلّق الطّلب) من الشارع بالاجتناب عن الحرام الواقعي‏ (الموجب للعقاب على المخالفة الحاصلة) تلك المخالفة (من ترك) اجتناب‏ (هذا المحتمل) معيّنا، أو مخيّرا بينه و بين المحتمل الآخر.

و من المعلوم: إنّ الانسان اذا ترك الاجتناب عن هذا المحتمل أو عن ذاك المحتمل، احتمل العقاب على هذه المخالفة، و لذلك‏ (كان الترخيص المذكور) من الشارع في ترك الاجتناب عن بعض المقدمات‏ (موجبا للأمن من‏

10

العقاب على المخالفة الحاصلة في ترك هذا الذي رخّص في تركه، فيثبت من ذلك تكليف متوسط بين نفي التكليف رأسا و ثبوته متعلّقا بالواقع على ما هو عليه.

و حاصله: ثبوت التكليف بالواقع من الطريق الذي رخّص الشارع في امتثاله منه،

____________

العقاب على المخالفة الحاصلة) احتمالا (في ترك) الاجتناب عن‏ (هذا الذي رخّص في تركه) الشارع فقط، دون بقية الاطراف.

و عليه: فانّ الشارع سواء رخّص في ترك المعين أو رخّص في ترك أحدهما على البدل، فانّه ينحصر احتمال العقاب في المحتمل الآخر، فيجب اجتنابه لا ان يترك الاجتناب عن كلا المشتبهين لأنّه اضطر الى أحدهما.

و الحاصل: ان احتمال الحرام الواقعي باق و العقل يرى لزوم اجتنابه، لأنّ التكليف بالاجتناب منجّز، و الخارج عن محتمل العقاب هو المضطر إليه فقط، فلا وجه لارتكاب غير المضطر إليه.

و عليه: (فيثبت من ذلك) أي: من تنجّز التكليف من جهة و إذن الشارع في ارتكاب أحدهما من جهة ثانية (تكليف متوسط بين: نفي التكليف رأسا) حتى يجوز له ارتكاب كليهما.

(و ثبوته) أي: ثبوت التكليف‏ (متعلّقا بالواقع على ما هو عليه) حتى يلزم عليه اجتناب كليهما لا، و انّما التكليف ثابت في الجملة، كما انّه منفي في الجملة لا انّ كل التكليف ثابت و لا انّ كل التكليف منفي.

(و حاصله:) أي: حاصل التكليف المتوسط هو: (ثبوت التكليف بالواقع من الطريق الذي رخّص الشارع في امتثاله) أي: امتثال ذلك الواقع‏ (منه) أي:

11

و هو ترك باقي المحتملات.

و هذا نظير جميع الطرق الشرعيّة المجعولة للتكاليف الواقعيّة، و مرجعه الى القناعة عن الواقع ببعض محتملاته معيّنا، كما في الأخذ بالحالة السابقة في الاستصحاب، أو مخيّرا

____________

من ذاك الطريق‏ (و هو ترك باقي المحتملات) غير المضطر اليها، فالمضطر إليه خارج و الباقي داخل في التكليف.

(و هذا) التكليف المتوسط لا بدع فيه، اذ هو (نظير جميع الطرق الشرعيّة المجعولة للتكاليف الواقعيّة) فان الشارع يريد التكاليف الواقعية، لكن جعل لها طرقا، فما وافق الطريق ارادة الشارع من المكلّف، و ما لم يوافقها لم يرده على نحو التنجيز، لانّ الشارع يريد الواقع الواصل لا الواقع مطلقا.

و عليه: فانّ معنى حجيّة الخبر- مثلا- انك اذا احتملت كون الشي‏ء في الواقع حراما أو حلالا، ثم قام الخبر على حليته أو حرمته، كان معنى ذلك: انّ الشارع يريد الواقع من طريق الخبر سواء وافق الخبر الواقع أم لم يوافق الواقع، و كذلك حال جميع الامور التي هي حجّة من قبل الشارع مثل: الظواهر، و الاجماع، و الشهرة المحققة، و السيرة، و غير ذلك ممّا ذكروه في محله.

(و مرجعه) أي: مرجع التكليف المتوسط (الى القناعة) من الشارع‏ (عن الواقع ببعض محتملاته) أي: محتملات الواقع‏ (معيّنا) كما لو اضطر الى أحد المشتبهين معيّنا، فانّه يأتي بذلك المشتبه المعين اضطرارا و يترك المشتبه الآخر.

و (كما في الأخذ بالحالة السابقة في الاستصحاب) و ترك ما عداها، فانّ الشارع قنع بها عن الواقع مع امكان أن يكون الواقع فيما عدا ذلك.

(أو مخيّرا) كما اذا اضطر الى أحد المشتبهين لا على التعيين، فانّ الشارع‏

12

كما في موارد التخيير.

و ممّا ذكرنا تبيّن أنّ مقتضى القاعدة عند انسداد باب العلم التفصيلي بالاحكام الشرعية و عدم وجوب تحصيل العلم الاجمالي فيها بالاحتياط،

____________

اكتفى بامتثال الواقع بترك أحد المحتملين مخيّرا و ارتكاب أحدهما من باب الاضطرار، فان كان المتروك موافقا للواقع فبها و نعمت، و ان كان مخالفا فقد جعله الشارع بدلا عن الواقع.

و (كما في موارد التخيير) بين الخبرين، أو المجتهدين، أو ما اشبه ذلك، حيث أنّ الشارع اكتفى في امتثال الواقع باختيار أحدهما.

(و ممّا ذكرنا) في وجه ترك الاحتياط في بعض أطراف العلم الاجمالي لأجل الاضطرار، و انه يلزم ان يكون الترك بقدر الاضطرار و هو لا يوجب سقوط التكليف بالنسبة الى باقي الأطراف، يرد الاشكال الى الانسداديين القائلين بأنّه اذا لم يتمكن المكلّف من جميع المحتملات يأتي بالمظنون منها فقط، مع ان مقتضى القاعدة: أن يأتي بالقدر الممكن الأعم من المظنونات.

و انّما يكون مقتضي القاعدة ذلك، لانك قد عرفت: انّ الاضطرار يرفع الحكم بقدر الاضطرار لا أكثر من ذلك، فان كانت المحتملات ألف حكم و لم يتمكن الّا من خمسمائة و كان أربعمائة منها مظنونات، فاللازم أن يأتي بالخمسمائة، و ذلك باضافة مائة من غير المظنونات أيضا بالاربعمائة المظنونات فقط.

و انّما يكون اللازم ذلك لانه قد (تبيّن أنّ مقتضى القاعدة عند انسداد باب العلم التفصيلي بالأحكام الشرعية، و عدم وجوب تحصيل العلم الاجمالي فيها) أي: في كل تلك الأحكام‏ (بالاحتياط) التام، و ذلك باتيان جميع المحتملات،

13

لمكان الحرج، أو قيام الاجماع على عدم وجوبه، أن يرجع في ما عدا البعض المرخّص في ترك الاحتياط فيه، أعني موارد الظنّ مطلقا أو في الجملة، الى الاحتياط.

مع أنّ بناء أهل الاستدلال بدليل الانسداد بعد ابطال الاحتياط و وجوب العمل بالظّن مطلقا، أو في الجملة، على الخلاف بينهم على الرجوع‏

____________

فانه لا يجب‏ (لمكان الحرج) الحاصل من الاتيان بجميع المحتملات‏ (أو) انه لا يجب لاجل‏ (قيام الاجماع على عدم وجوبه) أي: على عدم وجوب الاحتياط التام.

إذن: فالمقتضي هو: (أن يرجع) عند ذلك‏ (في ما عدا البعض المرخّص في ترك الاحتياط فيه) و المرخّص هو: ما كان مستلزما للعسر أو الخروج أو قام الاجماع على انّه لا يلزم الاحتياط فيه، كما قال:

(أعني) من المرخّص فيه: (موارد الظّن) بعدم التكليف، للحرج و ما أشبه‏ (مطلقا) حيث انه لا تكليف فيما لم يكن بمظنون سواء كان الظن قويا أم ضعيفا (أو في الجملة) بأن كان الظن بعدمه قويا، فالمرجع يكون‏ (الى الاحتياط) بالنسبة الى القدر الممكن، لا ان يترك الاحتياط الى المظنونات فقط مع ان المظنونات اقل من القدر الممكن.

هذا (مع انّ بناء أهل الاستدلال بدليل الانسداد بعد ابطال الاحتياط) التام في كل المحتملات‏ (و وجوب العمل بالظّن) في باب الاحكام‏ (مطلقا) سواء كان الظن قويا أم ضعيفا (أو في الجملة) بأن كان وجوب العمل بالظن القوي فقط، و ذلك‏ (على الخلاف بينهم) في انّ دليل الانسداد هل يوجب الاحتياط بالعمل بالظن القوي فقط، أو بالظن الأعم من القوي و الضعيف؟ هو (على الرجوع‏

14

في غير موارد الظن المعتبر الى الاصول الموجودة في تلك الموارد دون الاحتياط.

نعم، لو قام بعد بطلان وجوب الاحتياط دليل عقلي، أو إجماع على وجوب كون الظنّ مطلقا، أو في الجملة، حجّة و طريقا في الاحكام الشّرعيّة، أو منعوا أصالة وجوب الاحتياط عند الشك في المكلّف به، صحّ ما جروا عليه‏

____________

في غير موارد الظن المعتبر الى الاصول الموجودة في تلك الموارد) المشكوكة بخصوصها: من البراءة، أو الاحتياط، أو الاستصحاب، أو التخيير (دون الاحتياط) التام في كل المحتملات الذي أبطلوه.

إذن: فالانسداديون لا يقولون بلزوم الاحتياط بالقدر الممكن، لأنه اذا كانت المظنونات بالنسبة الى الميسور من الاحتياط أقل من القدر الممكن لكان ينبغي حينئذ وجوبه العمل بقدر الميسور الذي هو فوق قدر الظن، لا ان يعمل المكلّف بقدر الظن و ان كان فوق قدر الظن ميسورا.

(نعم، لو قام بعد بطلان وجوب الاحتياط) التام‏ (دليل عقلي أو اجماع على وجوب كون الظّن مطلقا) قويا كان أو ضعيفا (أو في الجملة) بأن كان خصوص الظن القوي- مثلا- (حجّة و طريقا في الاحكام الشّرعيّة) حتى يكون الظن هو محور الأخذ و الرّد و العطاء و المنع.

(أو منعوا اصالة وجوب الاحتياط عند الشك في المكلّف به) بأن أجازوا الرجوع الى البراءة ما لم يؤدّ الى المخالفة القطعية.

و حينئذ: فاذا تم أحد الامرين عند القائلين بالانسداد (صحّ ما جروا عليه) من العمل بالظن فقط دون القدر الميسور من الاحتمالات، و لكنهم لم يقيموا دليلا على ذلك.

و الحاصل: انّه اذا كان دليل العمل بالظن: عدم لزوم الحرج من العمل بكل‏

15

من الرجوع في موارد عدم وجود هذا الطريق الى الاصول الجارية في مواردها.

لكنّك خبير بأنّه لم يقم و لم يقيموا على وجوب اتّباع المظنونات إلّا بطلان الاحتياط، مع اعتراف اكثرهم بأنّه الاصل في المسألة و عدم جواز ترجيح المرجوح.

____________

المحتملات، لزم ترك ما يستلزم الحرج فقط لا ترك الأكثر، بينما الذين يوجبون العمل بالظن فقط يقولون بأنه لا يلزم سائر المحتملات غير المظنونة و ان لم يكن في الاتيان بغير المظنونة حرج.

نعم، لو كان هناك دليل على العمل بالظن فقط بعد ابطال وجوب الاحتياط في جميع المحتملات فانه يصح ما جروا عليه‏ (من الرجوع في موارد عدم وجود هذا الطريق) الظني‏ (الى الاصول الجارية في مواردها) من الاستصحاب و البراءة و غيرهما.

هنا (لكنّك خبير بأنّه لم يقم، و لم يقيموا) اي: القائلون بالانسداد (على وجوب اتّباع المظنونات إلّا) دليلين فقط، و هما كالتالي:

أولا: (بطلان الاحتياط) التام في الكل، و من المعلوم: انّه لا تلازم بين بطلان الاحتياط في الكل، و بين حجيّة المظنونات فقط (مع اعتراف اكثرهم: بانّه) اي:

الاحتياط هو (الاصل في المسألة) أي: مسألة العلم الاجمالي، فان الانسداديين يعترفون: بأن الأصل في مسألة العلم الاجمالي هو الاحتياط.

و عليه: فكيف تتركوا من ذلك الى المظنونات فقط مع انّ الاحتياط أوسع دائرة من المظنونات بعد اخراج مقدار الحرج منها؟.

(و) ثانيا: انهم لم يقيموا على وجوب اتباع المظنونات بعد بطلان الاحتياط الّا دليل‏ (عدم جواز ترجيح المرجوح) على الراجح، و ذلك بان يترك الاحتياط

16

و من المعلوم أنّ هذا لا يفيد الّا جواز مخالفة الاحتياط بموافقة الطرف الراجح في المظنون دون الموهوم، و مقتضى هذا لزوم الاحتياط في غير المظنونات.

السادس:

لو كان المشتبهات ممّا يوجد تدريجا، كما اذا كانت زوجة الرجل مضطربة في حيضها، بأن تنسى وقتها و إن حفظت عددها،

____________

لتوهم عدم التكليف أو احتمال عدمه فانه لا يجوز.

(و من المعلوم انّ هذا) الدليل‏ (لا يفيد الّا جواز مخالفة الاحتياط بموافقة الطرف الراجح في المظنون) فقط فانّه اذا كان التكليف مظنون العدم، جاز فيه مخالفة الاحتياط و تركه لموافقة الظن بعدم التكليف‏ (دون الموهوم) فانه لا يجوز ترك الاحتياط و مخالفته فيما اذا كان التكليف مشكوك العدم أو موهومه.

و عليه: فاذا دار الأمر بين المظنون و الموهوم اخذ بالمظنون و ترك الموهوم، و لكن ليس الامر كذلك في المشكوك، فان الاخذ به ليس من ترجيح المرجوح‏ (و) بذلك يكون‏ (مقتضى هذا) الدليل و سابقه هو: (لزوم الاحتياط في غير المظنونات) أيضا على ما عرفت تفصيله.

[السادس لو كان المشتبهات ممّا يوجد تدريجا]

(السادس) من التنبيهات: (لو كان المشتبهات ممّا يوجد تدريجا، كما اذا كانت زوجة الرجل مضطربة في حيضها، بأن تنسى وقتها و ان حفظت عددها) و ذلك فيما اذا كانت مبتلاة بسيلان الدم في تمام الشهر، فان بعض هذا الدم حيض و بعض هذا الدم استحاضة بلا اشكال.

17

فتعلم اجمالا أنّها حائض في الشهر ثلاثة أيام- مثلا- فهل يجب على الزوج الاجتناب عنها في تمام الشهر؟ و يجب على الزّوجة أيضا الامساك عن دخول المساجد و قراءة العزيمة تمام الشهر، أم لا؟ و كما اذا علم التاجر اجمالا بابتلائه في يومه أو شهره بمعاملة ربويّة، فهل يجب عليه الامساك عمّا لا يعرف حكمه من المعاملات في يومه أو شهره أم لا؟.

____________

و حينئذ: (فتعلم اجمالا أنّها حائض في الشهر ثلاثة أيام- مثلا-) لكنّها لا تعلم هل هو في أول الشهر، أو في وسط الشهر، أو في آخره، أو ما بين ذلك؟.

و عليه‏ (فهل يجب على الزوج الاجتناب عنها في تمام الشهر؟ و يجب على الزّوجة أيضا الامساك عن دخول المساجد و قراءة العزيمة) و مسّ كتابة القرآن و ما أشبه ذلك في‏ (تمام الشهر، أم لا) يجب؟ و هذا البحث إنّما هو لمعرفة الحكم حسب مقتضى الاصل مع غض النظر عن الدليل الخاص، فان احكام المضطربة حتى مثل هذه مذكورة في الفقه حسب الروايات، أو مراجعة الاقران، أو ما اشبه ذلك.

(و كما اذا علم التاجر اجمالا بابتلائه في يومه أو شهره بمعاملة ربويّة) أو معاملة غير جائزة كمعاملة الميتة، أو ما أشبه ذلك‏ (فهل يجب عليه الامساك عمّا لا يعرف حكمه من المعاملات) أو لم يعرف موضوعه بان يعلم انه ميتة او مذكاة، فهل يجب الامساك‏ (في يومه أو شهره أم لا) يجب عليه الامساك بل يصح له التعامل طول الشهر؟.

في المسألة احتمالات اربعة:

الأول: الامساك طول الشهر و هو مقتضى العلم الاجمالي.

؟؟؟؟؟؟؟ خروج ما عدا الموجود بالفعل عن‏

18

التحقيق أن يقال: إنّه لا فرق بين الموجودات فعلا و الموجودات تدريجا في وجوب الاجتناب عن الحرام المردّد بينهما إذا كان الابتلاء دفعة، و عدمه‏

____________

الشهر خارج عن محل الابتلاء فيجري في اول الشهر أصل البراءة بلا معارض و الجريان إنّما هو من الشك البدوي، و هكذا في بقية أيام الشهر، فيجوز حينئذ ارتكاب الجميع.

الثالث: التخيير الابتدائي أو الاستمراري في حصر الحرام بوقت خاص كأول الشهر- مثلا- و الجريان عليه او تغييره في الاشهر المتعددة، أو المعاملات المتعددة، و هو مقتضى الجمع بين حقه في التصرف و حق اللّه سبحانه تعالى في المنع.

الرابع: الارتكاب الى أن تبقي ثلاثة أيّام من الشهر، او الى ان تبقى معاملة واحدة مجهولة، حيث يحصل العلم بأن الحرام اما فيما سبق، او في هذه الاخيرة، و هو مقتضي كون العلم منجزا للتكليف.

و هناك بعض الاحتمالات الأخر مثل: القرعة و العمل بالظن، و قاعدة الانصاف في موارده، الى غير ذلك.

و لا يخفى: ان مثل هذا الأمر يأتي أيضا فيما اذا لم يقدر على القيام في الصلاة الّا في ركعة واحدة- مثلا- فهل يأتي بالركعة من قيّام أولا أو يتخيّر بينها؟ و كذا اذا لم يتمكن من صيام كل الشهر، فهل يجوز أن يفطر أوّل الشهر أو اللازم تأخير الافطار الى وقت الاضطرار؟.

(التحقيق أن يقال: إنّه لا فرق بين الموجودات فعلا) أي: المجتمعات في الزمان‏ (و الموجودات تدريجا) أي: المتفرقات في أزمنة متعددة (في وجوب الاجتناب عن الحرام المردّد بينهما إذا كان الابتلاء دفعة، و عدمه) أي: عدم كون الابتلاء دفعة بل تدريجا، فانّه لا فرق بين الابتلاء الدفعي و التدريجي في وجوب‏

19

لاتحاد المناط في وجوب الاجتناب.

نعم، قد يمنع الابتلاء دفعة في التدريجيات، كما في مثال الحيض، فانّ تنجّز تكليف الزّوج بترك وطي الحائض قبل زمان حيضها ممنوع، فانّ قول الشارع:

فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَ لا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى‏

____________

الاجتناب عن الجميع.

و انّما لا فرق بينهما (لاتحاد المناط في وجوب الاجتناب) و هو: العلم الاجمالي و فعلية التكليف على التقديرين، فانّ العقلاء لا يفرّقون في وجوب الاجتناب بين قول المولى: لا تشرب هذا الماء و تردد بين الماء في الاناء الأبيض أو الماء في الاناء الأحمر، و بين قول المولى: لا تشرب هذا الماء، و تردّد بين ان قال له: لا تشربه هذا اليوم أو لا تشربه غدا.

كما ان الشأن كذلك في وجوب الاحتياط في باب الأوامر: بأن قال له المولى:

صلّ هذا اليوم و تردّد بين الظهر أو الجمعة، أو قال له: صلّ و تردّد في انّه يجب عليه الصلاة هذا اليوم أو الصلاة غدا؟.

و كذلك الحال في القسم الثالث: و هو ما اذا كان امر و نهي و تردّد بينهما هذا اليوم، أو تردّد بينهما في كون هذا اليوم الأمر و غدا النهي- مثلا-؟.

(نعم، قد يمنع الابتلاء دفعة في التدريجيات) كمثال الحيض و ما أشبه ذلك، فيقال: بأنه لا يمكن فيها كون التكليف فعليا، لان فعلية التكليف متوقفة على فعلية المكلّف به و لا فعلية للمكلف به‏ (كما في مثال الحيض، فانّ تنجّز تكليف الزّوج بترك وطي الحائض قبل زمان حيضها ممنوع) فلا تكليف فعليّ به.

و عليه: (فانّ قول الشارع: فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَ لا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى‏

20

يَطْهُرْنَ‏

، ظاهر في وجوب الكفّ عند الابتلاء بالحائض، اذ الترك قبل الابتلاء حاصل بنفس عدم الابتلاء، فلا يطلب بهذا الخطاب، كما أنّه مختصّ بذوي الأزواج، و لا يشمل العزّاب، إلّا على وجه التعليق، فكذلك من لم يبتل بالمرأة الحائض.

و يشكل الفرق بين‏

____________

يَطْهُرْنَ‏ (1)، ظاهر في وجوب الكفّ عند الابتلاء بالحائض) لا انّه يشمل في الحال الحاضر الحيض المستقبل، فانه لا يقال للخروج في شهر شعبان: يحرم عليك الوطي و يراد بذلك الوطي في شهر رمضان.

و إنّما يكون ظاهرا في وجوب الكف عند الابتلاء (اذ الترك قبل الابتلاء حاصل بنفس عدم الابتلاء) فانّ عدم وطي المرأة قبل الحيض أمر قهري في أنه لا يكون و طيا في حال الحيض‏ (فلا يطلب بهذا الخطاب) لأنه اذا طلب كان من تحصيل الحاصل.

و الحاصل: (كما أنّه) اي: الخطاب بترك وطي الحائض‏ (مختصّ بذوي الأزواج، و) ذلك بان تكون له زوجة و هي حائض، لا الذي ليس له زوجة، أو له زوجة لكنها منقطعة- مثلا- فانه لا يشمله الخطاب بترك وطيها، و كذلك لا يشمله الخطاب بترك وطيها ان لم تكن حائضا بالفعل.

إذن: فالخطاب بترك وطي الحائض‏ (لا يشمل العزّاب إلّا على وجه التعليق) و ذلك بأن يقول ان ابتليت بزوجة حائض فاترك وطيها، فانه كما يختص الخطاب بذوي الازواج‏ (فكذلك من) تزوج و هو (لم يبتل بالمرأة الحائض) فانّه لا يشمله الخطاب: ايضا الّا على وجه التعليق.

(و) لكن اذا قلنا بعدم تنجز التكليف بالنسبة الى الحيض‏ (يشكل الفرق بين‏

____________

(1)- سورة البقرة: الآية 222.

21

هذا و بين ما اذا نذر، أو حلف في ترك الوطي في ليلة خاصة، ثم اشتبهت بين ليلتين أو أزيد.

و لكن الأظهر هنا وجوب الاحتياط، و كذا في المثال الثاني من المثالين المتقدّمين.

و حيث قلنا بعدم وجوب الاحتياط في الشبهة التدريجية، فالظاهر جواز المخالفة القطعيّة،

____________

هذا و بين ما اذا نذر أو حلف في ترك الوطي في ليلة خاصة، ثم اشتبهت بين ليلتين أو أزيد) فانّ الفقهاء يوجبون الاحتياط هنا، مع ان شبهة عدم فعلية التكليف على كل تقدير آت في النذر و الحلف ايضا.

هذا (و لكن الأظهر هنا) في باب النذر و اخويه من العهد و اليمين: (وجوب الاحتياط، و كذا في المثال الثاني من المثالين المتقدّمين) و هي مسألة حرمة الرّبا التي يبتلي بها المكلّف في عدة معاملات في يومه او في عدة أيام.

و إنّما فرّق المصنّف بين الأمرين، لأنّ وجوب الوفاء بالنذر و حرمة الربا ليسا متعلقين بزمان في الدليل الشرعي، بل هما مطلقان، مثل قوله تعالى‏ يُوفُونَ بِالنَّذْرِ (1) و قوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَ ذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا (2) بخلاف الوطي في حال الحيض، فان حرمته مقيدة بالوقت الخاص و من المعلوم:

ان المشروط لا يتقدّم على شرطه.

(و حيث قلنا بعدم وجوب الاحتياط في الشبهة التدريجية) في مثل وطي الحائض‏ (فالظاهر: جواز المخالفة القطعيّة) بالنسبة إلى الزوج و الزوجة

____________

(1)- سورة الانسان: الآية 7.

(2)- سورة البقرة: الآية 278.

22

لأنّ المفروض عدم تنجّز التكليف الواقعي بالنسبة إليه، فالواجب الرجوع في كلّ مشتبه إلى الأصل الجاري فى خصوص ذلك المشتبه اباحة و تحريما.

فيرجع في المثال الأوّل إلى استصحاب الطهر إلى أن يبقى مقدار الحيض، فيرجع فيه إلى اصالة الاباحة، لعدم جريان استصحاب الطهر.

____________

(لأنّ المفروض عدم تنجّز التكليف الواقعي بالنّسبة إليه) أي: إلى كل من الرجل و المرأة لما عرفت: من عدم كون التكليف فعليا على كل تقدير.

إذن: (فالواجب: الرّجوع في كلّ مشتبه إلى الأصل الجاري في خصوص ذلك المشتبه) و عدّ العلم الاجمالي كأن لم يكن، فلا يجب الاحتياط البعضي و لا الكلي بل يرجع الى الاصل فيه‏ (اباحة و تحريما) أي: سواء كان الاصل الجاري في خصوص ذلك المشتبه هو: الاباحة أم هو التحريم، لأنّه حيث يسقط مقتضى العلم الاجمالي يكون مسرحا للاصول.

و عليه: (فيرجع في المثال الأوّل إلى استصحاب الطهر) لليقين بالطهر أوّلا، و الشك في المحيض لا حقا، فتتم أركان الاستصحاب فيجري الطهر، (إلى أن يبقى مقدار الحيض) و هو الأيام الأخيرة من الشهر (فيرجع فيه) اي: في ذلك المقدار الباقي‏ (إلى اصالة الاباحة) لا الى اصالة الطهارة و ذلك‏ (لعدم جريان استصحاب الطهر) لليقين بارتفاع الطهر اما بالدم السابق أو بهذا الدم، و مثل هذا لا يكون مجالا للاستصحاب.

و كذا لا يجري استصحاب الحيض ايضا لعدم اليقين بالحيض، كما انه لا يكفي استصحاب الطهر الى بقاء مقدار الحيض، حتى نحكم بكون الباقي حيضا، لان هذا من اللوازم العقلية، و اللوازم العقلية لا تثبت بالاستصحاب كما حقّق في محله.

23

و في المثال الثاني الى أصالة الاباحة و الفساد، فيحكم في كلّ معاملة يشكّ فى كونها ربويّة بعدم استحقاق العقاب على ايقاع عقدها، و عدم ترتّب الأثر عليها، لأنّ فساد الرّبا ليس دائرا مدار الحكم التكليفي، و لذا يفسد في حق القاصر بالجهل‏

____________

(و) يرجع‏ (في المثال الثاني) و هو مثال الربا من حيث التكليف‏ (الى اصالة الاباحة) حيث نشك في ان هذا العمل حرام أو حلال فالاصل الاباحة.

(و) يرجع من حيث الوضع إلى أصالة (الفساد) من جهة الشك في الصحة و الفساد الوضعيين، و الاصل عدم تحقّق المعاملة حتى يقوم الدليل على تحققها، فانّ المعاملة أمر حادث اذا شك فيها فالاصل عدمها.

و عليه: (فيحكم في كلّ معاملة يشكّ في كونها ربويّة بعدم استحقاق العقاب على ايقاع عقدها) من حيث التكليف، لجريان اصالة الاباحة (و عدم ترتّب الأثر عليها) من حيث الوضع فتكون كأن لم تكن.

و انّما يحكم بذلك‏ (لأنّ فساد الرّبا ليس دائرا مدار الحكم التكليفي) حتى اذا قلنا بالاباحة نقول بالصحة، و اذا قلنا بالحرمة نقول بالفساد، فانّ فساد المعاملة ليس من لوازم حرمتها، كما ان صحة المعاملة ليست من لوازم اباحتها، و لهذا نقول بصحة المعاملة وقت النداء و ان كانت حراما.

هذا و قد تحقق في باب النواهي: ان تحريم المعاملة لا يدل على فسادها، و كذلك العكس بالعكس، لان كل واحد من الصحة و الفساد، و الاباحة و الحرمة حكم مستقل مستفاد من الدليل، فلا تلازم بينهما.

(و لذا) اي: لاجل ما ذكرناه: من ان فساد الربا ليس دائرا مدار الحرمة (يفسد) الربا و لا يحرم‏ (في حق القاصر بالجهل) اي: اذا كان لا يعرف حرمته لجهله جهلا

24

و النسيان و الصغر على وجه، و ليس هنا مورد التمسّك بعموم صحّة العقود و إن قلنا بجواز التمسّك بالعام عند الشّكّ في مصداق ما خرج عنه؛

____________

قصوريا (و النسيان و الصغر على وجه) و هو- كما قال به بعض- مبني على عدم كون الصغر مانعا عن صحة المعاملات.

و عليه: فاذا تعامل الصغير بالربا فسدت معاملته، لكن لم تحرم عليه، فان بين الفساد و الحرمة عموم من وجه، فقد يحرم و يفسد كمن عقد على أمّه عالما عامدا، فان نفس الصيغة محرّم اجرائها، و قد يحرم و لا يفسد كالبيع وقت النداء، و قد يفسد و لا يحرم كالبيع الربوي للجاهل و المكره و الناسي و ما اشبه حسب ما يستفاد من الأدلة.

لا يقال: كيف تقولون بأنّ كل واحد من المعاملات التدريجية المحتملة للربا مباحة، لكنها فاسدة من جهة استصحاب عدم انعقاد المعاملة مع ان المشهور: انّ الاصل في المعاملات المشكوك صحتها: الصحة لا الفساد، و ذلك لانه يشمله عموم: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (1) و لا يعلم بالاستثناء فيه للشك في كونه ربا، فهو حينئذ من التمسك بالعام فيما اذا كانت شبهة مصداقية بالنسبة الى الخاص و هو الاستثناء.

لأنّا نقول: هنا مورد التمسك باستصحاب البطلان لا بعموم «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» (و) ذلك لانّه‏ (ليس هنا مورد التّمسّك بعموم صحة العقود و ان قلنا بجواز التّمسّك بالعام عند الشّكّ في مصداق ما خرج عنه) مثل ما اذا قال المولى: اكرم العلماء و قال: لا تكرم الفساق منهم، ثم شك في فرد انه فاسق ام لا مع علمنا بانه عالم، فانه يتمسك فيه بأكرم العلماء، لانّ دخوله في اكرم العلماء مقطوع به‏

____________

(1)- سورة المائدة: الآية 1.

25

للعلم بخروج بعض الشّبهات التدريجيّة عن العموم لفرض العلم بفساد بعضها، فيسقط العام عن الظهور بالنّسبة إليها و يجب الرجوع إلى اصالة الفساد.

اللّهم إلّا أنّ يقال: أنّ العلم الاجمالي بين المشتبهات التدريجيّة، كما لا يقدح فى اجراء الاصول العمليّة فيها، كذلك لا يقدح في الاصول اللفظيّة،

____________

و خروجه بسبب الفسق مشكوك.

و إنّما قلنا: انه ليس هنا مورد التمسك بعموم صحة العقود (للعلم بخروج بعض الشّبهات التّدريجيّة عن العموم) علما اجماليا، فالمقام من قبيل اكرم العلماء و لا تكرم الفساق منهم، ثم علمنا بان زيدا أو عمرا فاسق فانّه لا يجوز التمسك باكرم العلماء لاكرامهما لانه نعلم بخروج أحدهما.

و إنّما نعلم بخروج بعض الشبهات التدريجية من العموم‏ (لفرض العلم بفساد بعضها) اي: بفساد بعض هذه المعاملات التدريجية (فيسقط العام عن الظهور بالنّسبة إليها) اي: الى تلك المشتبهات التي نعلم اجمالا بوجوب الربا في بعضها (و يجب الرجوع إلى اصالة الفساد) فانه اذا سقط العام يكون المرجع الاصول، و الاصول هنا هو: استصحاب الفساد.

(اللّهم إلّا أنّ يقال: انّ العلم الاجمالي بين المشتبهات التدريجيّة كما لا يقدح في اجراء الاصول العمليّة فيها) على ما ذكرناه‏ (كذلك لا يقدح في) اجراء (الاصول اللّفظيّة) ايضا، لانّ المانع عن التمسك بالعام انّما يكون اذا كانت الاطراف دفعية مثل المثال السابق و هو ما لو قال: اكرم العلماء و لا تكرم الفساق ثم علمنا ان زيدا أو عمرا فاسق؛ لا فيما اذا كانت الافراد تدريجيّة كالمعاملة الربوية في المثال.

26

فيمكن التّمسك فيما نحن فيه لصحّة كلّ واحد من المشتبهات بأصالة العموم، لكنّ الظاهر الفرق بين الاصول اللفظية و العمليّة، فتأمّل.

السابع:

قد عرفت أنّ المانع من إجراء الاصل في كلّ من المشتبهين بالشبهة المحصورة هو العلم الاجمالي بالتّكليف المعلّق بالمكلّف، و

____________

و عليه: (فيمكن التّمسك فيما نحن فيه) من المعاملات التدريجية (لصحّة كلّ واحد من المشتبهات بأصالة العموم) و من المعلوم: انّ أصالة العموم مقدمة على الاستصحاب، لان الاصل أصيل حيث لا دليل.

(لكنّ الظاهر: الفرق بين الاصول اللفظية) فلا تجري في اطراف الشبهة (و العمليّة) فتجري في أطراف الشبهة.

قال بعض المحشين في وجه الفرق: ان مبنى الاصول اللفظية على فهم العرف و امضاء الشارع لهم في فهمهم و هم متوقفون من العمل بالعموم في امثال المقام، بخلاف الاصول العملية فانها تدور مدار عدم الفرق.

(فتأمّل) و لعله اشارة الى عدم الفرق، اذ الفرق المذكور غير تام، فانه كما لا تجري الاصول اللّفظية في أطراف العلم الاجمالي المخصص للعام لاجل العلم الاجمالي، كذلك لا تجري الاصول العملية لاجل العلم الاجمالي ايضا، فانّ العلم الاجمالي مانع عن جريان كلّ من الاصول، لفظية كانت أو عملية.

[السابع في حكم الخنثى المشكل‏]

(السابع) من التنبيهات: (قد عرفت: انّ المانع من اجراء الاصل في كلّ من المشتبهين) أو المشتبهات‏ (بالشبهة المحصورة هو: العلم الاجمالي بالتّكليف المعلّق بالمكلّف، و) ذلك لما مرّ: من تنجّز التكليف بسبب العلم، سواء كان‏

27

هذا العلم قد ينشأ عن اشتباه المكلّف به، كما في المشتبه بالخمر، أو النجس أو غيرهما، و قد يكون من جهة اشتباه المكلّف، كما في الخنثى العالم إجمالا بحرمة أحد لباسي الرجل و المرأة عليه.

و هذا من قبيل ما إذا علم انّ هذا الاناء خمر، أو أنّ هذا الثوب مغصوب.

و قد عرفت في الأمر الأوّل انّه لا فرق بين الخطاب الواحد المعلوم‏

____________

العلم اجماليا أم تفصيليا، و يدل على ذلك العقل الحاكم بوجوب دفع الضرر المحتمل في كل واحد منهما، و الشرع الآمر بالاحتياط فيها.

ثم ان‏ (هذا العلم قد ينشأ عن اشتباه المكلّف به، كما في المشتبه بالخمر، أو النجس أو غيرهما) بأن علم- مثلا- أنّ احد الإناءين خمر، أو أنّ احدهما نجس، أو أنّ احدهما إمّا خمر و إمّا نجس، الى غير ذلك.

(و قد يكون من جهة اشتباه المكلّف، كما في الخنثى العالم اجمالا بحرمة أحد لباسي الرجل و المرأة عليه) و ذلك حسب قول المشهور، حيث قالوا:

بانه يحرم على الرجل لباس المرأة، و يحرم على المرأة لباس الرجل، و هذا الخنثى يعلم بحرمة احد اللباسين عليه، لانه يعلم بتوجه خطاب اليه: بأن لا تلبس ملابس النساء، أو لا تلبسي ملابس الرجال، فيجب عليه الاحتياط بترك اللباسين.

(و هذا) في الخنثى‏ (من قبيل ما إذا علم انّ هذا الاناء خمر، أو انّ هذا الثوب مغصوب) لما مرّ: من انه لا يلزم وحدة نوع التكليف، فان نوع تكليف المرأة غير نوع تكليف الرجل، لكن بعد العلم الاجمالي بأحد التكليفين يكون الواجب على الخنثى الاجتناب عنهما، كما قال:

(و قد عرفت في الأمر الأوّل: انّه لا فرق) عقلا (بين الخطاب الواحد المعلوم‏

28

وجود موضوعه بين المشتبهين و بين الخطابين المعلوم وجود موضوع أحدهما بين المشتبهين.

و على هذا، فيحرم على الخنثى كشف كلّ من قبليه، لأنّ أحدهما عورة قطعا، و التكلّم مع الرجال و النّساء إلا لضرورة، و كذا استماع صوتهما، و ان جاز للرجال و النساء استماع صوتها

____________

وجود موضوعه بين المشتبهين) كالخمر الدائرة بين احد الإناءين‏ (و بين الخطابين المعلوم وجود موضوع أحدهما بين المشتبهين) كالخمر و الغصب الّذين يعلم المكلّف وجود احدهما في موضوع واحد أو في موضوعين.

(و على هذا، فيحرم على الخنثى كشف كلّ من قبليه) سواء الرجولية منها أم الانوثية لمن يتخذه زوجا أو زوجة، لانّ الرجل يحرم كشف قبله للرجال لا لزوجته، و المرأة يحرم كشف قبلها للنساء، لا لزوجها، و الخنثى يعلم اجمالا بأنه مكلّف بأحدهما.

إذن: فلا يجوز للخنثى كشف كل من قبليه لكل من الرجل و ان اتخذه زوجا، و للمرأة و ان اتخذه زوجة (لأنّ أحدهما عورة قطعا) فيعلم اجمالا يتوجه واحد من خطابي: يَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ‏ (1) و يَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَ‏ (2) اليه.

(و) يحرم ايضا (التكلّم) اي: تكلم الخنثى‏ (مع الرجال و النّساء إلا لضرورة) ان قلنا بحرمته، لكن المشهور على عدم الحرمة، و يدل عليه: تكلم النساء مع الرسول و الائمة (عليهم السلام) و تكلمهم معهن.

(و كذا) يحرم على الخنثى‏ (استماع صوتهما) أي صوت كل من الرجل‏

____________

(1)- سورة النور: الآية 30.

(2)- سورة النور: الآية 31.

29

بل النظر إليها، لاصالة الحلّ، بناء على عدم العموم في آية الغضّ للرجال، و عدم جواز التمسّك بعموم آية حرمة إبداء الزينة على النساء،

____________

و المرأة ان قلنا بالحرمة، و لكن الشهور لا يقولون بالحرمة ايضا.

هذا بالنسبة الى تكليف الخنثى، و أمّا تكليف الآخرين بالنسبة الى الخنثى، فكما قال: (و ان جاز للرجال و النساء استماع صوتها بل النظر إليها لاصالة الحلّ) و ذلك لانهما بالنسبة الى الخنثى كواجدى المني في الثوب المشترك، فانّ الرجال لا يعلمون انّ الخنثى امراة، و النساء لا يعلمن انه رجل؛ و لذا كان لكل واحد من الرجل و المرأة اجراء اصل الحل بالنسبة الى استماع صوت الخنثى و النظر اليه.

ثم انّ المصنّف جاء بلفظ «بل» الاضرابية، لانّ جواز نظر كل من الرجل و المرأة الى الخنثى محل كلام، امّا بالنسبة للرجل: فلانه اذا قلنا بعموم قوله تعالى:

يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ‏ لكل منظور اليه الّا ما خرج، حرم نظر الرجل الى الخنثى، لانه لا يعلم، بخروج الخنثى، امّا اذا قلنا بأن الآية ليست بهذا الصدد، و ذلك‏ (بناء على عدم العموم في آية الغضّ للرجال) فلا تشمل النظر الى الخنثى، اذ القدر المتيقن من دلالة الآية حرمة نظر الرجل الى النساء الاجنبيّات، فيكون الاصل في النظر بالنسبة الى الخنثى هو الحلية.

(و) اما بالنسبة للمرأة: فلانه أيضا لا يجوز لها النظر الى الخنثى الّا بناء على‏ (عدم جواز التمسّك بعموم آية حرمة إبداء الزينة) و اظهارها للخنثى‏ (على النساء) فان قوله تعالى: لا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَ‏ (1) معناه: لا يبدين زينتهن للرجال، و لا تعلم المرأة ان الخنثى رجل فيجوز لها ابداء الزينة للخنثى، و اذا جاز لها ذلك جاز لها النظر الى الخنثى أيضا.

____________

(1)- سورة النور: الآية 31.

30

لاشتباه مصادق المخصّص.

____________

و الحاصل: لا يقال: ان النظر لكل من الرجال و المرأة الى الخنثى غير جائز، امّا عدم جواز نظر الرجل الى الخنثى: فلعموم «يَغُضُّوا» الشامل لغضّ الرجل عن المرأة و عن الخنثى.

و امّا عدم جواز نظر المرأة الى الخنثى، فلعموم «يَغْضُضْنَ‏» على التقريب السابق في «يَغُضُّوا»، و لعموم حرمة ابداء الزينة، و ذلك بتقريب: انّ حرمة ابداء الزينة جاءت من جهة حرمة نظر المرأة الى الغير؛ فانه كلّما لم يجز لها ابداء الزينة لأحد لم يجز لها النظر اليه، و حيث ان المرأة لا يجوز لها ابداء الزينة للخنثى، فلا يجوز لها النظر اليه ايضا.

لانّه يقال: يجوز النظر لكل من الرجل و المرأة الى الخنثى.

أمّا جواز نظر الرجل الى الخنثى: فلعدم العموم في «يَغُضُّوا».

و أمّا جواز نظر للمرأة الى الخنثى: فلعدم عموم «يَغْضُضْنَ‏» و كذا لعدم جواز التمسك بعموم آية الزينة، فان آية الزينة تشمل حرمة نظر المرأة الى الرجل، للتلازم بين حرمة ابداء الزينة و حرمة نظرها اليه، امّا حرمة ابداء المرأة زينتها للخنثى، فلا تشمله حتى يكون نظرها الى الخنثى محرّما أيضا.

و انّما لا يشمل عموم آية الزينة الخنثى‏ (لاشتباه مصادق المخصّص) فانّ المرأة لا تعلم ان الخنثى رجل او امرأة و لعله امرأة، فلا يصح التمسك بالعام عندها، فيجوز لها ابداء زينتها للخنثى، كما يجوز لها النظر اليها.

هذا غاية ما وصل فهمنا اليه من كلام المصنّف في إبداء الزينة.

ثم ان الأوثق ذكر هنا نكتة في اختلاف تعبير المصنّف بين قوله «بناء على عدم العموم في آية الغض للرجال» و بين قوله «و عدم جواز التمسك بعموم‏

31

آية حرمة ابداء الزينة على النساء» من قوله سبحانه: وَ قُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ، وَ يَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ، وَ لا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا ما ظَهَرَ مِنْها، وَ لْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى‏ جُيُوبِهِنَّ، وَ لا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبائِهِنَّ أَوْ آباءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنائِهِنَّ أَوْ أَبْناءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَواتِهِنَّ أَوْ نِسائِهِنَّ، أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ ... (1) الى آخر الآية، ما لفظه:

«و لا يذهب عليك: ان الأمر بوجوب الغض للنساء كآية الأمر بغض البصر للرجال ليس له عموم، بخلاف النهي عن ابداء الزينة؛ فانّ له عموما بقرينة الاستثناء، و لذا غيّر اسلوب العبارة؛ فبنى الأمر في الآية الاولى على عدم العموم، و في هذه على عدم جواز التمسك بالعموم في المقام نظرا الى كون الشبهة مصداقية، و ظاهره: تسليم العموم هنا خاصة. و كذا قد جعل بناء الاستدلال في الاولى على الأمر بالغض، و هنا على حرمة ابداء الزينة مع الأمر بالغض أيضا، فمقتضى العموم: حرمة النظر الى النساء على كل من الرجال و النساء، و اذا انضمت اليه حرمة نظر النساء الى الرجال، كما هو مقتضى صدر الآية- لأنه و إن لم يكن له عموم كما تقدّم الّا أن هذا متيقن منه- يثبت بمقتضى صدر الآية و المستثنى منه في ذيلها: حرمة نظر كل من الرجال و النساء الى النساء، و نظر النساء الى الرجال، و قد استثنى من ذلك جواز نظر النساء الى امثالهن.

و عليه: فاذا نظرت المرأة الى الخنثى، فان كانت الخنثى مؤنثا في الواقع يكون هذا النظر حلالا، و ان كان مذكرا كان حراما، و حيث فرض تردّدها بينهما كانت الشبهة في الحكم لاجل الشبهة في مصداق موضوعه في الخارج، فلا يجوز

____________

(1)- سورة النور: الآية 31.

32

و كذا يحرم عليه التزويج و التزوّج؛ لوجوب إحراز الرجوليّة في الزوج و الانوثيّة في الزّوجة، إذ الأصل عدم تأثير العقد و وجوب حفظ الفرج.

و يمكن أن يقال بعدم توجّه الخطابات التكليفيّة المختصّة إليها، إمّا لانصرافها إلى غيرها،

____________

التمسك بالعموم حينئذ، و هذا غاية توجيه المقام» (1) الى آخر كلام الاوثق.

(و كذا) من احكام الخنثى: انه‏ (يحرم عليه التزويج و التّزوج) لانه يعلم اجمالا بحرمة احدهما عليه، و ذلك‏ (لوجوب احراز الرجوليّة في الزوج و الانوثيّة في الزّوجة، إذ الأصل) عند الشك في الموضوع يعني: رجولية الزوج أو انوثية الزوجة عدم صحة العقد، لاحتمال ان يكون العقد بين رجلين، او بين امرأتين، فالاصل‏ (عدم تأثير العقد و وجوب حفظ الفرج) فانّه لا يجوز اباحة الفرج الّا للزوجين.

ثم ان صاحب الحدائق مع انه يرى الاحتياط في الشبهة المحصورة، قال بالبراءة في مسألة الخنثى بالنسبة الى التكاليف المختصة بالرجال أو بالنساء، فلا يجب الاحتياط على الخنثى احتياطا من جهة العلم الاجمالي، و ذكر لذلك وجهين:

الاول: انصراف التكاليف المختصة الى غير الخنثى.

الثاني: اشتراط التكاليف المختصة بمن يعلم تفصيلا توجّه الخطاب اليه.

و الى الوجه الاول اشار المصنّف بقوله: (و يمكن أن يقال بعدم توجّه الخطابات التّكليفيّة المختصّة) بالرجال و النساء (إليها) اى: الى الخنثى، و ذلك‏ (امّا لانصرافها) اي: انصراف تلك الخطابات‏ (إلى غيرها) اي: الى غير الخنثى‏

____________

(1)- أوثق الوسائل: ص 342 حصول المشتبهات تدريجيا.

33

خصوصا في حكم اللباس المستنبط ممّا دلّ على حرمة تشبّه كلّ من الرجل و المرأة بالآخر، و إمّا لاشتراط التكليف بعلم المكلّف بتوجّه الخطاب اليه تفصيلا، و إن كان مردّدا بين خطابين موجّهين إليه تفصيلا، لأنّ الخطابين بشخص واحد

____________

من الاشخاص الذين هم معلوم رجولتهم أو انوثتهم، فانه هو المستفاد في النصوص لكثرة اولئك و قلّة الخناثى.

(خصوصا في حكم اللباس المستنبط ممّا دلّ على حرمة تشبه كلّ من الرجل و المرأة بالآخر) فانه منصرف الى تشبّه الرجال بالنساء و تشبّه النساء بالرجال، امّا الخناثى فلا يشملهنّ تلك الخطابات.

و أشار الى الوجه الثاني بقوله: (و امّا لاشتراط التكليف بعلم المكلّف بتوجّه الخطاب اليه تفصيلا) فانه يشترط في تنجّز التكليف ان يعلم المكلّف بأنّ الخطاب موجّه اليه، فلا يكفي أن يعلم المكلّف اجمالا بانه مخاطب إمّا بهذا الخطاب، أو بذاك الخطاب، كعلم الخنثى بتوجّه احد الخطابين اليه، فانه لا يتنجز التكليف في حقه.

و عليه: فالتكليف مشترط بالعلم بتوجه الخطاب التفصيلي الى المكلّف‏ (و إن كان) الخطاب التفصيلي الموجّه الى المكلّف‏ (مردّدا بين خطابين موجّهين إليه تفصيلا) كما اذا علم بأنّه مخاطب إمّا باجتناب الخمر و إمّا باجتناب الغصب، حيث يعلم ان هذا الاناء خمر أو غصب، فانه يعلم تفصيلا بتوجه الخطاب اليه، و ان كان متعلق الخطاب مردّدا بين الخمر و الغصب فيتنجّز التكليف عليه.

و انّما يشترط في تنجز التكليف: العلم بتوجه الخطاب التفصيلي اليه و ان كان مرددا بين خطابين، كفاية العلم بالتوجه الاجمالي‏ (لأنّ الخطابين بشخص واحد

34

بمنزلة خطاب واحد بشيئين، اذ لا فرق بين قوله: «اجتنب عن الخمر» و:

«اجتنب عن مال الغير»، و بين قوله: «اجتنب عن كليهما»، بخلاف الخطابين الموجّهين إلى صنفين يعلم المكلّف دخوله تحت أحدهما.

لكن كلّ من الدعويين خصوصا الأخيرة

____________

بمنزلة خطاب واحد بشيئين) فاذا تردّد الخطاب بين أمرين فتمسّك المكلّف بالبراءة، علم بانه خالف خطابا تفصيليا (اذ لا فرق بين قوله: «اجتنب عن الخمر» و «اجتنب عن مال الغير»، و بين قوله: «اجتنب عن كليهما»).

و عليه: فكما يجب على المكلّف الاجتناب في الصورة الثانية فيما اذا قال:

«اجتنب عن كليهما» حيث يعلم تفصيلا بتوجه الخطاب اليه، فكذلك يجب الاجتناب فيما كان الخطاب التفصيلي مردّدا بين خطابين موجّهين اليه كما في الصورة الاولى فيما اذا قال: «اجتنب عن الخمر، و اجتنب عن مال الغير» فان الخطابين الذين يعلم المكلّف توجههما اليه من الشرع يكونان بمنزلة خطاب واحد.

(بخلاف الخطابين الموجّهين إلى صنفين يعلم المكلّف دخوله تحت أحدهما) كالخنثى حيث يعلم المكلّف انه داخل إمّا تحت خطاب الرجل و إمّا تحت خطاب المرأة، فانه هنا لا يرجع الخطابان الى خطاب واحد حتى يلزم مخالفة خطاب تفصيلي فيما لو تمسك الخنثى بالبراءة فيهما.

و عليه: فهو كما اذا قال المولى: العبيد من اهل النوبة يصلّون، و العبيد من اهل الصقلية يصومون، و لا يعلم هذا العبد انه من اهل ايّ البلدين؟ فانه حيث لا يعلم بتوجه ايّ الخطابين اليه يجري البراءة من الصلاة و الصوم و لا شي‏ء عليه.

هذا (لكن كلّ من الدعويين خصوصا الأخيرة) التي ذكرها بقوله: «و امّا

35

ضعيفة جدا، فانّ دعوى عدم شمول ما دلّ على وجوب حفظ الفرج عن الزّنا و العورة عن النظر للخنثى، كما ترى.

و كذا دعوى اشتراط التكليف بالعلم بتوجّه خطاب تفصيلي، فانّ المناط في وجوب الاحتياط في الشبهة المحصورة عدم جواز إجراء أصل الاباحة في المشتبهين.

____________

لاشتراط التكليف بعلم المكلّف ...» (ضعيفة جدا، فانّ دعوى عدم شمول ما دلّ على وجوب حفظ الفرج) لكل من الرجل و الانثى‏ (عن الزّنا، و العورة عن النظر للخنثى، كما ترى).

و إنّما قال بضعف كل من الدعويين، لانه لا وجه للانصراف الذي هو أول دعويين الحدائق، فان ندرة وجود مجهول الرجولية و الانوثية و كثرة معلومهما لا يوجب الانصراف، و إنّما الذي يوجب الانصراف الى بعض الأفراد دون بعض، هو كثرة الاستعمال و هي منتفية هنا.

ثم انه لو كان ندرة الوجود سببا للانصراف لم يجب على الخنثى ايّ تكليف، لانّ التكاليف منصرفة الى الرجال و النساء من اول الصلاة الى آخر الديات على ما ذكر.

(و كذا) يكون ضعيفا (دعوى اشتراط) تنجّز (التكليف بالعلم بتوجّه خطاب تفصيلي) الى المكلّف بضميمة: ان الخنثى لا يعلم بتوجه الخطاب التفصيلي اليه ممّا ذكره في دعواه الثانية، فلا يتنجّز التكليف في حقه.

و إنّما تكون هذه الدعوى ضعيفة ايضا لانه كما قال: (فانّ المناط في وجوب الاحتياط في الشبهة المحصورة: عدم جواز اجراء أصل الاباحة في المشتبهين) و هذا هو الميزان العقلي لوجوب الاطاعة، و مناطه هو دفع الضرر المحتمل بعد

36

و هو ثابت فيما نحن فيه، ضرورة عدم جواز جريان أصالة الحلّ في كشف كلّ من قبلي الخنثى، للعلم بوجوب حفظ الفرج من النّظر و الزّنا على كلّ أحد.

فمسألة الخنثى نظير المكلّف المردّد بين كونه مسافرا أو حاضرا،

____________

حكم العقل بتنجز التكليف بالعلم الاجمالي على المكلّف‏ (و هو) أي: المناط المذكور (ثابت فيما نحن فيه) من مسألة الخنثى.

و إنّما يكون المناط وجوب الاحتياط ثابت في الخنثى‏ (ضرورة عدم جواز جريان أصالة الحلّ في كشف كلّ من قبلي الخنثى، للعلم بوجوب حفظ الفرج من النّظر و الزّنا على كلّ أحد) فان الخنثى لا يشك أبدا في انه مقصود بخطاب حفظ فرجه إمّا من باب انه رجل، و إمّا من باب انه امرأة، و من المعلوم: ان العقل مستقل بتنجّز التكليف بهذا العلم الاجمالي؛ فيجب الاحتياط: و لا يجوز له اجراء أصالة الحل.

إذن: فالمقام من قبيل أن يقول المولى: يا أيها العبيد من أهل النوبة احفظوا فروجكم، و يا أيها العبيد من اهل الصقلية احفظوا فروجكم، و لا يعلم هذا العبد انه من اهل الصقلية أو من اهل النوبة؟ فانه لا يشك في وجوب حفظ فرجه، لانّه سواء كان من هذا الصنف أو من ذاك الصنف، فقد وجب عليه حفظ الفرج بالخطابين الصادرين من المولى.

و عليه: (فمسألة الخنثى نظير المكلّف المردّد بين كونه مسافرا أو حاضرا) في وجوب جمعه بين القصر و التمام، لانّ المسافر مخاطب بالقصر، و الحاضر

37

لبعض الاشتباهات، فلا يجوز له ترك العمل بخطابيهما.

____________

مخاطب بالتمام، و التردّد بين كونه مسافرا أو حاضرا إنّما حصل له‏ (لبعض الاشتباهات) الخارجية، بأن كانت الشبهة موضوعية.

مثلا: لو لم يعلم بأن الفاصلة بين بلده و مقصده هل هي ثمانية فراسخ ام لا؟

فانّه يعلم اجمالا بتوجه واحد من خطابي الحاضر و المسافر اليه، فيكون التكليف بالصلاة منجزا عليه، لكن المكلّف به مشكوك، و الشك في المكلّف به مورد الاحتياط ان امكن الاحتياط فيه‏ (فلا يجوز له ترك العمل بخطابيهما) لما عرفت: من ان العقل يلزمه- من باب دفع الضرر المحتمل- بامتثال الخطابين.

هذا، و لكنّا ألمعنا سابقا في هذا الكتاب و في كتاب النكاح من الفقه: الى ان الخنثى المشكل ليس قسما ثالثا، فهو مكلف بأحد التكليفين بعد كونه رجلا أو امرأة.

إذن: فمختارنا هو: ان الخنثى مخيّر في ان يجعل نفسه من الرجال أو من النساء، فيجري على نفسه كل تكاليف الرجل، أو كل تكاليف المرأة.

و على غير الخنثى معاملة الخنثى حينئذ بما اختاره هو لنفسه من كونه رجلا او امرأة، و يدل عليه: «الناس مسلطون على أنفسهم» (1) و قد ذكر ذلك بعض الفقهاء، كما يظهر من مبسوط الشيخ، و لو لم نقل بذلك فلا اقل من القرعة الملحقة له بالرجال أو بالنساء.

____________

(1)- المستفاد من قوله تعالى: النَّبِيُّ أَوْلى‏ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ‏ سورة الاحزاب: الآية: 6.

38

الثامن:

انّ ظاهر كلام الأصحاب التسوية بين كون الأصل في كل واحد من المشتبهين في نفسه هو الحلّ أو الحرمة، لأنّ المفروض: عدم جريان الأصل فيهما،

____________

[الثامن انّ ظاهر كلام الأصحاب التسوية بين كون الأصل في كل واحد من المشتبهين في نفسه هو الحلّ أو الحرمة]

(الثامن:) من التنبيهات انه ربّما يتوهم: ان الرجوع الى الاحتياط الذي هو مقتضى العلم الاجمالي انّما يكون فيما اذا كان مقتضى الاصل في كل من المشتبهين- مع قطع النظر عن العلم الاجمالي- هو: الحلية، فانّ في مثل هذا المقام يجب الاحتياط بالاجتناب عنهما، كما اذا كان هناك اناءان طاهران ثم تنجس احدهما، ففي هذه الصورة يقتضي العلم الاجمالي الاحتياط عنهما.

و امّا اذا كان مقتضى الاصل في كل من المشتبهين الحرمة، فيجب اجتنابهما لا للعلم الاجمالي، بل لأصالة الحرمة فيهما، كما اذا كان هناك اناءان نجسان ثم طهّر أحدهما، فانه يستصحب نجاسة هذا الاناء و نجاسة ذاك الاناء فيجب اجتنابهما لمقتضى أصل النجاسة، لا لمقتضى العلم الاجمالي القاضي بالاحتياط.

لكن هذا التوهم ليس في محله و ذلك كما قال: (انّ ظاهر كلام الأصحاب) حيث يستدلون للاحتياط بتعارض الأصلين و تساقطهما (التسوية بين كون الأصل في كل واحد من المشتبهين في نفسه) مع قطع النظر عن العلم الاجمالي‏ (هو الحلّ) كماءين طاهرين علم بنجاسة أحدهما، و زوجتين علم بطلاق احداهما و ما أشبه ذلك. (أو الحرمة) كماءين نجسين علم بطهارة احدهما، و كامرأتين اجنبيتين علم بتزويج احداهما.

و انّما قال الاصحاب بالتسوية بين كون الاصل: الحل أو الحرمة (لأنّ المفروض: عدم جريان الأصل فيهما) اي في طرفي العلم الاجمالي في كلا

39

لأجل معارضته بالمثل، فوجوده كعدمه.

و يمكن الفرق من المجوّزين لارتكاب ما عدا مقدار الحرام و تخصيص الجواز بالصورة الأولى، و يحكمون في الثّانية بعدم جواز الارتكاب، بناء على العمل بالأصل فيهما، و لا يلزم هنا مخالفة قطعيّة في العمل،

____________

الفرعين، و ذلك‏ (لأجل معارضته بالمثل، فوجوده) أي: الاصل‏ (كعدمه) في انه لا اثر في كلا الفرعين، فيكون الاجتناب فيهما واجبا لقاعدة الاحتياط.

هذا (و يمكن الفرق من المجوّزين لارتكاب ما عدا مقدار الحرام) حيث قد تقدّم: ان بعض الفقهاء يجوّزون ارتكاب ما عدا الحرام، فاذا كان اناءان احدهما خمرا قالوا: بجواز شرب أحدهما، و اذا كانت امرأتان احداهما رضيعته قالوا بجواز التزويج باحداهما (و تخصيص) هذا (الجواز بالصورة الاولى) فقط و هو ما كان الاصل فيهما الحل.

(و) اما في الصورة الثانية: فانهم كما قال: (يحكمون في الثّانية) و هو ما كان الاصل فيهما الحرمة (بعدم جواز الارتكاب) لكل من المشتبهين.

و إنّما يكون هذا الفرق بينهما (بناء على العمل بالأصل فيهما) أي: في الصورتين لا بناء على ما يقتضيه العلم الاجمالي فيهما.

و الحاصل: القائلون بالاحتياط يقولون بالاحتياط في الصورتين: امّا القائلون بارتكاب ما عدا مقدار الحرام لدليل الاصل، فيفرّقون بين الصورتين، فيجوّزون الارتكاب لما عدا مقدار الحرام في الصورة الاولى عملا بأصالة الحل و الطهارة و يوجبون الاجتناب عن الجميع في الصورة الثانية عملا بأصالة الحرمة و النجاسة في كلا المشتبهين‏ (و) يقولون: انه‏ (لا يلزم هنا مخالفة قطعيّة في العمل) اي:

لا يلزم من اجراء الاصلين في الصورتين مخالفة عملية و ذلك واضح.

40

و لا دليل على حرمتها إذا لم يتعلق بالعمل، خصوصا إذا وافق الاحتياط.

إلّا أنّ استدلال بعض المجوّزين للارتكاب بالأخبار الدالّة على حلّية المال المختلط بالحرام، ربّما يظهر منه:

____________

هذا من حيث المخالفة العملية هنا، و أمّا من حيث المخالفة الالتزامية: فكما قال: (و لا دليل على حرمتها) اي: حرمة المخالفة (إذا لم يتعلق بالعمل) و انّما كان بالالتزام فقط، فان أحد المشتبهين و ان كان حلالا و طاهرا في الواقع الّا ان الحلال و الطاهر يجوز تركه، فاذا جاز تركه فاجراء اصالة الحرمة في كل من المشتبهين و تركهما معا لا يكون مخالفة عملية لحكم الشارع حتى يكون حراما، بل يكون مخالفة التزامية حيث لم يلتزم المكلّف بالحل و الطهارة ظاهرا، و لكن لا دليل على حرمته فيكون جائزا.

و عليه: فالمخالفة الالتزامية جائزة، كما سبق ايضا (خصوصا إذا وافق الاحتياط) كما في الصورة الثانية فانّ الأصل في كل من المشتبهين في الصورة الثانية هو: الحرمة و النجاسة فيكون العمل بالاصل فيها موافقا للاحتياط، و تكون المخالفة الالتزامية فيها أخفّ مما لم يتوافق الاصل فيه مع الاحتياط كما في الصورة الاولى، فان الاصل في كل من المشتبهين في الصورة الاولى هو: الحلية و الطهارة.

ثم إنّ قول المصنّف: «بناء»، إنّما هو في قبال ما اذا استفيد حكم الاحتياط في طرفي العلم الاجمالي من روايات الاحتياط، لا تفرّق بين المشتبهين المسبوقين بالحل و الطهارة، و بين المسبوقين بالحرمة و النجاسة، فلا يمكن لمن يستند بالروايات في باب العلم الاجمالي ان يقول بهذا التفصيل، كما قال: (إلّا أنّ استدلال بعض المجوّزين للارتكاب) لما عدا مقدار الحرام في اطراف العلم الاجمالي‏ (بالأخبار الدالّة على حليّة المال المختلط بالحرام، ربّما يظهر منه:

41

التعميم، و على التخصيص، فيخرج عن محلّ النزاع. كما لو علم بكون إحدى المرأتين أجنبيّة، أو إحدى الذّبيحتين ميتة،

____________

التعميم) في جواز ارتكاب ما عدا مقدار الحرام الى كلتا الصورتين، سواء صورة أصالة الحلية و الطهارة فيهما، ام صورة أصالة الحرمة و النجاسة فيهما، فيكون النزاع بينهما في الصورتين.

و أمّا قول المصنّف: «ربما»، فلعله اشارة الى ان مورد بعض الاخبار هو الصورة الاولى فقط، و ذلك بأن يكون مقتضى الاصل فيهما: الحل و الطهارة، كما هو اذا كان كل من المشتبهين في يد مسلم أو في سوق المسلمين و ارضهم.

هذا بناء على تعميم جواز الارتكاب لما عدا مقدار الحرام للصورتين‏ (و) اما بناء (على التخصيص) أي: تخصيص جواز الارتكاب لما عدا مقدار الحرام بالصورة الاولى، و هو: ما اذا كان الأصل في اطراف العلم الاجمالي يقتضي الحل و الطهارة فقط (فيخرج) به ما ذكر من الصورة الثانية و هي صورة كون الاصل في الاطراف يقتضي الحرمة و النجاسة (عن محلّ النزاع).

و عليه: فلا تنازع بين الفريقين في الصورة الثانية، فانّ كل من يحرّم الارتكاب أو يقول بجوازه لما عدا مقدار الحرام في الصورة الاولى، يرى في الصورة الثانية حرمة الارتكاب.

أمّا امثلة الصورة الثانية فهي‏ (كما لو علم بكون إحدى المرأتين أجنبيّة) فانّ الاصل في كل منهما هي الحرمة فيما اذا علم اجمالا بأن احداهما صارت زوجة له.

(أو إحدى الذّبيحتين ميتة) فانّ الاصل في كل من اللحمين في نفسه هو الحرمة لعدم كون الحيوان الحي مذكى، فاذا ذكّيت احدى الذبيحتين و اشتبهتا جرى اصالة الحرمة في كلا اللحمين.

42

أو أحد المالين مال الغير، أو أحد الأسيرين محقون الدّم، أو كان الاناءان معلومي النجاسة سابقا، فعلم طهارة أحدهما.

و ربّما يقال: إنّ الظاهر أنّ محلّ الكلام في المحرّمات المالية و نحوها، كالنجس، لا في الأنفس و الأعراض، فيستظهر أنّه لم يقل أحد فيها بجواز الارتكاب، لانّ المنع في مثل ذلك ضروري.

____________

(أو أحد المالين مال الغير) فانّ الاصل في كل مال: الحرمة فيما اذا كان المالان سابقا لغيره ثم صار احدهما له.

(أو أحد الأسيرين محقون الدّم) فانّ الاصل في الانسان انه محترم الدم، الّا ما خرج عن ذلك بالمحاربة و نحوها (أو كان الاناءان معلومي النجاسة سابقا فعلم طهارة أحدهما) فانّ الاصل في كل منهما في نفسه هو النجاسة.

إذن: فهذه الموارد و نحوها خارجة عن محل النزاع، اذ لا نزاع بين الفريقين:

بين من يقول بوجوب الاجتناب عن كليهما، و من يقول بوجوب الاجتناب عن مقدار الحرام منهما فقط: و انّما النزاع بينهما في صورة جريان اصل الحل و الطهارة في الاطراف فقط (و ربّما يقال) و القائل هو المحقق القمي: (إنّ الظاهر) من كلمات العلماء: (انّ محلّ الكلام) اي: كلام المجوزين في ارتكاب ما عدا مقدار الحرام و كلام المانعين انّما هو (في المحرّمات المالية و نحوها، كالنجس) و الميتة (لا في الأنفس و الأعراض) و الاموال العظيمة، فان فيها يجب الاجتناب عن جميع الاطراف، سواء كان الاصل الحلية فحرم بعضها، ام الحرمة فحلّ بعضها.

و عليه: (فيستظهر انّه لم يقل أحد فيها) أي: في الأنفس و الأعراض و الأموال العظيمة (بجواز الارتكاب) لبعض اطرافها (لانّ المنع في مثل ذلك ضروري) شرعا و عقلا.

43

التاسع:

إنّ المشتبه بأحد المشتبهين حكمه حكمهما، لأنّ مقدّمة المقدّمة مقدّمة، و هو ظاهر.

____________

و فيه نظر؛ لأنّ من يقول بجواز ارتكاب ما عدا مقدار الحرام، كلامه مطلق يشمل حتى الاعراض و الدماء، و الاموال العظيمة: فانّ القائل بجواز الارتكاب لا يفرّق بين الموارد إطلاقا.

[التاسع إنّ المشتبه بأحد المشتبهين حكمه حكمهما]

(التاسع) من التنبيهات‏ (: انّ المشتبه بأحد المشتبهين) كما اذا كان هناك اناءان أحدهما أبيض، و الآخر أحمر، ثم اشتبه الأبيض بأبيض آخر، فلم يعلم ان ايهما هو المشتبه الاصلي و ايهما هو المشتبه الفرعي، فانه يكون‏ (حكمه حكمهما) في وجوب الاجتناب.

و إنّما يكون حكمه كذلك‏ (لأنّ مقدّمة المقدّمة مقدّمة، و هو ظاهر) فان في قياس المساوات يشترط ان تكون المقدمة المطويّة صحيحة، فيصح القياس فيها، مثل: مقدمة المقدمة مقدمة، مثل: جزء الجزء جزء، و ما اشبه ذلك، بخلاف ما اذا لم تصح المقدمة المطوية مثل: الواحدة نصف الاثنين و الاثنان نصف الاربعة، فلا يصح الواحد نصف الاربعة، لعدم صحة المقدمة المطوية و هي: نصف النصف نصف.

نعم، اذا بلغ مورد الاشتباه في بعض الاطراف الى حدّ الشبهة غير المحصورة فانه لا يجب الاجتناب فيها، على ما سيأتي بحثه إن شاء اللّه تعالى‏

و الحاصل: ان العلم الاجمالي المنجّز للتكليف الذي يتوقف تحصيله على الاجتناب عن المشتبهين اذا اشتبه احد هذين المشتبهين أو كلاهما بشي‏ء آخر، فانه يتوقف حينئذ العلم بالاجتناب عنه على اجتناب كل اطراف الشبهة.

44

التنبيه العاشر: اذا اضطر المكلّف أو اكره على ارتكاب احد المشتبهين بين علمين اجماليين، فان لم يكن أحدهما أهم الى حد المنع عن النقيض كان مخيّرا بينهما، أمّا اذا كان احدهما أهم الى الحد المذكور، لزم تقديم الأهم على المهم سواء في التحريم أم في الايجاب.

و عليه: فاذا اشتبه- مثلا- خمر بين اناءين و نجس بين اناءين، فانه يجب الاجتناب عن الاربعة، لكن اذا اضطر الى ارتكاب اناء واحد منها، فاللازم اختيار ارتكاب واحد من المشتبه بالنجس، حيث ان النجس اضعف حرمة عن الخمر، بدليل: ان في شرب الخمر عمدا الحدّ، و في شرب النجس التعزير.

هذا اذا اضطرّ الى واحد من الاربعة، و اما اذا اضطرّ الى اثنين منها، فهل اللازم ارتكاب اثنين من الطرفين، او اثنين من طرف النجس فقط؟ احتمالان:

الأوّل: من جهة انه بعد الارتكاب لا يعلم بارتكاب محرّم أصلا لاحتمال انه ارتكب في كلّ من المشتبهين الحلال منه.

الثاني: من جهة ان احتمال ارتكاب الخمر يقاوم العلم بارتكاب النجس، و ربّما يكون احتمال حرام غليظ اولى بالترك من القطع بارتكاب حرام خفيف، كما اذا احتمل ان يفترسه السبع لو بقي في الصحراء، فانه اولى بالترك من الذهاب الى بيت اللصوص و هو يقطع بأنهم يجرحونه جرحا يحرم الاقدام عليه ابتداء، و هذا بحث طويل نكتفي منه بهذا القدر، و في عكس مسألة التحريم مسألة الايجاب كما لا يخفى.

هذا، و قد ذكرنا هذا التنبيه لتتميم التنبيهات عشرة كاملة، و اللّه العالم.

ثم ان المصنّف حيث انتهى من الكلام في المقام الأوّل و هو الشبهة

45

المقام الثاني في الشبهة غير المحصورة و المعروف فيها عدم وجوب الاجتناب، و يدلّ عليه، وجوه:

الأوّل:

الاجماع الظاهر المصرّح به في الرّوض عن جامع المقاصد، و ادّعاه صريحا المحقق البهبهاني في فوائده، و زاد عليه: نفي الريب فيه، و أنّ مدار المسلمين في الاعصار و الأمصار عليه،

____________

المحصورة،

[المقام الثاني في الشبهة غير المحصورة]

بدأ الكلام في‏ (المقام الثاني: في الشبهة غير المحصورة) و هذا اصطلاح اصطلحه الفقهاء على ما كثر اطراف الشبهة فيه، كما اذا اشتبه النجس الذي علم به بالمكلّف بين كل بقالي المدينة، فانه يجوز أن يشتري من بعضهم و ان كان يعلم بنجاسة احدهم.

هذا (و المعروف فيها) اي: في الشبهة غير المحصورة (: عدم وجوب الاجتناب) فلا تجب الموافقة القطعية باجتناب الجميع، أمّا المخالفة القطعية بان يشتري من الجميع: فسيأتي الكلام فيه في التنبيهات إن شاء اللّه تعالى.

(و يدلّ عليه) أي: على عدم وجوب الاجتناب في الشبهة غير المحصورة (وجوه) ذكر المصنّف منها ستة:

[الوجه الأوّل الاجماع‏]

(الأوّل: الاجماع الظاهر، المصرّح به في الرّوض) و هو روض الجنان للشهيد الثاني‏ (عن جامع المقاصد) للمحقق الثاني‏ (و ادّعاه صريحا المحقق البهبهاني في فوائده، و زاد عليه: نفي الرّيب فيه) يعني قال: انّه اجماع بلا ريب‏ (و) قال أيضا: (أنّ مدار المسلمين في الاعصار و الأمصار عليه) أي: على عدم وجوب‏

46

و تبعه في دعوى الاجماع غير واحد ممّن تأخّر عنه، و زاد بعضهم دعوى الضرورة عليه في الجملة.

و بالجملة: فنقل الاجماع مستفيض، و هو كاف في المسألة.

الثاني:

ما استدلّ به جماعة من لزوم المشقّة في الاجتناب، و لعلّ المراد به لزومه في أغلب أفراد هذه الشبهة لأغلب أفراد المكلّفين،

____________

الاجتناب في الشبهة غير المحصورة.

(و تبعه) أي: تبع البهبهاني‏ (في دعوى الاجماع غير واحد ممّن تأخّر عنه، و زاد بعضهم: دعوى الضرورة عليه في الجملة) و المراد في الضرورة ضرورة الدين، لانّ كل المسلمين مع علمهم بوجود بعض المحرمات و بعض النجاسات فيما هو محل ابتلائهم نراهم لا يرعوون عن ارتكاب بعض الاطراف.

(و بالجملة: فنقل الاجماع مستفيض، و هو كاف في المسألة) لانّ هذه الكثرة من الاجماعات توجب الظن الخاص بجواز ارتكاب بعض الاطراف.

[الوجه الثاني لزوم المشقّة في الاجتناب‏]

(الثاني: ما استدلّ به جماعة) من الفقهاء و الاصوليين‏ (من لزوم المشقّة في الاجتناب) فانه اذا اراد الانسان الاجتناب عن جميع اطراف الشبهة غير المحصورة وقع في مشقة عظيمة، لكثرة علم الانسان بالنجاسة، و الغصبية، و ما اشبه ذلك في بعض ما هو محل ابتلائه، فانه كثيرا ما يعلم الانسان بعدم التزام جميع الافراد الذين يذهب الى بيوتهم باخراج خمس اموالهم، أو بعدم التزام جميعهم بالطهارة، أو ما اشبه ذلك، فاذا قلنا بانه يجب الاجتناب لزم الحرج، و الحرج منفي في الدين‏ (و لعلّ المراد به) اي: بلزوم المشقة في الاجتناب‏ (لزومه في أغلب أفراد هذه الشبهة لأغلب أفراد المكلّفين) لا أن المراد: ان كل افراد الشبهة يكون‏

47

فيشمله عموم قوله تعالى:

يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ

و قوله تعالى:

ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ‏

بناء على أنّ المراد أنّ ما كان الغالب فيه الحرج على الغالب، فهو يرتفع عن جميع المكلّفين، حتّى من لا حرج بالنسبة إليه.

____________

في الاجتناب عنها حرج لكل افراد المكلفين، لوضوح: انه ليس كل افراد الشبهة محلا لابتلاء كل افراد المكلفين.

و حيث يلزم من اغلب افراد هذه الشبهة الحرج لأغلب افراد المكلفين‏ (فيشمله عموم قوله تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ (1) و قوله تعالى: ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ‏) (2) و قد ذكرنا معنى الآيتين فيما سبق، فلا حاجة الى تكراره، ثم انه لمّا كان مقتضى هذا الدليل:

رفع الاحتياط في الشبهات غير الحصورة التي يشق فيها الاحتياط بالنسبة الى بعض الناس، لا في كل الشبهات بالنسبة الى كل الناس، اشكلوا على هذا الدليل: بانه اخص من المدّعى، فتصدى المصنّف للجواب عنه بقوله: (بناء على أنّ المراد) من ادلة نفي الحرج هو: (أنّ ما كان الغالب فيه) اي في التكليف‏ (الحرج على الغالب) من الناس سواء كان تكليفا وجوبيا أم تحريميا، واقعيا ام ظاهريا (فهو يرتفع عن جميع المكلّفين حتّى من لا حرج بالنسبة إليه) من المكلفين.

و لهذا قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «لو لا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك» (3) مع وضوح:

____________

(1)- سورة البقرة: الآية 185.

(2)- سورة الحج: الآية 78.

(3)- الكافي (فروع): ج 3 ص 22 ح 1، غوالي اللئالي: ج 2 ص 21 ح 43، وسائل الشيعة: ج 2 ص 17 ب 3 ح 1346 و ص 19 ب 5 ح 1354.

48

و هذا المعنى و إن كان خلاف الظاهر، إلّا أنّه يتعيّن الحمل عليه، بمعونة ما ورد من إناطة الأحكام الشرعية وجودا و عدما بالعسر و اليسر الغالبين.

____________

انّ السواك لا يوجب المشقة على كل المكلفين، بل على غالب المكلفين، فالحرج على غالب المكلفين أوجب رفع وجوب السواك عن جميع المكلفين.

(و هذا المعنى و إن كان خلاف الظاهر) حيث ان المستفاد من رفع الحرج هو:

الحرج الشخصي، لا الحرج النوعي، بمعنى: ان كل من يشق عليه امتثال تكليف من التكاليف في مورد من الموارد يرتفع عنه ذلك التكليف في ذلك المورد، لا انّه مرفوع عن عامة المكلفين.

و عليه: فاذا كان في المدينة- مثلا- مائة انسان و كان الوضوء يشق على خمسة و تسعين منهم و لا يشق على الخمسة الباقين، وجب على اولئك الخمسة الوضوء، و هكذا بالنسبة الى الصلاة من قيام، و الصوم، و الغسل، و غير ذلك، حتى اشتهر بينهم: ان رفع الحرج شخصي و ليس بنوعي، سوى ما ذكره الشارع بالنص مثل: «لو لا أن أشق على أمّتي» (1) و نحوه، حيث ان المشقة النوعية فيها أوجبت رفع الشارع بنفسه التكليف عن كل المكلفين.

و عليه: (الّا انّه يتعين الحمل عليه) اي: على النوعي بالاضافة الى الشخصي أيضا (بمعونة ما ورد: من إناطة الأحكام الشرعية وجودا و عدما بالعسر و اليسر الغالبين) مثل قوله تعالى: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ، وَ مَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى‏ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ (2) فانّه‏

____________

(1)- الكافي (فروع): ج 3 ص 22 ح 1، غوالي اللئالي: ج 2 ص 21 ح 43، وسائل الشيعة: ج 2 ص 17 ب 3 ح 1346، و ص 19 ب 5 ح 1354.

(2)- سورة البقرة: الآية 185.

49

لا ريب ان الصوم في السفر و في المرض مستلزم للعسر غالبا بالنسبة الى غالب الناس، و لا كلّية له لا من جهة السفر و المرض و لا من جهة الاشخاص.

و قال سبحانه: الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَ عَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً (1) حيث رفع الحكم عن الجميع بواسطة ضعف البعض.

و في النبوي المتقدّم «لو لا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك» (2).

و في صحيحة الفضيل بن يسار: «عن ابي عبد اللّه (عليه السلام) قال: في الرجل الجنب يغتسل فينتضح من الماء في الاناء؟ فقال: لا بأس «ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ‏ (3)» (4).

و صحيحة ابي بصير: «عن ابي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن الجنب يجعل الركوة و التور فيدخل اصبعه فيه؟ قال: ان كان يده قذرة فليهرقه و ان كان لم يصبها قذر فليغسل منه، هذا ممّا قال اللّه تعالى: ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ‏ (5)» (6).

و في رواية أخرى: «عن ابي عبد اللّه (عليه السلام): انّا نسافر، فربمّا بلينا بالغدير من المطر يكون الى جانب القرية، فيكون فيه العذرة و يبول فيه الصبي، و تبول فيه الدابة و تروث؟ فقال (عليه السلام): ان عرض في قلبك منه شي‏ء فافعل هكذا- يعني‏

____________

(1)- سورة الانفال: الآية 66.

(2)- الكافي ج 3 ص 22 ح 1، غوالي اللئالي: ج 2 ص 21 ح 43، وسائل الشيعة: ج 2 ص 17 ب 3 ح 1346 و ص 19 ب 5 ح 1354.

(3)- اشارة الى سورة الحج: الآية 78.

(4)- الكافي (فروع): ج 3 ص 13 ح 7، وسائل الشيعة: ج 1 ص 212 ب 9 ح 543.

(5)- سورة الحج: الآية 78.

(6)- تهذيب الاحكام: ج 1 ص 38 ب 3 ح 42 و ص 229 ب 10 ح 44، الاستبصار ج 1 ص 20 ب 10 ح 1، وسائل الشيعة: ج 1 ص 154 ب 8 ح 385.

50

و في هذا الاستدلال نظر، لأنّ أدلّة نفي العسر و الحرج من الآيات و الروايات لا تدلّ إلّا على أنّ ما كان فيه ضيق على مكلّف، فهو مرتفع عنه.

و أمّا ارتفاع ما كان ضيقا على الأكثر عمّن هو عليه في غاية السّهولة، فليس فيه امتنان على أحد، بل فيه تفويت مصلحة التّكليف من غير تداركها بالتّسهيل.

____________

أفرج الماء بيدك ثم توضّأ- فانّ الدين ليس بمضيّق و ان اللّه عزّ و جل يقول:

ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ‏ (1)» (2).

مضافا الى قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «بعثت بالحنيفية السهلة السمحة» (3) و قول الامام (عليه السلام): «ان شيعتنا لأوسع ممّا بين ذه و ذه، و أشار بيده الى السماء و الأرض» (4) الى غيرها من الآيات و الرّوايات.

(و في هذا الاستدلال نظر، لأنّ أدلّة نفي العسر و الحرج من الآيات و الروايات) و كذا الاجماع و العقل قد وردت في مقام الامتنان، فهي‏ (لا تدل الّا على انّ ما كان فيه ضيق على مكلّف، فهو مرتفع عنه) و ذلك لانه يتدارك بمصلحة التسهيل.

(و امّا ارتفاع ما كان ضيقا على الأكثر عمّن هو) اي التكليف‏ (عليه في غاية السّهولة، فليس فيه امتنان على أحد) لانّ رفع التكليف عن الذي لا عسر فيه عليه بلا تدارك، لا امتنان فيه له و لا لغيره، فانه ليس منّة على زيد لو رفع التكليف عن عمرو، و لذلك قال: (بل فيه تفويت مصلحة التّكليف من غير تداركها بالتسهيل)

____________

(1)- سورة الحج: الآية 78.

(2)- تهذيب الاحكام: ج 1 ص 417 ب 21 ح 35، الاستبصار: ج 1 ص 22 ب 10 ح 10، وسائل الشيعة:

ج 1 ص 163 ب 9 ح 404.

(3)- الكافي (فروع): ج 5 ص 494 ح 1، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج 15 ص 144.

(4)- تأويل الآيات: ص 176، بحار الانوار: ج 60 ص 46 ب 30 ح 27 (بالمعنى).

51

و أمّا ما ورد من دوران الأحكام مدار السهولة على الأغلب، فلا ينفع فيما نحن فيه،

____________

اذ ليس الرفع تسهيلا عليه، حتى يتدارك مصلحة سقوط التكليف بمصلحة التسهيل.

مثلا: في الوضوء مصالح؛ فاذا عسر على انسان، بدّله الشارع بالتيمّم، امّا اذا لم يكن على انسان عسرا و تيمّم فاتته مصلحة الوضوء، و لم يكن في رفع الوضوء عنه تسهيلا عليه.

(و أمّا ما ورد: من) الأدلة الدالة على‏ (دوران الأحكام مدار السهولة على الأغلب، فلا ينفع فيما نحن فيه) و ذلك لان المنساق من تلك الادلة هو: بيان كيفية جعل الشارع الأحكام الكلية الواقعية.

و عليه: فانّ الشارع حين جعل الاحكام الواقعية لموضوعاتها الواقعية لاحظ عدم لزوم عسر على اغلب المكلفين في امتثالها، و شمول هذه الاخبار للشبهة غير المحصورة انّما يتمّ اذا فرض كون عنوان الشبهة غير المحصورة موضوعا بحسب الواقع لوجوب الاجتناب حتى يلاحظ حينئذ في ثبوت هذا الحكم لهذا الموضوع: عدم لزوم عسر على الأغلب في أغلب مواردها، و الحال انّ الأمر ليس كذلك، بل هذا العنوان انّما هو في كلمات العلماء لموضوعات متعدّدة قد اشتبه كل واحد منها بين أمور غير محصورة.

إذن: فجعل الشبهة غير المحصورة عنوانا في كلمات العلماء لهذه الموضوعات المتعددة، انّما هو لاجل كونه جامعا لشتات جزئيات هذه الموضوعات، ليتوصل به الى البحث عن هذه الموضوعات، الموضوعات المشتبه و ليس أكثر.

52

لأنّ الشبهة غير المحصورة ليست واقعة واحدة حكم فيها بحكم، حتى يدّعى انّ الحكم بالاحتياط في أغلب مواردها عسر على أغلب الناس، فيرتفع حكم الاحتياط فيها مطلقا، بل هي عنوان‏

____________

و على ايّ حال: فليس عنوان: الشبهة غير المحصورة من العناوين الموجودة في الآيات، أو الروايات: أو الاجماع، أو العقل، حتى يقال: بانّه كلّما حصلت شبهة غير محصورة يكون التكليف فيها مرفوعا.

هذا و من الواضح: انّه لا يلزم من امتثال هذه الاحكام المتعلقة بالموضوعات المتعدّدة عسر و حرج على الأغلب، و الّا لزم ذلك فيما لو فرض فيه العلم التفصيلي بهذه الموضوعات أيضا، و هذا ممّا لا يقول به القائلون بجواز الارتكاب في اطراف الشبهة غير المحصورة.

و الى هذا المعنى الذي ذكرناه في عدم نفع تلك الادلة لما نحن فيه اشار المصنّف: (لأنّ الشبهة غير المحصورة ليست واقعة واحدة حكم فيها بحكم) واحد مثل: ان يقول الشارع: اجتنب في الشبهة غير المحصورة أو يقول:

لا تجتنب في الشبهة غير المحصورة (حتى يدّعى: انّ الحكم بالاحتياط في أغلب مواردها عسر على أغلب الناس، فيرتفع حكم الاحتياط فيها) اي: في كل تلك الموارد (مطلقا) أي: حتى في مورد عدم الحرج و بالنسبة الى من لا حرج عليه.

(بل هي) اي: الشبهة غير المحصورة (عنوان) كلي اصطلح عليه الفقهاء و جعلوه قاعدة مصطادة مثل قاعدة: «من ملك شيئا ملك الاقرار به»، و قاعدة «الخراج بالضمان»، و قاعدة: «الفراغ»، و قاعدة: «التجاوز»، و غيرها من القواعد الفقهية المصطيدة من الروايات.

53

لموضوعات متعدّدة لأحكام متعدّدة، و المقتضي للاحتياط في كلّ موضوع هو نفس الدليل الخاصّ التحريمي الموجود في ذلك الموضوع.

و المفروض: انّ ثبوت التحريم لذلك الموضوع مسلّم،

____________

إذن: فالشبهة غير المحصورة عنوان‏ (لموضوعات متعدّدة لاحكام متعدّدة) كالخمر المشتبه بين أواني غير محصورة، و النجس المشتبه في امور غير محصورة، و الغصب المشتبه في امور غير محصورة، و الغصب المشتبه بين اشياء غير محصورة، و هكذا الى ما لا يحصى.

(و) عليه: فالشبهة غير المحصورة ليست عنوانا لموضوع واحد يقتضي الاحتياط أو لا يقتضيه، و إنّما هي عنوان لمواضيع كثيرة ذات احكام متعددة و يكون‏ (المقتضي للاحتياط في كلّ موضوع هو نفس الدليل الخاص التحريمي الموجود في ذلك الموضوع) بشخصه.

مثلا: المقتضي للاحتياط في الخمر المشتبه بين أواني غير محصورة هو نفس دليل تحريم الخمر، مثل قوله سبحانه: إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ وَ الْأَنْصابُ وَ الْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ‏ (1) و المقتضي للاحتياط في النجس المشتبه بين أمور غير محصورة هو قوله سبحانه: وَ الرُّجْزَ فَاهْجُرْ (2) و المقتضي للاحتياط في الغصب المشتبه بين امور غير محصورة هو قوله (عليه السلام): «حرمة ماله كحرمة دمه» (3) الى غير ذلك من المحرمات التي تشتبه في غير المحصور.

هذا (و المفروض: انّ ثبوت التحريم لذلك الموضوع مسلّم) للتصريح به في‏

____________

(1)- سورة المائدة: الآية 90.

(2)- سورة المدثر: الآية 5.

(3)- الكافي (اصول): ج 2 ص 359 ح 2، من لا يحضره الفقيه: ج 3 ص 569 ب 2 ح 4946 و ج 4 ص 377 ب 2 ح 5781 و ص 418 ب 2 ح 5913، مجموعة ورام: ج 2 ص 65، اعلام الدين: ص 201، تحف العقول: ص 212، تفسير القمّي: ج 1 ص 291، كنز الفوائد: ج 1 ص 216، الاختصاص: ص 342.

54

و لا يرد منه حرج على الأغلب، و أنّ الاجتناب في صورة اشتباهه ايضا في غاية اليسر، فأيّ مدخل للاخبار الواردة في انّ الحكم الشرعي يتبع الأغلب في اليسر و العسر.

____________

الآيات و الروايات و نحوهما.

(و) المفروض أيضا: انّه‏ (لا يرد منه) أي: من تحريم ذلك الموضوع‏ (حرج على الأغلب) من الناس حتى يرتفع رأسا.

(و) كذا المفروض‏ (: انّ الاجتناب في صورة اشتباهه ايضا في غاية اليسر).

إذن: فلا عسر في الاجتناب حتى يرتفع التكليف به، لانّ الغالب انّ الانسان لا يبتلى بالشبهة في اطراف غير محصورة.

نعم، لو لزم العسر أو الحرج في مورد، يرتفع وجوب الاجتناب في ذلك المورد الخاص، سواء علم بالحرام تفصيلا، كما اذا قطع بأنّ هذا بعينه خمر لكنّه اضطر الى ارتكابه، أم اشتبه بين امور محصورة؛ كما اذا كان الخمر بين اناءين اضطر لشرب احدهما؛ ام غير محصورة بأن كان الخمر مشتبها بين الوف الأواني.

و عليه: (فايّ مدخل) مع ذلك‏ (للاخبار الواردة في انّ الحكم الشرعي يتبع الأغلب في اليسر و العسر) وضعا و رفعا حتى يستدلّ بها لرفع الحكم في الشبهة غير المحصورة؟.

و ان شئت قلت: ان ظاهر ادلة نفي العسر و الحرج من الآيات و الروايات هو:

اعتبار العسر الشخصي الملحوظ بالنسبة الى احد المكلفين بالنسبة الى آحاد المسائل المبتلى بها، فتكون النسبة بينها و بين المدعى عموما من وجه.

و إنّما تكون النسبة بينهما من وجه، إذ ربّ مورد من موارد العسر لا دخل له في الشبهة غير المحصورة، و ربّ مورد من موارد الشبهة غير المحصورة لا يلزم‏