جواهر الأصول / تقريرات - ج3

- محمد حسن المرتضوي اللنگرودي المزيد...
482 /
1

[هوية الكتاب‏]

[بقية المقصد الاول‏]

جواهر الاصول‏

الجزء الثالث‏

تقرير ابحاث الاستاذ الاعظم و العلامة الافخم‏

آية اللَّه العظمى السيد روح اللَّه موسوى‏

الامام الخمينى (قدس سره)

تأليف‏

آية اللَّه السيد محمد حسن المرتضوى اللنگرودى‏

مؤسسة تنظيم و نشر آثار الامام الخمينى (قدس سره)

2

هوية الكتاب‏

* اسم الكتاب: ... جواهر الاصول/ ج 3*

* المؤلف: .... السيّد محمّد حسن المرتضوي اللنگرودي*

* تحقيق و نشر: .... مؤسسة تنظيم و نشر آثار الإمام الخميني (قدس سره)*

* سنة الطبع: .... شهريور 1379- جمادى الثانية 1421*

* الطبعة: .... الاولى*

* المطبعة: .... مطبعة مؤسسة العروج*

* الكمية: .... 3000 نسخة*

* السعر: ... ريال*

جميع الحقوق محفوظة و مسجّلة

لمؤسسة تنظيم و نشر آثار الإمام الخميني (قدس سره)

3

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

4

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

5

[خطبة الكتاب‏]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

الحمد للَّه ربّ العالمين، و الصلاة و السلام على أشرف الأنبياء و المرسلين، و على الأصفياء من عترته المعصومين؛ سيّما المدّخر لتجديد الفرائض و السنن، و المُحيي معالم الدين و أهله، و القاصم شوكة المعتدين، و السبب المتّصل بين الأرض و السماء.

اللهمّ عجّل فرجَه، و سهّل مَخرجه، و اجعلنا من أنصاره و أعوانه، وهب لنا رأفته و رحمته و دعاءه و خيره ما ننال به سعة من رحمتك و فوزاً عندك، و اجعل صلاتنا به مقبولة، و ذنوبنا به مغفورة، و دعاءنا به مستجاباً، و أرزاقنا به مبسوطة، و همومنا به مكفية و حوائجنا به مقضية، آمين ربّ العالمين.

و بعد: ما بين يديك هو الجزء الثالث من كتاب «جواهر الاصول»، تقرير ما ألقاه سماحة الاستاذ الأكبر آية اللَّه العظمى نائب الإمام (عليه السلام) الإمام الخميني (قدس سره) في الدورة الأخيرة في مباحث الألفاظ.

نسأل اللَّه التوفيق و التسديد، و الحمد للَّه ربّ العالمين.

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

الفصل الرابع في مقدّمة الواجب‏ (1)

قبل الورود فيما هو المهمّ في المسألة- من ذكر أدلّة القائلين بوجوب المقدّمة و عدمه- ينبغي ذكر امور:

الأمر الأوّل فيما يمكن أن يقع محطّ النزاع في وجوب المقدّمة

لا إشكال في أنّ الفاعل منّا لا تتعلّق إرادته بشي‏ء- كلقاء الصديق مثلًا إلّا بعد تصوّر ذلك الشي‏ء، ثمّ التصديق بفائدته، ثمّ يحصل له- نوعاً- الاشتياق إليه، ثمّ تصميم العزم- و يعبّر عنه بالإرادة- و لا تتعلّق الإرادة بنفس العمل الخارجي بلا واسطة، بل بوسائط، كبسط القوى و قبضها، و مدّ اليد إليه و نحوها.

و حيث إنّ الإرادة من أفعال النفس تكون تابعة لتشخيص الفاعل المصلحة في المراد؛ فلا يلزم أن يكون الشي‏ء المراد موافقاً لغرضه بحسب الواقع و نفس الأمر؛

____________

(1)- تاريخ شروع البحث يوم الأحد 28/ 2/ 1379/ ه. ق.

8

فربّما تتعلّق إرادة الفاعل بشرب مائع يرى أنّه ماء عذب صالح- مثلًا مع أنّه في الواقع سمّاً مهلكاً. و بالجملة: أنّ الإرادة مرهونة بتشخيص الفاعل كون الشي‏ء ذا مصلحة، و هو قد يطابق الواقع و نفس الأمر، و قد يكون جهلًا مركّباً مخالفاً للواقع.

فلا تكاد تتعلّق الإرادة بما هو الصلاح واقعاً؛ ضرورة امتناع تعلّقها بالمجهول المطلق و ما يكون مجهولًا عنده.

ثمّ إنّ المطلوب و المراد قد يكون له مبادئ و مقدّمات، و واضح: أنّه لا تتعلّق الإرادة بها كيف اتّفق بحيث لم تكن محتاجة إلى التصوّر و التصديق بالفائدة و غيرها من مبادئ الفعل الاختياري، بل كلّ من المقدّمة و ذيها مرهونان بالتصوّر و التصديق بالفائدة و غيرهما من المبادئ.

أ لا ترى أنّ الصلاة- مثلًا- مشروطة بالطهارة، و هي مقدّمة لها، و مع ذلك تحتاج الطهارة إلى التصوّر و التصديق و غير ذلك، كما تحتاج إليها نفس الصلاة؟!

نعم، حيث إنّ الصلاة لا تتحقّق بدون الطهارة شرعاً فتوجد الإرادة المتعلّقة بالصلاة مبادئ الإرادة في الطهارة.

و بالجملة: لا بدّ في تحقّق كلّ من المقدّمة و ذيها من مبادئ، و لا فرق فيهما من هذه الجهة، و إن كان بينهما فرق من جهة اخرى، كما سنشير إليها؛ لأنّ الوجدان أصدق شاهدٍ على أنّ النفس لا تشتاق و لا تتعلّق إرادتها بالمجهول المطلق و ما يكون مجهولًا عنده.

فتوهّم الفرق بينهما: بأنّ المطلوب النفسي هو الذي تتعلّق به الإرادة و يحتاج وجوده إلى مبادئ و مقدّمات، و أمّا المقدّمة فتوجد بإرادة ذي المقدّمة، من دون أن يكون لها مبادئ.

مدفوع؛ لما أشرنا أنّه محال أن تتعلّق إرادة الفاعل بما يكون مجهولًا عنده.

9

نعم، التصديق بفائدة المطلوب النفسي في الواجب النفسي لنفسه. و أمّا في الواجب المقدّمي فلا تكون لنفسها، بل للغير.

و معنى تبعية إرادة المقدّمة من إرادة ذيها ليس معلولية إرادتها من إرادة ذيها، بل معناها: أنّ الفائدة المترتّبة على إرادة المقدّمة بحسب تشخيص الفاعل ليس لها لنفسها، بل لأجل توقّف الغير عليها.

فظهر ممّا ذكرنا: أنّ كلًاّ من المقدّمة و ذيها يتعلّق به الإرادة المنبعثة عن مبادئهما، من دون فرق بينهما في ذلك. و الفرق إنّما هو في أنّ الغاية المقصودة في أحدهما نفسي، و في الآخر مقدّمي غيري.

و لا يخفى: أنّ ما ذكرنا- من أنّ تعلّق الإرادة بشي‏ء و بذي المقدّمة تابع لتشخيص الفاعل المصلحة فيه، لا ما يكون صلاحاً في الواقع- جارٍ بعينه في المقدّمة و ما يكون مطلوباً للغير أيضاً؛ فإنّ إرادته إنّما تتعلّق بما يراه مقدّمة بعد تصوّرها و التصديق بفائدتها إلى غير ذلك، لا ما هي مقدّمة واقعاً؛ لما أشرنا أنّ الإرادة لا تكاد تتعلّق بما يكون مجهولًا عند الفاعل؛ فقد لا يكون ما يراه مقدّمة لشي‏ء مقدّمة له في الواقع.

فالتلازم بين إرادة المقدّمة و ذيها دائماً إنّما هو بين إرادة ذي المقدّمة و ما يراه مقدّمة، لا ما تكون مقدّمة في الواقع، فتدبّر.

وزان الإرادة التشريعية وزان الإرادة التكوينية

إذا أحطت خبراً بما ذكرناه في الإرادات التكوينية الصادرة من الفاعل، يظهر لك حال الإرادة الآمرية و التشريعية؛ لأنّ وزانهما وزان واحد و ترتضعان من ثدي واحد، بل الإرادة المعبّر عنها بالإرادة التشريعية هي في الحقيقة الإرادة التكوينية.

10

و تقسيم الإرادة إلى التكوينية و التشريعية غير صحيح؛ لأنّ التقسيم لا بدّ و أن يكون لاختلاف في ذاتي الإرادتين لا في متعلّقهما، و إلّا يلزم تقسيم الشي‏ء إلى غير النهاية.

و التقسيم في المقام ليس لاختلاف في ذاتيهما، بل بلحاظ المتعلّق؛ لأنّ الإرادة المتعلّقة بالتكوين يعبّر عنها بالإرادة التكوينية، كما أنّه يعبّر عن الإرادة المتعلّقة بالتشريع بالإرادة التشريعية. و ذلك لأنّ أمر الغير بإتيان شي‏ء و بعثه نحوه فعل من أفعال الآمر؛ فلا بدّ من تصوّره و التصديق بفائدته، إلى غير ذلك من مبادئ الاختيار.

نعم، الفرق بين الإرادتين في أنّ الإرادة التشريعية تصدر من لسان الآمر أو إشارته إذا كان أخرساً، و أمّا الإرادة التكوينية فلا تختصّ بهما، و هو غير فارق.

فإذن؛ لو تعلّقت إرادة المولى بإتيان شي‏ء من عبده، فيلزم أن تكون إرادته منبعثة من مبادئها بما يراه مقدّمة، لا ما يكون مقدّمة له واقعاً. فالملازمة- كما ذكرنا- في إرادة الفاعلي إنّما هي بين إرادة ذي المقدّمة، و بين إرادة ما يراه مقدّمة، و إلّا يلزم تعلّق الإرادة بواقع المقدّمة، من دون أن يكون مقصودة و ملتفتة إليها.

و سيظهر لك جلياً- مع فساده في نفسه- امتناع تعلّق الإرادة التي من صفات النفس بمجهول مطلق و ما يكون مجهولًا لديه.

فظهر بما ذكرنا ضعف ما عن العلمين النائيني و العراقي 0.

و ذلك لأنّ المحقّق النائيني (قدس سره) قال: إنّ المراد من الوجوب في المقام هو الوجوب القهري المتولّد من إيجاب ذي المقدّمة، بحيث يريد المقدّمة عند الالتفات إليها، و لا يمكن أن لا يريدها (1).

____________

(1)- فوائد الاصول 1: 262.

11

و قال المحقّق العراقي (قدس سره): إنّ الإرادة المتعلّقة بالمقدّمة متولّدة من الإرادة النفسية المتعلّقة بذيها، و إن كان الآمر غافلًا، بحيث لو التفت إلى المقدّمة لأرادها (1)

. توضيح الضعف هو: أنّه كيف تحصل إرادة المقدّمة مع عدم تصوّرها و التصديق بفائدتها؟ و أ ليس تعلّق الإرادة بواقع المقدّمة دون ما يراه مقدّمة، إلّا تعلّق الإرادة بأمر مجهول؟ و مجرّد الالتفات إلى المقدّمة بدون التصديق بمقدّميتها لا يستلزم إتيانه مقدّمة.

و لا يخفى: أنّ مقال المحقّق العراقي (قدس سره) لا يخلو عن تناقض؛ لأنّه إذا كانت إرادة المقدّمة متولّدة من إرادة ذيها، فكيف يقال: لو التفت إليها لأرادها؟! فتدبّر.

و بما ذكرنا يظهر: أنّ الملازمة المدّعاة بين إرادة ذي المقدّمة و إرادة المقدّمة، و بين إيجاب ذي المقدّمة و إيجاب المقدّمة، ليست كالملازمة في الملازمات و اللوازم و الملزومات العقلية ممّا يكون الملزوم علّة للازمه، أو تكون المتلازمان معلولي علّة واحدة؛ بداهة أنّ إرادة ذي المقدّمة- سواء كانت في الإرادة الفاعلي، أو في الإرادة الآمري، التي في الحقيقة هي الإرادة الفاعلي- لا تستلزم إرادة المقدّمة قهراً، من دون توسّط إرادة مبادئ الاختيار في البين، بل لا بدّ من تخلّل مبادئ في البين.

و بالجملة: إرادة كلّ منهما تحتاج إلى مبادئ؛ من التصوّر و التصديق و غيرهما من مبادئ الاختيار، و كذلك الوجوب و الإيجاب فيهما.

و لا فرق في لزوم تخلّل مبادئ الإرادة في الإتيان بالمقدّمة بين كون الملازمة بين ذاتي المقدّمة و ذيها- كما يراه المحقّق الخراساني (قدس سره)(2)- أو بين عنواني المقدّمة و ذيها

____________

(1)- بدائع الأفكار 1: 311.

(2)- كفاية الاصول: 115- 116.

12

- كما اخترناه، وفاقاً لصاحب «الفصول» (قدس سره)(1)- أو بين عنوان ما يتوقّف عليه أو يتوسّل به إلى ذي المقدّمة، كما يراه آخرين.

و ذلك: أمّا حال الملازمة بين ذات المقدّمة و ذيها فقد عرفته. و أمّا لو كانت الملازمة بين عنوان المقدّمة و ذيها، أو كانت الملازمة بين عنوان ما يتوقّف عليه أو يتوسّل به، فلأنّه لا بدّ من تصوّر تلك العناوين و التصديق بفائدتها، إلى غير ذلك من مبادئ الاختيار.

و الذي يمكن أن يقال هنا: إنّه ينتقل الذهن من الإرادة المتعلّقة بذي المقدّمة إلى مبادئ المقدّمة؛ إمّا إلى ذاتها أو إلى عنوانها، أو عنوان ما يتوقّف عليه أو ما يتوسّل به إلى ذي المقدّمة حسب اختلاف الآراء في وجوب الملازمة.

فظهر ممّا ذكرنا: أنّ ما يمكن أن يقع محطّ البحث في مقدّمة الواجب هو ادّعاء الملازمة الكذائية بين إرادة ذي المقدّمة أو وجوبه، و بين إرادة وجوب ما يراه المولى مقدّمة، أو عنوان ما يتوسّل به أو يتوقّف عليه ذي المقدّمة. و أمّا الملازمة بين إرادة ذي المقدّمة و إرادة ما هي مقدّمة واقعاً فلا، فتدبّر.

____________

(1)- الفصول الغروية: 86.

13

الأمر الثاني في كون البحث عقلياً محضاً، لا لفظياً و لا عقلياً مشوباً

قد عرفت: أنّ الذي يمكن أن يقع محطّ البحث في مسألة مقدّمة الواجب هو البحث عن الملازمة بين إرادة ذي المقدّمة و إرادة مقدّمته، أو الملازمة بين وجوب ذي المقدّمة و وجوب مقدّمته، و من الواضح: أنّ البحث على هذا يكون عقلياً محضاً.

و توهّم لفظية البحث بلحاظ أنّه في الحقيقة في الدلالة الالتزامية، و هي مع كونها عقلية تعدّ من الدلالات اللفظية.

مدفوع بأنّ غاية ما يُوجّه للفظية البحث هي أنّه إذا تعلّق أمر بشي‏ء فيدلّ الأمر على أنّ ذلك الشي‏ء مراد للمولى. و لازم ذلك المعنى هو كون مقدّمته مراداً له.

و استفادة هذا المعنى و إن لم تكن باللفظ- بل بالعقل- لكنّه نظير الملازمة المدّعاة بين المعنى المطابقي و المعنى الالتزامي؛ فكما أنّ دلالة لفظة الأربعة- مثلًا على الزوجية لم تكن لفظية؛ لعدم كون الزوجية تمام معناها، و لا جزءها- و إنّما تدلّ عليها بالملازمة- و مع ذلك يعدّ ذلك من الدلالات اللفظية، حيث قسّموا الدلالة اللفظية إلى المطابقية و التضمّنية و الالتزامية، فكذلك في المقام حيث إنّ لفظ الأمر بشي‏ء يدلّ على أنّ مقدّمته مرادة له.

و أنت خبير بما فيه أوّلًا: أنّ عدّ الدلالة الالتزامية من دلالة الألفاظ خلاف التحقيق؛ لأنّ الدلالة اللفظية بعد ما لم تكن ذاتية، تكون مرهونة بالوضع، بحيث لو لم تكن هناك وضع لا تكون دلالة، كلفظة «الشمس»؛ فإنّها لو لم تكن موضوعة لتلك‏

14

الجرم النيّر لم ينتقل الذهن من سماع لفظة «الشمس» إلى الجرم النيّر.

و ظاهر: أنّ اللازم لا يكون لازماً للفظ الموضوع، بل لازم المعنى الموضوع له؛ و لذا ينتقل الذهن إلى اللازم إذا وجد المعنى الموضوع له في الذهن؛ بأيّ دالٍّ كان، و لو بالإشارة. فاللازم لازم المعنى و من قبيل دلالة المعنى على المعنى، لا دلالة اللفظ على المعنى. و التعبير عنه بالدلالة اللفظية مسامحي، لأجل أنّه يفهم من اللفظ غالباً.

و ثانياً: لو سلّم كون دلالة الالتزامية من دلالة الألفاظ، لكن لا يصحّ أن يقال ذلك في محطّ البحث؛ لأنّ البحث هنا في تلازم إرادة المقدّمة مع إرادة ذيها، و لو لم تكن مرادة من ناحية اللفظ.

و بالجملة: البحث في مقدّمة الواجب لا يختصّ بما إذا كان الشي‏ء واجباً باللفظ، بل بالأعمّ منه و ممّا وجب بغيره؛ فلو احرز إرادة المولى بإتيان أمر بأيّ نحو كان، يلزم من ذلك إرادة مقدّمته، فتدبّر.

و ثالثاً: لو عُدّ محطّ البحث من دلالة الألفاظ، فنقول بأنّ شرط الدلالة الالتزامية هو كون اللازم لازماً بيّناً. و معنى اللزوم البيّن هو أنّ مجرّد تصوّر الطرفين يكفي في الجزم باللزوم.

و أنت خبير بأنّ محطّ البحث لم يكن كذلك؛ لتوقّف إثبات اللزوم بين إرادة المقدّمة و إرادة ذيها إلى البرهان؛ و لذا وقع الخلاف في ذلك؛ فذهب بعض إلى وجوب المقدّمة مطلقاً أو في الجملة، و بعضهم إلى إنكار الوجوب مطلقاً.

و رابعاً: أنّ البحث في مقدّمة الواجب في الملازمة بين إرادة ذي المقدّمة و إرادة مقدّمته، و واضح: أنّ لفظ الأمر لم يوضع للإرادة قطعاً، بل وضع إمّا للإيجاب أو يكون آلة للبعث، كما هو المختار. نعم، يستكشف من بعث المولى و إيجابه أنّ المولى أراده.

15

و بعبارة اخرى: يستكشف من بعث المولى بشي‏ء: أنّ المتعلّق مراد، و أنّى له و أن يكون مدلولًا للفظٍ؟! فتدبّر. هذا كلّه فيما يتعلّق بتوهّم كون البحث لفظياً.

ذكر و تعقيب‏

و ربّما يظهر من بعضهم: أنّ البحث في مقدّمة الواجب و إن لم يكن لفظياً، إلّا أنّه ليس بعقلي محض:

قال المحقّق النائيني (قدس سره): إنّ هذه المسألة ليست من المسائل اللفظية، كما يظهر من «المعالم»، بل هي من المسائل العقلية، و لكن ليست من المستقلّات العقلية الراجعة إلى باب التحسين و التقبيح و مناطات الأحكام، بل هي من الملازمات العقلية، حيث إنّ حكم العقل في المقام يتوقّف على ثبوت وجوب ذي المقدّمة؛ فيحكم العقل بالملازمة بينه و بين وجوب مقدّماته. و ليس من قبيل حكم العقل بقبح العقاب من غير بيان، الذي لا يحتاج إلى توسيط حكم شرعي، بل البحث في المقام نظير البحث عن مسألة الضدّ، و مسألة اجتماع الأمر و النهي يتوقّف على ثبوت أمر أو نهي شرعي حتّى تصل النوبة إلى حكم العقل بالملازمة كما في مسألتنا، أو اقتضاء النهي عن الضدّ كما في مسألة الضدّ، أو جواز الاجتماع و عدمه كما في مسألة جواز اجتماع الأمر و النهي ... إلى آخره‏ (1)

. و فيه: أنّه لا ينقضي تعجّبي كيف قال بأنّ مسألتنا هذه كمسألة اجتماع الأمر و النهي و مسألة الضدّ لم تكن من المستقلّات العقلية المحضة، بل تحتاج إلى توسيط

____________

(1)- فوائد الاصول 1: 261- 262.

16

حكم شرعي، مع أنّ البحث فيها عن الأحكام العقلية المحضة؟!

و ذلك لأنّ البحث في مقدّمة الواجب في ثبوت الملازمة بين المقدّمة و ذيها، و اللاثبوت، و هو لا يقتضي وجود الطرفين، و هذا كما يقال: إنّ قضية الشرطية لا تستلزم صدق الطرفين، و لا كذبهما. و بالجملة: البحث في مقدّمة الواجب عن ثبوت الملازمة بين المقدّمة و ذيها و عدمه؛ كان في العالم أمر أم لا (1)

. نعم، النتيجة لا تحصل إلّا باستثناء التالي أو إثباته، مثلًا في قولك: «إن كانت الشمس طالعة، كان النهار موجوداً» حكمت بالملازمة بين طلوع الشمس و طلوع النهار؛ وجدت الشمس في الخارج أم لا.

نعم النتيجة تتوقّف على استثناء التالي أو إثباته، فنقول: «لكن النهار غير موجود»؛ فينتج: «أنّ الشمس غير طالعة»، أو «أنّ النهار موجود»؛ فينتج: «أنّ الشمس طالعة».

و كذا البحث في مسألة الضدّ؛ فإنّه يبحث فيها عن أنّه لو كان هنا أمر هل يقتضي النهي عن ضدّه أم لا؟ كان في العالم أمر أم لا.

و هكذا البحث في مسألة اجتماع الأمر و النهي؛ فإنّه يبحث فيها في أنّه هل يمكن اجتماع أمر و نهي على موضوع واحد بجهتين مختلفتين أم لا؟ كان في العالم أمر أو نهي أم لا.

نعم- كما أشرنا- إنّ البحث في تلك المسائل إنّما هو لأجل ورود أوامر و نواهي‏

____________

(1)- قلت: و إن كان في خواطرك ريب فيما ذكرنا فلاحظ قوله تعالى: «لَوْ كَانَ فِيهمَا آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا»، فإنّه قضية شرطية تفيد الملازمة بين تعدّد الآلهة و فساد العالم، مع أنّه لم يتعدّد و لن يتعدّد آلهة في العالم، فتدبّر، [المقرّر حفظه اللَّه‏]

17

في الشريعة المقدّسة، و إلّا يكون البحث فيها لغواً، و لكن مع ذلك لا يوجب ذلك إخراج تلك المسائل عن كونها عقلية محضة.

وليت شعري أيّ فرق بين تلك المسائل و مسألة قبح العقاب بلا بيان؟! و هل لا تحتاج تلك المسألة إلى بيان من الشرع و عدمه، و إلّا فلا يصحّ الحكم بالقبح؟

و لو عُدّ مسألة قبح العقاب بلا بيان من العقليات غير المحضة لكان أولى، و إن كان غير وجيه؛ لأنّ جريانها منوطة بعدم تكليف و أمر من الشارع، بخلاف الحكم بالملازمة في مقدّمة الواجب، و اقتضاء الأمر بالشي‏ء النهي عن ضدّه في مسألة الضدّ. و اجتماع الأمر و النهي في موضوع واحد إنّما هو في الموضوع ذي جهتين، و إن كان مجرّد ذلك لا يوجب أن لا تكون مسألة قبح العقاب بلا بيان مسألة عقلية محضة.

فتحصّل: أنّ جميع المسائل المعنونة في كلامه (قدس سرهم)ن المستقلّات العقلية، من غير فرق بينها، فتدبّر.

18

الأمر الثالث في كون هذه المسألة من المسائل الاصولية

قد سقط منّا ضبط هذا الأمر، و حيث إنّ معرفة موقف المسألة- من حيث كونها مسألة اصولية، أو من المبادئ الفقهية، أو غيرهما- لا تخلو عن فائدة، أحببنا عدم خلوّ كتابنا هذا منه، فنشير إشارة إجمالية إلى بيان موقفها مقتبساً ممّا أفاده سماحة الاستاد في «مناهج الوصول»، و ما ذكره بعض مقرّري بحثه، و ما ذكرناه في مقدّمة كتابنا هذا.

فنقول: قد عرفت منّا مفصّلًا الميزان في تشخيص المسائل الاصولية حسب مختار سماحة الاستاد، و إجماله: أنّ المسائل الاصولية عبارة عن القواعد الآلية التي يمكن أن تقع كبرى لاستنتاج الأحكام الكلّية الفرعية الإلهية، أو الوظيفة العملية.

و من الواضح: أنّه لو ثبت وجود الملازمة بين وجوب المقدّمة و ذيها يستكشف منه وجوب مقدّمة الواجب شرعاً، كالصلاة- مثلًا- فتجب مقدّماتها، بل لو لم تثبت الملازمة فمع ذلك يكون البحث في المسألة من المسائل الاصولية؛ لإمكان وقوع نتيجتها في مقام استنباط الأحكام الشرعية، و إن لم تكن واقعة بالفعل، نظير البحث في حجّية القياس و الشهرة و الإجماع المنقول؛ فإنّ البحث عنها بحث في المسألة الاصولية مع عدم حجّيتها.

و بالجملة: البحث في وجود الملازمة بين وجوب المقدّمة و ذيها و عدمه ليس لأجل الاطّلاع على حقيقة من الحقائق حتّى يكون البحث نفسياً، بل لأجل أنّه ينظر بها إلى مسائل و فروع تكون هي المنظور فيها. فمسألة الملازمة من القواعد الآلية التي‏

19

يمكن أن تقع كبرى استنتاج الأحكام الكلّية الفرعية.

و أمّا على مختار استادنا الأعظم البروجردي (قدس سره)- من أنّ موضوع علم الاصول هو الحجّة في الفقه‏ (1)- فيكون البحث عن ثبوت الملازمة بحثاً عن المبادئ الأحكامية؛ لأنّ البحث عن المسألة الاصولية- على زعمه (قدس سره)- لا بدّ و أن يكون بحثاً عن عوارض الحجّة في الفقه، كالبحث عن حجّية خبر الثقة و نحوها؛ فإنّها بحث عن عوارض الحجّة.

و أمّا البحث عن ثبوت الملازمة فخارجة عن البحث عن المسألة الاصولية، و داخلة في المبادئ الأحكامية.

و قد عرفت- لعلّه بما لا مزيد عليه في مقدّمة الكتاب- عدم استقامة ما أفاده (قدس سره)؛ إمّا لعدم لزوم أن يكون لكلّ علم موضوع معيّن- حتّى يبحث فيه عن عوارضه الذاتية- بل كلّ علم عبارة عن عدّة مسائل مرتبطة بعضها ببعض في ترتّب غرض واحد سنخي.

أو لعدم لزوم أن يكون البحث في العلم عن العوارض الذاتية، أ لا ترى أنّهم جعلوا موضوع علم الفقه أفعال المكلّفين، مع أنّ كثيراً من مسائل الفقه ليست كذلك؟! حتّى الأحكام التكليفية- كالوجوب و الحرمة و نحوهما- فإنّها- كما أشرنا في مقدّمة الكتاب- ليست من العوارض حتّى يقال: إنّها أعراض ذاتية أو أعراض غريبة.

مضافاً إلى أنّ كثيراً من المسائل الفقهية ليست كذلك، مثل مسألة «الماء الكرّ لا ينجسه شي‏ء» و مسألة «أنّ الماء القليل ينجس بملاقات النجس» و مسألة «الكلب نجس» و مسألة «الميتة نجسة» إلى غير ذلك من المسائل. هذا إجمال المقال في المسألة، و من أراد تفصيله فليراجع ما أوردناه في مقدّمة كتابنا هذا «جواهر الاصول».

____________

(1)- نهاية الاصول: 154.

20

الأمر الرابع في بعض تقسيمات المقدّمة

منها: تقسيمها إلى الداخلية و الخارجية

تنقسم المقدّمة إلى المقدّمة الداخلية و الخارجية، و المراد بالمقدّمات الداخلية هي الامور التي يتركّب منها المأمور به، و لها دخل في ماهيته و حقيقته، و هي ليست إلّا الأجزاء. كما أنّ المراد بالمقدّمات الخارجية هي الامور الخارجة عن حقيقة المأمور به. و لكن لا يكاد يتحقّق المأمور به بدون واحد منها.

اختلفوا في وقوع المقدّمات الداخلية في محطّ البحث، بعد اتّفاقهم على كون المقدّمات الخارجية داخلة فيه.

و الحقّ: أنّ كلًاّ من المقدّمات الخارجية و الداخلية داخلة في محطّ البحث، و يكون فيهما ملاك البحث.

و لكن ربّما قيل باختصاص البحث بالمقدّمات الخارجية و خروج المقدّمات الداخلية عن محطّ البحث؛ لأنّ المقدّمة عبارة عمّا يتوقّف عليه ذو المقدّمة؛ فلا بدّ و أن تكون متقدّمة عليه. و المقدّمات الداخلية التي هي أجزاء المركّب ليست كذلك؛ لأنّ المركّب ليس إلّا نفس الأجزاء بالأسر، فيلزم تقدّم الشي‏ء على نفسه، مع أنّه يستلزم اجتماع المثلين، و هو محال.

تصدّى المحقّق الخراساني (قدس سره) في «الكفاية» لدفع الإشكال بأنّ المقدّمة هي نفس الأجزاء بالأسر و ذا المقدّمة هي الأجزاء بشرط الانضمام. و بالجملة: المقدّمة هي‏

21

الأجزاء لا بشرط و ذو المقدّمة هي الأجزاء بشرط الاجتماع؛ فتحصل المغايرة الاعتبارية بين المقدّمة و ذيها، و هذا المقدار من المغايرة يكفي في ذلك، نظير المغايرة الاعتبارية بين المادّة و الصورة، و بين الجنس و الفصل‏ (1)

. و لكن ربّما نوقش فيما أفاده (قدس سره): بأنّ مقتضى ذلك كون مقدّمية المقدّمة اعتبارية لا حقيقية، مع أنّه لا ينبغي الإشكال في أنّ مقدّمية المقدّمة و تقدّمها على ذي المقدّمة حقيقي لا اعتباري.

مع أنّه لم يندفع بما أفاده مشكلة اجتماع المثلين؛ لتعلّق إرادتين على شي‏ء واحد حقيقي، و هو إمّا مستحيل أو يكون إحدى الإرادتين لغواً، و هي من المولى الحكيم مستحيل.

و ليعلم: أنّ منشأ هذه المطالب و التكلّفات هو تخيّل كون المقدّمة نفس الأجزاء. و لكن الذي يقتضيه الذوق السليم و يحكم به الوجدان و يعاضده البرهان هو عدم كون الأجزاء بالأسر مقدّمة حتّى يشكل في عينيتها لذي المقدّمة؛ فيتكلّف في دفعه بالمغايرة الاعتبارية، بل كلّ جزءٍ جزءٍ من أجزاء المركّب مستقلًاّ مقدّمة، بحيث إذا كان للواجب عشرة أجزاء- مثلًا- يكون له عشر مقدّمات.

و بعبارة أوضح: ليس للواجب المركّب من أجزاء مقدّمة واحدة- و هي الأجزاء بالأسر- بل هناك مقدّمات بعدد الأجزاء، بحيث يكون كلّ جزء منه مقدّمة برأسه، و في كلّ واحد منها ملاك الغيرية. و واضح: أنّ الجزء يغاير الكلّ الاعتباري و المركّب في وعاء الاعتبار.

و لتوضيح هذا الأمر لا بدّ من ملاحظة الإرادة الفاعلي و التكويني في المركّبات‏

____________

(1)- كفاية الاصول: 115.

22

الاعتبارية و الصناعية ليتّضح حال الإرادة الآمري و التشريعي.

و لا يخفى: أنّ المركّبات و إن كانت على أقسام، إلّا أنّ محطّ البحث منها في مقدّمة الواجب إنّما هو المركّب الاعتباري- الذي يعبّر عنه بأنّه شي‏ء مع شي‏ء و يمكن جريان البحث في المركّب الصناعي أيضاً- الذي يعبّر عنه بأنّه شي‏ء لشي‏ء مع شي‏ء- و أمّا المركّب الحقيقي فخارج عن محطّ البحث.

فينبغي أوّلًا الإشارة الإجمالية إلى المراد من أقسام المركّب، ثمّ الورود فيما هو محطّ البحث:

فنقول: المركّب على قسمين: حقيقي أو غير حقيقي.

و المراد بالمركّب الحقيقي هو المركّب من الجنس و الفصل، و المادّة و الصورة. و المركّب الحقيقي بأقسامه خارج عن محطّ البحث بالاتّفاق؛ لأنّ الجنس و الفصل من الأجزاء التحليلية العقلية، و لا وجود لها في الخارج. و المادّة و الصورة فإن كانتا موجودتين في الخارج، إلّا أنّه لا امتياز بينهما و بين المركّب منهما ليتوقّف عليهما، و هو واضح.

و المراد بالمركّب غير الحقيقي هو الملتئم من أشياء متخالفة و امور متباينة، و هو على قسمين:

الأوّل: المركّب الصناعي؛ و هو المؤلّف من امور متعدّدة ملتئمة و مجتمعة على نحو مخصوص، بحيث يكون للمركّب نحو وحدة و عنوان واحد و اسم مخصوص مع قطع النظر عن اعتبار المعتبر، كالمسجد و البيت، و منه المعاجين و الأدوية المركّبة بالصناعة.

الثاني: المركّب الاعتباري؛ و هو المؤلَّف من امور متعدّدة ملحوظة بنظر الوحدة بلحاظ مدخليتها بتمامها في حصول غرض واحد و مصلحة واحدة.

23

و بعبارة اخرى: المركّب الاعتباري هو ما يكون تركّبه و وحدته بحسب الاعتبار، كالفوج من العَسكر و العشرة، و منه الماهيات الاختراعية، كالصلاة و الصوم و الحجّ و نحوها؛ فإنّها مركّبات اعتبارية جعلية.

و ذلك لأنّ الفوج من العسكر ألفاً أو عشرة آلاف- مثلًا- إنّما هو بحسب الجعل و الاعتبار. و العشرة مع قطع النظر عن اعتبار الوحدة ليست إلّا الوحدات المستقلّات. و هكذا الأمر في الصلاة و الصوم و الحجّ و غيرها من الماهيات المخترعة؛ فإنّ الوحدة فيها ليست إلّا بحسب الجعل و الاعتبار، و مع قطع النظر عن الاعتبار فهي وحدات عديدة مستقلّة.

ثمّ إنّ الغرض قد يكون قائماً بوجود كلّ واحد من أشخاص أو أشياء مستقلّة، من غير ارتباط بين الوحدات، كمن كان له عدّة أصدقاء يشتاق لقاء كلّ واحد منهم مستقلًاّ، من غير ارتباط بعضهم ببعضٍ، فعند تصوّر كلّ واحد يريد لقاءه بإرادة مستقلّة. فقد لا يكون اجتماعهم مورداً لعلاقته و إرادته، بل ربّما يكون اجتماعهم مبغوضاً عنده.

و قد يكون قائماً بالمجموع لا بالأفراد، كمن يريد فتح بلد لا يمكن فتحه إلّا بفوج من العسكر، فعند ذلك لا يكون كلّ واحد منه مراداً له و لا متعلّقاً لغرضه، بل الغرض إنّما يكون قائماً بالفوج، فيتصوّره و يشتاقه و يريد إحضاره. ففي هذا اللحاظ تكون الآحاد مندكّة فانية في الفوج، و لا يكون كلّ واحد مشتاقاً إليه، و لا تتعلّق به إرادة نفسية؛ لفرض عدم حصول الغرض به.

نعم، لو تصوّر كلّ واحدٍ واحدٍ من العسكر و رأى توقّف الفوج على وجود كلّ واحد منهم، أراده لأجل غيره لا لنفسه؛ ففي كلّ واحد منهم ملاك الغيرية لا النفسية، كما أنّ في الفوج ملاك النفسية لا الغيرية.

24

فكلّ واحد منهم مقدّمة، و يتوقّف عليه عنوان الفوج بالاستقلال، و لا يكون الاثنان منهم أو الثلاثة و هكذا مقدّمة، و لا فيها ملاك الإرادة الغيرية. فهناك إرادة نفسية واحدة متعلّقة بفوج من العسكر، و إرادات غيرية متعلّقات بعدد الأفراد.

و بالجملة: هاهنا أمران:

أحدهما: الفوج من العسكر الذي يراه والي الأمر فاتحاً للبلد، ففيه ملاك الإرادة النفسية لا غير.

ثانيهما: كلّ واحدٍ واحدٍ من الفوج و في كلّ واحد منهم- لتوقّف الفوج عليه- ملاك الإرادة الغيرية.

و أمّا في الاثنين منهم أو الثلاثة منهم و هكذا سائر التركيبات الاعتبارية فليس فيها ملاك الإرادة؛ لا النفسي منها، و هو واضح، و لا الغيري؛ لعدم توقّف الفوج عليها زائداً على توقّفه على كلّ واحد منهم.

و لا يخفى: أنّ الغرض في المركّبات الاعتبارية قائم بالمجموع الخارجي- كالفوج من العسكر في المثال المذكور- لا بالاعتبار الذهني، و لا بكلّ فردٍ فردٍ من أفراد العسكر في المثال؛ فيكون متعلّق الغرض مقدّماً على لحاظ الوحدة، و على الأمر المتعلّق به. هذا في المركّبات الاعتبارية.

و أوضح من ذلك المركّبات الصناعية التي لها وحدة عرفية و تركّب صناعي، كالمسجد و البيت و نحوهما. فإذا كان الغرض قائماً بمركّب صناعي، كالمسجد بلحاظ ما ورد مثلًا:

«أنّ من بنى مسجداً كمفحص قطاة بنى اللَّه له بيتاً في الجنّة»

(1)،

____________

(1)- الفقيه 1: 152/ 704، وسائل الشيعة 5: 204، كتاب الصلاة، أبواب أحكام المسجد، الباب 8، الحديث 2.

25

فيلاحظ أوّلًا عنوان المسجد، و في ذلك اللحاظ لا تكون أجزاء المسجد- من الأخشاب و الأحجار و اللبنات و غيرها- ملحوظة، بل مُندكّة فيه. فالمسجد متعلّق لإرادته النفسية، و ليس فيه ملاك الإرادة الغيرية.

نعم إذا رأى توقّف تحقّق المسجد في الخارج على كلّ من الأحجار و اللبنات و الأخشاب و غيرها، يريدها لأجل بناء المسجد، و يكون فيها ملاك الغيرية لا النفسية.

و بالجملة: في المسجد- مثلًا- ملاك النفسية، فيريده مستقلًاّ و في كلّ واحد من أجزائه ملاك الغيرية، فيريدها لأجل تحصيل المسجد. فعند إرادة بناء المسجد تحصل له إرادات كثيرة بعدد الأحجار و اللبنات و الأخشاب و غيرها.

نعم، لم تكن تلك الإرادات أصلية مستقلّة بنفسها، بل غيرية بلحاظ توقّف بناء المسجد على وضع كلّ واحد من الأحجار و اللبنات و الأخشاب و غيرها على وضع مخصوص و كيفية خاصّة.

فقد ظهر لك: عدم اجتماع المثلين في المركّبات الاعتبارية و الصناعية؛ لأنّ الواجب نفساً و ما تعلّق به الإرادة النفسية هو المجموع المركّب، و الواجب مقدّمةً، و ما تعلّق به الإرادة الغيرية هو كلّ واحدٍ واحدٍ من الأجزاء.

هذا ما يقتضيه الوجدان في المركّبات الاعتبارية و الصناعية، و هو أصدق شاهدٍ و دليل في أمثال هذه المباحث.

إذا عرفت كيفية تعلّق الإرادة الفاعلية في المركّبات الاعتبارية و الصناعية، يظهر لك حال الإرادة الآمرية؛ لأنّ الكلام فيها هو الكلام فيها؛ لأنّ الإرادة المتعلّقة بما له وحدة اعتبارية في المركّب الاعتباري- كالصلاة مثلًا- أو وحدة صناعية في المركّب الصناعي- كالمسجد- ملازمة لإرادة ما يراه مقدّمة، و هي كلّ واحدٍ واحدٍ

26

من الأجزاء؛ لتوقّف المركّب عليها، من غير فرق في ذلك بين المقدّمات الخارجية و الداخلية؛ فالموقوف غير الموقوف عليه.

و ليس الأجزاء بالأسر واجباً في قبال كلّ واحد من الأجزاء، كما توهّمه المحقّقون، كالشيخ‏ (1) و الخراساني‏ (2) و النائيني‏ (3) و العراقي‏ (4) و غيرهم- (قدّس اللَّه أسرارهم)- فوقعوا في حيص و بيص في ذلك؛ فقد أنكر بعضهم- من أجل ذلك- كون المقدّمات الداخلية داخلة في محطّ البحث، و تشبّث بعضهم في دخولها فيه، بلحاظ اختلاف الأجزاء بالأسر مع المركّب اعتباراً، مع أنّه لم يمكنهم دفع مشكلة اجتماع المثلين.

مع أنّك قد عرفت بما لا مزيد عليه: أنّه لم يكن للأجزاء ملاك المقدّمية، و لا تحقّق لها في الخارج مضافاً إلى كلّ جزءٍ جزءٍ، بل كلّ واحد من الأجزاء مقدّمة، و هو غير المركّب حقيقة، لا اعتباراً؛ لأنّ المجموع المركّب من حيث المجموع شي‏ء غير كلّ واحدٍ واحدٍ من الأجزاء وجوداً و اعتباراً و لحاظاً؛ فالموقوف غير الموقوف عليه.

فظهر و تحقّق ممّا ذكرنا: أنّ كلًاّ من المقدّمات الخارجية و الداخلية حيث يكون فيها ملاك البحث يكون محطّ البحث.

____________

(1)- مطارح الأنظار: 40/ السطر 1.

(2)- كفاية الاصول: 115.

(3)- فوائد الاصول 1: 264- 268، أجود التقريرات 1: 218.

(4)- نهاية الأفكار 1: 262.

27

ذكر و تعقيب‏

ثمّ إنّ المحقّق العراقي (قدس سره) تصدّى لخروج المقدّمات الداخلية عن محطّ البحث بذكر إشكالات على دخولها فيه، ثمّ ذكر تحقيقاً في المسألة. و لكن لا يخلو ما أفاده من النظر، و بعض ما ذكره لا يخلو عن تناقض:

فبعد أن قال (قدس سره): إنّ الحقّ أنّ أجزاء الماهية بجميع أقسامها خارجة عن حريم البحث، و بعد أن ذهب إلى أنّ الجزئية و الكلّية لا يصحّ انتزاعهما من المركّب الاعتباري المؤتلف من عدّة امور متباينة إلّا بالإضافة إلى الوحدة الاعتبارية التي صارت تلك الامور المتباينة شيئاً واحداً بالاعتبار.

قال: إنّ مطابق- بالفتح- هذا الواحد الاعتباري ربّما تكون له هيئة في الخارج تجعله واحداً حسّياً يشار إليه بإشارة واحدة، كالسرير و الدار، و ربّما لا تكون له هيئة كذلك، كالحجّ و شبهه من المركّبات الجعلية (1)

. إلى أن قال: إنّ الوحدة الاعتبارية على نحوين:

فقد يكون في الرتبة السابقة على الأمر و في ناحية متعلّقه؛ بأن يعتبر عدّة امور متباينة شيئاً واحداً بلحاظ تحصيلها لغرض واحد، فيوجّه أمره إليه.

و قد يكون في الرتبة اللاحقة، بحيث تنتزع من نفس الأمر بلحاظ تعلّقه بعدّة امور؛ فيكون تعلّقه بها منشأ لانتزاع الوحدة الملازمة لاتّصافها بعنواني الكلّ‏

____________

(1)- قلت: يشير بذلك إلى ما ذكرنا: أنّ محطّ البحث إنّما هو في المركّبات الصناعية و الاعتبارية؛ أشار إلى الأوّل بقوله: ما تكون لمطابقة هيئة في الخارج، و أشار إلى الثاني بقوله: ما لا تكون له هيئة تطابقه، فتدبّر. [المقرّر حفظه اللَّه‏]

28

و الأجزاء، كما كانت الوحدة في الرتبة السابقة مستلزمة لاتّصاف المتعلّق بالعنوانين المزبورين.

ثمّ قال: إنّ ما يكون محلّ النزاع هو ما إذا كانت الوحدة الاعتبارية في الرتبة السابقة على الأمر. و أمّا الوحدة الطارئة في الرتبة المتأخّرة عن الأمر فلا يكون محلّا للبحث؛ لعدم تعقّل ترشّح الوجوب من الكلّ إلى الأجزاء بملاك المقدّمية؛ لأنّ الجزئية و الكلّية الملزومتين لهذه الوحدة ناشئة من الأمر حسب الفرض؛ فتكون المقدّمة في الرتبة المتأخّرة عن تعلّق الأمر بالكلّ، و معه لا يعقل ترشّحه على الأجزاء؛ لأنّ الأمر الغيري إنّما يتعلّق بما يكون مقدّمة مع الغضّ عن تحقّق الأمر، و لا يمكن تعلّقه بما لا تكون مقدّمة في الرتبة السابقة على الأمر.

ثمّ إنّه (قدس سره) بعد أن ذهب إلى أنّ محطّ البحث في تعلّق الوجوب الغيري بالأجزاء، ما إذا كانت الوحدة الاعتبارية في الرتبة السابقة على تحقّق الأمر، قال: الحقّ أنّ الأمر الغيري لا يترشّح من الكلّ على الأجزاء؛ لمنع الصغرى- أعني المقدّمية- أوّلًا، و منع الكبرى ثانياً:

أمّا منع الصغرى: فلأنّ الأجزاء و إن تغاير الكلّ اعتباراً من حيث اللابشرطية و بشرط الانضمامية- حيث إنّه باعتبار الأوّل تكون أجزاءً، و باعتبار الثاني تكون كلًاّ- بل يمكن القول بتقدّم الأجزاء على الكلّ بالتجوهر، و لكن المغايرة الاعتبارية و التقدّم و التأخّر بالتجوهر لا يقتضيان صحّة انتزاع المقدّمية من الأجزاء؛ إذ مقدّمية شي‏ء لشي‏ء آخر تستلزم ترتّب وجود الثاني على وجود الأوّل، و من الواضح: أنّ الكلّ في الخارج عين الأجزاء بلا اثنينية بينهما في الوجود، و المغايرة الاعتبارية لا توجب المغايرة الوجودية.

هذا، مضافاً إلى أنّ عنواني الجزئية و الكلّية- كما عرفت- لا ينتزعان إلّا بعد

29

اعتبار الوحدة؛ فيكون كلّ من عنواني الجزء و الكلّ طارئاً على الذات، بلا تقدّم لعنوان الجزء على عنوان الكلّ.

و أمّا منع الكبرى- و هي كون الأجزاء واجبة بالوجوب الغيري؛ لكونها مقدّمة للكلّ- فلأنّ الأجزاء لا تكون واجبة بالوجوب الغيري لأجل كونها مقدّمة للكلّ؛ لأنّ الأجزاء و إن كانت مقدّمة على الكلّ المركّب منها بالتجوهر، إلّا أنّ ذلك لا يجدي في إمكان تعلّق الوجوب الغيري بها؛ ضرورة أنّها نفس الكلّ المركّب منها وجوداً في الخارج، و البعث إلى الكلّ بعث إليها؛ فأيّ فائدة في البعث إليها ثانياً؟! و إذا كان الغيري لغواً استحال صدوره من الحكيم.

و لأنّ مجرّد المغايرة الاعتبارية بين الجزء و الكلّ لا تفي بصحّة تعلّق الوجوب بكلّ منهما؛ لأنّ تعدّده إنّما ينشأ عن تعدّد ملاكه مع تعدّد موضوعه وجوداً و خارجاً، و واضح: أنّ التعدّد الاعتباري لا يوجب ذلك.

مضافاً إلى استلزام ذلك اجتماع المثلين في موضوع واحد.

و توهّم أنّ كثيراً ما يجتمع ملاك الوجوب الغيري مع ملاك الوجوب النفسي في الواجبات النفسية، أو ملاك الوجوب النفسي مع آخر مثله، و يكون اجتماعهما سبباً لتأكّد البعث إلى ذلك الواجب، و لا يلزم اجتماع المثلين؛ فليكن مورد النزاع كذلك.

مدفوع بوجود الفرق؛ لأنّ في بعض الواجبات النفسية إذا اجتمع ملاك وجوب الغيري مع النفسي يكون في عرضه لا محالة؛ فيكون أثره- و هو الوجوب الغيري- أيضاً كذلك؛ فيحدث منهما وجوب قوي.

و أمّا فيما نحن فيه فليس كذلك؛ لأنّ ملاك الوجوب الغيري في الأجزاء في طول ملاك الوجوب النفسي في الكلّ، و مع الاختلاف في الرتبة يستحيل اتّحاد المتماثلين بالنوع.

30

ثمّ قال: إنّ هذا كلّه لو كان متعلّق الأمر هو الكلّ- أعني به الأجزاء مع قيد الوحدة اعتباراً- أو مصلحة، كما عليه المشهور.

و لكن التحقيق يقتضي كون متعلّق الأمر نفس ذوات الأجزاء التي تطرأ عليها الوحدة الاعتبارية؛ إمّا بلحاظ قيام مصلحة واحدة بها، أو بلحاظ أمر آخر تطرأ عليها الوحدة الاعتبارية.

فكما تطرأ عليها الوحدة الاعتبارية يتعلّق بها الأمر، فيكون تعلّق الأمر بها في عرض طروّ الوحدة عليها، لا لأنّه يتعلّق الأمر بالأجزاء المتّصفة بالوحدة الاعتبارية؛ لتكون تلك الوحدة مقوّمة لتعلّق الأمر و متقدّمة بالطبع عليه. بل لا يعقل أن تكون الامور المتعدّدة الملحوظة بنحو الوحدة الاعتبارية- المعبّر عنها بالكلّ في هذا اللحاظ- هي متعلّق الأمر؛ لأنّ المصلحة دعت إلى الأمر، و هي تقوم بذوات تلك الامور المتعدّدة، المعبّر عنها بالأجزاء.

و لا دخل للوحدة الاعتبارية في المصلحة بالضرورة؛ لأنّ تلك الوحدة اعتبارية قائمة بنفس المعتبر، و المصلحة أمر حقيقي خارجي، و لا يعقل تقوّم الأمر الحقيقي في وجوده الخارجي بالأمر الاعتباري القائم في نفس معتبره.

و أيضاً لو كانت الوحدة الاعتبارية مقوّمة للمصلحة الداعية إلى الأمر بذيها، فلا محالة تكون الوحدة متأخّرة بالطبع عن المصلحة المزبورة؛ فلا يعقل أخذها قيداً مقوّماً فيها، و إلّا يلزم تقدّم المتأخّر و تأخّر المتقدّم، كما لا يخفى، انتهى كلام المحقّق العراقي (قدس سره) بطوله مع اختصارٍ منّا (1).

____________

(1)- بدائع الأفكار 1: 313- 317.

31

و في كلامه مواقع للنظر:

منها: قوله (قدس سره) بأنّ الوحدة الاعتبارية قد تكون في الرتبة السابقة على الأمر، و قد تكون في الرتبة المتأخّرة.

ففيه: أنّ الوحدة في جميع الموارد تكون في الرتبة السابقة، و لا تكون لنا مورد تعرض الوحدة بعد تعلّق الأمر؛ و ذلك لأنّ المولى منّا لا يأمر إلّا لغرض يراه في متعلَّق أمره.

فإن لاحظ المولى عدّة أشياء فإن كان كلّ واحد منها محصّلًا لغرضه فلا يكاد يتعلّق أمره بالمجموع، بل لا بدّ له من أوامر متعدّدة، و إن عبّر عنها بعبارة واحدة؛ بأن يقول: «أكرم كلّ عالم».

و أمّا إن لم يكن كلّ منها محصّلًا لغرضه، بل ربّما تكون فيه المفسدة، بل المصلحة قائمة بالمجموع- كالفوج من العسكر لفتح البلد- فيلاحظ المجموع أمراً واحداً، و عند ذلك يتحقّق عنوان الكلّ و الأجزاء.

نعم، لم تكن الأجزاء و الأفراد، أجزاء المأمور به و أفراده بما أنّه مأمور به؛ بداهة أنّه لا تكون كذلك إلّا بعد تعلّق الأمر به.

و الحاصل: أنّ المولى قبل تعلّق الأمر يتصوّر الموضوع- و هو المجموع الذي قام به المصلحة- و في ذلك اللحاظ تكون الأفراد و الأجزاء مغفولة عنها، فتحقّقت الوحدة الاعتبارية في الرتبة السابقة على الأمر.

و قد عرفت: أنّ المراد بلحاظ الوحدة لحاظ المجموع و تصوّره، لا اعتبار المجموع شيئاً مستقلًاّ؛ بأن يلاحظ مفهوم الوحدة مضافاً إلى ملاحظة المجموع.

و إن شئت مزيد توضيح لما ذكرنا فاختبر نفسك في قولك: «إنّ مسجد الجامع- مثلًا- خير من مسجد السوق» و «إنّ الصلاة- مثلًا- معراج المؤمن»؛ فإنّ‏

32

المحكوم بالخيرية أو المعراجية هو عنوان المسجدية أو الصلاتية، لا الأحجار و اللبنات و الأخشاب و غيرها في المثال الأوّل، و التكبير و الحمد و السورة و غيرها في المثال الثاني.

و بالجملة: عند قيام المصلحة بالمجموع فتعلّق الأمر بالأُمور المتعدّدة، يتوقّف على تصوّر اجتماع كلّ منها مع الآخر. فالاجتماع قبل الأمر ملحوظة لا محالة، و لا نعني بلحاظ الوحدة قبل تعلّق الأمر إلّا هذا، لا مفهوم الوحدة كما لا يخفى.

فتحصّل: أنّه لا فرق بين القسمين في أنّ الوحدة ملحوظة في كليهما قبل تعلّق الأمر، فتدبّر.

و منها: أنّه لو سلّم أنّ الوحدة أحياناً متأخّرة عن الأمر و تنتزع الكلّية و الجزئية في الرتبة المتأخّرة عن الأمر، و لكن لا يوجب ذلك خروجه عن محطّ البحث؛ لأنّ البحث لم يكن في عنوان الجزئية و الكلّية؛ لأنّه لم يكن في الجزئية ملاك المقدّمية، بل ليس لها تأخّر عن عنوان الكلّية- لأنّهما متضايفان ينتزعان في رتبة واحدة، و المتضايفان متكافئان فعلًا و قوّة- بل البحث في الجزء و الكلّ؛ لأنّ البحث في توقّف شي‏ء على شي‏ء آخر، و لا إشكال في أنّ الكلّ و المجموع- الذي قام به المصلحة- يتوقّف على كلّ واحدٍ واحدٍ من الأجزاء، و هو غير الكلّ.

و لعلّ منشأ الاشتباه هو توهّم ترشّح الوجوب من ذي المقدّمة إلى المقدّمة، و أنّ إرادة المقدّمة مترشّحة من إرادة ذي المقدّمة؛ فتوهّم: أنّه إذا كانت الوحدة متأخّرة عن الأمر فلا يعقل ترشّحه إلى ما لا يكون مقدّمة في الرتبة السابقة على الأمر.

و قد عرفت: أنّه بمكان من الفساد؛ لأنّ الإرادة المتعلّقة بذي المقدّمة لم تكن مبدأ للإرادة المتعلّقة بالمقدّمة بنحو النشوء و الرّشح و الإيجاد، فإذا كان حال الإرادات‏

33

كذلك- كما تقدّم- فالوجوب أسوأ حالًا؛ لأنّه ينتزع من تعلّق البعث بالشي‏ء، و لا يعقل أن يترشّح بعث من بعث آخر، كما هو واضح إلى النهاية.

و منها: قوله بمنع الصغرى- و هي المقدّمية- لعدم ترشّح الوجوب الغيري من الكلّ إلى الأجزاء؛ لأنّ منشأ ذلك هو توهّم كون الأجزاء بالأسر مقدّمة، فلا فرق بين المقدّمة و ذيها إلّا بالاعتبار.

و قد عرفت: أنّ الأجزاء بالأسر لم تكن مقدّمة، بل المقدّمة إنّما هي كلّ واحدٍ واحدٍ من الأجزاء؛ فتحصّل المغايرة الوجودية بين المقدّمة و ذيها، فإذن: لا وجه لمنع الصغرى، كما لا يخفى.

و بهذا يظهر النظر فيما رتّبه على ذلك؛ من ممنوعية الكبرى من ناحية لغوية البعث، فلاحظ.

و منها: تعليله لعدم تعلّق الوجوب الغيري على الأجزاء بلزوم اللغوية، يناقض ما سيأتي منه عند ذكر الأقوال في مقدّمة الواجب؛ فإنّه (قدس سره) بعد أن اختار وجوب المقدّمة أورد على نفسه بأنّه: ما ثمرة الإرادة التبعية المتعلّقة بإيجاد المقدّمات، بعد حكم العقل بلابدّية الإتيان بالمقدّمات؟ و هل هو إلّا من اللغو الواضح؟!

فأجاب: بأنّ هذه الإرادة ليست إلّا إرادة قهرية ترشّحية معلولة لإرادة الواجب- كما تقدّم في البرهان- و مثلها لا يتوقّف على وجود غاية و ثمرة (1)

. و حاصل ما أجابه هو: أنّ إرادة المقدّمة لم تكن من الأفعال الاختيارية حتّى تحتاج إلى غاية، بل هي قهرية تحصل من تعلّق الإرادة بذي المقدّمة.

و هذا المقال و إن لم نسلّمه، بل عرفت آنفاً: أنّ إرادة المقدّمة معلولة لمبادئها،

____________

(1)- بدائع الأفكار 1: 399.

34

و لا تكون معلولة و مقهورة لإرادة ذيها، و لكن نقول: إنّ إرادة إتيان المقدّمات الخارجية إذا كانت قهرية لا تحتاج إلى غاية، فليكن إرادة إتيان المقدّمات الداخلية أيضاً قهرية غير محتاجة إلى غاية، فتدبّر.

و منها: أنّ حديث اللغوية إنّما يكون برهاناً و دليلًا على عدم كون المقدّمات الداخلية واجبة، و لكن ذلك لا يكون دليلًا و برهاناً على عدم وجود ملاك البحث فيها، فكم من موضوع يجعل محطّاً للبحث و النظر، لكن يثبته شخص و ينفيه آخر!

و منها: أنّ إشكال اجتماع المثلين- الذي أشار إليه هذا المحقّق، وفاقاً لبعض الأعلام، كالمحقّق الخراساني‏ (1) و المحقّق النائيني‏ (2) و غيرهما (قدّس اللَّه أسرارهم)- قد عرفت حاله، و حاصله: أنّه إنّما يلزم إذا كانت المقدّمة عبارة عن الأجزاء بالأمر، و أمّا إذا كانت هي كلّ واحدٍ واحدٍ من الأجزاء فيكون المجموع واجباً نفسياً، و كلّ واحدٍ واحدٍ من الأجزاء واجباً غيرياً، فأنّى اجتماع المثلين في موضوع واحد؟!

و منها- و هو في الحقيقة تقريب آخر للإشكال السابق- و هو: أنّ منشأ الإشكال هو خلط محيط تعلّق الأمر بمحيط الخارج، و لا يخفى: أنّ اتّحاد المقدّمات الداخلية مع ذيها خارجاً لا ينافي اختلافهما عنواناً في محيط تعلّق الحكم، أ لا ترى أنّ عنوان الصلاة غير عنوان الغصبية و مع ذلك قد يتّحدان خارجاً؟! فليكن عنوان الأجزاء غير عنوان الكلّ و مع ذلك يتّحدان خارجاً.

فعلى هذا: يمكن تعلّق الوجوب الغيري بعنوان الأجزاء، و تعلّق الوجوب النفسي بالكلّ.

____________

(1)- كفاية الاصول: 115.

(2)- فوائد الاصول 1: 265- 268، أجود التقريرات 1: 217- 218.

35

فلو سلّم أنّ ذوات الأجزاء مقدّمة، لا يلزم منه اجتماع المثلين؛ لاختلاف ذوات الأجزاء مع ذيها بحسب العنوان؛ بداهة أنّه قد تلاحظ عنوان الكلّ و يكون الأجزاء عند ذلك مغفولة عنها في ذلك اللحاظ، و قد يعكس و تكون الأجزاء ملحوظة و يكون عنوان الكلّ مغفولًا عنه.

و الشاهد على التعدّد: ما أشرنا إليه في بناء المسجد أو الدار ثمّ إرادة وضع الأحجار و اللبنات و الأخشاب و نحوها، فلاحظ.

و منها: أنّه لو سلّمنا أنّ المقدّمة هي الأجزاء بالأسر، و لكن مع ذلك لا يتوجّه الإشكال؛ لما سنشير إليه في محلّه: أنّ ذوات الأجزاء على فرض وجوب المقدّمة لم تكن واجبة، بل هي بعنوان الموصلية، و واضح: أنّ عنوان الموصلية غير عنوان الكلّ و يختلفان عنواناً. و مجرّد اتّحاد عنوان الموصلية مع عنوان الكلّ خارجاً لا يوجب اجتماع المثلين، كما لا يخفى.

فتحصّل ممّا ذكرنا: أنّه لا ينبغي الإشكال في كون الأجزاء مقدّمة، فلا وجه لمنع الصغرى و الكبرى، فتدبّر.

و منها: أنّه لا دليل على اعتبار الوحدة و كون المجموع واحداً و غير محتاج إليه، بعد ملاحظة أنّ المصلحة حاصلة بإتيان الأجزاء.

و بالجملة: مجرّد لحاظ كون المصلحة قائمة بالمجموع يكفي في أخذه موضوعاً للحكم، و بدون ذلك اللحاظ لا معنى لتعلّق الأمر به؛ فهو لا محالة تكون في الرتبة السابقة على الأمر، لا في رتبته، فضلًا عن كونها متأخّرة عنه.

و منها: أنّ الوحدة و إن كانت أمراً اعتبارياً، و لكنّه يكون منشأ للأثر عند العرف و العقلاء، و لا يكون من قبيل لحاظ أنياب الأغوال و اعتبارها، التي لا تتجاوز

36

حريم اللحاظ و الاعتبار، بل لحاظ الوحدة و اعتبارها نظير سائر الامور الاعتبارية الدارجة عند العقلاء، التي تدور بها رحى معاشهم و معادهم، و تستقيم امور دنياهم و آخرتهم. فتحصّل ممّا ذكرنا بطوله: أنّ جميع المقدّمات الداخلية داخلة في محطّ البحث، و يكون فيها ملاك البحث.

هذا كلّه في المقدّمات الداخلية.

و أمّا المقدّمات الخارجية: فهل محطّ البحث جميع المقدّمات الخارجية؛ سواء كانت مقتضية، أو معدّة، أو شرطاً، أو عدم المانع؛ حتّى إذا كانت علّة تامّة، بل إذا كانت سبباً تامّاً توليدياً (1) أو خصوص ما لم تكن علّة تامّة، أو لم يكن توليدياً. و ربّما يظهر من بعضهم خروج العلّة التامّة من محطّ البحث، كما يظهر من بعض آخر خروج ما يكون سبباً توليدياً بحيث لم يكن له وجود منحاز عن وجود المعلول.

و الحقّ: كون جميع المقدّمات الخارجية داخلة في محطّ البحث، من غير فرق بين العلّة التامّة و غيرها، و الأسباب التوليدية و غيرها.

____________

(1)- قلت: المراد بالعلّة- كما افيد- ما يترشّح منه وجود المعلول، و بإفاضته يتحقّق المعلول. كما أنّ المراد من المُعدّ ما له دخل في وجود الشي‏ء، من دون أن يكون وجود ذلك الشي‏ء مترشّحاً منه، بحيث يكون مقتضياً لوجوده، بل كان لجهة التهيئة و الاستعداد لإفاضة العلّة وجود معلولها، كدرجات السلَّم- ما عدا الدرجة الأخيرة- حيث إنّ كلّ درجة تكون معدّة للكون على السطح، كما تكون معدّة أيضاً للكون على الدرجة التي فوقها؛ بمعنى أنّه يتوقّف وجود الكون على الدرجة الثانية على الكون على الدرجة الاولى.

و قد يطلق المُعدّ على ما يكون له دخل في وجود المعلول، من دون أن يكون له دخل في وجود الجزء اللاحق، كالبذر حيث إنّ له دخلًا في وجود الزرع، و لا يتوقّف وجود الشمس أو الهواء عليه، و إن توقّف تأثيرهما عليه. [المقرّر حفظه اللَّه‏]

37

و السرّ في ذلك: وجود ملاك البحث في جميع ذلك، يظهر ذلك من ملاحظة الإرادة الفاعلي بالنسبة إلى أفعاله.

و قد ظهر لك لعلّه بما لا مزيد عليه آنفاً: أنّ وزان الإرادة الآمري وزان الإرادة الفاعلي.

فإذا تمهّد لك ذلك: يظهر لك ضعف ما عن المحقّق النائيني (قدس سره)، حيث فصّل في العلّة التامّة بين ما إذا كان لكلّ من العلّة و المعلول وجود مستقلٌّ و كان ما بحذاء أحدهما غير ما بحذاء الآخر، كطلوع الشمس بالنسبة إلى ضوء النهار؛ لأنّ لكلّ من الشمس و الضوء وجوداً يخصّه.

و بين ما إذا لم يكن كذلك، بل كان هناك وجود واحد معنون بعنوانين طوليين:

عنوان أوّلي و عنوان ثانوي، كالإلقاء و الإحراق في الامور التكوينية، و الغسل و الطهارة في الامور الشرعية؛ فإنّه لم يكن هناك إلّا فعل واحد، و يكون هو بعنوانه الأوّلي إلقاءً أو غسلًا، و بعنوانه الثانوي إحراقاً أو تطهيراً، و ليس ما بحذاء الإلقاء أو الغسل غير ما بحذاء الإحراق أو الطهارة، بل هو هو؛ و لذا يحمل أحدهما على الآخر؛ فيقال: الإلقاء إحراق و بالعكس، و الغسل طهارة و بالعكس؛ لما بين العنوانين من الاتّحاد في الوجود ... إلى أن قال (قدس سره): الحقّ أنّ العلّة التامّة على الأوّل داخلة في محطّ النزاع و تكون واجبة بالوجوب المقدّمي، و الذي يكون واجباً بالوجوب النفسي هو المعلول.

و أمّا على الوجه الثاني فالحقّ: أنّها ليست محطّاً للنزاع؛ لأنّه ليس هناك إلّا فعل واحد معنون بعنوانين: عنوان أوّلي و عنوان ثانوي.

بل ليس ذلك في الحقيقة من باب العلّة و المعلول؛ إذ العلّة و المعلول يستدعيان وجودين، و ليس هنا إلّا وجود واحد و فعل واحد؛ فليس الإحراق معلولًا للإلقاء،

38

بل المعلول و المسبّب التوليدي هو الاحتراق، لا الإحراق الذي هو فعل المكلّف.

و كذا الكلام في الغسل و التطهير، حيث إنّ التطهير ليس معلولًا للغسل، بل المعلول هو الطهارة؛ فإذن الإلقاء أو الغسل ليس واجباً بالوجوب المقدّمي، بل هو واجب بالوجوب النفسي، غايته لا بعنوانه الأوّلي- أي بما أنّه إلقاء أو صبّ الماء- بل بعنوانه الثانوي؛ أي بما أنّه إحراق و إفراغ للمحلّ عن النجاسة.

و هكذا الكلام في الانحناء و التعظيم و غير ذلك من العناوين التوليدية.

و بالجملة: في تلك الموارد لم يصدر من المكلّف فعلان، بل فعل واحد معنون بعنوانين:

عنوان أوّلي، و عنوان ثانوي، إلى آخر ما أفاده، فلاحظ (1)

. و فيه أوّلًا: أنّ ما ذكره ليس تفصيلًا في بعض المقدّمات؛ لأنّه لو تمّ ما ذكره (قدس سره) تخرج العلّة التامّة- التي لا تختلف وجوداً مع معلولها- عن كونها علّة؛ و ذلك لأنّ العلّة دائماً تكون وجودها غير وجود المعلول، و لا معنى لأن توجد العلّة و معلولها بوجود واحد، كما هو ثابت في محلّه.

و ثانياً: أنّ الأمثلة التي ذكرها للعناوين التوليدية لا تخلو عن المناقشة.

فالمناقشة في المثال و إن لم يكن من دأب المحصّلين، لكنّها حيث تكون كثيرة ارتباط بتصديق المطلب أو تكذيبه، فنشير إليها:

فنقول: أمّا قضية الإلقاء و الإحراق: فلأنّ الإلقاء في الحقيقة فعل الملقي- بالكسر- و الإحراق فعل النار، و انتساب الإحراق إلى الملقي انتساب إلى غير ما هو له، كقولك: «بنى الأمير المدينة»، فإذا كان كذلك فكيف يحمل أحدهما على الآخر؟! و إلّا يصحّ أن يقال: «ألقى النار»، و هو كما ترى‏.

____________

(1)- فوائد الاصول 1: 269- 271.

39

و كذا قضية الغسل و التطهير؛ فإنّ الغاسل هو الشخص و التطهير هو فعل الماء، و الشخص وسيلة للتطهير، و انتساب التطهير إلى الشخص انتساب إلى غير ما هو له، و إلّا يلزم أن يكون الشخص الغاسل من المطهّرات، و هو كما ترى‏.

و كذا فَري الأوداج لم يكن قتلًا، بل هو سبب لزهوق الروح الذي هو القتل، و هذا مثل الشمس و الإشراق الذي مثله.

فتحصّل: أنّ شيئاً من الأمثلة التي ذكرها لا يكون من أمثلة تلك العنوان. نعم، لو وجد شي‏ء يكون كذلك يتمّ ذلك، فتدبّر.

و منها: تقسيمها إلى المقدّمة المقارنة و المتأخّرة و المتقدّمة

قد قسّموا المقدّمة إلى المقدّمة المقارنة مع وجود ذيها في الوجود، و المقدّمة المتقدّمة عليه، و المقدّمة المتأخّرة عنه كذلك.

و قد وقع الاستشكال في تصوير المقدّمة المتأخّرة و إمكانها، بلحاظ أنّ المقدّمة من أجزاء العلّة، فلا معنى لتأخّرها عنه بحسب الوجود. بل وقع الاستشكال في المقدّمة المتقدّمة بلحاظ امتناع انفكاك المعلول عن علّته.

و بالجملة: قد استشكل في مقدّمية المقدّمة السابقة على ذيها و المتأخّرة عنه، بلحاظ امتناع انفكاك المعلول عن علّته، و امتناع تقدّم المعلول على علّته، و انحصروا المقدّمية في المقدّمة المقارنة.

و لعلّ منشأ عنوان هذا البحث بلحاظ وقوع مسائل في الفقه أوهم تأخّر الشرط عن مشروطه، فعنونوا البحث للدفاع عن حريم المسائل المطروحة في الفقه.

40

و ما توهم تأخّر الشرط عن مشروطه، فتارة يكون في شرائط المكلّف به، كأغسال الليلة المستقبلة بالنسبة إلى صوم المستحاضة، حيث قال بعضهم بأنّه يشترط في صحّة صوم المستحاضة غسل الليلة الآتية؛ فإنّ ظاهره يعطي بأنّ صحّة الصوم الماضي مشروط بغسل الليلة الآتية، مع أنّه متأخّر عنه.

و اخرى في شرائط الحكم الوضعي كالإجارة في بيع الفضولي، على القول بكون الإجازة كاشفاً حقيقياً بالنسبة إلى الأحكام الوضعية المترتّبة على العقد الفضولي من حين وجوده، فصحّة العقد و ترتّب الآثار مشروطة بالإجازة المتأخّرة.

و ثالثة في شرائط نفس التكليف، كالقدرة المتأخّرة عن المكلّف بالنسبة إلى التكليف المتقدّم الصادر من المولى؛ فإنّهم يرون أنّ القدرة شرط لصحّة التكليف، فإذا كلّف المولى عبده بشي‏ء يصحّ منه ذلك و إن لم يكن العبد قادراً عند ذلك، و لكن يقدر عليه في المستقبل؛ فيصحّ للمولى أن يكلّف عبده بشرط يكون متأخّراً.

فهذه المسائل أوقعهم في حيص و بيص؛ لأنّ ظاهرها مخالفة للقاعدة العقلية، من غير فرق بين كون الشرط شرطاً للمكلّف به، أو للوضع، أو للتكليف؛ فقد تصدّوا لتوجيهها بوجه:

فمنهم: من وجّه إمكان الشرط المتقدّم أو المتأخّر مطلقاً؛ في التكوينيات أو التشريعيات.

و منهم: من أنكر ذلك مطلقاً، و لكن تصدّى لتصحيح ما يتراءى خلاف ذلك في الشريعة بوجه.

و منهم: من فصّل بين التكوينيات و بين التشريعيّات؛ لعدم الإمكان في الأوّل، و جوازه في الثاني.

41

كلام المحقّق العراقي لدفع الإشكال في الشرط المتأخّر

و ممّن تصدّى لذلك: المحقّق العراقي (قدس سره)؛ فإنّه قال:

قد وقع الخلاف بين أهل النظر في جواز عدم مقارنة الشرط للمشروط به؛ فذهب جمهور الفلاسفة إلى لزوم مقارنة الشرط للمشروط به و امتناع تقدّمه عليه أو تأخّره عنه. و فصّل بعضهم بين الشروط التكوينية و الشروط التشريعية؛ فوافق الفلاسفة في الأوّل و خالفهم في الثاني.

و احتجّ المانع بأنّ الشرط من أجزاء العلّة التامّة، و من الضروري عدم جواز انفكاك العلّة التامّة عن معلولها أو انفكاكه عنها- سواء كان ذلك بتقدّم العلّة عليه أم بتقدّمه عليها- و جواز تقدّم الشرط على المشروط و تأخّره عنه يستلزم ذلك، و مستلزم الممتنع ممتنع، كما لا يخفى.

إلى أن قال ما حاصله: الحقّ إمكان تقدّم الشرط على المشروط به و تأخّره عنه مطلقاً؛ سواء كان الشرط تكوينياً أو تشريعياً.

و ذلك لأنّه لا ريب في امتناع انفكاك ما يترشّح عن العلّة عنها؛ لأنّ جواز ذلك يستلزم جواز تأثير المعدوم في الموجود، و هو مساوق لجواز وجود الممكن لا عن علّة، هذا.

و حيث إنّ المقتضي للتأثير في المعلول ليس نوع المقتضي و طبيعته، بل حصّة خاصّة منه، مثلًا لم يكن نوع النار مؤثّراً و مقتضياً في الإحراق الخارجي، بل المؤثّر منها هي حصّة خاصّة منها؛ و هي النار التي تماسّ الجسم المستعدّ باليبوسة لقبول الاحتراق.

42

فالمؤثّر إنّما هي الحصّة المتحصّصة بالخصوصية، و واضح: أنّ الحصّة الكذائية لا بدّ لها من محصّل في الخارج، فما به تحصّل خصوصية الحصّة المقتضية يسمّى شرطاً، و الخصوصية المزبورة عبارة عن نسبة قائمة بتلك الحصّة المقتضية حاصلة من إضافة الحصّة المزبورة إلى شي‏ء ما، و ذلك الشي‏ء المضاف إليه هو الشرط. فالمؤثّر في المعلول هو نفس الحصّة الخاصّة، و الشرط محصّل لخصوصيتها، و هو طرف الإضافة المزبورة.

و ما يكون شأنه كذلك جاز أن يتقدّم على ما يضاف إليه أو يقترن به أو يتأخّر عنه، هذا في الشرط التكويني.

و كذلك الكلام في شرط المكلّف به أو شرط التكليف، بل هو أولى؛ فنقول: إنّ ذات الصوم- مثلًا- لم تكن مؤثّرة تأثيراً شرعياً، بل المؤثّر منها حصّة خاصّة منه؛ و هي الحصّة المضافة إلى غسل الليلة الآتية، و كذا في شرط التكليف‏ (1)، انتهى ملخّصاً.

و فيه مواقع للنظر:

منها: أنّه لا مجال لإسراء أمر المقام إلى التكوين؛ لأنّ المقتضي و المؤثّر التكويني هو نحو وجود للشي‏ء بحيث يكون تقيّده و تشخّصه بعلل وجوده و مبادئه الحقيقية، و لا يكون تشخّصه بالإضافات و الاعتبارات المتأخّرة عنه؛ فما هو المؤثّر في التكوين ليست الحصّة الحاصلة بالإضافة إلى المقارن و لا إلى غيره، بل المؤثّر نحو وجوده المتشخّص من ناحية علله الفاعلي، أو هو مع ضمّ القابل إذا كان مادّياً.

فالنار- مثلًا- بوجودها مؤثّرة لإحراق ما وقعت فيه بما هو قابل للاحتراق،

____________

(1)- بدائع الأفكار 1: 319- 323.

43

من غير أن يكون الوقوع و التماسّ و قابلية التأثّر و نحوها محصّلات للحصّة المتأثّرة.

نعم بعد وجودها تكون لها إضافة إلى هذا الشي‏ء أو ذاك الشي‏ء، إلى غير ذلك.

و بالجملة: المؤثّر في العلل التكوينية هو نحو وجود الشي‏ء المتشخّص بمبادئ حقيقية، لا بالإضافات و الاعتبارات المتأخّرة عنه.

و ما ذكرنا و إن كان واضحاً لا يحتاج إلى مزيد بيان، و لكن مع ذلك: الحقيق بنا عدم مقايسة المقام بالتكوين و أن لا نَحُوم حول التكوينيات و إيكال أمرها إلى أهله و محلّه.

و منها: أنّ ما ذكره (قدس سره) و أيّده بالمثال لم يكن المؤثّر هي الحصّة، بل الفرد؛ فإنّ النار التي تماسّ الجسم المستعدّ للاحتراق هي الفرد منها، لا الحصّة، كما سبق مكرّراً، فتدبّر.

و منها: أنّ الإضافة و التضايف بين الشيئين لا بدّ و أن يكونا موجودين فعلًا إن كان المتضايفان موجودين فعلًا، أو قوّة إن كانا موجودين قوّة. و أمّا إذا لم يكن الطرفين أو أحدهما موجوداً فلا يمكن تحقّق الإضافة، أ لا ترى أنّ الابوّة لا تحصل إلّا بعد حصول الابن خارجاً؟!

فعلى هذا لا يمكن أن تكون الإضافة إلى أمر معدوم محصّل الحصّة.

و بالجملة: الإضافة الفعلية تستلزم تحقّق الطرفين فعلًا، كما تجد ذلك في الابوّة و البنوّة الفعليين؛ فإنّهما يستلزمان وجود الأب و الابن فعلًا.

ففيما نحن فيه حيث لم يكن المضاف إليه موجوداً لا يعقل صدق الإضافة؛ فلا معنى لأن يقال: إنّ صوم المستحاضة مضاف إلى الغسل الذي لم يوجد بعد، و إنّ البيع الفضولي له إضافة إلى الإجازة التي لم تكن موجودة بعد.

إن قلت: نفرض وجود المضاف إليه في الذهن؛ فتصحّ الإضافة إليه.

44

قلت: نعم يكفي ذلك في تحقّق الإضافة الفرضية و التخيّلية، لا الإضافة الواقعية، و مؤثّرية الشي‏ء إنّما هي واقعية لا فرضية، فتدبّر.

و منها: أنّ ما ذكره أخيراً- من أنّ شرائط التكليف كالقدرة دخيلة في اتّصاف الشي‏ء بكونه صلاحاً- خلط بين الشرط الشرعي و الشرط العقلي؛ ضرورة أنّ ما هو دخيل في المصلحة و في ملاك الحكم هي الشرائط الشرعية، و أمّا القدرة- التي هي شرط عقلي- فغير دخيلة في اتّصاف المتعلّق بالمصلحة و في ملاك الحكم؛ فإنّ في إنقاذ المؤمن الموحِّد من الغرق و الهلاك كلّ الصلاح؛ قدر عليه المكلّف أم لا.

و قريب من مقالة هذا المحقّق (قدس سرهما) ذهب إليه المحقّق الخراساني (قدس سره) في شرائط المأمور به؛ فإنّه أراد تصحيح المطلب في شرائط المأمور به من طريق الإضافة، فقال:

كون شي‏ء شرطاً للمأمور به ليس إلّا ما يحصل لذات المأمور به بالإضافة إليه وجه و عنوان به يكون حسناً، أو متعلّقاً للغرض، بحيث لولاها لما كان كذلك.

فكما تكون إضافة شي‏ء إلى مقارن له موجباً لكونه معنوناً بعنوان يكون بذلك العنوان حسناً و متعلّقاً للغرض، فكذلك إضافته إلى متقدّم و متأخّر تكون حسناً و متعلّقاً للغرض‏ (1)، انتهى ملخّصاً.

يظهر ضعفه ممّا ذكرنا في مقالة تلميذه المحقّق العراقي (قدس سره).

كما يظهر ضعف ما عن صاحب «الفصول» (قدس سره) في الجواب عن الإشكال؛ من أنّ الشرط إنّما هو العناوين الانتزاعية- يعني عنواني التعقّب و التقدّم- و هي كانت حاصلة عند تحقّق الموضوع بعد العلم بوجود المتعقّب و المتأخّر (2).

____________

(1)- كفاية الاصول: 119- 120.

(2)- الفصول الغروية: 80/ السطر 36.

45

و كذا يظهر ضعف ما هو على هذا المنوال، كالقول بأنّ الشرط في صحّة العقد الفضولي هو عنوان تعقّب العقد بالإجازة، و هو حاصل عند تحقّق العقد.

و السرّ في ذلك كلّه هو: أنّ العناوين و إن كانت انتزاعية، لا يمكن أن تكون حاصلة بالفعل عند تحقّق الصوم و العقد- مثلًا- فإنّ الإجازة أو غسل الليلة الآتية معدومة حين العقد و الصوم.

الجواب الحقيق عن الإشكال‏

قد أشرنا: أنّ منشأ وقوع هذا البحث و النزاع هو ما يتراءى من وقوع الشرط المتأخّر في التكليف و الوضع و المأمور به في الشريعة المقدّسة:

فالأوّل: كما إذا كان العبد قادراً في الغد فقط على إتيان فعل، فيأمره مولاه اليوم بإتيانه في الغد؛ فإنّه لا إشكال في صحّة التكليف كذلك مع تأخّر القدرة عن زمان التكليف.

و أمّا الثاني: فلصحّة البيع الفضولي مع تأخّر وقوع الإجازة من المالك.

و أمّا الثالث: كصوم المستحاضة المأمور به فعلًا بشرط فعل أغسال الليلة الآتية. فأوقعهم فيما أوقعوا فيه، كما أشرنا.

و لكن التحقيق في حلّ الإشكال أن يقال:

أمّا في شرائط التكليف- كالقدرة المتأخّرة بالنسبة إلى التكليف المتقدّم- فنقول: إنّ القدرة المعتبرة في تكليف المولى ليست هي القدرة الواقعية- من غير فرق بين التكاليف الجزئية و الخطابات الشخصية، أو التكاليف الكلّية و الخطابات القانونية- لإتمام الموضوع للحكم، بل و لا جزءه، حتّى يتوهّم عدم صحّة التكليف فيما لم تكن حال التكليف موجودة، و إنّما تحدث في ظرف العمل، كما في المثال.

46

بل المعتبر و الشرط في صحّة الخطابات الشخصية إحراز المولى و تشخيصه قدرة العبد على الفعل حال التكليف، كما في المثال.

و يشهد لذلك الوجدان؛ فإنّه أصدق شاهدٍ على أنّه إذا علم و أحرز أنّ عبده قادر على إتيان المكلّف به غداً- و لو بالجهل المركّب- يريده منه حقيقةً و ينحدر البعث نحوه، و إن لم يكن قادراً واقعاً. و إذا كان العبد قادراً واقعاً و لكن لم يعلمه المولى و لم يحرزه لا يكاد يصدر من المولى الحكيم بعث نحوه.

فالقدرة الواقعية غير دخيلة في صحّة التكليف؛ لا بعنوان تمام الموضوع، و لا جزئه.

و بالجملة: القدرة الواقعية ليست شرطاً لصحّة التكليف في التكاليف الشخصية، بل الذي يكون شرطاً لها هو تشخيص المولى قدرة العبد على المتعلّق و علمه بالصلاح، و عند ذلك يصحّ له الأمر الجدّي، و يبعث العبد حقيقة نحوه.

نعم، تنجّزه على العبد مرهونة بقدرته على إتيانه في وقته، فإذا لم يكن قادراً في نفس الأمر لم يكن التكليف منجّزاً في حقّه؛ لعدم إمكان انبعاثه، و يكون التكليف لغواً غير مؤثّر. و لكنّه غير القول بعدم وجود الإرادة الجدّية من المولى عند أمره و بعثه.

و بالجملة: إذا تبيّن عجز العبد في ظرف الإتيان لا يكشف ذلك عن عدم الأمر و البعث الحقيقي في موطنه، بل يكشف ذلك عن خطأ المولى في التشخيص، و أنّ بعثه الحقيقي كان لغواً غير مؤثّر.

فظهر: أنّ قدرة العبد واقعاً لم تكن شرطاً في صحّة التكليف، بل المعتبر هو علم المولى و استحضاره قدرة العبد في موطنه عند تكليفه؛ فلم يتأخّر الشرط عن مشروطه. هذا في التكاليف الجزئية.

47

و كذا الحال في التكاليف الكلّية القانونية المتوجّهة إلى العناوين الكلّية، مثل:

«أيّها الناس» و «أيّها المؤمنون»؛ فإنّ تمشّي الإرادة و البعث الحقيقي من المقنّن هو تشخيصه كون خطابه صالحاً لانبعاث طائفة من المكلّفين كلّ في موطنه، من غير لزوم تقييده بالقدرة و سائر الشرائط العقلية. بل ربّما يوجب ذلك إخلالًا في بعض الموارد. فشرط التكليف حاصل حين تعلّق الأمر في الخطابات القانونية أيضاً.

و بالجملة: لم تكن قدرة آحاد المكلّفين معتبرة في الخطابات القانونية، بل و لا تشخيص قدرتهم أيضاً، بل المعتبر في عدم لغوية الخطاب القانوني تشخيص المقنّن و علمه بتأثير القانون لأكثر الناس. و ملاحظة وضع القوانين المدنية و الاجتماعية أصدق شاهدٍ على ما ذكرنا.

و لو لزم إحراز انبعاث جميعهم في جعل القوانين الكلّية فربّما يلزم الإخلال و الاغتشاش في حكومته؛ لأنّه كثيراً ما يرى المقنّن أنّ أفراد حكومته لا يعملون بالقوانين، و مع ذلك يضع القانون، و لكنّه يقارنه بالتحديدات و التعزيرات.

هذا إجمال المقال في وضع القوانين الكلّية، و تفصيله يطلب من مبحث الترتّب.

و كيف كان: المعتبر في وضع القوانين الكلّية إحراز المقنّن انبعاثهم أو انبعاث عدّة منهم و كون القانون صلاحاً لأكثرهم؛ فشرط التكليف حاصل حين تعلّق الأمر.

فظهر: أنّ شرط التكليف في التكاليف الجزئية و التكاليف الكلّية- و هو لحاظ قدرة العبد أو قدرة كثير منهم- حاصل عند التكليف، من دون لزوم تأخّر الشرط عن مشروطه، فتدبّر و اغتنم.

هذا كلّه في شرائط التكليف.

و أمّا في شرائط الوضع، كإشكال اشتراط صحّة بيع الفضولي بالإجازة المتأخّرة عنه- على القول بالكشف الحقيقي- بأنّه كيف يكون البيع حال وقوعه‏

48

صحيحاً و مؤثّراً، مع أنّ شرطه- و هو إجازة المالك- متأخّرة عنه؟

و كذا في شرائط المأمور به، كإشكال اشتراط صحّة صوم المستحاضة بأغسال الليلة الآتية؛ بأنّه كيف يكون صومها صحيحاً، مع اشتراطها بأمر متأخّر؟

فالجواب الحقيقي عنهما بأحد وجهين: أحدهما من ناحية حكم العقل، و الثاني من ناحية الفهم العرفي:

الوجه الأوّل- و هو الجواب عن الإشكال- من ناحية حكم العقل- و ليعلم أوّلًا: أنّا لا نريد تصحيح الشرط المتأخّر، بل هو باقٍ على محاليته، و غاية همّنا هو رفع الإشكال العقلي عن حريم الأدلّة الموهمة لاعتبار الشرط المتأخّر حتّى يصحّ الأخذ بها. و لا يجوز طرحها بزعم مخالفتها لحكم العقل، و إن كان ما نذكره في هذا الوجه مخالفاً لظواهر الأدلّة.

إذا تمهّد لك هذا فنقول: فرق بين صدق عنوان المتقدّم على شي‏ء، و بين كونه متقدّماً بحسب الواقع؛ لأنّ عنوان التقدّم و التأخّر من المفاهيم ذات الإضافة، تنتزعان في عرض واحد، و لا يعقل انتزاع عنوان التقدّم بدون انتزاع عنوان التأخّر. و لكن لا يلزم من ذلك كون شي‏ء متقدّماً بحسب الواقع.

أ لا ترى أنّ العلّة متقدّمة على معلولها، و لكن مع ذلك لا ينتزع عنوان العلّية و المعلولية إلّا بعد وجود المعلول و ترشّحه من العلّة؟! و مع وجود المعلول ينتزع عنواني العلّية و المعلولية في رتبة واحدة.

و بالجملة: إذا كان بين العنوانين نسبة التضايف لا يلزم من ذلك أن يكون مصداق المعنى الإضافي أيضاً إضافياً؛ ضرورة أنّ عنواني العلّية و المعلولية متضائفان تنتزعان في رتبة واحدة، و مع ذلك لا يكون ما ينطبق عليه العنوانان إضافياً، بل من مقولة الجوهر، بل ربّما يكون أعلى منه، كذات الباري تعالى بالنسبة إلى سائر

49

الموجودات. و إن كان مع ذلك في خواطرك ريب و شبهة، فلاحظ الضدّين؛ فإنّ النسبة بين ذاتي الأسود و الأبيض نسبة التضادّ، مع أنّ عنوان التضادّ من الامور المتضايفة.

و بعبارة اخرى: السواد و البياض ضدّان مقابل المتضائفين، لكن عنوان الضدّية من التضايف و ذاتهما ضدّان، فتدبّر.

فإذن نقول: إنّ الزمان بهويته الذاتية لها تصرّم و تدرّج، بحيث لا يتمتع زمانان، بل لبعضها تقدّم على بعض، بحيث يكون كلّ من التقدّم و التأخّر عين ذاته- و يعبّر عنه في الاصطلاح بواقع التقدّم- كان في الخارج عناوين إضافية، أم لا.

و بالجملة: أنّ الزمان مع قطع النظر عن لحاظ اللاحظ له نحو تصرّم و تجدّدٍ و تقدّم و تأخّر بواقع التقدّم، لا مفهوم التقدّم و التأخّر.

فزمان نوح- على نبينا و آله و (عليه السلام)- مقدّم على زماننا هذا بواقع التقدّم، و مع ذلك لا يصدق عليه مفهوم التقدّم؛ لما أشرنا أنّ عنواني التقدّم و التأخّر إضافيان، لا يصحّ انتزاع أحدهما إلّا في رتبة انتزاع الآخر. فانتزاع عنوان القبلية لزمان نوح (عليه السلام) لا يصحّ حقيقة؛ لأنّ منشأ الانتزاع- و هو تلك القطعة الموهومة- قد تصرّمت و انعدمت، نعم يصحّ اتّصافه بها عرفاً.

و الحاصل: أنّ للزمان سعة طولية، كما أنّ للمكان سعةً عرضية، بحيث يتصرّم و يتدرّج أجزاؤه وهماً، فيكون لبعضها تقدّم على بعض و تأخّر، بواقع التقدّم و التأخّر، لا بمفهوم التقدّم و التأخّر؛ لأنّه إذا لم يكن طرف الشي‏ء موجوداً كيف يصحّ انتزاع العنوان؟!

نعم، يمكن تخيّلًا تصوّر المتقدّم و المتأخّر، و لكن ذلك لا يكون حقيقياً، بل تخيّلياً، و محلّ الكلام في الاتّصاف الحقيقي الخارجي. هذا حال الزمان.

50

و أمّا الزمانيّات: فحيث إنّ وقوعها في الزمان ليس مثل المظروف و الظرف المنحازين، بل لها نحو اتّحاد مع الزمان- كما تقرّر في محلّه- فعلى هذا: لبعض الحوادث الموجودة في الزمان- بتبع الزمان- تقدّم على بعض الحوادث الاخر بواقع التقدّم، و لكنّه عرضاً و بتبع الزمان. فنوح- على نبينا و آله و (عليه السلام)- مقدّم علينا بواقع التقدّم عرضاً، كما أنّه يتقدّم شخص على آخر بواقع التقدّم بتبع المكان.

و لا يخفى: أنّ هذا إنّما يتحقّق إذا لم تنحصر الحادثة، بل وقعت حادثة اخرى، و إلّا لو انحصرت الحادثة به لا تكون لها تقدّم بواقع التقدّم.

و بالجملة: الغَزوة- مثلًا- إنّما تكون أوّلياً إذا وقعت بعدها غَزوة اخرى، و إلّا لا تكون أوّلياً. فوجود الشي‏ء متأخّراً دخيل في كون شي‏ء متقدّماً بواقع التقدّم عليه.

و إن شئت مزيد توضيح فنقول: إنّ يوم الجمعة مقدّم على يوم السبت بواقع التقدّم إذا وجد يوم السبت بعده، و إلّا لم يكن ليوم الجمعة تقدّم على يوم السبت.

و تقدّم الحوادث الواقعة في الزمان بعضها على بعض أيضاً كذلك، فتدبّر.

إذا تمهّد لك ما ذكرنا فنقول: يمكن التخلّص عن الإشكال بجعل موضوع الحكم الوضعي أو المكلّف به، هو ما يكون متقدّماً بحسب الواقع على حادث خاصّ.

فالعقد الفضولي الذي هو متقدّم بتبع الزمان على الإجازة تقدّماً واقعياً موضوع للنقل و الانتقال، و لا يكون مقدّماً عليها بواقع التقدّم التبعي إلّا أن تكون الإجازة متحقّقة في ظرفها.

كما أنّ تقدّم الحوادث اليومية على الحوادث الآتية إنّما تكون بواقع التقدّم التبعي، لا على ما لم يحدث بعدُ من غير أن تكون بينها إضافة، كما عرفت.

و كذا موضوع الصحّة في صوم المستحاضة ما يكون متقدّماً تقدّماً واقعياً تبعاً للزمان، على أغسال الليلة الآتية. و التقدّم الواقعي عليها لا يمكن إلّا مع وقوع‏