توضيح الرشاد في تاريخ حصر الاجتهاد

- الشيخ آقا بزرك الطهراني المزيد...
127 /
1

-

2

مقدمة التحقيق‏

3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على أفضل النبيين، و على آله الطيبين الطاهرين، الهداة المعصومين.

4

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

5

تقديم‏

حدد العلماء للاجتهاد علوما أدبية و غير أدبية، بها يتمكن الفقيه من استخراج الأحكام الشرعية و استنباطها من الكتاب و السنة و باقي الأدلة التي تعود في الحقيقة إليهما.

فالمجتهد إذا أتقن هذه العلوم و مارس الكتاب و السنة حصلت له ملكة يقتدر بها على استنباط الفروع الفقهية و ما يحتاج إليه من المسائل و الأحكام، و إذا حصلت له هذه الملكة وجب عليه العمل بما يستنبطه و لا يجوز له الرجوع إلى غيره.

أما العامي الذي لم تتوفر له أسباب الاجتهاد أصلا، أو توفر له طرف منها و لكن لم يبلغ مرتبة الاستنباط، فيجب عليه الرجوع إلى المجتهد العادل الجامع للشرائط لأخذ

6

ما يحتاج إليه من الأحكام الفقهية.

هذا ما ذهب إليه الشيعة في المجتهد و المقلد، و أما أهل السنة فقد حصروا الاجتهاد في أربعة من الأئمة زعموا أن التقليد لا يصح إلا من هؤلاء و لا يجوز العمل إلا برأيهم، و هم: الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي (ت 150) و الإمام مالك بن أنس الأصبحي (ت 179) و الإمام محمد ابن إدريس الشافعي (ت 204) و الإمام أحمد بن حنبل الشيباني (ت 241).

سد أهل السنة باب الاجتهاد على أنفسهم و أصبحوا يقلدون هؤلاء الأئمة منذ قرون، بالرغم من وجود مجتهدين آخرين قبلهم و معاصرين لهم و بعدهم.

فما هي الأسباب و الدواعي التي أوجبت حصر الاجتهاد فيهم، و متى تم هذا الموضوع، و على يد من تم؟ فهذه أسئلة تدور على كثير من الألسن و يطلب لها الجواب.

لقد أجاب على هذه الأسئلة العلامة الراحل المتتبع المؤرخ الشيخ آغا بزرك الطهراني- عطر الله مرقده- في رسالته القيمة" توضيح الرشاد في تاريخ حصر الاجتهاد"، فإنه درس هذا الموضوع من جوانبه المختلفة باختصار و استيعاب، و أعطى صورة واضحة أغنى الباحث عن الفحص في الموسوعات و أشتات الكتب.

و قد استحصلت" مدرسة الإمام المهدي (عليه السلام)"

7

بخوانسار على صورة من هذه الرسالة بخط المؤلف من العلامة الحجة السيد محمد حسين الجلالي، و قد أحسنت الاختيار إذ جعلته ضمن الرسائل و الكتب التي سعت في تحقيقها و نشرها فإنها بهذا العمل المشكور وفرت كثيرا من الجهد على العلماء و المعنيين بالبحوث التأريخية الدينية.

و إنني أبارك فضيلة الأستاذ المحقق الشيخ محمد على الأنصاري على توفيقه في تحقيق هذا الأثر القيم و على دراسته المختصرة الممتازة التي قدم بها الرسالة حول الاجتهاد و الأدوار التي مر بها، و أسأل الله تعالى له اطراد التوفيق في إحياء آثار أخرى من تراثنا الإسلامي، و هو عز و جل ولي التوفيق و التسديد. قم: 12 ذق 1401 ه.

السيد أحمد الحسيني‏

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

[كلام المحقق‏]

بسم الله الرحمن الرحيم‏

الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على صفوة خلقه الرسول الأمين، و آله الغر الميامين.

بين يدي رسالة في" تاريخ حصر الاجتهاد" عند إخواننا السنة، حررت بيد العلامة الكبير آية الله الشيخ آغا بزرك الطهراني تغمده الله برحمته.

و قد استعرض فيها تاريخ حصر الاجتهاد، و وجوب تقليد أحد المذاهب الأربعة لا غير، و الأسباب التي دعت إلى ذلك و قد ساعدني التوفيق في صيف سنة 1398 هجرية، حيث سنحت لي فرصة قصيرة في مؤسسة ولي العصر (عجل الله تعالى فرجه) بمدينة خوانسار، فقمت فيها بتحقيق هذه الرسالة و تقديمها. و رأيت من المناسب أن أكتب باختصار حول الأدوار التي مر بها الاجتهاد في كل من مدرستي الشيعة و السنة.

و ما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت و إليه أنيب.

العبد الراجي عفو ربه محمد على الأنصاري الشوشتري‏

10

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

11

الاجتهاد لغة و اصطلاحا

قبل الدخول في البحث عن الأدوار التي مر بها الاجتهاد، من اللازم أن نبين ما هو المراد من الاجتهاد الذي نريد أن نستعرض أدواره، فنقول: الاجتهاد في اللغة مأخوذ من" الجهد" بالضم بمعنى الطاقة، أو بالفتح بمعنى المشقة و يأتي بمعنى الطاقة أيضا.

فالاجتهاد لغة هو:" بذل الوسع و الطاقة" (1). و أما في مصطلح الفقهاء و الأصوليين فيطلق على معنيين: عام، و خاص.

____________

(1) راجع كلا من: لسان العرب و الصحاح و النهاية و مجمع البحرين و غيرها من كتب اللغة.

12

المعنى الخاص للاجتهاد:

أما المعنى الخاص فهو المرادف للقياس عند الشافعي، حيث يقول:" فما القياس؟ أ هو الاجتهاد أم هما مفترقان؟ قلت: هما اسمان بمعنى واحد" (1) و نفي أن يكون الاستحسان من الاجتهاد (2) و يقول السيد المرتضى (قده):" و في الفقهاء من فصل بين القياس و الاجتهاد، و جعل القياس ما تعين أصله الذي يقاس عليه، و الاجتهاد ما لم يتعين.

و فيهم من أدخل القياس في الاجتهاد و جعل الاجتهاد أعم منه" (3).

و ربما جعلوا الاجتهاد مرادفا للاستحسان، و الرأي، و الاستنباط و القياس، بجعلها أسماء لمعنى واحد.

يقول مصطفى عبد الرزاق:" فالرأي الذي نتحدث عنه هو الاعتماد على الفكر في استنباط الأحكام الشرعية، و هو مرادنا بالاجتهاد و القياس، هو أيضا مرادف للاستحسان و الاستنباط" (4).

هذا، و لا يمكن تحديد مفهوم الاجتهاد بمعناه الخاص تحديدا

____________

(1) الرسالة للشافعي: 477.

(2) نفس المصدر: 504.

(3) الذريعة إلى أصول الشريعة: 2/ 188.

(4) تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية: 138 كما عن مقدمة النص و الاجتهاد.

13

دقيقا، و لعل ذلك من جهة اختلاط بعض المفاهيم العامة بمصاديقها.

و الذي يظهر من تتبع كلماتهم أن الاجتهاد بمعناه الخاص مرادف للرأي، و إن القياس و الاستحسان و المصالح المرسلة و نظائرها إنما هي من قبيل المصاديق لهذا المفهوم‏ (1).

و مهما يكن من أمر فإن الاجتهاد بهذا المعنى استمر من القرن الأول حتى القرن الخامس- تقريبا- فحينما كان يطلق الاجتهاد، كان يراد منه هذا المعنى الخاص.

و في حوالي القرن الخامس أخذ الاجتهاد مفهوما أوسع من ذلك.

و الذي لا بد أن نشير إليه هو أن أئمة الشيعة (عليهم السلام) كانوا يعارضون الاجتهاد بهذا المعنى، و ذلك لبطلان القياس و الاستحسان و غيرها عندهم.

و استمرت هذه المعارضة من عصر الأئمة- (عليهم السلام)- حتى القرن السابع الهجري حيث تغير مفهوم الاجتهاد الخاص إلى مفهوم أوسع منه فتقبله الشيعة برحابة صدر، مع حذف ما يخالف مبادءهم الفقهية كالقياس و الاستحسان و أمثالها عنه، فالنصوص الكثيرة الواردة عن العلماء في هذه القرون تدلنا على المعارضة الشديدة من قبل مدرسة أهل البيت- (عليهم السلام)- ضد الاجتهاد بمفهومه الخاص، حتى صنف العلماء و الكتاب كتبا على رد الاجتهاد بهذا المعنى، فقد صنف عبد الله بن عبد الرحمن الزبيري كتابا سماه" الاستفادة في الطعون على الأوائل و الرد على أصحاب الاجتهاد

____________

(1) مقدمة النص و الاجتهاد: 5 بقلم العلامة السيد محمد تقي الحكيم.

14

و القياس" (1) و صنف أبو القاسم علي بن أحمد الكوفي كتابا سماه" الرد على أصحاب الاجتهاد في الأحكام" (2) و أخذت المعارضة تستمر حتى أواخر القرن الرابع، حيث ألف الشيخ المفيد" قده" كتابا سماه" النقض على ابن الجنيد في اجتهاد الرأي" (3).

و قد كان ابن الجنيد متهما بالعمل بالقياس و الاجتهاد في الرأي، كما سينبه عليه المؤلف" قده" و سوف نتعرض لذكره هناك.

و مما يدل على ذلك ما نقله المحقق الشيخ محمد حسن النجفي صاحب الجواهر في جواز قضاء الحاكم بعلمه عن السيد المرتضى في الانتصار بقوله:" فإن قيل: كيف تستجيزون ادعاء الإجماع و أبو علي ابن الجنيد يصرح بالخلاف و يذهب إلى أنه لا يجوز للحاكم أن يحكم بعلمه في شي‏ء من الحقوق و الحدود؟ قلنا: لا خلاف بين الإمامية في هذه المسألة، و قد تقدم إجماعهم ابن الجنيد و تأخره و إنما عول ابن الجنيد على ضرب من الرأي و الاجتهاد، و خطاؤه ظاهر" (4).

و هكذا نرى السيد المرتضى أيضا يهجم على الاجتهاد بهذا

____________

(1) رجال النجاشي في ترجمة عبد الله بن عبد الرحمن: 152.

(2) نفس المصدر في ترجمة علي بن أحمد: 189.

(3) رجال النجاشي في ترجمة الشيخ المفيد: 287.

(4) جواهر الكلام: 40/ 89.

15

المعنى و إن كان يميل إلى قبوله في الموضوعات الخارجية- لا الأحكام مثل الاجتهاد في تعيين القبلة و أمثالها (1).

و كذلك نرى الشيخ الطوسي" قده" في أواسط القرن الخامس يقول عند ما يذكر صفات المفتي:" و قد عد من خالفنا في هذه الأقسام أنه لا بد أن يكون عالما بالقياس و الاجتهاد.

و قد بينا نحن فساد ذلك و أنها ليست من أدلة الشرع" (2).

و كذا في أواخر القرن السادس يستعرض ابن إدريس في مسألة تعارض البينتين من كتابه" السرائر" عددا من المرجحات لإحدى البينتين على الأخرى ثم يعقب ذلك قائلًا:" و لا ترجيح بغير ذلك عند أصحابنا، و القياس و الاستحسان و الاجتهاد باطل عندنا" (3).

و هكذا استمر هذا الرفض العنيف للاجتهاد بمفهومه الخاص إلى أوائل القرن السابع لأنه كان يعطي مفهوم القياس و الاستحسان و الرأي- أو كانا من مصاديقه الممقوتين لدى أئمة الشيعة (عليهم السلام)- حتى تطور الاجتهاد من مفهومه الخاص إلى مفهوم أوسع منه.

المعنى العام للاجتهاد:

و بعد أن كان الاجتهاد عند السنة منحصرا في الرأي و القياس‏

____________

(1) الذريعة إلى أصول الشريعة 2/ 308.

(2) عدة الأصول 293.

(3) السرائر لابن إدريس، كما عن المعالم الجديدة للسيد الصدر.

16

و الاستحسان- على اختلاف في قبول بعضها- تطور مفهومه و أخذ يعطي معنى أوسع من معناه الأول الخاص.

فهذا الغزالي المتوفى سنة 505 يعرف الاجتهاد بأنه:" عبارة عن بذل المجهود و استفراغ الوسع في فعل من الأفعال.

و لكن صار اللفظ في عرف العلماء مخصوصا ببذل المجتهد وسعه في طلب العلم بأحكام الشريعة" (1).

و عرفه الآمدي بأنه:" استفراغ الوسع في طلب الظن بشي‏ء من الأحكام الشرعية على وجه يحس من النفس العجز عن المزيد فيه" (2).

و عرفه من المتأخرين محمد الخضري بك بأنه:" بذل الجهد في استنباط الحكم الشرعي مما اعتبره الشارع دليلا" (3).

و من خلال هذه النصوص نرى كيف تحول مفهوم الاجتهاد من معناه الخاص إلى معنى أوسع منه عند ما لبس ثوبه الجديد، و ذلك حوالي القرنين الخامس و السادس تقبله الشيعة.

و أقدم نص يدل على قبول الاجتهاد بمفهومه الجديد لدى علماء الشيعة هو النص الوارد عن المحقق الحلي" قده" المتوفى سنة 676 في كتابه المعارج حيث كتب تحت عنوان الاجتهاد يقول:" و هو في عرف الفقهاء بذل الجهد في استخراج الأحكام الشرعية.

و بهذا الاعتبار يكون استخراج الأحكام من أدلة الشرع‏

____________

(1) المستصفى 2/ 350.

(2) الأحكام من أصول الأحكام 4/ 141.

(3) تاريخ التشريع الإسلامي 87.

17

اجتهادا، لأنها تبتني على اعتبارات نظرية ليست مستفادة من ظواهر النصوص في الأكثر، سواء كان ذلك الدليل قياسا أو غيره، فيكون القياس على هذا التقرير أحد أقسام الاجتهاد.

فإن قيل:- يلزم- على هذا- أن يكون الإمامية من أهل الاجتهاد؟

قلنا: الأمر كذلك، لكن فيه إيهام من حيث أن القياس من جملة الاجتهاد، فإذا استثني القياس كنا من أهل الاجتهاد في تحصيل الأحكام بالطرق النظرية التي ليس أحدها القياس" (1).

و من خلال هذا النص نلاحظ أن كلمة" الاجتهاد" لم تزل مثقلة بتبعة مفهومها الخاص، و لذلك يحاول هذا المحقق أن يفصل بين المفهومين بفصل القياس و أمثاله من مفهوم الاجتهاد.

و لم يقف الاجتهاد- بمفهومه الجديد لدى الشيعة- عند هذا الحد، و هو استخراج الأحكام الشرعية من غير ظواهر النصوص، بل شمل عملية استنباط الحكم من ظاهر النص أيضا، لأن عملية استنباط الحكم لا تخلو من الجهد العلمي في سبيل معرفة الظهور، و تحديده، و إثبات حجيته، و أمثال هذه الأمور.

ثم أخذ الاجتهاد يتطور أيضا، فشمل كل عملية يمارسها الفقيه لتحديد الموقف العملي تجاه الشريعة على طريق إقامة الدليل على الحكم الشرعي، أو تعيين الموقف العملي مباشرة، و لذلك عرفه من المتأخرين السيد الخوئي- دام ظله بأنه:

____________

(1) معارج الأصول، الطبعة الحجرية: 117.

18

" بذل الوسع لتحصيل الحجة على الواقع أو على الوظيفة الفعلية الظاهرية" (1).

و هناك تعاريف أخرى للاجتهاد لا تخلو من مناقشات لا نتعرض لها لخروجها عن غرضنا المهم في هذه المقدمة.

الآن و بعد أن اتضح لدينا مفهوم الاجتهاد بمعنييه: العام و الخاص، حان لنا أن نستعرض المراحل و الأدوار التي مر بها الاجتهاد في المدرستين: مدرسة أهل البيت- (عليهم السلام) و مدرسة السنة.

و المقصود طبعا- من الاجتهاد الذي نريد أن نستعرض مراحله هو الاجتهاد بمعناه العام، الذي يشمل كل عملية يمارسها الفقيه لتحديد الموقف العلمي تجاه الشريعة، سواء كان في صدر الإسلام أم في يومنا هذا، لأن عملية تحديد الموقف العملي تجاه الشريعة لم تكن شيئا مستحدثا، بل يمتد إلى تاريخ صدر الإسلام.

____________

(1) الرأي السديد في الاجتهاد و التقليد: 9

19

الاجتهاد و تطوراته في التأريخ‏

مرت على الاجتهاد مراحل مختلفة، من الصعب تحديدها تحديدا دقيقا، و لكن يمكن حصرها في كل من المدرستين- السنية و الشيعية- على وجه التقريب حسب ما تقتضيه المقدمة.

أولا- المدرسة السنية و مراحلها التأريخية:

مرت المدرسة السنية بمراحل كثيرة يمكن حصرها تقريبا في أربعة أدوار: 1 دور الصحابة و التابعين.

2 دور الأئمة الأربعة، حتى انسداد باب الاجتهاد.

3 دور انسداد باب الاجتهاد (عصر التقليد).

4 دور الدعوة إلى فتح باب الاجتهاد من جديد.

20

الدور الأول: دور الصحابة و التابعين‏

كان بعض الصحابة إذا عرضت لهم مسألة يحاولون أن يجدوا حلها من الكتاب أو السنة، فإن وجدوا حلها فيها و إلا كانوا يعملون بما وصل إليه رأيهم في المسألة- و إن كان هناك من يتوقف من الإفتاء بالرأي- كما تدل على ذلك نصوص كثيرة.

ففي حديث ميمون بن مهران:" كان أبو بكر إذا ورد عليه الخصم نظر في كتاب الله، فإن وجد فيه ما يقضي بينهم قضى به، و إن لم يكن في الكتاب و علم عن رسول الله (صلى الله عليه و آله) في ذلك الأمر سنة قضى بها، فإن أعياه خرج فسأل المسلمين فقال: أتاني كذا و كذا، فهل علمتم أن رسول الله (صلى الله عليه و آله) قضى في ذلك بقضاء؟ فربما اجتمع إليه النفر كلهم يذكر عن رسول الله (صلى الله عليه و آله) فيه قضايا، فيقول أبو بكر: الحمد لله الذي جعل فينا من يحفظ علينا علم نبينا، فإن أعياه أن يجد فيه سنة عن رسول الله (صلى الله عليه و آله) جمع رءوس الناس و خيارهم فاستشارهم، فإذا اجتمع رأيهم على أمر قضى به" (1).

و في تعاليم عمر لشريح كما يؤثر عنه:" فإن جاءك ما ليس في كتاب الله و لم يكن فيه سنة رسول الله (صلى الله عليه و آله) و لم يتكلم فيه أحد قبلك، فاختر أي الأمرين شئت، و إن شئت أن تجتهد برأيك لتقدم فتقدم، و إن شئت أن تتأخر فتأخر، و لا أرى التأخر إلا خيرا لك" (2).

____________

(1) الإنصاف في بيان سبب الاختلاف كما عن دائرة المعارف لفريد وجدي: 3/ 212.

(2) نفس المصدر.

21

و عن ابن مسعود أنه قال:" من عرض له منكم قضاء فليقض بما في كتاب الله، فإن لم يكن في كتاب الله فليقض بما قضى فيه نبيه (صلى الله عليه و آله)، فإن جاء أمر ليس في كتاب الله و لم يقض فيه نبيه و لم يقض به الصالحون فليجتهد برأيه، فإن لم يحسن فليقم و لا يستحي" (1).

هذا، و كان في الصحابة من يفتي في المسألة بالرأي مع وجود النص الصريح فيها، و نحيل من أراد التوسع في ذلك إلى كتاب" النص و الاجتهاد" للعلامة السيد عبد الحسين شرف الدين (قده) فإنه تناول البحث فيه بصورة مفصلة.

نعم كان الاجتهاد في هذا الدور يتمثل في استنباط الحكم من الكتاب، فإن لم يوجد فيه فمن السنة، و إن لم يوجد في السنة فمن قول صحابي له فتوى في تلك المسألة- و بالطبع هذا يتصور بالنسبة إلى التابعين أو صغار الصحابة- فإن لم يكن هناك فتوى لصحابي في المسألة، كان المفتي يرى رأيه في إعطاء جواب المسألة.

و من خصائص هذا الدور تدوين السنة بأمر عمر بن عبد العزيز (2) و ظهور الاختلاف بين الفقهاء في أواخر هذا الدور، الذي انتهى إلى انقسامهم إلى مدرستين: مدرسة الرأي، و مدرسة الحديث.

____________

(1) تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية: 177 كما عن مقدمة النص و الاجتهاد.

(2) تاريخ التشريع الإسلامي: 111.

22

الدور الثاني: دور الأئمة الأربعة

و يمتد هذا الدور من أوائل القرن الثاني إلى منتصف القرن الرابع، و كان من ظواهر هذا الدور: اتساع الحضارة و نمو الحركة العلمية في الأمصار الإسلامية، و ازدياد حفاظ القرآن و العناية بأدائه و تدوين السنة و أصول الفقه، و ظهور المصطلحات الفقهية، و ظهور المذاهب الأربعة و غيرها من المذاهب المنقرضة، و النزاع في مادة الفقه- السنة و الإجماع و القياس و غيرها- و انشقاق المدرسة إلى مدرستي الرأي و الحديث.

و نحن نشير إلى الظاهرة الأخيرة، و هي انشقاق المدرسة فقط لأن التوسع في ذلك يخرجنا عن الغرض من هذه المقدمة.

ظهور مدرستي الرأي و الحديث: إن من أهم مظاهر هذا الدور: اتساع الشقة بين مدرستي الرأي و الحديث اللتين ظهرتا في أواخر الدور الأول، فتميزت المدرستان بكل وضوح.

1- مدرسة الرأي:

و كان مركز هذه المدرسة الكوفة، و أعظم روادها أبو حنيفة.

و لبعد الكوفة عن المدينة- مركز الحديث و السنة- أثر كبير في ظهور هذه المدرسة، حيث كان الطابع العام لهذه المدرسة

23

التشدد في قبول السنة و رفض كثير منها، و الاعتماد على القياس و الاستحسان و أمثالهما.

و صار لهذه المدرسة صدى كبير يومذاك في العالم الإسلامي، فكان علماء المسلمين بين مؤيدين لها و مخالفين.

و ممن وقف أمام هذه المدرسة و زيفها أئمة أهل البيت (عليهم السلام) إذ أنهم كانوا يرفضون العلم بالرأي و القياس كما سنبينه إن شاء الله تعالى.

2- مدرسة الحديث:

و من مظاهر هذه المدرسة الاعتماد على القرآن و السنة فقط و رفض القياس و الاستحسان، و لذلك وقف بعض رواد هذه المدرسة موقفا عنيفا أمام مدرسة الرأي، فرفضوها رفضا شديدا.

و من الصعب تحديد موقف هذه المدرسة أمام مدرسة الرأي، و لكن يبدو أن الإمام، مالك بن أنس أحد أئمة المذاهب الأربعة كان من المسارعين و الدعاة إلى هذه المدرسة (أي مدرسة الحديث) ثم تم تشييدها بيد داود بن علي الظاهري- إمام المذهب الظاهري- فكان مالك يهتم بالحديث و لم يعمل بالقياس إلا قليلا، حتى أنه بكى حين موته و ود أنه ضرب في مقابل كل مسألة أفتى فيها برأيه سوطا! كما ذكر ذلك ابن خلكان في تأريخه‏ (1).

و كان داود بن علي الظاهري يرى العمل بظاهر الكتاب و السنة و يرفض‏

____________

(1) تاريخ ابن خلكان:/ 137.

24

القياس رفضا باتا، لأن في عموم الكتاب و السنة- بحسب رأيه- ما يفي بجواب كل مشكلة.

و أما باقي الأئمة الأربعة- أي الشافعي و أحمد بن حنبل- فكانوا حدا وسطا بين هاتين المدرستين، فالشافعي بينما كان يعمل بالقياس كان يرفض الاستحسان رفضا باتا (1).

و بعد الصراع العنيف الذي كان بين المدرستين كان الفوز لمدرسة الرأي.

و على أي حال كان الاجتهاد في هذا الدور يعتمد على الكتاب و السنة و القياس و الاستحسان و الإجماع.

و قد اختلفوا في كيفية الإجماع و مدى حجيته، فإن الشافعي كان يرى أن الإجماع المعتبر هو إجماع جميع العلماء في البلدان كلها، و أنكر على المالكية قولهم إن المعتبر هو إجماع أهل المدينة كلهم، و ألزمهم بالمخالفات الكثيرة التي خالفوا فيها الصحابة كأبي بكر و عمر (2).

المذاهب المنقرضة: و ظهرت في هذا الدور أيضا مذاهب متعددة أخرى قد انقرضت و لم يبق منها إلا الاسم، و كانت كثيرة، مثل مذهب سفيان الثوري و الحسن البصري و الأوزاعي و ابن جرير الطبري و غيرهم، و لم‏

____________

(1) تاريخ التشريع الإسلامي: 148.

(2) تاريخ الفقه الإسلامي: 240، 248 كما عن المبادي العامة للفقه الجعفري 265.

25

يبق منها بعد القرن الرابع إلا مذهب داود بن علي الظاهري حيث بقي حتى القرن الثامن‏ (1).

الدور الثالث: دور التقليد

و هو دور حصر الاجتهاد و الدعوة إلى التقليد، و لا يمكننا تعيين بداية هذا الدور على التحديد، و ذلك أن المحاولات لتحديد دائرة الاجتهاد كانت كثيرة و في أزمنة مختلفة، فكانت هذه المحاولات في فترة بين الرابع و السابع الهجري، حتى تم ذلك- كما عن خطط المقريزي- في سنة 665 على يد" بيبرس البندقداري" حيث ولى مصر أربعة قضاة: شافعي، و مالكي، و حنفي، و حنبلي.

فاستمر ذلك حتى لم يبق في مجموع أمصار الإسلام مذهب يعرف من مذاهب الإسلام سوى هذه الأربعة، و عودي من تمذهب بغيرها (2).

و فيما بين القرنين الخامس و السادس لم يدع أحد الاجتهاد بمعناه الكامل، و إنما وجد فقهاء ذوو اقتدار على الاستباط في حدود مذاهبهم، و من أواخر القرن السابع لم يوجد غير فقهاء ذوي فتاوى و ترجيحات، و بذلك ضاقت مجالات الاجتهاد حتى ذهب الظن ببعض الناس إلى أن باب الاجتهاد قد أغلق‏ (3).

____________

(1) أدوار فقه للأستاذ محمود شهابي 3/ 654 (فارسي).

(2) الخطط المقريزية 2/ 3 44.

(3) الاجتهاد و التجديد في التشريع الإسلامي: 258، بتصرف.

26

و توقف الفقهاء في هذا الدور عن كل حركة علمية، و أعرضوا عن النظر في الكتاب و السنة، و لبثوا يجترون بعض الكتب الفقهية القديمة، و لم يجدوا في شي‏ء منها و أغرموا بجدل لا يجدي نفعا، و خلافات سطحية حول هذه الجملة أو تلك، و انكبوا يعلقون على هذا الرأي أو ذاك، أو يشرحون هذا المتن أو يحشون هذا الشرح أو يعلقون على هذه الحاشية أو يذيلون هذا التعليق، و هكذا أفرغوا جهدهم في مماحكات لفظية و أفنوا كثيرا من وقتهم في خصومات صاخبة لم تعد على الإسلام و المسلمين بأية فائدة (1).

الدور الرابع: فتح باب الاجتهاد من جديد

و هو دور الدعوة إلى انفتاح باب الاجتهاد من جديد، و في الواقع لا ينبغي أن نجعل هذا الدور دورا خاصا، لأن هناك من كان يدعو إلى فتح باب الاجتهاد و الاعتراض على سده منذ القرون التي أعلن فيها انسداد بابه حتى يومنا هذا، أمثال أبي الفتح الشهرستاني المتوفى سنة 548 (2)، و أبي إسحاق الشاطبي المتوفى سنة 790 (3) و السيوطي المتوفى سنة 911، و قد ألف السيوطي رسالة سماها" الرد على من أخلد إلى الأرض، و جهل أن الاجتهاد في كل عصر فرض"، و قدم لهذه الرسالة بقوله:" إن الناس قد غلب عليهم‏

____________

(1) الاجتهاد و التجديد في التشريع الإسلامي: 259.

(2) المصدر السابق: 74.

(3) المصدر السابق: 74.

27

الجهل، و أعماهم حب العناد و أصمهم، فاستعظموا دعوى الاجتهاد و عدوه منكرا بين العباد، و لم يشعر هؤلاء الجهلة أنه فرض من فروض الكفايات في كل عصر، و واجب على أهل كل زمان، أن يقوم به طائفة في كل قطر" (1). و قال الشوكاني:" و من حصر فضل الله على بعض خلقه و قصر فهم هذه الشريعة على من تقدم عصره، فقد تجرأ على الله عز و جل ثم على شريعته الموضوعة لكل عباده، ثم على عباده الذين تعبدهم الله بالكتاب و السنة" (2). و قال أبو محمد البغوي:" و فرض الكفاية هو: أن يتعلم ما يبلغ رتبة الاجتهاد و محل الفتوى و القضاء و يخرج من عداد المقلدين، فعلى كافة الناس القيام بتعلمه، غير أنه إذا قام من كل ناحية واحد أو اثنان سقط الفرض عن الباقين، فإذا قعد الكل عن تعلمه عصوا جميعا، لما فيه من تعطيل أحكام الشرع، قال الله تعالى:" فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ‏" (3). إلى غير هؤلاء من العلماء الكبار الذين كانوا يدعون إلى فتح باب الاجتهاد، و يقفون أمام غلقه.

و استمر هذا الصمود أمام غلق باب الاجتهاد إلى القرون المتأخرة

____________

(1) الاجتهاد و التجديد في التشريع الإسلامي: 94.

(2) الاجتهاد و التجديد في التشريع الإسلامي: 94.

(3) المصدر السابق: 95، و الآية في سورة التوبة: 122.

28

حيث ظهر في العلماء من يدعو إلى فتح بابه من جديد، أمثال السيد جمال الدين الأسدآبادي (المشهور بالأفغاني) الذي كان يقول:" ما معنى باب الاجتهاد مسدود؟ و بأي نص سد؟ و أي إمام قال: لا يصح لمن جاء بعدي أن يجتهد ليتفقه في الدين و يهتدي بهدي القرآن و صحيح الحديث و الاستنتاج بالقياس على ما ينطبق على العلوم العصرية و حاجات الزمن و أحكامه" (1).

و مثل الشيخ محمد عبده حيث يقول:" إن الحياة الإنسانية للمجتمع الإنساني حياة متطورة، و يجد فيها من الأحداث و المعاملات اليوم ما لم تعرفه أمس هذه الجماعة، و الاجتهاد هو الوسيلة المشروعة الملاءمة بين إحداث الحياة المتجددة و تعاليم الإسلام، و لو وقف الأمر بتعاليم الإسلام عند تفقه الأئمة السابقين لسارت الحياة الإنسانية في الجماعة الإسلامية في عزلة عن التوجيه الإسلامي، و بقيت أحداث هذه الحياة في بعد عن تجديد الإسلام إياها. و هذا الوضع يحرج المسلمين في إسلامهم" (2). و مثلهما محمد رشيد رضا حيث يقول:" لا إصلاح إلا بدعوة، و لا دعوة إلا بحجة، و لا حجة مع بقاء التقليد.

فإغلاق باب التقليد الأعمى و فتح باب النظر و الاستدلال هو مبدأ كل إصلاح، و التقليد هو الحجاب الأعطم دون العلم و الفهم" (3).

____________

(1) الاجتهاد و التجديد في التشريع الإسلامي: 356.

(2) المصدر السابق: 377.

(3) المصدر السابق: 390.

29

و هكذا سارت النهضة ضد إغلاق باب الاجتهاد و الدعوة إلى فتحه من جديد، بيد الأعلام و المفكرين من علماء إخواننا السنة، فنرجو أن تصل هذه النهضة إلى هدفها المنشود.

30

الاجتهاد في مدرسة أهل البيت ((عليهم السلام))

و بعد أن استعرضنا الاجتهاد في المدرسة السنية، حان لنا أن نستعرض الاجتهاد في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، فنقول: كان المسلمون في راحة في حياة الرسول (صلى الله عليه و آله) من جهة التمكن من الوصول إلى الأحكام الشرعية، و ذلك لعاملين أساسيين و هما: 1- وجود الرسول (صلى الله عليه و آله) بينهم، و هو مصدر التشريع بعد الله تعالى فكلما واجهتهم مشكلة سارعوا إليه لحلها.

2- عدم اتساع الدولة الإسلامية و عدم مواجهة المسلمين للمشكلات الكثيرة كما حدث بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه و آله).

و لذلك منذ أن ارتحل الرسول (صلى الله عليه و آله) و واجه المسلمون مشاكل‏

31

كثيرة لاتساع الدولة الإسلامية، احتاجوا إلى الفحص عن أحكام المشاكل الجديدة و حلها.

القرآن و العترة:

و لكن الرسول (صلى الله عليه و آله) العالم بما ستواجه به الأمة من بعده جعل مصدرين مهمين يلجأ إليهما المسلمون لحل مشاكلهم، و قد صرح بذلك في طول حياته أكثر من مرة، حيث قال:" إني مخلف فيكم الثقلين كتاب الله و عترتي أهل بيتي لن تضلوا ما تمسكتم بهما و إنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض" (1) فحرض المسلمين باتباع هذين الثقلين و جعلهما في عرض واحد.

و بذلك أشار إلى أن القرآن- و إن كان هو المصدر الوحيد و الأصيل للتشريع لكنه يحتاج إلى مفسر، فجعل عترته الطاهرة و هم الذين تربوا في حجره و في بيته الذي نزل فيه القرآن، مفسرين له.

و بعد أن واجه المسلمون قضية الخلافة حصل الانشقاق بينهم، فصاروا فريقين: فريق اتبعوا قول الرسول (صلى الله عليه و آله) فتمسكوا بالكتاب و العترة، و فريق رفضوا العترة و قالوا" حسبنا كتاب الله" (2) و سمي‏

____________

(1) حديث الثقلين حديث مستفيض بل متواتر المعنى عن الرسول (صلى الله عليه و آله) تناقله المحدثون و أصحاب الصحاح و المسانيد و المعاجم و التواريخ و السير و سنأتي على ذكر بعض مصادره عند ذكر صاحب الكتاب له.

(2) هذا ما قاله عمر بن الخطاب عند مرض الرسول (صلى الله عليه و آله) الذي توفي فيه حينما قال"

هلم أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده‏

" و هذه قضية مشهورة تناقلها المؤرخون و أصحاب الصحاح و المسانيد.

فراجع على سبيل المثال: صحيح البخاري، باب قول المريض" قوموا عني" من كتاب المرضى أو الطب، و باب مرض النبي (صلى الله عليه و آله)، و باب العلم، و راجع صحيح مسلم في آخر الوصايا، و مسند أحمد بن حنبل من حديث ابن عباس.

و إليك بعض ما أخرجه البخاري بسنده إلى عبيد الله بن عبد الله بن مسعود عن ابن عباس قال: لما حضر رسول الله (صلى الله عليه و آله) و في البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب قال النبي (صلى الله عليه و آله):

هلم أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده. فقال عمر: إن النبي قد غلب عليه الوجع، و عندكم القرآن، حسبنا كتاب الله فاختلف أهل البيت فاختصموا، منهم من يقول قربوا يكتب لكم النبي كتابا لن تضلوا بعده، و منهم من يقول ما قال عمر، فلما أكثروا اللغو و الاختلاف عند النبي قال لهم (صلى الله عليه و آله): قوموا قال عبيد الله- فكان ابن عباس يقول: إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله و بين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم و لغطهم‏

". و في بعض الروايات توجد عبارة"

إن الرجل ليهجر

" بدل عبارة"

قد غلب عليه الوجع‏

". و نص هذا الحديث- كما قلنا- في كتاب الطب أو المرضى باب قول المريض" قوموا عني".

32

الفريق الأول بالشيعة لأنهم شايعوا أهل البيت، و الثاني بالسنة، و كان لهذا الانشقاق أثر كبير في كيفية التفكير، و حل المشكلات.

و نحن حينما نبحث عن الاجتهاد و أدواره عند الشيعة نقصد

33

الاجتهاد عند الشيعة لا أئمتهم، لأنهم (عليهم السلام) كانوا امتدادا للنبوة، فكانت الأحكام الشرعية كلها مكشوفة لديهم و هم عالمون بها من دون اجتهاد، و هذا ما تقتضيه الإمامة، و البحث عن ذلك موكول إلى محله في بحث علم الإمام.

الأدوار التي مر بها الاجتهاد في مدرسة أهل البيت" ع":

و الأدوار التي مر بها الاجتهاد الشيعي حتى عصر الغيبة يمكن تحديدها على نحو التقريب في ثلاثة أدوار هي:

1 من بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه و آله) إلى بداية حياة الصادقين (عليهما السلام).

2 من بداية حياة الإمامين الصادقين (عليه السلام) حتى نهاية الغيبة الصغرى.

3 من بداية الغيبة الكبرى حتى يومنا هذا، و تركنا الأدوار التي مر بها الاجتهاد بعد الغيبة الكبرى على التفصيل لعدم سعة المقدمة لذلك.

الدور الأول:

و يبتدئ هذا الدور من زمن وفاة الرسول (صلى الله عليه و آله) حتى انتهاء القرن الأول.

و تشمل هذه الفترة حياة أئمة أربعة من أئمتنا، و هم علي بن أبي طالب و الحسن و الحسين و علي بن الحسين (عليهم السلام)

34

مصادر التشريع: و كان مصدر التشريع عند الشيعة آنذاك الكتاب و السنة، و يعنون بالسنة قول النبي (صلى الله عليه و آله) أو الإمام (عليه السلام) أو فعلهما أو تقريرهما.

أما القياس و الرأي فقد رفضه الشيعة رفضا باتا، و قد روي عن علي (عليه السلام) أنه قال:"

لو كان الدين يؤخذ قياسا لكان باطن الخف أولى بالمسح من ظاهره‏

" (1).

و أما الإجماع- مهما فسرناه- لم يكن مصدرا للتشريع لدى الشيعة، لأنه لا يفيد إلا الظن" و إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً*". نعم صار مصدرا عندهم حينما اعتبر كاشفا عن رأي المعصوم (عليه السلام)، بمعنى أنه لو اتفق العلماء على رأي و انكشف منه أن ذلك الرأي مطابق لرأي الإمام (عليه السلام) فهو صواب يجب الأخذ به.

و للعلماء مناقشات كثيرة حول الإجماع، فمن أراد المزيد من الاطلاع عليها فليرجع إلى مضانها.

و على أي حال كان الاجتهاد عند الشيعة آنذاك هو الأخذ بظواهر الكتاب و السنة، و لم يتسع ذلك الاتساع بحيث تدون قوانين و أصول يعتمد عليها في استنباط الحكم، بل كانوا يرجعون فيما يحدث لهم من المشاكل إلى الأئمة (عليهم السلام).

هذا، و قد كان للأئمة (عليهم السلام) دور هام في بيان الأحكام في هذه المرحلة، و لا سيما الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، حيث‏

____________

(1) عدة الأصول: 274.

35

كان الصحابة يرجعون إليه في كل مشكلة تواجههم و لم يصلوا إلى حل لها.

و من وقف على قضاياه يرى أنه (عليه السلام) لم يعمل بالقياس و لم ير للإجماع- بالمعنى المشهور في عصره- أية قيمة، بل كانت أقواله تستند إلى الكتاب الذي تفقههه في حجر النبي (صلى الله عليه و آله) و السنة التي اقتبسها هو منه.

الدور الثاني:

و يبتدئ هذا الدور من أوائل القرن الثاني حتى أواخر القرن الثالث، أي من بداية إمامة الإمام محمد بن علي الباقر (عليه السلام) حتى نهاية الغيبة الصغرى.

الوضع السياسي:

و من خصائص هذا الدور فسح المجال- في بدايته- لأئمة الشيعة كي يمارسوا أعمالهم العلمية، و ذلك لأن الفترة التي عاش فيها الإمامان محمد بن علي الباقر و ولده جعفر بن محمد الصادق (عليهما السلام) كانت فترة انتقال الحكم من الأمويين إلى العباسيين، و لذلك كان الخلفاء مشغولين عن أهل البيت (عليهم السلام) بالحروب الداخلية، فانصرفوا عنهم نوعا ما، فاغتنم الإمامان الصادقان عليهما

36

السلام هذه الفرصة و بدأوا في إيجاد حلقات للدرس انضم إليها الكثيرون.

و لكن سرعان ما واجهت هذه المدرسة الضغط السياسي الشديد بعد انتقال الحكم إلى العباسيين، فزجوا أئمة الشيعة في السجون و المعتقلات، و فقدوا بذلك الفرصة المناسبة لبث علومهم.

مصادر التشريع في هذا الدور:

و مصادر التشريع في هذا الدور تتمثل أيضا في الكتاب و السنة بالمعنى الذي ذكرناه مسبقا.

و أما الإجماع فلم تكن له قيمة علمية لدى الشيعة- كما ذكرناه.

و أما القياس و الاستحسان فكذلك، و كانت للأئمة مواقف حاسمة ضد القياس و الاستحسان.

موقف الإمام الصادق (عليه السلام) من القياس:

و كان الإمام الصادق (عليه السلام) من المنكرين على القياس و الناهين عن العمل به.

يحدثنا أبو نعيم‏

أن أبا حنيفة و عبد الله بن شبرمة و ابن أبي ليلى، دخلوا على جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) فقال لابن أبي ليلى: من هذا الذي معك؟ قال: هذا رجل له بصر و نفاذ في أمر الدين.

37

قال: لعله يقيس أمر الدين برأيه؟ قال: نعم.

فقال [الإمام‏] جعفر لأبي حنيفة: ما اسمك؟ قال: نعمان.

قال: يا نعمان هل قست رأسك؟ قال: كيف أقيس رأسي؟ قال: ما أراك تحسن شيئا.

ثم جعل يوجه إليه أسئلة، فكان جواب أبي حنيفة عدم الجواب عنها! فأجابه الإمام (عليه السلام) عنها، ثم قال: يا نعمان حدثني أبي عن جدي أن رسول الله (صلى الله عليه و آله) قال:" أول من قاس أمر الدين برأيه إبليس، قال الله تعالى له:" اسجد لآدم، فقال:

أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ‏

" فمن قاس الدين برأيه قرنه الله تعالى يوم القيامة بإبليس لأنه اتبعه بالقياس"!.

قال ابن شبرمة: ثم قال جعفر: أيهما أعظم قتل النفس أو الزنا؟ قال أبو حنيفة: قتل النفس.

قال الصادق (عليه السلام): فإن الله عز و جل قبل في قتل النفس شاهدين و لم يقبل في الزنا إلا أربعة.

ثم قال: أيهما أعظم الصلاة أم الصوم؟ قال أبو حنيفة: الصلاة.

قال الصادق (عليه السلام): فما بال الحائض تقضي الصوم و لا تقضي‏

38

الصلاة؟! فكيف ويحك يقوم لك قياسك؟! اتق الله و لا تقس الدين برأيك"

(1)

.

و قال (عليه السلام) لأبي حنيفة مرة أخرى:" اتق الله و لا تقس، فإنّا نقف غدا بين يدي الله تعالى فنقول: قال الله، و قال رسوله، و تقول أنت و أصحابك: سمعنا و رأينا"

(2)

.

و عن أبان بن تغلب‏

(3)

قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): ما تقول في رجل قطع إصبعا من أصابع المرأة كم فيها؟ قال: عشرة من الإبل. قلت: قطع اثنين؟ قال عشرون، قلت: قطع ثلاثا؟ قال: ثلاثون، قلت قطع أربعا؟ قال عشرون، قلت: سبحان الله يقطع ثلاثا فيكون عليه ثلاثون، و يقطع أربعا و يكون عليه عشرون؟! إن هذا كان يبلغنا و نحن بالعراق فنبرأ ممن قال و نقول: الذي جاء به شيطان. فقال: مهلا يا أبان، هذا

____________

(1) حلية الأولياء 3/ 196.

(2) إبطال القياس لابن حزم: 71.

(3) أبان بن تغلب من كبار أصحاب الأئمة (عليهم السلام)، قال عنه النجاشي في ترجمته إياه:" أبان بن تغلب بن رياح أبو سعيد البكري، عظيم المنزلة في أصحابنا، لقي علي بن الحسين و أبا جعفر و أبا عبد الله (عليهم السلام)، روى عنهم و كانت له عندهم منزلة و قدم، و ذكره البلاذري قال: روى أبان عن عطية العوفي، و قال له أبو جعفر (عليه السلام): اجلس في مسجد المدينة و أفت الناس، فإني أحب أن يرى في شيعتي مثلك.

و قال أبو عبد الله (عليه السلام) لما أتاه نعيه: أم و الله لقد أوجع قلبي موت أبان.

و كان قارئاً من وجوه القراء، فقيها لغويا، سمع من العرب و حكى عنهم." (رجال النجاشي بترجمة أبان بن تغلب).

و ترجمه الذهبي في ميزانه فقال: أبان بن تغلب الكوفي جلد لكنه صدوق، فلنا صدقه و عليه بدعته.

(قال): وثقه أحمد و ابن معين و أبو حاتم.

و عده الذهبي ممن احتج بهم مسلم و أصحاب السنن الأربعة أبو داود و الترمذي و النسائي و ابن ماجة.

توفي (رحمه الله) سنة إحدى و أربعين و مائة (141 ه). راجع المراجعات: 70.

39

حكم رسول الله (صلى الله عليه و آله)، أن المرأة تعاقل الرجل إلى ثلث الدية، فإذا بلغت الثلث رجعت إلى النصف، يا أبان إنك أخذتني بالقياس، و أن السنة إذا قيست محق الدين"

(1)

.

إلى غير ذلك من القضايا الكثيرة التي تدل على رفض القياس لدى أئمة الشيعة.

و هكذا استمرت معارضة القياس حتى أصبح‏

____________

(1) وسائل الشيعة: 19/ 268 باب 44 من أبواب الديات.

40

إنكاره من ضروريات مذهب أهل البيت- (عليهم السلام) و لهم أدلتهم على ذلك ليس هنا محل ذكرها.

و على أي حال لو قطعنا النظر عن القياس و الاستحسان و أمثالهما كانت عملية استنباط الأحكام الشرعية من الكتاب و السنة- بالمعنى الذي ذكرناه- أمرا رائجا بين الشيعة، خاصة الذين تربوا في مدرسة الإمامين الصادقين (عليهما السلام) أمثال زرارة بن أعين، و محمد بن مسلم، و أبان بن تغلب، و غيرهم من خِرِّيجي هذه المدرسة.

حتى أن الأئمة (عليهم السلام) كانوا يأمرون بعض أصحابهم باستنباط الأحكام و إفتاء الناس، كما أمر الإمام الباقر (عليه السلام) أبان ابن تغلب أن يجلس في مسجد الرسول (صلى الله عليه و آله) و يفتي الناس حيث قال له:"

اجلس في مسجد المدينة و أفت الناس فإني أحب أن يرى في شيعتي مثلك‏

" (1).

أو كما قال الإمام الصادق (عليه السلام) لسائل سأله عن المسح على مرارة وضعها على ظفره المقطوع:"

يعرف هذا و أشباهه من كتاب الله عز و جل، قال الله تعالى:"

ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ‏

" امسح عليه‏

" (2).

____________

(1) رجال النجاشي في ترجمة أبان بن تغلب: 7.

(2) وسائل الشيعة:/ 327.

41

و هكذا نرى كيف يعلم الإمام (عليه السلام) هذا السائل كيفية استنباط الحكم الشرعي من الكتاب.

و الموارد من هذا القبيل كثيرة حيث كان علماء الشيعة يستندون في استنباط الأحكام الشرعية على كتاب الله و سنة نبيه التي تصل إليهم بواسطة الأئمة (عليهم السلام).

هذا، و قد ضمت مدرسة الإمام الصادق (عليه السلام) حوالي أربعة آلاف من حملة العلم، و قد ألف أربعمائة منهم أصولا يعتمد عليها في الفقه الجعفري تسمى ب" الأصول الأربعمائة" جمعت في أربع موسوعات روائية هي" الكافي" للشيخ أبي جعفر محمد بن يعقوب الكليني المتوفى سنة 329 و" من لا يحضره الفقيه" للشيخ الصدوق أبي جعفر محمد بن علي القمي المتوفى سنة 381، و كتابا" التهذيب" و" الاستبصار" لشيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي المتوفى سنة 460.

وضع القواعد العامة للفقه:

و في هذا الدور وضعت نواة القواعد العامة للفقه الجعفري، و نقلت إلينا بشكل روايات، ثم وضعت على طاولة البحث العلمي، فكانت نتيجة ذلك بروز القواعد الأصولية و الفقهية التي يعتمد عليها الاجتهاد حتى اليوم من: الاستصحاب، و البراءة الشرعية، و قاعدة اليد، و ترجيح الروايات المتعارضة، و العمل بالخبر الواحد، و أمثال ذلك.

و هذه كلها لها أهميتها الخاصة التي تميز المذهب عن‏

42

غيره، و تجعله غنيا يماشي احتياجات كل عصر من دون تحريف.

و لو قارنا مذهب أهل البيت (عليهم السلام) مع غيره من المذاهب لرأينا فرقا كبيرا من جهة توفر القواعد الفقهية و الأصولية فيه و عدم توفرها في غيره.

الدور الثالث:

و يبتدئ هذا الدور من انتهاء الغيبة الصغرى، و لا يمكننا تحديد نهاية هذا الدور الآن، إذ لسنا في صدد التوسع فيه، لأن ذلك يستلزم ذكر الأدوار الأخرى التي مر بها الاجتهاد.

خصائص هذا الدور:

و من خصائص هذا الدور انتقال الزعامة من الأئمة إلى العلماء و الفقهاء بأمر من الإمام المنتظر (عج) عند بداية الغيبة الكبرى، كما يدل على ذلك التوقيع المشهور:"

و أما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنهم حجتي عليكم و أنا حجة الله‏

" (1). فكان العلماء هم المرجع الوحيد لحل المشاكل التي كانت تواجه الشيعة منذ ذلك الحين إلى يومنا هذا.

____________

(1) وسائل الشيعة: 18/ 101.

43

أصول الاجتهاد:

و كان الاجتهاد في هذا الدور يعتمد على الكتاب أولا و السنة- بالمعنى الذي ذكرناه- ثانيا.

أما القياس فقد قلنا إنه كان مرفوضا لدى الشيعة و حتى اليوم، و أما الإجماع فقد كان مقبولا بالمعنى الذي ذكرناه.

و مما كان دخيلا في عملية الاستنباط هي القواعد التي مهدها الأئمة (عليهم السلام) في الدور الثاني، فكانت هذه القواعد مبثوثة في الكتب الفقهية أو الروائية و تذكر حسب الحاجة إليها، و لكن سرعان ما التفت إلى ضرورة استخراجها بشكل منفصل، فقد ألف السيد المرتضى (قده) المتوفى سنة 436 كتابه" الذريعة إلى أصول الشريعة" حيث بحث فيه عن أمهات القواعد الأصولية.

و مما تجدر الإشارة إليه هو: أن الكتب الفقهية كانت على شكل كتب روائية، ثم أخذت تتسع شيئا فشيئا فظهرت بشكل كتب فقهية مبوبة و استدلالية مبتنية على القواعد العامة، و ممن كان لهم الأثر الكبير في هذه المحاولة: الشيخ محمد بن محمد بن النعمان المفيد المتوفى سنة 413 و تلميذه الشريف" السيد المرتضى علم الهدى" المتوفى سنة 436، و كان أكثرهم جهدا في هذه العملية شيخ الطائفة" محمد بن الحسن الطوسي" المتوفى سنة 460، فقد ألف عدة كتب فقهية و روائية و أصولية منها" الخلاف" و" النهاية" و" المبسوط"

44

في الفقه، و" التهذيب" و" الاستبصار" في الحديث، و" العدة" في الأصول.

و يشير هو إلى هذا التحول العظيم في الفقه في مقدمة كتابه المبسوط فيقول:" أما بعد فإني لا أزال أسمع معاشر مخالفينا من المتفقهة و المنتسبين إلى علم الفروع يستحقرون فقه أصحابنا الإمامية و يستنزرونه، و ينسبونهم إلى قلة الفروع و قلة المسائل، و يقولون: إنهم أهل حشو و مناقضة، و أن من ينفي" القياس" و" الاجتهاد" (1) لا طريق له إلى كثرة المسائل، و لا التفريع على" الأصول"، لأن جل ذلك و جمهوره مأخوذ من هذين الطريقين، و هذا جهل منهم بمذاهبنا و قلة تأمل" لأصولنا"، و لو نظروا في أخبارنا و فقهنا لعلموا أن جل ما ذكروه من المسائل موجود في أخبارنا".

ثم يقول بعد ذلك:" و أما ما كثروا به كتبهم من مسائل الفروع فلا فرع من ذلك إلا و له مدخل في أصولنا و مخرج على مذاهبنا، لا على وجه القياس بل على طريقة توجب علما يجب العمل عليها و يسوغ الوصول إليها، من البناء على الأصل، و براءة الذمة، و غير ذلك".

ثم يقول بعد ذلك:" و كنت على قديم الوقت و حديثه متشوق النفس إلى عمل كتاب يشتمل على ذلك، تتوق إليه نفسي فتقطعني عن ذلك القواطع و تشغلني الشواغل، و تضعف نيتي أيضا فيه قلة

____________

(1) مقصوده من الاجتهاد هنا هو معناه الخاص الذي يرادف الرأي.

45

رغبة هذه الطائفة فيه، و ترك عنايتهم به، لأنهم ألفوا الأخبار و ما رووه من صريح الألفاظ، حتى أن مسألة لو غير لفظها و عبر عن معناها بغير اللفظ المعتاد لهم لعجبوا منها و قصر فهمهم عنها" (1).

و من خلال هذا النص نرى كيف تحول الفقه و الاجتهاد- في هذا الدور- من الاقتصار على الروايات إلى تفريع الفروع على الأصول بصورة موسعة.

موقف الاجتهاد من العقل:

قلنا: إن الشيعة رفضوا القياس و الرأي، و لكن لا بد أن نرى هل أنهم رفضوا تدخل العقل، و مدركاته كليا في عملية الاستنباط أو تقبلوه في حدود معينة؟! و لأجل توضيح ذلك نقول: إن المدركات العقلية على نحوين:

الأول:- المدركات العقلية الكاملة: و هي التي لا تحتمل الخطأ، كحكمنا بأن اجتماع النقيضين محال و أن المعدن يتمدد بالحرارة و أمثال ذلك، سواء كانت هذه المدركات بديهية أم ثابتة بالتجربة.

الثاني:- المدركات العقلية الناقصة: و هي التي يحتمل فيها الخطأ، كحكمنا بأن الشي‏ء الفلاني الذي يشبه الشي‏ء المحرم في بعض الخصائص حرام أيضا.

فهذا و أمثاله أحكام عقلية غير قطعية بل يحتمل فيها الخطأ.

____________

(1) المبسوط 1 1.

46

إذا علمنا ذلك فنقول: إن المذهب الإمامي (الجعفري) لم يرفض الأحكام العقلية كليا بل يرفض الأحكام العقلية الناقصة فقط التي لم يقم عليها دليل قطعي، و لذلك أنكروا القياس و الاستحسان، و الشاهد على ذلك: أنهم حينما خاضوا المعركة التي أثيرت بين المعتزلة و الأشاعرة في التحسين و التقبيح العقليين صاروا بجنب المعتزلة، و أكدوا على وجود الحسن و القبح العقليين، و أن هناك حقائق يعتبرها العقل حسنة و حقائق أخرى يعتبرها قبيحة.

و هذا الجانب هو الجانب المهم في الاجتهاد الشيعي، حيث جعله مرنا يسائر الزمن من دون تحريف أو تشريع أحكام جدد لا تستند إلى أساس شرعي، و لذلك اعتبر العقل لدى الشيعة أحد أسس الاجتهاد.

الموجة الأخبارية:

و في أبان القرن الحادي عشر للهجرة ظهرت محاولة جديدة لمنع تدخل العقل في استنباط الأحكام الشرعية، و كان الداعي لهذه المحاولة" الميرزا محمد أمين الأسترآبادي" الذي كان يعيش برهة من الزمن في مدينة الرسول (صلى الله عليه و آله)، فألف فيها كتابه" الفوائد المدنية" و فيها حمل حملة شعواء على من استعمل العقل في استنباط الأحكام الشرعية، فهو و إن كان يصر على أن الوسيلة الوحيدة لفهم الأحكام الشرعية هي السنة فقط، لأن الكتاب الكريم لم يفهمه إلا من خوطب‏

47

به، و هم الأئمة (عليهم السلام) فلا مجال لأن ندرك منه شيئا، و الإجماع باطل لأنه من مبتدعات العامة، لكنه بذل جهده في الحد عن تدخل العقل أكثر من غيره.

و كانت نظريته تعتمد على أن الفقهاء اتبعوا أهل القياس و الاجتهاد و المتكلمين و الفلاسفة و المنطقيين في الاستناد على العقل، فلو ثبت أن العقل يخطئ فيما عدا المسائل التي تعتمد على الحس أو الشبيهة بالحس كالرياضيات، لما اعتمد الفقهاء على الاجتهاد و العقل بعد ذلك.

و من العلماء الذين نهجوا هذا المنهج تقريبا: المحدث الجليل" السيد نعمة الله الجزائري" صاحب المؤلفات الكثيرة،" و الشيخ يوسف البحراني" صاحب الموسوعة الفقهية الكبيرة" الحدائق الناضرة" فكانت له طريقة معتدلة و لم يكن بتلك الحدة التي كان عليها الأسترآبادي، و مع ذلك كان من الفقهاء المبرزين الذين تفتخر بهم الشيعة مع ما كان يتصف به من الورع و التقوى، و مثلهما المحدث المتبحر" ملا محسن الفيض الكاشاني" ذلك العالم الفاضل، و مثلهم المحدث الكبير" الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي" صاحب الموسوعة الروائية الكبيرة" و سائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة" حيث جمع الموسوعات الروائية المتقدم ذكرها و هي:" التهذيب" و" الاستبصار" و" الكافي" و" من لا يحضره الفقيه" و غيرها في هذه الموسوعة.

و كل هؤلاء من علماء الشيعة و مفاخرهم لكنهم نهجوا في الفقه‏

48

ذلك المنهج، و طبعا أن هؤلاء كما قلنا لم يكونوا في تلك الشدة التي كان عليها" المحدث الأسترآبادي" بل كانوا أقل وطأه منه.

و على أي حال استمرت هذه الفكرة حتى القرن الثالث عشر فوصلت إلى ذروتها، و لكنها أخذت تنهار بعد أن وقف أمامها العالم الكبير" المولى محمد باقر البهبهاني" المتوفى سنة 1208، و من بعده" الشيخ مرتضى الأنصاري" بأني الأصول الجديدة المتوفى سنة 1281.

و أما لما ذا وجدت هذه الموجة، فذلك أمر يحتاج إلى الدقة، فالذي يدعيه هؤلاء هو: أن الروايات الواردة عن الأئمة بكثرة بحيث يستغني معها الفقيه عن العقل، كما كان الفقهاء يكتفون بها في إبان الغيبة الكبرى.

و يرى بعض المفكرين أن للموجه الأخبارية ارتباطا طبيعيا مع الموجة الحسية التي ظهرت في أوربا في ذلك الحين.

يقول الأستاذ الشهيد الشيخ مرتضى المطهري (قده): (1)

____________

(1) الشهيد المطهري هو من الكتاب و المفكرين الإسلاميين المبرزين، اغتيل بيد أحد أعضاء، فرقة" فرقان" الضالة التي مزجت الماركسية بالإسلام و فسرت الإسلام تفسيرا ماركسيا، و قد سبق أن انتقد هذا الأستاذ الشهيد هذه الفكرة في عدد من كتاباته خاصة في مقدمة الطبعة الثامنة لكتابة" علل گرايش به ماديگرى" و كان لاستشهاده أثر بالغ في المجتمع الإسلامي خاصة في المجتمعات العلمية، له كتب كثيرة و أبرزها شرحه على كتاب: روش رئاليسم" في الفلسفة للأستاذ آية الله الطباطبائي صاحب تفسير" الميزان".

و قد اغتيل في إبان نجاح الثورة الإسلامية في إيران عام 1358 هجرية شمسية.

و أما" السيد البروجردي" فهو من كبار علماء الشيعة و مراجعهم، كان في مدينة قم المقدسة و توفي بها.

49

" حضرت في صيف عام 1322 هجرية شمسية لدى المرجع الديني الفقيه آية الله" السيد البروجردي" عند ما كان في" بروجرد" فبينما كان ينتقد يوما الموجه الأخبارية قال: إن هذه الفكرة كانت من آثار الموجة الحسية التي ظهرت في أوربا.

ثم أضاف السيد يقول:" إن الأخباريين لم يفكروا بأن الذين اتبعوا الموجة الحسية في أوربا كانوا ينكرون ما وراء المحسوسات فكيف يمكن للأخباريين- الذين يعتقدون بما وراء الحس- أن ينكروا بذلك؟! يقول الأستاذ: كنت أنتظر أن يذكر السيد- عند ما وصل بحثنا في الأصول إلى مبحث حجية القطع و العلم- مصدرا لهذه النظرية و لكنه لم يتعرض لها آنذاك و لا أعلم أن ما قاله هل كان مستندا لي مصدر أم كان حدسا لا غير.

و إني الآن آسف على عدم سؤالي منه عن مصدر ما قاله" (1).

و ممن مال إلى قبول هذا الرأي هو الشهيد" السيد محمد باقر،

____________

(1) مكتب تشيع، السنة الثالثة 377 مجلة فارسية تصدر من قم.

50

الصدر" (1) طاب ثراه في كتابه المعالم الجديدة.

هذا، و لكن لا يمكن الاطمئنان إلى هذه الفكرة، و ذلك لأن الموجة الحسية ظهرت بشكل مدرسة على يد" جون لوك" المتوفى سنة 1704 م و" دافيد هيوم" المتوفى سنة 1776 م و قد توفي" المحدث الأسترآبادي" عام" 1023 هجرية المصادف حدود سنة 1616 م، فكيف يكون قد تأثر الأسترآبادي بهذه المدرسة نعم يعتبر معاصرا ل د" فرنسيس بيكون" المتوفى سنة 1626 م الذي مهد للمدرسة الحسية طريقها، و لكن من البعيد جدا أن تنتقل هذه الفكرة من" أوربا" إلى الشرق و خاصة إلى" الجزيرة العربية" و" المدينة المنورة" و يتأثر بها هذا الشخص، في فترة قليلة.

و الذي يبدو لي هو: أن كلمة" الاجتهاد" لما كانت تحمل معنيين معنى خاصا و معنى عاما، فالخاص" هو العمل بالقياس و الرأي" و العام هو" مطلق عملية استنباط الأحكام الشرعية" و لم يتميز هذان المعنيان إلى مدة من الزمن، كانت هذه الكلمة تحمل في طياتها المعنى الخاص، و لذلك اتهم" الأسترآبادي" الفقهاء بأنهم اتبعوا أهل القياس و الرأي، فدعى إلى رفضه و العمل بالأحاديث، فكان‏

____________

(1) و هو من علماء الشيعة و فقهائهم و مفكريهم درس و درس في النجف الأشرف حتى استشهد في سجن" صدام التكريتي البعثي" تحت التعذيب و قد شاركته في التعذيب و الاستشهاد أخته السيدة" بنت الهدى" تغمدها الله برحمته الواسعة.