جواهر الأصول / تقريرات - ج1

- محمد حسن المرتضوي اللنگرودي المزيد...
376 /
1

[هوية الكتاب‏]

جواهر الاصول‏

الجزء الاول‏

تقرير ابحاث الاستاذ الاعظم و العلامة الافخم‏

آية اللَّه العظمى السيد روح اللَّه موسوى‏

الامام الخمينى (قدس سره)

تأليف‏

آية اللَّه السيد محمد حسن المرتضوى اللنگرودى‏

مؤسسة تنظيم و نشر آثار الامام الخمينى (قدس سره)

2

هوية الكتاب‏

* اسم الكتاب: .... جواهر الاصول/ ج 1*

* المؤلف: .... السيّد محمّد حسن المرتضوي اللنگرودي*

* تحقيق و نشر: .... مؤسسة تنظيم و نشر آثار الإمام الخميني (قدس سره)*

* سنة الطبع: .... خرداد 1376- محرم الحرام 1418*

* الطبعة: .... الاولى*

* المطبعة: .... مطبعة مؤسسة العروج*

* الكمية: .... 3000 نسخة*

* السعر: ... ريال*

بمناسبة الذكرى السنوية لرحيل القائد الكبير للثورة الاسلامية و مؤسس الجمهورية الاسلامية في ايران الإمام الخميني (س)

جميع الحقوق محفوظة و مسجّلة

لمؤسسة تنظيم و نشر آثار الإمام الخميني (قدس سره)

3

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

4

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

5

مقدّمة الناشر

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

الحمد للَّه على سوابغ النعماء، و ترادف الآلاء، و صلّى اللَّه على سيّد الأنبياء، محمّد المصطفى و عترته الأصفياء، صلاة تملأ أقطار الأرض و آفاق السماء.

العارفون بمؤسّسة نشر آثار الإمام الخميني (قدس سره)، يعلمون جيّداً أنّها دائبة على تقديم الآثار العلمية الراقية، و المآثر الخالدة، التي خلّفها سماحة آية اللَّه العظمى الإمام السيّد الخميني الكبير (قدّس اللَّه نفسه الزكيّة)، فكم له من تصانيف رائقة، و تآليف فائقة، و حكم زاهرة، و خطب باهرة، و محاضرات دقيقة، و بحوث عميقة.

و الذي يريد الاطّلاع و التعرّف على فكر الإمام و آثاره بصورة شاملة عليه ألّا يقصر تفحّصه و تأمّله على ما حرّرته أنامله الشريفة، بل عليه أن يُلمّ كذلك بما كتبه أكابر تلامذته الأعلام من تقريرات بحوثه المتنوّعة فقهاً و اصولًا و فلسفة و غيرها، التي كان يلقيها سماحة السيّد الإمام الخميني (قدس سره) على طلّاب الحوزة العلميّة في قم المقدّسة و النجف الأشرف.

و من أنعم النظر في هذه التقريرات يجدها شرحاً مبسوطاً لما كتبه الإمام و دبّجته براعته الشريفة في الحقول العلميّة المختلفة.

و لقد كان من جملة المهام التي قامت بأعبائها مؤسّستنا المباركة، هو تحقيق و طبع هذه التقريرات العلميّة النافعة، و كان باكورة عملنا في ذلك هو إصدار الجزء

6

الأوّل من كتاب «تنقيح الاصول»، الذي يمثّل الدورة الاصولية الثانية لسماحة سيّدنا الإمام الخميني (قدس سره)، و التي ألقاها في حوزة قم العلميّة و جامعتها الكبرى. و ستصدر- إن شاء اللَّه تعالى- بقيّة أجزاء هذه الموسوعة تباعاً.

و أمّا الكتاب الذي نقدّم له الآن، و الموسوم ب «جواهر الاصول»، و الذي يضمّ بين دفّتيه أبحاث علم الاصول، التي خاض غمارها سماحة السيّد الإمام الخميني (قدس سره) في الدورة الثالثة من بحوث الخارج، التي ألقاها على طلّابه الكرام، فهو بقلم عَلم من أعلام الحوزة العلميّة في مدينة قم المشرّفة، و جهبذ من جهابذة الفضل و العلم و التحقيق، ذلك هو سماحة آية اللَّه المحقّق السيد محمد حسن المرتضوي اللنگرودي اطال اللَّه عمره الشريف.

نُبذة من حياة المؤلِّف:

كانت ولادته المباركة في مدينة النجف الأشرف سنة 1350 ه. ق.

قرأ المقدّمات و السطوح في طهران على جملة وافرة من فضلاء عصره، كالشيخ مهدي الإلهي القمشه‏اي، و الشيخ أبي الحسن الشعراني و آخرين.

انتقل في عام 1373 ه. ق. إلى‏ مدينة قم المقدّسة، فحضر الدروس العليا لأساطين العلماء، أمثال المرحوم والده العلّامة سماحة آية اللَّه السيد مرتضى الحسيني اللنگرودي، و آية اللَّه السيد حسين البروجردي، و العلّامة السيّد محمد حسين الطباطبائي، و آية اللَّه السيد محمّد المحقّق الداماد، و آية اللَّه ميرزا هاشم الآملي، و آية اللَّه الشيخ محمّد علي الأراكي (قدس اللَّه تعالى أسرارهم).

حضر بحوث السيّد الإمام الخميني (قدس سره) في علم الاصول قرابة دورة كاملة و نصف، و كتب تلك البحوث القيّمة تحت عنوان «جواهر الاصول»، و هو هذا الكتاب الذي بين يديك عزيزي القارئ.

7

و للمقرّر العلّامة تصانيف ممتعة منها: الدرّ النضيد، و كتاب الطهارة، و كتاب الصلاة، و تقريرات أبحاث آية اللَّه العظمى السيد البروجردي، و تقريرات بحث آية اللَّه العظمى السيد الداماد، و تعليقة على كفاية الاصول، و لُبّ اللُّباب في طهارة أهل الكتاب، و الفوائد الرجاليّة، و غيرها.

حول تحقيق الكتاب‏

اختصّ هذا الكتاب من بين تقريرات دروس الإمام (قدس سره) بمزيّة هي تدقيق مؤلّفه ثانياً في العبائر، بل تغيير بعض العبارات و إيراد ما فات من نقل كلمات القوم، فقد أوردها بتمامها عند المراجعة و تكميل التقرير، مع أنّه دام ظلّه قد علّق على بعض الصفحات ما هو الصحيح على رأيه الشريف من توضيح أو نقد، و حيث إنّ بعض هذه التعليقات أيضاً وقع عند المراجعة له، يرى القارئ الكريم اختلاف التعبيرات عن المشايخ و الاساتيد من الدعاء له تارة و الاسترحام له اخرى.

أمّا المؤسّسة فبعد مراجعة الاستاذ حاولت تصحيح المتن و تقويم نص الكتاب و جعلت له عناوين و زيّنته بعلامات الترقيم و أضافت اليه تخريج الآيات القرآنية و الأحاديث الشريفة و أقوال العلماء، بحيث يسهل للقارئ المراجعة إلى مصادر البحث.

هذا، و نحن نرجوا أن يكون نشر هذا الكتاب باعثاً لنشر آراء الإمام القيّمة في الحوزة العلمية الشيعية، بحول اللَّه و قوّته.

مؤسسة تنظيم و نشر آثار الإمام الخميني (قدس سره)

فرع قم المقدّسة- قسم التحقيق‏

ذو الحجّة 1417 هجري قمري‏

فروردين 1376 هجري شمسي‏

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

بسم اللَّه الرحمن الرحيم‏

اللّهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه و على آبائه في هذه الساعة و في كل ساعة وليّاً و حافظاً و قائداً و ناصراً و دليلًا و عيناً حتى تُسكنه أرضك طوعاً و تُمتّعه فيها طويلًا

10

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

11

تمهيد من المؤلّف‏

بسم اللَّه الرحمن الرحيم‏

الحمد للَّه الذي هدانا لهذا و ما كنّا لنهتدي لو لا أن هدانا اللَّه، و نحمده على ما هدانا إلى شرائع الاسلام بتمهيد قواعد الأحكام، و أرشدنا إلى غاية المرام باتباع مسالك الأفهام، و وفّقنا لتحصيل معالم الدين، و قوانين شريعة سيّد المرسلين، و بلَّغنا إلى‏ معرفة فصول الدين بإتقان ضوابط أحكام خير النبيين و شرّفنا بنهاية المسئول إلى‏ فرائد الاصول.

و نُصلّي و نُسلّم على المبعوث لتتميم مكارم الأخلاق و إحكام دعائم الإسلام، و إعلان معالم الحلال و الحرام و إحياء ما درس من شرائع المُرسلين، و إبطال أفكار الكفار و المُلحدين، و قمع بدع أهل الضلال و المشركين، و على آله الأئمة الغُرّ الميامين، مفاتيح الرحمة، و مصابيح الهداية، لا سيّما خاتمهم و قائمهم المُدّخر لتجديد ما درس من الفرائض و السُّنن، و المُدّخر لإعادة الملّة و الشريعة، المُؤمّل لإحياء الكتاب و حدوده، و مُحيي معالم الدين و أهله، قاصم شوكة المعتدين، و قاطع حبائل الكذّابين و المنحرفين، مُعزّ الأولياء، و مُذلّ الأعداء، جامع الكلمة على التقوى، اللهمَّ عجّل فرجه، و سهّل مخرجه، و اجعلنا من أنصاره و الذابين عنه، و اجعلنا من المُستشهدين بين يديه‏

12

آمين يا ربّ العالمين.

و اللعنة الدائمة الأبديّة على أعدائهم و غاصبي حقوقهم و مُنكري فضائلهم و مناقبهم.

و بعد: فإنّه من البديهي أنّ علم الفقه من أشرف العلوم الإسلامية، إذ به يُعرف معالم الدين و قوانينه و أحكامه، حلاله و حرامه، رُخَصه و عزائمه، بل جميع ما يرتبط بتكاليف العباد، و نظام المجتمع، و الامّة الإسلامية، لتأمين سعادتهم و مصالحهم في النشأتين.

و غير خفي على مَن له إلمام بالفقه و الفقاهة و استنباط الأحكام الشرعية، أنّ كثيراً من الأحكام الشرعية و الوظائف المُقرّرة- بل جلّها- غير ضروريّة و غير يقينية، و تحتاج معرفتها إلى مبادئ و مُقدّمات. و من أهم ما يحتاج إليها و من مبادئها القريبة، و ما يكون دخيلًا في معرفة الأحكام الشرعية و الوظائف العملية، و تشخيصها في كلّ مورد، قواعد تعرف باصول الاستنباط و اصول الفقه.

و ليس للمُتدرّب في الفقه و مُستنبط الأحكام عن مصادرها عدم معرفتها، و عدم تنقيح مجاريها. و يكون لمعرفة قواعده موقفاً عظيماً لاستنباط الأحكام الشرعية، و الوظائف المُقرّرة للشاك، بل تدور رُحى الاستنباط عليها.

و ذلك لأنّ جُلّ الأحكام- لو لم تكن كلّها- مُستفادة من الكتاب العزيز، و ما صدر عن النبي الأعظم (صلى الله عليه و آله و سلم)، و أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، فلا بُدَّ من إثبات حُجّية ظاهر الكتاب و السنّة، و حُجّية خبر الثقة، و معرفة الأوامر الصادرة في الشريعة و معانيها، و النواهي الواردة في مطاويها، و منطوق ما فيها و مفهومها، عمومها و خصوصها، مُطلقها و مُقيّدها، مُجملها و مُبيَّنها، ناسخها و منسوخها، و معرفة كيفية الجمع بين الدليلين عند تعارض النص و الظاهر، و الأظهر مع الظاهر، و العام مع خاصه، و المُطلق مع مُقيّده، و المُجمل مع المُبيّن. و معرفة مجرى الأصل و الوظيفة

13

الفعلية عند الشك في أصل الوظيفة، أو مع ثبوتها و الشك في بقائها، أو مع العلم بالوظيفة و الشك في المُتعلّق، إلى غير ذلك من المسائل المُعنونة في علم الاصول.

فلا بُدَّ من معرفة كلّ ذلك على نحو الاستدلال اجتهاداً، حسبما يسوقه الدليل لا على نحو التقليد.

و بعبارة اخرى لا بُدَّ لاستنباط الأحكام عن أدلّتها التفصيلية، من معرفة حُجّية خبر الثقة، و الظاهر، و الأوامر، و النواهي، و المُطلقات و المُقيّدات، و العُمومات و الخصوصات، و التعادل و التراجيح، و اجتماع الأوامر و النواهي، و مجاري الاصول العملية من البراءة و الاشتغال و التخيير و الاستصحاب، إلى غير ذلك ممّا هي دارجة في الفقه و هي من مُهمّات مسائل اصول الفقه.

و لا يسوغ لمريد الاستنباط الاستغناء عن تنقيح هذه المباحث و ما شاكلها، كما لا يسوغ للأخباري الخبير دعوى الاستغناء عنها، و لو أنكرها فإنّما هو بلسانه فقط و قلبه مُطمئن بما ذكرنا.

و توهم عدم ملائمة تدوين كتاب مُستقل في الاصول حاوٍ لتلك المسائل، بل لا بُدَّ من التعرّض لها خلال عنوان المسائل الفقهية كما عن صاحب الحدائق (رحمه اللَّه)، غير وجيه، لا يُصغى إليه، كما لا يخفى على البصير الخبير.

فظهر أنّه لا بدّ في استنباط الأحكام الشرعية عن أدلّتها التفصيلية من الإحاطة بمهمات مسائل اصول الفقه ممّا هي دخيلة في فهمها، و لا يسوغ للأخباري الاستغناء عن تنقيح هذه المسائل و المباحث القيّمة.

و حيث إنَّ شرافة علم اصول الفقه و معرفة اصول الاستنباط بشرافة علم الفقه و كرامته بكرامته، فمن الحري جداً أن يكون نظر الباحث و المُتدرّب في هذا العلم نظراً آليّاً تبعيّاً لا استقلاليّاً أصليّاً، فلا بدّ و أن يكون ذلك على وجه الاقتصاد و الاعتدال، فلا يكون على نحو الإفراط الذي ابتليت به الحوزات العلميّة، و لا على طريق‏

14

التفريط الذي ذهب إليه الأخباريون، فانّ كلًاّ منهما انحراف عن الجادة، و قد امرنا بالطريقة الوسطى و الصراط المُستقيم.

و قد ألّف و صنّف اصحابنا الإمامية (رضوان الله تعالى عليهم) في اصول الفقه كتباً و زُبراً مفصّلة، و متوسطة، و مختصرة- قديماً و حديثاً- فشكر اللَّه مساعيهم الجميلة فرتّبوا فصوله، و نقّحوا مسائله، و شيّدوا أركانه.

و لكن في كثير منها بعض مسائل لا يكاد ينفع المُفتي في فتواه، و المجتهد في استنباطه، و الحاكم في قضائه، بل ربّما يقع المتدرّب في الاجتهاد في الحيرة و الضلالة، فكم قد سهر روّاد العلم ليالٍ فيها، و صرفوا أوقاتهم الشريفة في معرفتها كالبحث عن مقدّمات الانسداد مثلًا، فكم حقّقوا في مقدّماتها؟!!، و بحثوا في مجراها بحيث يصعب فهمها إلّا للأوحدي من المُشتغلين من طلّاب العلوم الإسلامية.

ثمّ بحثوا في أنّ مقتضى مقدّماتها هل هي حكم العقل بحجّية الظن مطلقاً، أو كشفه عن حجّية الظن شرعاً؟

ثمّ تكلّفوا في بيان الثمرات المُترتّبة على حُجّية الظن على الحكومة أو على الكشف، مع أنّ بابي العلم و العلمي بمصراعيهما مفتوحان فنحن في غنى عن جريان مقدّمات الانسداد و ثمراتها.

و كالبحث عن المعاني الحرفيّة بأدقّ معانيها، و البحث عن مباحث المُشتق بتفاصيلها غير النافعة ... إلى غير ذلك من المباحث.

و من المؤسف جدّاً ما يُشاهد في زماننا و عصرنا هذا أنّ بعض اساتذة علم الاصول يطنب في المباحث الاصوليّة، بحيث يستوعب درسه سنين مُتمادية من أوقات روّاد العلم و المُحصلين في مباحث الألفاظ، بل سنين في مقدّمات المباحث الاصولية مع أنّه كما أشرنا أنَّ علم الاصول من العلوم الآلية لا الأصلية، فلا بدّ من الاقتصاد في طرح مسائلها، و الاقتصار على ما ينفع الباحث في الفقه منها، و ما يتوقف استنباط

15

الأحكام عليها، التي هي الغاية القصوى من علم اصول الفقه، ثم حذف الزوائد و المطالب غير النافعة حول المسائل المطروحة.

و أرى و أعتقد أنّ التوغّل في المسائل الاصولية، ربّما يُوجب انحراف الذهن عن الاستقامة المطلوبة في فهم الكتاب و السنّة؛ كما أنّ التوغّل في العلوم العقلية و إعمالها في القواعد الاصولية ربّما لا يسلم عن اعوجاج السليقة في معرفة الكتاب و السنّة كما لا يخفى، و قد شاهدنا من مشايخ العصر و من قارب عصرنا بل من كانوا في الأعصار المتقدّمة أيضاً ما يُؤيّد المقال.

نعم كان من الجهابذة و أساطين الفن مَن لم يطرحوا تلك المسائل غير النافعة بل غير الدخيلة في استنباط الأحكام، و لم يتعرّضوا للمباحث غير الدخيلة حول الموضوعات المعنونة، بل اقتصروا على طرح مهامّ المسائل المُبتلى بها، و ترك غير المهم و غير النافع منها فاعتنوا بذكر لُباب ما قيل في تلك المسائل، و رفض كلّ ما قيل فيها و الحواشي و الفضول فشكر اللَّه مساعيهم الجميلة.

فاذاً من الحري جدّاً أن يكون نظر الباحث و المتدرّب في مسائل علم الاصول نظراً آليّاً تبعيّاً لا استقلاليّاً أصليّاً، فيقتصر فيه على البحث و التنقيب عن مسائل ما يحتاج إليها في معرفة الأحكام الشرعيّة، و يصرف تمام همّه وحده و يشمّر ذيله إلى ذي الآلة و الغاية القصوى- و هو علم الفقه- الذي كما أشرنا انّه قانون المعاش و المعاد، و نظام الامّة الاسلامية المحتاج إليه في العمل ليلًا و نهاراً، و يوجب معرفته و العمل به الوصول إلى قرب من الحق تعالى و الفوز بالجنّة.

و إيّاك أن تتوهم أن علم اصول الفقه علم شريف في نفسه، و تحصيله كمال للنفس و العاقلة، و صرف العمر في مسائله و مباحثه- عدم المحتاج إليها- كمال للنفس و يوجب تشحيذ الذهن و انسه بدقائق الفن و هو كمال للعاقلة، لأنّه موجب لصرف العمر في غير ما هو المهم، بل كما أشرنا أنّه ربّما يوجب الغور في دقائق مسائله غير

16

المحتاج إليها إخلالًا في فهم ما يرتبط بالغاية القصوى، و تشويشاً في استنباط الأحكام، و انحرافاً عمّا هو المُتفاهم عرفاً في معرفة الكتاب و السنّة.

فلا بُدَّ للمتدرّب في علم اصول الفقه من عطف النظر إلى ما هو المهم في استنباط الأحكام و تشخيص ما هو الأصل في استخراج الوظائف المُقرّرة، و تدقيق النظر و إعمال الفكر و الرويّة فيها حتّى يكون ذا نظر ثاقب و اجتهاد صحيح، و رفض ما ليس بمهم فيها، و عطف النظر إلى علم الفقه و استنباط الأحكام الشرعيّة و معرفة الوظائف المُقرّرة. عصمنا اللَّه و إيّاكم من الخطأ و الزلل بحق محمّد و آله الطاهرين.

و كيف كان لعلّ ما بين يديك من جملة متوسطات ما قُرّر و الّف في هذا العلم، و قد أسقطت فيه ثلّة من مباحث غير هامّة، كمسألة الانسداد مع مقدّماتها بعرضها العريض لأن بابي العلم و العلمي بمصراعيهما مفتوحان، و بعض مباحث المُشتق، و المعاني الحرفية، و غيرها من المباحث غير الضرورية، يجدها المتدرّب بمقايسة هذا الكتاب مع المُفصلات المؤلّفة في هذا الفن.

و على كلّ حال فممّا أنعم اللَّه على هذا العبد ان وفقت لإدراك ما يقرب من دورة كاملة و نصف من المباحث الاصولية التي كان يُلقيها من القي إليه سنام الامّة الإسلاميّة، قائد الثورة الإسلاميّة في إيران الإسلاميّة، جامع المعقول و المنقول، آية اللَّه العظمى نائب الإمام (عليه السلام) سماحة الحاج السيّد روح اللَّه الموسوي الإمام الخميني (قدس سره).

و لشخصيّة سماحة الاستاذ (قدس سره) أبعاد مختلفة يندر اجتماعها في شخص واحد إلّا للأوحدي من العلماء في طول التاريخ، فقد كان فقيهاً اصوليّاً، حكيماً بارعاً، عارفاً كاملًا، مُفسراً خبيراً، أخلاقيّاً فريداً، سياسياً مُتضلّعاً، مُديراً مُدبّراً، شجاعاً بطلًا، فقد جمعت فيه الفضائل و المآثر، فجدير أن يُقال في حقّه ما قاله أبو العلاء المعرّي في حقِّ عَلم الهدى السيّد الأجل المرتضى (قدس سره):

17

يا سائلي عنه فيما جئت تسأله‏* * * ألا هو الرجل العاري من العار

لو جئته لرأيت الناس في رجل‏* * * و الدهر في ساعة و الأرض في دار

و حيث إنَّ الميسور لا يسقط بالمعسور، و ما لا يدرك كلّه لا يترك كلّه، و إنّ المقدّمة حيث تكون مرتبطة باصول الفقه ينبغي الإشارة الإجماليّة إلى منهجه الشريف في علم الاصول و إلى بعض مبانيه فأقول و اجمل:

إنَّه (قدس سره) كان سلس البيان، طلق اللسان، يبيّن و يحرّر المسائل ببيان واضح يعرفه المتوسطون من روّاد العلم، و العالون منهم، بل المبتدءون، كلّ على حسب استعداده و كفاءته، و كان يتعرّض لكلمات مشايخ عصره فيلقي حاصل ما هو الدخيل في فهمها، و يحذف الزوائد و فضول الكلام ثمّ يردّ عليه ما ساقه نظره الشريف، فاصوله مع احتوائه لكلمات أساطين الفن و كبراء القوم كان اصولًا في حدّ الاعتدال، لا مختصر مُخلّ، و لا مبسوط مُمِلّ، و مع ذلك حاوٍ لعمد أفكار أساطين الفن بحيث يستغني المتدرّب فيه عن المراجعة إلى كتب المفصلات.

و ينبغي الإشارة الإجماليّة إلى بعض آرائه المُقدَّسة، فهو (قدس سرهم)ع كونه حكيماً مُتضلّعاً، و عارفاً كاملًا، لا يخلط مباحثه الاصوليّة بشي‏ءٍ من الدقائق الفلسفيّة و اللطائف العرفانيّة، بل كان يُحذّر حاضري بحثه أن يُدخلوا المباحث العقليّة الدقيقة في المسائل الاصوليّة المُبتنية غالباً على الأنظار و الأفهام العرفية، و بناء العقلاء و سيرتهم، و كثيراً ما يوبّخ إدخال المسائل العقليّة في المسائل الاصوليّة:

1- كقاعدة الواحد و يرى أنّ إدخالها فيها ممّن لعلّه لا خبرويّة له في علم الحكمة و المعارف الإلهيّة، و لا يدري أنّ مجرى القاعدة عند مُثبتيها إنّما هو في الواحد البسيط الحقيقي من جميع الجهات الذي لا تشوبه شائبة الكثرة لا خارجاً و لا ذهناً و لا عقلًا، لا في الواحد و البسيط الخارجي فضلًا عن الواحد الاعتباري و موضوعيّة الشي‏ء للحكم.

18

2- و كان (قدس سره) يقول:

إنّ مُراد الحكماء بقولهم: «إنّ الماهيّة من حيث هي هي ليست إلّا هي لا موجودة و لا معدومة» أنّ الماهيّة في مرتبة ذاتها ليست إلّا نفس ذاتها من جنسها و فصلها، و لا يكون في مرتبة ذاتها أمر آخر حتى الوجود أو العدم؛ لا ما يظهر من المحقّق الخراساني (قدس سره) و غيره:

أنّ مُرادهم بذلك أنَّ الماهيّة من حيث هي هي ليست إلّا هي موجودة، و لا معدومة، و لا مطلوبة، و لا غير مطلوبة، حتى يتوجّه عليهم أنّ مُقتضى ذلك عدم إمكان تعلّق الأحكام التكليفيّة بنفس الصانع و الماهيّات كما لا يخفى.

فاذاً على ما أفاده سماحة الاستاد (قدس سره) في مرادهم يمكن توجّه الخطاب و التكاليف بنفس الماهيّات، فيمكن انحدار و التكاليف بنفس الماهيّات فيصح انحدار الخطاب إلى ماهيّة الصلاة مثلًا فتكون ماهيّة الصلاة واجبة، لا بحيث يكون الوجوب جزءاً لماهيّتها، بل بمعنى كونها معروضة للوجوب فتدبّر.

3- و كان يرى مقتبساً من استاده العلّامة الأصفهاني صاحب الوقاية (قدس سرهم)عنىً لطيفاً في الاستعمالات المجازية يقبله الطبع السليم يشبه ما يقوله السكاكي في خصوص باب الاستعارة لا عينه حاصله:

أنّه في جميع الاستعمالات المجازيّة يستعمل اللفظ في المعنى الحقيقيّ و لكن مع ادّعاء في البين و تطبيق المعنى الحقيقي على المدّعى.

و بالجملة يرى باب المجاز باب التلاعب بالمعاني و وضع معنى مكان معنى، و هذا هو الذي يورث الكلام ملاحة و يصيّره بليغاً فصيحاً، لا وضع اللفظ مكان لفظ آخر، لأنّ الألفاظ مُتكافئة غالباً في إفادة معانيها، و ظاهر أنّ اللطافة و الملاحة التي في قوله‏

19

تعالى‏ «وَ سْئَلِ الْقَرْيَةَ» (1) و هي ادّعاء أنّ القضية بمرتبة من الوضوح يعرفه كلّ موجود حتى القرية التي من الجمادات فكيف ينكره العاقل الذي له شعور و إدراك لا تراها و لا تجدها إذا قيل و اسأل أهل القرية كما لا يخفى.

و كذا ترى اللطافة و البلاغة في قول الفرزدق شاعر أهل البيت في مدح الإمام السجاد (عليه السلام) بقوله:

هذا الذي تعرف البطحاء وطأته‏* * * و البيت يعرفه و الحلّ و الحرم‏

إلى آخر أبياته الأنيقة، حيث يُريد إثبات أنّه (عليه السلام) بمرتبة من الشهرة و المعروفية بحيث يعرفه أرض البطحاء، و بيت اللَّه الحرام، و الحل و الحرم، فكيف لا تعرفه أنت يا هشام؟!

و كذا في الاستعمالات التي يصرّح فيها بنفي معنى و إثبات معنى آخر كقوله في قصة يوسف على نبيّنا و آله و (عليه السلام): «ما هذا بَشَراً إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ» (2) و كقولك لوجه حسن: ما هذا بشر بل هو بدر، إلى غير ذلك من الاستعمالات التي يعدّونها استعمالات مجازيّة، ففي جميعها لم تستعمل الألفاظ إلّا في معانيها الموضوع لها، و لكن مع ادّعاء في البين و تطبيق المعنى الحقيقي على المدّعى‏ (3)

. 4- و كان (قدس سره) يرى أنّ شرائط الخطابات القانونيّة مُخالف لشرائط الخطابات الشخصية، و أنّه لا يشترط في صحة توجّه الخطاب القانوني انبعاث جميع آحاد المُكلّفين، و قدرتهم، بل إذا تمكّنت و انبعثت جملة مُعتدة بهم، و كان لهم قدرة على الانبعاث يصلح توجّه الخطاب القانوني، كما هو الشأن في جعل القوانين العالمية، و من أجل ذلك أنكر (قدس سره) الخطاب الترتّبي و أنّ الخطاب المهم لم يكن مشروطاً بعصيان‏

____________

(1)- يوسف: 82.

(2)- يوسف: 31.

(3)- و إن كنت في ريب ممّا ذكرنا فلاحظ ما فصلناه في جواهر الاصول.

20

خطاب الأهم، و تفصيله يطلب من محلّه من هذا الكتاب و غيره.

5- و كان (قدس سره) يرى أنّ الأحكام الشرعيّة غير مُقيّدة بقدرة المكلّف لا عقلًا و لا شرعاً، و إن كان حكم العقل بالإطاعة و العصيان في صورة القدرة.

و ذلك لأنّ الأحكام الشرعيّة عارية بحكم الإطلاق عن التقييد بالقدرة شرعاً، و لا سبيل إلى التقييد بالقدرة فتشمل العاجزين بإطلاقها، و لا يُعقل التقييد بها لا من قبل الشرع و لا من قبل العقل، لأنّه على التقييد من قبل الشرع يلزم القول بالبراءة عند الشك في القدرة. و هم لا يلتزمون به، بل قائلون بالاشتغال عند ذلك، و لا يلزم جواز إحداث ما يعذر به اختياراً، و لا يلتزمون به، و منه يُعلم عدم استكشاف التقييد بالقدرة شرعاً من ناحية العقل.

مضافاً إلى أنّ التقييد بالقُدرة لا يجامع ما اتّفقوا عليه من بطلان اختصاص الأحكام بالعالمين، بل يشترك كلّ من العالمين و الجاهلين فيها؛ لأنّ التفكيك بين العلم و القدرة غير صحيح. فلو كشف العقل التقييد بالقدرة شرعاً، فلا بدّ و أن يكشف عن التقييد بالعلم؛ لأنّهما يرتضعان من ثدي واحدٍ؛ لأنّ المناط فيهما واحد و هو قُبح خطاب العاجز و الجاهل.

و أمّا عدم التقييد من قبل العقل مُستقلًاّ، فلأنَّ تصرّف العقل بالتقييد في حكم الغير و إرادته مع كون المُتشرّع غيره باطل؛ ضرورة أنّه لا معنى لأن يتصرّف أحد في حكم غيره و يضيقه.

و بالجملة تصرف العقل في إطلاق الأدلّة لا يرجع إلى مُحصل، بل تصرّفه في إرادة الشارع و جعله غير معقول؛ لأنّ التقييد و التصرّف لا يُعقل إلّا لجاهل الحكم، لا لغيره، و هو غير العقل فتدبّر.

نعم للعقل في مقام الإطاعة و العصيان، و تشخيص أنَّ مُخالفة الحكم في أيّ موردٍ يُوجب استحقاق العقوبة و في مورد آخر لا يوجب ذلك.

21

فغاية ما يقتضيه حكم العقل هو تشخيص أنَّ الجاهل، أو العاجز، أو الساهي و الغافل و نظرائهم معذورون في ترك الواجب، أو إتيان الحرام من غير أن يتصرّف في دليل الحكم أو إرادة الشارع فتدبّر.

6- و كان (قدس سره) ينكر على المحقّق الخراساني (قدس سره) و غيره حيث يرون أنَّ للأحكام مراتب أربعة:

1- مرتبة الاقتضاء.

2- مرتبة الإنشاء.

3- مرتبة الفعلية.

4- مرتبة التنجّز.

و يرى أنّه ليس للأحكام إلّا مرتبتين. و إن شئت قلت ليس لها إلّا قسمين:

1- الحكم الإنشائي.

2- الحكم الفعلي.

كما هو الشأن في الأحكام المجعولة في الملل الراقية، فإنّه قد ينشأ القانون و يصوّب و لكن ليس بحيث يكون عليه العمل في الخارج، و قد يصير بحيث يكون بيد الإجراء و العمل فلك أن تقول إنَّ للأحكام الشرعية أيضاً مرتبتين:

1- مرتبة الإنشاء.

2- مرتبة الفعلية.

لأنّه قد تكون الأحكام المجعولة فعليّة واقعة في جريان العمل و لزوم تطبيق العمل عليها- و هو جلّ الأحكام-.

و قد تكون باقية في مرحلة الإنشاء و لم تصل بعد إلى المرتبة الفعلية، بل تكون باقية في مرتبة الإنشاء إلى أن تطلع شمس فلك الهداية صاحب العصر و الزمان (عجّل اللَّه فرجه الشريف) و جعلنا من كلّ مكروه فداه، و الاقتضاء و التنجيز حاشيتا الحكم،

22

ذاك من مبادئ الحكم و سبباً و مُقتضياً له، و الأخير حكم العقل بعد فعلية الحكم و صيرورته لازم الإجراء من غير أن تمس كرامة الحكم.

7- و كان (قدس سره) يرى أنّه إذا تعلّق النذر و شبهه بعبادة كصلاة الليل- مثلًا- لا تصير صلاة الليل واجبة كما هو المعروف. بل تكون صلاة الليل بعد النذر و شبهه كقبلها مُستحبة، فلو قلنا باعتبار قصد الوجه في صحة العبادة فلا بدّ له من قصدها ندباً، لأنّ غاية ما يقتضيه النذر- مثلًا- هو وجوب الوفاء بعنوان النذر، و الوفاء بالنذر يتحقّق بصلاة الليل المستحبة فتدبّر.

8- و كان (قدس سره) يورد على المحقّق النائيني (قدس سره) حيث كان يرى أنَّ النذر واجب توصّلي، فإذا تعلّق بأمر عبادي فيكتسب العبادية من متعلّقه، كما أنَّ متعلّقه يكتسب الوجوب من النذر بما حاصله:

ما هذا الكسب و الاكتساب؟!! و يرى أنّ هذه المقالة أشبه بالخطاب من البرهان، لأنّ النذر بعد تعلّقه بأمرٍ عبادي باقٍ على توصليّته كما أنّ الأمر العبادي باقٍ على ما هو عليه.

هذا إجمال المقال، و الإشارة الإجمالية إلى بعض مباني سماحة الاستاد (قدس سره) و تفصيلها يطلب من محالّها من هذا الكتاب و غيره.

كما يجد المُتدرّب فيما صدر من قلمه الشريف و ما قرّر من أبحاثه أفكاره القيّمة و أنظاره السديدة في المسائل الاصولية.

و كيف كان فما بين يديك نتيجة ما ألقاه سماحة الاستاد على جمٍّ غفيرٍ من الأفاضل و عدّة من الأعلام في الدورة الأخيرة في المسائل الاصولية، و كان تاريخ شروع سماحته يوم الأربعاء عاشر ربيع المولود من سنة ألف و ثلاثمائة و ثمان و سبعون (1378) هجرية قمرية فلمّا تمّ نظامه سمّيته ب «جواهر الاصول».

و قد كان رأيي حفظ المطالب في مجالس الدرس ثمّ البحث و المُذاكرة حولها، ثمّ‏

23

تحريرها، و ربّما لم أكن حاضراً مجلس البحث، و لم أحصل على ما أفاد سماحة الاستاد فاقتبست المطلب من بعض أجلّاء تلامذة الاستاد دامت بركاته، و مع ذلك لا آمن السهو و النسيان و الاشتباه، فإن كان فيها نحو قصورٍ و اضطراب و نقص، فردّه و استناده إلى المُقرّر أولى من أن ينسب إلى سماحته، و التمس من الناظر فيها أن يكون نظره بعين الإنصاف و الرضا، لا بعين الإشكال و الاعتراض و السخط، لأنّ الإنسان محلّ الخطأ و النسيان، و العصمة لأهلها.

و ليعلم القارئ الكريم أنّ ما بين يديه صحف لم يقدّر لها أن تُنشر قبل اليوم، لأنّها قد حُرّرت و خرجت من السواد إلى البياض منذ عهد بعيد لا يقلّ عن ست و ثلاثين سنة، و لم تسع الفرصة طبعها و نشرها بين روّاد العلم و محبّي أفكار سماحة الأستاد (قدس سره)، و إن التمس منّا ثلّة من الأجلّاء و طلبة العلم طبعها و نشرها؛ ليعمّ نفعها و يكثر فيضها، فإنّ الامور مرهونة بأوقاتها، و جارية على ما تقتضيه مصالحها. إلى أن منّ اللَّه تعالى علينا في هذا الزمان، و هيّأ لنا وسيلة طبعها و نشرها حيث أشار بعض عُمد مؤسّسة تنظيم و نشر آثار الإمام الخميني (قدس سره) فرع قم- دامت إفاضاته- إلى طبعها و نشرها، و ألحّ علينا في ذلك، فلم يكن في وسعي مخالفته في هذا المشروع المقدّس، فأجبت مسئوله، فشكر اللَّه مساعيهم الجميلة. و للَّه درّ المؤسّسة الجليلة حيث قامت بنشر الآثار و التآليف و التصانيف القيّمة الراجعة إلى سماحة الاستاد (قدس سره) تصنيفاً و تأليفاً و تقريراً.

و حيث إنّه مرّت على هذا التقرير أعوام و عهود بعيدة؛ فربّما يوجب ذلك تغييراً في الاسلوب و العبارة، أو تقديم ما حقّه التأخير أو بالعكس، و كان من الحريّ تجديد النظر فيها، كما لا يخفى، و لكن من المؤسف جدّاً أنّه لم يساعدني الحال و لم يتسع لي المجال؛ لانحراف المزاج و الابتلاء بعوارض قلبيّة و غيرها، و اضطراب الفكر، و الاشتغال بالبحث و المذاكرة، إلى غير ذلك من الشواغل.

24

و لكن حيث إنّ الميسور لا يسقط بالمعسور، و ما لا يدرك كلّه لا يترك كلّه، فبمقدار الميسور اجدّد النظر فيها إجمالًا، و من الطبيعي أنّ ذلك يوجب تغييراً في بعض ألفاظ الكتاب، و تقديماً و تأخيراً في بعض المطالب، بل ربّما يُوجب ذلك إضافة بعض ما سقط عنه ممّا يكون دخيلًا في المطلب، أو مُخِلًاّ بالمقصود، أو إسقاط ما لا يكون محتاجاً إليه.

عصمنا اللَّه و إيّاكم من الخطأ و الزلل بحقّ محمّد و آله الطاهرين.

و كان الفراغ من تحرير المقدّمة في مدينة قم المحميّة، عش آل محمّد و حرم أهل البيت (عليهم السلام) صانها اللَّه عن الحوادث و التهاجم، ليلة الاربعاء لتسع عشر من شهر رمضان المبارك، إحدى ليالي القدر، و هي الليلة التي ضرب فرق جدّي مولى الكونين علي بن أبي طالب (عليه السلام) في محراب عبادته ضربه أشقى الأشقياء، الموافقة لسنة ألف و أربعمائة و سبعة عشر (1417) هجرية قمرية.

حرّره العبد الفاني السيد محمد حسن المرتضوي اللنگرودي الجيلاني ابن فقيه أهل البيت آية اللَّه العظمى الحاج السيد مرتضى الحسيني اللنگرودي (قدس سره)

و الحمد للَّه أولًا و آخراً.

25

المقدمة

في بيان امور جرى بناء القوم على ذكرها قبل الورود في مسائل الاصول، و لها نحو ارتباط بالمسائل المعنونة في علم الاصول، مع اختلافها في الارتباط بها شدّة و ضعفاً.

26

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

27

الأمر الأوّل في موضوع العلم‏

قد يقال: إنّ كل علم لا بدّ له من موضوع؛ و يبحث في ذلك العلم عن عوارضه الذاتيّة، و يتّحد موضوع العلم مع موضوعات مسائله اتّحاد الكلي مع مصاديقه، و أن وحدة العلم بوحدة موضوعه، و أنّ تمايز العلوم بتمايز الموضوعات أو بالأغراض، و يبحث فيه عن تعريف اصول الفقه و بيان موضوعه.

و توضيح ذلك يستدعي البحث في جهات:

الجهة الاولى في وحدة موضوع العلم‏

قد اشتهر عند أهل الفنّ: أنّ كلّ علم لا بدّ له من موضوع واحد، متّحد مع موضوعات مسائله اتّحاد الكلي مع مصاديقه‏ (1) و ربّما يتشبّث لوحدة موضوع العلم بقاعدة الواحد؛ من ناحية وحدة الغرض المترتّب على ذلك العلم؛ بأنّ الواحد لا يصدر إلّا من الواحد، فإذا كان الغرض المترتّب على علم أمراً واحداً، فيستكشف‏

____________

(1)- كفاية الاصول: 21، فوائد الاصول 1: 22.

28

من ذلك وحدة موضوع العلم و إن لم نكن نعرفه بعينه‏ (1)

. و لكنّ الذي يقتضيه النظر عدم تماميّة شي‏ء منها؛ لأنّه لم يقم دليل على لزوم وجود موضوع واحد لكلّ علم؛ حتّى يتكلّف في إثباته إلى تمحّلات شديدة و تكلّفات شاقة و التقوّل بما لا ينبغي، كما سيُتلى عليك.

و غاية ما يقتضيه الاعتبار، و يجب الالتزام به في كلّ علم، هو وجود سنخيّة و ارتباط بين أكثر مسائل العلم بعضها مع بعض في ترتّب الأثر الواحد السنخي عليها و إن كان بين موضوعاتها أو محمولاتها اختلاف، مثلًا: المسائل الفقهيّة تشترك في أنّه يبحث فيها عن القوانين و المُقرّرات الإلهيّة مع اختلاف مسألة «الصلاة واجبة» مع مسألة «الخمر حرام» من حيث الموضوع و المحمول، و كلتا المسألتين مع مسألة «الماء طاهر» ... و هكذا.

نعم: بين تلك المسائل المتشتّتة نحو ارتباط و سنخيّة؛ حيث تكون راجعة إلى القوانين و الأحكام الإلهيّة و بيان وظائف العباد، فلأجلها دُوِّن علم الفقه.

يشهد لما ذكرنا: ملاحظة بدء تأسيس العلوم المتعارفة، فإذا تأمّلت فيها ترى أنّ مسائل كلّ علم في بدء تأسيسه، كانت قليلة غاية القلّة- لعلّها لا تتجاوز عدد الأصابع- تجمعها خصوصيّة كامنة في نفس المسائل، بها تمتاز عن مسائل سائر العلوم، ثمّ إنّه جاء الخلف بعد السلف في الأعصار المتأخّرة، فأضافوا عليها مسائل و مباحث لم تكن معهودة و لم تكن مُعنونة، حتّى بلغت- بحسب الكثرة- حدّاً يصعب حفظها و الإحاطة بها، بل ربّما لا يتمكّن من الإحاطة بجلّها، فضلًا عن الإحاطة بها جميعاً.

مثلًا: مسائل علم الطبّ في بدء تأسيسه في الأدوار المتقدّمة، كانت قليلة لعلّها لا تتجاوز عدد الأصابع، راجعة إلى صحّة البدن و فساده؛ بحيث يمكن أن يعرفها

____________

(1)- كفاية الاصول: 21- 22.

29

شخص واحد، و كان يداوي الرجل الواحد المرضى مع ما هم عليه من أنواع الأمراض و العلل، و قد كان بينهم طبيب دوّار بطبّه، و هو الطبيب الذي يدور في البلدان و القرى لمعالجة المرضى على اختلاف أمراضهم و عللهم، ثمّ كثرت مسائله؛ بحيث صارت نسبة المسائل المدوّنة و المنتشرة في بدء تأسيسه، بالنسبة إلى ما دُوِّن في الأعصار المتأخّرة، نسبة الواحد إلى الألف بل أكثر، بل قد تشعّبت و تكثّرت مسائل علم الطبّ و مباحثه؛ بحيث لا يتمكّن الرجل الواحد الإحاطة بجلّ مسائله؛ فضلًا عن الإحاطة بها جميعاً، بل لا بدّ من التخصّص في بعض نواحيه، فترى المسائل المرتبطة بمعالجة العين- مثلًا- كانت قليلة جدّاً، فصارت كثيرة بحيث لا يتمكّن معرفتها إلّا بعد الدراسة و التعلّم لها في مدّة لا يستهان بها.

بل قد يقال: إنّ لمعرفة الامور و الأمراض المتعلّقة بالعين نواحي متعدّدة، قد الّف في كلّ ناحية منها كتاب أو كتب تدرّس إلى الطلّاب المتخصصين في هذه الناحية.

و لكن مع ذلك كلّه تشترك جميع تلك المسائل، و تكون بينها نحو سنخيّة و ارتباط بلحاظ أنّها راجعة إلى صحّة البدن و فساده، و على هذا فلا حاجة إلى تجشّم إدخالها في موضوع واحد.

و إن كان مع ذلك في خاطرك شي‏ء فيما ذكرنا، فلاحظ علم الجغرافيا فإنّه أصدق شاهد على ما ذكرنا، فإنّه في بدء تأسيسه لم تكن أوضاع تمام الأرض معنونة فيه، بل المعنون فيه أوضاع بلدة أو ناحية منها، بل لم يمكن أن يطّلع و يقف رجل واحد على أوضاع أحوال جميع الأرض؛ سهلها و جبلها، برّها و بحرها، مدنها و قراها ... إلى غير ذلك في الأعصار السابقة الفاقدة للوسائل الحديثة المتداولة في أعصارنا، بل لا بدّ و أن يجاهد في ذلك رجال أذكياء.

فيكون مقصود قدمائهم بعلم الجغرافيا هو البحث عن أوضاع نواحيهم و بقاعهم- لا البحث عن أوضاع جميع الأرض- إلى أن كَمُلَ علم الجغرافيا تدريجاً؛ و ذلك حين‏

30

تمكنوا من الاطّلاع على جميع بقاع الأرض، فصار علم الجغرافيا عبارة عن معرفة أوضاع جميع أنحاء الأرض، بعد أن كان عبارة عن معرفة بلدة أو ناحية منها، و لكن مع ذلك كلّه يصدق علم الجغرافيا على كلّ ما الِّفَ في سابق الأيام و حاضرها.

و بالجملة: لا وجه للالتزام بوجود موضوع واحد لكلّ علم؛ حتّى يتكلّف لتعينه و يتحمّل اموراً غير تامّة، مثل أنّه لا بدّ و أن يكون البحث في العلم عن عوارضه الذاتيّة حتّى يقعوا في حيص و بيص في المراد بالعرض الذاتي، فيختلفوا في المراد منه‏ (1)

. بل يكفي لوحدة العلم مسانخة عدّة قضايا متشتّتة و وجود ارتباط خاصّ بينها و إن لم يكن موضوعها واحداً.

إذاً فلا وجه لالتزامهم بأنّ موضوع علم الفقه عمل المكلّف‏ (2) مع أنّه لا ينطبق على كثير من مسائل الفقه، مثل مسائل النجاسات و المطهّرات، و كثير من أحكام الضمانات و الإرث، و الأحكام الوضعيّة ... إلى غير ذلك؛ بداهة أنّ مسألة «الكلب نجس» حكم برأسه وجد هناك مكلّف أم لا، و كذا «الشمس مطهّرة» حكم برأسه، و كذا مسألة «من مات- مكلّفاً كان أم لا- فبعض تركته لابنه- مكلفاً كان أم لا- و مقدار آخر لبنته كذلك، و حصّة لزوجته» و هكذا ... إلى غير ذلك من الأمثلة التي لا ينبغي الإشكال في كونها مسائل فقهيّة، مع أنّه لم يكن الموضوع فيها عمل المكلّف‏ (3)

. و ربّما يتشبّث في ذلك بأنّ المقصد الأصلي في تلك المسائل و نحوها، إنّما هو ترتيب المكلّف آثار النجاسة على ما باشره الكلب، أو ترتيب المكلف آثار الطهارة

____________

(1)- بدائع الأفكار: 27 سطر 30، كفاية الاصول: 21.

(2)- معالم الدين: 25.

(3)- الفصول الغروية: 4 سطر 4.

31

على ما طهّرتْه الشمس ... و هكذا، فتكون تلك المسائل ممّا يتعلّق بعمل المكلّف‏ (1)

. و لا يخفى أنّ تعلّق أمثال هذه المسائل بعمل المكلّف إنّما هو من جهة الأغراض و الفوائد المترتّبة، و الملاك كلّ الملاك في كون مسألة من مسائل علم الفقه هو أن تتعلّق بعمل المكلّف نفسه، لا أن تكون نتيجة المسألة و الغرض منها المكلّف، و كم فرقٍ بينهما، و إلّا يمكن أن يقال: إنّ موضوع جميع العلوم أمر واحد، و هو انكشاف الأشياء لدى الشخص؛ لكونه غاية كلّ علم، و هو كما ترى، فتأمّل.

و لعلّ سرّ تعبيرهم عن موضوع علم الفقه بعمل المكلّف: هو ما رأوا من أنّ أكثر مسائل علم الفقه تتعلّق بعمل المكلّف، كالصلاة و الصوم و الزكاة و الحجّ ... إلى غير ذلك، و لم يتفطّنوا إلى أنّ الالتزام بذلك يوجب خروج كثير من المسائل- التي أشرنا إلى بعضها- من علم الفقه، و الالتزامُ بكونها مسائل استطراديّة غيرُ وجيه؛ بداهة كونها من مسائل علم الفقه.

و بما ذكرنا تعرف: أنّ التزامهم في موضوع علم الفقه- بلحاظ إدخال بعض المسائل فيه- أنّه عبارة عن عمل المكلّف من حيث الاقتضاء و التخيير (2)، غير وجيه أيضاً؛ لاستلزامه خروج كثير من المسائل الفقهيّة عنه، ككثير من مسائل الضمانات و الأحكام الوضعيّة ... إلى غير ذلك.

فتحصّل: أنّه لا موجب للالتزام بوجود موضوع واحد لكلّ علم، حتّى يتكلّف في إثباته، و يلتزم بكون جملة من مسائله استطراديّة، و غاية ما يجب الالتزام به: هو وجود ارتباط و سنخيّة في أكثر مسائل العلم بعضها من بعض في تحصيل غرض واحد سنخيّ لا شخصي؛ من دون احتياج إلى وجود موضوع للعلم، فضلًا عن وحدته.

____________

(1)- انظر بدائع الأفكار: 12 سطر 25.

(2)- معالم الدين: 25.

32

فإذاً مسائل علم الفقه تشترك في أنّها يبحث فيها عن قوانين إلهيّة و وظائف مقرّرة للشاكّ، سواء كان لها موضوع واحد أو محمول كذلك، يتّحد مع موضوعات مسائله و محمولاته، أم لا.

وهم و دفع‏

ربّما يتشبّث لإثبات وحدة موضوع العلم، من طريق وحدة الغرض المترتّب عليه بقاعدة الواحد؛ بتقريب: أنّ الواحد لا يصدر إلّا من الواحد، و هذه القاعدة و قاعدة الواحد لا يصدر منه إلّا الواحد قاعدتان مبرهن عليهما في محلّه‏ (1)

. و القاعدة الاولى تجري في ناحية وحدة المعلول؛ بمعنى أنّه إذا كان المعلول واحداً يستكشف منه أنّ علّته واحدة، كما أنّ القاعدة الثانية تجري في ناحية وحدة العلّة؛ بمعنى أنّه إذا كانت العلّة واحدة يستكشف منها أنّ معلولها واحد.

و عليه فحيث إنّ الغرض المُترتّب على كلّ علم أمر واحد- كصون اللسان عن الخطأ في المقال في علم النحو، و صون العقل عن الخطأ في الفكر في علم المنطق ...

و هكذا في غيرهما، فلمّا كانت موضوعات مسائل العلم متعدّدة- فيستكشف من وحدة المعلول وجود جامع بين موضوعات المسائل و إن لم نعلمه بعنوانه.

و بعبارة اخرى: الغرض من المسائل المتشتّتة- المعدودة علماً واحداً- واحد، و موضوعات المسائل كثيرة، فمع ملاحظة عدم جواز صدور الواحد عن الكثير، فلا بدّ من تصوير جامع في البين؛ ليترتّب عليه الغرض الواحد، و هو موضوع العلم‏ (2)

. و فيه: أنّه لا يستقيم الاستدلال بالقاعدتين في أمثال المقام، كما لا يخفى على من له إلمام بعلم المعقول، فإنّ القاعدتين مأخوذتان من الحكماء، و هما قاعدتان عقليّتان،

____________

(1)- الحكمة المتعالية 2: 204- 212، شرح المنظومة (قسم الحكمة): 133- 134.

(2)- كفاية الاصول: 21- 22.

33

لا شرعيّتان حتّى يؤخذ بعمومهما أو إطلاقهما، فلا بدّ لفهم القاعدتين من الرجوع إليهم، و أخذ تفسيرهما و حدودهما منهم، و من لاحظ كلماتهم، و تدبّر في تقرير القاعدتين، يرى بوضوح أنّ البرهان العقلي- الذي يدّعونه- إنّما يدلّ على عدم صدور الواحد البسيط بالصدور الوجوديّ الشخصيّ، إلّا عن واحد بسيط من جميع الجهات؛ من دون شائبة تركيب فيه من جهة من الجهات؛ لا في الخارج، و لا في الذهن و الوهم، و لا في العقل.

كما يدلّ البرهان على عدم الصدور بالصدور الوجودي عن الواحد البسيط من جميع الجهات، إلّا واحداً بسيطاً من جميع الجهات، إلّا من حيث المادّة و الصورة، و أمّا في غير ذلك فلم تثبت القاعدتان عندهم أصلًا (1)

. فإذاً موضوع علم النحو- مثلًا- لم يكن مصدراً لصدور أمر واحد، و هو صون اللسان عن الخطأ في المقال.

و لو سُلّم الصدور لم يكن الصدور وجوديّاً؛ بداهة أنّ صون اللسان عن الخطأ في المقال: عنوان انتزاعي يُنتزع من صون اللسان عن الخطأ في هذا المقال و ذاك المقال ... و هكذا، فلم يكن له تأصّل و واقعيّة في الخارج، فضلًا عن صدوره، و لو فرض أنّ حفظ اللسان عن الخطأ في المقال لم يكن عنواناً انتزاعيّاً، بل أمراً واقعيّاً و ماهيّة أصليّة، فلا يخفى أنّه خارج عن موضوع القاعدة أيضاً؛ لما أشرنا من أنّها في الواحد البسيط الحقيقي، و هذا واحد نوعيّ؛ لصدقه على كثيرين، و لا مضايقة في أنّ يصدر الواحد النوعي عن الكثيرين كما لا يخفى على أهله.

مع أنّه لا معنى للصدور و الإصدار و المصدريّة في الماهيّات و العناوين الكلّيّة و ما في معناهما؛ لأنّ الصدور من بابٍ، و الماهيّة لا تصدر من شي‏ء أصلًا، فتدبّر.

____________

(1)- انظر الحكمة المتعالية 2: 204- 212، و شرح المنظومة (قسم الحكمة): 133- 134.

34

و لو سُلّم الصدور و المصدريّة في ذلك، فلو كان الغرض مترتّباً على الجامع بين موضوعات المسائل، فلازمه أن تكون الكلمة و الكلام أو القول أو اللّفظ العربي في موضوع علم النحو، محصِّلًا لعلم النحو، فمن عرف الكلمة و الكلام أو اللّفظ أو القول العربي كان نحويّاً، و من عرف عنوان عمل المكلّف في موضوع علم الفقه كان فقيهاً، و ضرورة الوجدان على خلافه، و التفوّه بذلك لعلّه ممّا يُضحك الثكلى.

بل الغرض من كلّ علم إنّما يترتّب على مسائل كثيرة.

و تقريب آخر: لو كان الغرض من كلّ علم مترتّباً على أمر واحد و معلولًا عنه، فلا يخلو الأمر الواحد: إمّا أن يكون هو الجامع بين موضوعات مسائل العلم، كفعل المكلّف في علم الفقه، أو الجامع بين محمولات المسائل، و هي حكم الشارع و مقرّراته، أو الجامع بين القضايا، و هو ثبوت الحكم الشرعي لموضوع في ذلك العلم، و واضح أنّه بمجرّد معرفة الشخص عنوان فعل المكلّف، أو حكم الشارع، أو ثبوت الحكم الشرعي للموضوع، لا يترتّب عليه غرض و فائدة أصلًا، و إلّا يلزم أن يكون جميع الناس فقهاء و علماء إذا عرفوا تلك العناوين، بل الغرض إنّما يترتّب على معرفة كل مسألة مسألة من المسائل الفقهية.

فظهر ممّا ذكرنا: أنّ قاعدتي الواحد أجنبيّتان عن أمثال المقام، فالأولى للمتدرِّب في تحصيل علم الفقه و اصوله، الإعراض عن إجراء القاعدتين و التجنّب عنهما في إثبات المقاصد الاصولية و الفقهيّة.

و من المؤسف جدّاً إجراء بعض الأعلام‏ (1) القاعدتين في إثبات بعض المقاصد الاصولية، و تبعه في ذلك من لا خبرة له بفنّ المعقول.

و اللَّه الهادي إلى الصواب.

____________

(1)- كفاية الاصول: 21- 22 و 239.

35

الجهة الثانية في الأعراض الذاتيّة و الغريبة

المعروف بين أصحابنا الاصوليين مقتبساً من أهل المعقول: أنّ موضوع كل علم ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتيّة (1)

. و قد حُكي عن القدماء تفسير العرض الذاتي بشي‏ء يخالفه ما عن بعض المتأخّرين‏ (2)

. و لتوضيح المقال ينبغي الإشارة إلى معنى العارض و أقسامه و أقسام الواسطة، فنقول:

المراد بالعارض هنا مطلق الخارج عن الشي‏ء المحمول عليه، فيشمل ما يقابل الذاتيّ‏ (3) في باب الكلّيّات الخمس، المعبّر عنه في لسان أهل المعقول بالعَرَضي‏ (4)، المنقسم إلى الخاصّة و العرض العامّ، كما يشمل غيره، مثل كلّ من الجنس و الفصل بالإضافة إلى الآخر، و النوع بالنسبة إليهما.

ثُمّ إنّ العارض: إمّا يكون عارضاً لشي‏ء بلا واسطة أصلًا أو مع الواسطة.

و على الأوّل: إمّا أن يكون:

1- مساوياً للشي‏ء، كالتعجّب العارض للإنسان على ما مثّلوا له، فتأمّل.

2- أو أعمّ منه، كالجنس العارض للفصل.

____________

(1)- شرح الشمسيّة: 14 سطر 14، الحكمة المتعالية 1: 30، شوارق الإلهام 1: 5 سطر 27، الشواهد الربوبيّة: 19، هداية المسترشدين: 14 سطر 10، الفصول الغرويّة: 10 سطر 23، كفاية الاصول: 21.

(2)- حقائق الاصول 1: 7.

(3)- و الذاتي ما لم يكن خارجاً عن الشي‏ء، و هو ثلاثة: 1- الجنس 2- و النوع 3- و الفصل. المقرّر

(4)- شرح المطالع: 64 سطر 16، شرح الشمسيّة: 34 سطر 11.

36

3- أو أخصّ منه، كالفصل العارض للجنس.

و على الثاني: إمّا تكون الواسطة داخليّة، أو خارجيّة.

فعلى كون الواسطة داخلية:

4- إمّا أن تكون الواسطة مساوية للمعروض كالتكلّم العارض للإنسان بواسطة الناطق.

5- أو أعمّ منه، كالحركة الإراديّة العارضة للإنسان بواسطة الحيوان، و لا ثالث له؛ لأنّ جزء الشي‏ء لا يكون أخصّ منه.

و إن كانت الواسطة خارجيّة:

6- فإمّا أن تكون مُساوية للمعروض، كعروض الضحك للإنسان بواسطة التعجّب.

7- أو تكون أعمّ منه، كعروض التحيّز للأبيض بواسطة الجسم، الذي هو أعمّ من الأبيض.

أو يكون أخصّ منه، كعروض الضحك للحيوان بواسطة الإنسان، الذي هو أخصّ من الحيوان.

9- أو مُباينة له، كعروض الحرارة للماء بواسطة النار. فهذه أقسام تسعة.

ثمّ إنّ القوم اتّفقوا على كون بعض هذه الأقسام عرضاً ذاتيّاً، كما اتّفقوا على كون بعضها الآخر غريباً، و اختلفوا في ثالث.

أمّا ما اتُّفق على كونه عرضاً ذاتيّاً: فهو ما يكون عارضاً للشي‏ء لذاته بلا واسطة، و كان مساوياً له، أو ما يكون عارضاً للشي‏ء بواسطة جزء مساو له؛ أو خارج مساوٍ، و لذا اشتهر بينهم تعريف العرض الذاتي: بأنّه ما يلحق الشي‏ء لذاته أو لما يساويه‏ (1).

____________

(1)- الحكمة المتعالية 1: 30، شوارق الإلهام 1: 5 سطر 28، شرح الشمسيّة: 14 سطر 13.

37

و أمّا ما اتّفق على كونه عرضاً غريباً: فهو ما يكون بواسطة أمر خارج أعمّ، أو أخصّ، أو مباين‏ (1)

. و أمّا ما اختلف فيه: فهو ما يكون عارضاً بواسطة جزء أعمّ، و نُسب إلى مشهور المتأخّرين أنّه من الأعراض الذاتيّة، و عن جماعة من المتأخّرين- وفاقاً للقدماء- أنّه من الأعراض الغريبة (2)

. و أمّا ما يعرض للشي‏ء بلا واسطة، و كان أعمّ من المعروض أو أخصّ منه، فلم يلتفتوا إلى كونهما من العوارض، فصار ذلك منشأ لاستيحاش بعضهم من عدّهما من العوارض الذاتيّة (3)

. و قد اشير إلى دفعه بقولهم: إنّ العرض الذاتي هو ما لم تكن له واسطة في العروض؛ سواء لم تكن له واسطة أصلًا أو كان له واسطة في الثبوت؛ فيدخلان في العرض الذاتي‏ (4)

. فينبغي الإشارة إلى انقسام الواسطة إلى أقسامها الثلاثة توضيحاً للأمر: فهي إمّا واسطة في العروض، أو واسطة في الثبوت، أو واسطة في الإثبات.

أمّا الواسطة في العروض: فهي التي يقوم بها العرض حقيقة، و ينسب إلى ذيها عناية و مُسامحة من قبيل وصف الشي‏ء بحال متعلّقه، كالحركة التي هي الواسطة في نسبة السرعة إلى الجسم، فإنّ السرعة تقوم بالحركة، و انتسابها إلى الجسم بالعناية؛ بلحاظ اتّصاف الحركة بها، و هي قد تكون جليّة على نحو تكون نسبة العرض إلى ذيها مجازاً عرفاً، كالمثال المذكور، و قد تكون خفيّة؛ بحيث لا يخرج التوصيف عن كونه‏

____________

(1)- شرح الشمسية: 15 سطر 13، حاشية المشكيني 1: 2.

(2)- شرح المطالع: 19، حاشية تهذيب المنطق: 185 تعليقة ميرزا محمد علي.

(3)- حاشية المشكيني 1: 2.

(4)- نفس المصدر 1: 3.

38

حقيقة في نظر العرف، و إن كان مجازاً بتعمل من العقل، كالسطح الذي هو واسطة في نسبة البياض إلى الجسم، فإنّ البياض إنّما يقوم حقيقة بالسطح، لا بالجسم، لكنّه يُنسب إلى الجسم حقيقة بنظر العرف، و إنْ كان مجازاً بالنظر الدقيق.

و أمّا الواسطة في الثبوت: فهي علّة ثبوت العرض حقيقة لمعروضه؛ سواء كان العرض قائماً بها أيضاً، كالنار الشمس اللتين هما علّتان لثبوت الحرارة للماء، أم لا كالحركة التي هي علّة لعروض الحرارة على الجسم.

و أمّا الواسطة في الإثبات: فهي التي يكون العلم بها علّة للعلم بالثبوت كالحد الأوسط في القياس‏ (1)

. فخلاصة المقال في العرض الذاتي و العرض الغريب: هو أنّه نُسب إلى القدماء:

أنّ العرض الذاتي: هو الخارج المحمول الذي يلحق الشي‏ء لذاته، أو لأمر يساويه‏ (2)

. و لكن عدل عنه المتأخّرون، و قالوا: إنّ الحقّ في العرض الذاتي أن يقال: إنّه ما يكون عارضاً للشي‏ء و وصفاً له بلا شائبة مجاز أو كذب؛ أي ما يكون من قبيل الوصف بحال الشي‏ء نفسه، لا الوصف بحال متعلّقه‏ (3)

. و بعبارة اخرى: العرض الذاتي: ما لا يكون له واسطة في العروض؛ سواء كان له واسطة في الإثبات أم لا، فالحرارة العارضة للماء- حيث تعرضه حقيقة- عرض ذاتيّ و إن كان بواسطة النار.

و بعد ما اشتهر بينهم: أنّ العرض الذاتي هو الخارج المحمول الذي يلحق الشي‏ء لذاته أو لأمر يساويه، أشكل عليهم الأمر؛ حيث رأوا أنّ أكثر محمولات العلوم عارضة لنوع من الموضوع أو صنف منه، فتكون هذه المحمولات عوارض غريبة

____________

(1)- حقائق الاصول 1: 6- 7.

(2)- نفس المصدر 1: 6- 7.

(3)- الحكمة المتعالية 1: 32 (حاشية المحقّق السبزواري)، كفاية الاصول: 21.

39

بالنسبة إلى موضوع العلم؛ لأنّها لم تعرض لموضوع العلم نفسه، بل عرضت لنوع منه أو صنف منه.

و قد ذهب القوم للتفصّي عن الإشكال يميناً و شمالًا في تعريف العرض الذاتي، إلى أن اضطرّوا: تارة إلى إسناد المسامحة إلى رؤساء العلم في تعريف العرض الذاتي، و اخرى إلى الفرق بين محمول العلم و محمول المسألة (1) ... إلى غير ذلك من المطالب التي لا تشفي العليل و لا تروي الغليل.

و أحسن ما قيل في مقام الدفع عن الإشكال ما أفاده صدر المتألّهين (قدس سره)- في أوائل السفر الأوّل من أسفاره الأربعة (2)- و حاصله على ما افيد: أنّ ما يختصّ بنوع من أنواع الموضوع ربّما يعرض لذات الموضوع بما هو هو، و أخصّيّة شي‏ء من شي‏ء لا تُنافي عروضه لذلك الشي‏ء، كالفصول المنوّعة للأجناس، فإنّ الفصل المُقسِّم عارض لذات الجنس من حيث ذاته مع أنّه أخصّ منها، و الملاك كلّ الملاك في الذاتي و الغريب: هو أنّه كلّما يلحق الشي‏ء لأمر أخصّ، و كان ذلك الشي‏ء مفتقراً في لحوقه له إلى أن يصير الأخصّ نوعاً متهيّئاً لقبوله، فهو عرض غريب، مثل لُحوق الضحك للحيوان، فإنّه يعرضه بعد تخصّصه بالنفس الإنسانيّة تخصّصاً وجوديّاً.

و أمّا إذا كان بنفس عروضه يتخصّص بخصوصيّة، فهو عرض ذاتيّ، مثل عروض الفصل للحيوان، فإنّه بنفس عروضه له يتخصّص، و يصير نوعاً خاصّاً.

و موضوع علم الفلسفة حقيقة الوجود، و هو مثل النور، له عرض عريض، يشمل جميع الماهيّات المتلبّسة بالوجود، في عرض واحد؛ أي شمول الوجود للموجود النفساني لم يكن بعد تخصّص الوجود بالوجود العقلاني، و كذا شموله للموجود المادّي لم يكن بعد تخصّصه بالوجود العقلاني و النفساني، بل تتحد تلك الحقيقة مع الموجود

____________

(1) و الحكمة المتعالية 1: 30- 34.

(2) و الحكمة المتعالية 1: 30- 34.

40

العقلاني، و يتخصّص بالوجود العقلاني، و هكذا يتّحد مع الوجود النفساني، و يتخصّص به؛ من دون تخصيصه أوّلًا بالعقلاني، ثمّ بالنفساني، و هكذا بالنسبة إلى جميع الماهيّات الثابتة بالوجود، حتّى الواقعة في أدنى مراتب الوجود.

و بالجملة: يتخصّص الوجود بالتخصّص العقلي و النفسيّ و النباتيّ و الجماديّ في عرض واحد؛ أي لم يكن تخصُّص أحدهما بالوجود مسبوقاً بتخصّص الآخر، بل نفس حقيقة الوجود تعرض العقل و النفس و النبات و الجماد في عرض واحد، و تتخصّص به.

فالبحث عن تلك الامور بحث عن عوارض الوجود، و الحكيم الإلهي يبحث عن تلك الامور من جهة أنّها تعيّنات الوجود، و تكون أشياء موجودة، بخلاف الحكيم الطبيعي، فإنّه يبحث عن تخصيص الوجود بمرتبة من المراتب، و هي مرتبة الجسميّة.

و بالجملة: محطّ نظر الحكيم الإلهي هو حقيقة الوجود، و البحث في فلسفته عن تعيّنات الوجود بتعيّن كذا و كذا، فأبحاثه كلّها عوارض ذاتيّة للوجود.

و أمّا الحكيم الطبيعي فمحطّ بحثه لم يكن الوجود بما هو هو، بل الوجود بعد تخصّصه بخصوصيّة الجسميّة.

فبحث الحكيم الإلهي عن أحوال الجسم- بما هي أحوال الجسم، و بعد تخصّصه بخصوصيّة الجسميّة- في فلسفته، بحث عن العوارض الغريبة، و أمّا بحثه عن أحواله- بما أنّه موجود- بحث عن عوارضه الذاتية.

و بالجملة: فرق بين الحكيم الإلهي و الحكيم الطبيعي، فإنّ الإلهي يبحث عن تعيّنات الوجود و حقيقته من مبدأ وجوده إلى منتهاه، فكلّ ما في صفحة الوجود يصحّ أن يبحث حوله الحكيم الإلهي بما هو موجود، و لذا يُقال: إنّ موضوع علم الفلسفة أعمّ موضوعات العلوم‏ (1)؛ بحيث يشمل علم الفقه أيضاً، و تنطوي فيه موضوعات‏

____________

(1)- تعليقات صدر المتألّهين على إلهيات الشفاء: 8 سطر 25.

41

جميع العلوم.

فبحث الحكيم الإلهي عن الجسم المعدني غير بحث الحكيم الطبيعي عنه، فإنّ الإلهي يبحث عنه من جهة وجوده، لا من جهة معدنيّته و الأمر العارض للجسم، كما يبحث عن العقل كذلك، بخلاف الطبيعي، فإنّه يبحث عن معدنيّته و عن الأمر الطارئ على الجسم.

فتحصّل: أنّ جهة البحث عندهما مُختلفة، فإنّ الحكيم الإلهي يبحث فيه عن حيثية وجوده، و الحكيم الطبيعي يبحث فيه عن حيثيّة جسميّته.

و ما ذكرناه هو مُراد صدر المتألّهين (قدس سره) في الفرق بين العرض الذاتي و العرض الغريب‏ (1)

. و حاصله: أنّ البحث حول الوجود بما هو موجود بحث عن العوارض الذاتيّة للوجود، و أمّا البحث عنه بعد تخصّص الوجود بتخصّص فهو بحث عن عوارضه الغريبة.

فما يظهر من بعض الأعلام في مُراده- كما سنشير إليه و إلى دفعه- غير وجيه، فاحفظ ما ذكرناه، و كن من الشاكرين.

ذكر و تعقيب‏

يظهر من تقريرات المحقّق العراقي (قدس سره): أنّ مُراد صدر المتألّهين في العرض الذاتي و العرض الغريب هو: أنّ ما يكون واسطة لعروض العارض على الشي‏ء: تارة يكون حيثيّة تقييديّة، و اخرى حيثيّة تعليليّة، فإن عرض بواسطة الحيثيّة التعليليّة يكون عرضاً ذاتيّاً، و أمّا إذا كان بواسطة الحيثيّة التقييديّة يكون عرضاً غريباً.

____________

(1)- الحكمة المتعالية 1: 33- 34.

42

و مثال ما كانت الواسطة حيثيّة تعليليّة عُروض الرفع على الكلمة بواسطة الفاعليّة، و النصب عليها بواسطة المفعوليّة ... و هكذا، فإنّ المعروض في الحقيقة فيهما ذات الكلمة و الفاعليّة و المفعوليّة من علل مرفوعيّتها و منصوبيّتها، لا الكلمة المتخصّصة بالفاعليّة معروضة للرفع و المُتخصّصة بالمفعوليّة معروضة للنصب‏ (1)

. أقول: هذا اشتباه منه، فإنّه لو سلّم ما ذكره فإنّما هو في مثل النحو؛ حيث يمكن أن يفرض ذات الكلمة و الرفع و شي‏ء ثالث تكون مرفوعيّة الكلمة به، و هي الفاعليّة.

و أمّا في العلم الذي يريد به صدر المتألّهين (قدس سره) إعطاء ضابطة في تمييز أعراضه الذاتيّة عن أعراضه الغريبة، فلا؛ ضرورة أنّه لم يكن- و لا يقول به حكيم- أنّ غير الوجودِ و ماهيّةِ العقل شي‏ء ثالث- و هو عقليّة العقل- يكون علّة لترشّح الوجود على ماهيّة العقل.

و الحق: أنّ مُراد صدر المتألّهين بتلك العبارة هو ما ذكرنا، فلاحظ و تأمّل.

ذكر و إشكال:

قال المحقّق الأصفهاني (قدس سرهما) حاصله: إنّ ما أجاب به صدر المتألّهين (قدس سره) وجيه بالنسبة إلى علم المعقول، و تطبيقه على سائر الموضوعات للعلوم لا يخلو عن تكلّف، فإنّ موضوع علم الفقه- مثلًا- هو فعل المكلف، و موضوعات مسائله الصلاة، و الصوم، و الحج ... إلى غير ذلك، و نسبة هذه العناوين إلى موضوع العلم كنسبة الأنواع إلى الجنس، و هي و إن كانت لواحق ذاتيّة له، إلّا أنّ البحث في الفقه ليس عن ثبوتها له، بل يبحث فيه عن أحكام كلّ واحد من الأنواع، و الحكم المضاف إلى كلٍّ منها غير الحكم المضاف إلى الآخر، فالبحث في الفقه عن أحكام ماهيّات و عناوين‏

____________

(1)- بدائع الأفكار 1: 11- 12.

43

مُتباينة، و هي المتّصفة بالأحكام الخمسة، و كذا الأمر في النحو و الصرف.

و يمكن الجواب عن موضوعات سائر العلوم بما محصّله: أنّ موضوع علم الفقه- مثلًا- ليس فعل المكلّف بما هو هو، بل من حيث الاقتضاء و التخيير، و موضوع علم النحو ليس الكلمة و الكلام بما هما، بل من حيث الإعراب و البناء، و المراد بالحيثيّةِ الحيثيةُ الشأنية و الاستعداديّة، لا الحيثيّة الفعليّة، و إلّا لزم أخذ عقد الحمل في عقد الوضع.

مثلًا: فعل المكلّف- من حيث الصلاتيّة- مستعدّ للحوق التكليف الاقتضائي أو التخييري، و الكلمة من حيث الفاعليّة مستعدّة للحوق المرفوعيّة، و من حيث المفعوليّة مستعدّة للحوق المنصوبيّة ... و هكذا، و معلوم أنّ فعل المكلّف المُتحيّث بالحيثيّات المتقدّمة، عنوان انتزاعيّ من الصلاة و الصوم و الحجّ و غيرها، لا كلي يتخصّص في مراتب تنزّله بخصوصيّات تكون واسطة في عروض لواحقه له، و من الواضح أنّ المحمولات الطلبيّة و الإباحيّة تحمل على معنون هذا العنوان الانتزاعي بلا توسّط شي‏ء في اللّحوق و الصدق، انتهى كلامه ملخّصاً (1)

. أقول: يشكل عليه: بأنّ فعل المكلّف من حيث الصلاتيّة يباين فعل المكلّف من حيث الشتميّة، و استعداد الفعل الأول المتحيّث بالحيث بالوجوب غير استعداد الفعل الثاني المتحيّث بالحرمة، و لا جامع بينهما، فلم يكن لنا موضوع واحد.

و إن قلت: إنّ الجامع هو فعل المكلّف.

فنقول: هذا كرّ على ما فرّ، فيرد الإشكال الأوّل، و هو أنّ البحث في الفقه لم يكن من حيث ثبوت تلك العناوين، بل البحث فيه عن أحكام كلّ واحد منها.

ثمّ إنّه أجاب بعض عن الإشكال: بأنّها إنّما تصير متباينات لو كانت الجهات‏

____________

(1)- نهاية الدراية في شرح الكفاية 1: 21.

44

حيثيّات تقييديّة؛ لأنّها مكثّرة للموضوع، و أمّا لو كانت الجهات حيثيّات تعليليّة، فلا يتكثّر بتكثّرها، فيرجع الأمر إلى أنّ فعل المكلّف واجب بواسطة الصلاة- مثلًا- و حرام بواسطة الشتم ... و هكذا (1)

. و لكن فيه: أنّ هذا لا يطابق الواقع، و لم يلتزم قائله به؛ و ذلك لأنّ لازمه أنّ الواجب و الحرام هو المعنى الجنسي الجامع بين الصلاة و الشتم و غيرهما، لا عنوان الصلاة و عنوان الشتم، و إنّما هما واسطتان لتعلّق الوجوب أو الحرمة بالمعنى الجنسي، مع أنّ ضرورة الفقه قاضية بأنّ الصلاة- مثلًا- بعنوانها واجبة، و الشتم بعنوانه حرام، و أخذ الموضوع لا بدّ و أن يكون بعد ملاحظة كون هذه العناوين بأنفسها متعلَّقات للتكاليف.

و الذي يسهِّل الخطب عدم لزوم الالتزام بهذه الامور، و لم يدلّ دليل على أنّ لكلّ علم موضوعاً واحداً، يبحث في ذلك العلم عن عوارضه الذاتيّة، و تكون نسبته إلى موضوعات مسائله نسبة الكلي إلى مصاديقه.

نعم: قد يكون كذلك كعلم الفلسفة، فإنّ موضوعه الوجود، و نسبته إلى موضوعات مسائله نسبة الكلي إلى مصاديقه، و قد تكون نسبة موضوعه إلى موضوعات مسائله نسبة الكلّ إلى أجزائه كعلم الجغرافيا، فإنّ موضوعه أوضاع الأرض، و البحث عن أوضاع إيران أو العراق- مثلًا- بحث عن قطعة منها و جزء من أجزائها.

و لا يبعد أن يكون من هذا القبيل علم الطب، فإنّ موضوعه بدن الإنسان من حيث الصحّة و الفساد، و موضوعات أكثر مسائله أعضاء بدن الإنسان.

و واضح أنّ البحث عن الجزء غير البحث عن الكلّ، و القول بأنّ البحث عن الجزء في الحقيقة بحث عن الكلّ، فيكون البحث عن الجزء من العوارض الذاتيّة

____________

(1)- مقالات الاصول 1: 7 سطر 20، نهاية الأفكار 1: 17.

45

للكلّ‏ (1)، لا يخلو عن مُسامحة و تأمّل.

و قد يكون موضوعُ علم عينَ موضوعات مسائله كعلم العرفان فإنّ موضوعه هو اللَّه تعالى، و موضوع كلّ مسألة من مسائله أيضاً هو اللَّه تعالى؛ لأنّه يبحث في علم العرفان عن شئونه تعالى، و تجلّياته و جَلَواته.

فتحصّل: أنّ القول بأنّ نسبة موضوع كلّ علم بالنسبة إلى موضوعات مسائله، نسبة الكلي إلى مصاديقه‏ (2)، لا يتمّ في جميع العلوم، و الذي يجب الالتزام به في جميع العلوم هو تسانخ أكثر مسائل كلّ علم و ارتباط بعضها ببعض في ترتّب غرض واحد سنخيّ، و هذا التسانخ و الارتباط يصير منشأ لوحدة العلم وحدة اعتبارية، لا وحدة حقيقيّة- كما ربّما توهّم‏ (3)- لامتناع الوحدة الحقيقيّة من الكثرات بما هي كثرات؛ لأنّ المركّب من أجزاء ليس هو غير أجزائه.

نعم: إذا حصل الكسر و الانكسار في الأجزاء، و انعدمت صورها، يحصل المركّب الحقيقي، و أنّى له بوحدة العلم الذي هو مركّب اعتباري؟!

مثلًا: يشترك علم الفقه في أنّه يبحث فيه عن القوانين الإلهيّة و الأحكام الشرعيّة، و جميع مسائله تشترك في هذا الأمر الانتزاعي، مع اختلاف في موضوعاتها و محمولاتها حسبما أشرنا إليه، فتدبّر و اغتنم.

ذكر و تعقيب‏

قال بعض أعاظم العصر دام ظلّه‏ (4) ما حاصله: أنّ المراد بالعرض الذاتي في‏

____________

(1)- انظر الفصول الغروية: 12 سطر 1، حاشية المشكيني 1: 3.

(2)- كفاية الاصول: 21، فوائد الاصول 1: 22.

(3)- كفاية الاصول: 21- 22، درر الفوائد: 241.

(4)- عنى به استاذنا الأعظم السيد البروجردي (قدس سره).

46

قولهم: «موضوع كلّ علم ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتيّة» (1) هو العرض باصطلاح المنطقي لا الفلسفي، فإنّ العرض باصطلاح الفلسفي: عبارة عن ماهيّة شأن وجودها في الخارج أن يكون في موضوع، و يقابله الجوهر (2)، و العرض باصطلاح المنطقي: هو الخارج من ذات الشي‏ء المتّحد معه في الخارج، و الذاتي عندهم ما ليس كذلك‏ (3)، و بين الاصطلاحين بون بعيد.

و العرض باصطلاح المنطقي: قد يكون جوهراً، كالناطق بالنسبة إلى الحيوان، و بالعكس؛ حيث إنّ كلًا منهما خارج عن ذات الآخر و يحمل عليه، كأنّه قد يكون عرضاً من الأعراض، فالعرض باصطلاح المنطقي أمر نسبي، فإنّ الفصل، كالناطق- مثلًا- بالنسبة إلى الجنس عرض خاصّ، و بالنسبة إلى النوع- المؤلّف منه- ذاتيّ.

و أمّا العرض باصطلاح الفلسفي: فهو أمر ثابت حقيقيّ منحصر في المقولات التسع العرضيّة.

و يشهد على كون المراد بالعرض هنا العرض باصطلاح المنطقي: هو أنّ الفيلسوف الإلهي يرى أنّ موضوع علمه هو الوجود بما هو موجود، و يبحث في فلسفته عن أنّ اللَّه تعالى موجود، و الجوهر موجود، و الجسم موجود ... و هكذا، و يرى أنّ هذه الأبحاث عوارض ذاتيّة للوجود، و من المعلوم أنّه لم تكن محمولات تلك المسائل و لا موضوعاتها أعراضاً باصطلاح الفلسفي، فتكون أعراضاً باصطلاح المنطقي.

فعلى هذا يكون كلّ واحد من الموضوع و المحمول في المسائل الفلسفيّة عرضاً بالنسبة إلى الآخر، مثلًا في مسألة «الجسم موجود» يكون كلّ واحد من الجسميّة و الوجود، خارجاً من ذات الآخر مفهوماً؛ أي لا يكون عينه و لا جزءاً له و متحداً مع‏

____________

(1)- شرح الشمسيّة: 15 سطر 1، شرح المطالع: 18 سطر 8.

(2)- شرح المنظومة (قسم الحكمة): 137.

(3)- شرح المطالع: 61، شرح الشمسيّة: 34 و 43.

47

الآخر وجوداً.

فإذن: موضوعات مسائل كلّ علم أعراض ذاتيّة لما هو الجامع بين محمولات مسائله و بالعكس، لكن شاع في عقد القضيّة جعل الأخصّ موضوعاً، و الأعمّ محمولًا، مع أنّ النظم الطبيعي يقتضي جعل ما هو المعلوم من الأمرين موضوعاً، و المجهول منهما محمولًا، فالموضوع- في الحقيقة- ما هو المعلوم منهما؛ سواء كان مساوياً لما هو المحمول في عقد القضيّة أو أخصّ، و المحمول هو تعيّنه المجهول الذي اريد في القضيّة إثباته.

فعلى هذا يكون موضوع كلّ علم: عبارة عن جامع محمولات المسائل؛ لأنّه الذي ينسبق أوّلًا إلى الذهن، و يكون معلوماً عنده، فيضعه في وعاء الذهن، و يطلب في العلم تعيّناته و تشخّصاته التي تعرض له.

مثلًا: الوجود- الذي هو جامع محمولات مسائل علم الفلسفة- معلوم عند المتدرّب في الفلسفة، فيطلب في الفلسفة عن تعيّناته و انقساماته اللاحقة له من الوجوب و الإمكان و الجوهريّة و العرضيّة و الجسميّة و هكذا.

فمحصّل مسائل ذلك العلم هو أنّ الوجود المعلوم من خصوصيّاته و تعيّناته وصف الوجوب و الإمكان و الجوهر و العرض و هكذا، فالوجود في مسائل ذلك العلم و إن كان محمولًا في صورة القضيّة كقولك: الجسم موجود، و الجوهر موجود، و الكم موجود ... و هكذا، إلّا أنّ الموضوع في الحقيقة هو عنوان الموجوديّة، و لذا تراهم يقولون: إنّ موضوع ذلك العلم هو الوجود (1)

. و كذا ما تكون وجهة نظر الاصولي هي عنوان الحجّة في الفقه، و هو موضوع علم الاصول، و يطلب في ذلك العلم عن تعيّنات الحجة و تشخّصاتها من الخبر الواحد

____________

(1)- الحكمة المتعالية 1: 24.

48

و الشهرة و الإجماع و الظواهر ... إلى غير ذلك، فيقال: الخبر الواحد حجّة، و الشهرة حجّة، و الإجماع حجّة ... و هكذا، و وصف الحجّيّة في تلك المسائل و إن كان محمولًا، لكنّها هي الموضوع حقيقة؛ لأنّها المعلوم، و المجهولُ تعيّناته، فجميع مسائل علم الاصول يرجع البحث فيها إلى تعيين مصداق الحجّة في الفقه.

و ليست الحجّة في اصطلاح الاصولي عبارة عن الحد الوسط- كما توهّم‏ (1)- بل بمعناه اللّغوي‏ (2)؛ أي: ما يحتجّ العبد به على مولاه و بالعكس في مقام إثبات الحكم الشرعي و امتثاله؛ أي الحجّة بالحمل الشائع، فعلى هذا تكون مسألة القطع بقسميه- من التفصيلي و الإجمالي- من مسائل الاصول، و كذلك مبحث الاستصحاب، بل و مبحث البراءة من المسائل الاصوليّة؛ إذ محصَّل البحث فيها: هو أنّ صِرف احتمال التكليف هل يكفي لتنجّز الواقع، و يصلح احتجاج المولى و مؤاخذته أم لا؟ و هكذا غيرها.

و بالجملة: كلّ مسألة تكون حيثيّة البحث فيها حجّية أمر من الامور التي تصلح للحجّيّة، أو يتوهّم حجّيتها، فهي مسألة اصوليّة (3)

. أقول: لا يخفى أنّ الماهيّات على قسمين:

قسم منها: ماهيّة أصليّة تتحقّق بالوجود و تكون مصداقاً لحمل الموجود عليه حقيقة، و يتحد معه خارجيّاً، كماهيّة الإنسان، فيقال: «الإنسان موجود».

و قسم آخر: ماهيّة انتزاعيّة لا وجود لها في الخارج، و إنّما الوجود لمنشئه، كمفهوم العرض، فإنّه لم يكن له واقعيّة متأصّلة في الخارج، بل ينتزع من قيام كلّ واحد من المقولات التسع العرضيّة بموضوعاتها؛ بداهة أنّه لو كان له واقعيّة و حقيقة في الخارج، يلزم أن تنحصر المقولات العشر في مقولتين:

____________

(1)- فرائد الاصول: 2 سطر 13.

(2)- المفردات للراغب: 107.

(3)- نهاية الاصول 1: 11- 16.

49

1- مقولة الجوهر.

2- مقولة العرض.

و الجامع بين محمولات المسائل من قبيل الثاني، فإنّه لم يكن ما وراء محمولات كلّ واحد من المسائل شي‏ء موجود متأصّل في الخارج، بل هو أمر انتزاعيّ ينتزع من حمل محمول كلّ مسألة على موضوعها، و كذا لم يكن بين الأحكام الشرعيّة جامع ذاتيّ؛ ضرورة أنّ البعث و الزجر معنيان حرفيّان، و كلّ منهما يباين الآخر، و الجامع بينهما بالمعنى الاسمي لا يمكن أن يكون ذاتيّاً للمعاني الحرفيّة، و الجامع بالمعنى الحرفي لا تحقّق له في الخارج. فإذن الجامع بين الأحكام الخمسة التكليفيّة، و كذا بينها و بين الأحكام الوضعيّة، جامع انتزاعيّ ينتزع من عدّة امور متباينة، و الأمر الانتزاعي لا يكون له خارجيّة و لا واقعيّة، بل الواقعيّة و التحقّق و الوجود لمنشئه.

و بالجملة: حقيقة الحكم هي الإنشاء المجعول على الشخص، و هذا معنىً جزئيّ، و الجامع بين الإنشاءات بالمعنى الحرفي غير معقول، و بالمعنى الاسمي لا يكون جامعاً ذاتيّاً للمعاني الحرفيّة، فإذن الجامع بين الأحكام التكليفيّة، و بينها و بين الأحكام الوضعيّة، جامع انتزاعيّ لا وجود له في الخارج، و إنّما ينتزعه العقل.

إذا عرفت ما ذكرنا فنقول: الشي‏ء العارض لشي‏ء لا بدّ و أن يتّحد مع ذلك الشي‏ء بنحو من الاتحاد في نشأةٍ من النشآت، و واضح أنّ الأمر الانتزاعي لا وجود له في الخارج حتّى يتّحد مع معروضه، فالجامع بين محمولات المسائل حيث إنّه أمر انتزاعيّ اقتراحيّ، فلا وجود له؛ فلا معنى لجعله معروضاً لشي‏ء أو عارضاً له، و الجامع بين المحمولات لا وجود له، فلا ينطبق ما أفاده دام ظلّه على شي‏ء من الاصطلاحين في باب العرض، فتدبّر جيّداً.

50

الجهة الثالثة في تمايز العلوم‏

إنّ القوم بعد ما تسالموا على لزوم وجود موضوع واحد لكلّ علم‏ (1)، قال أكثرهم: إنّ تمايز العلوم بتمايز الموضوعات، و موضوع كلّ علم يختلف عن موضوع علم آخر (2)، و حين رأوا أنّ موضوعاً واحداً يذكر في علمين- كاللّفظ العربي أو الكلمة و الكلام، حيث يكون موضوع علمي الصرف و النحو- أضافوا قيد الحيثيّة، و قالوا:

إنّ موضوع علم النحو لم يكن اللّفظ العربي من حيث هو هو، بل من حيث الإعراب و البناء، و موضوع علم الصرف اللّفظ العربي من حيث الصحّة و الاعتلال‏ (3)

. و حين التفتوا إلى أنّ لازم أخذ الحيثيّة الفعليّة في اللّفظ العربي أخذ عقد المحمول في عقد الوضع- فيكون المعنى: أنّ اللّفظ العربي المعرب فعلًا يعرب بإعراب كذا، و اللّفظ العربي المعتل فعلًا معتلّ بكذا ... و هكذا- قالوا: إنّ المراد بالحيثيّة الحيثيّةُ الشأنيّة، و هي صلاحيّة اللّفظ العربي و استعداده لأن يكون معرباً موضوع علم النحو، و شأنيّته لأن يصير صحيحاً أو معتلًا موضوع علم الصرف‏ (4)

. و لكن خالفهم في ذلك المحقّق الخراساني (قدس سره)، و قال: إنّ تمايز العلوم بتمايز الأغراض، و إلّا فإن كان بالموضوعات يلزم أن يكون كلّ باب بل كلّ مسألة علماً على حِدة، و حيث إنّ تمايز العلوم بتمايز الأغراض، فقد يتداخل بعض العلوم في بعض المسائل في ترتّب الأثر، و أمّا في جميع المسائل فلا، و لا مانع من تداخل بعض المسائل‏

____________

(1)- شروح الشمسيّة 1: 49 و 2: 252، شرح المقاصد 1: 168.

(2)- شوارق الإلهام: 6 سطر 18، شروح الشمسيّة 1: 48، شرح المطالع 18 سطر 5.

(3)- شرح الشمسيّة: 15 سطر 2، الفصول الغروية: 11 سطر 19، فوائد الاصول 1: 24- 26.

(4)- فوائد الاصول: 23- 24، نهاية الدراية 1: 25.