جواهر الأصول / تقريرات

- الشيخ محمد إبراهيم الأنصاري الأراكي المزيد...
327 /
3

[رسالة]

بسم الله الرحمن الرحيم‏

حضرة الرفيق المعظم و الأخ العزيز حجة الاسلام العلامة الجليل آقاي شيخ محمد ابراهيم الانصاري دامت ألطافه.

بعد سلام و شوق بقدر ما أحمله لكم من حب و تقدير و إعجاب أخبركم عن وصول رسالتكم الكريمة التي كنت- علم الله- أترقبها و أتطلع اليها يوما بعد يوم لأطمئن على صحتكم الغالية و راحتكم التي هي شرط من شروط راحتي، و تحقيق الاهداف الشريفة في التبليغ و التوجيه و الهداية، و قد تلقيت الرسالة الكريمة في هذا اليوم عصراً، و هي تبشر عن جميع ذلك، فحمدت الله و شكرته على عظيم نعمه و آلائه و سرني جداً بقاؤكم في تهران، و تهيأ المجال الكافي لكم هناك، فانه انسب و فوائده الدينية اكثر و لكي يعلم كل من ينبغي أن يعلم ان من كان مع الله كان الله معه و ان العلم و الاخلاص في العمل رأسمال لا يدانيه أي رأسمال آخر أسأل الله ان يقر عيوننا برجوعكم و اجتماع الشمل و انتم على افضل ما نحب و تحبون.

اما الاحوال هنا فكما تعهدون، و صحتي بخير، و كان من المقرر تقريباً أن نشرع في بحث المنطق الذاتي في عشرة محرم، و لكن عدة صدف، أحدها مجي‏ء آقاي موسى و غير ذلك اوجب عدم تحقق ذلك، و قد استأنفنا في هذا اليوم البحث التحصيلي الاعتيادي.

سلامي على آقاي عبادي و على آقاي شهابي اذ اجتمعتم به مرة أخرى و الرفقاء جميعاً يسلمون عليكم سلاماً مفصلًا، و السلام عليكم أولًا و آخراً.

محمد باقر الصدر

14 محرم الحرام‏

1385

4

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

5

المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم‏

الحمد لله رب العالمين، و صلى الله على أشرف الأنبياء و خاتم المرسلين محمد و آله الطيبين الطاهرين، و اللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين.

أما بعد ...

فانه لما كان علم أصول الفقه من أهم العلوم الشرعية و أدقها، و يحتاج اليه الفقيه فضل احتياج في عملية استنباط الأحكام الشرعية لمواكبة ما استحدث في هذا العصر من وقايع و أحداث تحتاج إلى بيان رأي الشارع المقدس فيها، كما و يحتاجه طلبة العلوم الدينية في فهم ما بين أيديهم من فتاوى و أحكام.

و لما كان أستاذنا الأجلّ الفقيه الشهيد السعيد آية الله العظمى و مجدد علوم آل البيت في القرن العشرين الحاج السيد محمد باقر الصدر (رضوان الله تعالى عليه) خرِّيت هذه الصناعة و جهبذ هذا العلم العميق، حيث سبر أغواره، و غاص في أعماقه يلتقط الدرر و ينظم اللآلئ الباهظة في مجلس درسه الشريف و قد كان ألقى علينا في سنة 1483 للهجرة بحوثاً دقيقة تحتوي على مطالب شيّقة رائقة، و تشتمل على نكات خفية رائعة في باب القطع، و هو من أهم أبواب علم الأصول ان لم يكن أهمها على الاطلاق، و قد تشرفنا بحضور بحثه الشريف، و نلنا فخر التقاط درره الباهرة و كرامة تدوين كلماته الفاخرة، و جمعناها في كراريس بانتظار أن تسنح الفرص لعرضها و تقديمها جاهزة لطالبها رأينا أنه من الضروري في هذا الوقت و بعد مرور ما يربو على عقد و نصف على رحيل هذا الحبر العلامة أن نضع بين أيدي‏

6

العلماء الأفاضل و الطلبة الأعزاء هذه البحوث القيّمة لما فيها من ميزات لا تكاد توجد في ما نشر سابقاً من تقارير بحوثه، و ذلك لأن ما بين يديك عزيزي القارئ هو زبدة أفكاره و تحقيقاته التي ألقاها في الدورة الأولى من دوراته الأصولية حيث كان اهتمامه بالبحث أكثر، و تفرغه له أشد، و كان انشغاله بالأمور الأخرى من سياسية و اجتماعية و من أمور المرجعية و لوازمها أقل، لذلك ضمّن تلك الدورة مطالب و أفكار لا يمكن أن تصدر إلا عن ذهن صافٍ و فكر عميق وبال مرتاح و قريحة خصبة، و كان السابق في طرق أبوابها و المبادر لكشف اللثام عن فرائدها و إلى اكتشاف غرائبها و نيل قصب السبق في تحرير مطالبها، (رضوان الله تعالى عليه) حياً و ميتاً، و جزاه الله عن الاسلام و أهله خير الجزاء.

و نحن إذ نقدم لكم ما فهمناه و استوعبناه و حررناه في مجلس درسه من غزير بحوثه و نير أفكاره نرجو لكم كامل الاستفادة، و نأمل منكم الغضّ و المسامحة، فان الكمال لله وحده و الله من وراء القصد.

الراجي عفو ربه الرحيم‏

محمد ابراهيم الانصاري‏

الخامس من شهر صفر المظفر/ 1415 ه-

7

المباحث العقلية

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

قال (قدس سره) : اعتاد السيد الاستاذ (قدس سره) على بيان مراتب للقواعد الأصولية رباعياً.

فقال: إن لها أربع مراتب طولية، لأن المكلف اذا التفت الى الاحكام الشرعية:

فإما أن يحصل له العلم بها وجداناً، فلا بد له من العمل على طبقه.

و إما أن يحصل له الظن المعتبر شرعاً بها، فيعمل على طبق ظنه.

و إما أن يحصل له الشك، فلا بد له من الرجوع الى الوظيفة العملية الشرعية فعلًا إن كان، و إلا فيرجع الى الوظيفة العملية العقلية و إلى الأصول العقلية لا الشرعية.

و المراتب الأربع عنده طولية، فما دامت الرتبة الأولى موجودة فلا يمكن الرجوع الى المرتبة الثانية، و هكذا.

و لكن هذا الكلام، مضافاً الى الاشكال في داخله، يبتني على مبنى لا يمكن المساعدة عليه، فانه مبني على وجود الجامع بين القواعد الأصولية، و قد ذكرنا في أول الدورة أنه لا جامع بينها، مضافاً إلى أن تقسيم القواعد الى المراتب الأربع و الحكم بطوليتها لا يخلو عن اشكالات لا يهمنا التعرض لها مع عدم المساعدة على المبنى، إلا أننا نتعرض لواحد منها من باب المثال. فما ذكره (قدس سره) من أنه لا يرجع الى الأصول العقلية، أي المرتبة الرابعة، إلا بعد عدم وجود المرتبة الثالثة، أي الأصول الشرعية، ليس بتام.

و ذلك لأنه في موارد العلم الاجمالي، بناء على كون العلم علة تامة لوجوب الموافقة القطعية لا مقتضياً له، لا تصل النوبة الى الأصول الشرعية مع حكم العقل‏

10

بوجوب الاحتياط.

توضيح ذلك: إن في موارد العلم الاجمالي حكمين؛ أحدهما حرمة المخالفة القطعية، ثانيهما وجوب الموافقة القطعية، أما حرمة المخالفة القطعية فهو مقتضى منجزية العلم الاجمالي، و هو خارج عن محل كلامنا، و أما وجوب الموافقة القطعية، ففيه مبنيان:

أولهما: ان العلم يكون موجباً للتنجيز بنحو تجب معه الموافقة القطعية الذي يسمى بمبنى العلية لكون العلم الاجمالي علة تامة لوجوب الموافقة القطعية.

ثانيهما: أن العلم يكون مستدعياً لذلك مقتضياً له، بمعنى أنّه يستدعي وجوب الموافقة القطعية ما لم يمنع مانع، أما إذا منع مانع من ذلك، كما إذا رخّص الشارع بارتكاب أحد الأطراف فلا يكون مستدعياً له، فلو أمكن جريان البراءة الشرعية في أحد الأطراف، و لم يكن معارضاً بجريانها في الطرف الآخر يكون موجباً لوجوب الموافقة القطعية، لا أنه يقتضي ذلك بنحو العلية التامة بحيث لا يمكن انفكاك المعلول عن علته التامة.

و على هذا، فلو كان العلم الاجمالي موجباً للوجوب بنحو العلية التامة لا تصل النوبة الى الأصول الشرعية، بل يجب الاحتياط بحكم العقل، فما ذكره من أن الأصول العقلية في الرتبة المتأخرة عن الأصول الشرعية، ليس بتام.

و يقع البحث في ثلاث جهات:

11

الجهة الأولى: في المقسم‏

و نتعرض فيها لنقطتين:

النقطة الأولى: في شمول المقسم لغير البالغ‏

قال الشيخ الأعظم (ره) في بيان أبواب كتابه «الرسائل»:

إن المكلف إذا التفت الى الأحكام الشرعية فإما أن يحصل له العلم بها و القطع، و إما أن يحصل له الظن، و إما أن يحصل له الشك. فإن حصل له القطع لا بد له من العمل على قطعه، و إن حصل له الظن لا بد له من الرجوع الى الإمارات الظنية المعتبرة شرعاً، و ان حصل له الشك فان كان لشكه حالة سابقة يبني عليها، و إلا يرجع الى الأصول الشرعية و العقلية (1).

و ذكر المحقق الخراساني (قدس سره) تصريحاً في حاشيته على الرسائل، على ما أذكر، و إيماء في الكفاية أن المراد من المكلف البالغ الذي وضع عليه القلم، لا خصوص من تنجز عليه التكليف، و أن المشتق لا بد من مبدأ الاشتقاق فيه، فحينئذٍ لا يمكن جعل المكلّف مقسماً لما ذكر من الأقسام؛ اذ بينها من لم يكن عليه تكليف، أو لم ينجّز عليه، كما في الأحكام التي تختص بالمقلد و لا مساس لها

____________

(1) الرسائل، الشيخ الأنصاري، ص 3.

12

بالمجتهد (1).

و كيفما كان فالمفروغ عنه فيما بينهم اعتبار البلوغ في المقسم مع أنه لا اختصاص له في البالغ، بل يعم البالغ و غيره، فإن الشبهات الحكمية التي يكون الانقسام بالنسبة اليها يعم غير البالغ أيضاً، و يكون للقطع و الظن و الشك بالنسبة الى غير البالغ- و المراد به الصبي الرشيد المميز- أثرٌ فيها في موارد.

أحدها: في الشبهة الحكمية كما اذا التفت الصبي الى البلوغ، و انه هل يحصل باكمال أربع عشرة سنة و الدخول في الخامسة عشرة؟ أو يحصل باكمال الخامسة عشرة؟ فلو قطع بأحد الطرفين يعمل على طبق قطعه، و لو ظن باحدهما ظناً معتبراً شرعاً يكون حجة له، و أما اذا شك في ذلك فاطلاقات أدلة التكليف تكون شاملة له، و بالنسبة الى دليل التخصيص، و هو رفع القلم عن الصبي حتى يحتلم يكون من قبيل دوران الأمر في المخصص المنفصل بين الأقل و الأكثر، فيوجب اجمال المخصص على ما ذكرنا في بحث العموم، و ان لم يكن هناك اطلاق فلا بد له من الرجوع الى الأصول الشرعية، أو العقلية.

ثانيها: الشبهة المفهومية الحكمية كما اذا التفت الى الانبات المجعول حداً للبلوغ، و شك في مفهومه، فتجري فيه الاقسام بعينها، فلو لم يحصل له القطع أو الظن المعتبر، و بقي على شكه يكون اطلاق أدلة التكليف شاملًا له، إلا أن الشك في مفهوم الانبات و هو حد البلوغ يوجب دوران الأمر في المخصص المنفصل بين الأقل و الأكثر، و هو موجب للاجمال، فان لم يكن له اطلاق فلا بد له من الرجوع الى الأصول العملية المجعولة للشاك و هي البراءة و الاستصحاب.

ثالثها: ما اذا علم بشمول أدلة التكليف له، و عدم خروجه عنها يقيناً، كما في الأحكام التي يستقل بها العقل و يكون الحكم الشرعي مستفاداً في موردها من حكم العقل، كما في حرمة القتل بالنسبة الى النفس المحترمة، فان الصبي المميز الذي لم‏

____________

(1) كفاية الأصول، المحقق الخراساني، المقصد 6، ص 257 ط. آل البيت.

13

يبلغ قبل بلوغه بيومين يعلم بأن أدلة حرمة قتل النفس شاملة له و لم يخرج عنها تخصيصاً، فلا بد له من حصول المؤمِّن. هذه هي النقطة الأولى.

النقطة الثانية: في شمول المقسم لغير المجتهد

و أما النقطة الثانية و هي أن المقسم هل يختص بالمجتهد أو يعم المجتهد و غيره؟ فيكفينا في اثبات عموميته و شموله للمقلد أيضاً إثبات أن يترتب على المقلد بقطعه و ظنه و شكه أثر و لو على نحو الموجبة الجزئية، و لا يلزم أن يكون لها أثر في جميع الموارد، و اثبات الاثر بنحو الموجبة الجزئية بمكان من الامكان، و ذلك لأن المقلد اذا قطع بالحكم الشرعي الواقعي لا بد له من العمل على طبق قطعه، كما ان المجتهد كذلك، فلا فرق بينهما. إذا لم يحصل له القطع لا بد له من العمل على الامارات و الطرق الظنية المجعولة من قبل الشارع، كما في المجتهد.

نعم، هناك فرق بينهما، و هو أن الطرق و الامارات الظنية كثيرة بالنسبة الى المجتهد كخبر الواحد و أمثاله، و أما بالنسبة الى المقلد فالطريق منحصر بفتوى المجتهد، فلا يمكن له الرجوع إلى غيره من الامارات كخبر الواحد مثلًاً، و ذلك لا من جهة عدم شمول ادلة الحجية للمقلد، بل من جهة عدم تحقق شرط الرجوع الى الخبر فيه، لان الشرط فيه أن يكون الشخص فاحصاً، فخبر الواحد حجة لمن فحص عن المعارض، و كذا الظهور حجة عن المخصص و المقيد، و الفحص وظيفة المجتهد، و العامي لا يكون قادراً عليه.

و على هذا فان حصل له القطع بفتوى المجتهد فهو، و إلا يرجع الى الظن المعتبر ان كان، و الا، أي و إن لم يكن هناك قطع بالفتوى و لا طريق ظني معتبر، بل بقي شاكاً في فتواه يرجع الى ما يستقل به عقله من الاحتياط و غيره، فثبت أنه يكفينا في المقام الموجبة الجزئية.

نعم، هناك بحث مستقل لم نرَ من بحثه فينا، و هو البحث عن كيفية افتاء المجتهد للمقلد، فنبحث عنه و يكون بحثاً تأسيسياً منا، و نجعل عنوانه تحليل عملية

14

الافتاء أي افتاء المجتهد للمقلد.

تحليل عملية الافتاء

هناك مشكلة عويصة لا بد من التخلص منها، و هي فيما اذا قطع المجتهد بالحكم الواقعي و وصل إليه، لا مانع له من الافتاء للمقلد فيكون ذلك من رجوع الجاهل الى العالم و أهل الخبرة، كما هو سيرة العقلاء في بقية الموارد و الأمور العرفية، فالمريض يرجع الى الطبيب في مرضه لأنه ذو خبرة في ذلك الفن، هذا في الاحكام الواقعية التي يشترك فيها العالم و الجاهل.

و أما في الاحكام الظاهرية فحيث إنها مختصة بالعالم و المجتهد لانه الفاحص و الذي يقدر على الفحص دون غيره، فان المجتهد قادر على الفحص عن المعارض للخبر في بابه، و عن المخصص و المقيد في باب ظهور الخبر في العموم او الاطلاق فيكون شرط حجية الخبر متحققاً في المجتهد دون المقلد، و كذا في باب الأصول العملية فان موضوعها «من فحص و لم يجد دليلًا فشك و تحير»، يجري في حقه البراءة و الاستصحاب و غيرهما من الاصول، و هو المجتهد دون المقلد، فانه غير قادر على الفحص عن الدليل، فالاحكام الظاهرية مختصة بالمجتهد و لا تشمل المقلد، حينئذ يقع الاشكال في انه كيف يجوز للمقلد الرجوع الى المجتهد؟ و كيف يمكن للمجتهد الافتاء للعامي؟ مع أن الحكم الظاهري مختص به و لا يشمل العامي، فلا يكون من قبيل الموارد التي يرجع الجاهل فيها الى أهل الخبرة و يكون الحكم فيها مشتركاً بين العالم و الجاهل، و يزيد الاشكال وضوحاً فيما اذا كان الحكم الذي يفتي به المجتهد للمقلد غير مرتبط بالمجتهد أصلًا، بل يكون من الأحكام المختصة بالمقلد، كما اذا افتى بمسائل الحيض و النفاس، و لا بد في التخلص عن الاشكال و الجواب عنه من التكلم في مقامات ثلاثة:

المقام الأول: البحث عن أن أدلة الأحكام الظاهرية هل تشمل المقلد ايضاً؟ أم هي مختصة بالمجتهد؟

المقام الثاني: البحث عن أنه على فرض عدم شمول أدلة الأحكام الظاهرية

15

للمقلد هل يمكن توجيه افتاء المجتهد فيها للمقلد على طبق القاعدة أم لا؟

المقام الثالث: في البحث عن انه على فرض عدم شمول ادلة الأحكام الظاهرية للمقلد، و عدم امكان توجيه افتاء المجتهد فيها للمقلد على طبق القاعدة، لا بد من استفادة خصوصية من أدلة جواز التقليد يستفاد منها كيفية جواز رجوع المقلد للمجتهد، فان رجوع المقلد للمجتهد جائز بلا اشكال في الأحكام الظاهرية.

و البحث انما وقع في المبرر له و كيفيته، و إلا فلا كلام في أصل جوازه، و نتكلم الآن في المقام الثاني لأن ترتيب البحث توضيحياً هكذا، و ان كان ترتيبه الفني يقتضي التكلم أولًا في المقام الأول، و بعده في المقام الثاني، و بعده في المقام الثالث، إلا أنا نتكلم أولًا في المقام الثاني، و بعده في المقام الثالث، ثم بعد ذلك نتكلم في المقام الاول.

المقام الثاني‏

أحسن ما يستفاد من مجموعة كلمات المحققين في الأبواب المختلفة في المقام الثاني هو أن يقال: إن أدلة الأحكام الظاهرية و إن لم تشمل المقلد فرضاً، بل تختص بالمجتهد، إلا أنه اذا دلّت صحيحة زرارة على وجوب السورة في الصلاة مثلًا، يكون المجتهد بمقتضى أدلة حجية الخبر الواحد عالماً و بصيراً بالواقع، و هو وجوب السورة تعبداً، و ذلك لان الحكم الظاهري في باب الامارات هو الحجية، و أما مؤدى الامارة فهو حكم واقعي لم يؤخذ في موضوعه الشك، و ان ما اخذ في موضوعه الشك هو حجية الامارة لا مؤداها، غاية الأمر أن المؤدى حكم واقعي تعبدي، لا وجداني فاذا كان المجتهد عالماً و بصيراً بالواقع بمقتضى دليل الحجية، و كان له كشف للواقع لا مانع له من ان يفتي العامي بذلك الحكم الواقعي المشترك فيه العالم و الجاهل، و يكون قوله قولًا بعلم لا قولًا بغير علم، فيدخل في قاعدة رجوع الجاهل الى العالم، كما في سائر الموارد بلا فرق بينها. هذا ملخص ما أفاده المحققون في المقام لكن متفرقاً.

إلا أنه يرد عليه أولًا: انه لو تم في باقي الامارات لا يتم في باقي الأصول‏

16

العملية لعدم الكشف عن الواقع فيها، و عدم كونها طريقاً اليه، بل هي تعين وظيفة الشاك. في مقام العمل، «فكل شي‏ء لك حلال حتى تعلم أنه حرام» يعين وظيفة الذي شك في حرمة التتن مثلًا، و لم يجد دليلًا، و بقي متحيراً بعد الفحص عن الدليل، و هو المجتهد دون المقلد لعدم كونه قادراً على الفحص، فالحكم بحلية شرب التتن مختص بالمجتهد فكيف يجوز له ان يفتى للمقلد.

و يرد عليه ثانياً: انه لو تم في باب الامارات فانما يتم على مبنى الكشف و الطريقية، و هو مبنى الميرزا النائيني (قدس سره)، و لا يتم على مبنى المشهور، كصاحب الكفاية و المحقق الاصفهاني (قدس سره)ما) من ان وظيفة الامارة جعل الحكم المماثل، اذ على هذا المبنى غاية ما يستفاد من دليل الحجية هو الحكم المماثل، و هو لا يكون مشتركاً بين المجتهد و المقلد، بل يختص بالمجتهد فكيف يمكن ان يفتي بذلك الحكم المختص به للعامي.

و يرد عليه ثالثاً: انه مضافاً الى انه لا يتم في غير الامارات، و مضافاً الى انه لا يتم في الامارات بناء على جعل الحكم المماثل، لا يتم في باب الامارات ايضاً حتى بناء على مبنى الكشف و الطريقية، و ذلك لان سيرة العقلاء في باب رجوع الجاهل الى العالم انما تجري فيما اذا كان علم العالم حاصلًا عن طريق الصناعة و الفن لا من أي طريق كان و لو من طريق الرؤيا، فلو رأى شخصٌ المعصوم في المنام فقطع من قوله بجميع الاحكام لا يجوز لغيره تقليده في ذلك لعدم جريان السيرة في مثل ذلك، فتحصل انه لو قلنا في المقام الاول باختصاص الاحكام الظاهرية بالمجتهد لا يمكن توجيه عملية الافتاء فنياً في المقام الثاني.

المقام الثالث‏

و أما المقام الثالث فقد يقال فيه، قد يستفاد من أدلة جواز التقليد بان علم المجتهد علم المقلد، و فحصه فحص المقلد تنزيلًا، فالمقلد و ان لم يكن عالماً بالحكم وجداناً إلا أنه عالم به تنزيلًا بالتعبد الشرعي، فمن ناحية هذه الخصوصية المستفادة من أدلة جواز التقليد، و هي التنزيل الشرعي يجوز للمجتهد ان يفتي‏

17

العامي بالاحكام.

و لكن هذا المبنى يختلف عن المبنى الأول، و هو مبنى الطريقية، من ناحية انه على مبنى الطريقية يكون الحكم على طبق القاعدة و مشمولًا للسيرة العقلائية كما مر، و اما على هذا المبنى لا يمكن الاستدلال على جواز التقليد بالسيرة العقلائية، بل لا بد من التماس دليل شرعي لفظي أو عقلي كالاجماع ينزل علم المجتهد منزلة علم العامي و فحصه بمنزلة فحص المقلد، و يرفع يدنا عن السيرة العقلائية التي هي أهم أدلة جواز التقليد، و هذا أثر مهم.

و يختلفان ايضاً في اثر مهم آخر و هو: انه بناء على مبنى التنزيل اذا لم يقطع المجتهد بأعلمية نفسه، و احتمل اعلمية غيره لا يجوز له الافتاء للعامي؛ لانه لم يحرز حينئذ أن علمه يكون بمنزلة علم العامي، و فحصه بمنزلة فحصه، بل يحتمل ان يكون غيره أعلم، و يكون علم الأعلم و فحصه بمنزلة علم العامي و فحصه بمقتضى وجوب تقليد الأعلم، فيكون اخبار المفضول اخباراً بغير علم، و كذا الحال بالنسبة الى العدالة؛ فما لم يحرز عدالة نفسه لا يجوز له الافتاء، كما انه لا يجوز للعامي تقليده ما لم يكن محرزاً لعدالته و أعلميته أو ما يشابه الأعلمية.

و هذا بخلاف مبنى الطريقية فانه يجوز فيه للمجتهد ان يفتي للعامي و إن لم يحرز أعلمية نفسه، و احتمل اعلمية غيره؛ لانه حينئذ يفتي بالحكم الواقعي الذي يشترك فيه العالم و الجاهل، و لا يكون من شرائط العمل بالواقع ان لا يكون رأي الأعلم مخالفاً، و لا يكون احتمال اعلمية الغير مانعاً عن الافتاء، كما انه يجوز للعامي تقليد هذا المجتهد اذا اعتقد اعلميته. فهذان الاثران، و هما: جواز افتاء المجتهد في صورة عدم قطعه بأعلمية نفسه، و جواز تقليد العامي له اذا ثبت عند العامي أعلميته، مترتبان على مبنى الطريقية، كما أنهما مترتبان على العلم الوجداني من المجتهد بالواقع بلا كلام و لا إشكال.

و هناك مبنى متوسط بين هذين المبنيين، أي مبنى الطريقية و مبنى التنزيل و هو: ان يجعل فتوى المجتهد في مسألة محققاً لموضوع جواز التقليد في مسألة

18

اخرى، كما اذا علم المجتهد نجاسة الماء المتغير بالنجاسة بالعلم الوجداني، فيجوز للمقلد تقليده في هذه المسألة، فاذا زال تغيره يشك في زوال النجاسة و عدمها فيستصحب المجتهد، و كذا العامي نجاستها، أما المجتهد فلتحقق أركان الاستصحاب، و هو اليقين السابق و الشك اللاحق بالنسبة اليه، و أما المقلد فانه و إن لم يكن له يقين وجداني بالنجاسة سابقاً إلا أنه يقلد المجتهد في الحكم بكون التغير موجباً لنجاسة الماء فيحقق له اليقين السابق بالنجاسة، و يشك الآن ببقائها، فيتم بالنسبة اليه ايضاً أركان الاستصحاب، فيجري في حقه.

و هذا المبنى أحسن من المبنى الثاني، و هو مبنى التنزيل، من وجه، و مثله من وجه، و أسوأ منه من وجه.

أما انه احسن منه: فمن جهة انه مثل مبنى الطريقية في كونه على طبق القاعدة، فتجري فيه السيرة العقلائية لعدم احتياجه الى خصوصية زائدة تستفاد من ادلة جواز التقليد، بل يكون تقليد المجتهد في مسألة موجباً لجوازه في بقية المسائل، و تكون المسألة الأولى في أول السلسلة، و هذا بخلاف مبنى التنزيل فانه يحتاج الى دليل التنزيل لأن ينزل علم المجتهد منزلة علم العامي.

و أما انه مثل المبنى الثاني: فمن جهة انه في هذا المبنى ايضاً اذا لم يحرز المجتهد اعلمية نفسه، بل احتمل اعلمية غيره لا يجوز له الافتاء للعامي، كما ان العامي ايضا اذا لم يثبت عنده اعلمية ذلك المجتهد لا يجوز له تقليده، و كذا الحال في العدالة.

و الوجه في ذلك: ان المجتهد اذا لم يقطع بأعلمية نفسه و احتمل اعلمية غيره لا يحرز بأن علمه بنجاسة الماء المتغير حجة على العامي، بل يحتمل ان يكون علم غيره، و هو الأعلم، حجة عليه، فلا يتحقق اركان الاستصحاب بالنسبة الى العامي كي يفتيه به ويحكم ببقاء النجاسة في فرض زوال التغير.

و أما انه أسوأ من مبنى التنزيل: فمن جهة انه لو كان هناك اثر يترتب على علم العامي يكون العامي عالماً على مبنى التنزيل و لو بالتنزيل و التعبد الشرعي، و اما على‏

19

المبنى الأخير فلا يكون عالماً تنزيلًا ايضاً، بل هو مقلد للعالم. و تظهر الثمرة في العلم الاجمالي بناء على مبنى العلية، و أن العلم الاجمالي علة تامة لوجوب الموافقة القطعية، فانه على مبنى التنزيل اذا علم المجتهد بنجاسة احد الإناءين يكون علمه علم المقلد، و فحصه فحص المقلد، و موجباً لوجوب الموافقة القطعية عليه، و هذا بخلاف المبنى الثالث فان علم المجتهد لا يكون فيه علم العامي لا وجداناً و لا تعبداً، فلا يكون موجباً لوجوب الموافقة القطعية عليه.

هذه هي المباني الموجودة في المقام، فان ثبت في المقام الأول أن الأحكام الظاهرية تعم المجتهد و المقلد فلا تصل النوبة الى هذه المباني و إلا فان تم المبنى الأول و هو مبنى الطريقية و الكاشفية فهو، و الا، فيعين المبنى الثالث، و ذلك لأن المبنى الثاني، و هو مبنى التنزيل، و ان كان موافقا لارتكاز المتشرعة لأن المرتكز في اذهانهم ان عمل المجتهد هو عمل المقلد، إلا أن هذا الارتكاز لا يكون حجة و موجباً لتعيين هذا المبنى و اثباته، بل يتوقف اثباته على أمرين:

أحدهما: أن أدلة جواز التقليد شاملة للتقليد في الأحكام الظاهرية.

الثاني: أن لا يكون هناك دافع عن الاشكال إلا الالتزام بمبنى التنزيل و يثبت مبنى التنزيل بدليل الاقتضاء حينئذ، و لكن هذا الأمر الثاني غير تام لوجود المبنى المتوسط فيكون مانعاً عن تمامية دليل الاقتضاء اذ مع وجوده لا ينحصر المبرر لجواز الافتاء و شمول أدلة جواز التقليد الى المبنى الثاني ليثبت بدليل الاقتضاء.

اتضح مما ذكرنا: انه لا مانع من الافتاء بالنسبة الى الاحكام الواقعية، و أما الأحكام الظاهرية فلا بد في توجيه جواز الافتاء فيها من احد المباني المتقدمة:

إما القول بعمومية دليل الأحكام الظاهرية، و شمولها للمجتهد و العامي، و عدم اختصاصها بالمجتهد في المقام الأول.

و إما القول بمبنى الكشف، و الطريقية في المقام الثاني.

و إما الالتزام بمبنى التنزيل، أو المتوسط في المقام الثالث.

20

و تمام ما ذكرناه انما كان بالنسبة الى الاحكام المرتبطة بالمجتهد و المقلد، و أما الاحكام التي لا ارتباط لها بالمجتهد، بل تختص بالمقلد كالأحكام المختصة بالنساء، فيجي‏ء فيها الاشكال بعينه، و يجري فيها جميع المباني المتقدمة إلا مبنى واحد و هو مبنى الكشف و الطريقية، و ذلك لأنه في الأحكام التي يكون لها ارتباط بالمجتهد، قلنا بان دليل الحكم الظاهري يثبت حجية الحكم الظاهري للمجتهد، و يستكشف من الحكم الظاهري الحكم الواقعي المشترك بين المجتهد و المقلد، فلا مانع من ان يفتي للمقلد بذلك الحكم الواقعي، و أما في الحكم الغير المرتبط به فحيث انه لا اثر لظنه بالنسبة الى نفسه فلا يمكن اعتبار ظنه قطعا و علماً، بخلاف الأحكام المشتركة فان لظنه بالواقع من الأحكام الظاهرية فيها اثر بالنسبة اليه فيمكن اعتبار ظنه علما، و لا يصير هذا الاعتبار لغوا، فاذا كان ظنه علما باعتبار الشارع يجوز له الاخبار عن الواقع للمقلد، و اما في الاحكام المختصة بالمقلد فحيث انه لا أثر لظنه بالنسبة اليه فيصير اعتبار ظنه لغوا، فلا يمكن اعتباره، فلا يكون عالما بالواقع باعتبار من الشارع، و لا يجوز له الاخبار عنه.

و يمكن الجواب عنه بانه لا مانع من اعتبار ظنه حينئذ ايضا علما فلا يصير لغوا.

اما بحسب مقام الثبوت: فبناء على ان الظن كما يقوم مقام القطع الطريقي يقوم مقام القطع الموضوعي ايضا، و أثره جواز الافتاء للمجتهد حينئذ فلا يكون لغوا، بل يعتبر ظنه علما بلحاظ جواز الافتاء له.

و أما بحسب مقام الاثبات: فيختلف باختلاف التعبير في لسان الأدلة، فبعض التعبيرات لا تكون شاملة له، كصدق العادل، فان الظاهر منه أن لزوم التصديق انما هو بلحاظ الآثار المترتبة على عمل المكلف و المصدق و هو المقلد دون الاثر المترتب بالنسبة للمجتهد، و بعضها يكون شاملا للآثار المترتبة بالنسبة الى المجتهد، كقوله (عليه السلام): «ما أديا عني فعني‏

21

يؤديان» (1). هذا تمام الكلام في المقام الثالث.

5

المقام الأول‏

و أما المقام الأول: فقد ظهر حاله من طي كلامنا في المقام الثاني و الثالث و ليس فيه زيادة بحث؛ و ذلك لانه:

أما في الأصول العملية فتارة يقع البحث في الفحص و انه مختص بالمجتهد؟ أم يعم المقلد؟ و أخرى في موضوع الأصل كاليقين السابق و الشك اللاحق في الاستصحاب و العلم الاجمالي في الاحتياط و التخيير، أما في الموضوع فلا شك أن اليقين السابق مختص بالمقلَّد (بالفتح) فانه هو الذي يتمكن من اليقين بالحكم و ان كان المقلد يحصل له الشك ايضاً، و كذا العلم الاجمالي بالحكم من مختصات المقلَّد (بالفتح) و لا يشمل العامي، و هذا واضح، و أما بالنسبة الى الفحص فهو ايضا مختص بالمجتهد اذ هو الذي يتمكن منه دون المقلد، إلا أن يقال ان فحص كل شخص بحسبه، و من اساليب الفحص بالنسبة الى المقلد، هو الرجوع الى رسالة المجتهد لتمكنه منه.

و أما في الامارات فيكون الفحص عن المعارض و المخصص فيها ايضا مختصا بالمجتهد دون المقلد، لعدم تمكنه منه، إلا أن يقال هنا ايضا بأن فحص كل شخص بحسبه و فحص العامي انما هو الرجوع الى رسالة مقلده، هذا تمام البحث في المقامات الثلاثة.

و يمكن تحليل عملية الافتاء في المقام بالتمسك بالاطلاق المقامي؛ و ذلك بأن يقال: ان هذه النكتة، و هي نكتة الفرق بين الاحكام الظاهرية و الواقعية التي صارت منشئا للشبهة و الاشكال، يكون مغفولا عنها غالبا حتى بالنسبة الى المجتهدين. و أدلة جواز التقليد كقوله تعالى: (لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ) (2)

____________

(1) جامع أحاديث الشيعة باب حجية أخبار الثقات، ح 1.

(2) سورة التوبة آية 122.

22

دلت باطلاقها على جواز التقليد حتى بالنسبة الى الاحكام الظاهرية. و لو كانت النكتة المذكورة دخيلة في الفرق لتنبه الشارع اليها، فمن عدم تنبهه اليها مع كونها مغفولا عنها غالبا يستكشف انها غير دخيلة، و ان اطلاق الأدلة يشمل المقام كما في سائر موارد التمسك بالاطلاق المقامي، فقد تمسك المحقق الخراساني (قدس سره) بهذا الاطلاق لاثبات عدم دخالة قصد الوجه و التمييز في الصلاة.

بناء على ما ذكرنا، إذا كان المجتهد مفضولا و غير أعلم، و كان رأيه مخالفا لرأي الأعلم، و كانت المسألة من المسائل الفنية التي يحتاج استنباط الحكم فيها الى البرهان العقلي و التأمل الفكري، كما في مسألة انقلاب النسبة، قد يقال بأنه لا يجوز للمجتهد الافتاء اصلا؛ و ذلك لان هذا مسلم في فقه الشيعة، بل لعله في فقه الاسلام و هو ان المجتهد لا يجوز له الافتاء إلا إذا قطع بالحكم، غاية الأمر ان متعلق قطعه قد يكون حكما واقعيا، و قد يكون حكما ظاهريا و اذا كان المجتهد غير أعلم، و كان رأيه مخالفا لرأي الأعلم، و كانت المسألة من المسائل الفنية التي تحتاج الى تدبر و تأمل و إقامة برهان يحتمل المفضول أنه ان راجع الأعلم غلب عليه و أرجعه عن هذه الفتوى باقامة البرهان فلا يحصل القطع بالحكم له، فلا يجوز له الافتاء مع هذه الشرائط الثلاثة.

نعم إذا كانت المسألة من المسائل التي تستنبط من الظواهر اللفظية لا يجي‏ء هذا الاحتمال، لأن الظهور ليس أمرا مضبوطا تحت قاعدة و برهان، فقد يدعي شخص ظهور لفظ في معنى، و يدعي آخر ظهوره في معنى مختلف وعليه فقد لا يكون الأعلم قادرا على غلبة غير الأعلم أو يكون احتمال الغلبة ضعيفا.

و احتمال الغلبة يتصور على نحوين:

الأول: يحتمل أن يتغير موضوع الحكم عند غير الأعلم بعد تباحثه مع الأعلم، كما لو كان على يقين من حكم ما، ثم شك في بقائه، و عند ما تباحث مع الأعلم ثبت له أن يقينه السابق كان في غير محله، فلا يكون المورد عنده من موارد الاستصحاب حينئذ بل من موارد البراءة لأن لديه شكا بدويا بعد ما زال يقينه السابق.

23

و في هذه الحالة لا محذور في افتائه لأنه يحتمل انه اذا تباحث مع الأعلم يُظهر له الأعلم خطأه في الحكم حتى لا يحصل له اليقين بالحكم من رأس، بل يحصل له اليقين و يحتمل انه إذا تباحث مع الأعلم ينقله من موضوع إلى موضوع آخر.

الثاني: يحتمل أن يُظهر له الأعلم بعد التباحث معه خطأه في الحكم كما لو كان مخالفا له في مسألة مثل انقلاب النسبة أو الترتب.

و يمكن الجواب عن هذه الشبهة نقضاً و حلًا:

أما نقضا فمن وجوه:

احدها: أن الأعلم ايضا ليس كل استنباطاته في حالة صفاء ذهنه، فقد يستنبط في حالة الصداع و الوجع، فيحتمل في تلك الحالة انه لو كان في حالة صفاء الذهن لأدى نظره الى خلاف ما أدى اليه فعلا، فلا يحصل له اليقين بالحكم كي يفتي به.

ثانيها: ان الأعلم ايضا يحتمل انه لو تباحث مع غير الأعلم لغلب عليه، و ذلك لأن التفاوت بين الأعلم و غيره لا يكون دائما تفاوتا كبيرا، بل قد يكون يسيرا، وعليه يحتمل الأعلم انه لو تباحث مع غير الأعلم لغلبه و أرجعه عن رأيه، فلا يحصل له اليقين بالحكم كي يفتي به.

ثالثها: أن الأعلم يحصل له الرقيُّ كغيره لكونه بصدد التكامل و الترقي فيحتمل الآن انه قد يترقى فيما بعد و يظهر له ما يرجعه عن فتواه الحالية.

رابعها: أن الأعلم و إن كان أعلم الأحياء إلا أنه ليس بأعلم من جميع المجتهدين أحياء و أمواتا. فاذا كان رأيه مخالفا للأعلم منه من الأموات يحتمل انه لو كان الميت حيا و ناظره لغلب عليه و ارجعه عن رأيه، فلا يحصل له القطع الفعلي بالحكم.

و لكن هذا النقض يبتني على أن يكون المراد بالأعلم الأدق نظرا و الأعمق فكرا فانه يمكن ان يكون في الأموات شخص أدق نظرا من أعلم الأحياء، و أما إذا

24

كان المراد بالأعلم الأجود استنباطا فلا يرد هذا النقض؛ و ذلك لأن اجودية الاستنباط تحصل من كثرة التجربة و الاطلاع على تجارب الآخرين، فالأعلم من الأحياء يكون دائما أجود استنباطا من تمام الأموات و ان كانت العظمة لواحد من الأموات فلنفرض ان الانظار كانت خمسين الى زمان الشيخ الانصاري (قدس سره)، فأضاف الشيخ اليها اربعين، و اضاف جميع الاحياء الى التسعين خمسة، و مع ذلك يكون الأعلم من الاحياء اجود استنباطا من الشيخ الانصاري (قدس سره) لاطلاعه على جميع الخمسة و التسعين، بخلاف الشيخ فانه كان مطلعا على تسعين فحسب، و ان كانت العظمة للشيخ حيث اضاف وحده اربعين الى الخمسين، و على هذا لا يكون هذا النقض وارداً.

خامسها: إن الأعلم يحتمل ان يخلق الله رجلا أدق و أعلم منه بكثير اذ ليس هذا بمحال و ان كان الأعلم قويا في فكره دقيقا في نظره، فيتباحث معه و يغلبه، و لا يحصل له القطع بالحكم، لا أقل من انه يحتمل ان يظهر الامام (ع) و يباحثه و يرجعه عن فتواه.

هذا هو الجواب النقضي، اذا فكل مجتهد سواء كان أعلم أو غير أعلم يحتمل الخطأ في رأيه، فلو قلنا باضرار ذلك في حجية رأيه لانسد باب الاجتهاد مع أنه لا نحتمل ذلك، فلا بد حينئذ من التخلص عن هذا الاشكال، و من هنا فإن الجواب عنه إنيٌّ لا لميٌّ كما لا يخفى.

أما الجواب الحلي فنقول: ان دليل الحكم الذي وصل اليه رأيه قد يكون دليلا شرعياً، و قد يكون دليلا عقليا.

فان كان دليلا شرعيا فمرجع احتمال الخطأ في الرأي فيه هو الشك في الظهور، فلو استقر رأيه في باب الاستصحاب على حجيته حتى في مورد الشك في المقتضي لأن لدليله اطلاقا بالنسبة للشك في المقتضي، و احتمل انه لو باحث الشيخ الانصاري (قدس سره) القائل بعدم حجية الاستصحاب في موارد الشك في المقتضي لخطأه و اثبت عدم الحجية له، فمرجع هذا الى الشك في ظهور دليل‏

25

الاستصحاب في الاطلاق بالنسبة الى الشك في المقتضي، و يكون شكه هذا من ناحية وجود رأي مخالف له، و هو مطمئن بالظهور لو لا مخالفة غيره، و هذا لا يضر بحجية الظهور اذ كما قامت السيرة العقلائية على حجية اصل الظهور، كذلك قامت على حجية مثل هذا الظهور المشكوك فيه من هذه الناحية، فان من كان خبيرا بصيرا بلسان شخص، و فهم من كلامه شيئا و بنى عليه، مع انه يحتمل ان من هو ابصر و أخبر منه يفهم شيئا آخر، فان هذا الشخص لا يذم من قبل العقلاء على بنائه بمجرد الاحتمال المذكور، كما هو واضح لا يخفى.

و لو كان دليل الحكم عقليا: فقد يكون هو العقل العلمي الذي مرجعه الى الحسن و القبح، و قد يكون هو العقل النظري، فلو كان هو العقل العملي فيخرج عن موضوع الاشكال، لأنا ذكرنا ان موضوع الاشكال يتحقق بشروط ثلاثة: ثالثها: كون المسألة صناعية يمكن النزاع فيها، و هذا الشرط غير متحقق فيما نحن فيه، اذ العقل العملي مرجعه الى الوجدان.

و إن كان هو العقل النظري كما في مسألة امكان الترتب، و امكان اجتماع الأمر و النهي، فقد يكون رأي المجتهد الإمكان و يحتمل الرجوع عن رأيه بالمباحثة الى الامتناع، فحينئذ يرجع احتمال الاستحالة الى احتمال وجود مقيد لاطلاق وجوب الصلاة مثلا، و يمكنه الفحص عنه بالمباحثة مع غيره، فهذا يرجع الى وجوب الفحص، و قد قلنا: انه لا اطلاق له بالنسبة الى الفحص بمعونة الغير.

و قد يكون رأيه الامتناع و يحتمل الرجوع إلى القول بالاجتماع بعد التباحث، فيكون مرجع احتمال الامكان الى احتمال وجود اطلاق للوجوب، وعليه سيكون الاشكال الوارد في المقام هو انه مع احتمال الاطلاق و التقييد ما ذا نعمل؟؟ لا بد من نفي التقييد باصالة عدم التقييد و الأخذ بالاطلاق، و هذا ينافي الامتناع فيرجع عندها إلى الإمكان.

و الجواب: ان أصالة عدم التقييد انما تجري فيما اذا لم يكن احتمال التقييد بهذا النحو المفروض في المقام، و هو ان يطمئن عن بصيرة و خبرة بالتقييد لو لا

26

المباحثة مع الغير، فان الاحتمال بهذا النحو يسبب حجية الظهور في الاطلاق كما لا يخفى.

هذا تمام الكلام في المسألة التأسيسية مع خاتمتها.

فلنرجع الى أصل البحث. ذكرنا انه يقع البحث حول التقسيم الذي ذكره الشيخ الأعظم في جهات و كانت الجهة الأولى حول المقسم و قد تم الكلام فيه.

*** الجهة الثانية: في البحث عن الملتفت اليه و هو الحكم‏

و بعبارة أخرى في البحث عن التقسيم و أنه هل هو ثلاثي أم ثنائي؟ قلنا: ان الشيخ الأعظم ذكر في أول رسائله التقسيم ثلاثيا، و أورد عليه صاحب الكفاية بايرادين:

أحدهما: ان هذا التقسيم يلزم منه تداخل بعض الأقسام؛ فان الظن الغير المعتبر داخل في الشك حكماً، فان أريد بالشك المعنى الأعم الذي يشمل الظن الغير المعتبر، يلزم تداخل الظن الغير المعتبر في الشك و الظن و هو تداخل الاقسام؛ و ان أريد منه المعنى الخاص فهو بلا موجب مع اجراء حكم الشك عليه.

ثانيهما: ان التقسيم ثنائي لا ثلاثي، و ذلك بأن يقال: ان المكلف اذا التفت الى الحكم الشرعي الواقعي أو الظاهري؛ فإما أن يحصل له القطع به أو لا؟ فجعل التقسيم ثنائيا من جهة أنه جعل الحكم أعم من الواقعي و الظاهري (1).

و أجاب عن الايراد الاول المحقق النائيني بأن تقسيم الشيخ انما هو بلحاظ الخصوصيات الذاتية لكل من القطع و الظن و الشك، و أن القطع له خصوصية من جهة تلك الخصوصية تجب حجيته، و أن الظن له خصوصية من جهتها يمكن اثبات‏

____________

(1) كفاية الأصول، المقصد 6، ص 258.

27

الحجية له، و أن الشك له خصوصية مانعة عن جعل الحجية له؛ و هي ان الشك جهل محض فيستحيل ان يجعل حجة بخلاف القطع و الظن فان لهما كاشفية و مرآتية عن الواقع إما تاما و إما ناقصا (1).

و لكنه غير صحيح؛ فانه إن اريد من الشك الترديد و كلا الاحتمالين على نحو المجموع فامتناع جعله حجة مسلّم، لكن هذا ليس استيعابا للاقسام، فانه لم يذكر حكم أحد الاحتمالين، مضافا الى أن ارادة مجموع الاحتمالين من الشك خلاف سياق كلام الشيخ حيث جعله في سياق الظن و القطع، و كل منهما عبارة عن طرف واحد، اذ لا يعقل الظن أو القطع بكلا الطرفين.

و إن أريد منه أحد الاحتمالين فجعل حجيته بمكان من الامكان، فان الاحتمال ايضا له كشف ناقص غاية الامر انه معارض بكشف مثله، و من الممكن ان يرى المولى مثلا ان احتمال ثبوت التكليف أغلب مصادفة من احتمال عدمه فيجعله حجة.

التحقيق حول تقسيم الشيخ الانصاري:

تارة يفرض أن مقصود الشيخ (ره) من هذا التقسيم بيان أقسام مباحث الكتاب، و أخرى يفرض أن مقصوده بيان أقسام موضوع الوظائف العملية.

أما على الأول: فيمكن حمل الشك في كلامه على ما يعم الظن غير المعتبر من دون أن يرد عليه اشكال التداخل، لأن الظن و الشك و إن كانا قد يتصادقان في مورد واحد لكنهما لا يتداخلان من حيث العنوان، فالظن يبحث عنه في باب الظن من جهة، و في باب الشك من جهة أخرى، ففي باب الظن يبحث عنه من جهة انه هل هو معتبر، أو لا؟ و في باب الشك يبحث عن أنه بعد فرض عدم اعتباره ما هو الاصل الجاري في المقام؟ لكن لا يخفى ان هذا الفرض لا يناسب ما في كلام الشيخ من الترديد ب- «أو» حيث انه يقول: «إما أن يحصل له القطع أو الظن أو

28

الشك». فان ظاهر ذلك عدم التصادق في المورد ايضا، فالمناسب لكلام الشيخ (قده) هو الفرض الثاني.

و أما على الثاني: فيرد اشكال التداخل على كلام الشيخ ما لم يحمل الظن في كلامه على الظن المعتبر باخراج الظن غير المعتبر من هذا العنوان و ادخاله في العنوان الثالث و هو الشك، و يشهد لهذا الحمل ما صنعه الشيخ (قده) في أول البراءة حيث ذكر عين هذا التقسيم و قيد الظن بكونه معتبرا (1).

و أما الجواب عن الايراد الثاني فبأن يقال: إنك قد عرفت ان تقسيم الشيخ اما بلحاظ أقسام كتابه، أو بلحاظ أقسام موضوعات الوظائف العملية؛ فان كان باللحاظ الأول فالمتعين هو التثليث فان ابحاث كتابه ثلاثة لا اثنان؛ مبحث القطع، و مبحث الظن، و مبحث الشك؛ و ان كان باللحاظ الثاني فايضا المتعين هو التثليث فان موضوعات الوظائف ثلاثة: العلم، و الظن، و الشك، و لا وجه لالغاء الثاني بارجاعها الى قسمين، فانه ليس المقصود ارجاع الأقسام الى عنوان جامع، و إلا فمن الممكن ارجاعها الى جامع واحد و هو العلم بالوظيفة العملية الأعمّ من كونها حكما شرعيا أو عقليا.

الجهة الثالثة: في البحث عن متعلق الحكم‏

في أنه بعد الفراغ عن أن ما ينبغي هو تثليث الاقسام، هل ينبغي أن يجعل متعلق هذه الاقسام- أعني العلم و الظن و الشك- هو خصوص الحكم الواقعي؟ أو الأعم من الواقعي و الظاهري؟

ذهب السيد الاستاذ (قده) الى الثاني بتقريب أنه كما أن القطع و الظن و الشك بالحكم الواقعي موارد للأثر كذلك القطع و الظن و الشك بالحكم الظاهري فلا وجه لتخصيص الحكم بالواقعي. هذا و الموجود في الدراسات هو جعل الاقسام‏

____________

(1) الرسائل ص 175.

29

خصوص الحكم الواقعي، لكنه (قده) قد صرح في البحث بما نقلناه عنه.

و يرد عليه أولا: أن الجمع بين التثليث و تعميم الحكم للواقعي و الظاهري مستلزم للتداخل؛ فان القطع بالحكم الظاهري ظن معتبر بالواقع في مورد الامارات، و شك فيه في مورد الأصول الشرعية.

و ثانيا: مع قطع النظر عن أشكال التداخل فإن ما ذكره من لزوم تعميم الحكم للواقعي و الظاهري موقوف على تسليم كون الشك في الحكم الظاهري بما هو موضوعا للوظائف العملية الثابتة بأمارة أو أصل و كونهما منجزين لذلك و ليس الأمر كذلك.

هل يقع الشك في الحكم الظاهري موضوعا للأصول غير التنزيلية؟

هذا و قد ظهر هنا بحث فني في نفسه لا كالبحث في ذكر الشيخ (ره) لذلك التقسيم الذي يرجع في الحقيقة الى مناقشات في التعبير و هو: أنه هل الشك في الحكم الظاهري يكون كالشك في الحكم الواقعي في وقوعه موضوعاً لوظيفة عملية تثبت بالأمارة أو الاصل و هما منجزان لنفس ذاك الحكم الظاهري أو لا؟ فنقول: تارة يقع الكلام في الأصول غير التنزيلية، و أخرى في الأصول التنزيلية و الامارات.

أما الاصول غير التنزيلية التي هي محل نظرنا فهي أربعة، و لا يقع الشك في الحكم الظاهري بما هو موضوعا لواحد منها أصلا، و هي عبارة عن أصالتي البراءة، و الاشتغال الشرعيتين و العقليتين.

أما أصالة الاشتغال الشرعية فمن الواضح أن الشارع انما يوجب الاحتياط بملاك الاهتمام بغرضه، و غرضه انما هو في الحكم الواقعي لا الظاهري، اذ الحكم الظاهري ليس الا طريقا صرفا و ليس هناك سببية، فموضوع ايجاب الاحتياط دائما هو الشك في الواقع غاية الامر انه تارة يجعل الشك في الواقع باطلاقه موضوعا له، و أخرى يجعل الشك فيه عند احتمال قيام إمارة عليه موضوعا لذلك لكون المصادفة للواقع في ظرف احتمال قيام الامارة اكثر مثلا فيشتد ملاك الاهتمام بالواقع، و هذا غير مسألة وقوع الشك في الحكم الظاهري من حيث هو موضوعا لأصالة

30

الاشتغال.

و أما أصالة الاشتغال العقلية فأيضا انما تكون بملاك التحفظ على مطلوب المولى عند سقوط الأصول المؤمّنة، و ليس هو إلا الواقع، و الحكم الظاهري طريق صرف غاية الأمر أن قيام الحكم الظاهري قد يكون هو الموجب لسقوط الاصول المؤمّنة؛ و ذلك كما لو قامت البيّنة على نجاسة أحد شيئين فإنها توجب الاحتياط من كل واحد منهما مع أنه مشكوك لمكان العلم الاجمالي، فان ذلك ليس لأن قيام البيّنة صار بما هو موضوعا لوجوب الاحتياط، بل لأن قيام البيّنة أسقط أسقط الأصول المؤمّنة و بقي احتمال الواقع بلا معذر فوجب الاحتياط فيه عقلا.

و أما البراءة الشرعية فسيأتي أنها في الحقيقة رفع لايجاب الاحتياط الشرعي و على هذا فموضوعها عين موضوعه.

و أما البراءة العقلية فهي عبارة عن قبح العقاب بلا بيان و العقاب انما هو بلحاظ الواقع لا بلحاظ الحكم الظاهري الذي هو طريق محض، و ان شئت قلت: في باب البراءة- شرعية أو عقلية- انها لو جرت بلحاظ الحكم الظاهري فان لم تجر البراءة ايضاً بلحاظ الحكم الواقعي و بقي احتمال العقاب بلحاظه ثابتا لم تكن فائدة في البراءة الجارية بلحاظ الحكم الظاهري، و إن جرت بلحاظ الحكم الواقعي و صرنا آمنين من عقابه فلا حاجة الى اجراء البراءة بلحاظ الحكم الظاهري لعدم العقاب فيه.

و أما الامارات و الاصول التنزيلية فكون الشك في الحكم الظاهري موضوعا لحكمها فهو بمكان من الامكان، و ذلك كما لو دل الاستصحاب على بقاء حجية الخبر الواحد أو دل الكتاب على حجيته مثلا، لكن هذا منجز للواقع رأسا لا أنه منجز لذلك الحكم الظاهري ابتداء ثم يسري التنجيز منه الى الواقع.

و كذا لو فرضنا أنه ثبت حجية خبر الواحد القائم على وجوب صلاة الجمعة بالكتاب أو الاستصحاب، و في الواقع لم يكن خبر الواحد حجة، و كانت صلاة الجمعة واجبة، و خالف المكلف ما ثبت له من وجوب صلاة الجمعة بحكم دليل‏

31

خبر الواحد كان مستحقاً للعقاب، لأنه ترك حكم المولى بلا عذر، و لو فرض ان ذاك الدليل ينجز ابتداء حجية خبر الواحد ثم يسرى التنجيز منها الى الواقع، لزم عدم استحقاقه للعقاب غير عقاب التجري و عدم تنجيز الواقع عليه إذ لم تكن الحجية ثابتة في الواقع حتى تنجز و يسري منها التنجيز الى الواقع.

هذا تمام الكلام فيما ذكره الشيخ (قده) من التقسيم و موضوعه متعلق الاقسام.

32

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

33

القطع‏

34

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

35

و يقع الكلام في امور:

الامر الاول:

لا يخفى أنه لا ينبغي لنا البحث في أن القطع من المسائل الأصولية أم لا؟ بعد ما ذكرنا من أنه ليس هناك جامع بين القواعد الأصولية، و يقع الكلام فيه من جهات.

حجية القطع‏

الجهة الأولى: في أنه حجة أم لا؟

و على فرض كونه حجة كيف يكون ذلك؟

للحجية مفهوم منطقي و مفهوم أصولي، أما المفهوم المنطقي فهو الذي سميناه في كتبا «فلسفتنا» بنظرية المعرفة و هو جواز الاعتماد على القطع في اقتناص الواقع. و أما مفهومه الأصولي فهو المنجزية للواقع على تقدير الاصابة و المعذرية عنها على تقدير المخالفة.

إذا تبين ذلك نقول: ذهب الأكابر من المحققين الى ان القطع حجة، بدعوى ان مخالفة أوامر المولى المقطوع بها ظلم و بالتالي قبيحة من باب قبح الظلم و حسن العدل و الاحسان. و اختلفوا في أن قبح الظلم الذي يكون مخالفة القطع من مصاديقه هل يكون من المدركات العقلية؟ أو يكون الوجه فيه بناء العقلاء على ذلك؟ أو يكون من الأحكام البعثية للعقل؟ أما الوجه الثالث فسخيف و ذلك لعدم وجود أحكام بعثية و زجرية للعقل بما هو عقل، فيبقى الوجه الأول و الثاني.

و اختار السيد الاستاذ الاول و استدل على عدم تمامية الثاني بوجهين:

الأول: ان حجية القطع كان مسلما في زمان الانسان الأول قبل ان يوجد مجتمع العقلاء و يبنون على حجية القطع حفظا لنظامهم، فلو كان ذلك من جهة بناء

36

العقلاء علي حجيته لما كان حجة عند آدم (ع) مع انه كان كذلك قطعا.

و فيه: أنه ما المراد بانه كان حجة في زمن الانسان الاول قبل وجود المجتمع؟ فان كان المراد ان آدم (عليه السلام) كان يعتمد على قطعه في اقتناص الواقع فهو صحيح إلا أن ذلك يدل على حجية القطع بمفهومه المنطقي، و هو خارج عن محل كلامنا، و ان كان المراد ان آدم (عليه السلام) كان اذا استفتي عن منجزية القطع و معذريته يفتي بأنه منجز و معذر، يسأل من أين علمتم بذلك و حصلتهم القطع به؟

الوجه الثاني: ان بناء العقلاء انما يكون في مورد يكون دخيلا في حفظ النظام، و لا يجري في العبادات لعدم دخلها في حفظ النظام، و اطاعة المولى من العبادات، فلا يمكن ان يقال: ان مخالفة القطع بالنسبة الى اوامر المولى ظلم بالنسبة الى المولى و هو قبيح لبناء العقلاء على وجوب اطاعة المولى و قبح مخالفته.

و فيه: ان بناء العقلاء انما ينعقد لحفظ نظام الرئاسة، فينعقد على وجوب اطاعة العبد لمولاه حفظا لنظام الرئاسة و لو كان الرئيس مخطئا في رأيه كما في الموالي العرفيين، و لا يكون بناؤهم لحفظ النظام الداخلي فيما بينهم، ففي باب العبادات ايضا بناء العقلاء جار لحفظ نظام الرئاسة (1).

و لكن الصحيح ان الاستدلال بقاعدة القبح و الحس لحجية القطع غير تام اصلا، و ذلك لانه ان كان المراد اثبات مولوية المولى بهذا الدليل فهو مضافا الى انه لا يناسب البحث الديني إذ في الابحاث الدينية نبحث بعد الفراغ عن الاقرار بأنا عبيد و لسنا بأحرار، و الاقرار بأن لنا مولىً، و انما يناسب الابحاث الفلسفية و الكلامية، فمضافا الى ذلك فهو دور واضح؛ و ذلك لان اثبات مولوية المولى يتوقف و يتفرع‏

____________

(1) و يرد عليه مضافا إلى ما ذكره (قدس سره) أن العبادات أيضا دخلية في حفظ النظام الذي أراده السيد الأستاذ و ذلك من جهة كونها موجبة لتزكية النفس، فتقبل النفس القوانين المجعولة لحفظ النظام، و تعمل على طبقها بلا كلفة و مشقة، فكيف يقول بعدم دخلها في حفظ النظام؟ و كانت حكومة الشاه تعلن في كل سنة بعد شهر رمضان أن أرقام الجنايات من القتل و التجاوز كانت أقل من كل شهر من جهة الإقبال على العبادة في هذا الشهر.

37

على هذا الدليل على الفرض، و هذا الدليل انما يتم لو كان هناك مولى واجب الطاعة حتى تكون مخالفته قبحا و ظلما، و هذا دور واضح.

و ان كان المراد الاستدلال بهذا لحجية القطع بعد الفراغ عن مولوية المولى، فبعد الاقرار بان هناك مولى واجب الطاعة و الاقرار بثبوت الحجية المنطقية للقطع و هو جواز الاعتماد عليه في مقام اقتناص الواقع لا نحتاج الى دليل لاثبات حجيته بمفهومه الاصولي و هو كونه منجزا للواقع و معذرا له بل نفس هذا المعنى كاف في حجيته و هو ثبوت مولوية المولى و جواز الاعتماد على القطع في اقتناص الواقع، لأن مولوية المولى تقتضي وجوب إطاعة أوامره و نواهيه و حرمة مخالفتهما، فإذا انكشف الواقع و هو امر المولى أو نهيه بالقطع، و قلنا بجواز اقتناص الواقع بالقطع لا نحتاج الى دليل يدل على حجية القطع بمعنى المنجزية و المعذرية، بل كبرى مولوية المولى و وجوب اطاعته مع انضمام صغرى كون القطع كاشفا تاما عن الواقع يكفي في حجية القطع.

الجهة الثانية: في حجية القطع للجعل‏

ثم انه تبين مما ذكرناه ان حجية القطع ليست قابلة للجعل؛ و ذلك لأنا بعد ما فرضنا ان القطع كاشف تام عن الواقع، و يجوز اقتناص الواقع به، و فرغنا عن مولوية المولى و وجوب اطاعته فنفس هذا هو حجية القطع بلا حاجة الى الجعل للحجية له، و هذا هو الجهة الثانية التي يبحث عنها في القطع.

الجهة الثالثة: في منع الشارع عن العمل بالقطع‏

هل يمكن للشارع المنع عن العمل بالقطع و الردع عنه أم لا؟ و هذا بحث مهم، و استدل لعدم الامكان بوجوه ثلاثة:

الأول: انه يلزم من النهي عن العمل بالقطع اجتماع الضدين في الواقع على تقدير مصادفة القطع له، و بنظر المكلف على تقدير المخالفة، و كلاهما محال.

الثاني: أنه يلزم من النهي عن العمل بالقطع مخالفة النهي لحكم العقل‏

38

بوجوب العمل على طبق القطع، و لا يمكن للشارع النهي عن العمل بحكم العقل.

الثالث: أنّه يلزم من الردع عن العمل على طبقه نقض غرض المولى، فانه اذا كان للمولى غرض تعلق بوجوب شي‏ء و قطع المكلف بوجوب ذلك الشي‏ء، فلو نهى المولى عن العمل على طبق قطعه هذا، يكون ذلك نقضا لغرضه.

أما الديل الأول ففيه أننا نسأل: ما المراد باجتماع الضدين؟ اجتماع الضدين في مبادئ الاحكام و ملاكاتها كالارادة و نحوه؟ أم اجتماعهما في الباعثية و المحركية لهما و في نفسهما؟

فان كان المراد اجتماعهما في المبادئ و الملاكات، فهذا لا يزيد عن اشكال ابن قبه في الجمع بين الحكم الظاهري و الواقعي، فقد يكون الجواب عن الشبهة هناك جوابا عن الاشكال هنا ايضا، كالجواب بتعدد الرتبة الذي قال به المحقق العراقي و غيره من المحققين؛ و ذلك بأن يقال:

إن الحكم الظاهري في طول الحكم الواقعي و في الرتبة المتأخرة عنه، فان موضوع الحكم الظاهري هو الشك في الحكم الواقعي، و الشك في الواقع متأخر عن الواقع، و كذا الحكم المترتب على ذلك الشك، و في المقام القطع بالحكم الواقعي في طول الواقع و في التربة المتأخرة عنه، فكذا النهي عن العمل بالقطع يكون في طول القطع و في الرتبة المتأخرة عنه.

و ان كان المراد اجتماع الضدين في نفس الاحكام و محركيتها، حتى يتميز هذا الاشكال عن اشكال ابن قبه (1).

ففيه: أن النهي عن العمل بالقطع يكون ضداً للمحركية الشخصية، أو يكون ضدا و متنافيا مع المحركية المولوية، و ذلك لأن كل فعل يكون فيه محركيتان،

____________

(1) إذ لو كان المراد ذلك لا يأتي هذا في الاحكام الظاهرية، اذ لا محركية في الحكم الواقعي فيها من جهة كونه مجهولا، و المجهول لا محركية فيه، بخلاف المقام فان الحكم الواقعي فيه معلوم فيتصور له المحركية.

39

محركية شخصية و محركية مولوية: المحركية الشخصية ما يكون موجبا للاتيان بالفعل و لو مع قطع النظر عن أمر المولى به، كما اذا كان شخص محبا للمولى يشتاق الى تحصيل أغراضه كما يشتاق الى شرب الماء البارد، فيكون له في ذلك الفعل محركية شخصية مع قطع النظر عن أمر المولى. فلو أمر المولى به ايضا يوجد فيه محركية مولوية أيضا.

فان كان المراد تنافي النهي عن العمل بالقطع مع المحركية الاولى التي اسميناها بالمحركية الشخصية فليكن ذلك، اذ لا محذور فيه اصلا، فدائما تكون نواهي المولى منافية للمحركية الشخصية، فقوله: لا تكذب، مناف لاشتياق النفس الى الكذب، و هكذا.

و ان كان المراد تنافي النهي مع المحركية المولوية، فهي ترجع الى الدليل الثاني، و هو ان النهي عن العمل بالقطع يوجب مخالفة نهي المولى لحكم العقل بوجوب اطاعة القطع و العمل على طبقه.

و في مقام الجواب عن الدليل الثاني يقال: إنه لا منافاة بين النهي عن العمل بالقطع و بين حكم العقل بوجوب العمل على طبقه، لا على مسلك القوم من أن حجية القطع من جهة حكم العقل بذلك و كونه ذاتيا، و لا على مسلكنا من أن حجيته هو مقتضى مولوية المولى و وجوب طاعته.

أما على مسلك القوم لأنه لا بد ان ينظر الى ان حكم العقل بوجوب العمل على طبق القطع تنجيزي أو تعليقي؟ بأن يكون معلقا على عدم نهي الشارع عن العمل على طبقه. و ليس هذا برهانيا كي يستدل عليه بالبرهان، بل هو أمر وجداني، كما أن أصل حكم العقل بوجوب العمل ادعوا أنه وجداني لا برهاني.

و الظاهر أنه لا مانع لدى العرف من ان ينهى المولى عن العمل على طبق القطع، فالوجدان شاهد على ان حكم العقل تعليقي لا تنجيزي.

و أما على مصطلح هذا البحث فلا بد من ملاحظة أن مولوية المولى التي مرجعها الى وجوب اطاعته و إلى حق الطاعة هل يمكن بقاؤها مع سقوط حق الطاعة

40

كما في جميع الحقوق الثابتة في الفقه؟ او انه لا يمكن بقاء مولوية المولى مع اسقاطه لحق الطاعة عنه؟ فان أمكن ذلك فلا مانع من نهي المولى عن العمل، و الا فلا يمكنه النهي، و هذا ايضا امر وجداني لا يمكن اقامة البرهان عليه، بل لا بد من مراجعة الوجدان فيه.

و اما الجواب عن الدليل الثالث و هو ان النهي عن العمل على طبقه مستلزم لنقض الغرض بالنسبة الى المولى، فهو ان المراد من الغرض ان كان الغرض المترتب على نفس الفعل، كما اذا فرضنا ان هناك غرضا مترتبا على صلاة الليل و نهى المولى عن الاتيان بصلاة الليل فيكون النهي مضادا للمبادئ و الملاكات في الحكم، فهذا لا يزيد عن الاشكال الاول بل هو عينه.

و ان كان المراد الغرض المترتب على نفس الحكم لا على متعلقه، بان كان الغرض محركية الحكم، فلو كان حكم العقل بلزوم الاطاعة على مصطلح القوم و حكمه بمولوية المولى الذي مرجعه الى حق الطاعة تعليقيا، و معلقا على عدم نهي الشارع كما هو كذلك فلا محذور في نهيه، نعم لو كان حكمه تنجيزيا على كلا المسلكين لا يمكن نهي المولى عن العمل على طبق القطع، و لكنه خلاف الوجدان.

التحقيق في المقام‏

التحقيق في المقام أن يقال: ان النهي قد يتعلق بالتحريك الشخصي، و قد يتعلق بالتحريك كيفما اتفق؛ اذ قد يكون الاتيان بالفعل من جهة الغرض الشخصي و الداعي النفساني فيشتاق الى الفعل كاشتياقه الى شرب الماء البارد، و قد يكون الاتيان به من ناحية امتثال امر المولى و تحصيل اغراضه، فان كان النهي عن التحريك الشخصي فعلى كلا المسلكين يبتني امكان النهي و عدمه على ان حكم العقل بقبح الظلم أو مولوية المولى هل هو تعليقي أو تنجيزي؟ فعلى التعليقية لا مانع من النهي، بخلاف التنجيزية كما مر مفصلا.

و أما إن كان النهي عن التحريك كيفما اتفق و لو كان مولويا و ناشئاً عن امر

41

المولى، فقد يكون النهي حكما حقيقياً، و قد يكون حكما طريقياً، و الحكم الحقيقي هو الذي يكون منجزا و معذرا كما ان الحكم الطريقي ما لا يكون كذلك، و يأتي بيانهما ان شاء الله، فالحكم الحقيقي هو الاحكام الواقعية، و الحكم الطريقي هو الاحكام الظاهرية، فان كان حكما حقيقياً يقع التضاد بينه و بين الحكم المقطوع به فهذا يكون مانعا عن النهي بهذا النحو.

و أما إن كان النهي حكما طريقيا، فهو لغو محض، و ذلك لعدم ترتب المنجزية و المعذرية عليه على فرض كونه طريقيا، فيكون بلا فائدة و تمثل له بأمثلة:

الأول: أن يقطع المكلف بالاباحة في موارد مع أن بعضها في الواقع محكوم بحكم الزامي من وجوب أو حرمة، فيحكم عليه المولى تحفظا على ذلك المورد بحكم طريقي الزامي بمخالفة قطعه؛ بأن يأتي بما قطع باباحته، أو يترك ما قطع باباحته حتى لا يضيع ما يتفق في بعض الموارد من الوجوب أو الحرمة، لكنك ترى أنه لا اثر لهذا الحكم الطريقي فانه ليس منجزا بنفسه حتى يتحرز العبد عن مخالفته، و المفروض أن العبد لا يحتمل وجود واقع حتى يقطع بتنجزه بذلك على فرض وجوده فيتحرز عن مخالفته؛ و انما يعقل جعل حكم طريقي في فرض الشك في الواقع لا في فرض القطع بعدمه.

هذا و مما ذكرنا ظهر ما هو المختار في اثبات معذرية القطع بمعنى أنه معه لا يمكن اسقاط العذر بخلافه مع الشك، و هو أنه إن أريد اسقاط العذر بحكم نفسي وقع التضاد بين المبادئ، و ان اريد اسقاطه بحكم طريقي فلا أثر له، فانه ليس منجزاً بنفسه، و لا يراه القاطع بعدم حكم الزامي منجزاً لغيره.

الثاني: أن يقطع المكلف بحكم في موارد مع أن بعض تلك الموارد ليس فيه حكم الزامي، و فرضنا أن في التزام المكلف في ذلك البعض على طبق ما توهمه من الحكم الالزامي مفسدة اهم من المصلحة الموجودة في موارد مصادفة قطعه كلزوم صيرورة الشريعة عليه شريعة صعبة مثلًا فيرخص له المولى في المخالفة أو يسقط عنه حق الموافقة تحذراً عن تلك المفسدة، و لكنك ترى أنه لا أثر لذلك، و ذلك لأن،

42

ترخيصه ترخيص اضطراري بملاك دوران الأمر بين المصلحة و مفسدة أهم، و المفروض أن العبد يقطع بعدم دوران الأمر بينهما و تشخيصه لموارد المفسدة عن موارد المصلحة فيتمكن من تحصيل كلا الفرضين، و في هذا الفرض لا يكون ترخيص المولى عذرا له، مثلا لو غرق صديق المولى وعدوه معا و هو يريد نجاة صديقه و هلاك عدوه و لكن هلاك عدوه أهم عنده من نجاة صديقه فنهى عبده عن إنجائهما تحفظا على هلاك العدو لتخيله أن العبد لا يميز بينهما، لكن العبد يعرف الصديق من العدو فحينئذ لا اشكال في أن النهي الاضطراري للمولى ليس عذرا له بل يلزمه انجاء الصديق.

الثالث: أن يقطع المكلف بحكم الزامي في موارد مع اتصاف بعض تلك الموارد في الواقع بحكم الزامي ضده، كما لو قطع بالوجوب في موارد مع ان الحكم في بعضها هو التحريم فحرم عليه المولى العمل بقطعه طريقا الى التحفظ على الحرمة الثابتة في بعض الموارد التي هي أهم في نظره من الوجوب في الموارد الأخرى، و هذا الردع في الحقيقة له جنبتان؛ جنبة تنجيز لجانب الحرمة، و جنبة تعذير لجانب الوجوب، و الكلام في الجنبة الاولى هو الكلام في المورد الأول، و الكلام في الجنبة الثانية هو الكلام في المورد الثاني.

43

التجري‏

44

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

45

الأمر الثاني: الكلام في التجري:

التجري هو مخالفة القطع بالحكم حال كونه مخالفا للواقع سواء كان القطع بالحكم قطعا وجدانياً، أو كان العلم بالحكم حاصلا من امارة معتبرة أو حاصلا من أصل شرعي أو عقلي، أو مخالفة دليل يدل على حجية دليل يدل على حكم شرعي (1)، فيجري الكلام في جميع هذه الصور.

و هاهنا مقامات ثلاثة:

المقام الأول: في حرمته شرعا.

المقام الثاني: في قبحه عقلا.

المقام الثالث: في استحقاق العقاب عليه و بقية الجهات.

المقام الأول‏

أما المقام الأول: و هو البحث في حرمته شرعا فقد استدل على الحرمة فيه بوجوه:

الوجه الأول: [هو شمول أدلة الأحكام الواقعية له‏]

هو شمول أدلة الأحكام الواقعية له فإذا قطع بخمرية ما يكون خلا في الواقع يشمله دليل «لا تشرب الخمر».

و تقريب ذلك أن الموضوع للحرمة و إن كان بحسب الظاهر من الدليل الخمر الواقعي إلا أن هناك صارفا عن هذا الظهور و هو القرينة العقلية الموجودة في المقام؛

____________

(1) و بعبارة أخرى: مخالفة الحكم المنجز الغير المطابق للواقع يكون تجرّيا بأي شي‏ء كان تنجزه و لو كان من جهة الشك البدوي و الاحتمال قبل الفحص.

46

و ذلك لأنه إن كان المراد المصادف الخمر للواقع لا بد من تضمين الاصابة للواقع في المتعلق بأن يقال: «لا تشرب الخمر ان صادف الواقع» و الاصابة و عدم الاصابة للواقع ليس اختياريا للمكلف و إلا لما أخطأ انسان في الدنيا، فلا يمكن تعلق التكليف به. فهذه القرينة العقلية توجب صرف الكلام عن هذا الظهور، و كون المراد من «لا تشرب الخمر» لا تشرب معلوم الخمرية، فاذا كان المراد لا تشرب معلوم الخمرية يشمل المقام أيضاً.

هذا هو التقريب الصحيح لهذا الاستدلال، و هذا التقريب أسد و أخصر مما أفاده المحقق النائيني على ما في أجود التقريرات من تقريرات بحثه، فانه اطال الكلام في المقام بمقدار صفحتين (1)، و ما أفاده في هاتين الصفحتين يرجع الى مقدمات ثلاث كلها غير تامة، و هي:

المقدمة الأولى: ان الموضوع في الحكم يكون مفروض الوجود، فان الاحكام مجعولة على نحو القضايا الحقيقية و القضايا الحقيقية تكون أفراد الموضوع فيها مقدرة الوجود. و هذه المقدمة لا ربط لها بالاستدلال اصلًا.

المقدمة الثانية: ان الباعث و المحرك للمكلف نحو الفعل هو العلم به و وجوده العلمي لا الفعل بوجوده الواقعي، كما أن الانسان يفر من الأسد الذي يعلم به لا من الأسد بوجوده الواقعي.

ثم اعترض على هذه المقدمة و قال: ان المحرك و ان كان العلم بوجود الشي‏ء إلا أن العلم مرآة للمعلوم و كاشف عنه، ففي الحقيقة يكون متعلق التكليف هو المعلوم دون العلم، فلو كان متعلق التكليف هو العلم لكان الدليل شاملا للمقام إلا أنه ليس كذلك.

و الجواب عما أفاده: أن ما ذكره (قده) مناقض لما أراده المستدل، و ذلك لان المستدل أراد توسعة المعلوم و تعميمه لما يكون مخالفا للواقع ايضا و هو (قده) ذكر

____________

(1) راجع أجود التقريرات، ج 2، ص 23.

47

أن التكليف إن كان متعلقا بالعلم يشمل المقام، و ان تعلق بالمعلوم لا يشمله، فهذا نقض لمراد المستدل و ان المراد «بلا تشرب الخمر» المعلوم الخمرية سواء كان مطابقا للواقع أم لا.

المقدمة الثالثة: ان ما هو تحت اختيار المكلف هو الارادة و الاختيار دون المراد و المختار فان المقدور للمكلف هو ارادة شرب الخمر، و اما نفس شرب الخمر فهو خارج عنه لعدم كون الاصابة للواقع بيده، فيكون متعلق التكليف هو الارادة و الاختيار لاشتراط القدرة فيه.

ثم ذكر أن الارادة و الاختيار مأخوذان بنحو المعنى الحرفي بالنسبة الى المراد و المختار لا بنحو المعنى الاسمي.

و الجواب عن ذلك أن مراد المستدل كما مر هو توسعة المراد و المختار، و أن المراد هو معلوم الخمرية سواء كان مطابقا للواقع أم لا، و اثبات ذلك كاف له و إن كان الارادة و الاختيار مأخوذين بنحو المعنى الحرفي، فهذه المقدمة لا دخل لها بمراد المستدل.

و التحقيق في الجواب أن يقال: ان الحكم قد تؤخذ أفراد موضوعه مقدرة الوجود بنحو لا يستدعي ايجاد الموضوع في الخارج من المكلف كما في اكثر الاحكام، فاذا قال: «لا تشرب الخمر»، يكون المراد أنه إذا وجد خمر فلا تشربه، و قد يكون الحكم على نحو يستدعي ايجاد موضوعه، كما اذا قال الطبيب: اشرب السكنجبين فانه يقتضي ايجاد السكنجبين، في الخارج أولا ثم شربه.

فان كان الحكم من القسم الاول ففعليته تتوقف على أن يوجد موضوعه في الخارج و يتحقق بنفسه فاذا لم يوجد موضوعه لا يكون الحكم متحققا، فلا يحتاج الى تضمين معنى الاصابة ليقال بأن الاصابة و عدمها خارجان عن اختيار المكلف.

و إن كان الحكم من القسم الثاني و هو الذي يستدعي ايجاد موضوعه في الخارج، كما في «اشرب السكنجبين»، فتحقق موضوعه و ايجاده بنحو كان الناقصة و ان لم يكن في قدرة المكلف و هو شرب هذا السكنجبين إلا أن تحققه بنحو كان‏

48

التامة و هو شرب السكنجبين تحت قدرته و اختياره، فهناك خلط عند المستدل بين مفاد كان الناقصة و مفاد كان التامة.

نعم لو كان هناك انسان لم يقطع بتحقق الموضوع في واحد من الموارد لا يكون تحصيل الموضوع بقدرته و اختياره إلا أنه غير مكلف بالحكم من باب عدم قدرته على الامتثال.

هذا تمام الكلام في الوجه الاول، و لا يخفى أنه مختص لو تم بالقطع في باب الموضوعات.

الوجه الثاني: [أن يقال: ان الفعل المتجرّى به قبيح عقلا بأحد]

أن يقال: ان الفعل المتجرّى به قبيح عقلا بأحد انحاء القبح التي يأتي الكلام فيها، و بقانون الملازمة بين ما حكم به العقل و ما حكم به الشرع تتثبت حرمته شرعا، فهذا الدليل يتوقف على هاتين المقدمتين:

الصغرى: ان التجري قبيح عقلا. و سيأتي الكلام في ذلك في المقام الثالث، و لا بد من فرضها مفروغا عنها في المقام.

و الكبرى: ان ما حكم بقبحه العقل يحكم بحرمته الشرع، و لا بد من الفراغ عن هذه الكبرى ايضا في المقام و فرضها مفروغا عنها فلا بد في المقام في فرض هاتين المقدمتين مفروغا عنهما.

و انما يجب البحث في المقام عن نكتة و هي أن تطبيق هذه الصغرى و الكبرى ممكن في المقام أم لا؟ و قد ذكروا لعدم امكان شمول هذه الصغرى و الكبرى للمقام وجوها:

الأول: ما ذكره المحقق النائيني (قده) و هو أن اثبات الحرمة شرعا من جهة القبح عقلا إما أن يكون بالخطاب الأول الذي يدل على حرمة الخمر الواقعي و إما أن يكون بخطاب آخر غير ذلك الخطاب، و في الشق الثاني إما أن يكون الخطاب الآخر مختصا بالمتجري و إما أن يكون شاملا له و للعاصي، فهذه ثلاثة شقوق و كلها غير ممكنة، فاثبات الحرمة شرعا في المقام بقانون الملازمة غير ممكن.

49

أما عدم امكان الشق الاول و هو أن يكون التجري حراما بالخطاب الأول الذي صار موجبا لحرمة الخمر الواقعي مثلا فلان التجري يكون في طول الحرمة للخمر الواقعي لانه موضوعه، اذ لو لم يكن الخمر الواقعي حراما لا يتحقق التجري بالنسبة الى معلوم الخمرية كما هو واضح، و على هذا يكون حكم التجري و حرمته ايضا في طول الحرمة بالنسبة الى الخمر الواقعي و متأخرا عنه فلا يمكن ان تكون حرمته بنفس الخطاب الذي دل على حرمة الخمر الواقعي و في عرض تلك الحرمة، اذ يلزم منه أخذ المتأخر في المتقدم.

و أما عدم امكان الشق الثاني و هو أن يكون التجري حراما بخطاب مخصوص بالمتجري لا يشمل العاصي غير الخطاب الأول فلأن هذا الخطاب و الحكم لا يمكن وصوله، فحينئذ لا يعقل جعله، أما عدم امكان وصوله فلأن هذا الخطاب لو وصل الى المتجري بأن يقال: «أيها المتجري يحرم عليك شرب الخمر» يخرج عن كونه متجريا لو التفت الى خطأه، فالخطاب بهذا النحو لا يمكن وصوله، و أما انه لا يعقل جعله فلأنه لغو و بلا أثر بعد فرض عدم وصوله.

و أما عدم امكان الشق الثالث و هو أن يكون التجري حراما بخطاب عام شامل للمتجري و العاصي غير الخطاب الذي يدل على حرمة الخمر الواقعي فلأن النسبة بين الخطاب الأول الدال على حرمة الخمر الواقعي و بين هذا الخطاب عموم مطلق بنظر المتجري و ان كانت النسبة بينهما عموما من وجه في الواقع، و ذلك لأن المتجري يرى مطابقة علمه للواقع دائما، فيكون الخطاب الأول الدال على حرمة الخمر الواقعي مع هذا الخطاب الثاني الدال على حرمة معلوم الخمرية مجتمعين في مادة الاجتماع، فان بقي الخطابان على تعددهما لزم اجتماع المثلين و هو محال، و ان لم يبقيا بل كان الثاني مؤكدا للأول يلزم لغوية الثاني فلا يمكن أن يكون الثاني مؤكداً للأول، و هذا بخلاف ما اذا كان بينهما عموم من وجه فان فيه يكون كل من الحكمين باعثا و محركا في مورد الافتراق فلا يلزم من التأكد في مورد الاجتماع لغوية الحكم و عدم كونه باعثا و محركا بعد ما كان المكلف متحركا بالتحريك الناشئ من الحكم الأول، و كونه محركا و باعثا في مورد الافتراق كاف في الفائدة التي يجعل‏

50

لأجله الحكم. هذا ما افاده من الاشكال في الشقوق الثلاث (1).

و لكن لا يتم شي‏ء مما ذكره.

أما الاشكال في الشق الأول و هو أنه لا يمكن جعل الحرمة للفعل المتجرّى به بعين الخطاب الدال على الحرمة للخمر الواقعي، لكون حرمة التجري في طول حرمة الخمر واقعا، فلا يمكن ان يكون مجعولا في عرضه كما أن قصد امتثال الأمر حيث انه في طول الأمر لا يمكن ان يقع في حيز الطلب و الأمر.

فالجواب عنه أن الحكم له وجودان؛ وجود في مرحلة الجعل و التشريع، و وجود في ناحية المجعول أي مرحلة الفعلية، فان الاحكام مجعولة بنحو القضايا الحقيقية فقبل تحقق الموضوع فيها يكون الحكم موجودا بالوجود الانشائي و الفرضي، و بعد تحقق الموضوع يكون موجودا بالوجود الفعلي، فالحكم بحرمة الفعل المتجرّى به و إن كان متأخرا عن الحكم بحرمة الخمر واقعا في مرحلة الفعلية و تحقق الموضوع لأن موضوعه متأخر عن الحكم الأول و في طوله إلا أنه لا مانع من أن يكون مجعولا مع الحكم الأول بجعل واحد، و يكون في عرضه، إذ في مقام الجعل و الانشاء لا نحتاج الى وجود الموضوع و تحققه في الخارج، بل يكفي فيه فرض وجوده كما هو واضح لا يخفى (2).

و أما ما ذكره في الشق الثاني من أن المتجري لو خوطب بخطاب خاص بهذا العنوان يخرج عن كونه متجريا فلا يمكن وصول هذا الخطاب اليه مع فرض كونه متجريا، فلا يمكن جعله لكونه لغوا و بلا أثر، ففيه: أنه لا يجب وصول الخطاب الى المكلف تفصيلا، بل يكفي في عدم اللغوية وصوله و لو اجمالا، و في المقام و ان لم يمكن ان يعلم المكلف تفصيلا بالخطاب المذكور لانه يخرج عن كونه متجريا إلا أنه لا مانع من أن يعلم به اجمالا، فهو يعلم بالعلم الاجمالي ان علمه قد يكون مخالفاً

____________

(1) فوائد الأصول، ج 3، ص 45.

(2) و قياس المقام بقصد امتثال الأمر غير صحيح، و ذلك لأن الحكم هناك واحد و في المقام متعدد، فلا يقاس أحدهما بالآخر.

51

للواقع فيكون متجريا فيشمله الخطاب، و لا محذور فيه.

و أما ما ذكره في الشق الثالث من أنه لو كان حرمة التجري بخطاب آخر يشمله و العاصي يلزم اجتماع المثلين في نظر المكلف إن كان كل من الحكمين مستقلا في التأثير و المحركية، و يكون الثاني منهما لغوا ان كان مؤكدا للأول و لم يكن مستقلا في التاثير مع أنه يلزم الخلف من ذلك لأنا فرضنا وجود حكمين مستقلين، فلو كان الثاني مؤكدا للأول يلزم منه عدم تعدد الحكمين و هذا خلف.

فقد أورد عليه السيد الاستاذ:

أولًا: بأنه يمكن فرض عدم وصول الحكم الأول الى المكلف القاطع، بل ما وصل هو الحكم الثاني فقط، فلا يكون حينئذ اجتماعا للمثلين حتى في نظره.

و ثانيا: بأنه لو فرضنا بان المقام من قبيل العموم و الخصوص المطلق فلا محذور في اجتماع الحكمين فيه، بل يلتزم بالتأكد في مورد الاجتماع كما اذا نذر أن يأتي بالصلاة فان النسبة بين أدلة الوفاء بالنذر و أدلة وجوب الصلاة عموم مطلق، فان النذر المتعلق بالصلاة واجب الوفاء مثلا، و لكن الصلاة واجبة سواء نذر أم لا (1).

و لكن ما ذكره السيد الاستاذ غير تام؛ أما ما ذكره أولا فمن ناحية أن المقام من قبيل العامين من وجه و لو في نظر القاطع، فان القاطع و ان لم يحتمل مخالفة قطعه للواقع الا انه يدري أن قطع غيره من القطاع قد يكون موفقا للواقع و قد يكون مخالفا له فيكون متعلق التكليفين عموما من وجه في نظره و لو بالنسبة الى قطع غيره لا قطع نفسه، و هذا كاف في عدم اجتماع المثلين لوجود مورد الافتراق، و الالتزام بالتأكد في مورد الاجتماع من دون لزوم محذور اللغوية.

و أما ما ذكره ثانياً فمن جهة أن النسبة بين وجوب الوفاء بالنذر و وجوب الصلاة عموم من وجه لا عموم مطلق، ان دليل وجوب الوفاء بنذر الصلاة الواجبية لا يكون دليلا خاصا به، بل هو من الأدلة العامة لوجوب الوفاء بالنذر، فدليل وجوب‏

____________

(1) مصباح الأوصل، ج 2، ص 45.

52

الوفاء بالنذر يشمل نذر الصلاة و غيره، كما أن دليل وجوب الصلاة يشمل الصلاة المنذورة و غيرها فيجتمعان في الصلاة المنذورة كما هو واضح.

و من هنا يظهر الجواب عما ذكره المحقق النائيني من الايراد في الشق الثالث و ذلك لأنه ظهر مما ذكرنا أن المقام من قبيل العموم و الخصوص من وجه حتى بنظر القاطع، غاية الأمر بالنسبة الى قطع غيره لا قطعه، و هو لا يضر، لا من قبيل العموم و الخصوص المطلق حتى يقال بأنه ان التزم بتعدد الحكمين لزم اجتماع المثلين بنظر القاطع، و لا يمكن الالتزام بالتأكد كما في العامين من وجه للزوم اللغوية من جعل الحكم لعدم وجود مادة الافتراق، و ان التزم بعدم تعدد الحكمين فهو خلف فرض تعدد الحكمين.

فتحصل عدم تمامية الايرادات الواردة على هذا الوجه بتمامها و ان كنا لا نقول به من جهة أنا لا نقبل أصل الملازمة على ما يأتي بيانه مفصلا في محله.

الوجه الثاني من الوجوه التي ذكروها لعدم قابلية المورد لجعل حكم مولوي ما ذكره في الدراسات و هو أن الحرمة المستكشفة من القبح ان فرض اختصاصها بفرض التجري كان ذلك بلا موجب، اذ فرض التجري ليس بأسوإ حالًا من فرض المصادفة، و ان فرض شمولها لمورد المصادفة لزم التسلسل، اذ بكل خطاب عصيان و باعتبار ذلك العصيان يتحقق خطاب آخر و له ايضا عصيان و هكذا.

و يرد عليه: ان التسلسل المحال هو التسلسل الحقيقي و هو التسلسل في الوجودات الواقعية بأن تكون كل حلقة مربوطة بحلقة أخرى، كما لو فرض انكار واجب الوجود، و قلنا ان كل ممكن معلول لممكن آخر الى ما لا نهاية له.

و أما التسلسل المصطلح عليه بعنوان (لا يقف) و هو التسلسل في الاعتباريات الذي لا يقف ما لم يقف اعتبار المعتبر فلا استحالة فيه، فان العقل يعتبر الى مدة و في الأخير يكل عن المشي فينقطع بوقوفه التسلسل، كما يقال: ان الانسان ممكن، و امكانه واجب، و وجوب امكانه واجب، و وجوب هذا الوجوب واجب، و هكذا يتصور العقل ذلك الى ان يكل، و ما نحن فيه يكون من قبيل القسم الثاني، فانه اذا