الوصائل إلى الرسائل‏ - ج15

- السيد محمد الحسيني الشيرازي المزيد...
424 /
5

[تتمة المقصد الثالث‏]

[تتمة التعادل و التراجيح‏]

[تتمة المقام الأول و هو ترجيح أحد الخبرين بالمزية الداخلية]

و لا ريب أنّ مقتضى القاعدة المنع عمّا لم يعلم جواز العلم به من الأمارات، و هي ليست مختصّة بما إذا شكّ في أصل الحجيّة ابتداء، بل تشمل ما إذا شكّ في الحجيّة الفعليّة مع إحراز الحجيّة الشأنية.

فإنّ المرجوح و إن كان حجّة في نفسه إلّا أنّ حجيّته فعلا مع معارضة الراجح،

____________

و بعبارة أخرى: إنّ ما نحن فيه من مسئلة تعارض الخبرين هي من المسائل الأصولية، لدوران أمر الأمارات فيه بين التعيين و التخيير، فهي، خارجة عن مسألة دوران الأمر بين التعيين و التخيير بالنسبة إلى خصال الكفارة التي هي من المسائل الفرعية (و لا ريب أنّ مقتضى القاعدة) أي: مقتضى أصالة العدم الجارية في المقام هو: (المنع عمّا لم يعلم جواز العمل به من الأمارات) لأنّه يرجع إلى الشك في حجيّة تلك الأمارة، و الشك في الحجية مسرح عدم الحجية.

و عليه: فإنّ هذه القاعدة (و هي) قاعدة أصالة العدم التي ذكرناها هنا و قلنا بأنّها تقتضي المنع عما لم يعلم جواز العمل به من الأمارات‏ (ليست مختصّة بما إذا شكّ في أصل الحجيّة ابتداء) كالشك في حجيّة الشهرة، أو الاجماع المنقول، أو ما أشبه ذلك‏ (بل تشمل ما إذا شكّ في الحجيّة الفعليّة مع إحراز الحجيّة الشأنية) فإنّ الخبرين المتعارضين لا شكّ أنّهما حجّة شأنا، و إنّما نشك في أن المرجوح هل هو حجّة فعلا أم لا؟ (فإنّ المرجوح و إن كان حجّة في نفسه) شأنا في ظرف عدم التعارض، و ذلك لأنه جامع لشرائط الحجية (إلّا أن حجيّته فعلا) مشكوكة (مع معارضة الراجح) له لفرض أن الراجح و المرجوح متعارضان و إذا كانت حجيّته مشكوكة فالأصل عدم حجية.

6

بمعنى جواز العمل به فعلا غير معلوم، فالأخذ به و الفتوى بمؤدّاه، تشريع محرّم بالأدلّة الأربعة.

هذا، و التحقيق: إنّا إن قلنا بأنّ العمل بأحد المتعارضين- في الجملة- مستفاد من حكم الشارع به بدليل الاجماع و الأخبار العلاجيّة،

____________

هذا، و المقصود من حجيّة المرجوح فعلا هو (بمعنى: جواز العمل به) أي:

بالمرجوح‏ (فعلا) أي: عند ابتلائه بالمعارض الذي هو أرجح منه، و الجواز هنا (غير معلوم) لأنا لا نعلم هل أن الشارع جعله في هذه الحال حجّة أم لا؟ و معه‏ (فالأخذ به) أي: بالمرجوح‏ (و الفتوى بمؤدّاه، تشريع محرّم بالأدلّة الأربعة) التي ذكرناها في باب التشريع من الكتاب و السنة و الاجماع و العقل.

(هذا) هو تمام الكلام في جواب من أشكل بأن قلت‏ (و التحقيق) في أنه هل يجوز العمل بالمرجوح تخييرا بينه و بين الراجح، أو لا يجوز العمل بالمرجوح بل يلزم العمل بالراجح؟ مبني على ثلاثة احتمالات:

الأوّل: استفادة وجوب العمل بالراجح أو عدم وجوبه من أخبار العلاج.

الثاني: استفادته من مطلق الأخبار بناء على الطريقية.

الثالث: استفادته من مطلق الأخبار بناء على السببية، و على كل واحد من هذه المباني، يختلف القول بالترجيح أو بالتخيير، و سيأتي إن شاء الله تعالى كلام المصنّف في كل منها.

أمّا الاحتمال الأوّل: فهو ما أشار إليه المصنّف بقوله‏ (إنّا إن قلنا بأنّ العمل بأحد المتعارضين- في الجملة-) من غير نظر الى التعيين و التخيير (مستفاد من حكم الشارع به) أي: بالعمل بأحد المتعارضين‏ (بدليل الاجماع و الأخبار العلاجيّة) أي: أنه لو لا الاجماع و الأخبار العلاجية على عدم تساقط الخبرين المتعارضين،

7

كان اللّازم الالتزام بالراجح و طرح المرجوح، و إن قلنا بأصالة البراءة عند دوران الأمر في المكلّف به بين التعيين و التخيير، لما عرفت من أنّ الشكّ في جواز العمل بالمرجوح فعلا، و لا ينفع وجوب العمل به عينا في نفسه، مع قطع النظر عن المعارض،

____________

كان اللازم الحكم بالتساقط، لكن بعد قيام الاجماع و الأخبار العلاجية على عدم التساقط و وجوب العمل بأحدهما في الجملة إما تخييرا و إما تعيينا (كان اللازم الالتزام بالراجح و طرح المرجوح).

و إنّما كان اللازم الأخذ بالراجح دون المرجوح، لأنه و إن كان في الاجماع و الأخبار العلاجية الدّالة على ذلك إجمال من حيث الدلالة، فليست هي صريحة في اعتبار المزية حتى يجب العمل بالراجح فقط، و لا في عدم اعتبار المزية حتى يكون المكلّف مخيّرا بينهما، إلّا أنّه يلزم العمل بالراجح لأنّه مبرئ للذمة حتى‏ (و إن قلنا: بأصالة البراءة) من التعيين، لا الاحتياط بالأخذ بالمعيّن‏ (عند دوران الأمر في المكلّف به بين التعيين و التخيير) و ذلك‏ (لما عرفت: من أنّ الشّك) كائن‏ (في جواز العمل بالمرجوح فعلا) و إن جاز العمل به شأنا، فهو فعلا مشكوك الحجية و الأصل عدم حجيته.

لا يقال: أنّ المرجوح كان سابقا قبل التعارض يجب العمل به عينا في نفسه، فإذا ابتلي بالمعارض الراجح نشك في سقوط وجوب العمل به، فنستصحب بقاءه.

لأنّه يقال: (و لا ينفع) استصحاب ما كان سابقا من‏ (وجوب العمل به) أي:

بالمرجوح‏ (عينا في نفسه، مع قطع النظر عن المعارض) و ذلك لأنّه عند ما ابتلي بالمعارض الراجح، صار مشكوك الحجية فعلا، و إذا صار فعلا مشكوك الحجية

8

فهو كأمارة لم تثبت حجيّتها أصلا.

و إن لم نقل بذلك، بل قلنا باستفادة العمل بأحد المتعارضين من نفس أدلّة العمل بالأخبار، فإن قلنا بما اخترناه من أنّ الأصل التوقف، بناء على اعتبار الأخبار من باب الطريقيّة و الكشف الغالبي عن الواقع، فلا دليل على وجوب الترجيح بمجرّد قوّة في أحد الخبرين، لأنّ كلّا منهما جامع لشرائط الطريقية.

____________

(فهو كأمارة لم تثبت حجيّتها أصلا) لما عرفت: من أن الشك في الحجية الفعلية يوجب سقوطها عن الحجية، كالشك في أصل الحجية، و لا يكفينا الحجية الشأنية بعد شكنا في أنه حجّة فعلا أم لا.

هذا إن قلنا بأن العمل بأحد المتعارضين مستفاد من الاجماع و الأخبار العلاجية (و إن لم نقل بذلك، بل قلنا باستفادة العمل بأحد المتعارضين من نفس أدلة العمل بالأخبار) مثل: آية النبأ و غيرها، فالدليل ليس هو الاجماع و الأخبار العلاجية كما كان في الاحتمال الأوّل، بل هو مطلق الأدلة الدالة على العمل بالخبر الواحد و بناء على أن الدليل هو مطلق الأدلة المذكورة يتفرّع منه الاحتمال الثاني، و الاحتمال الثالث، الذي سبق الاشارة إليهما إجمالا، و إليك تفصيلها:

و أمّا الاحتمال الثاني: فهو ما أشار إليه المصنّف بقوله: (فإن قلنا) على هذا الاحتمال‏ (بما اخترناه: من أنّ الأصل التوقّف، بناء على اعتبار الأخبار من باب الطريقية، و) هو: (الكشف الغالبيّ عن الواقع) لا السببية، فإنّه إذا بنينا عليه‏ (فلا دليل) معه‏ (على وجوب الترجيح بمجرّد قوّة) حاصلة من وجود مزية (في أحد الخبرين) و ذلك‏ (لأنّ كلا منهما جامع لشرائط الطريقية) فيكون ذلك سبب شمول أدلة حجيّة الأخبار لكل من الراجح و المرجوح معا.

9

و التمانع يحصل بمجرّد ذلك، فيجب الرجوع إلى الاصول الموجودة في تلك المسألة إذا لم يخالف كلا المتعارضين.

فرفع اليد عن مقتضى الأصل المحكّم في كلّ ما لم يكن طريق فعليّ على خلافه‏

____________

إن قلت: مجرّد وجود قوة في أحد الخبرين يخرجهما عن مورد التعادل إلى مورد الترجيح ممّا يوجب العمل بالراجح دون المرجوح.

قلت: (و التمانع) أي: التعارض المؤدّي للتوقف‏ (يحصل بمجرّد ذلك) أي:

بمجرّد كون كل واحد منهما جامعا لشرائط الطريقية، فإنّه بمجرّد ذلك يشملهما أدلة حجية الأخبار، فيتعارضان و يتساقطان عن الطريقية في خصوص مؤدّاهما حتى و إن كان في أحدهما قوة بسبب وجود مزية فيه مزيّة لم يثبت اعتبارها.

و عليه: (فيجب الرجوع إلى الأصول الموجودة في تلك المسألة إذا لم يخالف) الأصل الموجود في تلك المسألة (كلا المتعارضين) و مخالفة الأصل لكلا المتعارضين مثل: ما دلّ على وجوب الجمعة، و على وجوب الظهر، حيث أن الأصل يخالف كليهما، بخلاف ما إذا لم يخالف الأصل كليهما مثل: دليل وجوب غسل الجمعة و دليل ندبه، حيث أن أصل البراءة يوافق دليل الندب فيجب الرجوع إليه.

إذن: (فرفع اليد عن مقتضى الأصل) كأصل البراءة في مثال غسل الجمعة (المحكّم) هذا الأصل‏ (في كلّ ما لم يكن طريق فعليّ على خلافه) أي: على خلاف ذلك الأصل، و إن كان طريقا شأنا، فإنّ الشأنية لا تكفي لرفع اليد عن مقتضى الأصل، و ذلك لأنّه يجب اتباع الأصل إلى أن يقول طريق فعليّ‏

10

بمجرّد مزيّة لم يعلم اعتبارها، لا وجه له.

لأنّ المعارض المخالف بمجرّده ليس طريقا فعليّا لابتلائه بالمعارض الموافق للأصل،

____________

على خلافه، فما دام لم يقم طريق فعليّ على خلاف الأصل فرفع اليد عن مقتضاه‏ (بمجرّد مزيّة) في أحد الخبرين المتعارضين‏ (لم يعلم اعتبارها) أي: اعتبار تلك المزية (لا وجه له).

و إنّما لا وجه لرفع اليد عن مقتضى الأصل بمجرّد وجود مزية في الخبر الآخر لأن المفروض أن كل واحد من الخبرين هو حجّة، و المزيّة حسب الفرض لم يثبت اعتبارها، فكيف يرفع اليد عن أحد الحجّتين بمجرّد وجود مزيّة غير ثابتة الاعتبار في الحجّة الأخرى؟ فإنّه من قبيل أنقذ الغريق، الشامل لوجوب انقاذ زيد و عمرو، اللذين غرقا معا، غير أنّه يقال له: يجب إنقاذ زيد خاصة غير مخيّر بينه و بين عمرو، و ذلك لأن زيدا- مثلا- جار لنا أو ابن صديقنا أو ما أشبه ذلك من المزايا، التي لا توجب تعيين زيد للانقاذ دون عمرو، فكما أنّه لا يجب التعيين هنا بهذه المزية، فكذلك فيما نحن فيه.

و الحاصل: أنه يجب الرجوع إلى الأصل الموجود في تلك المسألة إذا لم يخالف الأصل كلا المتعارضين، و لا وجه لرفع اليد عن مقتضى الأصل في أحدهما لوجود مزيّة في الآخر المخالف للأصل، و ذلك‏ (لأنّ المعارض المخالف) للأصل‏ (بمجرّده) أي: مع قطع النظر عن رجحانه بمزيّة لم يثبت اعتبارها (ليس طريقا فعليّا) و إن كان طريقا شأنا، إلّا أنه لا يجدي فعلا (لابتلائه بالمعارض الموافق للأصل).

إن قلت: وجود المزية في الآخر يؤثر في رفع المعارض الذي لا مزية له،

11

و المزيّة الموجودة لم يثبت تأثيرها في رفع المعارض.

و توهّم: «استقلال العقل بوجوب العمل بأقرب الطريقين إلى الواقع، و هو الراجح» مدفوع: بأنّ ذلك إنّما هو فيما كان بنفسه طريقا، كالأمارات المعتبرة لمجرّد إفادة الظنّ، و أمّا الطرق المعتبرة شرعا من حيث إفادة نوعها الظنّ، و ليس اعتبارها

____________

فيرتفع و يبقى ذو المزية فقط، فيجب العمل به.

قلت: (و المزيّة الموجودة لم يثبت تأثيرها في رفع المعارض) حتى يرتفع و يبقى ذو المزية فقط، و ذلك لما عرفت: من أن المزيّة لم يثبت اعتبارها كما هو المفروض فلا تستطيع من رفع المعارض.

(و) إن قلت: أن اللازم هو العمل بالخبر الراجح لأنه أقرب الى الواقع من الخبر المرجوح، فلا تعارض بينهما حتى يتساقطان عن الطريقية في خصوص مؤدّاهما و يكون المرجع الأصل.

قلت: (توهّم استقلال العقل بوجوب العمل بأقرب الطريقين إلى الواقع، و هو) أي: ذلك الطريق الأقرب للواقع‏ (الراجح، مدفوع: بأنّ ذلك) أي:

استقلال العقل بالحكم المذكور (إنّما هو فيما كان بنفسه طريقا) أي: في الدليل الذي كان منوطا بالظن الشخصي‏ (كالأمارات المعتبرة) اعتبارا مطلقا (لمجرّد إفادة الظنّ) الشخصي، فإذا كان هناك طريقان ظنيان في أنفسهما، لكن المكلّف يظنّ بأن هذا الطريق أقرب إلى الواقع من ذاك الآخر، فإنّه يعمل بظنه الشخصي دون الوهم.

(و أمّا الطرق) و الأمارات‏ (المعتبرة شرعا) اعتبارا خاصا (من حيث إفادة نوعها الظنّ، و) ذلك مثل الخبر الواحد و سائر الأمارات التي‏ (ليس اعتبارها

12

منوطا بالظنّ، فالمتعارضان المفيدان- بالنوع- للظنّ في نظر الشارع سواء.

و ما نحن فيه من هذا القبيل، لأنّ المفروض أنّ المعارض المرجوح لم يسقط من الحجيّة الشأنيّة كما يخرج الأمارة المعتبرة بوصف الظنّ عن الحجيّة، إذا كان معارضها أقوى.

____________

منوطا بالظنّ) الشخصي، حتى يقال: بأن هذا المظنون يجب العمل به دون طرفه الآخر الموهوم، و معه‏ (فالمتعارضان المفيدان- بالنوع- للظنّ في نظر الشارع سواء) فلا ترجيح لأحدهما على الآخر، و حيث لا ترجيح فهما يتعارضان و يتساقطان عن الطريقية في خصوص مؤدّاهما و يكون المرجع: الأصل الموافق لأحدهما.

و عليه: فقد تبيّن أن رفع اليد عن مقتضى الأصل، المحكّم هذا الأصل في كل ما لم يكن طريق فعليّ على خلافه، يكون رفع اليد عنه بمجرّد وجود مزية في أحد الخبرين دون الآخر ممّا لا وجه له، و ذلك لما عرفت: من أنه لم يثبت اعتبار هذه المزية فكيف تكون المزية غير المعتبرة مرجّحة لطريق على طريق؟.

(و ما نحن فيه) هو تعارض الخبرين‏ (من هذا القبيل) أي: من قبيل تعارض دليلين معتبرين من باب الظنّ النوعي، فإنّهما بنظر الشارع سواء، حتى و إن كان أحدهما ذا مزية، و ذلك‏ (لأنّ المفروض: أنّ المعارض المرجوح لم يسقط من الحجية الشأنية) لفرض أنه جامع لشرائط الحجيّة، إلّا أنه مبتلى بالمعارض، فلا يخرج معه عن الحجية (كما يخرج الأمارة المعتبرة بوصف الظنّ) الشخصي، أو بوصف عدم الظنّ على الخلاف‏ (عن الحجّية، إذا كان معارضها أقوى) و ذلك لأنّ في هذا المعارض ظن شخصي و في المعارض الآخر لا يوجد ظن شخصي، و ما فيه ظن شخصي هو الأقوى إذا فرض أنّ الظنّ الشخصي هو المعيار،

13

و بالجملة: فاعتبار قوّة الظنّ في الترجيح في تعارض ما لم ينط اعتباره بإفادة الظنّ أو بعدم الظنّ على الخلاف لا دليل عليه.

و إن قلنا بالتخيير، بناء على اعتبار الأخبار من باب السببيّة و الموضوعيّة، فالمستفاد بحكم العقل من دليل وجوب‏

____________

لوضوح: أن هذا المظنون هو الحجة دون غيره، لأنّ غيره يكون موهوما.

و الحاصل: أنّ ما كان حجيّته من باب الظنّ النوعي، كان المتعارضان بلا فرق بين الراجح و المرجوح منهما بنظر الشارع على حدّ سواء، بينما ما كان حجيته من باب الظنّ الشخصي كان المظنون للمكلّف مقدّما على طرفه الذي هو موهوم له، كما قال: (و بالجملة: فاعتبار قوّة الظنّ في الترجيح) لذي المزية (في تعارض ما لم ينط اعتباره بإفادة الظنّ) الشخصي‏ (أو) لم ينط اعتباره‏ (بعدم الظنّ على الخلاف، لا دليل عليه) فإنّه إذا كان مناط الحجية الظنّ الشخصي بالوفاق، أو كان مناط الحجية عدم الظنّ الشخصي على الخلاف، فاللازم الأخذ بما يظن به شخصيا من المتعارضين، أو بما لا يظن شخصيا على خلافه، لكن الخبرين المتعارضين ليس مناط حجيتهما الظنّ بالوفاق أو عدم الظنّ بالخلاف، و لذلك يتعارضان و يتساقطان عن الطريقية في خصوص مؤدّاهما، و يكون المرجع الأصل العملي، بعد فرض عدم اعتبار المزية التي في أحدهما حتى يرجّح بها خبرا على خبر.

و أمّا الاحتمال الثالث: فهو ما أشار إليه المصنّف بقوله: (و إن قلنا بالتخيير) لكن لا بناء على اعتبار الأخبار من باب الطريقية و الكشف الغالبي، بل‏ (بناء على اعتبار الأخبار من باب السببيّة و الموضوعيّة) أي: بأن يكون الخبران المتعارضان من قبيل إنقاذ الغريقين متزاحمين‏ (فالمستفاد بحكم العقل من دليل وجوب‏

14

العمل بكلّ من المتعارضين مع الامكان، كون وجوب العمل بكلّ منهما عينا مانعا عن وجوب العمل بالآخر كذلك.

و لا تفاوت بين الوجوبين في المانعيّة قطعا، و مجرّد مزيّة أحدهما على الآخر بما يرجع إلى أقربيّته إلى الواقع، لا يوجب كون وجوب العمل بالراجح مانعا عن العمل بالمرجوح، دون العكس،

____________

العمل بكلّ من المتعارضين) بعينه علما بأن الخبر إذا كان ممّا يجب العمل به بعينه وجب العمل به‏ (مع الامكان) بمعنى: أنّه مع التعارض لا يمكن العمل بكل منهما بعينه، لأن‏ (كون وجوب العمل بكلّ منهما عينا) بخصوصه و شخصه‏ (مانعا عن وجوب العمل بالآخر كذلك) أي: عينا بخصوصه و شخصه‏ (و) من المعلوم: أنّه‏ (لا تفاوت بين الوجوبين في المانعيّة قطعا) حتى و إن كان أحدهما ذا مزية، و ذلك لأنّ كلا منهما بمجرّد وجوب العمل به يكون مانعا عن العمل بالآخر، من دون مدخلية للمزية فيه، فلا يتمكن المكلّف من العمل بهذا بعينه، و بذلك بعينه، فيحصل التكافؤ بينهما الذي ينتج بالأخرة التخيير.

(و) إن قلت: إنّ وجود المزية في أحدهما يجعله أقرب إلى الواقع من الآخر، فيلزم ترجيح ذي المزية على ما لا مزيّة فيه.

قلت: ملاك الترجيح في الخبرين المتعارضين على السببية حيث يكونان من المتزاحمين هو: الأهمية، لا كل مزية، و لذا فإنّ‏ (مجرّد مزيّة أحدهما على الآخر بما) أي: بمزيّة لا ترجع إلى الأهمية، بل‏ (يرجع إلى أقربيّته إلى الواقع، لا يوجب كون وجوب العمل بالراجح مانعا عن العمل بالمرجوح، دون العكس) فإنّ العكس أيضا تام، و هو: كون وجوب العمل بالمرجوح مانعا عن العمل بالراجح، لفرض أن مزية الأقربية في أحدهما- على السببية- لا توجب إسقاط الآخر

15

لأنّ المانع بحكم العقل هو مجرّد الوجوب، و المفروض وجوده في المرجوح و ليس في هذا الحكم العقلي إهمال و إجمال و واقع مجهول حتى يحتمل تعيين الراجح و وجوب طرح المرجوح.

____________

عن الحجية، فهما باقيان على الحجية، حالهما حال الصلاة خلف نفرين كل منهما عادل، لكن لأحدهما مزيّة العلم دون الآخر، فإن مزية العلم في أحدهما لا توجب تعيّن الصلاة خلفه دون الآخر، لفرض وجود الملاك في كل منهما.

و إنّما لا توجب المزيّة أن يكون وجوب العمل بالراجح مانعا عن العمل بالمرجوح دون العكس‏ (لأنّ المانع) عن العمل بكل من الراجح و المرجوح عينا (بحكم العقل هو) التكافؤ الحاصل من‏ (مجرّد الوجوب) بلا مدخلية للمزية، فإن مجرّد وجوب العمل بكل منهما عينا مانع عقلا (و المفروض وجوده) أي:

وجود هذا الوجوب‏ (في المرجوح) أيضا كما هو موجود في الراجح، يعني: أن العقل إنّما يحكم بالتمانع، فيما إذا كان ملاك الحجية في كل واحد منهما موجودا، و المفروض أن هذا الملاك موجود فيهما معا.

(و) إن قلت: إنّ حكم العقل بالتخيير إنّما هو في صورة التعادل، و أما مع وجود مزية في أحدهما فإنّ العقل يتوقّف، فيكون في حكمه بالتخيير إهمال و إجمال من حيث العمل بأحدهما تخييرا، أو بذي المزية تعيينا، فاللّازم الأخذ بالراجح من باب أنّه المتيقن.

قلت: (ليس في هذا الحكم العقلي) بالتخيير هنا (إهمال و إجمال و واقع مجهول) بحيث يشك العقل و لا يعلم بأنه هل في هذه الحال يحكم بالتخيير، أو يحكم بتعيين ذي المزية؟ (حتى يحتمل تعيين الراجح و وجوب طرح المرجوح) و ذلك لأنّ العقل يستقل بالتخيير مع رجحان أحدهما بسبب المزية

16

و بالجملة: فحكم العقل بالتخيير نتيجة وجوب العمل بكلّ منهما في حدّ ذاته.

و هذا الكلام مطّرد في كلّ واجبين متزاحمين.

نعم، لو كان الوجوب في أحدهما آكد، و المطلوبيّة فيه أشدّ،

____________

الموجودة فيه رجحانا لا يوجب تقديمه على الآخر تقديما تعيينيا.

(و بالجملة: فحكم العقل بالتخيير نتيجة وجوب العمل بكلّ منهما في حدّ ذاته) أي: أن كل واحد منهما حيث كان جامعا لشرائط السببية وجب العمل به لو لا التعارض، فيجتمع هنا سببان متعارضان، و المزية لا تكون بحدّ توجب تعيين ذي المزية على ما لا مزية فيه، فيحكم العقل فيهما بالتخيير على ما عرفت.

(و هذا الكلام) الذي قلناه في حكم العقل بالتخيير، من دون تعيين الراجح على المرجوح، إذا لم يكن الرجحان بحيث يوجب التعيين‏ (مطّرد في كلّ واجبين متزاحمين) مثل: إنقاذ الغريقين بالنسبة إلى من لا يتمكن إلّا من إنقاذ أحدهما، أو خلاص من يريد الظالم قتلهما و هو لا يقدر إلّا على خلاص أحدهما، أو إطعام جائعين مشرفين على الموت و هو لا يقدر إلّا على إطعام أحدهما، أو إنقاذ امرأتين ممّن يريد هتك عرضهما و هو لا يتمكن إلّا من إنقاذ إحداهما، و هكذا حفظ مالين كثيرين مشرفين على التلف و هو لا يتمكن إلّا من حفظ أحدهما، و غير ذلك ممّا يدّل على أن العقل يحكم بالتخيير في الواجبين المتزاحمين بلا فرق فيهما بين الأموال و الأعراض و النفوس.

(نعم، لو كان الوجوب في أحدهما آكد، و المطلوبيّة فيه أشدّ) بحيث يكون أحدهما أهم من الآخر، فالأهمية لو كان على نحو المنع عن النقيض، كانقاذ عالم أو جاهل غرقا معا أو أراد العدو قتلهما، أو ما أشبه ذلك من المتزاحمين أمثلة

17

استقلّ العقل عند التزاحم بوجوب ترك غيره و كون وجوب الأهمّ مزاحما لوجوب غيره من دون عكس.

و كذا لو احتمل الأهمية في أحدهما دون الآخر.

و ما نحن فيه ليس كذلك قطعا، فإنّ وجوب العمل بالراجح من الخبرين ليس آكد من وجوب العمل بغيره.

هذا، و قد عرفت فيما تقدّم أنّا لا نقول بأصالة التخيير في تعارض‏

____________

(استقلّ العقل عند التزاحم بوجوب ترك غيره) أي: غير الأهم‏ (و كون وجوب الأهمّ) حينئذ (مزاحما لوجوب غيره) الذي ليس بأهم‏ (من دون عكس) فليس المهمّ مزاحما للأهم حتى يتساويان و يتخيّر المكلّف بينهما، بل الأهم مزاحم للمهمّ، فاللازم تقديم الأهم.

(و كذا لو احتمل الأهمية في أحدهما دون الآخر) فيما إذا كان الاحتمال كافيا في الترجيح اللزومي، و ذلك كما إذا غرق اثنان يحتمل أن يكون من في طرف يمينه هو العالم، دون من في طرف يساره، فإنّه يلزم عليه انقاذ من في طرف اليمين لا اليسار، لأنّ الاحتمال كان بحيث يوجب تقديم المحتمل على غيره عقلا.

هذا (و) لكن‏ (ما نحن فيه) من تعارض الخبرين بناء على السببية (ليس كذلك قطعا، فإنّ وجوب العمل بالراجح من الخبرين ليس آكد) و لا أهم إلى حدّ المنع عن النقيض‏ (من وجوب العمل بغيره) الذي هو المرجوح، و ذلك لفرض أن الأدلة الدالة على وجوب العمل بالخبر يشمل كلا من الراجح و المرجوح على حد سواء.

(هذا، و قد عرفت فيما تقدّم أنّا لا نقول بأصالة التخيير في تعارض‏

18

الأخبار، بل و لا غيرها من الأدلّة، بناء على أنّ الظاهر من أدلّتها و أدلّة حكم تعارضها كونها من باب الطريقيّة، و لازمه التوقف، و الرجوع إلى الأصل المطابق لأحدهما، أو أحدهما المطابق للأصل.

إلّا أنّ الدليل الشرعيّ دلّ على وجوب‏

____________

الأخبار، بل و لا غيرها) أي: غير الأخبار (من الأدلّة) و الأمارات، و ذلك لما مرّ:

من أن الأخبار و سائر الأمارات حجّة من باب الطريقية و الكاشفية، لا من باب الموضوعية و السببية، و التخيير إنّما هو في باب السببية و الموضوعية، و أما الأخبار التي حجيّتها من باب الطريقية و الكاشفية فإنها إذا تعارض بعضها مع بعض تساقطت عن الطريقية في خصوص مؤدّاها، و لزم الرجوع إلى الأصل في المسألة.

و عليه: فإنّ حجية الأخبار (بناء على أنّ الظاهر من أدلّتها) أي: من أدلة حجية الأخبار (و أدلّة حكم تعارضها) في باب العلاج‏ (كونها) أي: كون حجية الأخبار (من باب الطريقيّة) البحتة (و لازمه) أي: لازم كونها حجّة من باب الطريقية هو:

(التوقف، و الرجوع إلى الأصل المطابق لأحدهما) بناء على أن يكون الأصل مرجعا (أو أحدهما المطابق للأصل) بناء على أن يكون الأصل مرجّحا، و قد عرفت: أنّه على فرض مخالفة الأصل لهما، كما في وجوب الجمعة و وجوب الظهر، يتخيّر عقلا بين الاحتمالين بعد نفي الخبرين الثالث، فإذا لم يكن الثالث يتخيّر عقلا بين أن يأخذ بهذا أو بذاك.

هذا هو الأصل الأوّلي في تعارض الخبرين بناء على الطريقية (إلّا أنّ الدليل الشرعيّ) الوارد في الأخبار العلاجية بعنوان الأصل الثانوي‏ (دلّ على وجوب‏

19

العمل بأحد المتعارضين في الجملة، و حيث كان ذلك بحكم الشرع فالمتيقن من التخيير هو صورة تكافؤ الخبرين.

أمّا مع مزيّة أحدهما على الآخر من بعض الجهات، فالمتيقّن هو جواز العمل بالراجح.

و أمّا العمل بالمرجوح فلم يثبت، فلا يجوز الالتزام،

____________

العمل بأحد المتعارضين في الجملة) تخييرا مع عدم المرجّح، و تعيينا مع وجود المرجّح ممّا يكون معنى ذلك عدم التوقف في العمل.

هذا، (و حيث كان ذلك) الدليل الدالّ على العمل بأحد المتعارضين في الجملة (بحكم الشرع) لأنّ الشارع هو الذي أوجب ذلك حسب أخبار العلاج، إذ قد عرفت: أن الأصل الأوّلي في تعارض الخبرين بناء على الطريقية هو:

التوقف و الرجوع إلى الأصل، و لكن بعد قيام الأصل الثانوي على التخيير في الجملة، لزم الأخذ بالتخيير في القدر المتيقن، و هو: ما لم يكن في أحدهما مزية كما قال: (فالمتيقن من التخيير هو: صورة تكافؤ الخبرين) من جميع الحيثيات حتى من حيث وجود المزية و عدمها، و ذلك لأنّ حكم الشرع كان على وجوب العمل بالمتعارضين في الجملة و هو: مجمل، فاللازم أن يؤخذ بالقدر المتيقن منه.

(أمّا مع مزيّة أحدهما على الآخر من بعض الجهات) سواء كانت المزية منصوصة في الروايات، أو الأعم ممّا في الروايات من سائر المزايا إذا استفدنا من الروايات الملاك، كما سيأتي الكلام فيه إنشاء الله تعالى‏ (فالمتيقّن هو جواز العمل بالراجح) منهما (و أمّا العمل بالمرجوح فلم يثبت) جوازه‏ (فلا يجوز الالتزام) به، و ذلك لأنّه يكون مشكوك الحجية، و ما كان مشكوك الحجية

20

فصار الأصل وجوب العمل بالمرجّح، و هو أصل ثانوي، بل الأصل فيما يحتمل كونه مرجّحا الترجيح به، إلّا أن يرد عليه إطلاقات التخيير، بناء على وجوب الاقتصار في تقييدها على ما علم كونه مرجّحا.

____________

كان الأصل عدم حجيته.

و عليه: (فصار الأصل) أي: للقاعدة حينئذ هو (وجوب العمل بالمرجّح) إذا كان مرجع في أحد الخبرين فيجب تقديم الخبر الراجح على المرجوح‏ (و هو) أي: وجوب العمل بالمرجّح إذا كان مرجّح في أحد الخبرين‏ (أصل ثانوي) لأنّ الأصل الأولي هو التوقف و الرجوع إلى الأصل الموافق بناء على الطريقية كما عرفت.

(بل الأصل فيما) لم يحرز كونه مرجّحا، و إنّما (يحتمل كونه مرجّحا) كموافقة الأصل، أو موافقة المشهور، أو ما أشبه ذلك هو (الترجيح به) أي: بذلك المرجّح أيضا احتياطا من باب أن ذلك الذي يحتمل ترجيحه مقطوع العمل به، بخلاف الطرف الآخر الذي لا يحتمل ترجيحه، فالأصل العملي هنا و هو الاحتياط يكون على الأخذ بمحتمل الراجحية.

(إلّا أن يرد عليه) أي: على ما ذكرناه من الاحتياط بقولنا: «بل الأصل فيما يحتمل كونه مرجّحا الترجيح به» الذي هو أصل عملي فيرد عليه أصل لفظي، و هو: (إطلاقات التخيير) فإنّ اطلاقات التخيير تدل على التخيير بين الخبرين المتعارضين، إلّا إذا كان أحدهما ذا مزية مقطوع بها، فالمزية المحتملة لا توجب رفع اليد عن إطلاقات التخيير (بناء على وجوب الاقتصار في تقييدها) أي:

تقييد إطلاقات التخيير (على ما علم كونه مرجّحا) لا ما احتمل رجحانه.

و الحاصل: إنّ الأصل الأوّلي على الطريقية هو: التوقف و الرجوع إلى الأصل‏

21

و قد يستدلّ على وجوب الترجيح: بأنّه لو لا ذلك لاختلت نظم الاجتهاد.

بل نظام الفقه، من حيث لزوم التخيير بين الخاصّ و العامّ، و المطلق و المقيّد، و غيرهما من الظاهر و النصّ، المتعارضين.

____________

الموافق إن كان، و إلّا فإلى أصل التخيير، بينما الاصل الثانوي على الطريقية هو:

العمل بالراجح فيما إن كان هناك راجح، و إلّا فالتخيير بين الخبرين، و الرجحان قد يكون بالمزية القطعية، و هذا لا شكّ في ترجيحه على الآخر، و قد يكون بالمزية الاحتمالية و هذا لا يوجب الترجيح، بل يؤخذ فيه باطلاقات التخيير.

هذا (و قد يستدلّ على وجوب الترجيح) لا التخيير (بأنّه لو لا ذلك) الترجيح‏ (و لاختلّت نظم الاجتهاد) فإنّ الاجتهاد عبارة عن معرفة العام و الخاص، و المطلق و المقيّد، و المجمل و المبيّن، و المنطوق و المفهوم، و ما أشبه ذلك ممّا يؤثر معرفته في معرفة الراجح من المرجوح و تقديم بعضها على بعض، و من المعلوم:

أنّه لو لا معرفة ذلك لاستلزم الخلل في الاجتهاد حيث أنه يعمل بالخاص مرّة، و بالعام أخرى، و بالمطلق تارة، و بالمقيّد أخرى، و هكذا من دون نظم و إتزان.

(بل) لاختل‏ (نظام الفقه) حيث يستلزم فقه جديد، لا هذا الفقه الذي تلقّاه الفقهاء من المعصومين (عليهم السلام).

و إنّما يستلزم ذلك اختلال الفقه و الاجتهاد (من حيث لزوم التخيير بين الخاصّ و العامّ، و المطلق و المقيّد، و غيرهما من الظاهر و النصّ، المتعارضين) و الظاهر و الأظهر، و إلى غير ذلك ممّا يلزم فيه ترجيح بعض على بعض و تقديم أحدهما على الآخر، فإذا لم يؤخذ بالترجيح اعتمادا على التخيير فيها، أدّى ذلك إلى اختلال نظام الاجتهاد و نظام الفقه، و معلوم أن اختلال نظامهما هو خلاف السيرة المستمرة المتصلة بزمان المعصومين (عليهم السلام) فيجب حينئذ الترجيح لا التخيير.

22

و فيه: إنّ الظاهر خروج مثل هذه المعارضات عن محلّ النزاع فإنّ الظاهر لا يعدّ معارضا للنصّ، إمّا لأنّ العمل به لأصالة عدم الصارف المندفعة بوجود النصّ، و إمّا لأنّ ذلك لا يعدّ تعارضا في العرف، و محلّ النزاع في غير ذلك.

و كيف كان: فقد ظهر ضعف القول المزبور و ضعف دليله المذكور له،

____________

(و فيه: إنّ الظاهر خروج مثل هذه المعارضات) الحاصلة بين الخاص و العام، و المطلق و المقيّد، و النص و الظاهر (عن محلّ النزاع) الذي هو التعارض بين الخبرين‏ (فإنّ الظاهر لا يعدّ معارضا للنصّ) عرفا، و ذلك لأحد أمرين:

الأوّل: (إمّا لأنّ العمل به) أي: بالظاهر إنّما يكون‏ (لأصالة عدم الصارف) أي:

إنّما يعمل بالظاهر لأصالة الحقيقة فيما لم يكن هناك قرينة صارفة عن ظهور الظاهر (المندفعة) هذه الأصالة (بوجود النصّ) فإنّ حجيّة الظواهر تناط بعدم القرينة على الخلاف، و النص قرينة على الخلاف فلا تعارض بينهما، و كذلك الحال بين الظاهر و الأظهر.

الثاني: (و إمّا لأنّ ذلك) أي: التعارض الذي يبدو للنظر بين النص و الظاهر- مثلا- (لا يعدّ تعارضا في العرف و) ذلك لأنّ العرف يرى الجمع بينهما، مع أن‏ (محلّ النزاع في غير ذلك) أي: في الذي لا يعدّه العرف تعارضا، فإنّ بحثنا في باب التعادل و الترجيح إنّما هو فيما يراه العرف تعارضا، كالعموم من وجه في مورد الاجتماع، كالتباين، و التضاد، و التناقض.

(و كيف كان): فإنّه سواء تمّ هذا الوجه الذي ذكره المستدل بقوله: «و قد يستدل على وجوب الترجيح» أو لم يتمّ‏ (فقد ظهر ضعف القول المزبور) أي:

القول بعدم وجوب الترجيح بين الخبرين المتعارضين‏ (و ضعف دليله المذكور له،

23

و هو عدم الدليل على الترجيح بقوّة الظنّ.

و أضعف من ذلك ما حكي عن النهاية: «من احتجاجه بأنّه لو وجب الترجيح بين الأمارات في الأحكام لوجب عند تعارض البيّنات، و التالي باطل، لعدم تقديم شهادة الأربعة على الاثنين».

____________

و هو) أي: الدليل الذي ذكر له: (عدم الدليل على الترجيح بقوّة الظنّ) فإنّ هذا الدليل ضعيف لوجود دليل الاجماع القولي و العملي عليه، و معه فاللّازم أن يقال بالترجيح بقوة الظنّ إذا كان أحدهما أرجح من الآخر، بواحد من المرجحات غير المنصوصة، أو حتى المرجحات غير المنصوصة فيما إذا فهمنا الملاك من أخبار العلاج.

(و أضعف من ذلك) أي: من الدليل السابق الذي استدل على وجوب الترجيح: بأنّه لو لا ذلك لاختل نظم الاجتهاد بل نظام الفقه، هو (ما حكي عن النهاية) للعلامة (من احتجاجه) و استدلاله على عدم الترجيح بين الأخبار المتعارضة حيث قال: (بأنّه لو وجب الترجيح بين الأمارات في الأحكام) سواء كانت أخبارا متعارضة، أم إجماعات منقولة متعارضة، أو غير ذلك‏ (لوجب) الترجيح‏ (عند تعارض البيّنات) في الموضوعات أيضا، لأنه حيث كان مناط الترجيح الأقوائية، فالأقوائية كما توجد بين الأمارات، كذلك توجد في البيّنات، ثم قال‏ (و التالي) و هو الترجيح عند تعارض البينات‏ (باطل، لعدم تقديم شهادة الأربعة على الاثنين) في الموضوعات، بل يرجعون في مثل الماليات إلى قاعدة العدل، و في مثل النسب إلى القرعة، فالمقدّم و هو: الترجيح عند تعارض الأمارات في الأحكام باطل مثله.

24

و أجاب عنه في محكيّ النهاية و المنية: بمنع بطلان التالي و أنّه يقدّم شهادة الأربعة على الاثنين، سلّمنا، لكن عدم الترجيح في الشهادة ربّما كان مذهب أكثر الصحابة، و الترجيح هنا مذهب الجميع، انتهى.

و مرجع الأخير إلى أنّه لو لا الاجماع حكمنا بالترجيح في البيّنات أيضا، و يظهر ما فيه ممّا ذكرنا سابقا،

____________

(و أجاب عنه في محكيّ النهاية) للعلامة (و المنية) لعميد الدين‏ (بمنع بطلان التالي) أي: ليس الترجيح في البيّنات باطلا (و) لذا قال جماعة من الفقهاء: (أنّه يقدّم شهادة الأربعة على الاثنين) كما قال جماعة منهم: بأنّه يقدّم شهادة الأعدل على العادل و إلى غير ذلك، ثم قال: (سلّمنا) بطلان الترجيح في البيّنات‏ (لكن) لا لفقد المقتضي، بل لوجود المانع، فإنّ‏ (عدم الترجيح في الشهادة ربّما كان مذهب أكثر الصحابة، و الترجيح هنا) في باب الأخبار المتعارضة (مذهب الجميع‏ (1)، انتهى) محكيّ كلامهما رفع مقامهما.

(و مرجع) الجواب‏ (الأخير) و هو: «سلّمنا لكن عدم الترجيح في الشهادة ربما كان مذهب الأكثر»، مرجعه‏ (إلى أنّه لو لا الاجماع حكمنا بالترجيح في البيّنات أيضا) أي: أنّ مقتضى القاعدة حسب الجواب هو: وجوب الترجيح في كلا المقامين، سواء في باب البيّنتين المتعارضتين، أم في باب الخبرين المتعارضين، إلّا أنّ الدليل الخارجي الذي هو مخالفة الأكثر منع عن الترجيح في البيّنات، و لو لا هذا الدليل الخارجي المانع عن الترجيح لقلنا بالترجيح في البينات أيضا لوجود المقتضي فيها.

(و يظهر ما فيه ممّا ذكرنا سابقا) حيث قلنا: بأنّ مقتضى القاعدة هو: تساقط

____________

(1)- النهاية: مخطوط.

25

فإنّا لو بنينا على حجيّة البيّنة من باب الطريقيّة، فاللّازم مع التعارض التوقف و الرجوع إلى ما يقتضيه الاصول في ذلك المورد من التحالف أو القرعة أو غير ذلك.

و لو بني على حجيّتها من باب السببيّة و الموضوعيّة، فقد ذكرنا أنّه لا وجه للترجيح بمجرّد أقربيّة أحدهما إلى الواقع، لعدم تفاوت الراجح و المرجوح في الدخول فيما

____________

الطرق المتعارضة في خصوص مؤدّاها، سواء كان التعارض في الأخبار، أو البيّنات، أو سائر الأمارات، و ذلك لأنه لا مقتضي للترجيح فيها، لا أن المقتضي موجود و إنّما مخالفة الأكثر مانع عن الترجيح فيها.

و عليه: (فإنّا لو بنينا على حجّية البيّنة من باب الطريقيّة) لا الموضوعية حيث أنّ المشهور قالوا: بأن البينة حجّة من جهة أنها طريق‏ (فاللازم مع التعارض التوقف و الرجوع إلى ما يقتضيه الاصول في ذلك المورد: من التحالف) أي: بأن يحلف كل واحد من المتخاصمين لتبطل المعاملة- مثلا- أو لينصّف المال المتنازع عليه‏ (أو القرعة) إمّا مطلقا، أو في الموارد التي لا يمكن التنصيف فيها كالنسب و ما أشبه‏ (أو غير ذلك) كالتصالح القهري بينهما فيما يمكن التصالح، و ذلك على ما ذكر في كتب القضاء من تفصيل ما هو المرجع عند التعارض في البيّنات.

(و لو بني على حجيّتها) أي: حجيّة البيّنة (من باب السببيّة و الموضوعيّة) لا الطريقيّة و الكاشفيّة، و و ذلك بأن يكون قيام البينة علّة للحكم‏ (فقد ذكرنا: أنّه لا وجه للترجيح بمجرّد أقربيّة أحدهما إلى الواقع، لعدم تفاوت الراجح و المرجوح) من البيّنات بمجرّد الأقربية (في الدخول فيما) أي: في دليل حجية

26

دلّ على كون البيّنة سببا للحكم على طبقها، و تمانعهما مستند إلى مجرّد سببيّة كلّ منهما، كما هو المفروض، فجعل أحدهما مانعا دون الآخر، لا يحتمله العقل.

ثمّ إنّه يظهر من السيّد الصدر الشارح للوافية: الرجوع في المتعارضين من الأخبار إلى التخيير، أو التوقف و الاحتياط

____________

البينة الذي‏ (دلّ على كون البيّنة سببا) فإنّ البيّنة على هذا القول- تكون- سببا لجعل مؤدّاها حكما ظاهريا، أو سببا (للحكم على طبقها) فالحاكم يحكم على طبق البيّنة و يكون حال المقام حال الغريقين، حيث أنّ المرجّحات التي لم تصل إلى درجة الأهم و المهمّ، ممّا يمنع الأهم عن المهم لا توجب سقوط التخيير.

ان قلت: وجود المزيّة في إحدى البيّنتين يخرجهما عن التمانع إلى الترجيح بذي المزية فيجب الترجيح لا التخيير.

قلت: (و تمانعهما) أي: تمانع البيّنتان بناء على السببية (مستند إلى مجرّد سببيّة كلّ منهما، كما هو المفروض) فإنّ المفروض كون كل من البيّنتين جامعا لشرائط الحجية و السببية، فيشملهما أدلّة حجية البيّنة ممّا يوجب العمل بكل منهما تعيينا مع الامكان، فاذا لم يمكن العمل بهما كذلك للتعارض تخيّر المكلّف بين العمل بهذه أو بتلك، علما بأنّ بعض المرجّحات التي لا تبلغ حدّ المنع عن النقيض، لا توجب تقديم ذي المرجّح على المرجوح، و إذا كان كذلك‏ (فجعل أحدهما) و هو الراجح‏ (مانعا دون الآخر، لا يحتمله العقل) لأنه يراهما متساويان من حيث جواز الأخذ بهذه أو بتلك.

(ثمّ أنّه يظهر من السيّد الصدر الشارح للوافية: الرّجوع في المتعارضين من الأخبار إلى التخيير، أو التوقف و الاحتياط) فالفقيه بنظر السيد مخيّر بين الأمرين:

27

و حمل أخبار الترجيح على الاستحباب، حيث قال بعد إيراد إشكالات على العمل بظاهر الأخبار: «إنّ الجواب عن الكلّ ما أشرنا إليه، من أنّ الأصل التوقف في الفتوى و التخيير في العمل إن لم يحصل من دليل آخر العلم بمطابقة أحد الخبرين للواقع، و أنّ الترجيح هو الأفضل و الأولى».

____________

بين التخيير، أو التوقف و الاحتياط، و لا يلزم عليه أن يرجّح بعض الأخبار على بعض حتى و إن كان هناك راجح و مرجوح‏ (و) من أجل ذلك‏ (حمل أخبار الترجيح على الاستحباب) لا الوجوب الذي عليه المشهور، فإنّ المشهور يقولون بوجوب ترجيح الراجح على المرجوح.

و إنّما يظهر من السيد ذلك‏ (حيث قال بعد إيراد الاشكالات على العمل بظاهر الأخبار) العلاجية قال: (إنّ الجواب عن الكلّ ما أشرنا إليه: من أنّ الأصل) و القاعدة الكلية في باب الخبرين المتعارضين هو: (التوقف في الفتوى) فلا يفتي الفقيه بهذا و لا بذاك من جهة الفتوى، و من جهة العمل، فكما قال:

(و التخيير في العمل) فإذا ورد- مثلا- خبران: أحدهما على وجوب الجمعة و الآخر على وجوب الظهر، فالمفتي من حيث الفتوى لا يفتي بأحدهما من حيث العمل فهو مخيّر بين أن يصلي الجمعة أو يصلي الظهر.

هذا (إن لم يحصل من دليل آخر) للفقيه كموافقة المشهور- مثلا- (العلم بمطابقة أحد الخبرين للواقع) فإذا علم بمطابقة أحد الخبرين للواقع لزم الأخذ بذلك الخبر الذي علم بمطابقته للواقع ثم قال‏ (و أنّ الترجيح) بين الأخبار بسبب المرجّحات المذكورة في الروايات‏ (هو الفضل و الأولى‏ (1)) لا أن الترجيح بها يكون معيّنا.

____________

(1)- شرح الوافية: مخطوط

28

و لا يخفى بعده عن مدلول أخبار الترجيح، و كيف يحمل الأمر بالأخذ بمخالف العامّة و طرح ما وافقهم على الاستحباب، خصوصا مع التعليل بأنّ الرشد في خلافهم، و أنّ قولهم في المسائل مبنيّ على مخالفة أمير المؤمنين (عليه السلام) فيما يسمعونه منه، و كذا الأمر بطرح الشاذّ النادر،

____________

(و لا يخفى بعده) أي: بعد الاستحباب الذي ذكره السيد الصدر (عن مدلول أخبار الترجيح) الظاهر الدلالة في الوجوب، فلا يمكن أن تحمل أخبار الترجيح على الاستحباب‏ (و كيف يحمل الأمر بالأخذ بمخالف العامّة و طرح ما وافقهم على الاستحباب؟) مع أن الظاهر من عبارة هذه الروايات هو أن مخالف العامة موافق للواقع، و موافق العامة مخالف للواقع‏ (خصوصا مع التعليل) المذكور في تلك الروايات عند ذكر العامة (بأن الرشد في خلافهم‏ (1)، و أنّ قولهم في المسائل مبنيّ على مخالفة أمير المؤمنين (عليه السلام) فيما يسمعونه منه) فإنّ أمثال هذه العبارات في الروايات العلاجية، نص في أنّ الموافق للعامة باطل، و انّ المخالف لهم حق، و هل بعد ذلك يخيّر الإمام بين الأخذ بالحق و بالباطل؟.

(و كذا الأمر) الوارد في روايات العلاج‏ (بطرح الشاذّ النادر (2)) أي: ما كان في قبال المشهور يلزم طرحه، كما أنّه يلزم الأخذ بالمشهور، و من المعلوم: أنّ العرف يستفيد من مثل هذه العبارات: أنّ الشاذ باطل و أنه لا يطابق الواقع، و أنّ المشهور حق و أنّه المطابق للواقع، خصوصا مع قوله (عليه السلام): «فإنّ المجمع عليه‏

____________

(1)- الكافي (اصول): ج 1 ص 68 ح 10، تهذيب الاحكام: ج 6 ص 302 ب 22 ح 52، من لا يحضره الفقيه: ج 3 ص 8 ب 2 ح 3233، وسائل الشيعة: ج 27 ص 106 ب 9 ح 3334.

(2)- غوالي اللئالي: ج 4 ص 133 ح 229، بحار الانوار: ج 2 ص 245 ب 29 ح 57، جامع أحاديث الشيعة: ج 1 ص 255.

29

و بعدم الاعتناء و الالتفات إلى حكم غير الأعدل و الأفقه من الحكمين، مع أنّ في سياق تلك الاخبار موافقة الكتاب و السنّة و مخالفتهما، و لا يمكن حمله على الاستحباب،

____________

لا ريب فيه» (1)، فهل يمكن مع ذلك التخيير بين ما لا ريب فيه و ما فيه الريب؟.

(و) كذا الأمر الوارد في روايات العلاج‏ (بعدم الاعتناء و الالتفات إلى حكم غير الأعدل و الأفقه من الحكمين) في قبال الأخذ بالأعدل و الأفقه.

هذا أوّلا: حيث أنّ ظاهر هذه الروايات هو: وجوب الترجيح لا استحبابه، لعلّ الروايات أحد الخبرين المتعارضين حقا، و الآخر باطلا، و لا يمكن التخيير بين الحق و الباطل.

(مع أنّ) هنا دليلا ثانيا على عدم كون الترجيح من باب الاستحباب بل من باب الوجوب و هو: أن‏ (في سياق تلك الأخبار) العلاجية (موافقة الكتاب و السنّة) المقطوع بها (و مخالفتهما) فقد قال (عليه السلام): «ينظر ما وافق حكمه حكم الكتاب و السنّة و خالف العامة فيؤخذ به و يترك ما خالف الكتاب و السنّة و وافق العامّة» (2) و المراد بالسنة: السنة المعلومة الواردة عن النبي و الائمة (عليهم السلام) فإذا كان هناك خبران: أحدهما موافق للكتاب و السنة و الآخر مخالف للكتاب و السنة؛ فإنّه يؤخذ بالموافق و يترك المخالف.

(و) إن قلت: أنّ الترجيح بموافقة الكتاب و السنّة (لا يمكن حمله على الاستحباب) إذ كيف يمكن أن يقال: أنّ موافق الكتاب و السنّة يستحب الأخذ

____________

(1)- الكافي (اصول): ج 1 ص 67 ح 10، تهذيب الاحكام: ج 6 ص 302 ب 22 ح 52، من لا يحضره الفقيه: ج 3 ص 8 ب 2 ح 3233، وسائل الشيعة: ج 27 ص 106 ب 9 ح 33334.

(2)- الكافي (اصول): ج 1 ص 68 ح 10، تهذيب الاحكام: ج 6 ص 302 ب 22 ح 52، من لا يحضره الفقيه: ج 3 ص 8 ب 2 ح 3233، وسائل الشيعة: ج 27 ص 106 ب 9 ح 33334.

30

فلو حمل غيره عليه لزم التفكيك، فتأمّل.

و كيف كان: فلا شكّ أنّ التفصّي من الاشكالات الداعية له إلى ذلك أهون من هذا الحمل، لما عرفت من عدم جواز حمله‏

____________

به في قبال الخبر المخالف للكتاب و السنّة؟ و أنّه يتخير بينهما؟ و لذلك نقول بوجوب الترجيح بموافقة الكتاب و السنّة المعلومة الواردة عنهم (عليهم السلام) و نحمل غير ذلك من سائر المرجّحات على الاستحباب.

قلت: (فلو حمل غيره) أي: غير موافق للكتاب و السنّة من سائر المرجّحات‏ (عليه) أي: على الاستحباب، و حملنا موافقة الكتاب و السنة على الوجوب‏ (لزم التفكيك) بين المرجّحات المتحدة من حيث السياق الواردة في أخبار العلاج، فإنّه كيف يمكن أن يقال في الخبر الذي يأمر في سياق واحد الترجيح موافق الكتاب و السنّة، و غير ذلك من سائر المرجّحات، بالتفكيك بين فقراته مع اتحاد سياقه، و ذلك بحمل فقرة منه على الوجوب و فقرة منه على الاستحباب؟.

(فتأمّل) و لعله إشارة إلى أنّه بعد الاضطراب الموجود في المرجّحات الواردة في الأخبار، لا بدّ من حمل الترجيح بها على الاستحباب، إلّا فيما إذا علم بأنّ الترجيح واجب، مثل: موافقة الكتاب و السنة المعلومة، و مخالفة العامة فيما إذا كانت المخالفة قطعية، و ذلك كما إذا كانت طريقة العامة على الأخذ بشي‏ء معيّن من طرفي الروايات المتعارضة.

(و كيف كان: فلا شكّ أنّ التفصّي) و التخلّص‏ (من الاشكالات الداعية له) أي: للسيد الصدر (إلى ذلك) أي: الى حمل الترجيح في الأخبار العلاجية على الاستحباب‏ (أهون من هذا الحمل) أي: من الحمل على الاستحباب، و ذلك‏ (لما عرفت: من عدم جواز حمله) أي: عدم جواز حمل الترجيح في أخبار

31

على الاستحباب.

ثمّ لو سلّمنا دوران الأمر بين تقييد أخبار التخيير و بين حمل أخبار الترجيح على الاستحباب، فلو لم يكن الأوّل أقوى وجب التوقف، فيجب العمل بالترجيح، لما عرفت: من أنّ حكم الشارع بأحد المتعارضين إذا كان مردّدا بين التخيير و التعيين، وجب التزام ما احتمل تعيينه.

____________

العلاج‏ (على الاستحباب) بل اللازم القول بوجوب الترجيع و دفع تلك الاشكالات الداعية للسيد الصدر إلى القول من أجلها بالاستحباب.

(ثمّ) ان قلت: أن السيد الصدر إنّما حمل أخبار الترجيح على الاستحباب، لأنه رأى الأمر دائر بين تقييد أخبار التخيير بعدم وجود مرجّع في أحدهما، و بين حمل أخبار الترجيح على الاستحباب، فاختار الثاني.

قلت: (لو سلّمنا دوران الأمر بين) حمل أخبار الترجيح على الوجوب، كما اختاره المشهور ليتمّ‏ (تقييد أخبار التخيير) بما لم يكن مرجّح هناك في أحد الخبرين المتعارضين‏ (و بين) الأخذ بإطلاق أخبار التخيير، سواء كان هناك في أحدهما مرجح أو لم يكن، ليتمّ‏ (حمل أخبار الترجيح على الاستحباب) كما اختاره السيد الصدر، فإذا سلّمنا ذلك‏ (فلو لم يكن الأوّل) يعني: تقييد أخبار التخيير، لشيوع التقييد في الأخبار (أقوى وجب التوقف) لا اختيار الثاني و حمل أخبار الترجيح على الاستحباب الذي فعله السيد الصدر.

و عليه: فإذا قلنا بأنّه يجب التوقف هنا (فيجب العمل بالترجيح) من باب الاحتياط، و ذلك‏ (لما عرفت: من أنّ حكم الشارع بأحد المتعارضين إذا كان مردّدا بين التخيير و التعيين، وجب التزام ما احتمل تعيينه) لأنّا إذا عملنا بالمرجّحات كان كافيا قطعا، سواء كان حكم المتعارضين في الواقع هو التخيير

32

المقام الثاني:

في ذكر الأخبار الواردة في أحكام المتعارضين و هي أخبار:

الأوّل: ما رواه المشايخ الثلاثة بإسنادهم الى عمر بن حنظلة، قال:

سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجلين من أصحابنا، يكون بينهما منازعة في دين أو ميراث،

____________

أو الترجيح، بينما لو عملنا بالتخيير لم نعلم بكفايته قطعا، و العقل إذا تردّد بين الكافي قطعا، و بين غير الكافي على بعض الاحتمالات، يرى تقديم الكافي قطعا على غيره.

هذا تمام الكلام في المقام الأوّل، و قد كان في وجوب الترجيح بالمزية الموجودة في أحد الخبرين المتعارضين.

(المقام الثاني: في ذكر الأخبار الواردة في أحكام المتعارضين‏

و هي أخبار) متعدّدة تدعى بالأخبار العلاجية و هي كما يلي:

(الأوّل: ما رواه المشايخ الثلاثة) و هم الشيخ الكليني، و الشيخ الصدوق، و الشيخ الطوسي (قدّس سرّهم)‏ (باسنادهم إلى عمر بن حنظلة) علما بأن وجود الخبر في الكافي أو في الفقيه كاف في حجيته، لضمان صاحبهما ذلك في أوّل الكتاب حتى و إن كان الراوي مجهولا أو غير ثقة، و ذلك على تفصيل ذكرناه في الرّجال.

(قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجلين من أصحابنا، يكون بينهما منازعة في دين أو ميراث) و من الواضح، أن ذكر الرجلين من باب المثال، و إلّا فلو كان التنازع بين رجل و امرأة، أو امرأة و امرأة، أو كان بين رجلين من غير أصحابنا، حيث أن الجميع مكلّفون بالفروع كتكليفهم بالأصول، كان كذلك أيضا، علما بأنّ‏

33

فتحاكما إلى السلطان أو إلى القضاة، أ يحلّ ذلك؟.

قال (عليه السلام): من تحاكم إليهم في حقّ أو باطل، فإنّما تحاكم إلى الطّاغوت، و ما يحكم له فإنّما يأخذه سحتا و إن كان حقّه ثابتا، لأنّه أخذ بحكم الطاغوت، و إنّما أمر اللّه أن يكفر به،

____________

المنازعة قد تكون من الشبهة الموضوعية كما لو قال أحدهما بالنسبة إلى الدّين- مثلا- اقترضت مائة دينار، و قال الآخر: بل ألف درهم، مع فرض التفاوت بينهما في القوة الشرائية، و قد تكون في الشبهة الحكمية كما لو قال الولد الاكبر بالنسبة إلى الميراث- مثلا- أن له حبوة الخاتم لأنّه هو الأكبر، و قال سائر الورثة:

ليس له الحبوة من جهة أنّ أصابعه مقطوعة و هو إنّما يرث الحبوة فيما إذا لم تكن أصابعه مقطوعة.

ثمّ قال: (فتحا كما إلى السلطان) من سلاطين الجور (أو إلى القضاة) المنصوبين بأمر ذلك الجائر (أ يحلّ ذلك) الترافع إلى هذا السلطان أو إلى هؤلاء القضاة؟.

(قال (عليه السلام): من تحاكم إليهم في حقّ أو باطل، فإنّما تحاكم إلى الطّاغوت) إشارة إلى نهي اللّه تعالى عنه في كتابه الكريم حيث يذمّ تعالى الذين يزعمون الايمان و يتحاكمون إلى غير اللّه و رسوله و الأئمة الطاهرين (عليهم السلام) بقوله: يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ، وَ قَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ، وَ يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيداً (1)، ثم قال (عليه السلام): (و ما يحكم له) ذلك السلطان الجائر، أو قاضي السوء، من المال، أو الحق‏ (فإنّما يأخذه سحتا) أي: حراما حتى‏ (و إن كان حقّه ثابتا) واقعا، و ذلك‏ (لأنّه أخذ بحكم الطاغوت، و إنّما أمر اللّه أن يكفر به) أي: أن يجحد بالطاغوت و يبرئ منه، و معنى الجحود به و التبرّي منه: انكاره و عدم‏

____________

(1)- سورة النساء: الآية 60.

34

قال الله تعالى:

يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَ قَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ‏

قلت:

فكيف يصنعان؟ قال: ينظران إلى من كان منكم ممّن قد روى حديثنا و نظر في حلالنا و حرامنا و عرف أحكامنا، فليرضوا به حكما، فإنّي قد جعلته عليكم حاكما، فإذا حكم بحكمنا

____________

مراجعته في شي‏ء من أمور الدين و الدنيا من قضاء و حكم و غير ذلك، كما ان معناه عدم إعانته و الركون إليه.

ثم قال (عليه السلام): (قال اللّه تعالى: يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَ قَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ‏) و لعل مراد الإمام (عليه السلام) من قوله: «قال اللّه تعالى ...» نقل الآية بالمعنى‏ (1)، أو نقل كلام اللّه سبحانه في حديث قدسي، لا نقل الآية بالنصّ، فإنه (عليه السلام) استدل بذلك على أن التحاكم إلى غير اللّه و رسوله و الأئمة الطاهرين (عليهم السلام) تحاكم إلى الطاغوت، و أنّ ما يأخذه بحكم الطاغوت هو سحت.

قال الراوي‏ (قلت: فكيف يصنعان) هذان المتنازعان؟.

(قال: ينظران الى من كان منكم) أي: يتحاكمان إلى رجل من الشيعة (ممّن قد روى حديثنا) بأن يكون مجتهدا لا مقلدا (و نظر في حلالنا و حرامنا) بأن يكون له قوة الاستنباط الفعلي‏ (و عرف أحكامنا) بأن يكون له فعليّة المعرفة بالحكم، فإنّه قد يكون المجتهد مستنبطا فعليا له قوة الاستنباط، لكنّه لا يستحضر المسألة التي ترافع فيها المنازعان إليه، فإذا وجدا من هو جامع لهذه الشرائط (فليرضوا به حكما، فإنّي قد جعلته عليكم حاكما) و هذا يدل على أنّ اختيار القاضي في الرجوع إليه يكون بيد المترافعين.

ثم قال (عليه السلام)‏ (فإذا حكم بحكمنا) فإنّ القاضي قد يقول: إني أرى أن تتصالحوا

____________

(1)- و هي الآية 60 من سورة النساء: أَنْ يَتَحاكَمُوا.

35

فلم يقبل منه، فإنّما بحكم الله استخف و علينا قد ردّ، و الراد علينا الرادّ على الله، و هو على حدّ الشرك باللّه.

قلت: فإن كان كلّ رجل يختار رجلا من أصحابنا، فرضيا أن يكونا الناظرين في حقّهما، فاختلفا في ما حكما، و كلاهما اختلفا في حديثكم؟.

____________

فيما بينكم- مثلا-.

من دون أن يحكم بينهما بحكم خاص مستنبط من الكتاب و السنة و الاجماع و العقل، ففي مثل هذا للمترافعين رفضه أو قبوله، و لكنّ ليس كذلك لو حكم بينهما بحكم مستنبط شرعي فإنه إذا حكم بينهما بحكم الشرع‏ (فلم يقبل منه، فإنّما بحكم اللّه استخفّ، و علينا قد ردّ، و الرادّ علينا الرادّ على اللّه، و هو على حدّ الشرك باللّه) فإنّ الردّ عليه إنّما يكون على حدّ الشرك باللّه، لأنه يطلب بذلك حكما من غير حكم اللّه، كالمشرك الذي يزعم أنّ له الهين، يرجع إلى هذا تارة، و إلى ذاك اخرى.

قال الراوي‏ (قلت: فإنّ كان كلّ رجل يختار رجلا من أصحابنا، فرضيا) أي:

المترافعان‏ (أن يكونا) أي: الحاكمان‏ (الناظرين في حقهما) و هذا يدلّ على جواز الرجوع إلى القضاة المتعدّدين في قضية واحدة و في عرض واحد، فإذا كان القضاة ثلاثة أو ما أشبه، فالحكم يكون لأكثرهم، من باب أدلة الشورى، و ذلك على ما ذكرناه في كتاب القضاء، و غيره، فإذا نظر الحاكمان في أمرهما (فاختلفا فيما حكما و كلاهما اختلفا في حديثكم) فهذا يستند إلى حديث مروي عنكم، و ذلك يستند إلى حديث آخر، مروي عنكم أيضا، و لكن كانا من الأحاديث المتعارضة.

36

قال: الحكم ما حكم به أعدلهما و أفقههما، و أصدقهما في الحديث و أورعهما، و لا يلتفت إلى ما يحكم به الآخر.

قلت: فإنهما عدلان مرضيّان عند أصحابنا، لا يفضل واحد منهما على الآخر؟.

قال: ينظر إلى ما كان من روايتهم عنّا في ذلك الذي حكما به، المجمع عليه بين أصحابك فيؤخذ به من حكمهما، و يترك الشاذّ الذي ليس بمشهور عند أصحابك، فإنّ المجمع عليه لا ريب فيه، و انّما الأمور ثلاثة،

____________

(قال: الحكم ما حكم به أعدلهما و أفقههما، و أصدقهما في الحديث و أورعهما) عن المحارم، علما بأن الفقاهة في الفهم، و الصدق في الكلام، و العدالة في كل الشئون، و الورع شي‏ء فوق العدالة و أما بالنسبة إلى الآخر فإنّه قال (عليه السلام)‏ (و لا يلتفت إلى ما يحكم به الآخر) ممّن ليس فيه هذه المزايا.

قال الراوي‏ (قلت: فإنّهما عدلان مرضيّان عند أصحابنا، لا يفضل واحد منهما على الآخر) بشي‏ء من هذه الصفات و المزايا المذكورة.

(قال: ينظر إلى ما كان من روايتهم عنّا في ذلك) المورد المتنازع فيه‏ (الذي حكما به) طبق المروي عنّا (المجمع عليه بين أصحابك) أي: المشهور بين الأصحاب كما سيأتي إنشاء الله تعالى أنه بمعنى الشهرة لا الاجماع، فإذا كان أحدهما مجمعا عليه‏ (فيؤخذ به من حكمهما، و يترك الشاذّ الذي ليس بمشهور عند أصحابك، فإنّ المجمع عليه لا ريب فيه) فإنّ الإمام (عليه السلام) رجّح أوّلا أحد القاضيين على القاضي الآخر بالصفات المذكورة، ثم رجّح رواية أحدهما على الرواية الاخرى بقوله: «ينظر إلى ما كان من روايتهم عنا»، ثم استدل للزوم ترجيح خبر على خبر بقوله: (و إنّما الامور ثلاثة) على النحو التالي:

37

أمر بين رشده فيتبع، و أمر بيّن غيّه فيجتنب، و أمر مشكل يردّ حكمه إلى اللّه.

قال رسول الله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): حلال بيّن، و حرام بيّن، و شبهات بين ذلك، فمن ترك الشبهات نجا من المحرّمات، و من أخذ بالشبهات وقع في المحرّمات و هلك من حيث لا يعلم.

قال قلت: فإن كان الخبران عنكم مشهورين قد رواهما الثّقات عنكم؟.

____________

الأوّل: (أمر بيّن رشده) كالمجمع عليه‏ (فيتّبع) و يعمل به.

الثاني: (و أمر بيّن غيّه) كالذي نعلم أنّه ليس بحكمهم (عليهم السلام)‏ (فيجتنب).

الثالث: (و أمر مشكل) كالشاذ، لاحتمالنا أنه حكمهم (عليهم السلام) لكنّ المشهور على خلافة، فإنّ مثل هذا (يردّ حكمه إلى اللّه) يعني: يجب أن يفحص عنه، في القرآن و السنة المتواترة، ليعلم منهما أن هذا الأمر المشكل أيّ جانب منه صحيح، و أيّ جانب منه غير صحيح؟.

ثم استدل (عليه السلام) لما ذكره بقوله‏ (قال رسول الله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): حلال بيّن، و حرام بيّن، و شبهات بين ذلك، فمن ترك الشبهات نجى من المحرّمات، و من أخذ بالشبهات وقع في المحرمات و هلك من حيث لا يعلم).

و لا يخفى: أنّ المراد بالحلال البيّن أحكام ثلاثة هي: الاستحباب و الكراهة و الاباحة، و المراد بالحرام البيّن حكمان: الوجوب و التحريم، و إنّما كان الوجوب داخلا في الحرام البيّن، لأنّ ترك الواجب حرام بيّن، و الأحكام الوضعية داخلة في الأحكام التكليفية على ما ذكره المصنّف و تقدّم الكلام فيه، فالحديث إذن شامل لكل الأحكام الوضعية و التكليفية.

(قال) الراوي: (قلت: فإن كان الخبران عنكم مشهورين قد رواهما الثقاة عنكم)

38

قال: ينظر ما وافق حكمه حكم الكتاب و السنّة و خالف العامّة فيؤخذ به، و يترك ما خالف الكتاب و السنة و وافق العامّة.

قلت: جعلت فداك أ رأيت إن كان الفقيهان عرفا حكمه من الكتاب و السنّة، فوجدنا أحد الخبرين موافقا للعامّة و الآخر مخالفا،

____________

بأن كان كل واحد من الخبرين في كل الكتب الأربعة فرضا فما ذا يصنع المتنازعان؟.

(قال: ينظر ما وافق حكمه حكم الكتاب و السنّة و خالف العامّة فيؤخذ به، و يترك ما خالف الكتاب و السنّة و وافق العامّة).

و لا يخفى: أنّ العامّة في تلك العصور كانوا يعتمدون الكذب الصريح على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و على عليّ (عليه السلام) و على غيرهما، كما لا يخفى على من راجع التاريخ، حتى أن البخاري جمع كتابه من بين ستمائة ألف حديث تقريبا، و لم يدرجها جميعا في كتابه، لأنه لم يعتمد عليها، بالإضافة إلى أنهم كانوا يأخذون بالقياس و الرأي و الاستحسان و ما أشبه ذلك، ممّا كان يجعل فقههم غالبا على خلاف الواقع، و لذا جعل الأئمة (عليهم السلام) الرشد في خلافهم.

قال الراوي‏ (قلت: جعلت فداك أ رأيت إن كان الفقيهان عرفا حكمه) أي:

الحكم الذي حكم به كل منهما، بأن كان‏ (من الكتاب و السنّة، فوجدنا أحد الخبرين موافقا للعامّة و الآخر مخالفا) فهل نأخذ بالموافق أو بالمخالف؟ و معنى أنهما عرفا حكمه من الكتاب و السنة هو أن يدّعي كل واحد من الفقيهين: إنّ ما يحكم به يوافق الكتاب، كما نجد مثل ذلك في باب المعاطاة- مثلا- حيث أن بعض الفقهاء يقولون: أن‏ أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (1) يشمل المعاطاة، و بعض الفقهاء،

____________

(1)- سورة المائدة: الآية 1.

39

بأيّ الخبرين يؤخذ؟.

قال: ما خالف العامّة ففيه الرشاد فقلت: جعلت فداك، فإن وافقها الخبران جميعا؟.

قال: ينظر إلى ما هم أميل إليه حكّامهم و قضاتهم، فيترك و يؤخذ بالآخر.

قلت: فإن وافق حكامهم الخبرين جميعا؟ قال: إذا كان ذلك، فارجه حتى تلقى إمامك،

____________

يقولون: أنه لا يشمل المعاطاة، و هكذا غيره، ففي مثل ذلك‏ (بأيّ الخبرين يؤخذ) حينئذ.

(قال: ما خالف العامّة ففيه الرّشاد) و معناه: أنّه خذ بما خالف العامة.

قال الراوي: (فقلت: جعلت فداك، فإن وافقها) أي: وافق العامة (الخبران جميعا) و ذلك بأن يكون بين العامة خلاف- مثلا- كأن يقول جماعة منهم: صلاة الجمعة واجبة، و يقول آخرون: صلاة الجمعة مستحبة، فهل نأخذ بالوجوب أو بالاستحباب مع أنّ كل واحد من العملين يوافق جماعة من العامة؟.

(قال: ينظر إلى ما هم أميل إليه حكّامهم) أي: سلاطينهم‏ (و قضاتهم، فيترك) ما هم إليه أميل‏ (و يؤخذ بالآخر) فإذا كان أحد الخبرين موافقا لميل السلطان الجائر، و لميل المنصوب بأمر الجائر من الولاة و القضاة السّوء، و الآخر أبعد من ميلهم، فيؤخذ بالأبعد من ميلهم.

قال الراوي‏ (قلت: فإن وافق حكامهم الخبرين جميعا) بأن كان ميلهم مع كل منهما.

(قال: إذا كان ذلك، فأرجه) أي: أخّر أمرك، و لا تحكم طبق أحد الخبرين، و لا بأحد قولي القاضيين‏ (حتى تلقى إمامك) فتسأله عن الحكم، ثم علّل (عليه السلام)

40

فإنّ الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات.

و هذه الرواية الشريفة و إن لم تخل عن الاشكال، بل الاشكالات،

____________

هذا الارجاء و التوقف بقوله‏ (فإنّ الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام) و الدخول بلا رويّة (في الهلكات) (1) فإنّ الانسان إذا أخذ بشي‏ء من دون دليل شرعي عليه، فقد عرّض نفسه للهلاك، انتهت الرواية.

قال المصنّف‏ (و هذه الرواية الشريفة و إن لم تخل عن الاشكال، بل الاشكالات) المتعدّدة و ليس إشكالا واحدا، و ذلك على ما يلي:

الاشكال الأوّل: إنّ ظاهر الرواية هو: التحكيم و مراجعة الخصمين إلى القاضي لفصل الخصومة بينهما، و ليس في استعلام حكم المسألة، و يرد عليه حينئذ خمسة أمور كما سيأتي، من المصنّف بيانها إن شاء الله تعالى.

الاشكال الثاني: إنّ ظاهر الرواية هو: تقديم الترجيح بالصفات على الترجيح بالشهرة و هذا خلاف السيرة المستمرة بين الفقهاء، حيث أنّهم يقدّمون الترجيح بالشهرة على الترجيح بذي الصفات، فإذا كانت إحدى الروايتين مشهورة، و الاخرى غير مشهورة يأخذون بالمشهورة، و إن كان الراوي للمشهورة أقل صفة من صفات الراوي للرواية غير المشهورة.

الاشكال الثالث: إنّ ظاهر الرواية هو: انّ مجموع الصفات من الأعدلية، و الأفقهية، و الأصدقية، و الأورعية المذكورة في الرواية مرجّح واحد، فيلزم اجتماعها حتى يرجّح به، مع أن الفقهاء اجمعوا على كفاية كل واحد من تلك الصفات في الترجيح به من دون لزوم اجتماعها.

____________

(1)- الكافي (اصول): ج 1 ص 67 ح 10، تهذيب الاحكام: ج 6 ص 302 ب 22 ح 52، من لا يحضره الفقيه: ج 3 ص 8 ب 2 ح 3233، وسائل الشيعة: ج 27 ص 106 ب 9 ح 33334.

41

من حيث ظهور صدرها في التحكيم لأجل فصل الخصومة و قطع المنازعة.

فلا يناسبها التعدّد

____________

هذا، و قد أجاب المصنّف عن الاشكالين الأخيرين، و لم يجب عن الاشكال الأوّل الذي أورده على المقبولة بخمسة أمور، لكن الاشكال الأوّل بفروعه الخمسة أيضا غير وارد كما سنتكلم حوله إنشاء الله تعالى.

و عليه: فالرواية فيها إشكالات‏ (من حيث ظهور صدرها في التحكيم لأجل فصل الخصومة و قطع المنازعة) حيث قال الراوي في صدرها: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام): عن رجلين من أصحابنا يكون بينهما منازعة في دين أو ميراث، فتحاكما إلى السلطان أو إلى القضاة، أ يحل ذلك» و هذا يرد عليه إشكالات تالية:

أولا: (فلا يناسبها التعدّد) أي: تعدّد القضاة، و ذلك لأنّ المتعارف هو أن:

الحاكم و القاضي دائما يكون واحدا لا متعددا، و لكن يرد عليه ما ذكرناه سابقا: من أنّ تعدّد القضاة كان متعارفا في الزمان السابق قبل الاسلام، و بعد الاسلام، و في الزمان الحاضر أيضا.

أمّا قبل الاسلام: فلأنه ورد في التواريخ ذلك، حتى أنّهم نقلوا: انّ القضاة الذين اجتمعوا في بابل للحكم على النبي ابراهيم الخليل (عليه السلام) في قضيته المعروفة من تحطيم الأصنام التي كانت «آلهتهم» بزعمهم، كانوا ثلاثمائة قاضيا.

و إمّا في الزمان الحاضر فهو المتعارف عند الدول المتقدّمة، و ذلك بحسب القوانين الدولية في معالجة القضايا المهمة.

و أمّا في الاسلام: فلأن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و الأعرابي الذي ادّعى أنّه لم يستلم ثمن الناقة التي باعها منه مع أنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) كان قد دفعه إليه، تقاضيا إلى جملة من القضاة طولا بضميمة أنّه لا فرق بين الطولي و العرضي، و قد ذكرنا كيفية حكمهم إذا كانوا

42

و لا غفلة الحكمين عن المعارض الواضح لمدرك حكمه، و لا اجتهاد المترافعين و تحرّيهما في ترجيح مستند أحد الحكمين على الآخر، و لا جواز الحكم من أحدهما بعد حكم الآخر.

____________

متعدّدين، مضافا إلى شمول إطلاق الأدلة- كما عرفت- لتعدّد القضاة، فهو كما إذا قلّد فقهاء متعدّدين طولا أو عرضا.

ثانيا: (و لا) يناسب الرواية (غفلة الحكمين عن المعارض الواضح لمدرك حكمه) لفرض أن الحكمين حكما حسب روايتين، فكيف غفل كل واحد من الحكمين عن الرواية الاخرى التي هي مدرك الحاكم الآخر؟.

و يرد عليه: أنّه من الممكن أن يكون كل منهما عالما بالرواية الاخرى، لكنّه لا يراها كافية للاستناد إليها كما أنه يمكن عدم اطلاع كل منهما على الرواية الاخرى، و ذلك لأنّ الأخبار في أيامهم (عليهم السلام) لم تكن مجموعة بهذا الشكل الذي هو عليه اليوم حتى يطّلع عليها كل أحد، و إنّما جمعت الأخبار بعد ذلك كما هو واضح.

ثالثا: (و لا) يناسب الرواية (اجتهاد المترافعين و تحرّيهما) أي: فحصهما (في ترجيح مستند أحد الحكمين على الآخر) و ذلك لأنّ وظيفة المترافعين اتّباع حكم الحاكم، و ليس من شأنهما الفحص عن مدرك حكم الحاكم و البحث عن ترجيح أحد المدركين على المدرك الآخر عند التعارض، فكيف حكم الإمام (عليه السلام) معه برجوعهما إلى وجوه الترجيح؟ و يرد عليه: أنّه لا مانع من ذلك، فإنّ كثيرا من المترافعين يكونون علماء أيضا، كما نجده اليوم في زماننا، حيث نرى المترافعين يعلمان القوانين و يناقشان الحكام في مدرك حكمهم.

رابعا: (و لا) يناسب الرواية (جواز الحكم من أحدهما بعد حكم الآخر)

43

مع بعد فرض وقوعهما دفعة، مع أنّ الظاهر- حينئذ- تساقطهما، و الحاجة إلى حكم ثالث ظاهرة، بل صريحة في وجوب الترجيح بهذه المرجّحات‏

____________

و ذلك لأنّ صحة تعدّد القضاة مستلزمة لنفوذ حكم الآخر بعد حكم الأوّل، و الحال أنّ الفقهاء لا يقولون بذلك بل يقولون: بأنّه إذا حكم أحدهما بحكم ينفّذ حكمه و يجب متابعته، فيلغو حكم الآخر، و لا يبقى مجال لملاحظة التراجيح فيه.

و يرد عليه: انّا نقول بوقوع الحكم منهما دفعة واحدة عرفية، مضافا إلى أن قصة ترافع النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و الاعرابي تدلّ على أنّ للمترافعين مراجعة حاكم ثان، و حاكم ثالث، كما هو المتعارف الآن في محاكم الاستئناف و التمييز ثانيا و ثالثا.

و يؤيده: ما ذكره الفقهاء من أنّ القاضي إذا خلف القاضي الآخر في بلد، كان عليه أن يراجع السجون حتى يطلق سراح بعض السجناء و ما أشبه ذلك، مع أنهم سجنوا بحكم القاضي السابق.

خامسا: (مع بعد فرض وقوعهما دفعة) واحدة (مع أن الظاهر حينئذ) أي:

حين وقوع الحكم من الحكمين معا دفعة واحدة (تساقطهما، و الحاجة الى حكم ثالث).

و يردّ عليه: أنه لا مانع من جعل حكم ثانوي في الطريقين المتعارضين بعد أن كان الحكم الأوّلي فيهما التساقط، و الأصل الثانوي هو: الرجوع إلى مدرك الحكم و ملاحظة المرجّحات إن كانت، بالنسبة إلى من كان له أهلية الرجوع إلى ذلك من المترافعين.

و على أيّ حال: فهذه الرواية و إن لم تخل عن اشكالات حسب نظر المصنّف إلّا أنها بنظره‏ (ظاهرة: بل صريحة في وجوب الترجيح بهذه المرجّحات‏

44

بين الاخبار المتعارضة، فإنّ تلك الاشكالات لا تدفع الظهور، بل الصراحة.

نعم، يرد عليه بعض الاشكالات في ترتّب المرجّحات، فإنّ ظاهر الرواية تقديم الترجيح من حيث‏

____________

بين الأخبار المتعارضة) فتكون دليلا على الترجيح الذي يقول به المشهور.

أمّا أنها ظاهرة: فلوجود الأمر الظاهر في الوجوب خصوصا إذا كان بلفظ الخبر مثل: «يؤخذ» و «يترك» و «ينظر» و ما أشبه ذلك.

و أمّا أنها صريحة: فبقرينة الحصر الموجود في قوله: «الحكم ما حكم به أعدلهما و أفقههما و أصدقهما في الحديث و أورعهما، و لا يلتفت إلى ما يحكم به الآخر» (1) و بقرينة تماسك الفقرات بعضها مع بعض، و بقرينة استقصاء الرواية ذكر المرجّحات.

و عليه: (فإنّ تلك الاشكالات لا تدفع الظهور، بل الصراحة) الموجودة بوجوب الترجيح في الرواية، و ذلك لأنّ الاشكالات منصبّة على التحكيم المستفاد من صدر الرواية، بينما وجوب الترجيح مستفاد من الفقرات الآمرة بالترجيح بين الخبرين، و لا ربط بين المقامين، إذ من الممكن أن يكون هناك خبر فيه مواضيع متعدّدة فيعمل ببعضها دون بعضها الآخر، فيكون حال الفقرات المتعدّدة حال روايتين مختلفتين من جهة الاجمال و التبيين، حيث يعمل بإحداهما و لا يعمل بالأخرى.

الثاني: من الاشكالات التي أو ردها المصنّف على الرواية المقبولة ما ذكره بقوله: (نعم، يرد عليه بعض الاشكالات في ترتّب المرجّحات) حيث أن هذا الترتيب خلاف المشهور كما قال: (فإنّ ظاهر الرواية: تقديم الترجيح من حيث‏

____________

(1)- الكافي (اصول): ج 1 ص 67 ح 10، تهذيب الاحكام: ج 6 ص 302 ب 22 ح 52، من لا يحضره الفقيه: ج 3 ص 8 ب 2 ح 3233، وسائل الشيعة: ج 27 ص 106 ب 9 ح 33334.

45

صفات الراوي، على الترجيح بالشهرة و الشذوذ.

مع أنّ عمل العلماء قديما و حديثا على العكس على ما يدلّ عليه المرفوعة الآتية، فإنّ العلماء لا ينظرون عند تعارض المشهور و الشاذّ إلى صفات الراوي، اللّهمّ إلّا أن يمنع ذلك.

فإنّ الراوي إذا فرض كونه أفقه و أصدق و أورع، لم يبعد ترجيح روايته و إن انفرد بها على الرواية المشهورة بين الرواة،

____________

صفات الرّاوي، على الترجيح بالشهرة و الشذوذ) فقد ذكرت الرواية أو لا صفات الراوي ثم ذكرت ثانيا الترجيح بالشهرة (مع أنّ عمل العلماء قديما و حديثا على العكس) من ترتيب هذه الرواية، فإنّهم يقدّمون الترجيح بالشهرة على الترجيح بالصفات، و ذلك‏ (على ما يدلّ عليه المرفوعة الآتية) حيث انّ الإمام (عليه السلام) قدّم الشهرة فيها، ثم ذكر سائر المرجّحات المتربطة بصفات الراوي.

و عليه: (فإنّ العلماء لا ينظرون عند تعارض المشهور و الشاذّ إلى صفات الرّاوي) بل يأخذون بالمشهور و إن كان صفات راوي الشاذ أرفع من صفات راوي المشهور.

(اللّهمّ إلّا أن يمنع ذلك) أي: يمنع إطلاق تقديم الترجيح بالشهرة على الترجيح بصفات الراوي، و ذلك بأن نقول: إنّه ربما يقدّم الترجيح بالشهرة، و ربّما يقدّم الترجيح بصفات الراوي‏ (فإنّ الراوي إذا فرض كونه أفقه و أصدق و أورع) من الراوي للرواية الاخرى‏ (لم يبعد ترجيح روايته) أي: رواية هذا الذي كان أفقه و أصدق و أورع‏ (و إن انفرد بها) بأن كانت هذه الرواية رواية شاذة، فانه مع ذلك قد نرجّح أحيانا هذه الرواية الشاذة (على الرواية المشهورة بين الرواة).

46

لكشف اختياره إيّاها مع فهمه و ورعه، عن اطّلاعه على قدح في الرواية المشهورة، مثل صدورها تقيّة، أو تأويل لم يطّلع عليه غيره، لكمال فقاهته و تنبّهه لدقائق الأمور و جهات الصدور، نعم، مجرّد أصدقيّة الراوي و أورعيّته لا يوجب ذلك، ما لم ينضمّ إليه الأفقهيّة.

هذا، و لكنّ الرواية مطلقة، فيشمل الخبر المشهور روايته‏

____________

و إنّما نرجّح هذه الشاذّة أحيانا على تلك المشهورة (لكشف اختياره) أي:

اختيار هذا الراوي الأصدق الأعدل الأفقه‏ (ايّاها) أي: لهذه الرواية الشاذة، يكشف‏ (مع فقهه و ورعه، عن اطّلاعه على قدح في الرواية المشهورة، مثل صدورها تقيّة، أو تأويل لم يطّلع عليه غيره) و قد اطّلع هو على ذلك‏ (لكمال فقاهته و تنبّهه لدقائق الامور و جهات الصدور) فإنّ تنبّهه لذلك كان داعيا له لنقل الرواية الشاذة دون الرواية المشهورة.

(نعم، مجرّد أصدقيّة الراوي و أورعيّته لا يوجب ذلك) أي: لا يوجب الترجيح الشاذ على المشهور، و ذلك لأنّ الصدق و الورع لا يرتبطان بالفهم‏ (ما لم ينضمّ إليه الأفقهيّة) حيث أن الأفقهية مرتبطة بفهم دقائق الامور و تحقيق حال الروايات.

(هذا، و لكنّ الرواية) و هي: مقبولة عمر بن حنظلة (مطلقة) أي: ليست مختصة بالفرض الأخير الذي صحّح فيه المصنّف تقديم الترجيح بالصفات على الترجيح بالشهرة، ليرفع به إشكال ترتّب المرجّحات التي أو ردها على المقبولة، فإنّ إشكال ترتّب المرجّحات باق، لشمول المقبولة صورتين اخريين مخالفتين للترتّب المذكور فيها، و الصورتان هما كالتالي:

الصورة الاولى: ما أشار إليه المصنّف بقوله: (فيشمل الخبر المشهور روايته‏

47

بين الأصحاب، حتى بين من هو أفقه من هذا المنفرد برواية الشاذّ، و إن كان هو أفقه من صاحبه لمرضي بحكومته، مع أنّ أفقهيّة الحاكم بإحدى الروايتين لا يستلزم أفقهيّة جميع رواتها، فقد يكون من عداه مفضولا بالنسبة إلى رواة الاخرى.

____________

بين الأصحاب، حتى بين من هو أفقه من هذا) الأوّل‏ (المنفرد برواية الشاذّ، و إن كان) هذا الأوّل الراوي للشاذ (هو أفقه من صاحبه) أي: الثاني الناقل للمشهور (لمرضيّ بحكومته) يعني: لو روى- مثلا- زرارة الأفقه، عن المعصوم مباشرة و بلا واسطة رواية الشاذ، و روى محمد بن مسلم و هو غير الأفقه عن المعصوم مع الواسطة رواية المشهور، لكن كان في جملة وسائط رواية المشهور من هو أفقه من زرارة فإنّه على إطلاق رواية المقبولة في الترجيح بالصفة أوّلا يلزم تقديم رواية زرارة لأنه افقه، و هو ترجيح بالصفة، مع أن الفقهاء، يقدّمون هنا رواية المشهور، لأنّها مشتملة له على الصفة و الشهرة معا، فهذه هي الصورة الأولى.

الصورة الثانية: (مع أنّ أفقهيّة الحاكم بإحدى الروايتين) اللتين هما مدرك الحاكمين‏ (لا يستلزم أفقهيّة جميع رواتها، فقد يكون من عداه مفضولا بالنسبة إلى رواة) الرواية (الاخرى) يعني: لو روى- مثلا- زرارة الأفقه لكن لا مباشرة، بل بواسطة بريد عن المعصوم رواية الشاذ، و روى محمد بن مسلم غير الأفقه بواسطة فضيل الذي هو أفقه من زرارة رواية المشهور، فكيف يقدّم ما رواه زرارة على الرواية الاخرى لأجل إطلاق المقبولة، مع أن الفقهاء يقدّمون الرواية الاخرى التي اجتمع فيها الصفة و هو الافقه و الشهرة معا؟ و هذه هي الصورة الثانية ممّا أورده المصنّف على إطلاق المقبولة من حيث ترتيب المرجّحات فيها.

48

إلّا أن ينزّل الرواية على غير هاتين الصورتين.

و بالجملة: فهذا الاشكال أيضا لا يقدح في ظهور الرواية، بل صراحتها في وجوب الترجيح بصفات الراوي، و بالشهرة من حيث الرواية و بموافقة الكتاب و مخالفة العامّة.

نعم، المذكور في الرواية الترجيح باجتماع صفات‏

____________

(إلّا أن ينزّل الرواية) و هي المقبولة (على غير هاتين الصورتين) الأخيرتين أيضا، كما نزّلها على غير ما أشكله أوّلا على ترتيب المرجّحات المذكورة في المقبولة، حيث منع هناك من تقديم الفقهاء الترجيح بالشهرة على الترجيح بالصفة على نحو مطلق و إن أطلقوا القول بتقديم الشهرة، و بذلك صحّ مورد الاشكال، فهنا كذلك نصحّح به الاشكال و نقول: إنّه من الممكن إطلاق الترجيح بالشهرة ضربا للقاعدة، و إن لم يكن في بعض الأفراد العلّة التي سبّبت تقديم رواية الأفقه و هي الترجيح بالصفة على الترجيح بالشهرة.

(و بالجملة: فهذا الاشكال أيضا) بصورتيه لو فرضنا تماميته‏ (لا يقدح في ظهور الرواية، بل صراحتها في وجوب الترجيح) و ذلك لما تقدّم: من أن المقبولة ظاهرة، بل صريحة في الأخذ بالمرجّحات لا التخيير مطلقا، فهذه الرواية تدلّ على الترجيح‏ (بصفات الراوي، و بالشهرة من حيث الرواية) أي: الشهرة الروائية في مقابل الشهرة الفتوائية (و بموافقة الكتاب و مخالفة العامّة) فتكون المقبولة دليلا للمشهور الذين يقولون بترجيح بعض الروايات على بعضها الآخر، فيما إذا تعارضت الروايات، لا التخيير بينها كما ذكره بعض.

الثالث من الاشكالات التي أوردها المصنّف على الرواية المقبولة ما ذكره بقوله: (نعم، المذكور في الرواية) المقبولة هو: (الترجيح باجتماع صفات‏

49

الراوي من العدالة و الفقاهة و الصداقة و الورع، لكنّ الظاهر إرادة بيان جواز الترجيح بكلّ منها.

و لذا لم يسأل الراوي عن صورة وجود بعض الصفات دون بعض أو تعارض الصفات بعضها مع بعض، بل ذكر في السؤال أنّهما عدلان مرضيّان لا يفضل أحدهما على صاحبه.

____________

الراوي من العدالة و الفقاهة و الصداقة و الورع) حيث أن ظاهر المقبولة كون مجموع هذه الصفات مرجّحا واحدا، و هذا ما لا يقول به الفقهاء، بل أنهم يكتفون في الترجيح بالأعدليّة فقط، أو الأفقهية فقط، أو الأصدقيّة فقط، أو الأورعية فقط.

هذا (لكنّ الظاهر) بالنظر التحقيقي‏ (إرادة) الرواية (بيان جواز الترجيح بكلّ منها) أي: بكل واحد من هذه الصفات لا ان المراد مجموع الصفات من حيث المجموع‏ (و لذا) أي: لأجل ان الرواية ظاهرة في جواز الترجيح بكلّ من هذه الصفات‏ (لم يسأل الراوي) الذي سأل من الإمام (عليه السلام) في المقبولة (عن صورة وجود بعض الصفات دون بعض) فإنّ عدم سؤاله عن ذلك، دليل على أنه فهم كفاية البعض، كما إذا كان أحدهما أفقه‏ (أو) أصدق- مثلا- مع التساوي في العدل و الورع، و إلى غير ذلك، فإنّه لو فهم من الرواية لزوم أن يكون الراوي جامعا لكل هذه الصفات الأربع لزم عليه أن يسأل بعد ذلك عن انه إذا كان في الراوي بعض الصفات دون بعض فهل تقدّم روايته أم لا؟.

و كذا لم يسأل الراوي عن‏ (تعارض الصفات بعضها مع بعض) كما إذا كان في أحدهما الأفقهية، و في أحدهما الأعدلية، و إلى غير ذلك، فإنّه قد فهم انه حينئذ لا ترجيح بين الروايتين، و لذا لم يسأل عنها.

(بل ذكر في السؤال) بعد ذلك‏ (أنّهما عدلان مرضيّان لا يفضل أحدهما على صاحبه).

50

فقد فهم أنّ الترجيح بمطلق التفاضل، و كذا يوجّه الجمع بين موافقة الكتاب و السنّة و مخالفة العامّة مع كفاية واحدة منها إجماعا.

الثاني: ما رواه ابن أبي جمهور الأحسائي في غوالي اللئالي، عن العلّامة، مرفوعا إلى زرارة: قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام)، فقلت: جعلت فداك يأتي عنكم الخبران و الحديثان المتعارضان، فبأيّهما آخذ؟

____________

ممّا يؤيد ما ذكرناه‏ (فقد فهم أنّ الترجيح) كائن‏ (بمطلق التفاضل) بينهما، و ليس باجتماع الصفات في احدهما دون الآخر.

(و كذا يوجّه الجمع بين موافقة الكتاب و السنّة و مخالفة العامّة) التي ذكرها الإمام (عليه السلام) مجتمعة (مع) وضوح‏ (كفاية واحدة منها إجماعا) فإنّه قد قام الاجماع على أنه يكفي كل واحد من: موافقة الكتاب، و موافقة السنة، كما يكفي مخالفة العامة بوحده، و غير ذلك من التوجيهات الكاشفة عن ان الاشكالات المذكورة على المقبولة غير واردة، و على فرض كونها واردة لا تقدح في تمامية الاستدلال بها على وجوب الترجيح، بالمرجّحات المذكورة فيها، علما بأنها خمسة أمور بترتيب: الصفات، ثم الشهرة، ثم موافقة الكتاب، ثم مخالفة العامة، و أخيرا: الارجاء.

(الثاني) من روايات العلاج هو: (ما رواه ابن ابي جمهور الأحسائي في غوالي اللئالي، عن العلّامة، مرفوعا) أي: انه لم يذكر السند، و إنّما رفع الرواية إلى زرارة، و هو السائل عن الإمام الباقر (عليه السلام) فسقطت الواسطة بين زرارة و بين العلامة، فالرواية مرفوعة إذن‏ (إلى زرارة، قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) فقلت:

جعلت فداك يأتي عنكم الخبران و الحديثان المتعارضان، فبأيّهما آخذ؟) و لعل الفرق بين الحديث و الخبر هو: أن الخبر ما ينقله الإمام عن آبائه عن رسول‏

51

فقال (عليه السلام): يا زرارة، خذ بما اشتهر بين اصحابك و دع الشاذّ النادر.

فقلت: يا سيّدي، إنّهما معا مشهوران مأثوران عنكم، فقال: خذ بما يقول أعدلهما عندك و أوثقهما في نفسك، فقلت: إنّهما معا عدلان مرضيّان موثّقان، فقال: انظر ما وافق منهما العامّة فاتركه و خذ بما خالف، فإنّ الحقّ فيما خالفهم.

قلت: ربّما كانا موافقين لهم أو مخالفين، فكيف أصنع؟.

____________

الله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و الحديث ما كان جديدا منقولا من نفس الإمام (عليه السلام).

(فقال (عليه السلام): يا زرارة، خذ بما اشتهر بين أصحابك و دع الشاذّ النادر) و لعل الشاذ هو: ما كان مضمونه بعيدا عن ذهن المتشرّعة، بينما النادر هو: ما كان فريدا في ذاته و إن لم يكن بعيدا، قال زرارة (فقلت: يا سيّدي، إنّهما معا مشهوران مأثوران عنكم) كما إذا وجدت روايتان متعارضتان في كثير من كتب الأصحاب.

(فقال: خذ بما يقول أعدلهما عندك و أوثقهما في نفسك) أي: بمن تطمئن في نفسك إلى ان عدالته و وثاقته يفوقان عدالة الآخر و وثاقته.

قال زرارة (فقلت: إنّهما معا عدلان مرضيّان موثّقان) اشارة الى أنّه من الممكن أن يكون عادلا، إلّا أنه لم يكن مرضيا عند الناس، و ذلك لسوء في خلقه، أو قلة من آدابه، و لكن لا بدرجة تسقطه عن العدالة، كما يمكن أن يكون عادلا لكن غير ثقة، و ذلك لكثرة نسيانه أو ما أشبه ذلك.

(فقال: انظر ما وافق منهما العامّة فاتركه و خذ بما خالف) العامة منهما (فإنّ الحقّ فيما خالفهم) كما تقدّم وجه ذلك.

قال زرارة: (قلت: ربّما كانا موافقين لهم أو مخالفين، فكيف أصنع) معهما؟.

52

قال: إذن فخذ بما فيه الحائطة لدينك، و اترك الآخر، قلت: إنّهما معا موافقان للاحتياط أو مخالفان له، فكيف أصنع؟ فقال: إذن فتخيّر أحدهما فتأخذ به، و دع الآخر.

الثالث: ما رواه الصدوق بإسناده عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام)، في حديث طويل، قال فيه: فما ورد عليكم من حديثين مختلفين‏

____________

(قال: إذن فخذ بما فيه الحائطة لدينك، و اترك الآخر) فلو كان أحد الخبرين- مثلا- يقول: غسل الجمعة واجب، و يقول الآخر: غسل الجمعة مستحب، فإن الأخذ بالوجوب أحوط.

قال زرارة: (قلت: إنّهما معا موافقان للاحتياط) كما إذا كان أحدهما يدلّ على الوجوب، و الآخر يدلّ على الحرمة، أو كان أحدهما يدلّ على وجوب الظهر، و الآخر يدلّ على وجوب الجمعة- مثلا- (أو مخالفان له) أي: بأن كان الخبران معا مخالفين للاحتياط كما لو دلّ أحدهما: على الندب و الآخر على الكراهة، قال: إذا كان الخبران معا كذلك‏ (فكيف أصنع) معهما؟.

(فقال: إذن فتخيّر أحدهما فتأخذ به، و دع الآخر) (1) و هذا الجواب جاء بصيغة الأمر، و معلوم: أن ظاهر الأمر هو: الوجوب كما هو واضح، و لا يخفى أن الترجيح فيها بخمسة أمور بترتيب: الشهرة، ثم الصفات، ثم مخالفة العامة، ثم الاحتياط، ثم التخيير.

(الثالث) من روايات العلاج‏ (ما رواه الصدوق بإسناده عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام)، في حديث طويل، قال فيه: فما ورد عليكم من حديثين مختلفين)

____________

(1)- غوالي اللئالي: ج 4 ص 133 ح 229، بحار الانوار: ج 2 ص 245 ب 29 ح 57، جامع أحاديث الشيعة: ج 1 ص 255.

53

فاعرضوهما على كتاب اللّه، فما كان في كتاب الله موجودا حلالا أو حراما، فاتبعوا ما وافق الكتاب، و ما لم يكن في الكتاب فاعرضوهما على سنن رسول الله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فما كان في السنّة موجودا منهيّا عنه، نهي حرام أو مأمورا به عن رسول الله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أمر إلزام، فاتّبعوا ما وافق نهي النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و أمره، فما كان في السنّة نهي إعافة أو كراهة

____________

متعارضين‏ (فاعرضوهما على كتاب اللّه، فما كان في كتاب اللّه موجودا حلالا أو حراما) بأن كان الحديث يدلّ على الحلّية و كتاب اللّه يدلّ على الحلّية أيضا، أو الحديث يدلّ على الحرمة و كتاب اللّه أيضا كذلك، علما بأنّ الحلال كما تقدّم يشمل الأحكام الثلاثة، و الحرام يشمل حكمين، فإذا كان حكمه موجودا فيه‏ (فاتّبعوا ما وافق الكتاب، و ما لم يكن في الكتاب) بأن لم يوجد حكمه في كتاب اللّه‏ (فاعرضوهما على سنن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)) المتواترة عنه، حيث إنّ سنن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) كانت على الأغلب متداولة في المسلمين و معروفة بينهم.

ثم قال (عليه السلام) بعد أن أمر بعرض الخبرين على السنّة: (فما كان في السنّة موجودا منهيّا عنه، نهي حرام) لا نهي كراهة (أو مأمورا به عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أمر إلزام) لا أمر ندب، فإنّ في الكراهة و الندب يجوز للانسان الأخذ و الترك، بينما المراد هنا من الأخذ و الترك هو الواجب منهما، فإذا كان موجودا في السنة (فاتّبعوا ما وافق نهي النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و أمره) الالزاميّين.

ثم قال (عليه السلام): (فما كان في السنّة نهي إعافة أو كراهة) و لعل الفرق بين الاعافة و الكراهة هو: انّ الانسان قد يترك شيئا مع أنه مباح لأنه يضرّه- مثلا- و قد يتركه لا لأنه يضرّه، بل لأنه مكروه شرعا، فالنبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- مثلا- ما كان يجمع بين ادامين على مائدة واحدة، و كذلك كان الإمام علي (عليه السلام)، أو ان النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لم يأكل‏

54

ثمّ كان الخبر خلافه، فذلك رخصة في ما عافه رسول الله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، أو كرهه و لم يحرّمه، و ذلك الذي يسع الأخذ بهما جميعا و بأيّهما شئت وسعك الاختيار من باب التسليم و الاتباع و الردّ إلى رسول الله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و ما لم تجدوه في شي‏ء من هذه الوجوه فردّوا إلينا علمه، فنحن أولى بذلك، و لا تقولوا فيها بآرائكم، و عليكم بالكفّ و التثبّت و الوقوف،

____________

الفالوذج و هو نوع من الحلوى في حياته، و كذلك عليّ (عليه السلام) لم يأكل الفالوذج في حياته تأسّيا برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و عدم أكلهم هذه الألوان من الطعام لا لأنه مكروه، بل الترك ترك اعافة، و عافة بمعنى: تركه.

و عليه: فإن كان الخبر الدالّ على عدم الالزام موافقا للسنّة (ثمّ كان الخبر) الآخر الدال على الالزام‏ (خلافه) أي: خلاف ما ورد في السنّة (فذلك رخصة فيما عافه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أو كرهه و لم يحرّمه) فإنّ النهي إذا كان نهي كراهة و إعافة دلّ على الرخصة (و ذلك الذي يسع الأخذ بهما جميعا) فإنّه إذا كان النهي نهي نزاهة جاز للانسان الترك و جاز للانسان الفعل‏ (و بأيّهما شئت وسعك الاختيار) أي: يجوز لك أن تختار هذا أو تختار ذاك‏ (من باب التسليم) لحكم اللّه سبحانه و تعالى‏ (و الاتباع) لسنة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)‏ (و الرّد) أي: ارجاع الأمر (الى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)) ثم قال (عليه السلام): (و ما لم تجدوه في شي‏ء من هذه الوجوه) أي: لم تجدوا حكمه في السنة، لا بوجه نهي تحريم، و لا نهي عافة و كراهة- مثلا- (فردّوا إلينا علمه، فنحن أولى بذلك) أي: بردّ العلم، و معنى: «فردّوا الينا علمه» هو: ما فسّره الإمام (عليه السلام) بقوله بعد ذلك‏ (و لا تقولوا فيها) أي: في هذه الوجوه التي لم يرد عنهم (عليهم السلام) الخبر بها (بآرائكم) و استحساناتكم العقلية (و عليكم بالكفّ) عن القول بالرأي‏ (و التثبّت) في الأمر بالفحص و التحقيق‏ (و الوقوف)