حاشية على كفاية الأصول‏ - ج1

- السيد محمد حسين الطباطبائي المزيد...
176 /
5

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

الحمد للّه رب العالمين و الصلاة على سيدنا محمد و آله الطاهرين و سلم تسليما.

موضوعات العلوم‏

قوله (ره) موضوع كل علم و هو الّذي يبحث فيه عن عوارضه الذاتيّة.

(1) أقول كل مطلوب نظري أعني القضية التي يصح إقامة البرهان عليها يجب ان يصح تعلق اليقين به و هو العلم المركب الّذي عرف بأنه العلم بان كذا كذا مع العلم بالفعل أو بالقوة القريبة منه بأنه لا يمكن ان لا يكون كذا فالقضية اليقينية يجب ان يكون المحمول فيها ذاتيا للموضوع كما يجب ان تكون كلية، و دائمية، و ضرورية على ما بين في كتاب صناعة البرهان من المنطق.

6

و نعنى بكون المحمول ذاتيا ان يكون نفسه موضوعا من غير ان يكون الموضوع في الحقيقة شيئا آخر ثم ينسب حكمه إلى الموضوع لاتحاد ما بينهما و عناية زائدة، و هذا المعنى إذا أخذ بحقيقته كان مرجعه ان القضية اليقينية يجب ان يكون موضوعها بحيث إذا وضع وحده مع قطع النّظر عن كل ما عداه مما يصح ان يحمل عليه المحمول من الموضوعات كان ثبوت المحمول له بحاله، كقولنا: الإنسان متعجب فانا إذا وضعنا الإنسان و هو الموضوع ثم أغمضنا عن سائر الموضوعات المرتبطة به مما يصح حمل المتعجب عليها كالقائم، و القائد، و المتكلم، و منتصب القامة و الحساس، و المتحرك بالإرادة و غيرها لم يوجب ذلك سلب المتعجب عنه و ذلك انه لو انتفى الحمل على تقدير انتفاء بعض ما عدا الموضوع صدق السلب على بعض التقادير فلم يتحقق العلم بامتناع جانب السلب فلم يتحقق يقين، و قد فرضت القضية يقينية هف و من هنا يظهر ان كل محمول يثبت لموضوع بواسطة امر آخر ليس عارضا ذاتيا له سواء كان كذلك بواسطة امر مساو للموضوع كما أثبته بعض المتأخرين من المنطقيين و غيرهم، أو غير مساو كالأعم، و الأخص، و إذ كان من الممكن ان يؤخذ موضوع القضية مركبا مؤلفا من الموضوع الحقيقي، و ما يحمل عليه المحمول بواسطته أعني مركبا من الواسطة و ذي الواسطة معا كان من الواجب في الحمل الذاتي ان يصدق الحمل مع إثبات كل واحد واحد من الموضوع، و القيود المأخوذة فيه المتحدة به.

7

فقولنا: الإنسان المنتصب القامة متعجب لو كان موضوعه مجموع الإنسان المنتصب القامة؟ لم يكن من الحمل الذاتي في شي‏ء لجريان برهان الخلف السابق فيه بعينه.

و هذا الكلام جار أيضا في الاجزاء الذاتيّة للموضوع أعني الجنس و الفصل فكل جزء ذاتي يجب ان لا يتساوى حاله وضعا و رفعا بالنسبة إلى ثبوت محمول القضية لموضوعها أعني الجزء الباقي من الموضوع لجريان برهان السابق فيه بعينه. و من هنا ظهر ان العارض الذاتي يجب ان يكون مساويا لموضوعه، لا أعم، و لا أخص، اما الأعم فلو كان الموضوع أخص من محموله العارض الذاتي كقولنا الإنسان ماش كان الجزء الأخص من الموضوع يساوي وضعه رفعه مع فرض بقاء الجزء الأعم من غير عكس فالجزء الأعم هو الموضوع، و الجزء الأخص انما يتصف بالمحمول بواسطته، و مجموع الموضوع، و غير الموضوع ليس بالموضوع فيصدق نقيض القضية و قد فرض الأصل يقينا هف.

نعم لو قيد المحمول في مثل هذه الموارد كتقييد المشي بما يختص بالإنسان من الحصة الخاصة به من المشي عاد عارضا ذاتيا لموضوعه هذا.

و اما الأخص فلو كان الموضوع أعم من محموله العارض الذاتي كقولنا: الحيوان متعجب، كان فرض انتفاء بعض ما عدا الموضوع مع فرض بقاء الموضوع كفرض انتفاء الناطق، أو الإنسان مثلا

8

موجبا لصدق جانب السلب، و قد فرض الإيجاب يقينا هف.

نعم لو ضم المحمول الأخص، و هو محمول نوع من أنواع الموضوع الأعم، و ما يقابله من محمولات ساير أنواعه على نحو الترديد بالقسمة المستوفاة كان المجموع عارضا ذاتيا للموضوع لمكان المساواة كقولنا: الحيوان اما متعجب، أو غير متعجب و المثلث اما قائم الزاوية، أو منفرجتها، أو حاد الزوايا.

فان قلت: ما ذكرته من استلزام ذاتية المحمول للموضوع صدق الحكم مع فرض انتفاء ما عدا الموضوع مما يصح ان يكون موضوعا للمحمول من الأمور المتحدة مع الموضوع منتقض بما كان من الموضوعات علة لثبوت المحمول لموضوعه فمع فرض انتفائه ينتفي المحمول و المفروض كونه عارضا ذاتيا كما في قولنا: الإنسان ضاحك لأنه متعجب، و الحيوان ماش لأنه متحرك بالإرادة فمع فرض انتفاء المتعجب، و المتحرك بالإرادة ينتفي المحمولان، و قد فرضا ذاتيين لموضوعهما.

قلت: فرق بين انتفاء الحكم عن الموضوع مع بقاء المحمول على حاله لانتفاء واسطته، و بين انتفاء نفس وجود المحمول لانتفاء علته، و اللازم في مورد العارض الذاتي، انتفاء الأول، دون الثاني فمن الممكن ان يحمل الضاحك على الإنسان مع الغفلة عن المتعجب، أو مع فرض انتفائه كما إذا لم يعلم بعليته و ان كان انتفاء وجود المتعجب خارجا

9

يلزمه انتفاء وجود الضحك لعلية بينهما.

و هذا بخلاف حمل الّذي في قولنا: الميزاب جار لانتفائه مع الغض عن الماء، أو فرض عدمه فالحمل الذاتي لا يتوقف تحققه الا على فرض الموضوع الذاتي، و اما غير الموضوع فلا يختل برفعه فمن الممكن حينئذ ان يكون المحمول الذاتي محمولا ذاتيا لموضوع موضوعه، و الموضوع موضوعا لمحمول محموله الذاتي ثم يذهب ذلك صاعدا، أو نازلا إلى حدود بعيدة كحكم النوع الأخير للنوع المتوسط، ثم العالي مثل الضاحك، و المتعجب، و الإنسان، و الحيوان، و النامي و هكذا، و كعرض العرض، ثم العرض، ثم الموضوع، مثل ذي الخطّ، و ذي السطح، و الجسم التعليمي، و على هذا القياس حتى ينتهى الأمر نازلا إلى محمول لا يتوقف عروض محموله عليه إلى موضوعه لتخصصه بوجود استعداد جديد لعروض عدة محمولات أخر عليه لا موضوعه، و صاعدا إلى موضوع لا يتوقف عروض محموله عليه على موضوعه كذلك.

و ذلك بان لا يحتاج حمل المحمول على موضوعه إلى إثبات موضوع الموضوع كما ان وضع الجسم الطبيعي لحمل محمولاته عليه مما يحمل عليه من حيث التغير لا يحتاج إلى إثبات جوهريته و تركبه من المادة و الصورة، و كذا إثبات المقدار لحمل محمولاته الرياضية عليه لا يحتاج إلى تصور موضوعه، و هو الجسم المادي بل يكفى فيه وضع المقدار بحسب مطلق وجوده أعني الأعم عن الخارجي المادي،

10

و الخياليّ العاري عن المادة، و الموضوع فكل محمول واقع في هذه السلسلة المرتبطة من القضايا محمول ذاتي لكل موضوع قبله، أو هو و مقابله على سبيل القسمة كما عرفت كذلك.

و حينئذ فالموضوع الأول الّذي ينتهى إليه المحمولات الواقعة في هذه السلسلة و هي جميعا أحواله، و عوارضه الذاتيّة المبحوثة عنها فيها و هذا المجموع هو الّذي نسميه بالعلم، و الموضوع الأول فيه هو موضوعه الّذي يبحث فيه عن عوارضه الذاتيّة فقد بان من ذلك معنى العلم، و ان كل علم فله موضوع عام يبحث فيه عنه و يتمايز به عن غيره تمايزا ذاتيا أي في حد نفسه، و يكون محمولات المسائل أعراضا ذاتية بالنسبة إليه كما ان كل مسألة لمحمولها ذاتي لموضوعها هذا ملخص الكلام في هذا المقام.

و قد عرفت ان المنشأ لجميع هذه النتائج فرض القضية يقينية يصح إقامة البرهان عليه، و ينعكس بعكس النقيض إلى ان القضايا التي ليست ذاتية المحمول للموضوع فهي غير يقينية، و لا يقوم عليها البرهان فما يقوم عليها البرهان من الأقيسة المنتجة لها ليس من البرهان في شي‏ء هذا. ثم ان القضايا الاعتبارية و هي التي محمولاتها اعتبارية غير حقيقية حيث كانت محمولاتها مرفوعة عن الخارج لا مطابق لها فيه في نفسها إلّا بحسب الاعتبار أي ان وجودها في ظرف الاعتبار، و الوهم دون الخارج عنه سواء كانت موضوعاتها أمورا حقيقية عينية بحسب‏

11

الظاهر، أو اعتبارية فهي ليست ذاتية لموضوعاتها أي بحيث إذا وضع الموضوع و قطع النّظر عن كل ما عداه من الموضوعات كان ثبوت المحمول عليه في محله إذا لا محمول في نفس الأمر فلا نسبة فالمحمول في القضايا الاعتبارية غير ذاتي لموضوعه بالضرورة فلا برهان عليها و لأن العلوم الباحثة عنها تشتمل على موضوعات يبحث فيها عن أعراضها الذاتيّة هذا.

لكن الاعتبار، و هو إعطاء حد شي‏ء، أو حكمه لآخر حيث كانت التصديقات المنتسبة إليه تصديقات و علوما متوسطة بين كمال الحيوان الفاعل بالإرادة و نقصه على ما بيناه في رسالة الاعتبارات كانت هي بذاتها مطلوبة للتوسيط فطلب العلم بها أيضا غيري مغيا بغاية، و غرض فالقضية الاعتبارية كما انها مجعولة معتبرة بالجعل الاعتباري لغرض حقيقي يتوصل بها إليه كمجموع القضايا الاعتبارية المجعولة لغرض حقيقي، أو ما ينتهى إليه كذلك هي مطلوبة بالتدوين، أو للتعلم للتوصل إلى غرض حقيقي أو ما ينتهى إليه بتمييز الصحيح عن الفاسد كمجموع قضايا مدونة مسماة بعلم كذا لغرض كذا أو مطلوبة بغرض كذا فالتمايز في العلوم الاعتبارية بالأغراض دون الموضوعات، و محمولات المسائل لا يجب فيها كونها ذاتية بل الواجب صحة الحمل مع الدخل في الغرض المطلوب.

فمن هنا يظهر ان لا ضرورة تقتضي نفى الواسطة في عروض محمولاتها

12

لموضوعاتها و لا اشتراط المساواة بين موضوعاتها و محمولاتها فيجوز كون المحمول فيها أعم أو أخص مطلقا من الموضوع أو أعم من وجه كقولنا: الفاعل مرفوع، و قولنا: الاسم يصير مبنيا لشبه الحرف، و قولنا: الصلاة واجبة إلى غير ذلك، و لا حاجة إلى ما تمحلوا به لدفع هذه المحاذير كما عرفت.

و من هنا يظهر أيضا ان لا ضرورة تقضى بوجود جامع فيها بين موضوعات المسائل، نعم ربما أذعنت العقلاء بين الأمور الاعتبارية المتحدة في الغرض بالنظر إلى وحدة الغرض، و الغاية، و عدها من آثار ذي الغاية بوجود جامع واحد بينها يجمعها جميعا بحسب الموضوع غير انه ليس من الضروري كون نسبة هذا الجامع مع كونه جامعا إلى افراده كون نسبة الكليات الحقيقية إلى افرادها الحقيقية كما سيجي‏ء بيانه.

قوله: هو نفس موضوعات مسائله:

(1) هذا التعبير منه (ره) في مقام العلاج لكون موضوع العلم غالبا أعم من موضوعات المسائل، أو أخص فيكون محمولات المسائل عارضة لموضوع العلم بواسطة امر أخص، أو أعم فتكون غريبة لا ذاتية، و قد فسر العرض الذاتي بما لا واسطة في عروضه، و العلاج بأخذ موضوع العلم لا بشرط بالنسبة إلى موضوعات المسائل فيتحد معها وجودا، و يكون المحمول عليها محمولا عليه لاتحادهما وجودا بالحمل الشائع فيكون الملاك في ذاتية العرض كون عروضه‏

13

بلا واسطة اما في نفس حقيقته، أو من جهة أخذ ذي الواسطة لا بشرط بالنسبة إلى الواسطة المساوي أو الأخص أو الأعم كما ذكره بعض شارحي كلامه وفاقا منه (ره) لبعض المحققين في تعاليقه و أنت بالرجوع إلى ما قدمناه من الكلام تعرف وجه الخلل فيه فلا نطيل بالإعادة و اللّه اعلم.

قوله ره: ان تمايز العلوم بتمايز الأغراض:

(1) قد عرفت حقيقة الأمر في ذلك مما تقدم.

قوله ره: و إلّا لكان كل باب بل كل مسألة من كل علم علما على حدة:

(2) محذور تمايز العلوم بتمايز الموضوعات، هو ان موضوع العلم لا يزال يتخصص بتخصصات بعد أخرى حتى يتنزل إلى موضوع الباب ثم المسألة، و لا يزال يأخذ في العموم حتى يتصاعد إلى أعم الأشياء، و هو الموجود من حيث هو موجود فاما ان يكون جميع العلوم علما واحدا و هو العلم الإلهي الباحث عن الموجود من حيث هو موجود، أو يكون كل مسألة علما برأسها هذا، و إليه أشار بقوله: بعد فلا يكون الاختلاف بحسب الموضوع و المحمول موجبا للتعدد كما لا يكون وحدتهما سببا لأن يكون من الواحد انتهى لكن الكلام حيث كان في تمايز العلوم بفرض التمايز لم يذكر الشق الأول من المحذور بل اقتصر على الثاني فحسب.

14

قوله: لا خصوص الأدلة الأربعة:

(1) الوجه في هذا المقام ان يقال: ان قيام الضرورة على ثبوت شريعة ذات أحكام تقضى بوجوب أخذ الناس بها. ثم قيام الضرورة على كون التفهيم و التفهم فيها مثل التبليغ على الطرق التي بنى عليها العقلاء في مخاطباتهم، و محاوراتهم توجب مساس الحاجة بالبحث عن الطرق المستعملة بين العقلاء في استنباط أحكام القوانين الدائرة بينهم ليصون العلم بها باستعمالها عن الخطأ في الاستنباط لما عرفت ان الغاية في العلوم الاعتبارية جميعا الاحتفاظ عن الخطاء في كل منها بما يليق به كالصون عن الخطأ في الأبنية في علم الصرف، و عن الخطإ في الكلام في علم النحو، و عن رداءة الكلام في علم البيان، و عن رداءة الوزن في علم العروض، و هكذا.

تعريف علم الأصول‏

فعلم الأصول هو العلم الباحث عن القواعد المقررة عند العقلاء لاستنباط الأحكام، و حيث كان الغرض من تدوينها الوصول إلى استنباط الأحكام الشرعية فحسب فمباحثها مساوية لهذا الغرض و ان كانت في نفسها أعم منه و هو ظاهر.

و من هنا يظهر ان كل مسألة منها فعندها مقدمة مطوية بها تتم النتيجة و هي ان الشارع جرى على هذا البناء و لم يردع عنه فيقال ان الأمر مثلا يدل على كذا عند العقلاء و لشارع بنى على بنائهم فهو

15

يدل على كذا في خطاباته و يقال: ان الأصل مثلا عند عدم الدليل كذا عندهم. و الشارع بنى عليه فهو كذا عنده، و من هنا يظهر أيضا ان المقدمة العقلية المحضة و بعبارة أخرى البرهان غير مستعمل في المباحث الأصولية في الحقيقة إذ العقلاء لا يبنون في القضايا الاعتبارية المتداولة عندهم الا على أصول بناءاتهم من ضرورة الحاجة أو اللغو، و اما القضايا الأولية، و ما يتفرع عليها من النظرية فلا تنتج طلبا و لا هربا، و لا وضعا، و لا رفعا، و لا ما ينتهى إلى ذلك بل تصديقا بنسب حقيقية نفس أمرية فافهم.

ذلك مضافا إلى ما تحقق في محله: ان القضايا الاعتبارية، من حيث هي اعتبارية لا يقام عليها برهان و قد مرت الإشارة إليه و من هنا يظهر أيضا ان أحسن التعاريف تعريفه بأنه العلم بالقواعد الممهدة لاستنباط الأحكام الشرعية، التعريف بناء على تعميم الحكم الظاهري و الواقعي و الوضعي و التكليفي و كون الحق حكما بوجه كما هو الحق.

قوله و ان كان الأولى تعريفه بأنه صناعة:

(1) وجه الأولوية ما ذكره بعد بقوله: بناء على ان إلخ بزعم عدم شمول التعريف الأول لذلك و قد عرفت ما فيه، و يرد على تعريفه أيضا انه تعريف بالغرض و هما غرضان اثنان و لازمه كون علم الأصول فنين اثنين، و هما فن مباحث الألفاظ، و فن الأصول العملية، بناء على ما التزم به من دوران الوحدة و التعدد مدار الغرض (فان قيل:) ان بين الغرضين جامعا و هو الوصول إلى الأحكام أعم من الظاهرية، و الواقعية فيتحد الفن باتحاد الغرض، (قلنا:) على انه عدول إلى التعريف الأول‏

16

مع أولويته بالاختصار ان كان وحدة الغرض أو تعدده يتبع نظر العرف فالعرف يرى الغرضين المذكورين اثنين، و ان كان المتبع وجود جامع غرضي بين الغرضين و عدمه فجميع أغراض العلوم يجمعها غرض واحد و هو تحصيل الكمال النفسانيّ، و لازمه كون جميع العلوم علما واحدا، و من هنا يظهر ان ما أورده على القول بكون التمايز بالموضوعات مقلوب على نفسه.

مبحث الوضع‏

قوله: الوضع هو نحو اختصاص:

(1) لا ريب ان انفهام المعنى من اللفظ أعني المعنى الخاصّ من اللفظ الخاصّ بحسب أي لغة من اللغات ثم دوام ذلك و استمراره بعدم التخلف و الاختلاف يكشف عن نسبة بينهما و ارتباط لأحدهما بالآخر أو لا، و عن كون هذه النسبة ثابتة غير متغيرة ثانيا، لكن النسبة الثابتة بينهما بحسب لغة و عند قوم مغفول عنها أو مجهول بحسب لغة أخرى و عند قوم آخر و لو كانت نسبة خارجية حقيقية لم يختلف في إثباته و نفيه الإفهام على ما هو الشأن في الأمور الخارجية الحقيقية، فاذن النسبة الثابتة بين اللفظ و المعنى الاعتبارية غير حقيقية هذا.

ثم انا إذا تأملنا في حال الإنسان بل كثيرا من الأنواع الحيوانية وجدنا مسألة تفهيم ما في الضمير من الضروريات التي تمسها الحاجة الأولية من حيث الاجتماع و التقارن الّذي بينهم فهو من الاعتبارات العامة الأولية يتلو اعتبار الاجتماع و الّذي يقضى به التأمل المجرد في حال‏

17

الحيوانات الساذجة من حيث الإدراك و الاجتماع، و من في تلوهم من الإنسان كالأطفال، و كذا في الكشف عن الأمور المستحدثة، و كذلك في استعمال أنحاء الإشارات و تشفيع الكلام بها ان أقدم التفهيمات ما يتعلق منها بالمعاني الموجودة تحت الحس بعرض المعنى نفسه على حس المخاطب و مع عدم إمكانه استعمال الإشارة أو إيجاد صوت عنده مع تعقيبه بما يريده من المخاطب، كما ان الواحد من الطيور إذا أراد تفهيم صاحبه ما يجب الحركة إليه أو عنه أخذ في الصوت فيتوجه إليه صاحبه لمكان ضرورة البحث عن علل الحوادث عند الحيوان ثم يعقب الصائت صوته بالحركة إلى الحبة مثلا فيدرك صاحبه ما كان يريد إدراكه إياه أو يهرب عن محذور مخوف منه فيدركه صاحبه فيفعل ما يفعل، فهذا أول ما يدل باللفظ على المعنى.

ثم ان الإدراكات الوجدانية كالمحبة، و العداوة، و الشوق، و الكراهية، و الشهوة، و الغضب، و غير ذلك على اختلافها توجب اختلافا في الصوت بالضرورة و هذا أول ما يحصل به الاختلاف في الأصوات التي هي الألفاظ، و باختلافها يحدث الاختلاف، و الكثرة اللفظية في تفهيمات الحيوان و الحيوان بوهمه مفطور على الانتقال من مجاور إلى ما يجاوره، و من ملازم إلى ما يلازمه و لو اتفاقا فبتكرر الوقوع يذعن الحيوان بالملازمة و ينتقل من الصوت الخاصّ إلى المعنى الخاصّ في الجملة و يستدل به عليه، فالحيوان إذا سمع صوت رأفة استدل به‏

18

على معنى يناسب الأنس دون الوحشة و الفزع، و على هذا القياس، و عند هذا ينفتح الباب إلى الاستدلال إلى بعض المعاني الغائبة عن الحس، ثم انه يأخذ في تفهيم المعاني الغائبة عن الحس، و أقدمها ما يمكن عرضه على الحس بواسطة حكايته، اما لكونه مشتملا على صوت فيحكي نفسه، و يعرض على الحس كأسماء الأصوات و يوجد في اللغات على اختلافها شي‏ء كثير من أسماء الحيوان، و غيرها مأخوذة من الصوت الوجود عنده كالهدهد، و البوم، و الحمام، و العصفور، و الهر، و من الأفعال كالدق، و الدك، و الشق، و الكسر، و الصرير، و الدوي، و اما لكونه مشتملا على مقدار أو شكل يمكن حكايته، بالإشارة و لا يزال الوهم يتصرف فيها بتغييرها إلى ما هو أخف، و أسهل عند الطبع، و بتسرية حكمها إلى ما يناسبها، و يشاكلها حتى يتم امر اللغة بحسب ما يمس به الحاجة، فمن المحال ان يوضع لفظ لما لا حاجة إليه لمتكلم هاج، و كلما اشتق معنى من معنى لمسيس الحاجة اشتق من اسمه اسم للمعنى الثاني لمكان الاتحاد بينهما و لا ترادف، و كلما اتحد معنى مع معنى سبق اسمه إليه، و شمله و لا اشتراك.

ثم ربما نسيت الخصوصيات فعاد اللفظ مع اللفظ مترادفين كالإنسان و البشر أو اللفظ مشتركا لفظيا كالنون.

ثم ربما أوجب كثرة الجماعة و الزحام بينهم جلاءهم و تفرقهم لأسباب تدعو إلى ذلك و انقطعت الروابط بينهما فبطلت وحدة المعاشرة

19

و الاجتماع بينهم فتغيرت اللهجة و خلت عن الفعل و الانفعال الاجتماعي و انجر الأمر بمرور الزمان إلى حدوث لغتين أو أكثر، هذا كله مما لا يرتاب فيه المتأمل الباحث في أوضاع المجتمعين من الإنسان، و الحيوان، و التغيرات، و التطورات الواقعة فيها.

و يتبين بذلك ان الإنسان يتوصل إلى اللغات بوضع المعاني نفسها و عرضها على المخاطب أولا، ثم وضع الألفاظ في محلها بالاعتبار بإعطاء حدودها إياها بحكم الوهم فتكون الألفاظ وجودات للمعاني بالعرض و يتوصل إلى الدلالة اللفظية أولا بالدلالة العقلية، و هي دلالة الشي‏ء على نفسه، و لوازمه العقلية أولا، ثم الدلالة على ذلك بما يراه نفس الشي‏ء وهما، و ليس به حقيقة فاللفظ نفس المعنى، و دلالته عليه دلالة الشي‏ء على نفسه لكن في ظرف الاعتبار و بحكم الوهم.

و لذلك ربما سرى بعض أوصاف أحدهما إلى الآخر من حسن، أو قبح أو خير، أو شر و من هنا يؤخذ جل باب التطير، و التفؤل كما يتطير، من الغراب لاشتقاقه من الغربة، و من شجرة البان لأنه من البين، و الفرقة و العرب كانت تتشأم من العطسة لأنهم كانوا يتشأمون من حيوان يسمى عاطوسا فهذه و أمثالها صفات سرت من معنى إلى لفظ و منه إلى آخر ثم إلى معناه و ربما ذهب الأمر إلى غايات بعيدة هذا.

و يتبين بذلك كله ان وضع جل الألفاظ باستثناء الاعلام الشخصية وضع تعيني لا تعييني و انما هو الإنسان مفطور على ذلك بفطرته الاجتماعية.

20

و به يظهر فساد ما قيل ان الوضع من قبيل التعهد حيث ان جعله الاختصاص بين اللفظ و المعنى و كون اللفظ وجودا للمعنى تنزيلا ممن يدعى انه واضع لا يؤثر شيئا بحيث يفهم منه كلما أطلق بل هو تعهد من المستعملين ان يطلقوا اللفظ عند إرادة تفهيم المعنى كما هو كذلك في وضع الاعلام الشخصية هذا و وجه الفساد ان ذلك انما ينفى كون الواضع شخصا خاصا و ليس كذلك و انما هو الإنسان بفطرته الاجتماعية و الاختصاص الوضعي انما يتحقق مع الاستعمال لكن في رتبة متقدمة عليه.

و به يظهر أيضا فساد ما قيل انه من قبيل التعهد لكنه تعهد الواضع دون المستعملين بتقريب ان جعل الارتباط بين اللفظ و المعنى لو لا وجود المرجح في البين ترجيح بلا مرجح و تخصيص الواضع و جعله لا يوجب أزيد من جعل المرجح و تحققه ثم جريان الاستعمال يوجب الاختصاص فحقيقة الوضع جعل اللفظ بإزاء المعنى و تعهده انه كلما تلفظ باللفظ أراد المعنى المعهود فباستعماله يتحقق الاختصاص ثم المستعملين الآخر يتبعونه في ذلك و الكلام فيه كسابقه.

و به يظهر أيضا فساد ما قيل ان الواضع هو اللّه سبحانه لبطلان كلما قيل في غيره و فسر بأنه سبحانه يلهم المتكلم بلفظ خاص عند إرادة معنى مخصوص و لا بد ان يتم الإلهام في جانب المتكلم بإلهام آخر في جانب المخاطب و وجه الفساد انه لا يفيد في تشخيص حقيقة الوضع‏

21

شيئا و البحث عن علة وجود اللفظ كالمعنى من حيث انهما معلومان في الأذهان كسائر العلوم و هي جميعا غير مستندة إلى إرادة العالم بها غير البحث عن حد الوضع فهذا القول اقرب إلى القول بذاتيته، دلالة الألفاظ منه بوضعيتها.

و من ذلك يظهر أيضا ان الدلالة باللفظ على المعنى لا يتوصل إليه إلّا بدعوى الاتحاد بينهما فربما كان ذلك بدعوى كون اللفظ هو المعنى و ربما كان ذلك بدعوى كون اللفظ هو المعنى لكون معناه هو المعنى أي ان يكون الاتحاد أو لا بين المعنيين ثم بين لفظ أحدهما المتحد معه و المعنى الآخر و هذا هو المجاز.

و من هنا يظهر ان المجاز يدور مدار علاقة واحدة و هو الاتحاد الادعائي بين المعنى الحقيقي و المعنى المجازي فيطلق لفظ الأول على الثاني أو تعطى نسبة الأول للثاني فحقيقة المجاز هو ادعاء الاتحاد بين المعنيين، أنفسهما أو بينهما من حيث النسبة فالذي في إطلاق الأسد على الرّجل الشجاع دعوى الاتحاد بين المعنيين أنفسهما و الّذي في جرى الميزاب لو كان من المجاز في النسبة ادعاء ان نسبة الجريان إلى الميزاب هو عين نسبته إلى الماء فالمجاز بقسميه تحت نوع واحد و هو دعوى الاتحاد بين معنيي الحقية و المجاز و العلاقة أيضا نوع واحد و هو دعوى الاتحاد المزبور.

و من ذلك أيضا يظهر ان الأقدم في كل وضع هو الوضع الخاصّ‏

22

ثم يتدرج إلى العموم بدعوى ان الفرد الثاني هو الفرد الأول ثم الثالث هو الثاني كما ان حصول العلم بالكليات و الارتقاء إليها من الجزئيات على هذا النحو أيضا.

قوله (ره) ثم ان الملحوظ حال الوضع اما يكون معنى عاما إلخ:

(1) و قد أحسن التعبير في مقام تفسير كلمة الوضع الواقع في هذا التقسيم فانه يوهم تقسيم الشي‏ء إلى غيره فالمراد بالوضع في المقسم هو المعنى الاصطلاحي و في الأقسام غيره فافهم.

و كيف كان فقد عرفت كيفية الوضع في الألفاظ فانها بحسب الوضع الأولى الّذي دعت إليه ضرورة الحاجة الاجتماعية أوضاع خاصة كوضع الاعلام الشخصية ثم قد ينتقل منها إلى الوضع العام اما بسرعة كما في لفظ الإنسان و الحيوان أو بعد حين كالشمس و القمر و الميزان و القلم و قد لا ينتقل لعدم تماس الحاجة فيبقى الوضع على خصوصه كبعض الاعلام الشخصية فافهم و اما الأوضاع الغير الأولية مثل أوضاع اللغات المتأخرة فحالها حال التغيرات المتعاقبة للألفاظ و التطورات الطارية عليها كالإعلال و الحذف و نحوهما و الجميع ظاهر بعد التأمل فيما قدمناه.

المعاني الحرفية

قوله (ره) فقد توهم انه وضع الحروف و ما يلحق بها إلخ‏

(2) الّذي ينبغي ان يقال في المقام هو ان الموجودات الخارجية

23

تنقسم بحسب نظر العقل إلى قسمين.

أحدهما ما يستقل بالوجود و من المعلوم ان العقل حيث كان شأنه تعقل الماهيات لا غير فغرض استقلال الموجود بالوجود عنده يلزمه بالضرورة ان يكون له ماهية معقولة يصح تلبسها بالوجود فيكون هذا المفهوم موجودا في الخارج مثلا من غير حاجة في تلبس المفهوم عنده إلى شي‏ء آخر سواء كان الوجود الخارجي بحسب نفسه محتاجا إلى وجود آخر من مادة أو موضوع أو علة أو لم يكن فكل ذلك حاجات الوجود الخارجي من حيث انه وجود خارجي و اما من حيث صدق مفهومه عليه بعد فرضه وجودا في الخارج أو قيامه به حيث انه حده فلا يختلف حاله فمفهوم الإنسان و السواد لا يختلف حالهما بالنسبة إلى صدقهما على الإنسان و السواد الخارجيان و ان كان الثاني في وجوده محتاجا إلى موضوع يقوم به و ينعته بخلاف الأول.

و ثانيهما ما يكون بوجوده رابطا بين موجودين من حيث انه رابط أي يكون عين الربط و هذا القسم بذاته واسطة بين شيئين و من المعلوم ان الواسطة من حيث انها واسطة لو كانت مستقلة الوجود في قبال الطرفين كانت ثالثتهما و محتاجة في الارتباط بهما إلى واسطتين رابطتين أخريين و قد فرضت مربوطة بذاتها فيستحيل ان يكون لها ماهية ملحوظة و حدها عند العقل إذ لو كانت كان اتصافها بالوجود بالاستقلال فكانت من القسم الأول هف.

24

ثم البرهان قائم على ان هناك وجودات أخر غير مستقلة الذوات قائمة بوجودات مستقلة أخر غير قائمة بطرفين و لا متوسطة بين موجودين و هي المعاني النسبية القائمة بالذوات مثل معنى الخطاب و التكلم و الغيبة و نحوها فهذه الوجودات جميعا أمور موجودة في الخارج لكن لا في أنفسها بل في غيرها أي ان ماهية الغير يعرضها وجودها و يقوم به هذه الأمور الرابطة نحوا من القيام و إذ لا ماهية لها في نفسها فليست هي ذات حدود فليست بسيطة الذوات و لأمر كتبها و ليست لها أحكام فليست بكلية و لا جزئية و لا عامة و لا خاصة و لا لهما نسبة مع شي‏ء بالعموم و الخصوص و التباين و التساوي إلّا بتبع الموجودات المستقلة المقومة لوجودها كل ذلك لمكان ان لا ذات لها في أنفسها هذا.

فان قلت هذه الأحكام التي ذكرت لها هي أحكام لها في أنفسها فلها نحو ما من الاستقلال به يصح ان يلاحظ أحكامها فيها و تثبت لها فليست هي مع الموجودات المستقلة المشابهة لها كالابتداء الاستقلالي و الانتهاء الاستقلالي متباينة بالذات غير متسانخة.

قلت هذه أحكام سلبية بالسلب البسيط و لا يقتضى وجود الموضوع فان قلت نعم و لكن الموضوع المأخوذ فيها في اللفظ و هو الابتداء الرابط أو الانتهاء الرابط مثلا يحكى بها عن تلك الوجودات الرابطة الخارجية الغير المستقلة فلها معان مستقلة معقولة بالاستقلال و لا بد من اتحاد بين الحاكي و المحكي عنه على ان السلب البسيط يمكن‏

25

تبديله إلى الإيجاب المعدول.

قلت الابتداء الآلي بمعناه الّذي تحت لفظه معنى اسمي و ليس من هذه الجهة معنى من الرابط بين المبتدأ و المبتدأ منه بل هو مأخوذ عنوانا يحكى به عنه و مصحح ذلك تفاوت الحمل فالابتداء الآلي ابتداء إلى رابط بالحمل الأولى و الاستقلالي بالحمل الشائع و نظائره كثيرة كقولنا الجزئي جزئيّ و ليس بجزئي لصدقه على كثيرين و المعدوم المتصور معدوم و ليس بمعدوم لوجوده في الذهن و بالجملة فالمعاني النسبية لا تتصف بشي‏ء من الأحكام كالتباين و الجزئية و غيرهما بل كل ما يتصور لها من الأحكام فللوجودات المستقلة المقومة لوجوداتها بالذات.

ثم من المعلوم ان هذه المعاني كلا أو جلا و هو خصوص ما تنبه له الإنسان منها مأخوذة في الألفاظ محكية بها عنها فما كان منها رابطة بين موجودين واسطة بين طرفين وضعت لها ألفاظ الحروف مثل حروف الجر و حروف الشرط و ما كان منها قائمة الذات بطرف واحد ربما وضع بإزائها حرف مثل حروف النداء و التنبيه و الخطاب و التحضيض و نحو ذلك و ربما أخذت مع الذات المقوم لها كالذات مع معنى نسبي واحد أو اثنين أو زيادة فوضع بإزاء الذات مع ما يقوم به جميعا لفظ واحد كالضمائر و أسماء الإشارة و أسماء الشرط و نحو ذلك فكلمة ذا تدل على الذات مأخوذة مع نسبة الإشارة و كلمة هم تدل على‏

26

الذات مع نسبة الغيبة و التذكير و الجمعية هذا.

و يشبه ان يكون وضع الحروف و ما يشتمل على معانيها متأخرا عن الوضع في الأسماء كما يعطيه البيان المتقدم في حقيقة الوضع و يشهد به ما نشاهده من حكم الفطرة في تعلم الجاهل باللغة لها فانه يأخذ بتعلم الأسماء قبل الحروف و ربما اكتفى في التفهيم بإلقاء ما عنده من الأسماء هذا.

و إذ تبين ان الحروف و ما يلحق بها موضوعة لهذه المعاني النسبية الغير المستقلة بذاتها المتقومة بوجود غيرها تبين انها موضوعة لمعان في غيرها و تبين ان قولنا ان معانيها تباين المعاني الاسمية بالذات و قولنا ان الوضع فيها كالموضوع له عام من الكلام المجازي إذ لا ذات مستقلة فيها فلا حكم لها فافهم.

و من هنا يظهر ما في إفادة شيخنا المحقق الأستاذ (ره) في الحاشية حيث قال ان المعنى الاسمي و الحرفي متباينان لا اشتراك لهما في طبيعي معنى واحد و البرهان على ذلك هو ان الاسم و الحرف لو كانا متحدي المعنى و كان الفرق بمجرد اللحاظ الاستقلالي و الآلي كان طبيعي المعنى الوحداني قابلا لأن يوجد في الخارج على نحوين كما يوجد في الذهن على طورين مع ان المعنى الحرفي كأنحاء النسب و الروابط لا يوجد في الخارج الا على نحو واحد و هو الوجود لا في نفسه و لا يعقل ان يوجد النسبة في الخارج بوجود نفسي فان القابل لهذا النحو من‏

27

الوجود ما كان له ماهية تامة ملحوظة في العقل كالجواهر انتهى و هو مغالطة من باب وضع القسم موضع المقسم و لو بدل القسم بالمقسم بوضعه موضعه عاد مصادرة بالمطلوب الأول كما لا يخفى.

و من أعظم الشاهد على ان الوجود الواحد يوجد على كل من الوجهين أي يقوم به كل من نحوي المفهوم ما أقيم عليه البرهان في محله ان الموجودات الإمكانية و هي التي وجوداتها في أنفسها من الجواهر و الاعراض وجودات رابطة بالنسبة إلى الواجب عزّ اسمه و هذه النسبة ذاتية لها بمعنى ما ليس بخارج فالوجود الواحد الإمكاني بعينه متحيث بالحيثيتين جميعا و هما حيثيتان صحيحتان حقيقتان و هذا الّذي أشرنا إليه برهان تام لا يدخله شك البتة و لازمه ان المفهوم من حيث هو مفهوم لا حكم له بشي‏ء من الاستقلال و عدمه الا من حيث الوجود الّذي ينتزع منه أو ينتهى إليه انتزاعه.

فالحق ان يقال ان المعنى الحرفي ما ينتزع من وجود في غيره و اللفظ الدال عليه حرف و المعنى الاسمي ما ينتزع عن وجود في نفسه و الدال عليه اسم و من المعلوم ان الحيثيتين أعني الاستقلال و عدمه مختلفان سنخا اختلاف المرتبتين في المشك فافهم و اما التباين بين معنيين في نفسهما سنخا وراء الغيرية التي في ذوات المفاهيم كما ذكره (ره) فمما لا ريب في بطلانه و الزائد على هذا القدر من الكلام ينبغي ان يطلب من محل غير هذا المحل.

28

و من هنا يظهر أيضا فساد ما صوره (ره) لتقريب كون الوضع عاما و الموضوع له خاصا في الحروف بان المعاني الحرفية يمتنع تصورها استقلالا فلا تتصور معانيها حال الوضع بل المتصور انما هو عناوينها من المعاني الاسمية كعنوان الابتداء الآلي في معنى من و الانتهاء الآلي في معنى إلى و كل من هذه العناوين جامع عنواني لا جامع ذاتي إذ لا جامع ذاتي فيها و بينها بل هي لكونها معاني نسبية فوجودها و ثبوتها في الخارج بطرفيها على حد ثبوت المقبول بثبوت القابل على نهج القوة لا الفعل و كذا في الذهن فهي دائما متقومة بطرفين خاصتين بحيث لو لوحظت ثانيا لم تكن عين الأول بل غيرها فالملحوظ حال الوضع هو الجامع العنواني و هو عام و الموضوع له ثانيا هو المحكي عنه و هو خاص انتهى ملخصا و وجه الفساد ما عرفت ان الأحكام العارضة للمعاني الحرفية انما هي بعرض الوجودات الغيرية التي في الخارج بإزائها فهي أحكام تلك الوجودات بالذات و أحكام المعاني بالعرض ثم تلك الوجودات الغيرية أيضا لا حكم لها في نفسها إذ لا نفسية لها بل هي في أحكامها تابعة لما يقومها من الأطراف أو غيرها عامة بعمومها خاصة بخصوصها فكونها موجودة في الخارج بنحو الخصوصية انما هو لكون مقومها موجودة في الخارج كذلك هذا و اما كون وجودها بالقوة على نهج ثبوت المقبول بثبوت القابل فشتان ما بينهما من الفرق و انما هي وجودات في وجودات أخر بمعنى ما ليس بخارج و لو كان كما

29

ذكره «قده». كانت نسبة الأطراف إليها نسبة المادة إلى الصورة أو نسبة الموضوع إلى العرض.

قوله (ره) بخلاف الخاصّ فانه بما هو خاص لا يكون وجها لها إلخ:

(1) هذا يناقض كما قيل ما سيذكره في إطلاق اللفظ و إرادة نوعه أو صنفه من جواز كون الموضوع في القضية فردا من نوع اللفظ الخارجي أخذ مرآتا لحال بقية افراد النوع.

و قد أورد عليه بجواز تصوير هذا النوع من الوضع أعني الوضع الخاصّ و الموضوع له عاما بنحو الخيال المنتشر كالشبح المرئي من بعيد المحتمل لأشخاص كثيرة من نوع أو أنواع.

و فيه ان الشبح بوجوده الخارجي لا يحتمل إلّا واحدا بعينه من غير إبهام إذ لا إبهام في الوجود الخارجي و بوجوده العلمي المفهومي كلي غير جزئيّ و تفصيل الكلام في محل آخر.

قوله (ره) قلت الفرق بينهما انما هو في اختصاص كل منهما بوضع:

(2) فيه ان هذه الغاية أو الفائدة ان كانت مرتبطة بالتخصيص الوضعي ارتباطا حقيقيا عاد المحذور عينا و ان لم تكن مرتبطة كان وجودها و عدمها سواء و جاز حينئذ استعمال كل من لفظي الابتداء و من في محل الآخر و ان منع عنه الواضع و لا يلتزم به ملتزم.

قوله (ره) ثم لا يبعد ان يكون الاختلاف في الخبر و

30

الإنشاء أيضا كذلك إلخ:

(1) قد عرفت فيما تقدم من معنى الوضع انه صيرورة اللفظ وجود المعنى اعتبارا بعد ما لم يكن هو هو حقيقة.

و من البين ان اختلاف هذا الاعتبار في نفسه من حيث كونه تارة ضروريا لا يتصور خلافه و لا يستغنى عنه و أخرى غير ضروري و جائز الاستغناء عنه غير مؤثر في هذا الاتحاد الاعتباري من حيث انه اتحاد كذلك فاذن كل اتحاد بين اللفظ و المعنى بوجه بحيث يحتاج إلى اعتبار ما فهو مستند إلى اللفظ و النسب الاخبارية و الإنشائية كذلك فهي مستندة إلى الوضع و حيث كانت نسبا غير مستقلة و معاني حرفية فوضعها وضع الحروف كما ان المجاز كذلك أيضا كما سيجي‏ء.

قوله (ره) ثم انه قد انقدح مما حققناه إلخ.

(2) قد عرفت مما يتعلق به من الكلام.

قوله (ره) أظهرهما انها بالطبع لشهادة الوجدان إلخ.:

(3) قد عرفت ان اختلاف نفس الاعتبار من حيث كونه تارة اعتبارا يضطر إليه الإنسان بحسب تماس الضرورة و أخرى يجوز الاستغناء عنه لا يوجب اختلافا في ناحية الأمر الاعتباري من حيث انه اعتباري فلو كان اضطرار الإنسان إلى الاعتبار معنى موجبا لخروجه عن الاعتبارية لزم من وجود الاعتبار عدمه و هو باطل بل من وجود أصل الاعتبار عدمه فافهم.

31

و تعين للفظ بإزاء المعنى الحقيقي و كونه متحدا معه و ان أوجب اتحادا ما للفظ مع كل ما للمعنى الحقيقي اتحاد ما معه لكن اللفظ حيث كان بالإضافة إلى المعنى المجازي مع قطع النّظر عن الاعتبار ليس بينهما اتحاد و دلالة بحسب الحقيقة و الواقع فالمجاز مسبوق بالاعتبار و اللفظ الخاصّ بالنسبة إلى المعنى المجازي الخاصّ لا اتحاد تام بينهما على حد الاتحاد الموجود بين اللفظ و المعنى الحقيقي أعني الاتحاد الوضعي لكنه موجود بين نوع اللفظ الموضوع و نوع المعنى المتحد مع معناه الحقيقي فبينهما وضع غير انه نوعي ليس بالشخصي فالمجاز موضوع بالوضع النوعيّ.

و من هنا ظهر فساد استدلاله (ره) باستغناء المجاز عن الوضع بقوله بشهادة الوجدان بحسن الاستعمال فيه و لو مع منع الواضع عنه و باستهجان الاستعمال فيهما لا يناسبه و لو مع ترخيصه انتهى.

إذ الواضع على ما مر من تفسير الوضع هو الإنسان بفطرته الاجتماعية فمعنى منعه عن الاستعمال شهادة الذوق باستهجان الاستعمال لعدم المناسبة و معنى ترخيصه شهادته بحسنه لوجود المناسبة هذا و بعبارة أخرى لو فرضنا الوضع تعينيا كان قوله لشهادة الوجدان بحسن الاستعمال و لو منع الواضع عنه إلخ.

في قوة قولنا لشهادة الوجدان بحسن الاستعمال و لو لم يشهد بحسنه و لو فرضناه تعيينيا في قوة قولنا لشهادة الوجدان بحسن‏

32

الاستعمال و لو لم يضع الواضع اللفظ لمعناه الحقيقي فتأمل.

قوله (ره) صحة الإطلاق كذلك و حسنه انما كان بالطبع لا بالوضع إلخ:

(1) قد عرفت ان وضع الألفاظ تعيني يقتضيه الفطرة الإنسانية بداعي رفع الاحتياج إلى التفهيم فطرة فلا مانع من القول بان الإنسان بفطرته يجعل الفرد من اللفظ وجودا لنوعه أو صنفه أو مثله كما كان أول الوضع كذلك على ما عرفت سابقا و تضعيفه بلزوم وضع المهملات لا يزيد على الاستبعاد شيئا نعم هو على تقدير وضع الألفاظ تعيينيا في محله فافهم.

قوله (ره) لاستلزامه اتحاد الدال و المدلول إلخ:

(2) و هو ممتنع لكونهما من قبيل المتضايفين ذكر شيخنا الأستاذ أعلى اللّه مقامه في الحاشية ان المتضايفين ليسا متقابلين مطلق بل التقابل في قسم خاص من التضايف و هو ما إذا كان بين المتضايفين تعاند و تناف في الوجود كالعلية و المعلولية مما قضى البرهان بامتناع اجتماعهما في وجود واحد لا في مثل العالمية و المعلومية و المحبية و المحبوبية فانهما يجتمعان في الواحد غير ذي الجهات كما لا يخفى و الحاكي و المحكي و الدال و المدلول كاد ان يكونا من قبيل القسم الثاني حيث لا برهان على امتناع حكاية الشي‏ء عن نفسه انتهى.

و بنائه على ان المتضايفين بما هما كذلك لا يقتضيان امتناع الاجتماع و هو خطأ إذ التضايف من أقسام التقابل الأربع الّذي هو

33

الغيرية بالذات فامتناع الاجتماع في أطرافهما بالذات لا لعارض فارجع إلى محله و اما اجتماع العالمية و المعلومية و المحبية و المحبوبية في الواحد غير ذي الجهات كالواجب عزّ اسمه فالذي هناك من المجتمعين هو العالم و المعلوم مثلا و ليسا من المتضايفين و ذي نسبة متكررة و هو واضح ثم المعنى المحكي بالعالمية مورد التضايف لدلالتهما على أخذ النسبة في الطرفين إلى الطرفين فتتكرر لكنهما معنيان انتزاعيان يعرضان له في العقل و يكفيه فرض التعدد بحسب صدق المفهوم عليه و ان كان إحدى الذات بحسب العين فافهم ذلك.

نعم يرد على أصل المطلب بان الدال و المدلول ليسا من المتضايفين في شي‏ء لعدم تكرر النسبة و قد قربه بعض الأساطين من مشايخنا «رض» بلزوم اتحاد المرات و المرئي و الفاني و المفني فيه و لازمه كون الشي‏ء معلوما و غير معلوم بنفسه لكنه كسابقه.

بيان ذلك انا نجد بعض الأشياء بحيث إذا حصل العلم بها تعقبه العلم بشي‏ء آخر و نفقد هذا المعنى في بعض آخر منها و نجد القبيل الأول غير مختلف في تلك الحيثية و لا متخلف فالعلم بالدخان المتصاعد مثلا يتعقبه العلم بوجود نار هناك ثم لا يختلف ذلك بان يكشف عن النار مرة و عن غيرها أخرى و لا يتخلف بان يكشف تارة و لا يكشف أخرى و هذا يوجب ان يكون بين الشيئين رابطة و نسبة ثابتة غير متغيرة و النسب أمور غير مستقلة بنفسها و وجودها

34

في غيرها أي وجود النسبة هو وجود ذلك الغير بمعنى ما ليس بخارج و هذا المعنى مع فرض قيامه بالطرفين يوجب كون الطرفين متحدين اتحادا ما أي ان يكون هناك شي‏ء واحد من جهة النسبة و كثير من جهة نفسه على ان تكون الحيثية تعليلية بنحو الوساطة في الثبوت دون العروض و وجود الكثير من حيث كثرته أعني أحد طرفي النسبة عند العالم عين وجوده من حيث وحدته أعني وجود النسبة مع الطرف الآخر و هذه هي حقيقة الدلالة شي‏ء على شي‏ء.

و تبين بذلك ان الدلالة لحيثية الوحدة بينهما أي النسبة أو لا و للكثير أي الطرف الدال بواسطته ثانيا فدلالة شي‏ء على شي‏ء هي إيصاله العالم إلى المدلول أي إيجابه حصول المدلول عنده و لنا ان نبدله بقولنا إيجابه للعالم ان يحضر عنده المدلول المعلوم فلو فرضنا معلوما بالذات فهو دال على ذاته بذاته كما في الواجب عزّ اسمه و قد ورد في المأثور يا من دل على ذاته بذاته هذا فدلالة الشي‏ء على ذاته بنفسه ان يقتضى ذاته ان يكون معلوما و هذا المعنى لا يتحقق إلّا في العلة بالنسبة إلى معلولها و في الشي‏ء إذا كان مجردا بالنسبة إلى نفسه و ينتج بعكس النقيض استحالة دلالة الشي‏ء على نفسه و مجرد تكثر الحيثيات غير مفيد ما لم يقض بكثرة حقيقية خارجية فتأمل و ليطلب بقية الكلام من غير المقام.

فدلالة الشي‏ء على نفسه مستحيلة سواء كانت دلالة غير وضعية أو

35

وضعية و من هنا يظهر فساد ما أجاب به المصنّف (ره) عن الإشكال باعتبار اللفظ ذا حيثيتين بالصدور و الإرادة هذا.

و اما حديث فناء شي‏ء في شي‏ء و كونهما مرآتا و مرئيا فكلام تشبيهي ينبغي ان يحمل على نوع من المجاز و حقيقته كون الشي‏ء؟

متحد الوجود مع شي‏ء آخر أو كونه ذا وجود في غير فالعقل إذا تصوره في نفسه اما بذاته أو بنحو من التحيل كما في المعنى الحرفي ثم فقده و وجد مكانه ما يتحد به أو يوجد فيه سمى ذلك فناء له فيه و ليس من الفناء في شي‏ء لاستلزامه وحدة الكثير و هو ممتنع بالضرورة و اما ما ربما يمثل له بمثل فناء العلم في المعلوم و فناء المرات في المرئي و فناء الماء أو الهواء أو الزجاج فيما تحكيه مما خلفه فهو ناش عن الغفلة عن حقيقة الحال في تعلق العلم بالخارج و عن حقيقة الإبصار مع الصقالة و الشفاف و النور فيها غير ملائم لهذا المقام فليطلب من محله.

قوله: (ره) أو تركب القضية من جزءين إلخ:

(1) على تقدير عدم الاعتبار الدلالة و كون الموضوع نفس اللفظ بخارجيته كما قرره (ره) لضرورة استحالة ثبوت النسبة بدون المنتسبين.

أقول: و لا يكفى في دفع المحذور مجرد ثبوت المنتسبين و لو مع اختلاف الوعاء كالذهن و الخارج بل مقتضى ما قدمناه في الكلام على المعنى الحرفي لزوم كون وجود طرفي النسبة من سنخ واحد

36

اما خارجيين معا أو ذهنيين معا و اما كون أحدهما خارجيا و الآخر ذهنيا متقررا بالتقرير العلمي فمن المستحيل ثبوت النسبة بينهما.

و من هنا يظهر فساد ما أجاب به (ره) ان النسبة قائمة بطرفين أحدهما شخص نفس اللفظ و الآخر المعنى المحكي عنه بالمحمول فتكون القضية ذات اجزاء ثلاثة.

قوله: (ره) لا وجه لتوهم وضع للمركبات غير وضع المفردات.

(1) قد مر ما يتعلق به من الكلام في الكلام على وضع المجازات فكون الاعتبار الوضعي في نفسه ضروريا لا يوجب استغناء الموضوع عن الوضع بل الأمر بالعكس كما ان كون الجعل في مورد كالعلم ضروريا لا يوجب استغناء المجعول عن الجعل و كون الشي‏ء ضروري الفعل كالتنفس للحيوان لا ينافى كونه إراديا اختياريا و من هنا يظهر أيضا فساد ما أورده (ره) على وضع المركبات من لزوم دلالة الكلام على معناه مرتين باعتبار وضع المفردات مرة و باعتبار وضع المركبات مرة أخرى إذ الكلام يدل على نسبة وراء ما يدل عليه المفرد فلا بد من استناده إلى وضع و الوضع كما عرفت تعيني يتحقق مع الاستعمال ثم ينحل بحسب تعدد الدلالات إلى أوضاع.

قوله (ره) اختلفوا في ثبوت الحقيقة الشرعية و عدمه إلخ.

(2) لا ثمرة يترتب على هذا البحث لعدم وجود مصداق له فيما بأيدينا من الأدلة كما ذكره بعض الأساطين من مشايخنا بل الحق ان البحث عن‏

37

حقيقة الألفاظ و مجازها ليس من شأن الأصولي و انما الواقع في طريق الاستنباط هو الظهور اللفظي أعم من ان يكون على وجه الحقيقة أو المجاز و لذا ترى اما نكتفي بالظهور في كل مورد لا يساعد الدليل على إثبات الوضع فيه كوضع صيغة افعل على الوجوب و صيغة لا تفعل على الحرمة فنستفيد من ظهورهما فيهما فائدة وضعهما عليهما و لا نكتفي بثبوت الوضع فيما كان حقيقة متروكة كأحد معنيي المشترك إذا كان مهجورا لظهور المعنى الآخر.

الصحيح و الأعم‏

قوله (ره) و أنت خبير بأنه لا يكاد يصح إلخ.

(1) قد عرفت ان الحقيق بالبحث هو الكشف عن ظهور اللفظ في هذه المقامات دون الحقيقة فينبغي ان يحرر النزاع ان من المفروغ منه استعمال اللفظ في كل من المعنيين فهل استعمال اللفظ في الفاسد يحتاج إلى عناية زائدة أو ان الاستعمال في الصحيح و الفاسد على حد سواء و اما حديث صعوبة الكشف عما كان عليه بناء الشارع في محاوراته من نصب القرينة و إعمال العناية الزائدة عند إرادة الفاسد مثلا فهو كذلك لكن نظير الإشكال وارد على الفريقين فيما استدل به كل على مختاره بالتبادر و عدم صحة السلب فان الّذي يسع لنا التمسك به هو ما عندنا من التبادر و عدم صحة السلب و لا يفيد شيئا و الّذي يفيد هو ما في زمان الشارع و عند مخاطبيه و لا سبيل إليه ثم الّذي يستدلون به هناك‏

38

من اعتبار بناء العقلاء في باب وضع الأسامي و ان الشارع في بنائه ملحق بهم فهو مفيد هاهنا فتأمل.

قوله (ره) ان الصحة عند الكل بمعنى واحد و هو التمامية إلخ‏

(1) كون الصحة عند الكل بمعنى واحد مسلم غير انها ليست هي التمامية بل هما حيثيتان متغايرتان و ان ترتبت إحداهما على الأخرى بيان ذلك اما بالارتكاز الفطري نطلق التمام و النقص على الأشياء إطلاق المتقابلين فلا يجتمعان في شي‏ء واحد من جهة واحدة و نجد التمام فيها صفة وجودية بخلاف النقص فهو يضاف إلى ما يضاف إليه من جهة فقده صفة التمام و ليس يوجد النقص و لا يضاف الا إلى شي‏ء يصح ان يتصف بصفة التمام فبينهما تقابل العدم و الملكة و لا نصف شيئا بالتمام إلّا إذا كان ذا اجزاء لمكان صحة اتصافه بالنقص و حيث كان اعتبار وصف التمام لتماس الحاجة إلى آثار الشي‏ء فلا بد من اختبار حال الآثار لتتميم حده فالآثار إذا كانت بحيث تترتب على البعض و الكل فالشي‏ء لا يتصف حينئذ بالتمام و انما نصفه لو وصفناه بالكمال.

قال اللّه تعالى اليوم أكملت لكم دينكم و قال تعالى تلك عشرة كاملة الآية.

بخلاف ما لو كان الأثر المترتب على المجموع غير مترتب على البعض فحينئذ نجد اتصافه بالتمام صحيحا قال تعالى و واعدنا موسى ثلاثين ليلة و أتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة و قال تعالى و أتممت عليكم‏

39

نعمتي و يقال تم الكلام و لا يقال كمل و قال تعالى و تمت كلمة ربك صدقا و عدلا الآية ثم ان فرض كون أثر الشي‏ء التام من حيث هو تام غير أثر الاجزاء يستلزم حدوث امر آخر وراء الوجود المنسوب إلى الاجزاء حتى يكون هو الموضوع للأثر المفروض عدم ترتبه على الاجزاء و تلك هي حيثية التمامية إذ عليها تدور التمامية وضعا و رفعا فالتمامية حيثية الوحدة الحقيقية أو كالحقيقية الحاصلة من اجتماع الاجزاء التي تترتب عليه أثر وراء آثار نفس الاجزاء و اما الصحة و يقابلها الفساد فليس يصح وضع الفساد موضع النقص بل انما نصف الشي‏ء بالفساد بعد فرض تمامه أي تحقق وحدته الحقيقية فالشي‏ء انما يتصف بالصحّة و الفساد من حيث وحدته الحقيقية بخلاف التمام و النقص فانما يتصف بهما من حيث اجزائه فالصحة و الفساد يغايران التمام و النقص فيئول الأمر إلى كون الصحة هي كون الشي‏ء بحيث يترتب عليه الآثار المطلوبة منه و الفساد خلاف ذلك قال تعالى لو كان فيهما آلهة إلّا اللّه لفسدتا الآية و لا يقال لنقصتا و قال تعالى و لو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات و الأرض الآية و لا يقال لنقصت و هو ظاهر فالتمام و النقص حصول الوحدة الحقيقية من انضمام اجزاء المركب بعضها إلى بعض و عدم حصولها و الصحة و الفساد كون الواحد من حيث وحدته الحاصلة بحيث يترتب عليه آثاره و عدم كونه كذلك و لذلك ربما وضع كل من التمام و الصحة و النقص موضع الآخر كقوله (عليه السلام) في كثير من الروايات‏

40

صحت صلاته و تمت صلاته و في مورد البطلان فسدت صلاته و لا يقال نقصت صلاته و من هنا يظهر فساد ما ذكره (ره) ان الصحة هي التمامية و التفاوت في مرتبة اللوازم و الآثار من غير اختلاف في معنى نفس الصحة و كذا فساد ما قيل ان حيثية إسقاط القضاء و موافقة الشريعة و غيرهما ليست من لوازم التمامية بالدقة بل من الحيثيات التي تتم بها حقيقة التمامية حيث لا واقع للتمامية الا التمامية من حيث إسقاط القضاء أو من حيث موافقة الأمر أو من حيث ترتب الأثر إلى غير ذلك و اللازم ليس من متممات معنى ملزومه انتهى فانه لو صح فانما يصح بالنسبة إلى الصحة دون التمامية كما عرفت.

قوله (ره) لا بد في كلا القولين من قدر جامع إلخ.

(1) ذكر شيخنا الأستاذ (ره) في الحاشية ما ملخصه ان الجامع اما ان يكون جامعا ذاتيا أو جامعا عنوانيا اما الأول فغير معقول في شي‏ء من المجعولات الشرعية لأنها أمور اعتبارية مؤلفة من مقولات مختلفة و افراد عديدة من مقولة واحدة و ما هو كذلك لا تندرج تحت جامع ذاتي لتباين المقولات ذاتا فلا تندرج أكثر من واحد منها تحت ذاتي واحد و إلّا لم تكن الأجناس العالية أجناسا عالية هف و اما الثاني فلأنه و ان كان ممكنا في نفسه لكن يستلزم ان يكون استعمال الصلاة في نفس المعنون بعناية الجامع العنواني كالناهي عن الفحشاء مثلا و ليس كذلك.

41

ثم ذكره (ره) ان الماهية إذا كانت من الماهيات الحقيقية كانت غير مبهمة من حيث ذاتها و مفهومها و انما الإبهام فيها من حيث الطواري و العوارض و إذا كانت غير حقيقية كالأمور الاعتبارية المؤلفة من أمور مختلفة تزيد و تنقص فهي مبهمة في ذاتها و سبيل أخذ الجامع فيها ان تلاحظ على نحو مبهم غاية الإبهام بعرفية بعض العناوين الغير المنفكة عنها فكما ان الخمر مائع مبهم من حيث اتخاذه من العنب و التمر و غيرهما و من حيث اللون و الطعم و الريح و مرتبة الإسكار فلا يتصور الا مائعا مبهما بعرفية الإسكار مع إلغاء جميع الخصوصيات كذلك معنى الصلاة مثلا على ما فيها من الاختلافات كما و كيفا و من كل جهة يؤخذ سنخ عمل مبهم من كل جهة الا من حيث كونه مطلوبا في الأوقات الخاصة فالعرف لا ينتقلون مع سماع لفظ الصلاة الا إلى هذا السنخ من المعنى انتهى ملخصا.

و ما ذكره (قده) و ان كان صحيحا بوجه على ما سيجي‏ء لكن يرد عليه ان الجامع الّذي ذكره أخيرا اما ان يكون داخلا في التقسيم الّذي ذكره ابتداء أو غير داخل فيه و على الأول لم يكن حكم بعض الأقسام صحيحا و على الثاني لم تكن القسمة حاضرة و هو ظاهر ثم أقول إذا اعتبرنا ما مر من الأصول كان حق المقام ان يقال ان هذه الأمور سواء كانت من الموضوعات المركبة تركيبا غير حقيقي أو المجعولة جعلا اعتباريا عقليا أو شرعيا و بالجملة الأمور الاعتبارية المركبة على‏

42

اختلافها من كل جهة حيث كانت متسعة المعنى تدريجا كان التشكيك في معانيها مسبوقا بالتواطي مثال ذلك انهم حصلوا على المطبوخ من دقيق البر مثلا أو لا فاعتبروها و سموها خبزا ثم وجدوا دقيق الشعير إذا عمل كذلك يفي بالغرض و هو سد الجوع فوسعوا في الاسم ثم وجدوا الأرز و الذرة و غيرهما مع خليط آخر و بدونه و مع تغيير خصوصيات من الشكل و غيره و بدونه كذلك فلم يزالوا يوسعون في الاسم حتى حصلت المراتب على اختلافها الشديدة لكن في أول المراتب انما اعتبروا جامعا متواطيا بالنسبة إلى افرادها الغير المختلفة ثم اعتبروا وحدتها النوعية مع ما يليها من المراتب ثم الثالث مع الثاني ثم الرابع مع الثالث و هكذا و (ح) وجدوها مختلفة المراتب و استبهموا الجامع كلما ازدادت المراتب فحكموا بكون المفهوم الجامع مشككا في غاية الإبهام و تشبثوا لفهمه بالمعرفات من الأغراض و الآثار و هذا بناؤنا فيما بأيدينا من الأمور الاعتبارية و المركبات الغير الحقيقية مما لا يحصى و المجعولات الشرعية من العبادات مثلا على هذا الوزان فالصلاة مثلا كما شرعت أو لا على ما فرضه اللّه تعالى ركعتين مع ما لها من الاجزاء و الشرائط فأخذ معناها الجامع جامعا متواطيا يصدق على افراده على وتيرة واحدة ثم أضيف إليها ما فرضه النبي (صلى اللَّه عليه و آله) و تصرف فيها بالتصرفات المختلفة بالعفو و الاعتبار بحسب الحالات الطارية و الاعذار اللاحقة من السفر و الحضر و الخوف و المرض و أقسام التعذرات و الاضطرارات‏

43

حتى وصلت النوبة إلى صلاة الغريق و هي مجرد إيماء قلبي فهي كما ترى تبتدأ أولا من جامع متواط في مرتبة واحدة ثم بين كل مرتبة و ما يليها ثم اعتبار جميع هذه الجوامع المتواطئة المختلفة و سبك جامع واحد منها فينتج التشكيك (فان قلت) التشكيك ممتنع في الماهيات (قلت) لا ضير فيه في الاعتباريات لاستناد الوحدة فيها إلى وحدة الغرض المقصود منها و ليس ذلك بأعظم من تألف ذاتها من الماهيات المختلفة من المقولات المتباينة بالذات نعم يمتنع ذلك في الماهيات الحقيقية و ليست بها و قد مرت الإشارة في ما مر ان الضرورة و الامتناع جهات برهانية غير موجودة في القضايا الاعتبارية (فقد تبين) ان الجامع في المركبات الاعتبارية و منها العبادات لشرعية معنى مبهم تشكيكي يتوصل إلى اعتباره أو لا باعتبار جوامع متواطئة تستنتج هو منها و إلى فهمه ثانيا بالمعرفات من الأغراض و الآثار و يجب ان تعلم ان التشكيك الاعتباري ليس على حد التشكيكات الحقيقية المعروفة القائمة بالشدة و الضعف و الكمال و النقص بل انما هو اختلاف ذاتي في عين الاتفاق الذاتي من غير تفاوت بالشدة و الضعف فكل مرتبة من الصلاة مثلا واقع على المأمور بتلك المرتبة و غير واقع على المرتبة التالية من غير ان تكون أكمل من ما في تلك المرتبة و انما يطلق اسم المرتبة عليها تجوزا من غير حقيقة و لو تحقق بين مرتبتين منها كمال و نقص لكانت صلاة الحاضر مثلا مجزيا للمسافر بنحو أكمل و أتم و ليس كذلك و هو ظاهر (قوله ره) بان الجامع‏

44

انما هو مفهوم إلخ) أقول و عدم رجوع الشك إلى الشك في المحصل على ما تصورناه من الجامع أوضح فان متعلق التكليف حينئذ ليس هو الجامع المشكك المنطبق على جميع المراتب بل الجامع المتواطئ المنطبق على افراد مرتبة واحدة غير مختلفة فتدبر.

قوله (ره) و اما على الأعم فتصوير الجامع في غاية الإشكال إلخ:

(1) قد عرفت ان الصحة و الفساد من قبيل العدم و الملكة و لازم ذلك ان يكون بينهما موضوع يعرضانه فالعلم بتحقق أحد الوصفين مسبوق بالعلم بموضوعهما و وحدة الموضوع لازمة في المتقابلين فالصحة كالفساد معنى واحد و موضوعهما واحد فهناك للأعم جامع كما ان للصحيح جامعا من غير إشكال فتأمل.

و اعلم ان الجامع على الأعم حاله في الإبهام حال الجامع على الصحيح لمكان التداخل في المراتب من حيث الصحيح و الفاسد و من هنا يظهر ان الجامع الّذي أرادوا تصويره بصورة غير مبهمة بأحد الوجوه الآتية غير تام أبدا.

قوله (ره) ثمرة النزاع إجمال الخطاب على الصحيح و عدم جواز الرجوع إلى إطلاقه إلخ.

(2) هذا هو الّذي ذكره شيخ مشايخنا الأنصاري (ره) لكن الوجه فيه ليس هو بيان الجامع على أحد التقديرين دون الآخر إذ قد عرفت ان الصحيح و الأعم في إبهام الجامع على حد سواء بل الوجه تبين‏

45

الصدق على الأعم دون الصحيح فالعلم بصدق ماهية على فرد لا يتوقف على العلم بحده التام كما ان من الممكن ان يعلم بكون زيد و عمرو إنسانا مع الجهل بحده التام و كذا ساير الماهيات فهذا هو الموجب لإجمال الخطاب على الصحيح لكون الشك في اعتبار قيد ما من القيود ملازما للشك في صدق الصلاة لاحتمال الدخالة في التسمية بخلاف الأعم و الوجه في ذلك تداخل المراتب فما من مرتبة تتصف بالصحّة الا أمكن ان تتصف بالفساد فيكون مصداقا للأعم كما يكون مصداقا للصحيح و من هنا كان وروده مورد البيان غير ممكن بالنسبة إلى جميع المراتب و اما بالنسبة إلى مرتبة واحدة فيمكن ذلك لكن الشأن في تمييز المرتبة من المرتبة و على فرض التمييز فحاله حال الأعم فتأمل.

و البحث على أي حال قليل الجدوى و قد ادعى ان الخطابات المشتملة على العبادات مهملات غير واردة في مقام بيان تمام ما له الدخل فيها:

قوله (ره) فقد استدل للصحيحي بوجوه إلخ‏

(1) لا يخفى ما فيها من الضعف فالتبادر و صحة السلب انما يستقيمان بالنظر إلى عرفنا جماعة المتشرعة و اما بالنظر إلى ما عند الحاضرين في زمان الشارع و المخاطبين في محاوراته فالإنصاف انه لا سبيل لنا إليه و مثله دعوى خلو الاخبار عن القرينة و اما الوجه الرابع فقد أبدى ضعفه هو (ره) نفسه (و الحق) ان يقال بالنظر إلى الأصول السابقة

46

ان الاعتبار انما يتعلق بالشي‏ء لإيفائه بالغرض أي يتعلق بالمجعول الصحيح و الغرض من حيث البيان و التبين انما يتعلق ابتداء بالصحيح من المجعول فهو المكشوف عنه بالاسم أو لا ثم التداول و التناول يوجب وجود الفاسد منه فيطلق الاسم عليه بالعناية أو لا و ان أمكن الاستغناء عن إعمال العناية بالاخرة فالصحيح ليس فيه عناية فاللفظ ظاهر في الصحيح اما لكونه هو المسمى لو كان الظهور أو الوضع للصحيح فقط و اما لكونه من افراد المسمى لو كان ذلك للأعم و اما الفاسد أو الأعم من حيث هو أعم فحيث كان بالعناية فيحتاج كونه حقيقة أو ظاهرا فيه إلى الكشف عن انتفاء العناية في موارد استعمالاته و لا سبيل لنا إلى الكشف عنه.

قوله (ره) لكنه لا يبعد دعوى كونها موضوعة للصحيحة أيضا إلخ:

(1) البيان الّذي قدمناه في كون أسامي العبادات موضوعة للصحيحة أو ظاهرة فيها جار هاهنا في كون أسامي المعاملات موضوعة للصحيحة عند العرف و الشرع يبنى في هذا المعاني الاعتبارية على ما بنى عليه العرف و المنع الشرعي عن بعض الافراد و إضافة بعض القيود شرعا لا يقضى بتعدد المفهوم لكونه كما عرفت في غاية الإبهام انما هو تصرف في بعض الافراد بتخطئتهم في عده فردا للكلي.

و ببيان آخر قد عرفت ان مفاهيم هذه الألفاظ مفاهيم تشكيكية مأخوذة عن مفاهيم متواطئة مجتمعة في مواردها و إضافة قيد و المنع‏

47

عن فرد انما يتوجه إلى اعتبار بعض تلك المفاهيم المتواطئة لوجود مصلحة زائدة لم يعتبرها العرف أو فقد مصلحة اعتبرها يوجب توسعة أو تضييقا في الاعتبار و لا يتوجه إلى المفهوم المشترك فيه بين الجميع الّذي وجهه وجه التشكيك و هذا المعنى كثير الوجود في العرف أيضا بين طائفة و طائفة أو بين طائفة في وقتين فيزيدون و ينقصون في الأمور المعتبرة المتعلقة بالمأكل و المسكن و الملبس و الآداب و غيرها من غير ان يتغير المفاهيم عندهم و هو ظاهر.

قوله (ره) كون ألفاظ المعاملات موضوعة للصحيحة لا يوجب إجمالها إلخ:

(1) محصله ان الاعتباريات من المعاملات حيث كانت مبنية عند العرف و الشرع تابع في أخذها لهم فالإطلاق إذا كان في مقام بيان الاجزاء و الشرائط و لم يبين قيدا محتملا من القيود دفع بالإطلاق لصدق المفهوم على المورد و قيام الحجة على دفع المحتمل و هو عدم البيان.

و لقائل ان يقول ان الحال في الاعتباريات من العبادات أيضا هذا الحال إذ لم يأت الشارع بمجعول عبادي لا يعرفه العرف بمفهومه الاعتباري في الجملة و انما شأن الشارع تحديد الحدود و تتميم القيود كما ورد عنه (صلى اللَّه عليه و آله) بعثت لا تمم مكارم الأخلاق فالطهارة و الصلاة و الحج و غيرها من المجعولات الشرعية جميعا مما يعرف العرف اعتبارها في الجملة و انما عرف الشارع منها ما يتم به معانيها على‏

48

ما نسب إلى الباقلاني لكن الإنصاف ان هذه المعاني و ان كانت في أول ظهور الإسلام على هذا الحال إلّا انها صارت بعد ذلك مهجورة الأصل منسية العهد و تعينت في المعاني الشرعية و ما بأيدينا من الإطلاقات لو كان فهو صادر في العصر الثاني دون الأول فالمتعين هو التمسك بالإطلاق في المعاملات فقط.

قوله (ره) الحق وقوع الاشتراك للنقل إلخ:

(1) قد عرفت في الكلام على الوضع إمكان الاشتراك و الترادف و اما الوقوع فلا وجه لإنكاره مستندا إلى عدم الوجدان بعد ورود مثل كلمة النون للدواة و الحوت و اسم الحرف و النجم للنبات غير ذي الساق و الكوكب و أوضح من ذلك أمثلة كثيرة من المبنيات مثل ما الموصولة و النافية و ان الشرطية و النافية و همزة النداء و الاستفهام و غيرها و لا جامع فيها بحيث يرتضيه الطبع السليم و يتلقاه الذوق المستقيم و نظير ذلك موجود في غير العربية من اللغات و قد عرفت سابقا ان تعدد اللغات في معنى الترادف و تطابق اللغتين في معنى الاشتراك لكون الوضع تعينيا بالطبع.

قوله (ره) بل جعله وجها و عنوانا له إلخ.

(2) قد عرفت في الكلام على الوضع انه انما يتم بجعل الهوهويّة بين اللفظ و المعنى اعتبارا أي دعوى كون اللفظ هو المعنى فيرجع استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد إلى كون الواحد عين‏

49

الكثير و هو محال و اما حديث فناء اللفظ في المعنى كفناء الوجه في ذي الوجه و العنوان في المعنون فقد مر ما يتعلق به من الكلام.

بحث المشتق‏

قوله (ره) المراد بالمشتق هاهنا ليس مطلق المشتقات انتهى:

(1) ما مر من الكلام على موضوع العلم ينتج ان المسألة إذا كانت حقيقية فهي تدور عموما و خصوصا مدار عقد الوضع أعني الموضوع أو البرهان و المآل واحد و إذا كانت اعتبارية غير حقيقية فهي تدور عموما و خصوصا مدار الغرض أو الدليل و المآل واحد أيضا و الغرض من بحث المشتق تشخيص ان ما يعد عرفا وصفا ثابتا للذات مطلقا عليه حقيقة في حال جريانه عليه و وجوده فيه هل هو حقيقة فيه بعد انقضائه عنه فالضارب حقيقة في زيد ما دام يضرب فإذا انقضى عنه الضرب فهل إطلاقه عليه حقيقة باعتبار حال الانقضاء دون اعتبار حال الجري و إطلاق الزوجة عليها حقيقة ما دامت العلقة فإذا انقضت بأحد موجبات بطلانها فهل الإطلاق حقيقة أو مجاز و لا فرق في ترتب هذه الثمرة بين أقسام الأوصاف الاسمية كاسم الفاعل و المفعول و الصفة المشبهة و اسم التفضيل و اسم الزمان و المكان و اسم الآلة و بناء المقدار و صيغة المبالغة و ما يلحق بها من الجوامد الجارية بنظر العرف على الذوات جريان المشتق عليها كالزوج و الزوجة و الرق و الحر و أشباهها و منها المنسوب.

50

قوله (ره) مما يكون مفهومه منتزعا عن الذات بملاحظة إلخ:

(1) توضيح الكلام في المقام ان اشتراك جميع المشتقات من حيث المعنى الحدثي بالنظر إلى المعنى و في الحروف الأصلية الدائرة بين الجميع بالنظر إلى اللفظ يقضى باشتقاق الجميع حتى المصدر و اسمه عن أصل واحد و هو الّذي نسميه بالمادة أعني نفس الحروف الأصلية من غير تقيدها بحركة و سكون أو غيرهما و الأوصاف من المشتقات لا تدل على أزيد من معنى واحد استقلالي و إذ كان المبدأ مدلولا عليه بالاستقلال فالمعنى الواحد الاستقلالي هو معنى المبدأ بإزاء المادة و ما عداه معنى نسبي مدلول عليه بالهيئة أعني ما عدا المادة اما واحدا و أزيد من واحد و قد عرفت في الكلام على المعنى الحرفي انها غير مستقلة مفهوما و مصداقا و ان انتزاع مفاهيمها من مصاديقها بتبع المستقل الّذي يحفظها فمفاهيم هذه الأوصاف منتزعة عن المبدأ بملاحظة تقيدها بأنحاء نسب اتحادها مع الذات فمفهوم اسم الفاعل هو الوصف المتحد مع الذات بنسبة القيام التجددي و المنتزع في الصفة المشبهة هو الوصف كذلك بنسبة القيام الثبوتي و في اسم المفعول ما هو كذلك بنسبة القيام الوقوعي و في اسم التفضيل ما هو كذلك بنسبة الشدة و في صيغة المبالغة ما هو كذلك بنسبة الكثرة و في اسم الزمان و المكان ما هو كذلك بنسبة الظرفية و في اسم الآلة ما هو كذلك بنسبة الآلية و في بناء المقدار ما هو كذلك بنسبة المقدار هذا.

51

و من هنا تعرف ما في قول المصنف هنا و فيما سيجي‏ء ان معنى الوصف مفهوم منتزع عن الذات بملاحظة تلبسها بالمبدإ و قد وقع مثله في عبارة غيره و لك ان ترجعه بنحو من التأويل إلى ما ذكرناه.

تنبيه اسم المفعول من اللازم كالممرور به صيغة المفعول و ما يتبعه من الجار و المجرور خارج عن الهيئة يتم به تعلق المبدأ بالذات إذ المبدأ لاشتراكه بين المجرد و المزيد فيه و اللازم و المتعدي يدل على معنى مشترك بين الجميع ممكن الانطباق على معنى المزيد فيه المتعدي و دلالة المزيد فيه المتعدي و زيادته على المجرد بالهيئة فاختصاص المجرد في مدلوله بالمعنى المقابل لمعنى المزيد فيه أعني معنى اللازم انما هو بالإطلاق دون الوضع فإذا كان الإمرار و هو من باب الأفعال متعديا بنفسه فمعنى المرور و هو مجرد لازم المعنى المشترك الممكن الانطباق على معنى الإمرار إلّا بالإطلاق و ذلك لشهادة صوغ اسم المفعول منه مع اتحاد معنى هيئة المفعول في صيغتي مضروب و ممرور به و لو كان اسم المفعول مجموع هيئة الممرور به لم يعرب آخر الصيغة و كان الضمير حرفا و لو كانت الدلالة لنفس هيئة المفعول وحدها لم يحتج إلى إلحاق الظرف و المجرى عليها التثنية و الجمع و التأنيث فالمادة في المرور به يدل على المعنى المشترك الأعم و الهيئة على خصوص النسبة لكن يتم نقص الهيئة بالظرف و نقص المادة بالإطلاق فافهم.

و اما المصادر و أسماؤها فالفرق بينهما ان اسم المصدر يدل على‏

52

الحدث مأخوذا وحده و المصدر على الحدث مأخوذا بنسبة ناقصة إلى الذات فلهيئتهما دلالة على النسبة وجودا و عدما.

و اما ما ذكره بعض الأساطين من مشايخنا (ره) ان المصدر لو دل على النسبة الناقصة بهيئة لكان مبنيا غير معرب لشبه الحرف باشتماله على النسبة فهي يدل على الحدث حال كونه منتسبا إلى الذات بنسبة ناقصة و ظاهره انه (قده) يجعل النسبة ظرفا لا قيدا.

ففيه أو لا انه لو لم يدل على النسبة لكان جامدا غير مشتق و هو كما ترى و لا يلتزم به و لو دل عليها فحيث كانت الدلالة على المادة بالمادة فالدلالة على النسبة بالهيئة و لا يتفاوت الحال بأخذها قيدا أو ظرفا و ثانيا ان مجرد الاشتمال على النسبة غير كافية في البناء و إلّا كانت الأوصاف جميعا مبنيات لاشتمالها على أنحاء النسب بل موجب البناء هو الاشتمال الّذي يوجب عدم التمكن و الاستقلال في المعنى فلا يقبل تنوين التمكن كالأفعال و أسماء الشروط و الموصولات و ساير المبهمات و اما المصادر و أسماؤها و الأوصاف فمعانيها مع ما فيها من النسب معان مستقلة تامة.

و اما الأفعال فقد قيل بدلالتها على الزمان كما سيجي‏ء لكن الإنشاءات على كثرتها و كثرة استعمالها و كذا وقوع الأفعال في حيز الشرط من غير دلالة على الزمان مع بشاعة الالتزام بالمجاز يوجب ان تكون الدلالة على الزمان فيها بالإطلاق لكثرة الاستعمال و ان‏

53

الماضي يدل على الحدث بنسبة تامة محققة و المضارع على الحدث بنسبة مترقبة التحقق.

و اما الأمر و النهي فانما يدلان على البعث و الزجر الاعتباريين و لا تماس لهما بنفسها بالزمان.

قوله (ره) ما عن الإيضاح في باب النكاح انتهى:

(1) أورد عليه شيخنا الأستاذ أعلى اللّه مقامه في الحاشية ان الفرق بين الكبيرتين مشكل لاتحادهما في الملاك لأن أمومة المرضعة الأولى و بنتية المرتضعة متضايفان متكافئتان قوة و فعلا و بنتية المرتضعة و زوجيتها متضادتان شرعا ففي مرتبة حصول الأمومة تحصل البنتية لمكان الإضافة و في تلك المرتبة تبطل الزوجية لمكان التضاد فليست في مرتبة من المراتب أمومة المرضعة مضافة إلى زوجية المرتضعة حتى تحرم لكونها أم الزوج انتهى و لقائل ان يقول ما الفارق بين زوجية المرضعة و زوجية المرتضعة حيث تبطل الثانية بمجرد تحقق البنتية و لا تبطل الأولى بمجرد تحقق الأمومة مع ان البنتية و الأمومة في مرتبة واحدة و الزوجية و الزوجية في مرتبة واحدة أيضا و الظاهر انه وقع الخلط بين البنتية بالنسبة إلى الزوجية و البنتية بالنسبة إلى الزوج فوضعت الثانية مكان الأولى فأنتج ما ترى فافهم ذلك.

قوله (ره) بان انحصار مفهوم عام بفرد كما في المقام:

(2) فعدم وجود مصداق للذات المنقضى عنه المبدأ في اسم الزمان‏

54

لكون الزمان منقضيا بانقضاء المبدأ لا يوجب الخروج عن حريم النزاع.

و أورد عليه شيخنا الأستاذ أعلى اللّه مقامه في الحاشية ان ذلك اعتراف منه (رحمه الله) بعدم ترتب الثمرة على النزاع في اسم الزمان إذ الثمرة كون استعمال المشتق فيما انقضى عنه المبدأ حقيقة أو مجازا و لا مصداق له في اسم الزمان باعترافه فيخرج عن محل النزاع بالضرورة.

فالأولى ان يقال ان صيغة اسم الزمان و المكان واحد فهو موضوع للوصف مع نسبة الظرفية و عدم تحقق مصداق لبعض افراد الموضوع له مع عمومه المفهومي لا يوجب خروج الصيغة عن محل النزاع انتهى ملخصا.

قوله (ره) و إلّا لما وقع الخلاف فيما وضع له لفظ الجلالة إلخ:

(1) عبارة ناقصة التركيب و كان المراد بها تنظير المقام بالخلاف الواقع في لفظ الجلالة انه علم أو اسم جنس مع وحدة واجب الوجود بالذات مصداقا و اما قوله الواجب موضوع للمفهوم العام انتهى فعبارة غير قابلة الإصلاح.

قوله (ره) و هو اشتباه ضرورة عدم إلخ:

(2) أورد (ره) على دلالة الفعل على الرمان وضعا كما اشتهر بين النحاة وجوها.

الأول النقض بفعلي الأمر و النهي.