الوصائل إلى الرسائل‏ - ج13

- السيد محمد الحسيني الشيرازي المزيد...
400 /
5

[تتمة المقصد الثالث‏]

[تتمة مبحث الاستصحاب‏]

[تتمة التنبيهات في الاستصحاب‏]

و أمّا موضوعه- كالضرر المشكوك بقاؤه في المثال المتقدّم، فالذي ينبغي أن يقال فيه: أنّ الاستصحاب إن اعتبر من باب الظنّ عمل به هنا، لأنّه يظنّ الضرر بالاستصحاب، فيحمل عليه الحكم العقليّ إن كان موضوعه أعمّ من القطع و الظنّ، كمثال الضرر؛

____________

(و أمّا موضوعه) أي: استصحاب موضوع الحكم العقلي، و ذلك بان شككنا في الحكم العقلي للشك في بقاء موضوعه لاشتباه خارجي‏ (- كالضرر المشكوك بقاؤه في المثال المتقدّم) في شرب الماء المسموم، فان الاستصحاب يجري فيه بشرطين: الشرط الأوّل ما أشار إليه بقوله:

(فالذي ينبغي أن يقال فيه: أنّ الاستصحاب إن اعتبر) حجيته‏ (من باب الظنّ عمل به هنا).

و إنّما يعمل بالاستصحاب هنا ان اعتبر من باب الظن‏ (لأنّه يظنّ الضرر بالاستصحاب، فيحمل عليه الحكم العقليّ) أي: يحمل على مظنون الضرر الحكم العقلي بوجوب الاجتناب.

هذا هو الشرط الأوّل للاستصحاب هنا و الشرط الثاني هو: (إن كان موضوعه) أي: موضوع الحكم العقلي‏ (أعمّ من القطع) بالضرر (و الظنّ) به‏ (كمثال الضرر) في شرب الماء المسموم فانه لا فرق عند العقل بين القطع بالضرر، أو الظن به في وجوب الاجتناب عنه.

مثلا: ان العقل يحكم بقبح شرب الماء المسموم، فإذا شك في بقاء السم في الماء، أو انه زال عنه لتغيّر حصل في الماء بزيادة الماء، أو معالجة السم بمواد كيماوية، فانه يستصحب الضرر و يثبت القبح العقلي المستتبع للحرمة الشرعية، غير انّ جريان هذا الاستصحاب- على ما مر- مشروط بأمرين:

6

و إن اعتبر من باب التعبّد لأجل الأخبار فلا يجوز العمل به، للقطع بانتفاء حكم العقل مع الشك في الموضوع الذي كان يحكم عليه مع القطع.

____________

الأمر الأوّل: ان يكون الاستصحاب حجة من باب الظن، كما يقول به جمع من الاصوليين، لا من باب التعبد، على ما سيأتي بقوله: و ان اعتبر من باب التعبد، و إلّا فانه إذا كان الاستصحاب حجة من باب التعبد كان أصلا مثبتا، و قد عرفت: ان الأصل المثبت ليس بحجة.

الأمر الثاني: ان يكون موضوع حكم العقل أعم من مقطوع الضرر و مظنونه، فانه لو كان للقطع مدخلية في موضوع حكم العقل بوجوب الاجتناب، ارتفع الحكم بارتفاع القطع، حيث ان الحكم لا يبقى بعد ارتفاع موضوعه.

لكن لا يخفى: ان موضوع حكم العقل هو: أعم من القطع و الظن، و من الاحتمال الموهوم فيما لو كان الضرر كثيرا، و ذلك على ما تقدّم في بعض مباحث الكتاب، فإذا كان- مثلا- في كل من عشر سيارات، تنزلق سيارة واحدة فتسقط في الهوة ممّا يوجب هلاك ركابها، فان الاحتمال يكون موهوما بالنسبة إلى كل سيارة سيارة، لكن العقل يقول بلزوم الاجتناب.

هذا (و إن اعتبر) الاستصحاب‏ (من باب التعبّد لأجل الأخبار) الدالة على الاستصحاب لا من باب الظن‏ (فلا يجوز العمل به) أي: بهذا الاستصحاب‏ (للقطع بانتفاء حكم العقل مع الشك في الموضوع) الضرري‏ (الذي كان يحكم عليه مع القطع) به، يعني: ان الاستصحاب يوجب الظن بالضرر لا القطع به، و العقل يقول بلزوم الاجتناب عن الضرر المقطوع به، فالاستصحاب لا يفيد ذلك الموضوع حتى يجب الاجتناب عنه.

7

مثلا: إذا ثبت بقاء الضرر في السمّ في المثال المتقدّم بالاستصحاب، فمعنى ذلك ترتيب الآثار الشرعيّة المجعولة للضرر على مورد الشك.

و أمّا الحكم العقلي بالقبح فلا يثبت بذلك.

نعم، يثبت الحرمة الشرعية بمعنى: نهي الشارع ظاهرا لثبوتها سابقا و لو بواسطة الحكم العقلي، و لا منافاة بين انتفاء الحكم العقلي‏

____________

(مثلا: إذا ثبت بقاء الضرر في السمّ في المثال المتقدّم بالاستصحاب) بان كان سابقا سمّا، ثم شككنا في انه هل زال بواسطة أمر عدمي كضعف مفعوله بسبب مرور الزمان عليه، أو بواسطة أمر وجودي كاضافة الماء عليه أو معالجته بالمواد الكيماوية- مثلا- (فمعنى ذلك) الاستصحاب هو: (ترتيب الآثار الشرعيّة المجعولة للضرر على مورد الشك) فيحكم بوجوب الاجتناب عنه.

(و أمّا الحكم العقلي بالقبح) لشربه‏ (فلا يثبت بذلك) الاستصحاب، لعدم تحقق موضوع القبح و هو كونه مقطوع الضرر، أو مظنونه، لأن الحكم العقلي بالقبح كان مترتبا على أحدهما، و الاستصحاب من باب الاخبار لا يثبت شيئا منهما.

(نعم، يثبت) هذا الاستصحاب‏ (الحرمة الشرعية) و ذلك‏ (بمعنى: نهي الشارع ظاهرا) و قال ظاهرا، لأن الاستصحاب لا يفيد إلّا النهي الظاهري.

و إنّما يثبت بالاستصحاب الحرمة (لثبوتها) أي: الحرمة (سابقا) فالشرب منهي عنه‏ (و لو بواسطة الحكم العقلي) فانه حين كان هذا الماء مسموما و مضرّا كان العقل يحكم بقبح شربه لتحقق موضوع الحكم العقلي الذي هو القطع بالضرر أو الظن به فرضا، و لأجل هذا الحكم العقلي حكم الشرع بالحرمة من باب كلما حكم به العقل حكم به الشرع، امّا عند الشك فالشارع يتعبّدنا بابقاء الضرر،

8

و ثبوت الحكم الشرعي لأنّ عدم حكم العقل مع الشك، إنّما هو لاشتباه الموضوع عنده، و باشتباهه يشتبه الحكم الشرعي الواقعي أيضا، إلّا أنّ الشارع حكم على هذا المشتبه الحكم الواقعي بحكم ظاهريّ هي الحرمة.

و ممّا ذكرنا: من عدم جريان الاستصحاب في الحكم العقلي، يظهر ما في تمسك بعضهم لاجزاء ما فعله الناسي لجزء من العبادة أو شرطها

____________

بينما لا يحكم العقل بالقبح.

(و) ان قلت: انه إذا ارتفع الحكم العقلي الذي كان هو سبب الحكم الشرعي يلزم ان يرتفع الحكم الشرعي أيضا.

قلت: (لا منافاة بين انتفاء الحكم العقلي) لعدم موضوعه في الآن الثاني‏ (و ثبوت الحكم الشرعي) بالاستصحاب.

و إنّما لا منافاة بينهما (لأنّ عدم حكم العقل مع الشك، إنّما هو لاشتباه الموضوع عنده) أي: عند العقل، فحيث لا يتم الموضوع عند العقل لا يحكم بالقبح‏ (و باشتباهه يشتبه الحكم الشرعي الواقعي أيضا) لأن الأحكام الشرعية تابعة للمصالح و المفاسد الواقعية، و مع اشتباه الموضوع يشك في ان الحكم الشرعي باق بعد انتفاء القطع أو الظن بالضرر أو ليس بباق؟ (إلّا أنّ الشارع حكم على هذا المشتبه الحكم الواقعي) لاشتباه موضوعه‏ (بحكم ظاهريّ) تعبدا بواسطة الاستصحاب و (هي الحرمة) المستصحبة.

(و ممّا ذكرنا: من عدم جريان الاستصحاب في الحكم العقلي) بعد الشك في موضوعه‏ (يظهر ما في تمسك بعضهم لاجزاء ما فعله الناسي لجزء من العبادة أو شرطها) كما إذا نسي جزءا كالحمد، أو شرطا كالستر، ثم بعد الصلاة تذكر ذلك، فانه قال بكفاية هذه الصلاة و عدم إعادتها.

9

باستصحاب عدم التكليف الثابت حال النسيان، و ما في اعتراض بعض المعاصرين على من خصّ من القدماء و المتأخرين استصحاب حال العقل باستصحاب العدم، بانّه لا وجه للتخصيص، فانّ حكم العقل المستصحب‏

____________

و إنّما قال هذا البعض ذلك، تمسّكا منه‏ (باستصحاب عدم التكليف الثابت حال النسيان) فانه كان في حال النسيان غير مكلف، لقبح توجّه التكليف إلى العاجز عن الامتثال، و الناسي عاجز عن الامتثال، و لذلك فانه إذا تذكر بعد ذلك قال: لا يجب عليه الاعادة، لاستصحاب عدم التكليف الذي كان حال النسيان.

و إنّما ظهر ما في هذا الكلام، لأن عدم التكليف حال النسيان كان حكما عقليا، و الحكم العقلي يرتفع بارتفاع موضوعه و هو النسيان، فأدلة وجوب الصلاة مع السورة أو مع الستر تشمل هذا الشخص أيضا فيجب عليه الاعادة.

نعم، إذا كان المنسي غير الامور الخمسة المرتفعة بالنص: من القبلة، و الطهور، و الوقت، و الركوع، و السجود، فانه لا تجب فيه الاعادة للدليل الخاص لا للاستصحاب.

(و) ظهر أيضا (ما في اعتراض بعض المعاصرين) و هو صاحب الفصول‏ (على من خصّ من القدماء و المتأخرين استصحاب حال العقل باستصحاب العدم) فان جماعة من المتأخرين و ذلك تبعا لجماعة من المتقدمين قالوا: ان استصحاب حال العقل خاص باستصحاب العدم فقط، فاعترض عليهم الفصول قائلا: (بانّه لا وجه للتخصيص) باستصحاب العدم فقط.

و إنّما لا وجه للتخصيص به لأنه كما قال: (فانّ حكم العقل المستصحب‏

10

قد يكون وجوديّا تكليفيا، كاستصحاب تحريم التصرف في مال الغير، و وجوب ردّ الأمانة إذا عرض هناك ما يحتمل معه زوالهما، كالاضطرار و الخوف، أو وضعيا، كشرطيّة العلم للتكليف إذا عرض ما يوجب الشك في بقائها.

____________

قد يكون وجوديا تكليفيا، كاستصحاب تحريم التصرف في مال الغير، و) استصحاب‏ (وجوب ردّ الأمانة إذا) شك في بقاء التحريم أو الوجوب فيما إذا (عرض هناك ما يحتمل معه زوالهما) أي: زوال الوجوب و التحريم‏ (كالاضطرار) إلى التصرف في مال الغير لأجل بقاء حياته كما في المخمصة، أو بقاء حياة غيره كما في إنقاذ الغريق‏ (و الخوف) من السارق أو الغاصب في ردّ الأمانة.

(أو وضعيا) و هذا عطف على قوله «تكليفيا» (كشرطيّة العلم للتكليف إذا عرض ما يوجب الشك في بقائها) أي: بقاء الشرطية، فان صاحب الفصول قال:

بأن الأحكام العقلية هي: وجودية و عدمية، فلا وجه لانحصار استصحاب حال العقل في استصحاب العدم فقط، ثم مثّل لاثبات قوله بهذه الأمثلة الثلاثة التي عرفتها في التكليفية و الوضعية الوجودية.

و إنّما ظهر من كلام المصنّف ما في اعتراض الفصول، لأن الاستصحاب لا يجري في نفس حكم العقل إطلاقا، و ذلك لما عرفت: من ان الموضوع ان كان باقيا فالحكم باق، و ان لم يكن باقيا أو شك في بقائه و عدم بقائه فلا يجري الاستصحاب، و مراد الأصحاب من استصحاب حال العقل: استصحاب الحال التي يحكم العقل على طبقها و هو: عدم التكليف، لا الحال المستندة إلى العقل، و ذلك على ما ذكرناه مفصّلا في أوائل بحث الاستصحاب.

11

و يظهر حال المثالين الأوّلين ممّا ذكرنا سابقا، و أمّا المثال الثالث فلم يتصوّر فيه الشك في بقاء شرطية العلم للتكليف في زمان.

نعم، ربما يستصحب التكليف فيما كان المكلّف به معلوما بالتفصيل‏

____________

و عليه: فاستصحاب العدم أيضا ليس استصحابا عقليا بل هو استصحاب يطابق العقل، فان العقل إذا لم يجد الدليل يقول بعدم الحكم، لا انه يستصحب العدم.

(و) اما الأمثلة الثلاثة التي ذكرها الفصول فهي غير تامة، إذ (يظهر حال المثالين الأوّلين) أي: تحريم التصرّف في مال الغير، و وجوب ردّ الأمانة (ممّا ذكرنا سابقا): من ان موضوع حكم العقل واضح، فامّا ان يحكم بوجوب ردّ الامانة بشرط عدم الاضطرار و الخوف، فيرتفع وجوبه قطعا بعروض الاضطرار و الخوف، و امّا ان يحكم بوجوب ردّ الامانة مطلقا، فيبقى الحكم قطعا بعد عروضهما، فلا استصحاب.

و كذلك الحال في التصرّف في ملك الغير، فانه ان بقي موضوعه بقي، و ان شك في موضوعه ارتفع، فلا مجال للاستصحاب.

(و أمّا المثال الثالث) و هو الحكم الوضعي كشرطية العلم للتكليف فيما إذا عرض ما يوجب الشك في بقاء العلم شرطا للتكليف‏ (فلم يتصوّر فيه الشك في بقاء شرطية العلم للتكليف في زمان) من الأزمنة، لوضوح ان العلم شرط للتكليف في كل حال، و يكفي وجود العلم آناً ما في اشتغال الذمة بالتكليف يقينا و لزوم تحصيل البراءة اليقينية منه.

(نعم، ربما يستصحب التكليف فيما كان المكلّف به معلوما بالتفصيل) كما

12

ثم اشتبه و صار معلوما بالاجمال.

لكنّه خارج عمّا نحن فيه مع عدم جريان الاستصحاب فيه كما سننبّه عليه.

و يظهر أيضا فساد التمسك باستصحاب البراءة و الاشتغال الثابتين بقاعدتي البراءة و الاشتغال.

____________

إذا علم بوجوب الصلاة تفصيلا إلى جهة القبلة (ثم اشتبه و صار معلوما بالاجمال) بأن جهل القبلة في أيّ طرف هي، فانه إذا صلّى صلاة واحدة إلى جهة و شك في بقاء التكليف، وجب عليه الاتيان بالصلاة إلى بقية الجهات أيضا للاستصحاب.

(لكنّه) أي: هذا الاستصحاب‏ (خارج عمّا نحن فيه) لأمرين:

أولا: لأنه ليس من استصحاب حكم العقل، بل هو من استصحاب وجود التكليف، إذ بالاجمال لا يرتفع التكليف الذي قد تنجّز على المكلّف.

ثانيا: (مع عدم جريان الاستصحاب فيه) أيضا، لأنه أصل مثبت‏ (كما سننبّه عليه) أي: على انه أصل مثبت بعد أسطر من كلام المصنّف حيث يقول: لكنه لا يقضي بوجوب الاتيان بالصلاة إلى الجهة الباقية، بل يقضي بوجوب تحصيل البراءة من الواقع، لكن مجرد ذلك لا يثبت وجوب الاتيان بما يقتضي اليقين بالبراءة إلّا على القول المثبت.

(و يظهر أيضا) أي: ممّا ذكرنا: من عدم استصحاب حكم العقل يظهر (فساد التمسك باستصحاب البراءة و الاشتغال، الثابتين بقاعدتي البراءة و الاشتغال) فانه لا تستصحب البراءة، و لا يستصحب الاشتغال.

13

مثال الأوّل: ما إذا قطع بالبراءة عن وجوب غسل الجمعة و الدعاء عند رؤية الهلال قبل الشرع أو العثور عليه.

فانّ مجرد الشك في حصول الاشتغال كاف في حكم العقل بالبراءة، و لا حاجة إلى إبقاء البراءة السابقة و الحكم بعدم ارتفاعها ظاهرا.

____________

(مثال الأوّل) و هو استصحاب البراءة: (ما إذا قطع بالبراءة عن) حرمة شرب التتن قبل الشرع، فان قبل الشرع لم يكن شرب التتن حراما، و عن‏ (وجوب غسل الجمعة و الدعاء عند رؤية الهلال قبل الشرع) فانه لم يكن الغسل و الدعاء قبل الشرع واجبا، إذا لم يكن قبل الشرع حكم وجوبي أو تحريمي إطلاقا.

(أو العثور عليه) و هذا عطف على قبل الشرع يعني: انه إذا جاء الشرع و فحص المجتهد بالقدر اللازم عن حرمة شرب التتن، و عن وجوب غسل الجمعة، و عن وجوب الدعاء عند رؤية الهلال، و لم يظفر بدليل، فانه يجري البراءة في الأحكام الثلاثة، و ذلك لأن العقل كما كان يحكم بالبراءة قبل الشرع، فكذلك يحكم بالبراءة بعد الشرع ما لم يظفر بدليله أيضا لبقاء موضوع حكمه الذي هو عدم البيان، فلا شك في حكم العقل حتى نجري حكم العقل بسبب الاستصحاب.

و إنّما ظهر فساد ذلك لأنه كما قال: (فانّ مجرد الشك في حصول الاشتغال) بسبب مجي‏ء الشرع‏ (كاف في حكم العقل بالبراءة، و لا حاجة إلى إبقاء البراءة السابقة) قبل الشرع‏ (و) لا إلى‏ (الحكم بعدم ارتفاعها) أي: ارتفاع البراءة (ظاهرا) بالاستصحاب، إذا الاستصحاب يفيد الحكم الظاهري و لا حاجة لنا إلى مثل هذا الاستصحاب.

14

فلا فرق بين الحالة السابقة و اللاحقة في استقلال العقل بقبح التكليف فيهما، لكون المناط في القبح عدم العلم.

نعم، لو اريد إثبات عدم الحكم أمكن إثباته باستصحاب عدمه، لكنّ المقصود من استصحابه ليس إلّا ترتيب آثار عدم الحكم، و ليس إلّا عدم الاشتغال الذي يحكم به العقل في زمان الشك،

____________

إذن: (فلا فرق بين الحالة السابقة) قبل الشرع‏ (و اللاحقة) بعد الشرع‏ (في استقلال العقل بقبح التكليف فيهما) أي في الحالة السابقة و في الحالة اللاحقة، و ذلك‏ (لكون المناط في القبح عدم العلم) و هو حاصل في الحالتين معا: الحالة السابقة و الحالة اللاحقة أيضا، و معه لا حاجة إلى الاستصحاب.

(نعم، لو اريد إثبات عدم الحكم) لا عدم العلم بالحكم‏ (أمكن إثباته باستصحاب عدمه) أي: أمكن إثبات عدم الحكم بالاستصحاب.

إذن: فبالنسبة إلى حكم العقل بقبح العقاب من غير بيان، فانه حاصل قبل الشرع و بعد الشرع على حد سواء، فلا حاجة فيه إلى الاستصحاب، و بالنسبة إلى انه لم يكن قبل الشرع حكم و اريد إثبات انه لم يكن بعد الشرع حكم أيضا فانه بحاجة إلى الاستصحاب.

(لكنّ) هذا الاستصحاب أيضا نحن في غنى عنه، لأن‏ (المقصود من استصحابه) أي: استصحاب عدم الحكم‏ (ليس إلّا ترتيب آثار عدم الحكم، و ليس) آثار عدم الحكم‏ (إلّا عدم الاشتغال الذي يحكم به) أي: يحكم بعدم الاشتغال‏ (العقل في زمان الشك) بمجرّد الشك، فلا حاجة إلى الاستصحاب، إذ لا نفع في هذا الاستصحاب، فان أثر هذا الاستصحاب الذي هو نفي التكليف حاصل بحكم العقل المستقل بقبح العقاب، بلا بيان.

15

فهو من آثار الشك، لا المشكوك.

و مثال الثاني: إذا حكم العقل عند اشتباه المكلّف به بوجوب السورة في الصلاة و وجوب الصلاة إلى أربع جهات و وجوب الاجتناب عن كلا المشتبهين في الشبهة المحصورة، ففعل ما يحتمل معه بقاء التكليف الواقعي و سقوطه، كأن صلّى بلا سورة

____________

إذن: (فهو) أي: عدم الاشتغال‏ (من آثار الشك، لا المشكوك) فانه بمجرد الشك في التكليف يترتب عدم التكليف، بلا حاجة إلى سحب الحالة السابقة أعني: بقاء عدم الاشتغال و هو المشكوك إلى الحال اللاحقة حتى يثبت بذلك عدم التكليف.

هذا كله بالنسبة إلى مثال الأوّل و هو: استصحاب البراءة.

(و) اما بالنسبة (مثال الثاني) و هو استصحاب الاشتغال فهو: ما (إذا حكم العقل عند اشتباه المكلّف به بوجوب السورة في الصلاة) و ذلك فيما إذا لم يعلم بأن السورة في الصلاة واجبة أيضا كالفاتحة، أم لا؟.

(و) كذا ما إذا حكم العقل على‏ (وجوب الصلاة إلى أربع جهات) و ذلك في صورة اشتباه القبلة إلى جهات أربع.

(و) كذا ما إذا حكم العقل على‏ (وجوب الاجتناب عن كلا المشتبهين في الشبهة المحصورة) الجامعة للشرائط بأن كان أطرافها محل الابتلاء، و ما إلى ذلك من شرائط وجوب الاجتناب.

و عليه: فإذا حكم العقل عند اشتباه المكلّف به بالتكليف فعلا أو تركا (ففعل ما يحتمل معه بقاء التكليف الواقعي و سقوطه، كأن صلّى بلا سورة) فانه إذا كانت السورة واجبة لم يسقط التكليف، و إذا لم تكن واجبة سقط التكليف.

16

أو إلى بعض الجهات أو اجتنب أحدهما، فربما يتمسك حينئذ باستصحاب الاشتغال المتيقن سابقا.

و فيه: أنّ الحكم السابق لم يكن إلّا بحكم العقل، الحاكم بوجوب تحصيل اليقين بالبراءة عن التكليف المعلوم في زمان هو بعينه موجود في هذا الزمان.

نعم، الفرق بين هذا الزمان و الزمان السابق: حصول العلم‏

____________

(أو) صلّى‏ (إلى بعض الجهات) الأربع دون بعضها الآخر فكذلك.

(أو اجتنب أحدهما) أي: أحد الإناءين المشتبهين بالنجس دون الآخر، فيشك حينئذ في انه هل بقي التكليف الوجوبي أو التحريمي أم لا؟.

(فربما يتمسك حينئذ) أي: حين الشك في بقاء التكليف‏ (باستصحاب الاشتغال المتيقن سابقا) إذا التكليف كان سابقا متيقنا، فيشك في انه أتى به أم لا، فيستصحب بقائه.

(و فيه: أنّ الحكم السابق لم يكن إلّا بحكم العقل، الحاكم بوجوب تحصيل اليقين بالبراءة عن التكليف المعلوم في زمان) و هو الزمان الأوّل الذي لم يأت فيه بشي‏ء من المحتملات‏ (هو) أي: هذا الحكم العقلي‏ (بعينه موجود في هذا الزمان) الثاني الذي أتى فيه ببعض المحتملات، و مع وجوده لا حاجة إلى الاستصحاب.

و عليه: فان قاعدة الاشتغال الموجودة في الزمان السابق قبل الاتيان بشي‏ء من المحتملات، موجودة بنفسها في الزمان اللاحق بعد الاتيان ببعض المحتملات، فاللازم الاتيان ببقية المحتملات لقاعدة الاشتغال لا للاستصحاب.

(نعم، الفرق بين هذا الزمان) و هو اللاحق‏ (و الزمان السابق: حصول العلم‏

17

بوجود التكليف فعلا بالواقع في السابق و عدم العلم به في هذا الزمان.

و هذا لا يؤثر في حكم العقل المذكور، إذ يكفي فيه العلم بالتكليف الواقعي آناً ما.

نعم، يجري استصحاب عدم فعل الواجب الواقعي، و عدم سقوطه عنه، لكنّه لا يقضي بوجوب الاتيان بالصلاة مع السورة، و الصلاة إلى الجهة الباقية، و اجتناب المشتبه الباقي،

____________

بوجود التكليف فعلا بالواقع في السابق) لأنه قبل الاتيان بشي‏ء من المحتملات يقطع بالتكليف‏ (و عدم العلم به) أي: بوجود التكليف فعلا بالواقع‏ (في هذا الزمان) الثاني، لاحتمال ان يكون الواجب هو ما أتى به، و ان يكون المحرّم هو ما تركه.

(و) لكن‏ (هذا) الفرق‏ (لا يؤثر في حكم العقل المذكور) الذي يقول بوجوب تحصيل اليقين بالبراءة، لأنه لم يحصل اليقين بالبراءة في الزمانين لا في الزمان السابق و لا في الزمان اللاحق.

و إنّما لا يؤثر الفرق المذكور في حكم العقل بالاشتغال في الزمانين‏ (إذ يكفي فيه) أي: في حكم العقل بالاشتغال‏ (العلم بالتكليف الواقعي آناً ما) مع عدم علمه باتيان ذلك التكليف، و هذا حاصل في الزمان السابق و في الزمان اللاحق معا.

(نعم، يجري استصحاب عدم فعل الواجب الواقعي، و عدم سقوطه عنه) في الزمان الثاني‏ (لكنّه لا يقضي بوجوب الاتيان بالصلاة مع السورة، و الصلاة إلى الجهة الباقية، و اجتناب المشتبه الباقي).

و إنّما لا يقضي الاستصحاب المذكور بذلك، لانه من الأصل المثبت، و الأصل‏

18

بل يقضي بوجوب تحصيل البراءة من الواقع، لكن مجرّد ذلك لا يثبت وجوب الاتيان بما يقتضي اليقين بالبراءة، إلّا على القول بالأصل المثبت أو بضميمة حكم العقل بوجوب تحصيل اليقين، و الأوّل لا نقول به، و الثاني‏

____________

المثبت ليس بحجة فلا ينفع مثل هذا الاستصحاب إلّا لمن يرى حجية الاستصحاب المثبت أيضا.

(بل يقضي بوجوب تحصيل البراءة من الواقع) فان استصحاب عدم فعل الواجب الواقعي أثره الشرعي: بقاء الوجوب الواقعي، فيحكم العقل بوجوب طاعته و تحصيل البراءة منه، و ليس أثره الشرعي: وجوب المحتمل الآخر، لأن الملازمة بين عدم فعل الواجب الواقعي، و بين وجوب المحتمل الآخر يكون عقليا لا شرعيا، فإذا أردنا ان نثبت بالاستصحاب وجوب إتيان المحتمل الآخر كان من الأصل المثبت.

و إلى هذا المعنى أشار المصنّف حيث قال: (لكن مجرّد ذلك) أي:

الاستصحاب المذكور (لا يثبت وجوب الاتيان بما) أي: بالمحتمل الآخر فعلا أو تركا بحيث‏ (يقتضي اليقين بالبراءة، إلّا على) أحد وجهين:

الوجه الأوّل: (القول بالأصل المثبت) و الأصل المثبت ليس بحجة على ما عرفت.

الوجه الثاني: (أو بضميمة حكم العقل بوجوب تحصيل اليقين) أي: بضم قاعدة الاشتغال إلى الاستصحاب المذكور، فيثبت بهاتين القاعدتين معا وجوب المحتمل الآخر.

هذا (و) لكن كلا الوجهين غير تامين لما يلي:

اما الوجه‏ (الأوّل): و هو الأصل المثبت فلأنا (لا نقول به، و) لا بحجيته.

و اما الوجه‏ (الثاني): و هو ضم الاشتغال إلى الاستصحاب المذكور، فلأن‏

19

بعينه موجود في محلّ الشك من دون الاستصحاب.

الأمر الرابع:

قد يطلق على بعض الاستصحابات: الاستصحاب التقديري تارة و التعليقي اخرى باعتبار كون القضية المستصحبة قضية تعليقيّة حكم فيها

____________

الاشتغال‏ (بعينه موجود في محلّ الشك) على ما عرفت، فلا حاجة في ضمه إلى الاستصحاب، إذ العقل يحكم بالاشتغال‏ (من دون) حاجة إلى‏ (الاستصحاب) فلا مجال إذن للاستصحاب في المقام.

[الأمر الرابع قد يطلق على بعض الاستصحابات الاستصحاب التقديري تارة و التعليقي اخرى‏]

(الأمر الرابع) ممّا ينبغي التنبيه عليه في الاستصحاب هو: الكلام حول الاستصحاب التقديري أو التعليقي، علما بان الاستصحاب على قسمين:

الأوّل: التنجيزي.

الثاني: التعليقي، و يسمّى بالتقديري أيضا.

ذكر بعضهم: ان الاستصحاب التعليقي ليس بحجة، فأراد المصنّف هنا الاشارة إلى انه لا فرق بين قسمي الاستصحاب، فقال: (قد يطلق على بعض الاستصحابات: الاستصحاب التقديري تارة و التعليقي اخرى) و ذلك كما إذا غلا الزبيب، فانه هل يحرم كما كان يحرم إذا غلا العنب و لم يذهب ثلثاه، أم لا يحرم؟.

و إنّما يسمّى تعليقيا، لأنه يقال: لو كان عنبا و غلا لحرم، و يسمّى تقديريا، لأنه يقال: على تقدير انه كان عنبا و غلا لكان حراما.

إذن: فالتسمية (باعتبار كون القضية المستصحبة قضية تعليقيّة حكم فيها)

20

بوجود حكم على تقدير وجود آخر، فربما يتوهّم لأجل ذلك الاشكال في اعتباره بل منعه و الرجوع فيه إلى استصحاب مخالف له.

توضيح ذلك: أنّ المستصحب قد يكون أمرا موجودا في السابق بالفعل، كما إذا وجبت الصلاة فعلا، أو حرم العصير العنبي بالفعل في زمان ثم شك في بقائه و ارتفاعه،

____________

أي: في تلك القضية (بوجود حكم) كالحرمة (على تقدير وجود آخر) أي:

على تقدير كونه عنبا.

و عليه: (فربما يتوهّم لأجل ذلك) التعليق‏ (الاشكال في اعتباره) أي: اعتبار الاستصحاب التعليقي‏ (بل منعه) لأن الوجود التعليقي كالعدم، فلم يكن له حالة سابقة حتى يستصحب‏ (و الرجوع فيه) فيما إذا غلا الزبيب- مثلا- (إلى استصحاب مخالف له) أي: للاستصحاب التعليقي مثل: استصحاب الحلّية المتحققة قبل الغليان، فان الزبيب قبل الغليان حلال، فكذلك بعده.

(توضيح ذلك) أي: توضيح الاستصحاب التعليقي حتى نرى انه يصح الاستصحاب فيه أو لا يصح، فنقول: (أنّ المستصحب قد يكون أمرا موجودا في السابق بالفعل) أي: متحقق خارجا (كما إذا وجبت الصلاة فعلا، أو حرم العصير العنبي بالفعل في زمان) سابق‏ (ثم شك في بقائه و ارتفاعه).

مثلا: صلاة الجمعة- كانت واجبة زمان الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و أيام خلافة أمير المؤمنين (عليه السلام) الظاهرية، فنشك هل انها بقيت على وجوبها زمان خروج الخلافة الظاهرية عن يد المعصومين (صلوات اللّه عليهم أجمعين) كزماننا هذا، أم لا؟ أو انّ العصير العنبي كان حراما لأنه غلا في زمان سابق و لم يذهب ثلثاه، ثم طبخناه بمقدار شككنا في هذا الزمان اللاحق بانه هل بقيت حرمته أم لا؟.

21

و هذا لا إشكال في جريان الاستصحاب فيه.

و قد يكون أمرا موجودا على تقدير وجود أمر، فالمستصحب هو وجوده التعليقي، مثل: أنّ العنب كان حرمة مائه معلّقة على غليانه، فالحرمة ثابتة على تقدير الغليان، فإذا جفّ و صار زبيبا فهل يبقى بالاستصحاب حرمة مائة المعلّقة على الغليان، فيحرم عند تحقّقه أم لا، بل يستصحب الاباحة السابقة لماء الزبيب قبل الغليان.

____________

(و هذا، لا إشكال في جريان الاستصحاب فيه) عند القائلين بالاستصحاب لا النّافين له، و ذلك لتمامية أركان الاستصحاب: من اليقين السابق، و الشك اللاحق.

(و قد يكون) المستصحب‏ (أمرا موجودا على تقدير وجود أمر) آخر (فالمستصحب هو وجوده التعليقي) لا الوجود الفعلي‏ (مثل: أنّ العنب كان حرمة مائه معلّقة على غليانه) أي: ان الحرمة موجودة في ماء العنب لكن بوجود معلق لفرض انه لم يكن حرما فعليا، إذ لم يغل بعد حتى يحرم.

إذن: (فالحرمة ثابتة على تقدير الغليان، فإذا جف و صار زبيبا) شككنا في ان ماء الزبيب هل هو حرام معلقا على الغليان كما كان ماء العنب حراما معلقا على الغليان، أو لا يحرم ماء الزبيب، لأن الزبيب ليس هو عين العنب حتى يكون محكوما بحكمه لتبدّل موضوعه؟.

و عليه: (فهل يبقى بالاستصحاب حرمة مائه المعلّقة) تلك الحرمة (على الغليان، فيحرم عند تحقّقه) أي: تحقق الغليان‏ (أم لا) يحرم‏ (بل يستصحب الاباحة السابقة لماء الزبيب قبل الغليان) لأن ماء الزبيب قبل الغليان كان حلالا، فنستصحب حلّيته بعد الغليان أيضا؟.

22

و ظاهر سيّد مشايخنا في المناهل وفاقا لما حكاه عن والده (قدّس سرّه)، في «الدرس»: عدم اعتبار الاستصحاب الأوّل و الرجوع إلى الاستصحاب الثاني.

قال في المناهل: في ردّ تمسك السيد العلامة الطباطبائي على حرمة العصير من الزبيب إذا غلا بالاستصحاب:

«و دعوى تقديمه على استصحاب‏

____________

(و ظاهر سيّد مشايخنا) و هو السيد محمد المجاهد (قدّس سرّه)‏ (في المناهل) الذي هو كتاب فقهي لهذا السيد العظيم الشأن هو: عدم اعتبار الاستصحاب التعليقي على ما يأتي في كلامه إن شاء اللّه تعالى.

هذا، و لا يخفى ان السيد محمد المجاهد إنّما لقّب بالمجاهد، لأنه جاهد الروس، حيث أرادوا الاستيلاء على إيران، و لو لا جهاده آنذاك لكانت إيران كلها بيد الروس في هذا اليوم، كما ان من المحبّذ ان يعلم بان حكومة البعث في العراق هدّمت قبره الشريف الذي كان بين الحرمين الطاهرين، و الواجب على المسلمين إعادته بعد سقوط حكم البعث بإذن اللّه تعالى.

و كيف كان: فان ظاهر كلام السيد المجاهد (وفاقا لما حكاه عن والده) السيد علي صاحب الرياض‏ ((قدّس سرّه)، في «الدرس»: عدم اعتبار الاستصحاب الأوّل) و هو: الاستصحاب التعليقي للحرمة المعلقة (و الرجوع إلى الاستصحاب الثاني) و هو الاستصحاب التنجيزي للحلّية المنجزة قبل الغليان.

(قال في المناهل: في ردّ تمسك السيد العلامة الطباطبائي) السيد مهدي بحر العلوم (قدّس اللّه سره)‏ (على حرمة العصير من الزبيب إذا غلا) و ذلك تمسكا منه‏ (بالاستصحاب) التعليقي‏ ( «و) في ردّ (دعوى تقديمه على استصحاب‏

23

الاباحة أنّه يشترط في حجيّة الاستصحاب ثبوت أمر حكم وضعي أو تكليفي في زمان من الأزمنة قطعا، ثم يحصل الشك في ارتفاعه بسبب من الأسباب، و لا يكفي قابليّة الثبوت باعتبار من الاعتبارات، فالاستصحاب التقديري باطل، و قد صرّح بذلك الوالد العلامة في أثناء «الدرس»، فلا وجه للتمسك باستصحاب التحريم في المسألة»، انتهى كلامه رفع مقامه.

____________

الاباحة) الذي هو استصحاب تنجيزي، فان السيد المجاهد قال في ردّ السيد بحر العلوم ما يلي:

(أنّه يشترط في حجية الاستصحاب ثبوت أمر) خارجي مثل: حياة زيد الذي غاب و طالت غيبته بحيث لم يعلم انه حي أم لا (أو حكم وضعي) كطهارة المتوضي إذا خرج منه شي‏ء لم يعلم إنه بول أو مذي‏ (أو تكليفي) كوجوب الصوم لمن تمرض في الأثناء بحيث لم يعلم انه يضره صومه أم لا؟ و يلزم أن يكون ثبوت ذلك‏ (في زمان من الأزمنة قطعا) لا تقديرا (ثم يحصل الشك في ارتفاعه بسبب من الأسباب) كما مثلنا لذلك بالأسباب المذكورة.

هذا (و لا يكفي قابليّة الثبوت باعتبار من الاعتبارات) كالغليان- مثلا- فان ثبوت الحرمة لعصير الزبيب على تقدير الغليان لا يكفي في الاستصحاب، و ذلك لأن الوجود التقديري ليس وجودا خارجيا حتى يستصحب بل هو وجود فرضي.

إذن: (فالاستصحاب التقديري باطل، و قد صرّح بذلك) البطلان‏ (الوالد العلامة) يعني به والده: صاحب الرياض (قدّس سرّه) و ذلك‏ (في أثناء «الدرس»، فلا وجه للتمسك باستصحاب التحريم في المسألة» (1)) التي نحن فيها من عصير الزبيب‏ (انتهى كلامه رفع مقامه).

____________

(1)- المناهل: مخطوط.

24

أقول: لا إشكال في اعتبار تحقق المستصحب سابقا، و الشك في ارتفاع ذلك المحقق.

و لا إشكال أيضا في عدم اعتبار أزيد من ذلك.

و من المعلوم: أنّ تحقق كل شي‏ء بحسبه.

فاذا قلنا: العنب يحرم ماؤه إذا غلا، أو بسبب الغليان، فهناك لازم و ملزوم و ملازمة، أمّا الملازمة، و بعبارة اخرى: سببيّة الغليان لتحريم ماء العصير، فهي متحقّقه بالفعل من دون تعليق.

____________

(أقول): أركان الاستصحاب في الاستصحاب التعليقي متوفّرة، فلما ذا لا يستصحب؟.

بيان ذلك: انه‏ (لا إشكال في اعتبار تحقق المستصحب سابقا) لأنه أحد أركان الاستصحاب‏ (و الشك في ارتفاع ذلك المحقق) سابقا و هو الركن الثاني من أركان الاستصحاب‏ (و لا إشكال أيضا في عدم اعتبار أزيد من ذلك) أي: من الوجود السابق و الشك اللاحق، فمن أين شرط التنجيز الذي ذكره صاحب المناهل حيث قال: إنه يشترط في حجية الاستصحاب: الوجود السابق منجّزا.

هذا (و من المعلوم: أنّ تحقق كل شي‏ء بحسبه) فان الوجود التقديري ليس عدما محضا، بل هو وجود بحسبه، كما ان الوجود التحقيقي له وجود بحسبه.

و عليه: (فاذا قلنا: العنب يحرم ماؤه إذا غلا، أو بسبب الغليان) كان كل من العبارتين تعبيرا عن الملازمة بين أمرين‏ (فهناك لازم) هو الحرمة (و ملزوم) هو الغليان‏ (و ملازمة) بين الغليان و الحرمة.

(أمّا الملازمة، و بعبارة اخرى: سببيّة الغليان لتحريم ماء العصير، فهي متحققة بالفعل) لا تقديرا، يعني: انها متحققة (من دون تعليق) إذ تحقق الملازمة

25

و أمّا اللازم و هي: الحرمة، فله وجود مقيّد بكونه على تقدير الملزوم، و هذا الوجود التقديري أمر متحقّق في نفسه في مقابل عدمه.

و حينئذ: فإذا شككنا في أنّ وصف العنبيّة له مدخل في تأثير الغليان في حرمة مائه، فلا أثر للغليان في التحريم بعد جفاف العنب و صيرورته زبيبا،

____________

لا يستلزم تحقق اللازم و الملزوم.

و عليه: فالملازمة هنا بين غليان العنب و حرمته متحققة بالفعل و ان لم يتحقق الغليان بالفعل و لم تحصل الحرمة بعد، و هكذا الأمر في كل ملازمة، فإذا قلنا مثلا:

كلّما وجدت أربعة كانت منقسمة إلى متساويين، كانت الملازمة بين هذين الأمرين متحققة بالفعل و ان لم تتحقق أربعة بالفعل و لم توجد صلاحية الانقسام إلى المتساويين بعد.

هذا كله بالنسبة إلى الملازمة (و أمّا اللازم و هي: الحرمة، فله وجود مقيّد بكونه على تقدير الملزوم) الذي هو الغليان‏ (و هذا الوجود التقديري أمر متحقّق في نفسه في مقابل عدمه) أي: عدم تحققه، كما في غير العنب من سائر الثمار، فان هذا الوجود التقديري غير متحقق فيها، فالعنب إذا غلا حرم، بينما الرمان إذا غلا لم يحرم، و هكذا.

(و حينئذ) أي: حين كان لحرمة العنب وجود بنحو تقديري‏ (فإذا شككنا) بعد جفاف العنب و صيرورته زبيبا (في أنّ وصف العنبيّة له مدخل في تأثير الغليان في حرمة مائه) أو ليس له مدخل فيه؟ فان قلنا: ان مع هذا الشك لا يجري الاستصحاب كانت النتيجة: (فلا أثر للغليان في التحريم بعد جفاف العنب و صيرورته زبيبا) فانا إذا قلنا بذلك كنّا قد فرّقنا بين هذا الحكم و بين سائر

26

فأيّ فرق بين هذا و بين سائر الأحكام الثابتة للعنب إذا شك في بقائها بعد صيرورته زبيبا.

نعم، ربما يناقش الاستصحاب المذكور تارة: بانتفاء الموضوع و هو العنب و اخرى: بمعارضته باستصحاب الاباحة قبل الغليان، بل ترجيحه عليه بمثل الشهرة

____________

الأحكام الثابتة للعنب عند الشك فيها مع انه لا فارق.

و إلى استنكار هذا الفرق و عدم وجود دليل عليه أشار المصنّف حيث قال:

(فأيّ فرق بين هذا) أي: حكم الحرمة (و بين سائر الأحكام الثابتة للعنب إذا شك في بقائها)؟ أي: بقاء تلك الأحكام كالملكية و غيرها (بعد صيرورته زبيبا) حتى استوجب التفريق بينهما؟.

و عليه: فكما ان الأحكام المنجّزة للعنب ثابتة بعد جفافه و صيرورته زبيبا مثل:

كونه ملكا لزيد، و ضارّا للمرض الفلاني، و نافعا لرفع الغم بالنسبة إلى العنب الأسود، فكذلك الأحكام التعليقية الثابتة للعنب كالحرمة إذا غلا و لم يذهب ثلثاه، و ما أشبه ذلك.

(نعم، ربما يناقش الاستصحاب المذكور) أي: الاستصحاب التعليقي‏ (تارة:

بانتفاء الموضوع) السابق‏ (و هو العنب) لأن الموضوع في السابق كان العنب، و الآن ليس هو بعنب.

(و اخرى: بمعارضته باستصحاب الاباحة قبل الغليان، بل ترجيحه) أي:

ترجيح استصحاب الاباحة (عليه) أي: على استصحاب الحرمة ترجيحا (بمثل الشهرة) القائمة على عدم تنجّس الزبيب بالغليان، و مع تعارض الاستصحابين يرجّح الاستصحاب التنجيزي القائل بالحلّ لموافقته للمشهور.

27

و العمومات لكنّ الأوّل: لا دخل له في الفرق بين الآثار الثابتة للعنب بالفعل و الثابتة له على تقدير دون آخر، و الثاني‏

____________

(و) كذا يرجّح بمثل‏ (العمومات) الدالة على حلّ كل شي‏ء مثل: قوله تعالى: أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ* (1) و قوله (عليه السلام): «كل شي‏ء لك حلال» (2) إلى غير ذلك.

(لكنّ) مناقشة الاستصحاب التعليقي بهذين الاعتراضين فيه ما لا يخفى.

إذ (الأوّل: لا دخل له في الفرق بين الآثار الثابتة للعنب بالفعل و الثابتة له على تقدير دون آخر) فاشكال عدم بقاء الموضوع لأنه لما صار زبيبا لم يكن عنبا لو كان مانعا عن الاستصحاب، لمنع عن استصحاب الأحكام المنجّزة للعنب أيضا، كالملكية على فرض الشك.

و عليه: فلا فرق بين الأحكام المنجّزة و الأحكام المعلّقة من حيث الاستصحاب، فلما ذا الفرق باستصحاب الأحكام المنجّزة دون الأحكام المعلّقة؟

مع ان الموضوع ان كان باقيا لزم استصحاب الحكمين، و إن لم يكن باقيا لزم عدم استصحاب الحكمين، علما بما سيأتي من الكلام في ان هذا المقدار من تغيّر الموضوع، ليس مضرّا بالاستصحاب لوحدة الموضوع عند العرف، كما تقدّم الالماع إليه أيضا.

(و الثاني): و هو: استشكال معارضة الاستصحاب التعليقي القائل بالحرمة بالاستصحاب التنجيزي القائل بالاباحة و ترجيح الثاني بالشهرة أو العمومات،

____________

(1)- سورة المائدة: الآية 4 و 5.

(2)- الكافي (فروع): ج 5 ص 313 ح 40، تهذيب الاحكام: ج 7 ص 226 ب 21 ح 9، وسائل الشيعة:

ج 17 ص 89 ب 4 ح 22053، بحار الانوار: ج 2 ص 273 ب 33 ح 12.

28

فاسد، لحكومة استصحاب الحرمة على تقدير الغليان على استصحاب الاباحة قبل الغليان.

فالتحقيق: أنّه لا يعقل فرق في جريان الاستصحاب و لا في اعتباره من حيث الأخبار، أو من حيث العقل بين أنحاء تحقّق المستصحب‏

____________

فانه‏ (فاسد، لحكومة استصحاب الحرمة على تقدير الغليان على استصحاب الاباحة قبل الغليان) و مع حكومة الأوّل على الثاني لا يبقى مجال لترجيح الثاني بسبب الشهرة، أو العمومات أو ما أشبه ذلك.

و إنّما يكون الأوّل حاكما على الثاني لأنهما سببي و مسبّبي، و قد سبق إن الاستصحاب السببي مقدّم على الاستصحاب المسبّبي، و الشك في الحلّ و الحرمة على تقدير الغليان مسبّب عن الشك في بقاء الحرمة المقدّرة حال العنبية، فيجري الأصل السببي أعني: استصحاب الحرمة، و لا يبقى مجال للأصل المسبّبي أعني: استصحاب الحلّية.

و عليه: فقد أجاب المصنّف إلى هنا عن الاشكالات الثلاثة التي اوردت على الاستصحاب التعليقي: من اشتراط التنجيز على ما ادعاه صاحب المناهل، و من تبدّل الموضوع، و من تعارض الاستصحابين على ما ادعاهما غيره، ثم قال في النتيجة ما يلي:

(فالتحقيق: أنّه لا يعقل فرق في جريان الاستصحاب) لتمامية أركانه‏ (و لا في اعتباره من حيث الأخبار، أو من حيث العقل) و ذلك بناء على من قال بحجية الاستصحاب من جهة الأخبار، أو قال بحجيته من باب دليل العقل فانه لا يعقل فرق‏ (بين أنحاء تحقّق المستصحب) سواء كان تنجيزيا أم تعليقيا.

29

فكلّ نحو من التحقّق ثبت للمستصحب و شك في ارتفاعه، فالأصل بقاؤه.

مع أنّك عرفت: أنّ الملازمة و سببية الملزوم للّازم موجود بالفعل، وجد اللازم أم لم يوجد، لأنّ صدق الشرطيّة لا يتوقف على صدق الشرط.

و هذا الاستصحاب غير متوقف على وجود الملزوم. نعم، لو اريد إثبات وجود الحكم فعلا في الزمان الثاني‏

____________

و عليه: (فكلّ نحو من التحقّق ثبت للمستصحب) تنجيزيا كان أم تعليقيا (و شك في ارتفاعه، فالأصل بقاؤه) لتمامية أركان الاستصحاب.

هذا كله حال استصحاب اللازم و هو: الحرمة المعلقة و على الملزوم و هو:

الغليان.

امّا استصحاب الملازمة بين الغليان و الحرمة فأمره واضح لا غبار عليه، و إليه أشار المصنّف بقوله: (مع أنّك عرفت: أنّ الملازمة و سببية الملزوم) الذي هو الغليان‏ (للّازم) الذي هو الحرمة (موجود بالفعل) حال العنبيّة، فلا تعليق في الملازمة إطلاقا، سواء (وجد اللازم) و الملزوم بالفعل‏ (أم لم يوجد، لأنّ صدق الشرطية لا يتوقف على صدق الشرط) و ذلك على ما ذكرناه في مثال: كلّما وجدت أربعة كانت منقسمة إلى متساويين، حيث ان الملازمة فعلية و الشرطية صادقة، سواء وجدت أربعة بالفعل أم لم توجد؟.

(و هذا الاستصحاب) و هو: استصحاب الملازمة، الثابتة بالفعل حال العنبية (غير متوقف على وجود الملزوم) الذي هو الغليان، بل يجري قبل الغليان و يترتب عليه الحرمة المعلقة، فالملازمة إذن موجودة سابقا و لا حقا.

(نعم، لو اريد إثبات وجود الحكم) أي: الحرمة (فعلا في الزمان الثاني)

30

اعتبر إحراز الملزوم فيه ليترتّب عليه بحكم الاستصحاب لازمه.

و قد يقع الشك في وجود الملزوم في الآن اللاحق، لعدم تعيّنه و احتمال مدخليّة شي‏ء في تأثير ما يتراءى أنّه ملزوم.

الأمر الخامس إنّه لا فرق في المستصحب بين أن يكون‏

____________

و ذلك بأن يكون ماء الزبيب حراما فعليا (اعتبر إحراز الملزوم فيه) الذي هو الغليان‏ (ليترتب عليه بحكم الاستصحاب لازمه) الذي هو الحرمة، فباستصحاب الملازمة قبل الغليان تثبت الحرمة المعلقة التقديرية، و بمحض الغليان تثبت الحرمة الفعلية المتحققة.

هذا (و قد يقع الشك في وجود الملزوم في الآن اللاحق، لعدم تعيّنه، و احتمال مدخليّة شي‏ء في تأثير ما يتراءى أنّه ملزوم) كما إذا شككنا في مثال:

حرمة العصير العنبي بالغليان بانه هل مطلق الغليان قبل ذهاب الثلثين يوجب الحرمة أو الغليان بالنار فقط؟ ففي هذه الصورة إذا غلا بالشمس لا يحكم عليه بالحرمة، و ذلك لأن الملازمة غير متحققة، و مع عدم تحققها لا يبقى مجال لاستصحابها، فان الملازمة إنّما تستصحب إذا كانت متحققة ثم طرأ الغليان.

و إن شئت قلت: ان الزبيب إذا غلا بالشمس و احتمل مدخلية كون الغليان بالنار، فان استصحاب الملازمة حينئذ لا يثبت اللازم الذي هو الحرمة، لعدم إحراز الملزوم الذي هو الغليان، لاحتمالنا خصوصية الحرمة في الغليان بالنار فقط لا ما يعم الشمس أيضا.

[الأمر الخامس إنّه لا فرق في المستصحب بين أن يكون حكما ثابتا في هذه الشريعة أم حكما من أحكام الشريعة السابقة]

(الأمر الخامس) ممّا ينبغي التنبيه عليه في الاستصحاب هو: بيان الاستصحاب في الشرائع السابقة قال: (إنّه لا فرق في المستصحب بين أن يكون‏

31

حكما ثابتا في هذه الشريعة أم حكما من أحكام الشريعة السابقة، إذ المقتضي موجود، و هو: جريان دليل الاستصحاب و عدم ما يصلح مانعا، عدا امور.

منها: ما ذكره بعض المعاصرين، من «أنّ الحكم الثابت في حقّ جماعة لا يمكن إثباته في حق آخرين، لتغاير الموضوع،

____________

حكما ثابتا في هذه الشريعة) و احتملنا نسخة- مثلا- و غير ذلك من موارد الاستصحاب‏ (أم حكما من أحكام الشريعة السابقة) و قد ثبت وجوده فيها بالكتاب أو السنة أو الاجماع، لا استصحاب الاحكام التي هي بأيديهم ممّا قد حرّف كثيرا منها.

و إنّما لا فرق في ذلك من حيث الاستصحاب‏ (إذ المقتضي موجود، و هو: جريان دليل الاستصحاب) لأنه يقين سابق و شك لاحق، فيشمله أخبار الاستصحاب عند من يرى حجية الاستصحاب من باب الأخبار، كما يشمله الظن العقلائي عند من يرى حجية الاستصحاب من باب الظن العقلائي.

إذن: فالمقتضي للاستصحاب بالنسبة إلى الشرائع السابقة موجود، و أما المانع فمفقود كما قال: (و عدم ما يصلح مانعا) عن جريان الاستصحاب بالنسبة إلى الشرائع السابقة (عدا امور) تالية:

(منها: ما ذكره بعض المعاصرين) و هو صاحب الفصول: (من «أنّ الحكم الثابت في حق جماعة) من أهل الشريعة السابقة (لا يمكن إثباته في حق آخرين) من أهل هذه الشريعة، و ذلك‏ (لتغاير الموضوع) فانه مثل: استصحاب حكم زيد لبكر.

32

فانّ ما ثبت في حقّهم مثله لا نفسه.

و لذا يتمسك في تسرية الأحكام الثابتة للحاضرين أو الموجودين إلى الغائبين أو المعدومين بالاجماع، و الأخبار الدالّة على الشركة لا بالاستصحاب».

و فيه:

____________

و عليه: (فانّ ما ثبت في حقّهم) أي: حق الآخرين هو (مثله) أي: مثل ما ثبت من الحكم في الشريعة السابقة (لا نفسه) فانه إذا ثبت حكم زيد لبكر، كان حكم بكر مثل: حكم زيد لا نفس حكم زيد، بينما الاستصحاب هو إثبات الحكم السابق لموضوع خاص في الزمان الثاني لنفس ذلك الموضوع.

(و لذا) أي: لأجل ما ذكرناه من تغاير الموضوع بالنسبة إلى أهل شريعتين نرى انه‏ (يتمسك في تسرية الأحكام الثابتة للحاضرين أو الموجودين) حال الخطاب‏ (إلى الغائبين أو المعدومين) في زمان الخطاب تسرية (بالاجماع، و الأخبار الدالّة على الشركة) في الأحكام‏ (لا بالاستصحاب» (1)) فلا يتمسكون لاثبات الأحكام بالنسبة إلى الغائبين و المعدومين في زمان الخطاب بالاستصحاب.

و عليه: فاذا كانت التسرية للأحكام بالنسبة إلى أهل شريعة واحدة بحاجة إلى الاجماع و الأخبار، فكيف يقال: بتسرية أحكام أهل الشريعة السابقة إلى أهل هذه الشريعة اللاحقة بالاستصحاب؟.

(و فيه) أي: في هذا الاشكال الذي أورده على استصحاب الشرائع السابقة ما يلي:

____________

(1)- مناهج الأحكام للنراقي.

33

أولا: أنّا نفرض الشخص الواحد مدركا للشريعتين.

فاذا حرم في حقّه شي‏ء سابقا و شك في بقاء الحرمة في الشريعة اللاحقة، فلا مانع عن الاستصحاب أصلا.

و فرض انقراض جميع أهل الشريعة السابقة عند تجدّد

____________

(أولا: أنّا نفرض الشخص الواحد مدركا للشريعتين) فاذا كان شخص كذلك، فلا إشكال في تمكنه من استصحاب الشريعة السابقة بعد مجي‏ء هذه الشريعة لوحدة الموضوع، و إذا ثبت بالاستصحاب ان الحكم بالنسبة إلى هذا المدرك للشريعتين هو نفس الحكم السابق، تعدّى ذلك إلى سائر الأشخاص الموجودين في هذه الشريعة، لأنه لا يعقل التفاوت في شريعة واحدة بين أفرادها.

مثلا: كان أبو طالب (عليه السلام) مدركا للشريعتين فكان له حكم ضمان ما لم يجب للاستصحاب، فيكون الذي لم يدرك الشريعة السابقة كجعفر الطيار ابنه له ذلك الحكم أيضا، و ذلك لأن أبا طالب و جعفر لهما حكم واحد في هذه الشريعة، لا أن أبا طالب له حكم ضمان ما لم يجب، و جعفر ليس له هذا الحكم.

و عليه: (فاذا حرم في حقّه) أي: في حق من أدرك الشريعتين‏ (شي‏ء سابقا و شك في بقاء الحرمة في الشريعة اللاحقة، فلا مانع عن الاستصحاب أصلا) لتمامية أركانه، و كذلك إذا وجب في حقه شي‏ء سابقا من الأحكام التكليفية أو الوضعية.

(و) لا يقال: انا نفرض هلاك جميع أهل الشريعة السابقة، فلا أحد حتى يصح الاستصحاب بالنسبة إليه و يتعدّى إلى الآخرين.

لأنه يقال: (فرض انقراض جميع أهل الشريعة السابقة عند تجدّد) الشريعة

34

اللاحقة نادر، بل غير واقع.

و ثانيا أنّ اختلاف الأشخاص لا يمنع عن الاستصحاب، و إلّا لم يجر استصحاب عدم النسخ.

____________

(اللاحقة نادر، بل غير واقع) أصلا، فقوم نوح- مثلا- و ان هلكوا بالطوفان، إلّا انه بقي منهم من كان في السفينة ممن آمن بنوح، و لذا لم نر في التاريخ ما يدلّنا على ان قوما هلكوا بأجمعهم ثم جاءت شريعة لاحقة بعد انقراضهم.

(و) فيه‏ (ثانيا) نقضا بالنسخ: و ذلك حتى على فرض انقراض أهل الشريعة السابقة جميعا فانه إذا قلنا بعدم الاستصحاب لاختلاف الأشخاص، كان لازم ذلك أن لا نقول باستصحاب عدم النسخ أيضا، لاختلاف الأشخاص مع انه لا أحد يشك في جريانه.

بيان ذلك: انه إذا شك الحاضرون و الموجودون زمن الخطاب في نسخ حكم، حكموا بعدم نسخه لاستصحاب عدم النسخ، و كذلك إذا شك الغائبون و المعدومون في زمن الخطاب، حكموا بعدم نسخه أيضا لاستصحاب عدم النسخ، مع ان النسخ مختص بزمن الخطاب و لا نسخ بعده قطعا، و واضح: ان أشخاص الغائبين و المعدومين في زمن الخطاب غير أشخاص الحاضرين و الموجودين زمن الخطاب، و لو كان ذلك مانعا لما جرى الاستصحاب.

و عليه: فظهر: (أنّ اختلاف الأشخاص لا يمنع عن الاستصحاب، و إلّا لم يجر استصحاب عدم النسخ) أصلا حتى في شريعة واحدة، فكيف بشريعتين؟

و حيث لم يكن اختلاف الأشخاص في شريعة واحدة مانعا عن استصحاب عدم النسخ، لم يكن مانعا أيضا في أهل شريعتين.

هذا هو الجواب النقضي عن الاشكال الذي اورد على استصحاب الشرائع السابقة.

35

و حلّه: أنّ المستصحب هو الحكم الكلّي الثابت للجماعة على وجه لا مدخل لأشخاصهم فيه، فانّ الشريعة اللاحقة لا تحدث عند انقراض أهل الشريعة الاولى، إذ لو فرض وجود اللاحقين في السابق‏

____________

و أما الجواب الحلي عنه فهو ما أشار إليه المصنّف بقوله:

(و حلّه: أنّ المستصحب)- مثل: ضمان ما لم يجب إذا شك في نسخه- ليس هو الحكم الخاص بجماعة الحاضرين و الموجودين، حتى لم يجر بالنسبة إلى جماعة الغائبين و المعدومين، بل المستصحب‏ (هو الحكم الكلّي الثابت للجماعة على وجه لا مدخل لأشخاصهم فيه) من الحاضرين و الغائبين و الموجودين و المعدومين من أهل شريعة واحدة أو شريعتين، فيجري في حقهم جميعا.

إن قلت: كون المستصحب حكما كلّيا يشمل الحاضرين و الغائبين، و الموجودين و المعدومين حتى من أهل شريعتين، إنّما هو لو حدثت الشريعة الثانية مع وجود أهل الشريعة الاولى، دون ما إذا حدثت عند انقراضهم جميعا، فانه لا يجري في الشريعة الثانية حينئذ.

قلت: إن مجي‏ء الشرائع كان دائما مع وجود بقايا من أهل الشرائع السابقة، و ذلك كما قال: (فانّ الشريعة اللاحقة لا تحدث عند انقراض أهل الشريعة الاولى) حتى لا يجري حكم الشريعة الاولى مثل: ضمان ما لم يجب إذا شك في نسخه لأهل الشريعة الثانية، فان من الواضح: وجود كثير من امة عيسى (عليه السلام) عند حدوث شريعة محمد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و إذا كان كذلك جرى الحكم في الشريعة الثانية أيضا.

و إنّما يجري الحكم في الشريعة الثانية أيضا إذا كان كذلك‏ (إذ لو فرض وجود اللاحقين) من أهل الشريعة الثانية مثل زماننا هذا (في السابق) أي: في زمان‏

36

عمّهم الحكم قطعا، غاية الأمر احتمال مدخليّة بعض أوصافهم المعتبرة في موضوع الحكم.

و مثل: هذا لو أثّر في الاستصحاب لقدح في أكثر الاستصحابات‏

____________

شريعة عيسى (عليه السلام) قبل مجي‏ء محمد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)‏ (عمّهم الحكم قطعا) لضرورة اشتراك كل المكلّفين من أهل زمان واحد في شريعة واحدة.

و إلّا بأن قلنا بعدم اشتراك أهل زمان واحد في شريعة واحدة لأن لاشخاص أهل كل شريعة- مثلا- مدخلية في أحكامها، لكان اللازم أوّلا انقراض أهل شريعة عيسى (عليه السلام) ثم حدوث شريعتنا أو وجود شريعتين في زمان واحد، و كلاهما خلاف الأدلة.

و الحاصل: ان الشك قد يكون من جهة الرافع، كالشك في ان الأحكام السابقة نسخت بسبب الشريعة اللاحقة أم لا؟ و قد عرفت جوابه.

و قد يكون الشك من جهة المقتضي كالشك في ان أحكام الشريعة السابقة كانت خاصة بامة عيسى (عليه السلام) أم لا؟ و إليه أشار المصنّف بقوله: (غاية الأمر احتمال مدخليّة بعض أوصافهم المعتبرة) ككونهم امة عيسى (عليه السلام)- مثلا- (في موضوع الحكم) مثل الحكم بضمان ما لم يجب أو غيره من الأحكام التي نريد استصحابها، و معه لا يجري الاستصحاب.

لكن فيه: ان هذا الاحتمال أيضا لا يكون مانعا عن الاستصحاب، لأن الاستصحاب إنّما يكون عند الشك في الموضوع من جهة تغيّر بعض خصوصياته، و لذا قال المصنّف: (و مثل: هذا لو أثّر في الاستصحاب لقدح في أكثر الاستصحابات) لأنه لو لم يحصل في الزمان الثاني تغيّر في خصوصية من خصوصيات الموضوع السابق أصلا، لم يطرأ شك لاحق أبدا.

37

بل في جميع موارد الشك من غير جهة الرافع.

و أمّا التمسّك في تسرية الحكم من الحاضرين إلى الغائبين فليس مجرى للاستصحاب حتى يتمسك به،

____________

(بل) لقدح ذلك‏ (في جميع موارد الشك من غير جهة الرافع) أي: بأن لا يجري الاستصحاب إلّا مع الشك في الرافع دون الشك في المقتضي، و ذلك لأن الشك في الرافع وحده لا يرجع إلى تغيّر في الموضوع، بينما الشك في المقتضي فهو يرجع دائما إلى تغيّر ما في الموضوع.

و عليه: فاحتمال مدخلية كونهم من امة عيسى (عليه السلام) في موضوع الحكم لا يقدح في استصحاب ذلك الحكم و إثباته في حق هذه الامة.

ثم إن صاحب الفصول على ما عرفت: جعل اختلاف الأشخاص في الشريعتين مانعا عن استصحاب أحكام الامة السابقة إلى الامة اللاحقة، لتغاير الموضوع و أيد ذلك بتمسك الأصحاب في تسرية حكم الحاضرين إلى الغائبين بالاجماع و الأخبار الدالة على اشتراك التكليف، لا بالاستصحاب، فأجاب المصنّف عنه بقوله: (و أمّا التمسّك في تسرية الحكم من الحاضرين) في مجلس الخطاب‏ (إلى الغائبين) عن مجلس الخطاب بالاجماع و الأخبار فهو لما يلي:

أولا: لأن مع التمسك بالاجماع و الأخبار لم يبق شك، و إذا لم يبق شك‏ (فليس مجرى للاستصحاب حتى يتمسك به) أي: بالاستصحاب لاثباته، إذ شركة الجميع في الحكم ثابت بالاجماع و الأخبار و معه لا شك حتى يجري فيه الاستصحاب.

ثانيا: ان ما نحن فيه من تسرية حكم الحاضرين إلى الغائبين مع كونهما في زمان واحد لا ربط بمجرى الاستصحاب رأسا، لوضوح: ان مجرى الاستصحاب‏

38

لأنّ تغاير الحاضرين المشافهين، و الغائبين، ليس بالزمان، و لعلّه سهو من قلمه (قدّس سرّه).

و أمّا التسرية من الموجودين إلى المعدومين فيمكن التمسك فيها بالاستصحاب بالتقريب المتقدّم أو باجرائه فيمن بقي من الموجودين إلى زمان وجود المعدومين‏

____________

هو ما كان المتيقن و المشكوك مختلفان من حيث الزمان، بينما الحاضر في مجلس الخطاب و الغائب عنه ليسا مختلفين من حيث الزمان لفرض إنهما من أهل زمان واحد، و إنّما هما مختلفان من حيث الحضور و الغيبة، و ذلك كما قال:

(لأنّ تغاير الحاضرين المشافهين، و الغائبين، ليس بالزمان) كما عرفت‏ (و لعلّه سهو من قلمه (قدّس سرّه)) و هو واضح.

هذا (و أمّا التسرية من الموجودين) في حال الخطاب‏ (إلى المعدومين) حال الخطاب‏ (فيمكن التمسك فيها بالاستصحاب بالتقريب المتقدّم) أي: انا إذا لم نقل بانه لا شك فلا حاجة للاستصحاب، لأن الأحكام ثابتة للكل بالنص و الاجماع و الضرورة، فانه يمكن أن نقول: على فرض الشك يجري الاستصحاب و ذلك بأحد وجهين:

الأوّل: بأن يكون المستصحب- كما مرّ- هو الحكم الكلي الذي لا دخل لأشخاص الموجودين فيه، فيتعدى الحكم من الموجودين إلى المعدومين بالاستصحاب.

و الثاني: (أو باجرائه) أي: باجراء الاستصحاب‏ (فيمن بقي من الموجودين إلى زمان وجود المعدومين) أي: بأن يدرك الجماعتين و ذلك على تقريب مدرك الشريعتين.

39

و يتمّ الحكم في المعدومين بقيام الضرورة على اشتراك أهل الزمان الواحد في الشريعة الواحدة.

و منها ما اشتهر: من أنّ هذه الشريعة ناسخة لغيرها من الشرائع فلا يجوز الحكم بالبقاء.

و فيه: أنّه إن اريد نسخ كلّ حكم إلهي من أحكام الشريعة السابقة فهو ممنوع،

____________

(و) عليه: فاذا تم الحكم بالنسبة إلى مدرك الجماعتين: الموجودين و المعدومين، فانه‏ (يتمّ الحكم في المعدومين) ممن لم يدرك الجماعتين أيضا، و ذلك‏ (بقيام الضرورة على اشتراك أهل الزمان الواحد في الشريعة الواحدة) فيكون حكم المعدومين حكم الموجودين بأمرين:

الأوّل: إثبات الحكم لمن أدرك الجماعتين: الموجودين و المعدومين بالاستصحاب.

الثاني: إثبات حكم من أدرك لمن لم يدرك، لضرورة وحدة حكم المدرك و غير المدرك، و ان لم يكن استصحاب في غير المدرك.

(و منها): أي: من الاشكالات التي اوردت على استصحاب الشريعة السابقة (ما اشتهر: من أنّ هذه الشريعة ناسخة لغيرها من الشرائع) السابقة (فلا يجوز الحكم بالبقاء) بالنسبة إلى أي حكم من أحكام تلك الشرائع.

(و فيه: أنّه إن اريد نسخ كلّ حكم إلهي من أحكام الشريعة السابقة فهو ممنوع) لما نرى من بقاء كثير من أحكام الشرائع السابقة، مثل: الصلاة و الصوم و الحج و الزكاة و برّ الوالدين، و حرمة شرب الخمر و نكاح المحارم و الزنا و اللواط و ما أشبه ذلك ممّا دل عليه الكتاب و السنة و الاجماع، بل العقل أحيانا.

40

و إن اريد نسخ البعض فالمتيقن من المنسوخ ما علم بالدليل، فيبقى غيره على ما كان عليه و لو بحكم الاستصحاب.

فان قلت: إنّا نعلم قطعا بنسخ كثير من الأحكام السابقة، و المعلوم تفصيلا منها قليل، في الغاية، فيعلم بوجود المنسوخ في غيره.

قلت:

____________

(و إن اريد نسخ البعض) من أحكام الشريعة السابقة (فالمتيقن من المنسوخ ما علم بالدليل) نسخه مثل: نسخ صوم الوصال، و صوم الصمت، و ما أشبه ذلك‏ (فيبقى غيره على ما كان عليه و لو بحكم الاستصحاب) فيما إذا فرض ان دليل تلك الأحكام في الشرائع السابقة، لم يكن كافيا للبقاء حتى يشمل هذه الامة بنفسه.

(فان قلت): الاستصحاب يتنافى مع علمنا الاجمالي بنسخ شريعتنا لكثير من أحكام الشرائع السابقة، و ذلك لأن من الواضح ان الاستصحاب لا يجري في أطراف العلم الاجمالي، كما لا يجري أصالة الطهارة في أطراف المشتبه بالنجس من الإناءين و نحوهما.

إذن: (إنّا نعلم قطعا بنسخ كثير من الأحكام السابقة، و المعلوم تفصيلا منها قليل في الغاية) فلا نعلم بالمنسوخ من الأحكام علما تفصيليا حتى نستصحب فيما عداه و إذا فقد العلم التفصيلي بأكثر المنسوخ‏ (فيعلم) علما إجماليا (بوجود المنسوخ في غيره) أي: في غير علم بالتفصيل نسخه، فيبقى العلم الاجمالي في الباقي فيمنع من جريان الاستصحاب في كل حكم يشك في بقائه و عدم بقائه للنسخ، لأنه يكون حينئذ من أطراف العلم الاجمالي.

(قلت): أولا: لا نسلم العلم الاجمالي بوجود المنسوخ في غير ما علم نسخه،

41

لو سلّم ذلك لم يقدح في إجراء أصالة عدم النسخ في المشكوكات، لأنّ الأحكام المعلومة في شرعنا بالأدلّة واجبة العمل، سواء كانت من موارد النسخ أم لا، فأصالة عدم النسخ فيها غير محتاج إليها،

____________

لأن العلم الاجمالي بوجود المنسوخ في الشرائع السابقة انحل بسبب علمنا بمجموعة من المنسوخات الخاصة، فهو مثل: ما إذا علم إجمالا بوجود موطوءات في القطيع، ثم علم بوجود عشرة من الموطوءات، فان الباقي حلال لأنه لا يعلم لا تفصيلا و لا إجمالا بوجود الموطوء في الباقي.

هذا أولا، و ثانيا: (لو سلّم ذلك) العلم الاجمالي بوجود المنسوخ فانه‏ (لم يقدح) هذا العلم‏ (في إجراء أصالة عدم النسخ في المشكوكات) و ذلك لأن المنسوخ و ان لم ينحصر في المقدار الذي علمناه من موارد النسخ، لكن يحتمل انحصاره بين الأحكام المعلومة لنا في هذه الشريعة.

مثلا: ان في هذه الشريعة ثبت بوجوب الصيام و الزكاة و برّ الوالدين و غير ذلك من الأحكام المعلومة لنا، فنضمّ هذه الأحكام التي تكفينا عن الأحكام المشابهة لها من الشريعة السابقة مع ما علمنا بنسخه من أحكام الشريعة السابقة فيوجب انحلال علمنا الاجمالي بالنسبة إلى الباقي، فنجري أصالة عدم النسخ في الحكم المشكوك الذي نريد استصحابه مثل: ضمان ما لم يجب.

و إنّما لم يقدح العلم الاجمالي على فرض وجوده في إجراء عدم النسخ في المشكوك نسخه‏ (لأنّ الأحكام المعلومة في شرعنا بالأدلّة واجبة العمل) بها (سواء كانت من موارد النسخ أم لا، فأصالة عدم النسخ فيها) أي في الأحكام المعلومة في شرعنا (غير محتاج إليها) فانا لا نحتاج إلى أصالة عدم النسخ‏

42

فيبقى أصالة عدم النسخ في محلّ الحاجة سليمة عن المعارض، لما تقرّر في الشبهة المحصورة: من أنّ الأصل في بعض أطراف الشبهة إذا لم يكن جاريا أو لم يحتج إليه، فلا ضير في إجراء الأصل في البعض الآخر.

____________

فيها بعد العلم بها فلا يجري الاستصحاب بالنسبة إليها، لأنها معلومة الحكم فلا شك، فلا حاجة للاستصحاب.

و عليه: (فيبقى أصالة عدم النسخ) بعد ضم الأحكام المعلومة إلى ما علم نسخه‏ (في محلّ الحاجة) و هو المورد المشكوك نسخه الذي نريد استصحابه‏ (سليمة عن المعارض).

و إنّما يبقى الأصل سليما عن المعارض فيجري‏ (لما تقرّر في الشبهة المحصورة: من أنّ الأصل في بعض أطراف الشبهة إذا لم يكن جاريا) لكونه خارجا عن محل الابتلاء، أو مضطرا إليه‏ (أو لم يحتج إليه) لأن الحكم معلوم لا شك فيه كما في الأحكام المعلومة في شرعنا (فلا ضير في إجراء الأصل في البعض الآخر) لعدم وجود المعارض فيه.

مثلا: إذا كنا نملك قطيعا نعلم بأن بعضه موطوء فعثرنا على خمس شياه موطوءة و بقي العلم الاجمالي، ثم قال المولى اجتنب هذه العشر شياه، انحل العلم الاجمالي، لأنا لا نعلم بوجود شياه موطوءة في القطيع غير هذه الخمس عشرة شاة، و ما نحن فيه من هذا القبيل، فانا حيث نعلم بالنسخ في جملة من أحكام الشريعة السابقة، و عثرنا على خمسة أحكام منسوخة فيها، ثم قال الشارع: التزم بهذه العشرة أحكام فعلا أو تركا، انحل العلم الاجمالي لأنا لا نعلم بوجود أحكام منسوخة غير هذه الخمسة عشر حكما، فيكون الباقي المشكوك نسخه مجرى للاستصحاب.

43

و لأجل ما ذكرنا استمر بناء المسلمين في أوّل البعثة على الاستمرار على ما كانوا عليه حتى يطّلعوا على الخلاف.

إلّا أن يقال: إنّ ذلك كان قبل إكمال شريعتنا. و أمّا بعده فقد جاء النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بجميع ما يحتاج إليه الامة إلى يوم القيامة، سواء خالف الشريعة السابقة أم وافقها، فنحن مكلّفون بتحصيل ذلك الحكم موافقا أم مخالفا، لأنّه مقتضى التديّن بهذا الدين.

____________

(و لأجل ما ذكرنا): من صحة استصحاب أحكام الشريعة السابقة إذا لم نعلم بنسخ تلك الأحكام التي نريد استصحابها نرى قد (استمر بناء المسلمين في أول البعثة) النبوية للرسول الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)‏ (على الاستمرار على ما كانوا عليه) من أحكام الشرائع السابقة (حتى يطّلعوا على الخلاف) و يعلموا بنسخ تلك الأحكام.

(إلّا أن يقال: إنّ ذلك) الاستصحاب‏ (كان قبل إكمال شريعتنا، و أمّا بعده فقد) قال تعالى في كتابه الحكيم: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ‏ (1) و قد (جاء النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بجميع ما تحتاج إليه الامة إلى يوم القيامة، سواء خالف الشريعة السابقة أم وافقها) حتى قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): ما من شي‏ء يقرّبكم من الجنة و يباعدكم من النار إلّا و قد أمرتكم به، و ما من شي‏ء يقرّبكم من النار و يباعدكم من الجنة إلّا و قد نهيتكم عنه‏ (2).

و عليه: (فنحن) بعد أن اكتمل الدين‏ (مكلّفون بتحصيل ذلك الحكم) الذي قرّره الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)‏ (موافقا أم مخالفا) للشرائع السابقة (لأنّه مقتضى التديّن بهذا الدين) و معه فلا مجال للاستصحاب.

____________

(1)- سورة المائدة: الآية 3.

(2)- الكافي (اصول): ج 2 ص 74 ح 2، وسائل الشيعة: ج 17 ص 45 ب 12، بحار الانوار: ج 70 ص 96 ب 47 ح 3 و نظيره في مستدرك الوسائل: ج 13 ص 27 ب 10 ح 14643.

44

و لكن يدفعه: أنّ المفروض حصول الظنّ المعتبر من الاستصحاب ببقاء حكم اللّه السابق في هذه الشريعة، فيظنّ بكونه ممّا جاء به النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و لو بنينا على الاستصحاب تعبّدا، فالأمر أوضح، لكونه‏

____________

و إنّما لا مجال للاستصحاب لأن الأحكام السابقة امّا قد قرّرتها شريعتنا و امّا قد رفضتها، و اللازم علينا ان نعلم ان الحكم الذي كان في الشريعة السابقة قرّر حتى نأخذ به، أو رفض حتى نتركه، لا ان نستصحب حكم الشريعة السابقة، فالمقرّر من أحكام الشريعة السابقة إنّما نأخذ به لأن شرعنا قرّره، و ليس للاستصحاب، فلا مجال إذن للاستصحاب.

(و لكن يدفعه: أنّ المفروض) هو انا نستصحب نفس الحكم لا نستصحب ما جاء به عيسى (عليه السلام)، و نفس الحكم ليس من مقوّماته مجي‏ء عيسى به، فإذا استصحبنا نفس الحكم حصل لنا الظن ببقاء حكم اللّه سبحانه و تعالى، فان قلنا باعتبار الاستصحاب من باب الظن كان هذا الاستصحاب حجة.

و إنّما كان هذا الاستصحاب حجة، لأن المفروض‏ (حصول الظنّ المعتبر من الاستصحاب) ظنا (ببقاء حكم اللّه السابق في هذه الشريعة، فيظنّ بكونه ممّا جاء به النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)) و ذلك لأن الظن بكونه حكم اللّه يوجب الظن بكونه ممّا جاء به النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) للتلازم بين الظنين.

هذا (و لو بنينا على الاستصحاب تعبّدا، فالأمر أوضح) لأن الشارع قد أمر بابقاء ما كان و نحن نبقي حكم الشريعة السابقة إلى هذه الشريعة بأمر الشارع هذا، فيثبت كون الحكم المستصحب من أحكام هذه الشريعة.

و إنّما يكون الأمر على الاستصحاب تعبدا أوضح‏ (لكونه) أي: الاستصحاب‏

45

حكما كلّيا في شريعتنا بابقاء ما ثبت في السابق.

و منها ما ذكره في القوانين: من: «أنّ جريان الاستصحاب مبني على القول بكون حسن الأشياء ذاتيا، و هو ممنوع، بل التحقيق أنّه بالوجوه و الاعتبار».

____________

حينئذ (حكما كلّيا في شريعتنا بابقاء ما ثبت في السابق) من شريعة عيسى (عليه السلام)- مثلا- فنبقيه بحكم شريعتنا حكما لنا.

و إن شئت قلت: ان الشارع قال: أبق ما كان على ما كان، و هذا الحكم كان، فنبقيه حكما لنا بحكم شريعتنا، و كذا العقل قال: اعمل بالظن، و هذا المستصحب مظنون فنعمل به.

(و منها): أي: من الاشكالات التي اوردت على استصحاب الشريعة السابقة (ما ذكره في القوانين: من: «أنّ جريان الاستصحاب) في الشرائع السابقة (مبني على القول بكون حسن الأشياء) و كذلك قبحها (ذاتيا، و هو ممنوع، بل التحقيق أنّه بالوجوه و الاعتبار» (1)) أي: ان الاستصحاب في الشرائع السابقة يجري في صورة، دون صورة اخرى.

أما الصورة التي يجري فيها الاستصحاب فهو على القول بكون حسن الأشياء و قبحها ذاتيا، فما كان في الشريعة السابقة حسنا أو قبيحا، يكون في هذه الشريعة أيضا حسنا أو قبيحا، فيستصحب حكم الشريعة السابقة، فهذه هي الصورة التي يجري فيها الاستصحاب.

و أما الصورة التي لا يجري فيها الاستصحاب فهو على القول بكون حسن الأشياء و قبحها بالوجوه و الاعتبارات فان ما كان في السابق حسنا، فلعله لأنه كان‏

____________

(1)- القوانين المحكمة: ج 2 ص 53.

46

و فيه: أنّه إن اريد ب «الذاتي»: المعنى الذي ينافيه النسخ، و هو الذي أبطلوه بوقوع النسخ،

____________

في زمان موسى أو عيسى كان حسنا، و كذلك بالنسبة إلى القبيح، فلا يمكن ان نستصحب ما كان مأمورا به و لا ما كان منهيا عنه في السابق إلى الحال، و ذلك لاختلاف الفعل في الحسن و القبح، باختلاف الأزمنة و الأمكنة و الشرائط و الخصوصيات، و هذه هي الصورة التي لا يجري فيها الاستصحاب.

هذا، و لكن حيث ان القول بكون حسن الأشياء و قبحها ذاتيا يستلزم امتناع النسخ، بينما وقوع النسخ ضروري، فاللازم هو القول: بأن الحسن و القبح بالوجوه و الاعتبارات، و إذا كان بالوجوه و الاعتبارات، فلا يجري استصحاب أحكام الشريعة السابقة.

(و فيه: أنّه إن اريد ب «الذاتي»: المعنى الذي ينافيه النسخ) و هو ما كانت الطبيعة فيه علة تامة للحسن و القبح، بحيث لا يتغيّر بزيادة أو نقيصة إطلاقا كالصدق النافع و الكذب الضار، فان مثل هذا الحسن و القبح ينافي النسخ، لأنّ النسخ هو رفع الحكم بالحسن و القبح، و لا يعقل رفع المعلول و هو الحكم بالحسن و القبح مع وجود علته التامة و هي طبيعة الصدق النافع و طبيعة الكذب الضار.

و عليه: فان اريد بالذاتي هو هذا المعنى، فانه يتنافى مع النسخ، و حيث إنه يتنافى مع النسخ أبطلوه كما قال: (و هو الذي أبطلوه بوقوع النسخ) فانه حيث كان النسخ موجودا في الشريعة كان دليلا على بطلان هذا المعنى.

و لكن بطلان هذا المعنى لا يستلزم بطلان الاستصحاب كما ادعاه صاحب القوانين، بل صحته يستلزم بطلان الاستصحاب، و ذلك لأنه على هذا المعنى نقطع، بعدم النسخ، فلا شك فيه حتى نحتاج إلى إثبات عدم النسخ بالاستصحاب.

47

فهذا المعنى ليس مبنى الاستصحاب، بل هو مانع عنه للقطع بعدم النسخ حينئذ، فلا يحتمل الارتفاع.

و ان اريد غيره، فلا فرق بين القول به و القول بالوجوه و الاعتبارات، فانّ القول بالوجوه لو كان مانعا عن الاستصحاب لم يجر الاستصحاب في هذه الشريعة.

____________

و عليه: (فهذا المعنى) للحسن و القبح‏ (ليس مبنى الاستصحاب، بل هو مانع عنه) أي: عن الاستصحاب‏ (للقطع بعدم النسخ حينئذ، فلا يحتمل الارتفاع) و نسخ الحكم حتى يحتاج إلى الاستصحاب.

(و ان اريد) بالذاتي‏ (غيره) أي: غير هذا المعنى الذي هو ما كانت الطبيعة فيه علة تامة للحسن و القبح، بل اريد به معنى آخر، و هو كون الفعل مقتضيا للحسن و القبح، كما في الصدق و الكذب حيث أحيانا ينضم إلى الصدق ما يجعله قبيحا، و إلى الكذب ما يجعله حسنا، فان اريد به هذا المعنى فهو كالقول بالوجوه و الاعتبارات من حيث المعنى.

إذن: (فلا فرق بين القول به و القول بالوجوه و الاعتبارات) من حيث المعنى، و إذا كان كذلك لزم القول على ما يدعيه صاحب القوانين بعدم الاستصحاب لأنه كما كان القول بالوجوه مانعا عن الاستصحاب عنده، كذلك القول بالذاتي يكون مانعا عن الاستصحاب، فلا استصحاب إذن مطلقا.

لكن يردّه: ان صاحب القوانين نفسه مع قوله بالوجوه و الاعتبارات في باب حسن الأشياء و قبحها يقول بجريان الاستصحاب في هذه الشريعة ممّا يكشف عن عدم كونه مانعا (فانّ القول بالوجوه لو كان مانعا عن الاستصحاب لم يجر الاستصحاب في هذه الشريعة) إطلاقا، بينما هو يقول بالاستصحاب، فقوله‏

48

بالاستصحاب دليل على عدم مانعيته له.

قال الأوثق في توضيح إشكال المصنّف على القوانين: «ان الحسن الذاتي يطلق تارة على ما كانت الطبيعة فيه علة تامة له، كحسن الصدق النافع، و قبح الكذب المضرّ، و اخرى على ما كانت الطبيعة فيه مقتضية له، بأن كانت فعلية الحسن مشروطة بوجود شرط مفقود أو فقد مانع موجود، و الفرق بينه و بين القول بالوجوه و الاعتبار: ان الحسن على الثاني قد ينشئه من اقتران الفعل ببعض الامور الخارجة و ان لم تكن نفس الفعل من حيث هي مقتضية له.

و على الأوّل: لا معنى للاستصحاب لقطعه ببقاء الحكم حينئذ، و على الثاني:

لا وجه لمنع جريانه، لفرض صلاحية حسن الفعل للبقاء و الارتفاع ببعض الامور الخارجة، و إذا قلنا بجريانه على الثاني: فلا بد أن نقول بجريانه على الثالث أيضا، لاشتراك العلة، و إذا قلنا بعدم جريانه على الثالث: لم يتحقق له مورد أصلا، لأن حسن المستصحب ان كان ذاتيا بالمعنى الأوّل، فقد عرفت: عدم جريان الاستصحاب معه، و ان كان ذاتيا بالمعنى الثاني فقد عرفت: عدم الفرق بينه و بين القول بالوجوه من هذه الجهة، و إذا كان القول بالوجوه مانعا منه فلا بد أن يكون القول بالذاتية بالمعنى المذكور أيضا كذلك، فلا يبقى مورد للاستصحاب أصلا» (1).

أقول: و ربما يدفع إشكال صاحب القوانين بما ملخصه: بأن صاحب القوانين لو منع عن الاستصحاب في الشريعة السابقة لزم عليه منع الاستصحاب في هذه الشريعة أيضا، لكنه حيث يقول بالاستصحاب في هذه الشريعة، فاللازم عليه‏

____________

(1)- أوثق الوسائل: ص 504 التنبيه الخامس فيما اذا كان المستصحب من أحكام الشريعة السابقة.

49

ثمّ إنّ جماعة رتّبوا على إبقاء الشرع السابق في مورد الشك تبعا لتمهيد القواعد ثمرات.

منها: إثبات وجوب نيّة الاخلاص في العبادة، بقوله تعالى، حكاية عن تكليف أهل الكتاب:

وَ ما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ‏

____________

أن يقول به بالنسبة إلى الشريعة السابقة أيضا للتلازم بينهما.

(ثمّ إنّ جماعة رتّبوا على إبقاء الشرع السابق في مورد الشك) في انه باق إلى شريعتنا أم لا؟ رتبوا عليه‏ (تبعا لتمهيد القواعد ثمرات) تالية:

(منها: إثبات وجوب نية الاخلاص في العبادة) و ذلك فيما إذا قلنا باستصحاب الشرائع السابقة لقول اللّه تعالى عنهم: وَ ما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ بخلاف ما إذا لم نقل باستصحاب الشرائع السابقة، فإنه مع انتفاء الاستصحاب لا يعتبر الاخلاص في العبادة، بل تكفي العبادة حتى مع شوبها بالرياء و السمعة و ما أشبه ذلك.

أقول: لا يخفى ان الاخلاص في العبادة لم يشترط في شريعتنا بسبب استصحاب ما تفيده الآية المباركة: من اشتراطه في الامم السابقة، بل الاخلاص مشروط في شريعتنا بسبب متواتر الروايات الدالة على ذلك، فسواء قلنا باستصحاب الشريعة السابقة، أم لم نقل به، يجب علينا الاخلاص في العبادة.

و كيف كان: فقد جعلوا من ثمرات جريان الاستصحاب في الشرائع السابقة:

لزوم الاخلاص في العبادة علينا، احتجاجا (بقوله تعالى، حكاية عن تكليف أهل الكتاب) في اممهم السابقة: (وَ ما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) أي:

يجب عليهم أن يخلصوا الدين للّه تعالى، فلا يشركوا معه غيره من الأوثان و سائر المعبودات.

50

حُنَفاءَ وَ يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَ يُؤْتُوا الزَّكاةَ وَ ذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ

.

و يرد عليه- بعد الاغماض عن عدم دلالة الآية على وجوب الاخلاص‏

____________

(حُنَفاءَ) و هذا حال عن الفاعل في ليعبدوا، و هو جمع حنيف مثل: شرفاء جمع شريف، و المراد بالحنيف المائل عن الشي‏ء، فان الكفار لما كانوا على طريقة منحرفة، فالمائل عن تلك الطريقة المنحرفة يكون حنيفا و يستلزمه ان يكون مستقيما، فيكون قوله: حُنَفاءَ تأكيدا لقوله: لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ‏، لوضوح: ان من يعبد اللّه مخلصا يكون حنيفا أيضا.

(وَ يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَ يُؤْتُوا الزَّكاةَ وَ ذلِكَ دِينُ) الملّة (الْقَيِّمَةِ) (1) فان قوله: الْقَيِّمَةِ صفة محذوف مثل: الملّة و الطريقة و ما أشبه ذلك على قول جماعة من المفسّرين، فهو مثل قول الفقهاء: الرهن وثيقة الدّين، فان الوثيقة مؤنّثا لا يكون صفة للرهن و هو مذكّر، بل الوثيقة صفة مؤنث محذوف هي العين، يعني: ان الرهن عين وثيقة للدّين.

و على أي حال: فقد استدلوا بالآية الشريفة على حكمين:

الأوّل: ان جميع ما في الشرع هو تعبّدي لا توصلي إلّا ما خرج بالدليل.

الثاني: انه يلزم فيها مضافا إلى قصد القربة خلوص النية عن الرياء و نحوه.

ثم انهم سحبوا هذين الحكمين من الشريعة السابقة بسبب الاستصحاب إلى شريعتنا و جعلوهما من ثمرات الاستصحاب.

(و يرد عليه) أي: يرد على هذا الاستدلال إشكالات أربعة أشار إليها المصنّف على النحو الآتي: (بعد الاغماض عن عدم دلالة الآية على وجوب الاخلاص‏

____________

(1)- سورة البيّنة: الآية 5.

51

بمعنى: القربة في كلّ واجب، و إنّما تدلّ على وجوب عبادة اللّه خالصة عن الشرك و بعبارة اخرى وجوب التوحيد، كما أوضحنا ذلك في باب النيّة من الفقه- أنّ الآية إنّما تدلّ على اعتبار الاخلاص، في واجباتهم فان وجبت علينا، وجب فيها الاخلاص‏

____________

بمعنى: القربة في كلّ واجب) من فروع الدين حتى يكون الأصل في الواجبات الفرعية هو التعبّدية (و إنّما تدلّ) الآية (على وجوب عبادة اللّه خالصة عن الشرك) باللّه، و هو معنى التوحيد، فالآية إذن تدل على أصل من اصول الدين و هو التوحيد في العبادة.

(و بعبارة اخرى): الآية تدل على أحد أركان اصول الدين فقط و هو (وجوب التوحيد، كما أوضحنا ذلك في باب النيّة من الفقه) في كتاب الطهارة.

إذن: فليس معنى الآية المباركة هو: أصالة التعبّدية في كل واجب إلّا ما خرج، و لا وجوب الاخلاص في العبادات، بل تدل الآية على معنى ثالث و هو: لزوم التوحيد، فلا يستفاد الاستصحاب من الآية، و ذلك لأن المعنيين الأولين لا دلالة للآية عليهما، و المعنى الثالث و هو عدم الشرك باللّه فانه ثابت بالنسبة إلينا، فلا حاجة إلى الاستصحاب.

الثاني: سلّمنا ان الآية ليست بصدد المعنى الثالث، لكن نقول: ترتيب المحمول و هو: الاخلاص فرع على إحراز الموضوع و هو: كون الواجب عبادة، و ذلك‏ (أنّ الآية إنّما تدلّ على اعتبار الاخلاص في واجباتهم) العبادية (فان وجبت) تلك العبادات كالصلاة و الصوم و الحج و الزكاة و ما أشبه ذلك‏ (علينا، وجب فيها الاخلاص) علينا أيضا.

52

لا على وجوب الاخلاص عليهم في كلّ واجب.

و فرق بين وجوب كلّ شي‏ء عليهم لغاية الاخلاص و بين وجوب قصد الاخلاص عليهم في كلّ واجب.

و ظاهر الآية هو الأوّل، و مقتضاه: أنّ تشريع الواجبات لأجل تحقق العبادة على وجه الاخلاص،

____________

هذا هو مدلول الآية (لا) ان الآية تدل‏ (على وجوب الاخلاص عليهم في كلّ واجب) و ان لم يكن عبادة حتى يكون دليلا على ان الأصل في الواجبات هو التعبدية، فالآية إذن لا تدل على أصالة التعبّدية في كل واجب، و إنّما تدل على معنى آخر، و هو: ان الاخلاص واجب عليهم في عبادتهم.

الثالث: بالفرق بين الحيثية التعليلية و الحيثية التقييدية و ذلك كما قال‏ (و فرق بين وجوب كلّ شي‏ء) أي: كل واجب عبادة كان و غير عبادة، فانه يجب‏ (عليهم لغاية الاخلاص) و هو حيث تعليلي يعني: حتى يحصلوا نتيجة إتيانهم بهذه الواجبات على الاخلاص فيصبحوا مخلصين للّه تعالى و هذا هو مفاد الآية عند المصنّف.

(و بين وجوب قصد الاخلاص عليهم في كلّ واجب) و هو حيث تقييدي يعني: انهم إذا لم يقصدوا الاخلاص في الواجبات عبادة كانت أو غير عبادة لم يقبل ذلك الواجب منهم، ممّا يدل على أصالة التعبدية في الواجبات، و هذا هو المعنى الذي لم يرتضه المصنّف و لذلك قال:

(و ظاهر الآية هو الأوّل) أي: وجوب كل شي‏ء عليهم لغاية الاخلاص‏ (و مقتضاه: أنّ تشريع الواجبات) على اولئك الأقوام إنّما كان‏ (لأجل تحقق العبادة على وجه الاخلاص) فانه إنّما أوجب اللّه عليهم الواجبات لأجل‏

53

و مرجع ذلك إلى كونها لطفا.

و لا ينافي ذلك كون بعضها بل كلّها توصّليّا لا يعتبر في سقوطه قصد القربة.

____________

حصولهم على الاخلاص للّه سبحانه و تعالى، مثل: إيجاب التمرينات الرياضية على الناس لأجل حصولهم على القوة الجسدية- مثلا-.

(و مرجع ذلك) أي: ما ذكرناه من قولنا: و مقتضاه ان تشريع الواجبات لأجل تحقق العبادة على وجه الاخلاص‏ (إلى كونها) أي: كون الواجبات‏ (لطفا) من اللّه تبارك و تعالى على عباده، و ذلك حسب ما فهمه المصنّف من هذه الآية المباركة.

و عليه: فان اللّه تعالى أراد أن يتقرّب إليه عبادة قربا معنويا، و حيث ان ذلك القرب لا يحصل إلّا بالاخلاص النفسي، و الاخلاص النفسي لا يحصل إلّا بالعبادة، أوجب عليهم العبادة لحصول الاخلاص، و أراد الاخلاص لحصول القرب المعنوي إليه، فهو كما إذا أراد الملك الغلبة على أعدائه، و الغلبة لا تحصل إلّا بالقوة الجسدية لأفراد جيشه و القوة الجسدية لا تحصل فيهم إلّا بالتمرينات الرياضية في كل يوم، فيوجب عليهم الرياضة كل يوم و يقول: ما أمرتهم بالرياضة إلّا لأجل الغلبة على الأعداء.

(و) من المعلوم: انه‏ (لا ينافي ذلك) الذي ذكرناه: من الواجبات لغاية الحصول على الاخلاص‏ (كون بعضها) أي: بعض الواجبات‏ (بل كلّها توصّليّا) كتطهير النجس- مثلا- ممّا (لا يعتبر في سقوطه قصد القربة) فان القرب منه سبحانه يحصل بالاخلاص، و الاخلاص يحصل بالواجبات، فمن أين يستدل بهذه الآية على وجوب قصد القربة في كل واجب حتى يقال بأصالة التعبّدية

54

و مقتضى الثاني كون الاخلاص واجبا شرطيّا في كلّ واجب، و هو المطلوب.

هذا كلّه مع أنّه يكفي في ثبوت الحكم في شرعنا قوله تعالى:

وَ ذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ

____________

في تلك الامم، ثم تستصحب إلى امتنا؟.

هذا كله مقتضى المعنى الأوّل الذي أشار إليه المصنّف بقوله: «فرق بين وجوب كل شي‏ء عليهم لغاية الاخلاص» و هو الذي قد ارتضاه المصنّف.

(و) اما (مقتضى الثاني) الذي أشار إليه المصنّف بقوله: «و بين وجوب قصد الاخلاص عليهم في كل واجب»، فان مقتضاه الذي لم يرتضه المصنّف هو:

(كون الاخلاص واجبا شرطيّا في كلّ واجب) ممّا يدل على أصالة التعبدية في الواجبات، فلا واجب توصلي حتى يسقط بدون قصد القربة إلّا ما خرج بالدليل.

(و) عليه: فيكون هذا المعنى الثاني‏ (هو المطلوب) للمستدل، حيث ان المستدل أراد أن يستدل بهذه الآية منضما إلى الاستصحاب بانه لا يسقط واجب من الواجبات في هذه الشريعة إلّا بقصد القربة إلّا ما خرج بالدليل، فاذا شك في واجب انه تعبدي أو توصلي، فالأصل هو التعبّدية، و لكن هذا المعنى- كما أشرنا إليه- خلاف ظاهر الآية عند المصنّف.

(هذا كلّه) هو تمام الاشكالات الثلاثة على الاستدلال بالآية المباركة لاثبات أصالة التعبّدية و وجوب إخلاص النية في هذه الشريعة، و أما رابع الاشكالات فهو ما أشار إليه بقوله: الرابع: احتمال معنى الثابتة لكلمة: «الْقَيِّمَةِ» كما قال: (مع أنّه يكفي في ثبوت الحكم في شرعنا قوله تعالى: وَ ذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ) (1) فإنه‏

____________

(1)- سورة البينة: الآية 5.