حاشية فرائد الأصول / تقريرات - ج1

- السيد محمد إبراهيم اليزدي النجفي المزيد...
694 /
5

[مقدمة المشرف‏]

باسمه تعالى شأنه العزيز الحمد للّه الذي فضل مداد العلماء على دماء الشهداء، و صلى اللّه على محمد سيد الأنبياء و آله البررة الأصفياء و بعد: فإن مما لا يخفى على أهل العلم و الفضل أنّ كتاب فرائد الأصول المعروف بالرسائل من أهم الكتب الأصولية و الذي كان و لا يزال منهجا دراسيا في الحوزات العلمية، و قد علّق عليه الكثيرون من أرباب العلم و الفضيلة.

و من أولئك صاحب العروة الوثقى آية اللّه العظمى السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي (قدس سره) حيث جعل محور أبحاثه الأصولية كتاب الرسائل.

و ممن حضر أبحاثه و حررها و علّق عليها في ثلاثة مجلدات- كما ذكر ذلك في الذريعة 6: 152 ط. بيروت- خالنا المفضال جامع المعقول و المنقول آية اللّه الشيخ محمد إبراهيم اليزدي النجفي المتولد سنة 1270 ه ق و المتوفى سنة 1320 أو 1324.

و يكفيه جلالة ما وصفه عمنا آية اللّه الشيخ علي أكبر سيبويه (قدس سره)

6

في مقدمة الكتاب ب: فخر المحققين و زين الفقهاء و المجتهدين.

و هو على ما نقل آية اللّه شيخنا الوالد كان من العلماء الأعلام و كان عنده من العلوم الغريبة و من مبرزي تلامذة السيد (قدس سره)، بل كان معينه في الفتيا و يحضر دروسه و يقررها.

و كان يوم وفاته يوما عظيما في النجف الأشرف حيث عطلت الحوزة و الأسواق و قد مشى السيد الطباطبائي (قدس سره) خلف جنازته و هو يبكي بكاء شديدا و يقول: الآن انكسر ظهري بفقد هذا العالم الجليل، و دفن في إيوان الحضرة العلوية على مشرفها آلاف التحية، و له كرامات يطول بذكرها المقام تغمده اللّه تعالى برحمته الواسعة و أسكنه الفسيح من جناته.

و السلام عليه يوم ولد و يوم توفي و يوم يبعث حيا.

كتبه الأقل محمد الحسين سيبويه الحائري عفي عنه‏

7

[مقدمة]

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏ الحمد للّه الذي جعل العلماء ورثة الأنبياء، و فضّل مدادهم على دماء الشهداء، و الصلاة على سيّد خلقه و أشرف بريّته محمد و آله البررة الأتقياء.

و بعد فهذه تعليقة شريفة وجيزة أنيقة علّقها الشيخ الأجل المفضال علم الأعلام و النحرير القمقام فخر المحقّقين و زين الفقهاء و المجتهدين حاوي الفروع و الأصول و جامع المعقول و المنقول مولانا الشيخ محمد إبراهيم اليزدي الكرد فلامرزيّ النجفي (عطّر اللّه مرقده) على فرائد شيخنا العلّامة المحقّق الأنصاري (قدّس اللّه روحه) حاوية لتقريرات أستاذه السيّد الأجل الأكرم و المولى الأفخم الأعظم حجّة الإسلام و المسلمين آية اللّه في العالمين السيّد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي النجفي (أعلى اللّه مقامه) و بعض تحقيقات شريفة سمح بها فكره الثاقب و نظره الصائب، فقال عليه رحمة الكبير المتعال:

8

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏ و به ثقتي‏

[حجية القطع‏]

[تقسيم حالات المكلف‏]

قوله: فاعلم أنّ المكلّف إذا التفت إلى حكم شرعيّ‏

(1)

.

(1) قال سيدنا الأستاذ الأعظم: الذي يناسب مقام الشروع في الأدلّة أن يقسم هكذا: اعلم أنّ المجتهد بعد الفحص اللّازم في كل مسألة إمّا أن يحصل له دليل قطعيّ للحكم أو دليل غير قطعيّ او لا يحصل له دليل أصلا، و المراد من الدليل القطعي ليس ما يوجب القطع شأنا كما توهّم، و إن كان يمكن أن يجعل الشارع ما يوجب القطع شأنا حجّة فإنّه أمر معقول، إلّا أنّه غير واقع بشهادة الاستقراء، بل المراد من الدليل القطعي كون نفس القطع بوصفه الفعلي دليلا لا ما يوجبه، مثلا معنى قولنا الخبر المتواتر حجّة أو الإجماع حجّة أنّ القطع الحاصل منهما حجّة واجب العمل.

و المراد من الدليل غير القطعيّ أعمّ من الظنّ و الظنّي فإنّه يشمل الظنّ الفعليّ إذا اعتبره الشارع من دون ملاحظة سببه كما هو مذاق جملة من أفاضل‏

____________

(1) فرائد الأصول 1: 25.

9

المتأخّرين في نتيجة دليل الانسداد، و يشمل ما يوجب الظنّ الفعليّ كخبر الواحد لو اعتبر مشروطا بحصول الظنّ الفعلي كما قد ينسب إلى البهائي (رحمه اللّه)، و يشمل ما يوجب الظنّ النوعيّ كخبر الواحد على مذاق القوم، و نفس الظنّ النوعي من دون ملاحظة سببه إمّا مطلقا أو بشرط عدم الظنّ الفعلي على خلافه‏ (1).

و يشمل أيضا ما لو اعتبر الشارع ما يكون ناظرا إلى الواقع بلسانه و لو لم يوجب الظنّ الفعليّ أو الشأني، نظير اعتبار يد المسلم و سوق المسلمين في الموضوعات في الحكم بالملك و الطهارة و التذكية و نحو ذلك، و ذلك مثل أن يقول: صدّق المرأة على ما في رحمها من الحيض و الحمل، فقولها يصير حجّة و دليلا، و كذا يشمل ما إذا اعتبر ما لا يكون ناظرا إلى الواقع أصلا، إلّا أنّه يعتبره بعنوان الطريقية، كأن يقول: إذا شككت بين الثلاث و الأربع فإنّك صلّيت أربعا فسلّم و انصرف.

فإن قيل: إذا لم يكن الشي‏ء في نفسه طريقا إلى الواقع كيف يعقل جعله طريقا، فإنّ الطريقية و عدمها من الأمور النفس الأمريّة التي لا تتغيّر عمّا هي عليها واقعا، و الذي يعقل جعله في المورد ترتيب آثار الواقع على مورد الجعل، و هذا مفاد الأصل لا الدليل كما لا يخفى.

قلنا: هذا مبنيّ على ثبوت الأحكام الوضعيّة على ما سيأتي تصويرها في محلّه، فما هو الجواب هناك هو الجواب هنا، فإنّ الطريقيّة أيضا من أحكام الوضع، فلا نطيل الكلام هنا.

____________

(1) أقول: نحن لا نتعقّل اعتبار نفس الظنّ النوعيّ، فإنّه أمر معدوم توهّمه الخاطر باعتبار أنّ شأن السبب الكذائي أن يحدث الظنّ الفعليّ عقيبه غالبا، و حينئذ فإن اعتبره الشارع ظاهرا نحمله على اعتبار ذلك السبب، فسقط هذا القسم.

10

و قد ظهر ممّا ذكرنا وجه كون ما ذكرنا من التقسيم أنسب ممّا ذكره المصنف، مضافا إلى سلامته عمّا يرد على كلامه، و هو من وجوه:

الأوّل: أنّ اعتبار التكليف في المقسم في قوله: اعلم أنّ المكلّف ... لغو، فإنّه لا مدخليّة له في الأقسام، فالواجب أن يقول: اعلم أنّ الإنسان ...، اللّهم إلّا أن يقال إنّه لإخراج المجنون و الصبيّ بناء على عدم الاعتداد باستنباط الصبيّ حتى في حقّ عمل نفسه.

الثاني: أنّ جعل المقسم مطلق المكلّف ممّا لا يصحّ، لشمولاه المقلّد، و معلوم أنّه ليس من أهل الاستنباط حتى يرجع إلى الأدلّة و الأصول، فلا بدّ من تقييده بالمجتهد.

و قد أجيب عن ذلك بأنّ المقلّد أيضا مكلّف بمؤدّى الأدلّة و إجراء الأصول كالمجتهد، لكن لمّا عجز عن تشخيص ذلك قام المجتهد مقامه فكان نائبا عنه، و حينئذ لا يحتاج إلى التقييد بالمجتهد، بل هو مخلّ بالمقصود.

و فيه أوّلا: أنّه يلزم أن يكون المجتهد مستنبطا لحكم ظنّ المقلّد و شكّه، و لا ريب في فساد ذلك، إذ المناط ظنّ المجتهد و شكّه قطعا و لا اعتبار بظنّ المقلّد و شكّه، فلو كان المجتهد ظانّا و المقلّد شاكّا فالحكم بمقتضى الظنّ الحاصل للمجتهد، اللّهمّ إلّا أن يقال: إنّ المجتهد نائب عن المقلّد حتى في كونه ظانّا أو شاكّا، لكن مرجع ذلك أيضا إلى التقييد بالمجتهد كما لا يخفى، و الحاصل أنّ المقلّد ليس محلّا للأقسام بوجه، بل وظيفة المقلّد الرجوع إلى ما يفتي به المجتهد في حكم عمله بمقتضى الدليل أو الأصول التي يعملها المجتهد في مواردها.

و من هنا يعلم أنّ الأقوى في التخيير الثابت في الخبرين المتعارضين‏

11

تخيير المجتهد، بأن يختار أحدهما و يفتي به معيّنا، لا الفتوى بالتخيير حتّى يكون المقلّد مختارا في أخذ مؤدّى أحد الخبرين، لأنّ ذلك ليس من وظيفته.

و ثانيا: أنّه يلزم على هذا التبعيض في مبادئ الأدلة، بيان ذلك: أنّه لمّا كان وجه رجوع المقلّد إلى المجتهد عجزه عن تحصيل مؤدّى الأدلّة و الأصول لزم أن نقتصر على مقدار عجزه، فإذا قدر المكلّف على استنباط بعض مقدّماتها و علم به استغنى عن المجتهد بالنسبة إلى هذه المقدّمة و يأخذ بما يستنبطه المجتهد في باقي المقدّمات و يعمل على ما يحصل من مجموعها، و ربّما يكون مخالفا لفتوى المجتهد، مثلا لو أفتى المجتهد بوجوب التيمّم على التراب لقوله تعالى: فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً (1) لاختياره كون الصعيد هو التراب، و لكن المقلّد يقطع بأنّ الصعيد مطلق وجه الأرض، فيأخذ عن المجتهد جميع ما هو عاجز عن فهمه من مقدّمات المسألة مثل أنّ ظاهر الكتاب حجّة، و الأمر للوجوب، و أنّ المراد ب لَمْ تَجِدُوا لم تتمكّنوا من الاستعمال و غير ذلك، و يبني على جواز التيمّم على مطلق وجه الأرض، و هذا ممّا لا يلتزم به أحد حتّى أنّ المصنف صرّح في رسالة التعادل و التراجيح بذلك، حيث جزم بأنّه إذا كان الخبران المتعارضان متعادلين بنظر المجتهد و كان أحدهما راجحا بنظر المقلّد فالعبرة بنظر المجتهد، و ليس للمقلّد الأخذ بما هو الراجح عنده.

و ثالثا: أنّ كون المقلّد بل المجتهد مكلّفا بمؤدّى الأدلّة و إجراء الأصول ممنوع، بل الحقّ المحقّق في محلّه أنّ التكليف منحصر في الأحكام الواقعية، و ليس مؤدّى الأدلّة و إجراء الأصول أحكاما مجعولة في مقابلة الأحكام الواقعيّة، بل إنّما هي أحكام عذريّة بمعنى أنّ المكلّف معذور بعد الأخذ بها على‏

____________

(1) النساء 4: 43.

12

تقدير التخلّف عن الواقع، و تظهر الثمرة فيما إذا ترك المقلّد واجبا واقعيا قد أفتى مجتهده بعدم وجوبه و كان تركه مستندا إلى ترك التقليد لا إلى فتوى المجتهد، فإنّه يكون آثما معاقبا على ترك الواجب على المختار، لأنّه لم يأت بالواجب الواقعي و لا بالعذر، و أمّا بناء على كون مؤدّيات الأدلّة أحكاما مجعولة فقد وافق فعله حكما شرعيا ثانويّا و لا يعاقب على ترك الواجب الواقعي.

الثالث: أنّ قوله: إذا التفت إلى حكم ... قيد زائد في الكلام، إذ الأقسام لا تنفكّ عن الالتفات جزما، و لعلّ القيد توضيحي، و لو قال إنّ المكلف إمّا قاطع أو ظانّ أو شاكّ كفى في مقصوده.

و قد يقال: إنّ قيد الالتفات لإخراج الغافل و حكمه الشرعي بأنّه معاقب إن كان مقصّرا، و يجاب بأنّ العقاب و عدم العقاب في حق الغافل ليس من الأحكام التي يكون استنباطها وظيفة للمكلّف، و لا يثمر ثمرة، هذا.

و لا يخفى أنّ التوجيه و جوابه غير ملائم للمقام، لأنّ المصنّف بصدد بيان الأقسام المذكورة لا غيرها مثل الغافل و حكمه.

[حصر الأصول العملية و مجاريها]

قوله: و هي منحصرة في الأربعة

(1)

.

(1) ظاهر التعليل أنّ الحصر عقليّ لترديده بين الإثبات و النفي، لكنّه فاسد لأنّه إن أراد حصر نفس الأصول في أربعة على ما هو صريح كلامه هنا و ظاهر عبارته في أوّل رسالة أصل البراءة عقلا، ففيه أنّه يمكن للشارع جعل أصول أخر أيضا لموارد الشكوك قطعا لا محذور فيه أصلا، غاية ما في الباب أنّه لم يقع، فليحمل الكلام على إرادة الحصر الاستقرائي و إن كان خلاف الظاهر من‏

____________

(1) فرائد الأصول 1: 25.

13

العبارة، و لا بأس به لتصحيح الكلام، إلّا أنّه لا يتمّ أيضا لأنّا وجدنا بالاستقراء أصولا أخر مجعولة في الشرع مثل قاعدة الطهارة و قاعدة التسامح في أدلّة السنن بناء على أنّه من الأصول المجعولة لبيان حكم الشكّ كما هو الأظهر، و قاعدة أصالة الحرمة في اللّحوم حتى بالنسبة إلى الشبهة الحكميّة على مختار جمع، و أصالة التوقف و غير ذلك مما يظفر بها المتتبّع. و الاعتذار بأنّ مراد المصنّف حصر الأصول العامّة الجارية في سائر أبواب الفقه في الأربعة، و غيرها مما ذكر لا يجري إلّا في بعض الأبواب، مندفع بأنّه لا وجه لهذا التخصيص، إذ المجتهد باحث عن جميع الأبواب و بصدد استنباط حكم جميع الوقائع كما لا يخفى.

و إن أراد حصر موارد الأصول و مجاريها في هذه الأربعة عقلا كما هو محتمل عبارته في رسالة أصل البراءة، ففيه منع الحصر أيضا عقلا في هذه الأربعة، لأنّ قوله و على الأوّل إمّا أن يكون الشك في التكليف أو في المكلّف به، يقال له هنا وسائط.

منها: الشك في الأحكام الوضعية. فإن قلت: إنّ المصنّف منكر لها رأسا فلا نقض بها عليه. قلنا: هي داخلة في مجاري الاستصحاب عند المصنّف، فإنّه يجري الاستصحاب في الأحكام الوضعية في الفقه لترتيب آثارها الشرعية فلا يظهر وجه لإخراجها في غير مجرى الاستصحاب، اللّهمّ إلّا أن يقال: إنّه أخطأ في إجراء الاستصحاب في ذلك المقام على مذاقه.

و منها: الشك في الأحكام غير الالزاميّة كالشكّ في استحباب شي‏ء أو كراهته أو إباحته، إذ المراد بالشكّ في التكليف على ما صرّح به في رسالة أصل البراءة هو الشكّ في الحكم الإلزاميّ، و إن أراد بالتكليف هنا مطلق الحكم‏

14

التكليفي الشامل للأحكام الخمسة في مقابل الأحكام الوضعيّة و يلزمه تعميم أصالة البراءة للبراءة من الوجوب في الواجبات المشكوكة و من الندب في المندوبات المشكوكة و كذا تعميم الاحتياط للوجوبي و الندبي، ففيه أنّه يلزم تداخل موارد أصالة البراءة و الاحتياط، مثلا لو شكّ في وجوب شي‏ء أو ندبه فإنّه مورد لأصالة البراءة بالنسبة إلى الوجوب و مورد للاحتياط الندبي أيضا، اللّهمّ إلّا أن يقال: إنّ المنفصلة ليست حقيقية حتى يمنع اجتماع القسمين بل مانعة الخلو، و فيه ما لا يخفى.

و منها: الشكّ في كيفية التكليف كالشكّ في كون الواجب عينيّا أو كفائيّا، تعيينيا أو تخييريا، نفسيّا أو غيريّا.

و منها: الشكّ في شدّة اهتمام الشارع في بعض التكاليف بالنسبة إلى بعض آخر، مثل أنّه نهى عن الصلاة في جلد الميتة و في جلد غير مأكول اللحم و في النجس و في المغصوب و في الحرير، فلو اضطرّ إلى لبس أحد المذكورات و شكّ في أنّ أيّها أهمّ في نظر الشارع حتى يراعي جانبه فهذا خارج عن الشكّ في التكليف و المكلّف به جميعا.

و منها: الشكّ في كون شي‏ء معيّن واجبا أو حراما، فليس هذا شكّا في التكليف لأنّ الإلزام معلوم، و لا في المكلّف به لكونه معيّنا بالفرض.

فإن قلت: مراده بالشكّ في التكليف هو الشكّ في نوع الإلزام من الوجوب أو الحرمة لا في جنسه كمطلق الإلزام، و لذا جعل المصنف في رسالة أصل البراءة الشكّ بين كون أحد الشيئين واجبا و الآخر حراما من أقسام الشكّ في التكليف.

15

قلت: نعم و لكن يرد عليه- على هذا- إيراد آخر و هو عدم انحصار موارد الشك في التكليف في كونها مجرى للبراءة، إذ ما مرّ من المثال من الشكّ في كون أحد الشيئين واجبا أو الآخر حراما مورد الاحتياط (1).

و منها: الشكّ في التكليف و المكلّف به معا كالمثال المذكور آنفا، و كالشك في كون أحد الشيئين واجبا فإنّه خارج عن القسمين، لما مرّ من ظهور القضيّة المنفصلة في الحقيقيّة لا مانعة الخلوّ.

ثم اعلم أنّ ما ذكرنا من منع كون حصر موارد الأصول عقليا بالنقض بالموارد المذكورة إنّما يرد على عبارته المذكورة في المتن، أمّا على ما كتبه في الهامش كما في بعض النسخ من قوله و بعبارة أخرى إلى آخره فلا يرد شي‏ء منها، لأنّه ردّد بين الإثبات و النفي في جميع الأقسام، و كذا على ما ذكر في بيان الحصر في رسالة أصل البراءة مع تغاير في البيان لما هنا، و لعلّه السرّ في إضافة ما في الحاشية على المتن، مضافا إلى الأمور الآتية، لكن يبقى الكلام في صحّة تعيين مجاري الأصول على ما في الحاشية مطابقا لمذهبه، و فيه تأمّل فتأمّل.

قوله: لأنّ الشكّ إمّا أن يلاحظ فيه الحالة السابقة

(2) (1) إن أريد ملاحظة المكلّف- بالفتح- فيه الحالة السابقة و عدمه، ففيه أنّ تشخّص موارد الأصول و تعيّنه ليس باختيار المكلّف حتى يكون في صورة ملاحظته الحالة السابقة موردا للاستصحاب و في صورة عدم ملاحظته مورد

____________

(1) أقول: و الأولى أن يورد عليه هكذا إنّ المثال المذكور هل يجعل من موارد البراءة لأجل الشكّ في نوع التكليف أو من موارد الاحتياط للشك في المكلّف به أيضا بالفرض أو يجعل موردا لهما، و الأوّلان ينافي حصر موارد البراءة و الاحتياط في الشك في التكليف و المكلّف به، و الثالث يستلزم التناقض.

(2) فرائد الأصول 1: 25.

16

الأصول الثلاثة الأخر، و الظاهر بل المتعيّن أنّه ما أراد هذا، و إن أريد ملاحظة المكلّف- بالكسر- و توجيهه أنّ الشارع لاحظ الحالة السابقة مع جميع ما يعتبر في صحّة جريان الاستصحاب من بقاء الموضوع و كون الشكّ في الرافع لا في المقتضي و كون الحكم متيقّنا في السابق إلى غير ذلك، و هذا مجرى الاستصحاب، فهو صحيح لكن ما ذكره في رسالة أصل البراءة عقيب وجه الحصر من أنّ موارد الأصول قد تتداخل إلى آخره فاسد، لأنّ موارد الاستصحاب على هذا التوجيه ممتازة عن موارد الأصول الثلاثة بكلّ وجه فأين مورد التداخل، بل يظهر من المصنّف في مواضع عديدة من الكتاب أنّ الأصول الأربعة مختلفة المورد لا يجري اثنان منها في مورد واحد، سواء كانا متوافقين في الحكم أم متخالفين، فجريان أحد الأصول مانع عن جريان الباقي فكيف يتصوّر تداخل الموارد، نعم على ما اخترناه في محلّه من صحّة إجراء الأصلين في مورد واحد إذا كانا متوافقين كما إذا شكّ في وجوب شي‏ء و قد كان عدم وجوبه متيقنا في السابق يتداخل مورد الأصلين أصالة البراءة و الاستصحاب، و نحكم بجريانهما معا.

قوله: فالأوّل مجرى الاستصحاب‏

(1)

.

(1) مقتضى ما ذكره من التقسيم و الحصر كون مجرى الاستصحاب أوسع دائرة من الأصول الثلاثة الأخر، يشمل ما لم يمكن الاحتياط فيه مما هو مورد التخيير في القسم الآتي كدوران حكم شي‏ء بين الوجوب و الحرمة مع كونه متيقّن الوجوب في السابق، و كالشبهة المحصورة إذا كان أحد الطرفين معلوم الحرمة سابقا، و كذا يشمل ما أمكن فيه الاحتياط و كان شكّا في التكليف‏

____________

(1) فرائد الأصول 1: 25.

17

و أمثلته كثيرة واضحة، أو كان شكّا في المكلّف به كما إذا علم بوجوب أحد الأمرين و كانا معا في السابق مباحا مثلا.

و فيه إشكال إذ لو قيل بجريان كلا الاستصحابين إلّا أنّهما يتعارضان بواسطة العلم الإجمالي و يتساقطان، و يراد بكون المورد مجرى الاستصحاب هذا المقدار و إن لم يكن حكم العمل فيه على مقتضى الاستصحاب، ففيه أنّ نظير ذلك يأتي في البراءة أيضا فيلزم أن يكون مجراها أعمّ من مجرى الاحتياط مع أنّهما متقابلان في التقسيم، كما لو فرض في المثال المذكور عدم العلم بالحالة السابقة في كلا الأمرين فإنّهما معا مجرى للبراءة، غاية الأمر تعارضهما و التساقط بسبب العلم الإجمالي. و لو قيل بعدم جريان واحد من الاستصحابين بدعوى أنّ أدلّة حجيّة الاستصحاب قاصرة الشمول للاستصحابين المتعارضين كما قد يدّعى مثله في أدلة حجيّة خبر الواحد بالنسبة إلى الخبرين المتعارضين، و يقال: إنّ مثال الاستصحاب في الشك في المكلّف به ليس ما ذكر، بل المثال ما لو فرض في المثال المذكور كون أحد الأمرين مباحا في السابق دون الآخر فالأوّل مجرى الاستصحاب بلا معارض، ففيه أنّ ذلك أيضا يستلزم أعميّة مجرى البراءة للشكّ في المكلّف به أيضا كما في المثال بعينه، فإنّه فرض فيه أحد الأمرين غير معلوم الحكم في السابق فهو مورد مجرى البراءة، هذا محصّل ما أفاده السيّد الأستاذ (زيد بركاته) (1).

____________

(1) أقول: هذا الإشكال إنّما نشأ من انحصار مورد البراءة في الشك في التكليف، مع أنّ المثال الأخير من موارد البراءة و أنّه شكّ في المكلّف به، فالمناسب أن يورد هذا عليه هناك و يبقى المقام سالما عن الإشكال فتدبّر.

18

قوله: و الثاني مجرى التخيير

(1)

.

(1) الظاهر أنّه أخطأ في جعل الثاني مجرى للتخيير، فإنّ مجرى التخيير على حسب ما ذكره من التقسيم يكون رابعا، لأنّ أوّل القسمين من التقسيم الثاني قد قسمه إلى ما هو مجرى للاحتياط و ما هو مجرى للبراءة، و بقي الثاني منه الذي هو مجرى التخيير آخرا فهو الرابع لا محالة.

و كيف كان فما يفهم منه من حصر مورد التخيير فيما لا يمكن فيه الاحتياط لا يتمّ على مذاق المصنّف، لأنّ حكم التخيير في الخبرين المتعارضين بعد التعادل من باب الأصل العملي عند المصنف، مع ظهور أنّ مؤدّى الخبرين أعمّ ممّا أمكن فيه الاحتياط أو لا يمكن.

نعم يتمّ على ما اخترناه هناك من أنّ الحكم بالتخيير من جهة الدليل، و لذا نحكم بأنّ المجتهد يأخذ بأحد الخبرين معيّنا و يفتي به و لا يكل التخيير إلى المقلّد في مقام العمل، و تمام الكلام في محلّه إن شاء اللّه.

قوله: و بعبارة أخرى، إلى آخره‏

(2)

.

(2) هذه العبارة ممّا ألحقه المصنّف في بعض النسخ المتأخّرة و لذا لم يكتبوه في أكثر النسخ في المتن بل في الهامش، و لعل سرّ الإلحاق ما يظهر من بيان الفرق بين العبارتين و هو من وجوه:

الأول: ما تقدّم من أنّ الحصر في العبارة الثانية عقلي دائر بين النفي و الإثبات في جميع الأقسام بخلاف الاولى.

____________

(1) فرائد الأصول 1: 25.

(2) فرائد الأصول 1: 26.

19

الثاني: أنّه جمع في عبارة المتن جميع الأقسام الأربعة ثمّ عيّن بطريق اللّف و النشر مرتّبا مجاري الأصول الأربعة على ترتيب الأقسام، و قد حصل فيه الخطأ كما مرّ في الحاشية السابقة، و أما العبارة الثانية فقد ذكر بعد كلّ قسم أنّه مجرى لأيّ الأصول و سلم من ذلك الخطأ.

الثالث: أنّه قسّم في عبارة المتن القسم الثاني من قسمي التقسيم الأوّل إلى ما يمكن فيه الاحتياط و غيره، و قسّم القسم الأوّل من قسمي التقسيم الثاني إلى الشكّ في التكليف و المكلّف به، و في العبارة الملحوقة عكس ذلك فجعل التقسيم الثاني في المتن ثالثا و الثالث ثانيا، و من الواضح أنّ كلّ قسم جعل مقدّما في التقسيم يصير أوسع دائرة من المتأخّر، فعلى عبارة المتن يكون مجرى التخيير أعمّ من الشك في التكليف و المكلّف به، و مجرى البراءة مخصوصا بما يمكن فيه الاحتياط، و على العبارة الملحوقة يكون مجرى التخيير مخصوصا بالشك في المكلّف به و مجرى البراءة أعمّ ممّا أمكن فيه الاحتياط و ممّا لم يمكن، ففيما دار الأمر بين الوجوب و الحرمة في شي‏ء فهو مجرى التخيير بمقتضى المتن و مجرى البراءة بمقتضى العبارة الملحوقة، و هو أنسب بمذهب المصنف، و كذا لو دار الأمر بين الوجوب و الحرمة و الإباحة.

ثم اعلم أن كون مرجع الشكّ مطلقا إلى الأصول أيضا محلّ المناقشة، إذ ليس مرجع الشك في مورد الأصل المحكوم إلى أصل يجري في مورده، بل جريان الأصل الحاكم مغن عن جريان الأصل المحكوم، إلّا أن يقال: إن المرجع هنا أيضا بالاخرة إلى الأصل و إن لم يكن في مورده.

بقي الكلام في تحقيق ما سبق حكايته عن المصنف من تداخل مجاري الأصول بعضها مع بعض بعد ما عرفت أنّه لا يتم على مذاقه و ستعرف أيضا فنقول:

20

إنّ صور اجتماع مجاري الأصول الأربعة بعضها مع بعض ثنائيا ستة:

اجتماع مجرى الاستصحاب مع كل واحد من مجاري الأصول الثلاثة الباقية، و اجتماع مجرى التخيير مع كل من مجريي البراءة و الاحتياط، و اجتماع مجرى البراءة و الاحتياط، و مرادنا بجواز اجتماع مجرى الأصلين جريانهما فعلا بحيث يترتب عليه حكم العمل، لا مجرّد جريانهما و إن حصل التعارض و يقدّم أحدهما و يكون الحكم على طبقه فعلا، فعلى هذا لا يمكن اجتماع مجرى الأصلين إذا كانا متخالفين في المؤدّى في جميع الصور الستّة، و أما إذا فرض موافقة مؤدّاهما فمذهب المصنّف عدم جواز الاجتماع أيضا كما أشير إليه سابقا.

و الحق جواز الاجتماع في ثلاث من الصور الستّة و عدم الجواز في ثلاث منها.

أما صور جواز الاجتماع:

أحدها: اجتماع الاستصحاب و البراءة كما لو شكّ في وجوب شي‏ء ابتداء، فقاعدة قبح العقاب بلا بيان المسمّاة بالبراءة الأصلية جارية مع استصحاب البراءة الثابتة قبل التكليف، و ما يدّعيه المصنف من الحكومة ممنوع، و بيانه موكول إلى محلّه.

ثانيها: اجتماع مجرى الاستصحاب و الاحتياط كما إذا علم بوجوب أحد الشيئين و كانا معا واجبين في السابق و ارتفع وجوب أحدهما، فإنّه يجب إتيانهما بمقتضى قاعدة الاحتياط و بمقتضى الاستصحاب أيضا. و دعوى عدم جريان استصحاب وجوب كلا الأمرين لمخالفته للعلم الإجمالي برفع وجوب أحدهما، مدفوعة بما سيجي‏ء من عدم تأثير مثل هذا العلم الإجمالي الذي لا

21

يلزم من طرحه مخالفة عملية، و بالجملة دعوى الحكومة ممنوعة كالصورة السابقة.

ثالثها: اجتماع مجرى التخيير و البراءة كما إذا شكّ في كون الشي‏ء واجبا أو حراما، فإنّه مجرى البراءة كما اختاره المصنف في رسالة أصل البراءة و مجرى التخيير على ما يظهر منه في موضع آخر، و الحق جريانهما معا.

و أمّا صور عدم جواز الاجتماع:

فأحدها: اجتماع الاستصحاب و التخيير، فإنّ مورد التخيير مثلا فيما لو علم بوجوب أحد الشيئين فعلا و لم يمكن الاحتياط فيحكم العقل بالتخيير بعد عدم الترجيح، و لا يمكن في هذه الصورة أن يكون التخيير مقتضى الاستصحاب، لأنّ التخيير الواقعي لا يجتمع مع العلم بوجوب أحدهما معيّنا في نفس الأمر، نعم قد يثبت بالاستصحاب موضوع التخيير كما لو كان الشيئان واجبين في السابق فيجري استصحاب وجوبهما، فإذا لم يكن الاحتياط ممكنا يجري التخيير، و هذا خارج عمّا نحن فيه إذ ليس الحكم الاستصحابي التخيير، نعم لو كان الاحتياط ممكنا لم يكن مانع من جريان الاستصحابين، لأنّ العلم الإجمالي بعدم وجوب أحدهما لا يؤثّر في المنع لعدم لزوم المخالفة العمليّة جزما، و المخالفة الالتزامية غير مضرة و سيأتي بيانه.

و ثانيها: اجتماع التخيير و الاحتياط، فإنّ مورد التخيير ما لا يمكن فيه الاحتياط و مورد الاحتياط ما أمكن فيه.

و ثالثها: اجتماع البراءة و الاحتياط فإن المباينة في مؤدّاهما واضحة.

22

الكلام في حجية القطع‏

قوله: فالكلام يقع في مقاصد ثلاثة: الأول في القطع‏

(1)

.

(1) المراد بالقطع في محلّ الكلام الذي هو موضوع للمباحث الآتية الاعتقاد الجازم الذي لا يحتمل الخلاف، فهو حينئذ أعمّ من اليقين المعرّف بالاعتقاد الجازم مع كونه مطابقا للواقع و الجهل المركّب، و أيضا أعمّ من أن يكون خلافه محالا، أو مستلزما لمحال في نظر القاطع المسمّى بالعلم العقلي، أو يكون عدم احتمال خلافه اتفاقيا المسمّى بالعلم العادي أحيانا و يقابله العلم العادي الذي يحتمل العقل خلافه إلّا أنّ العقل و العقلاء لا يعتنون بهذا الاحتمال أصلا، و دونه الظنّ الاطميناني، و لعلّ بعض الأبحاث الآتية جار فيهما أيضا مثل الحجية و الطريقية بنفسه و سيأتي إن شاء اللّه.

[وجوب متابعة القطع‏]

قوله: لا إشكال في وجوب متابعة القطع‏

(2)

.

(2) يعني القطع الذي أخذ طريقا إلى الواقع، لا القطع الموضوعي الذي جعل‏

____________

(1) فرائد الأصول 1: 26.

(2) فرائد الأصول 1: 29.

23

جزءاً للموضوع، أو القطع الطريقي الذي أخذ موضوعا على ما سيأتي بيانهما.

و معنى وجوب متابعة القطع وجوب العمل عقلا بالمقطوع به و جعل العمل مطابقا له، و هذه القضية لعلّها من البديهيات الأوّلية.

و كذا لا إشكال في أنّ العمل على القطع يثبت العذر للمكلّف- بالفتح- سواء طابق الواقع أم لا، و قاطع لعذر المكلّف- بالكسر- في العقاب، و في أنّ ترك العمل عليه قاطع لعذر المكلّف- بالفتح- و يثبت عذر المكلّف- بالكسر- في عقابه إن أصاب قطعه الواقع، و إن أخطأ ففيه البحث الآتي في حرمة التجرّي.

و الظاهر أنّ القضيتين أيضا من البديهيات، و بعد ذلك يبقى الكلام في أمور نظريّة مثل أنّه مجعول أو منجعل، و أنّه حجّة بالمعنى المصطلح أم لا، و أنّ مجرد حصول صفة القطع هل يؤثّر في ثبوت حكم شرعي و لو كان جهلا مركّبا إلى غير ذلك ممّا ستقف عليه.

قوله: لأنّه بنفسه طريق إلى الواقع‏

(1)

.

(1) لا شكّ في كون القطع طريقا إلى الواقع بمعنى إراءته و كشفه عن الواقع بحيث لا يمكن أن يجعله الشارع طريقا إليه، لأنّه من قبيل إثبات الشي‏ء لنفسه، و لا نفي الطريقية عنه لأنّه من قبيل سلب الشي‏ء عن نفسه، إلّا أنّ تعليل وجوب متابعة القطع ما دام موجودا بذلك غير واضح، لأنّه يمكن عدم حجية القطع بتقريب يأتي عن قريب مع أنّ صفة كشفه عن الواقع ممّا لا يمكن تخلّفه البتّة.

و الظاهر أنّ منشأ الشبهة في عدم قابلية القطع لجعل الشارع إثباتا و نفيا بمعنى الحجية على ما هو مذهب المصنف عدم امتياز جهة الكاشفية و جهة

____________

(1) فرائد الأصول 1: 29.

24

الحجية، فأثبت ما هو من لوازم الجهة الأولى للجهة الثانية، و أين أحدهما من الآخر فتدبّر.

[قابلية القطع لردع الشارع عنه‏]

قوله: و ليس طريقيّته قابلة لجعل الشارع إثباتا و نفيا

(1)

.

(1) يريد بذلك أنّ حجّيته ليست قابلة لجعل الشارع إثباتا و نفيا كما أشرنا بدليل تمسّكه بالأدلّة الآتية.

و الحقّ أنّ حجيّة القطع من الأحكام المجعولة للعقل و لا يحتاج إلى جعل الشارع و لا إلى إمضائه بمعنى تقريره و رضاه به، و لكن يحتاج إلى إمضائه بمعنى عدم الردع عنه فإنّه قابل للردع، فهو حينئذ غير قابل للجعل بمعنى إنشاء حجيّته ابتداء نظير جعل الأدلّة الظنّية، و لا للجعل بمعنى تقريره و إمضائه نظير بناء العقلاء على شي‏ء هو بمرأى و مسمع من المولى و سكوته عنه بحيث يكشف ذلك عن رضاه به و هو في قوة الجعل أيضا، لكنّه قابل للجعل بمعنى عدم الردع عن العمل به، و بيان هذا المدّعى يحتاج إلى تمهيد مقدّمة و هي:

أنّ الجعل إمّا تكويني بمعنى إيجاد الشي‏ء أو تشريعي بمعنى إنشاء أمر أو حكم، و على التقديرين إمّا أصلي كإيجاد الأربعة مثلا و إيجاب الصلاة أو تبعيّ كإيجاد الزوجية للأربعة و إيجاب مقدّمات الصلاة فإنّهما تابعان للجعل الأوّل يحصلان بتحقّقه قهرا لا بجعل آخر غير الجعل الأوّل. و إن شئت فعبّر أنّ الشي‏ء إمّا مجعول أو منجعل، و على التقادير إمّا بسيط و هو ما يكون مفاد كان التامة بمعنى فعل الشي‏ء و إيجاده مجرّدا عن اعتبار آخر، أو مركّب و هو ما يكون مفاد كان الناقصة بمعنى فعل شي‏ء شيئا و إيجاد شي‏ء لشي‏ء فإنّه يحتاج إلى اعتبار شي‏ء آخر مع المجعول.

____________

(1) فرائد الأصول 1: 29.

25

مثال الأول تكوين زيد أو تشريع الوجوب حتى يصحّ قولك: كان زيد أي وجد، و كان الوجوب أي ثبت، و مثال الثاني خلق زيد طويلا أو قصيرا من الصفات غير اللازمة القابلة للانفكاك عنه، و جعل الوجوب تعيينا أو تخييرا مثلا من الصفات غير اللازمة التي لا يكفي فيها جعل الموصوف فيكون منجعلا به حتى يصحّ قولك: كان زيد طويلا أو قصيرا، و كان الواجب تعيينيّا أو تخييريا.

ثم الجعل التشريعي إمّا شرعي أو عقلي، و الشرعي واضح، أمّا العقلي فكحكم العقل بأنّ الظلم قبيح يستحق فاعله الذمّ و اللّوم، لا بمعنى إدراكه ذلك فقط بل بمعنى تحريمه له تحريما إنشائيا حتى لو كان العقل بالفرض مولى قادرا على العقاب لعاقب عليه، نعم حكم العقل الإرشادي راجع إلى إدراك المفسدة و المصلحة و الحسن و القبح.

ثم الحكم العقلي ينقسم إلى مستقل كالمثال المذكور و غير مستقلّ كالاستلزامات مثل وجوب المقدّمة و حرمة الضدّ و نحوهما.

ثم المستقلّ إمّا تنجيزي قد حكم به العقل على جميع التقادير و الأحوال الممكنة التحقّق في الخارج كالمثال المذكور، فإنّ حكم العقل بحرمة الظلم مطلق لا يجوّزه في حال من الأحوال، و هذا الحكم العقلي مما لا يمكن للشارع أن يحكم بخلافه حتى لو ورد منه حكم مخالف بظاهره لا بدّ من تأويله أو طرحه إن أمكن أحدهما و إلّا فلا يصدر منه، و إمّا تعليقي يحكم به العقل على تقدير خاص كما إذا حكم بوجوب شي‏ء ما لم يمنع الشارع عنه أو حرمته ما لم يرخص فيه، و هذا القسم من الحكم العقلي معقول واقع كثيرا مثل حكم العقل بوجوب الاحتياط فإنّه معلّق على عدم ترخيص الشارع بتركه، مثلا لو علمنا بوجوب شي‏ء مردّد بين أمرين فالعقل قاطع بوجوب الاحتياط بعد فرض عدم‏

26

سقوط الواجب بالاشتباه، و مع ذلك لو رخّص الشارع بترك أحدهما لا محذور فيه في حكم العقل، لا بمعنى جعل الآخر بدلا عن الواقع على تقدير المخالفة بل بمعنى عدم المؤاخذة على ترك الواقع لو تخلّف، مع كون الواقع مطلوبا مطلقا لكن في صورة المخالفة ليس منجّزا على المكلف بحيث يترتّب عليه العقاب، و في الحقيقة موضوع حكم العقل في هذا القسم خاصّ و إلّا فحكمه ليس معلّقا في موضوعه، إذا تمهّد ذلك فنقول:

إن أراد بقوله: و ليست طريقيته قابلة لجعل الشارع أنّ كاشفيته غير قابلة للجعل الشرعي فهو كذلك، ضرورة كونها مجعولة أو منجعلة بجعل تكويني لازمة لوجود القطع توجد بوجوده كما مرّ في الحاشية السابقة، لكن لا كرامة في ذكره و لا يلائمه ما سيأتي من الاستدلال بلزوم التناقض.

و إن أراد أنّ حجّيته غير قابلة للجعل كما هو الظاهر بل المتيقّن من مراده، ففيه أنّ العقل لا يحكم أزيد من وجوب متابعة القطع لو لا ردع الشارع عنه، فإذا جاز للشارع الردع عنه فهو قابل للجعل نفيا.

و الحاصل أنّ القطع حجّة يجب متابعته بحكم العقل المستقلّ المولوي أو الإرشادي ما لم يمنع الشارع عن العمل به أو يرخّص العمل بغيره من دليل تعبّدي أو أمارة، فلو منع عن العمل به أو جعل طريقا آخر في قباله فلا يحكم العقل حينئذ بوجوب متابعته لارتفاع موضوعه، و لهذه الدعوى شواهد في العرف و الشرع يقرّبها إلى الأذهان:

منها: ما لو أمر المولى عبده بشراء البطيخ الحلو الجيّد مثلا و قال اعتمد في معرفة أنّه حلو جيّد بقول زيد و لا تعتمد برأيك فإنّه كثير الخطأ، فإنّا نجد صحّة هذا التكليف و جعل الطريق الظني و منع الطريق العلمي للمصلحة في طريق العقل‏

27

و العقلاء، و ليس السرّ فيه إلّا ما ذكرنا.

و منها: جواز جعل الطرق و الأمارات في زمان انفتاح باب العلم قطعا و لم ينكره أحد، و التقريب ما مرّ.

و منها: أنّ الإمام (عليه السلام) كان لا يحكم بعلم الإمامة في كثير من الموارد بل بما يحصل له بالأسباب الظاهرية، و قد ورد عنه (صلّى اللّه عليه و آله) «إنّما أقضي بينكم بالبيّنات و الأيمان» (1) و يعلم منه بمقتضى الحصر أنّه لا يحكم بعلم النبوّة المقتضي لعدم خفاء شي‏ء من الأشياء عليه على ما هو مذهب العدليّة، و توجيهه ما ذكر من أنّهم (عليهم السلام) منعوا عن العمل بعلمهم أو أمروا بالعمل بما يحصل لهم من الأسباب الظاهرية، أ لا ترى أنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله) كان يعلم أنّ جمعا من أصحابه منافقون يظهرون الإسلام لمصلحة حقن دمائهم و أموالهم و نحوه إمّا بعلم النبوّة أو بإخبار جبرئيل حتى أنّه أخبر حذيفة بنفاق بعضهم، و لا شكّ أنّهم كانوا كفّارا واقعا و مع ذلك كان (صلّى اللّه عليه و آله) يعامل معهم معاملة المسلمين يأكل معهم و يشرب و ينكحهم النساء المسلمات و يورثهم من مورثهم إلى غير ذلك من الأحكام، و لم يكن ذلك كلّه إلّا من جهة أنه لم يكن مكلفا بعلمه الكذائي بل بما يحصل له من الأسباب الظاهرية التي تحصل لكلّ أحد (2).

و منها: منع العمل بالقياس الوارد في الشرع بالأخبار المتواترة مع حكم العقل المستقلّ بوجوب العمل بالظنّ في زمان انسداد باب العلم بمقدّماته‏

____________

(1) الوسائل 27: 232/ أبواب كيفية الحكم ب 2 ح 1.

(2) أقول: اللهم إلّا أن يقال: إنّ الإسلام الذي هو موضوع الأحكام المذكورة ليس إلّا إظهار الشهادتين سواء كان موافقا للاعتقاد أو مخالفا و إن لم ينفعه ذلك في الآخرة كما هو مذهب جماعة من المتكلّمين.

28

المذكورة في بابه بناء على الحكومة، فقد أشكل عليهم الأمر في إخراج القياس في الغاية و وقعوا في حيص و بيص و تكلّفوا في الجواب بأجوبة كثيرة بعيدة أو ممنوعة، و التحقيق في الجواب هو ما اختاره المصنف هناك من أنّ موضوع حكم العقل بوجوب العمل بالظنّ مختصّ بغير مورد القياس ممّا قد ثبت من الشارع منع العمل به بالخصوص.

و منها: أنّه قد ثبت في الشريعة جعل ما ليس عندنا طريقا إلى الواقع طريقا كخبر الواحد مثلا و لو كان المظنون خلافه، و معنى جعله طريقا تنزيله منزلة الواقع بترتيب آثار الواقع عليه، و لم ينكره أحد من هذه الجهة، و حينئذ فأيّ فرق بينه و بين جعل ما هو طريق عندنا غير طريق بمعنى تنزيله منزلة غير الطريق بعدم ترتيب آثار الواقع، و هذا من أوضح الشواهد و خاتمها و اللّه أعلم.

فإن قلت: لو منع الشارع من العمل بالقطع على ما ذكرت يلزم التناقض في حكمه كما سيصرّح به المصنف و هو العمدة في دليله على مدّعاه، بتقريب أنّ الأحكام الواقعية على ما هو الصواب من القول بالتخطئة عامّة شاملة لجميع المكلّفين في جميع الأحوال ليست مقيّدة بعلم و جهل و اختيار و اضطرار إلى غير ذلك من الأحوال، و حينئذ إذا قطعنا بحرمة شي‏ء مثلا و قال الشارع: لا تعمل بقطعك بل بقول فلان العادل الذي يزعم أنّه مباح، فيلزم أن يكون ذلك الشي‏ء في حكمه حراما غير حرام و هو التناقض.

قلنا: نجيب عنه:

أمّا أولا: فبالنقض بجعل الأصول و الأمارات و الأدلّة الظنّية، فإنّ مثل هذا التناقض وارد عليها حرفا بحرف من غير تفاوت، فإنّ التعبّد بالاستصحاب و أصالة البراءة و غيرهما مع تخلّفها عن الواقع كثيرا كيف يجتمع مع ثبوت‏

29

الأحكام الواقعية غير مقيّدة بالعلم و الجهل، مثلا لو كان الشي‏ء نجسا أو حراما في الواقع بجعل الشارع إلّا أنّه مستصحب الطهارة و الحلّية، فلمّا جعل الاستصحاب حجّة و كلّف التعبّد به فقد حكم بعدم النجاسة و الحرمة، و هو التناقض المذكور. و بمثل ذلك يقرّر التناقض في الأمارات و الأدلّة الظنّية بلا تفاوت.

و من هنا ذهب ابن قبة (1) من قدماء أصحابنا إلى أنّ التعبّد بخبر الواحد مستحيل في العقل لاستلزامه تحليل الحرام و تحريم الحلال، فإنّه يريد هذا التناقض بعينه، فاتّضح أنّ جميع ما ذكر بالنسبة إلى ورود التناقض من واد واحد.

و أما ثانيا: فبالحلّ، و توضيحه يحصل ببيان كيفية جعل الأصول و الأدلّة الظنّية أوّلا كي يتّضح مراد الكلام فيما نحن فيه فنقول:

إنّ ظاهر جمهور العلماء و صريح جمع منهم أنّ الأحكام الظاهرية أحكام شرعية مجعولة في قبال الأحكام الواقعية الأوّلية، يحصل بها الإطاعة و العصيان و يترتب عليها آثار أخر أيضا مما يترتّب على الأحكام الشرعية من الإجزاء و غيره ممّا ليس هنا محلّ ذكرها، و من هنا قد أشكل عليهم أمور منها: التناقض الذي نحن بصدده، و قد أجابوا عن إشكال التناقض بوجوه عديدة لعلها تأتي فيما سيأتي في مقامات يناسبها بما فيها، أوجهها ما اختاره المصنف في رسالة حجّية المظنّة و إن اختار غيره في أوّل رسالة أصل البراءة، و هو أنّا نمنع كون مؤدّيات الأصول و الأمارات و كذا الأدلّة الظنية أحكاما شرعية، بل هي أحكام عذريّة بمعنى أنّ الشارع جعلها أعذارا للمكلّفين إذا سلكوها، فإن أصابوا فقد

____________

(1) حكى عنه المحقق في المعارج: 141.

30

أدركوا الأحكام الشرعية و إن أخطئوا فهم معذورون لا يعاقبون على الواقع، و هذا نظير الأعذار العقلية كالجهل و العجز بعينه، فكما أنّ العاجز أو الجاهل في حال عجزه أو جهله لم يجعل له حكم سوى حكمه الواقعي و كان معذورا بالنسبة إليه بحكم العقل، فكذلك من عمل بمؤدّيات الأصول و الأمارات لأنّ الشارع قد جعلها أعذارا فإن أصاب فقد رزقه اللّه خيرا، و إن أخطأ فقد حرم منه و كان معذورا لا يصحّ عقابه على ترك العمل بالواقع كما لا يصحّ في الأعذار العقلية.

و الدليل على ذلك أنّا إذا تتبّعنا أدلة حجية الأصول و الأمارات و الأدلة الظنّية لم نجد فيها ما يدلّ على أنّ مؤدّياتها أحكام شرعية مجعولة في مقابلة الأحكام الواقعية على ما يدّعيه الخصم، بل مؤدّاها أنّه يجب العمل بها، و لا يستفاد من ذلك أزيد مما ذكرنا من عدم جواز المؤاخذة على ترك الواقع على تقدير التخلّف و ذلك ما أردنا.

و الحاصل أنّه ليس في الشريعة إلّا أحكام واقعية يجب على المكلّفين قاطبة الاتيان بها، يعاقبون على مخالفتها لا يقبل منهم غيره إلّا أن يأتوا بعذر صحيح من عجز و جهل من الأعذار العقلية، أو العمل بأصل أو أمارة من الأعذار الجعلية، و من هنا يصحّ لنا أن نقول: إنّ الجاهل يصحّ عقابه على مخالفة الواقع لو لم يكن جهله عذرا كما لو كان مقصّرا، و العالم لا يصحّ عقابه على المخالفة لو كان معذورا بعذر عقليّ أو شرعي.

إذا تحقّق ذلك و ارتفع التناقض بحمد اللّه في جعل الأصول و الأدلة نقول بمثل ذلك فيما نحن فيه، فلو منع الشارع عن العمل بالقطع في مثل القطّاع مثلا لحكمة غلبة مخالفته الواقع التي يعرف الشارع من القطّاع فلم يجعل له حكما

31

مخالفا لحكمه الواقعي حتى يحصل التناقض بينه و بين الحكم الواقعي بل أبدع له أن يعتذر إلى الشارع فيما إذا كان قطعه مطابقا للواقع و ترك العمل عليه بأنّك منعتني عن العمل بقطعي، فلا بدّ أن يقبل عذره و لا يعاقبه على تلك المخالفة.

فإن قلت: فرق بين القطع و غيره من الأصول و الأدلّة الظنّية، لأنّ القاطع قد انكشف عنده الواقع لا يمكن اعتذاره بغير إتيان الواقع و إلّا لم يكن مكلّفا به، بخلاف غيره فإنّه لمّا كان الواقع مستورا عنه جاز أن يجعل له عذرا يعتذر به، و حينئذ فلو منع الشارع القاطع عن العمل بقطعه يلزم التناقض.

و بوجه آخر مقام ثبوت الحكم الواقعي يغاير مقام ثبوت التنجّز في غير القطع من الأصول و الأمارات و الأدلّة الظنّية، ضرورة ثبوت الأحكام الواقعيّة مطلقا حتى بالنسبة إلى الجاهل بها لبطلان التصويب إلّا أنّه ليست منجزة على الجاهل، فيجوز جعل أصل أو أمارة أو دليل ظنّي في مقام إثبات التنجّز، و هذا بخلاف القطع فإنّ مقام ثبوت الحكم الواقعي عين مقام ثبوت التنجّز لفرض القطع بالحكم.

و بعبارة أخرى الحكم الواقعي في غير القطع يغاير الحكم الظاهري، بخلافه في المقطوع به فإنّ الحكم الظاهري عين الواقعي و الحكم الواقعي عين الظاهري، و حينئذ فمنع العمل بالقطع يستلزم التناقض.

قلت: بعد ما حقّقنا لك من أنّ حكم العقل بوجوب متابعة القطع معلّق على عدم منع الشارع عن العمل به، لا يبقى مجال لهذا الاعتراض بتقريراته الثلاثة، لأنه يجوز أن يعتذر المكلّف على مخالفة الحكم الواقعي على زعمه بمنع الشارع عن العمل بقطعه و أن الواقع غير منجّز عليه بعد منع الشارع، إذ القطع ليس منجّزا للتكليف مطلقا بل في حال عدم المنع، و من الواضح أنّه لا تناقض حينئذ في‏

32

حكم الشارع لأنّ الحكم الواقعي ثابت مطلقا أدّى إليه الطريق أم لا، و ليس منعه عن العمل بالقطع مثبتا لحكم آخر مناقض للحكم الأوّل، لأن مرجعه إلى منع التوصّل بذلك الحكم الواقعي من طريق قطعه لحكمة غلبة الخطأ في مثل القطّاع مثلا، فإذا لم يعمل المكلّف القطّاع مثلا على طبق قطعه ففي موارد خطأ قطعه عن الواقع لا إشكال، و في مورد مصادفة قطعه للواقع معذور غير معاقب على ترك الواقع، لا أنّ حكمه حينئذ خلاف الحكم الواقعي حتى يناقض ذلك الحكم الواقعي الثابت له.

نعم، قد يقال: بأنّه يلزم التناقض في اعتقاد المكلّف الممنوع عن العمل بقطعه، فإنّه بعد معرفة أنّ الواقع مطلوب الشارع مطلقا فإذا حصل له القطع بالواقع و منعه الشارع عن العمل بقطعه و كلّفه بالعمل بخبر زرارة مثلا يحكم بأنّ الشارع تناقض في حكمه، و حينئذ لا يرتدع بردعه لأنّه لا يعلم حقية حكمه الأوّل أو الثاني بعد بطلان التناقض.

و جوابه: أنّ المكلّف إن كان له من الفطانة و جودة الذهن ما أدرك به مثل هذا التناقض، لعله يتفطّن لما ذكرنا في رفع التناقض أيضا، و إن لم يتفطن لذلك فلا محذور أيضا، لأنّ دليل المنع عن العمل بقطعه حاكم على دليل نفس الحكم، فيعتقد بزعمه أنّ الشارع رفع اليد عن الحكم الواقعي في حقّه فيرتدع بردعه لا محالة.

فقد تحصّل من جميع ما ذكرنا أنّ القطع ليس قابلا للجعل من حيث كشفه عن الواقع، بل هو من هذه الحيثيّة منجعل بجعل تكويني، و كذا من حيث حجيّته و وجوب متابعته، بل هو من هذه الحيثية من مجعولات العقل لا يحتاج إلى جعل الشارع لأنّه من قبيل تحصيل الحاصل، لكنّه قابل للجعل بمعنى قابليّته لردع‏

33

الشارع عن العمل به على ما مرّ بيانه مفصّلا. و ما اخترناه من قابلية القطع لمنع الشارع ليس ببدع من القول، فقد صرّح به صاحب الفصول في قطع القطّاع في مبحث المستقلّات العقلية، و كذا كاشف الغطاء في مبحث كثير الشكّ على ما حكاه عنه المصنف في ثالث تنبيهات المسألة (1) و كذا جمهور الأخباريّين المنكرين للملازمة بين حكم العقل و الشرع بدعوى أنّ الشارع قد رخّص في ترك متابعة حكم العقل بدليل‏ وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (2) و إن كنّا نمنع مقالتهم هناك لمنع صحّة الأدلّة التي استدلّوا بها على المنع، إلّا أنّه أمر معقول لو ثبت بدليل يجب الأخذ به، و لعلّنا نقول بذلك في القطع الحاصل من القياس لأخبار المنع عن العمل به مطلقا، و يشهد له ما ورد (3) من ردع من قطع بالقياس على أنّ دية أربع أصابع المرأة أربعون بعيرا قياسا على دية الإصبع الواحد بعشرة و إصبعين بعشرين و ثلاثة بثلاثين حتى قال لمن أخبره بأنّ في الأربع عشرين: أنّ الذي جاء به الشيطان بقوله (عليه السلام): «إنّ السنّة إذا قيست محق الدين».

اللهمّ إلّا أن يقال: إنّ أمثال هذا الخبر في مقام الردع عن القطع و التنبيه على أنّ هذه المناسبات ليست علّة للأحكام، بل هي مبنية على حكم خفيّة يعلمها جاعلها، هذا.

و قد يستدل أيضا على عدم قابلية القطع للجعل بأنّه لو كان مجعولا لثبت بدليل لا محالة، و غاية ما يفيد ذلك الدليل هو القطع فننقل الكلام إلى هذا القطع بمجعولية القطع الأول فإنّه أيضا يحتاج إلى الجعل إذ هو مثل القطع الأول، فليس‏

____________

(1) فرائد الأصول 1: 65.

(2) الإسراء 17: 15.

(3) الوسائل 29: 352/ أبواب ديات الأعضاء ب 44 ح 1.

34

بنفسه طريقا و يلزم جعله طريقا مثل الأول و لا بدّ في إثباته من دليل آخر، ثم ننقل الكلام إلى هذا الدليل و هلم جرّا فيتسلسل.

و جوابه على ما اخترناه من قابليّته للجعل بمعنى جواز الردع عنه واضح، لأنّه إذا قطع بشي‏ء و لم يردع عنه الشارع ثبت الحجة و لا يحتاج إلى شي‏ء آخر، و إن ثبت ردعه عنه و قطعنا به فهذا القطع الثاني حجّة إذا لم يردع عنه و هكذا، و لا يلزم ردع الشارع عن جميع المراتب غير المتناهية حتى يلزم التسلسل، بل بسبب بطلان التسلسل نعلم عدم صدور مثل هذا الردع عن الشارع. نعم، لو قيل:

بأنّ القطع مجعول إثباتا يلزمه التسلسل المذكور.

[إطلاق الحجة على القطع و المراد منه‏]

قوله: و من هنا يعلم أنّ إطلاق الحجّة، إلى آخره‏

(1)

.

(1) تفريع عدم صحّة إطلاق الحجّة على القطع على ما سبق من أنّه بنفسه طريق إلى الواقع و ليس طريقيّته قابلة لجعل الشارع إثباتا و نفيا غير واضح، لأنّ وجه عدم صحّة الإطلاق على ما سيصرّح به أنّ الحجّة ما يوجب القطع بالمطلوب فلا يطلق على نفس القطع، و هذا لا يفرّق فيه بين كونه طريقا بنفسه أو مجعولا.

و توهّم أنّه لو كان مجعولا يكون مثل الأمارات وسطا في القياس و يطلق عليه الحجّة بذلك الاعتبار فلأجل كونه غير مجعول لا يكون وسطا فلا يطلق عليه الحجّة، مندفع بعدم صيرورة القطع بسبب الجعل واسطة للقطع و سببا له، كما أنّ التغيّر واسطة للقطع بحدوث العالم و سبب له، و أيضا لو كان عدم إطلاق الحجّة على القطع متفرّعا على كونه طريقا بنفسه غير قابل للجعل إثباتا و نفيا يلزم عدم جواز إطلاق الحجّة على الدليل القطعي أيضا مع أنّه دليل في‏

____________

(1) فرائد الأصول 1: 29.

35

الاصطلاح و حجّة قطعا على جميع التعاريف، إلّا أن يقال: إنّ وجه التفريع كون القطع عبارة عن نفس انكشاف الواقع و لا يجري هذا في الدليل القطعي.

قوله: لأنّ الحجة عبارة عن الوسط

(1)

.

(1) كأنّه يشير إلى ما ذكره الأصوليون في تعريف الدليل في مقام بيان ما يراد من مفردات التعريف المشهور للفقه بأنّه العلم بالأحكام الشرعيّة الفرعيّة عن أدلّتها التفصيليّة بأنّه ما يمكن بصحيح النظر فيه التوصّل إلى مطلوب خبري، فإنّه ينطبق على الوسط في القياس كما ذكره المصنف، لا ما توهّم من أنّه أشار إلى اصطلاح المنطقيّين، إذ الحجة و الدليل في اصطلاح المنطقي عبارة عن القياس المؤلّف من قضايا يلزمه لذاته قول آخر، و أين هو من مجرّد الوسط في القياس.

و قد يحكى عن المصنف في درسه اتّحاد اصطلاح الأصولي و المنطقي هنا في اللّب، و إن كان لا يطلق الحجّة باصطلاح المنطقيّ إلّا على القضيتين فصاعدا دون الوسط فقط، إلّا أنّ مناط الحجيّة و العلم بالنتيجة هو الوسط لا غير، فلا فرق بين الاصطلاحين في المعنى و اللّب.

و فيه: أنّه إن أراد من اتّحاد اصطلاح المنطقي و الأصولي في اللبّ اتّحادهما بحسب التعريف المذكور للدليل في تعريف الفقه كما هو ظاهر كلامه فله وجه، إلّا أنّا لا نسلّم أنّ الدليل باصطلاح الأصولي هو ذاك.

و إن أراد اتّحاد اصطلاح المنطقي مع ما بأيدينا من موارد إطلاق الأصولي الحجة و الدليل فليس كذلك، لأنّهم يطلقون الدليل على مطلق الكاشف عن الشي‏ء كقولهم: دليل الحكم خبر زرارة أو الإجماع أو الاستصحاب أو أصالة البراءة إلى غير ذلك، لا مجرّد الوسط في القياس، مثلا قولنا: هذا خمر

____________

(1) فرائد الأصول 1: 29.

36

و كلّ خمر حرام، لا يقال في اصطلاحهم: أنّ الخمر دليل الحرمة مع أنّه وسط في القياس، و كذا قولنا: هذا مشكوك الحرمة و كلّ مشكوك الحرمة مباح، لا يقال: إنّ الشك حجّة للإباحة مع أنّه وسط.

و من هنا يعلم أنّ إطلاق الحجّة على القطع موافق لهذا الاصطلاح الذي هو بمرأى و مسمع منّا و من الأصوليّين، و يعلم أيضا أنّ إطلاق الحجّة عليه كإطلاقه على الأمارات المعتبرة شرعا لكونهما جميعا كاشفين عن حكم العمل.

نعم، قد يطلق الدليل عندهم على ما يقابل الأصول و على ما يقابل الأمارات التي يستدل بها في الموضوعات إلّا أنّه لا يطلق الحجة على هذين المعنيين، و إن اطلق لم يفيد الخصم، و الظاهر بل المتيقّن أنّ الحجة و الدليل مترادفان عند المنطقيين.

و الحاصل أنّا نقول إنّ الدليل في اصطلاح الأصولي ما يكون واسطة في الإثبات فقط و لا يكون واسطة في الثبوت، فيخرج مثل المثالين المتقدّمين لكونهما واسطة في الثبوت أيضا.

و بعبارة أخرى: ما يثبت به المطلوب بعنوان الطريقية فقط و لذا يعبّر عن الأدلّة بالطرق إطلاقا شايعا فيشمل الأدلّة الأربعة المصطلحة، و يصحّ جعلها وسطا بتقريب يأتي عن قريب، لا أنّ كل ما يصح أن يجعل وسطا فهو دليل في هذا الاصطلاح‏ (1)، هذا.

و الذي يقتضيه النظر الدقيق أنّ الحجّة و الدليل في اصطلاح الأصولي ليس‏

____________

(1) أقول: و الظاهر أنّ الحجة مرادف للدليل بهذا الاصطلاح عندهم أيضا، و ربما يقال: إنّها أعم منه لأنّهم يطلقونها على الاستصحاب أيضا دونه، و هذا عندي ليس بواضح بل هما سواء في الإطلاق و عدمه.

37

إلّا نفس الطرق للأحكام الشرعية، و لا يمكن كونها وسطا للأحكام بوجه من الوجوه، مثلا نقول: صلاة الجمعة واجبة بدليل الإجماع أو بدليل الكتاب أو السنّة، فالإجماع و الكتاب أو السنّة دليل الحكم، و لا يصحّ جعل واحد منها وسطا للقياس إلّا ما يتوهّم بأنّه يصحّ أن يقال هذا ما قام به الإجماع و كلّ ما قام به الإجماع فهو ثابت، و بهذا أيضا لا يثبت كون الإجماع وسطا إذ معنى لفظ هذا القياس في الحقيقة أنّ وجوب الجمعة حكم قام به الإجماع و كل حكم قام به الإجماع فهو ثابت، فالوسط في الحقيقة هو الحكم لا الإجماع، نعم له دخل في الوسط، فإن كان المراد بكونه وسطا هذا المقدار فلا مشاحّة (1).

قوله: فقولنا الظنّ حجّة

(2)

.

(1) إن أراد أنّ الظنّ لو أخذ موضوعا حجّة يكون وسطا، ففيه أنّ القطع أيضا كذلك كما مرّ منّا و سيجي‏ء من المصنف صريحا، و هذا ليس مراده قطعا هنا، و إن أراد أنّ الظنّ الطريقي حجّة يكون وسطا حتّى يصح أن يقال هذا مظنون الخمرية و كل مظنون الخمريّة حرام، فيقال له: إن أريد بكون الظنّ حجة و وسطا كونه كذلك بالنسبة إلى الحكم الظاهري الفعلي التنجيزيّ، فالقطع أيضا كذلك فيصحّ أن يقال: إنّ هذا مقطوع الخمرية و كل مقطوع الخمرية حرام يعني بحسب الحكم الظاهري الفعلي التنجيزيّ، إذ كما أنّ الظنّ المعتبر يجب تطبيق العمل‏

____________

(1) أقول: لعلّ هذا الكلام من الزلّات التي لا يخلو منها أحد، أ لا ترى أنّ الوسط و الدليل في قولنا العالم متغيّر و كلّ متغيّر حادث هو التغيّر لا المتغيّر، و التعبير بالمتغيّر إنّما هو لتصحيح الحمل، و كذا في قولنا هذا الحكم مجمع عليه و كلّ مجمع عليه فهو ثابت، وسط القياس الذي هو الدليل و الحجة هو الإجماع لا المجمع عليه، و هكذا قولنا ما دل عليه الإجماع أو الخبر أو الكتاب، فلا تغافل.

(2) فرائد الأصول 1: 29.

38

عليه ظاهرا كذلك يجب تطبيق العمل على القطع ظاهرا، غاية الأمر أنّ الحكم الظاهري هنا مطابق للحكم الواقعي باعتقاد القاطع، بخلاف الظانّ فإنّه يحتمل أن يكون الحكم الواقعي مغايرا للحكم الظاهري، و هذا لا أثر له.

و إن أريد أنّه حجة و وسط بالنسبة إلى الحكم الواقعي ففيه المنع البيّن، لأنّ حكم الحرمة ليس مترتّبا على مظنون الخمرية بل على الخمر الواقعي، و ليس معنى جعل الشارع الظنّ حجة جعل مظنون الخمرية في المثال المذكور خمرا حقيقة، بل فرضا و تنزيلا بحيث لو انكشف خطأ ظنّه انكشف عدم حرمته أيضا واقعا، فلم يثبت حكم الحرمة لمظنون الخمرية حتى يكون الظنّ وسطا.

و إن أردت تعبيرا أوضح في المثال المذكور فقل هكذا: هذا خمر ظنّا و كل خمر ظنّا حرام ظنّا، و من الواضح أنّ الظنّ ليس وسطا هنا للحكم الواقعي، بل موضوع الحكم الواقعي هو الخمر الواقعي، و إن أبيت إلّا أن نقول إنّه صار وسطا باعتبار أخذ وصفه في الوسط فالقطع أيضا كذلك، كأن يقال: هذا خمر قطعا و كل خمر قطعا حرام قطعا، فقد أخذ وصف القطع في الوسط قيدا نظير أخذ الظن في المثال الأوّل.

فإن قلت: نختار الشقّ الثاني و نقول: كون الظنّ وسطا باعتبار أنّه بعد الجعل يصير موضوعا للحكم الظاهري قهرا، بخلاف القطع الذي لا يحتاج إلى الجعل بل لا يمكن فيه الجعل، فلا يتصوّر كونه وسطا بوجه من الوجوه.

قلت أوّلا: نمنع كون إطلاق الحجة على الظنّ باعتبار صيرورته طريقا للحكم الظاهري، بل باعتبار كشفه و إراءته الواقع، و هو بهذه الحيثية يساوي القطع فلا يصحّ كونه وسطا كما مرّ.

و ثانيا: سلّمنا أنّ إطلاق الحجّة عليه باعتبار كونه موضوعا للحكم‏

39

الظاهري و لهذا يصحّ جعله وسطا، لكن يجري ذلك بعينه في القطع لأنّه أيضا موضوع للحكم الظاهري بوجوب متابعته، و يصحّ جعله وسطا بهذا الاعتبار فيقال: هذا مقطوع الخمرية و كل مقطوع الخمرية حرام في الظاهر، غاية الأمر اتّحاد الظاهر و الواقع بزعم القاطع و هو غير مضرّ.

قوله: فيقال هذا مظنون الخمرية و كلّ مظنون الخمرية يجب الاجتناب عنه‏

(1)

.

(1) قد يورد على المثال المذكور بأنّه ينبغي أن يجعل مؤدّاه في صورة قياسين لا قياس واحد فيقال: هذا مظنون الخمرية و كل مظنون الخمرية خمر لينتج أنّ هذا خمر و كلّ خمر يجب الاجتناب عنه فينتج أنّ هذا يجب الاجتناب عنه.

و يمكن الجواب عنه:

أولا: بأنّ القياس الثاني مطويّ يعرفه من يلتفت إليه من غير تكلّف، و مثله في الأدلّة كثير، ففيه مسامحة مألوفة.

و ثانيا: بأنّه لا يصحّ ترتيب القياس على غير هذا الوجه على مذاق المصنف لأنّه منكر للأحكام الوضعيّة بالمرّة، و المجعولات الشرعية عنده منحصرة في الأحكام التكليفية، فمعنى جعل الظنّ حجّة عند المصنف ترتيب أحكام الواقع على المظنون، فلمّا قام الظنّ بخمرية هذا المائع مع فرض حجيّة هذا الظن، نقول هذا مظنون الخمرية و كل مظنون الخمرية خمر، يعني بحكم الخمر في وجوب الاجتناب، لا يراد غير ذلك، و حينئذ فالقياس الصحيح أن‏

____________

(1) فرائد الأصول 1: 29.

40

يعبّر ب: كل مظنون الخمرية يجب الاجتناب عنه كما في المتن.

نعم، قد يشكل الأمر بناء على مذهب من يقول بمجعولية الأحكام الوضعية فيما نحن فيه بعد جعل الشارع الظن حجّة، فيقال إذا حصل الظن بخمرية هذا المائع: هذا مظنون الخمرية و كل مظنون الخمرية خمر يعني تنزيلا بحكم الشارع بحجيّة الظن ليترتّب عليه أنّه حرام، مع أنّ موضوع الحرمة في قوله حرّمت عليكم الخمر، هو الخمر الواقعي لا الخمر التنزيلي، فكيف يترتّب عليه الحكم، بل يحتاج إلى جعل حكم آخر للخمر التنزيلي و هو مفقود.

و الجواب: أنّ الجعل المتعلّق بالموضوع كاف في الحكم بترتّب الحكم أيضا، لأنّ معنى جعل الشارع للظنّ المذكور حجّة جعل مظنون الخمرية خمرا واقعيا عنده، فيترتّب عليه حكمه قهرا، و لا يحتاج إلى جعل حكمه ثانيا فتدبّر.

قوله: و هذا بخلاف القطع لأنّه إذا قطع بخمرية شي‏ء

(1)

.

(1) هكذا كان عبارة المتن أوّلا، و لمّا أعاد المصنّف النظر إليها ثانيا التفت إلى أنّ المقصود الأصلي الذي عنون به الكتاب هو القطع المتعلّق بالأحكام لا الموضوعات، أضاف إلى المثال المذكور في الهامش مثالا آخر للقطع المتعلّق بالحكم و صارت عبارة المتن مع العبارة الملحوقة هكذا: لأنّه إذا قطع بوجوب شي‏ء فيقال هذا واجب و كلّ واجب يحرم ضدّه أو تجب مقدّمته، و كذلك العلم بالموضوعات فإذا قطع بخمرية شي‏ء إلى آخره.

قوله: لأنّ الحجّة ما يوجب القطع بالمطلوب فلا يطلق على نفس القطع‏

(2)

.

____________

(1) فرائد الأصول 1: 29.

(2) فرائد الأصول 1: 30.

41

(1) بناء على ما مرّ من معنى الحجّة اصطلاحا و هو ما يكون طريقا و كاشفا عن الحكم الشرعي، فلا نسلّم أنّ الحجّة ما يوجب القطع بالمطلوب حتى لا يطلق على نفس القطع، بل ما يكون كاشفا و مثبتا للمطلوب فيشمل القطع أيضا.

[انقسام القطع إلى الطريقي و الموضوعي‏]

قوله: و أمّا بالنسبة إلى حكم آخر فيجوز أن يكون القطع مأخوذا في موضوعه‏

(1)

.

(2) سواء كان القطع جزءاً للموضوع كأن يكون الموضوع الخمر المقطوع به كما مثّل في المتن، أو كان تمام الموضوع كالمثال الذي ألحقه في الهامش في النسخ المتأخّرة و هو قوله و كترتّب وجوب الإطاعة على معلوم الوجوب لا الواجب الواقعي، فعلى الأول موضوع الحكم مركّب ينتفي بانتفاء كلّ واحد من جزأيه، بخلاف الثاني فإنّه بسيط و هو معلوم الوجوب و إن لم يكن في الواقع واجبا، و لا فرق أيضا بين اعتبار كون القطع من حيث كشفه عن الواقع جزءاً للموضوع أو تمام الموضوع، أو من حيث كونه صفة خاصة، و هذا يثمر فيما سيأتي من قيام الأمارات مقامه و عدمه فلا تغافل.

قوله: و إن لم يطلق عليه الحجة إذ المراد بالحجّة في باب الأدلّة ما كان وسطا لثبوت‏

(2)

متعلّقه شرعا لا لحكم آخر

(3)

.

(3) هذه العبارة أيضا ممّا ألحقه (رحمه اللّه) في النسخ المتأخّرة، و لعلّه يطابق ما ذكرنا في معنى الحجّة أو يقرب منه، و حينئذ نقول: عدم إطلاق الحجة على القطع إذا كان تمام الموضوع واضح، و أمّا إذا كان جزءاً للموضوع فيمكن أن‏

____________

(1) فرائد الأصول 1: 30.

(2) في بعض النسخ توجد كلمة «حكم» أو «أحكام».

(3) فرائد الأصول 1: 30.

42

يطلق عليه الحجّة باعتبار كونه دليلا لمتعلّقه الذي هو جزء موضوع الحكم، و يترتب عليه الحكم في الجملة و لو بانضمام نفس القطع أيضا.

قوله: كما إذا رتّب الشارع الحرمة على الخمر المعلوم كونها خمرا لا على نفس الخمر

(1)

.

(1) هذا مثال لما كان القطع مأخوذا في موضوع حكم الشرع، و قد زاد في بعض النسخ مثال ما كان موضوعا لحكم العقل و هو قوله: و كترتّب وجوب الإطاعة إلى آخر ما مرّ في الحاشية السابقة، إلّا أنّ كون القطع مأخوذا في موضوع حكم العقل محلّ تأمّل، إذ الظاهر أنّ موضوع وجوب الإطاعة ليس إلّا موارد الأحكام الشرعية الواقعية، لا مطلق معلوم الوجوب و لو كان جهلا مركّبا تبيّن خلافه بعد ذلك مثلا، و إن أبيت إلّا أنّ موضوعه مطلق معلوم الوجوب فيرجع إلى المثال الآتي في المتن من قوله: كما في حكم العقل بحسن إتيان ما قطع العبد إلى آخره.

قوله: و بالجملة فالقطع قد يكون طريقا للحكم‏

(2)

.

(2) طريقيّة القطع قد تكون مرسلة على ما هو مقتضى حكم العقل فيكون سببا للتنجّز عقلا مطلقا و يجوز قيام سائر الأمارات مقامه، و قد تكون منحصرة في لسان الشارع بأن صرّح بانحصار ثبوت تنجّز الحكم بالقطع حتى يلزم منه عدم جواز قيام الأمارات مقامه، فكان الشارع في مقام تضييق دائرة مقام التنجّز، و لعل من ذلك ما يستفاد من بعض الأخبار من أنّ اعتبار الشّك في الصلاة بعد حفظ الركعتين الأوليين و العلم بهما، يعني لا يكتفى بغير العلم في مقام تنجّز

____________

(1) فرائد الأصول 1: 30.

(2) فرائد الأصول 1: 30.

43

أحكام الشك، لا أنّ العلم بالأوليين موضوع بالنسبة إلى أحكام الشك حتى في صورة التخلّف عن الواقع أيضا.

قوله: و قد يكون مأخوذا في موضوع الحكم‏

(1)

.

(1) قد مرّ أنّ القطع المأخوذ في موضوع الحكم قد يكون تمام الموضوع و قد يكون جزأه، و يرجع إليه ما كان شرطا للموضوع كما تقدّم، و كلّ منهما قد يؤخذ باعتبار كونه كاشفا عن المتعلّق و قد يؤخذ باعتبار كونه صفة خاصّة فتذكّر، و كذا ما كان القطع شرطا لثبوت الحكم في موضوع آخر كما لو قيل إذا قطعت بحياة ولدك فتصدّق بدرهم، فإنّ ذلك أيضا بحكم ما أخذ في الموضوع كما لا يخفى.

قوله: كما في حكم العقل بحسن إتيان ما قطع العبد بكونه مطلوبا لمولاه و قبح ما يقطع بكونه مبغوضا

(2)

.

(2) هذا مثال لاعتبار القطع بإطلاقه موضوعا لحكم العقل و لا إشكال فيه، لكن على فرض تسليم حكم العقل على هذا النحو يلزمه حرمة التجرّي خصوصا بملاحظة قوله: فإنّ مدخليّة القطع بالمطلوبية أو المبغوضية في صيرورة الفعل حسنا أو قبيحا، فإنكار المصنف و تردّده فيما سيأتي ينافي ذلك، إلّا أن يقال إنّه لم يظهر من المصنف هنا تصديق هذا الحكم العقلي على النحو المذكور، و إنّما فرضه لأجل التمثيل به، هذا.

و قد يقال: إنّ موضوعات الأحكام العقلية بأسرها هي القطع، مثلا إذا قطع بوجوب شي‏ء يحكم العقل بوجوب مقدّمته فموضوع حكمه بوجوب المقدّمة القطع بوجوب ذيها و هكذا.

____________

(1) فرائد الأصول 1: 30- 31.

(2) فرائد الأصول 1: 31- 32.

44

و فيه منع بيّن، إذ حكم العقل بقبح الظلم مثلا موضوعه الظلم الواقعي لا ما قطع بكونه ظلما، أ لا ترى أنّه لو كان موضوع حكم العقل منحصرا في القطع لما كان لمسألة الملازمة بين حكم العقل و الشرع تصوير معقول، إذ موضوعات الأحكام الشرعية غير القطع قطعا فيختلف مع موضوعات الأحكام العقلية فكيف يتصوّر تطابقهما حتى يثبت الملازمة بأدلتها أو ينكر.

و كيف كان، فكون القطع موضوعا لحكم العقل في المثال المذكور صحيح و مرجعه إلى حكم العقل بوجوب متابعة القطع و حجّيته، و هذا المثال لا مناقشة فيه على ما قرّرنا، و كذا المثال الثاني على مذهب صاحب الحدائق، بخلاف باقي الأمثلة فإنّها محل المناقشة كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى.

و لا بأس بذكر بعض أمثلة القطع الموضوعي الذي ظفرنا به:

منها: القطع الذي اعتبر موضوعا لحكم الاستصحاب، فإنّ موضوع حكم حرمة النقض في قوله «لا تنقض اليقين» هو اليقين السابق.

و منها: الاعتقادات الواجبة فإنّ موضوع حكم الوجوب نفس العلم، و كذا العلم بالمسائل الفرعية مقدمة للعمل بها.

و منها: العلم بالعوضين المأخوذ في صحّة المعاملة فإنّه مأخوذ على وجه الموضوعية، لأنّ ارتفاع الغرر الذي هو مناط الصحّة لا يحصل إلّا بالعلم بالعوض وجودا و جنسا و وصفا و قدرا، لا بنفس التعيّن الواقعي.

و منها: العلم بالضرر المأخوذ في جواز إفطار الصائم و حرمة السفر و نحوهما.

45

قوله: و كما في حكم الشرع بحرمة ما علم أنّه خمر أو نجاسته بقول مطلق، إلى آخره‏

(1)

.

(1) هذا مثال لاعتبار القطع بإطلاقه موضوعا لحكم الشرع على مذهب صاحب الحدائق، لكن المذكور في مقدّمات الحدائق‏ (2) على ما حكاه بعض الثقات ليس إلّا ما يستفاد منه اعتبار العلم في موضوع النجاسة لا موضوع حرمة الخمر، و المعروف منه أيضا على ما يسندون إليه في كتاب الطهارة اختياره ترتّب حكم النجاسة على ما هو المعلوم منها، و غير ذلك غير معروف عنه و لا محكيّ عنه فيما نعلم و اللّه أعلم.

قوله: مثل ما ذهب إليه بعض الأخباريّين من عدم جواز العمل في الشرعيات‏

(3)

.

(2) قد مرّ أنّ الأخباريّ المنكر للملازمة بين حكم العقل و الشرع لا يجعل موضوع حكم الشرع غير موضوع حكم العقل ثم ينكر الملازمة، إذ إنكار مثل هذه الملازمة لا يختصّ بهم بل اتفاقي، بل ينكر الملازمة بين حكم العقل و الشرع في موضوع واحد و هو نفس الواقعيّات من غير أخذ العلم فيه، كيف و لو أخذ الأخباري العلم في موضوع الحكم لزمه الالتزام بخلوّ الواقعة عن الحكم على تقدير عدم العلم و هو التصويب الباطل، و الأظهر أنّ الأخباريّ يقول بانحصار الطريق الموصل إلى الحكم في مقام تنجّز التكليف في الكتاب و السنّة، و منع الطرق الأخر على ما يقتضيه استدلاله على مدّعاه بقوله تعالى: وَ ما كُنَّا

____________

(1) فرائد الأصول 1: 32.

(2) الحدائق الناضرة 1: 136- 140.

(3) فرائد الأصول 1: 32.

46

مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (1) و أضرابه، فإنّه ظاهر في عدم فعلية العذاب بدون بعث الرسول و إن كان الحكم ثابتا في نفس الأمر. و كيف كان لو صحّ المثال كان مثالا للقطع المقيّد بالسبب.

قوله: و ما ذهب إليه بعض من منع عمل القاضي، إلى آخره‏

(2)

.

(1) هذا المثال و إن أمكن أن يجعل ممّا أخذ العلم في موضوعه، لكن يمكن جعله أيضا من باب تعيين طريق و المنع عن طريق آخر كما أشرنا سابقا، و لعل الثاني هو الأظهر، و هذا أيضا كالمثال السابق مثال للقطع المقيد بالسبب لو صحّ، و هذا المثال و سابقه ممّا ألحقه المصنف في النسخ المتأخّرة، و لعل وجه الإلحاق أنّ الأمثلة الآتية أمثلة لكون القطع موضوعا لحكم غير القاطع فأراد أن يذكر مثالا لما إذا كان القطع موضوعا لحكم نفس القاطع فتشبث بهذين المثالين.

قوله: كحكم الشارع على المقلّد بوجوب الرجوع إلى الغير

(3)

.

(2) هذا أيضا من باب التقييد بالسبب إلّا أنّ الأظهر أنّه من باب تعيين الطريق، إذ فتوى المفتي طريق إلى الحكم بالنسبة إلى المقلّة لا أنّه مكلّف بالعمل بالفتوى كيف ما كان، لأنّ المقلّد كالمفتي مكلّف بالواقع و يفترقان في أنّ المفتي يتوصّل إليه بالكتاب و السنّة و المقلّد يتوصّل إليه بقول المفتي، و هكذا حال المثالين الأخيرين فتدبّر.

____________

(1) الإسراء 17: 15.

(2) فرائد الأصول 1: 32.

(3) فرائد الأصول 1: 33.

47

[الشك في أنّ القطع مأخوذ على نحو الطريقية أو الموضوعية]

قوله: و كذلك العلم الحاصل للمجتهد الفاسق، إلى آخره‏

(1)

.

(1) هذا مثال لتقييد القطع بحصوله من شخص خاصّ.

تتمّة: لو شكّ في أنّ القطع مأخوذ على وجه الطريقية أو الموضوعية فهل يكون هناك أصل يرجع إليه أم لا؟ فنقول لا شكّ في أنّه إذا لم يذكر القطع في دليل الحكم كما لو قال: الكلب نجس و الخمر حرام فالقطع يكون طريقا لا موضوعا، لأنّ موضوع الحكم في الدليل نفس الكلب و الخمر بالفرض، و كذا لو ذكر القطع في موضوع الحكم فالظاهر كونه موضوعا، و لو شكّ فيه كما لو ذكر القطع في الموضوع و كانت هناك قرينة توجب التردّد فقد يقال إنّه يحمل على الطريقية لأنّه الأغلب، و قد يقال: يحمل على الموضوعية لأنّه الأغلب في كل مقام يذكر العلم في الموضوع.

و الأظهر أنّه لا اعتبار لهذه الغلبة لو فرض تحقّقها لعدم الدليل على اعتبارها، فإذن لا أصل في المقام حتى يكون مرجعا، فيرجع إلى الأصول الجارية بالنسبة إلى الآثار المشكوكة على ما يقتضيه المورد، مثلا بالنسبة إلى أثر قيام الأمارات مقامه نقول الأصل عدم قيامها مقامه، و بالنسبة إلى تعلّق التكليف بدون تحقّق العلم نقول: الأصل عدم التعلّق و هكذا.

[قيام الأمارات و الأصول مقام القطع‏]

قوله: ثم من خواص القطع الذي هو طريق إلى الواقع قيام الأمارات الشرعية و

(2)

الأصول العملية مقامه‏

(3)

.

(2) المراد بالأمارات هنا أعمّ من الأدلّة المتعلّقة بالأحكام و الأمارات‏

____________

(1) فرائد الأصول 1: 33.

(2) [يوجد في بعض النسخ كلمة «بعض»].

(3) فرائد الأصول 1: 33.

48

المتعلّقة بالموضوعات، و إن كان قد يطلق الأمارة في مقابل الدليل و يراد منه خصوص ما تعلّق بالموضوعات كما يراد من الدليل في مقابلها ما تعلّق بالحكم، و السرّ في قيام الأمارات و الأصول مقام القطع الطريقي أنّه لمّا كان الحكم الواقعي مترتّبا على موضوعه الواقعي و كان العلم طريقا إليه، فإذا قال الشارع مثلا توصّل إلى الواقع بخبر العادل أو البيّنة، فهو بمعنى جعل مؤدّى الخبر أو البيّنة واقعا تنزيلا، و يلزمه جعل نفس الخبر أو البيّنة طريقا تنزيلا، و قد يكون بالعكس كما لو فرض أنّه قال: الظنّ حجّة، فمعناه أنّ الظنّ عندي كالعلم في وجوب المتابعة، فالظنّ علم تنزيلا و يلزمه تنزيل مؤدّاه منزلة مؤدّى العلم، و على الوجهين لزم قيام الأمارة مقام العلم، و كذا في الأصول، مثلا لمّا قال الشارع: «لا تنقض اليقين بالشكّ» فقد حكم بحرمة نقض المتيقّن كالطهارة مثلا و البناء على بقائه بالنسبة إلى الآثار، فهو باق تنزيلا و يلزمه الحكم بأنّ الاستصحاب قطع تنزيلا، و هذا البيان مطابق لما يراه المصنف في معنى هذه العبارة كما سيأتي في رسالة الاستصحاب.

و أمّا على التحقيق الذي نراه هناك فمعنى عدم نقض اليقين هو الحكم ببقاء اليقين تنزيلا ليلزمه الحكم ببقاء المتيقّن تنزيلا، و على الوجهين قيامه مقام القطع واضح، هذا كلّه إذا لم يدل دليل على انحصار الطريق في القطع و إلّا فذلك الدليل حاكم على أدلّة الأصول و الأمارات، و قد أشرنا إلى ذلك سابقا فتذكر.

قوله: فإن ظهر منه أو من دليل خارج اعتباره على وجه الطريقية للموضوع‏

(1)

.

(1) كأن يقول: الخمر المعلوم حرام، و يراد به ترتّب الحرمة على الخمر بشرط

____________

(1) فرائد الأصول 1: 33.

49

كونه مكشوفا بالعلم، و هذا يتصوّر على وجهين:

أحدهما: أن يؤخذ مطلق الكشف في الموضوع فكأنّه قال: الخمر المكشوف حرام، و يكون ذكر العلم لأنّ الانكشاف منحصر فيه و منطبق عليه.

ثانيهما: أن يؤخذ الكشف العلمي في الموضوع فكأنه قال: الخمر المكشوف بخصوص العلم حرام لا على وجه الانحصار بحيث يلزمه عدم قيام غيره مقامه كما أشرنا إليه سابقا.

و الظاهر أنّ مراده الثاني و إن قيل يتعيّن إرادته الأول.

قوله: كالأمثلة المتقدّمة

(1)

.

(1) كون جميع الأمثلة المتقدّمة من هذا القبيل محلّ نظر بل منع، نعم يتمّ في المثالين الأوّلين و هما حكم العقل بحسن إتيان ما قطع العبد إلى آخره، و حكم الشرع بحرمة ما علم أنه خمر أو نجاسته، أما الأمثلة الباقية فالظاهر كون القطع و الظن أو أمارة أخرى معتبرا في الموضوع في مرتبة واحدة، لا أنّ القطع مأخوذ في الموضوع و يراد جعل أمارة مقامه، مثلا قول بعض الأخباريين بوجوب العمل بالعلم الحاصل من الكتاب أو السنّة الظاهر أنّه يريد وجوب العمل بالعلم أو الظن الحاصل من الكتاب أو السنّة، لا أنّه يجب أوّلا العمل بالعلم و ثانيا ببدله أي الظنّ أو أمارة أخرى، و كذا الحكم على المقلّد بوجوب الرجوع إلى المجتهد العالم بالطرق الاجتهادية المعهودة أو إذا كان عادلا إماميّا، يراد به أوّلا المجتهد العالم أو الظان مثلا لا أنّه يجب أوّلا الرجوع إلى العالم و ثانيا الرجوع إلى الظان بدليل جعل الظن.

____________

(1) فرائد الأصول 1: 33.

50

و الحاصل أنّ المتكفّل للرجوع إلى علمه أو ظنّه دليل واحد غير أدلّة جعل الأمارات، فإذن المثال الصحيح هو المثالان الأوّلان، و ما تقدّم من قوله الخمر المعلوم حرام بناء على اعتبار العلم باعتبار كشفه جزءاً للموضوع، إلّا أنّ هذا مثال فرضيّ لا واقعي.

نعم يمكن التمثيل لهذا القسم من القطع الموضوعي بمثل قوله لا تنقض اليقين إلّا بيقين، فإنّ اليقين الناقض و المنقوض كلاهما اعتبر موضوعا للحكم الظاهري مع أنه طريق إلى الحكم الواقعي، و كذا قوله في أدلّة أصل البراءة: «كل شي‏ء حلال حتى تعلم أنّه حرام بعينه» (1) و كذا قوله في دليل أصالة الطهارة «كل شي‏ء طاهر حتى تعلم أنّه قذر» (2) فإنّ العلم الذي هو طريق إلى الحرمة و القذارة الواقعية قد جعل غاية للحكم بالحلية و الطهارة الظاهرية، و قد ضرب المصنف في النسخ المتأخّرة على قوله كالأمثلة المتقدّمة، و لعلّه تفطّن لما ذكرنا من عدم مطابقة أكثر الأمثلة لما أراده.

قوله: قامت الأمارات و الأصول مقامه‏

(3)

.

(1) أمّا قيام الأمارات مقام القطع الموضوعي المأخوذ على وجه الطريقية على التصوير الأوّل من الوجهين المتقدّمين و هو ما أخذ مطلق الكشف في الموضوع، فلأنّه بعد جعل الشارع الظنّ أو البيّنة مثلا بمنزلة العلم يتحقق مصداق آخر للموضوع، إذ الموضوع كان ما أخذ فيه مطلق الكشف، و انحصر أفراده بحكم العقل في العلم، فلمّا جعل الشارع غير العلم أيضا بمنزلته في الكشف‏

____________

(1) الوسائل 17: 89/ أبواب ما يكتسب به ب 4 ح 4.

(2) المستدرك 2: 583/ أبواب النجاسات ب 30 ح 4.

(3) فرائد الأصول 1: 33 و لكن في بعض النسخ «و بعض الأصول».

51

تحقق نفس الموضوع في فرد آخر لا محالة، و يرجع ذلك في اللبّ إلى توسّع في الموضوع، فكأنّه أخذ في الموضوع إمّا العلم أو الظنّ أو البيّنة ابتداء، و يتّضح ذلك فيما لو صرّح أوّلا بأنّ الموضوع مطلق الكشف و لو تنزيلا.

و ببيان آخر نقول: لا شكّ أنّ القطع الذي أخذ باعتبار الكشف في الموضوع بالنسبة إلى متعلّقه طريق محض و يقوم مقامه الأمارات، فإذا أخذ ذلك القطع بذلك الاعتبار جزءاً للموضوع يلزمه قهرا أن يكون الموضوع إمّا نفس ذلك القطع أو ما يقوم مقامه، و ذلك ما أردنا (1).

فإن قلت: إنّ دليل حجيّة الأمارات لا يفيد المقصود من تحقّق الموضوع لأنّ مفاده ليس إلّا جعل مؤدّاه واقعا لا واقعا مكشوفا، مثلا إذا قال: الخمر المعلوم حرام، و قال: قول العادل حجة، فأخبر العادل بأنّ هذا المائع خمر فدليل حجيّة قول العادل لا يفيد سوى الحكم بخمرية هذا المائع لا أنّه خمر معلوم، إذ المخبر به هو الخمرية لا الخمرية المعلومة و موضوع الحكم هو الثاني لا الأول، فما هو موضوع الحكم لم يخبره العادل فلم يثبت، و ما أخبره ليس موضوعا و لا أثر له، فكيف يقوم الأمارة مقام القطع في تحقّق الموضوع.

قلت: لمّا كان ما أخذ في الموضوع هو القطع بوصف كونه طريقا، و المفروض أنّ الشارع نزّل قول العادل منزلة القطع في الطريقية، يفهم منه ثبوت الواقع المخبر به و ثبوت الطريق إليه أيضا بهذا الجعل و التنزيل، فكأنّه قال: اجعل إخبار العادل بالخمرية مثلا بمنزلة علمك بالخمرية في جميع ما يترتب على العلم بالخمرية من حيث كونه طريقا.

____________

(1) أقول: هذا إنّما يتمّ لو جعل الموضوع القطع باعتبار الكشف و ما يقوم مقامه أوّلا، و إلّا فالمتكفّل لقيام الأمارات مقام القطع دليل الأمارات فيرجع إلى البيان الأوّل.

52

فإن قيل: إنّ الذي أخذ جزءاً للموضوع هو القطع الوجداني لا القطع التنزيلي.

قلت: دليل حجية الأمارة يوجب توسّع الموضوع بالتنزيل على ما مرّ بيانه سابقا.

أقول: و الإنصاف أنّ الإشكال بعد باق بحاله، لما مرّ سابقا من أنّ الظاهر من أدلّة الأمارات بل الأصول هو التنزيل الطريقي فقط و إن قلنا بإمكان جعلها على وجه تفيد التنزيل الطريقي و الموضوعي معا إلّا أنّه خلاف مفاد الأدلّة، و حينئذ فلا مناص في مقام تصحيح كلام المصنف من صحّة قيام الأمارات مقام القطع المأخوذ في الموضوع على وجه الطريقية إلّا بالتزام أنّ مفاد أدلّة الأمارات جعل الأمارة قائما مقام القطع طريقا و موضوعا، أو بالتزام أنّ المأخوذ في الموضوع هو العلم بمعنى مطلق الانكشاف سواء كان واقعيا أو تنزيليا، بل لا محيص عن الالتزام بأحدهما حتى مع قطع النظر عن تصحيح كلام المصنف، لأنّا نعلم بانّ الشارع أخذ العلم على وجه الطريقية في الموضوع في مثل قوله: كل شي‏ء أو ماء طاهر حتى تعلم أنّه قذر، و كل شي‏ء حلال حتى تعرف أنّه حرام، و لا تنقض اليقين إلّا بيقين مثله، و أمثال ذلك، مع أنّه يقوم سائر الأمارات و الأصول مقامه بلا خلاف و لا إشكال من أحد، فإنّ ما قامت البيّنة على نجاسته أو حرمته لا يحكم عليه بالطهارة و الحلّية الظاهرية قطعا، هذا (1).

____________

(1) أقول: يمكن دفع الإشكال بوجه أحسن و أتمّ بأن يقال: بعد فرض أنّ الأمارة تقوم مقام القطع الطريقي و يثبت مؤدّاه بحكم الشارع تنزيلا، يحصل القطع الوجداني بثبوت مؤدّى الأمارة فيحصل الموضوع الذي نريده، مثلا إذا قامت البيّنة على نجاسة هذا الشي‏ء مثلا يحكم بأنّه قذر بحكم الشارع، فيتوسّع بذلك موضوع القذر شرعا عمّا هو قذر في الواقع،

53

و هناك إشكال آخر: و هو أنّ أدلّة حجيّة الأمارات لا تشمل ما نحن فيه بوجه، إذ من الحق المحقّق في محلّه أنّ معنى حجيّة الأمارة ترتيب آثار الواقع على ما قام به الأمارة، و ذلك لا يتصوّر إلّا فيما كان لمؤدّى الأمارة أثر و حكم مع قطع النظر عن كونه مؤدّى الأمارة، كأن يكون الخمر حراما مثلا في الواقع و قامت البيّنة على أنّ هذا خمر، فيترتّب أثر الخمر يعني الحرمة على مؤدّى الأمارة، و فيما نحن فيه ليس كذلك، لأنّ مؤدّى الأمارة يعني خمرية هذا المائع مثلا لا أثر له شرعا بالفرض حتى يترتّب بعد قول العادل بأنّه خمر، بل الحكم مترتّب على معلوم الخمرية الذي لا يتحقّق إلّا بعد فرض شمول حجية الأمارة للمورد، فشمول الأمارة للمورد متوقّف على وجود الأثر قبلها، و وجود الأثر متوقّف على شمولها له و هذا دور ظاهر.

و الجواب عنه:

أوّلا: أنّ كون الخمرية في المثال المذكور جزءاً للموضوع لحكم من الأحكام يكفي في كونها موردا للأمارة و إن كان ذلك الحكم أثرا مترتّبا على مجموع الموضوع لا خصوص هذا الجزء، كما يثبت أجزاء سائر الموضوعات المركّبة جزءاً جزءاً بالأمارات المثبتة لها.

فإن قلت: فرق بينها و بين ما نحن فيه، لأنّ إثبات الجزء في سائر الموضوعات المركّبة بالأمارة بعد فرض ثبوت سائر الأجزاء بحيث يترتّب‏

____________

فيحصل العلم الوجداني بالقذر الشرعي و إن لم نعلم بأنّه قذر واقعي، و يحصل بالعلم الوجداني بالقذر الشرعي غاية الحكم الظاهري في قوله: «كل شي‏ء طاهر حتّى تعلم أنّه قذر».

لا يقال: لا حجية في قول البيّنة هنا لعدم كون مقوله ممّا له حكم يمكن إثباته بها، لأنّا نقول مرجع هذا الكلام إلى الإشكال الآتي مع جوابه.

54

الأثر بثبوت هذا الجزء الأخير، بخلاف ما نحن فيه فإنّ الجزء الآخر للموضوع غير الخمرية- أعني العلم- لم يثبت بعد بل يراد إثباته بعد جريان الأمارة بنفس الأمارة.

قلت: إنّ الفرق غير فارق، إذ لا تفاوت بين إثبات سائر الأجزاء بدليلها بعد هذا الجزء الذي قامت عليه الأمارة أو قبلها كما لا يخفى.

و ثانيا: و هو العمدة و يندفع به أصل الإشكال رأسا، أنّه لا يلزم أن يكون مؤدّى الأمارات و كذا الأصول له حكم مع قطع النظر عن جريان الأمارة، بل يكفي كونه محلّا للحكم و لو بعد جريان الأمارة بجريانها، فيكفي في المثال المذكور كون ما قام به البيّنة بأنّه خمر موضوعا للحكم بعد قيام البيّنة بحيث يكون قيام البيّنة به دخيلا في تحقّق الموضوع، و ضابطه ألا يكون جعل الأمارة في مورده لغوا لا يترتّب عليه أثر أصلا.

و الحاصل أنّه لا يلزم أن يكون مورد الأمارة ذا أثر قبل جريانها و مع قطع النظر عنها كما توهّمه المستشكل، و لذلك نظائر:

منها: ما ذكره من لزوم أن يكون متعلّق التكليف مقدورا مع قطع النظر عن التكليف، فأشكل عليهم بتعلّق التكليف بالعبادات المعتبرة فيها نيّة القربة جزءاً أو شرطا مع عدم القدرة على فعلها قبل الأمر بها لاستحالة قصد الأمر بدون الأمر، و قد وقعوا في مقام دفع هذا الإشكال في حيص و بيص.

و التحقيق في الجواب: أنّ شرط صحّة التكليف أن يكون الفعل مقدورا حين إتيان المكلّف به في مقام الامتثال و إن حدثت القدرة بنفس التكليف.

و منها: ما ذكروه من أنّ متعلّق النذر يشترط أن يكون راجحا في نفسه، فأشكل عليهم بجواز نذر الصوم في السفر بالنصّ و الإجماع مع أنّه مرجوح في‏