حاشية فرائد الأصول / تقريرات - ج2

- السيد محمد إبراهيم اليزدي النجفي المزيد...
594 /
5

ملاحظة هامة

قد فاتنا التنبيه في المجلد الأول على أن للمقرر و هو آية اللّه الشيخ محمد إبراهيم اليزدي (قدس سره) ملاحظات على كلام أستاذه آية اللّه العظمى السيد الطباطبائي اليزدي (قدس سره) كان قد ذكرها في طيّات التقريرات، و لكنّا نقلناها إلى الهامش، سوى بعض الموارد التي بقيت مورد الشك لنا فتركناه في المتن و علّقنا عليه بقولنا: كما يحتمل كونه من المتن يحتمل كونه من المقرر، فالرجاء من الأخوة الأعزاء أن ينظروا إلى ذلك بعين الاعتبار.

لجنة التحقيق‏

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

مباحث الشك الأصول العملية

أصالة البراءة

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

بسم الله الرحمن الرحيم‏

[إمكان اعتبار الظن‏]

قوله: و الظنّ يمكن أن يعتبر في الطريق المظنون لأنّه كاشف عنه ظنّا

(1)

.

هكذا في أكثر النسخ، و في بعضها في الطرف المظنون بدل قوله في الطريق المظنون، فعلى الأول يكون المعنى أنّ الظن يمكن أن يعتبر طريقا إلى الحكم الشرعي الواقعي لكن بجعل الشارع لعدم كونه بنفسه طريقا، و هذا في قبال الشك حيث لا يمكن جعله طريقا لأنّ الظن كاشف عن الواقع ظنّا بخلاف الشك. و بعبارة أخرى: يمكن أن يرد من الشارع أنّ الظن مطلقا أو في مورد كذا حجة واجب الاتباع و لا يمكن أن يقال إنّ الشك واجب الاتباع.

و على الثاني يكون المعنى أنّ الظن يمكن أن يعتبر في الطرف المظنون في مقابل الطرف الموهوم فإنّه لا يمكن اعتبار الوهم و جعله حجة لازم الاتباع بناء على ما سيأتي من أنّ ما يجعل طريقا تعبّديا لا بدّ و أن يكون فيه جهة كشف إلى الواقع و لو نوعا كخبر العادل مثلا و تأتي تتمّة الكلام.

____________

(1) فرائد الأصول 2: 9 (يوجد هنا اختلاف في نسخ الفرائد).

10

[الفرق بين الأصل و الأمارة]

قوله: و أما الشك فلمّا لم يكن فيه كشف- إلى قوله- كان حكما ظاهريا

(1)

.

يستفاد من ظاهر كلام المتن هنا أنّ الحكم الوارد في مورد الشكّ لا بدّ و أن يكون حكما ظاهريا يطلق عليه الواقعي الثانوي في قبال الحكم الواقعي الأولي، و الدليل الدال عليه يسمى أصلا يطلق عليه الدليل الفقاهتي في مقابل الدليل الاجتهادي، و يظهر سرّ ذلك مما ذكره في أواخر رسالة الاستصحاب في أوّل عنوان تعارض الأصول قال: ثم المراد بالدليل الاجتهادي كل أمارة اعتبرها الشارع من حيث إنّها تحكي عن الواقع و يكشف عنه بالقوّة، و تسمى في نفس الأحكام أدلة اجتهادية و في الموضوعات أمارة معتبرة، فما كان مما نصبه الشارع غير ناظر إلى الواقع، أو كان ناظرا لكن فرض أنّ الشارع اعتبره لا من هذه الحيثية بل من حيث مجرّد احتمال مطابقته للواقع فليس اجتهاديا و هو من الأصول، و إن كان مقدّما على بعض الأصول الأخر (2) انتهى موضع الحاجة.

و محصّله: أنّه يعتبر فيما يعتبر أمارة و يكون دليلا اجتهاديا أمران: كونه في نفسه ناظرا إلى الواقع، و أن يكون اعتباره من حيث كونه ناظرا إلى الواقع، فلو كان اعتباره بدون أحد القيدين يكون أصلا عمليا تقدّم عليه الأدلة الاجتهادية.

و التحقيق: أنّ الدليل الاجتهادي أعمّ من ذلك، و مناطه جعل الشارع مؤدّاه واقعا تنزيلا سواء كان مؤدّاه ناظرا إلى الواقع أم لا، ففي مورد الشك الحقيقي يمكن أن يكون الحكم الوارد فيه دليلا اجتهاديا كما لو استفيد من دليله‏

____________

(1) فرائد الأصول 2: 10.

(2) فرائد الأصول 3: 318- 319.

11

جعل أحد طرفي الشك واقعا يعني تنزيلا، كما لا يبعد أن يكون اعتبار يد المسلم و أصالة الصحّة في فعل المسلم من هذا القبيل، و أما إذا استفيد منه أنّ الشاك يأخذ بالاحتمال الكذائي فهو الأصل.

و الحاصل: أنّ الأصل ما يدل على حكم العمل من غير تنزيل مؤدّاه منزلة الواقع، و الدليل الذي يقدّم مطلقا على الأصل ما يدلّ على كون الواقع مؤدّاه حقيقة كما في العلم أو تنزيلا كما في سائر الأدلّة، سواء كان في نفسه ناظرا إلى الواقع أم لا.

قال المصنف في رسالة الاستصحاب في ذيل العبارة التي حكيناها آنفا:

قد ذكرنا أنّه قد يكون الشي‏ء غير الكاشف منصوبا من حيث تنزيل الشارع الاحتمال المطابق له منزلة الواقع‏ (1) انتهى. و هذا الكلام قريب من التحقيق الذي ذكرناه أو عينه، و بين كلاميه تدافع على الظاهر.

فإن قلت: كيف يمكن جعل ما ليس بطريق أصلا و بالمرة طريقا كأحد طرفي الشك؟

قلت: بناء على أنّ الأحكام الوضعية مجعولة فوجه الجعل واضح، و أما بناء على نفي الأحكام الوضعية كما هو مختار المصنّف فنقول إنّه في حد جعل سائر الأدلة و الأمارات التي لها جهة كشف في الجملة و ليست طريقا بنفسها، فإن كان المراد هناك ترتيب الآثار التكليفية فليكن هاهنا كذلك، و إن كان غيره فهنا كذلك حرفا بحرف من غير تفاوت بالمرة.

إذا عرفت أنّه يمكن أن يجعل الشي‏ء في مورد الشك دليلا اجتهاديا كما

____________

(1) فرائد الأصول 3: 319.

12

أنه قد عرفت سابقا أنّه يمكن اعتبار ما كان بنفسه ناظرا إلى الواقع أصلا إذا كان اعتباره لا من حيث كونه ناظرا إلى الواقع و كاشفا عنه يعني لم يجعل مؤدّاه واقعا، فإذا كان في ظاهر الدليل الدالّ على اعتبار الشي‏ء ما يدل على اعتباره بوجه الدليلية أو الأصل فهو، و إلّا فإن كان ذلك الشي‏ء في نفسه ناظرا إلى الواقع و له جهة كشف عن الواقع فعلا أو نوعا فلا يبعد أن يصير ذلك قرينة على جعله بوجه الدليلية و إلّا فلا يثبت إلّا ما يترتّب على الأصل فتقدّم عليه الأدلّة الاجتهادية و يعارض الأصول.

تذكرة:

قد أشرنا في أول رسالة القطع في الجملة و في أول رسالة الظن مفصّلا إلى التناقض المورد بين ثبوت الحكم الواقعي مطلقا حتى في حال الجهل به بناء على القول الصواب من التخطئة، و بين الحكم الظاهري على تقدير التخلّف عن الواقع، و أنّ ظاهر كلام المصنف هاهنا دفعه باختلاف موضوع الحكمين، و ذكرنا ما فيه فراجع.

[وجه تسمية الدليل الاجتهادي و الفقاهتي‏]

قوله: لمناسبة مذكورة في تعريف الفقه و الاجتهاد

(1)

.

لا يحضرني ذكر المناسبة التي أشار إليها المصنف لأحد من الأصوليين، و لعل المناسبة أنّهم عرّفوا الاجتهاد ببذل الفقيه وسعه في تحصيل الظنّ بالحكم الشرعي، و من المعلوم أنّ الأدلة الاجتهادية توجب الظنّ بالأحكام الواقعية، فناسب توصيفها بالاجتهادية، و أما بالنسبة إلى الأحكام الظاهرية العملية فإنّها

____________

(1) فرائد الأصول 2: 10.

13

توجب القطع لا الظنّ، و عرّفوا الفقه بأنّه العلم بالأحكام الشرعية الفرعية إلى آخره، و الأحكام الظاهرية العملية كالأصول أحكام معلومة في مقام العمل، فناسب توصيفها بالفقاهتي، و إن كانت بالنسبة إلى الأحكام الواقعية قد لا توجب ظنّا فضلا عن العلم، و اللّه أعلم.

[وجه تقدم الأدلة على الاصول‏]

قوله: و مما ذكرنا من تأخّر مرتبة الحكم الظاهري عن الحكم الواقعي‏

(1)

.

كلامه هذا يدل على أنّ وجه تقديم الأدلة الاجتهادية على الأصول من باب الورود، ثمّ وجّه كونه من باب التخصيص بقوله: و يمكن أن يكون هذا الإطلاق على الحقيقة إلى آخره، لكن بالنسبة إلى الأدلة غير العلمية، ثم اختار أنّه من باب الحكومة عند قوله: و لكنّ التحقيق أنّ دليل تلك الأمارة إلى آخره، مع تفصيل بين الأصول العقلية و الشرعية التعبدية، فاختار الورود في الأول منهما.

[الفرق بين التخصيص و التخصّص و الحكومة و الورود]

و لا بأس بالإشارة إلى الفرق بين التخصيص و التخصّص و الحكومة و الورود و التنزيل و التفسير كي يتّضح المرام فنقول:

إنّ التخصيص عبارة عن إخراج بعض الأفراد الداخلة تحت ما جعل موضوعا للحكم ظاهرا عن الموضوع باعتبار شمول ذلك الحكم، و إليه يرجع الحكومة في اللب بتقريب يأتي، و إن كان يمكن إرجاعه إلى التخصّص أيضا، و سيتّضح ذلك.

و التخصّص عبارة عن خروج الشي‏ء عن موضوع الحكم بنفسه، مثلا لو

____________

(1) فرائد الأصول 2: 11.

14

قيل: أكرم العلماء فإخراج زيد العالم تخصيص و خروج زيد الجاهل تخصّص، و يرجع إليه الورود بل هو قسم من التخصّص، فالتخصّص أعمّ من الورود لأنّ الورود عبارة عن كشف دليل أي الوارد عن خروج مورده عن موضوع دليل آخر أعني المورود.

و بعبارة أخرى: يكون أحد الدليلين سببا لخروج الفرد عن موضوع الدليل الآخر بحيث لو لم يرد الدليل الوارد كان داخلا في موضوع الدليل المورود و كان من أفراده، و هذا كالعلم بالنسبة إلى سائر الأصول فبمجرّد وجوده يخرج متعلّقه عن موضوع أدلّة الأصول وجدانا لارتفاع الشك و التحيّر واقعا، و التخصّص أعم من هذا و من خروج الشي‏ء عن موضوع الحكم لا بمعونة دليل آخر كخروج زيد الجاهل عن موضوع أكرم العلماء في المثال السابق، و توهّم التعارض بين الوارد و المورود في النظر البدوي لمكان الدليلين، لكن بعد أدنى تأمّل يظهر عدم التعارض و اختلاف موضوعهما و عدم اجتماعهما، و يقرب الورود لسان التفسير في عدم المعارضة مع المفسّر- بالفتح- بل أظهر، فلو قال: أكرم العلماء أعني عدولهم فلا يشكّ أحد في تقديم المفسّر- بالكسر- و الحكم بأنّ موضوع حكم وجوب الإكرام خصوص العدول، و إن كان شبيها بالتخصيص بل لا يبعد إرجاعه إليه.

و أما لسان التنزيل كما لو ورد: لا صلاة إلّا بوضوء، و ورد التيمم وضوء، فلا تعارض بينهما أيضا، لأنّ الدليل الثاني كافل لتعميم موضوع الشرط المستفاد من الدليل الأول، فكأنّه قال أوّلا لا صلاة إلّا بوضوء أو تيمم، و يمكن إرجاعه إلى التخصيص أيضا كما يظهر بالتأمّل و لا إشكال.

و كيف كان، لا إشكال في أنّ الأصول بأجمعها مورودة بالنسبة إلى العلم‏

15

الوجداني لوضوح ارتفاع موضوعها بحصول القطع بالواقع، و كذا ورود الأدلة الاجتهادية مطلقا قطعية كانت أو ظنّية على أصالة البراءة العقلية و الاحتياط و التخيير مطلقا، ضرورة كون موضوع الأول عدم البيان مطلقا لصدق البيان على الدليل الظني الذي قام على اعتباره دليل معتبر، و موضوع الثاني احتمال العقاب المرفوع بقيام الدليل الظني الثابت الحجية، و موضوع الثالث التحيّر و عدم الترجيح المرتفع بورود الدليل الظني.

قيل: و كذا الاستصحاب أيضا مورود بالنسبة إلى الأدلة الظنية، و قد حكى المصنف ذلك القول في آخر رسالة الاستصحاب في ثالث الأمور التي يتحقق به محلّ جريان الاستصحاب بقوله: و ربما يجعل العمل بالأدلة في مقابل الاستصحاب من باب التخصّص بناء على أنّ المراد من الشكّ عدم الدليل و الطريق و التحير في العمل، و مع قيام الدليل الاجتهادي لا حيرة.

و إن شئت قلت: إنّ المفروض دليلا قطعي الاعتبار فنقض الحالة السابقة نقض باليقين.

و فيه: أنّه لا يرتفع التحيّر و لا يصير الدليل الاجتهادي قطعي الاعتبار في خصوص مورد الاستصحاب إلّا بعد إثبات كون مؤدّاه حاكما على مؤدّى الاستصحاب و إلّا أمكن أن يقال إنّ مؤدى الاستصحاب وجوب العمل على الحالة السابقة مع عدم اليقين بارتفاعها، سواء كان هناك الأمارة الفلانية أم لا، و مؤدّى دليل تلك الأمارة وجوب العمل بمؤدّاه خالف الحالة السابقة أم لا، و لا يندفع مغالطة هذا الكلام إلّا بما ذكرنا من طريق الحكومة كما لا يخفى‏ (1) انتهى.

و في كل من التوجيه و الجواب نظر:

____________

(1) فرائد الأصول 3: 315- 316.

16

أما الأول فلأنّ ظاهر قوله (عليه السلام): لا تنقض اليقين إلّا بيقين مثله‏ (1) اليقين الوجداني لا اليقين التنزيلي، فنقض اليقين في الفرض المذكور بالشك الوجداني لا باليقين كما تخيّله.

و أما الثاني فلأنّه لا حاجة إلى توسيط طريق الحكومة على الفرض الذي تخيّله الموجّه و هو أن يكون المراد باليقين في المستثنى أعمّ من اليقين الوجداني و التنزيلي على ما يظهر تسليمه من المصنف، لأنّ ما قام عليه دليل علمي في عرض العلم على هذا الفرض البتّة، فكما أنّ الاستصحاب مورود بالنسبة إلى العلم فكذا بالنسبة إلى ما هو بمنزلته، فتدبّر جيدا.

و أما الحكومة فهي عبارة عن كون أحد الدليلين ناظرا إلى الآخر و شارحا له بمدلوله اللفظي بمعونة لفظ واقع في الدليل الحاكم أو بمعونة سياق نفهم منه ذلك كما لو قال: أكرم العلماء و قال: لا تكرم فسّاقهم، فبسبب رجوع ضمير فسّاقهم إلى العلماء يفهم أنّه بصدد شرح قوله: أكرم العلماء، و أنّ حكم وجوب الإكرام مختص بغير الفسّاق، و هكذا لو قال: لا تكرم الفسّاق و علم من سياق الكلام أنّه ناظر إلى شرح قوله أكرم العلماء.

و الفرق بينها و بين التخصيص أنّ الحاكم بتقديم الخاص على العام هو العقل بعد العلم بالتعارض و أظهرية الخاص بالنسبة إلى العام في مقدار مدلول الخاص.

و أما سرّ تقديم الحاكم على المحكوم، أنّ الدليل الحاكم بمدلوله اللفظي قاض بأنّ المراد من العام المحكوم غير مورد الدليل الحاكم، مثلا لو قيل: بأنّ‏

____________

(1) ورد مضمونه في الوسائل 1: 245/ أبواب نواقض الوضوء ب 1 ح 1 و غيره.

17

قوله: ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ‏ (1) معناه أنّ الأحكام المجعولة المستكشفة بالأدلة المعهودة ما جعل اللّه أفرادها الحرجية، فهو من باب الحكومة كما هو مختار المصنف، و لو قيل: إنّ معناه أنّ اللّه لم يجعل حكما حرجيا في الشريعة من غير نظر إلى سائر الأدلة الدالة على المجعولات الشرعية فهو من باب التعارض و التخصيص لو قدّمناه، و يحتمل الوجهين قوله (عليه السلام): «لا سهو في النافلة» (2) و قوله (عليه السلام): «لا تعاد الصلاة إلّا من خمسة» (3) و إن كان الأظهر في الكل الحكومة.

[أقسام الحكومة]

ثم اعلم أنّ الحكومة إما قصدية و إما قهرية، و المراد بالأول أن يكون المتكلّم بالدليل الحاكم قاصدا لشرح دليل المحكوم بتخصيصه أو تقييده كأغلب الأمثلة المذكورة، و من هذا الباب عند المصنف حكومة الأدلة الاجتهادية بالنسبة إلى الأصول العملية كالاستصحاب و البراءة الشرعية، لكنه خلاف التحقيق.

و المراد بالثاني أن يكون الدليل الحاكم مجعولا على وجه يلزم منه سقوط المحكوم عن الاعتبار فيما يقابل الدليل الحاكم، و ذلك كما في حكومة الأدلة الاجتهادية على الأصول العملية الشرعية على التحقيق عندنا، فإنّ من الواضح أنّ قوله (عليه السلام) صدّق العادل لم يقصد منه إلغاء الأصل المجعول في مورد خبر العادل على خلافه كما اختاره المصنف في أول رسالة التعادل و الترجيح، بل نقول إنّ لازم جعل الخبر حجة على هذا الوجه أي بأن يقول صدّق العادل يعني اجعل مفاد قوله واقعا و الغ احتمال الخلاف و كن كما أنك مدرك للواقع‏

____________

(1) الحج 22: 78.

(2) الوسائل 8: 241/ أبواب الخلل في الصلاة ب 24 ح 8.

(3) الوسائل 7: 234/ أبواب قواطع الصلاة ب 1 ح 4.

18

و متيقّن به، أن يسقط الأصول المجعولة في مورده، ضرورة سقوطها مع العلم بالواقع وجدانا، و المفروض أنّه قد نزّل خبر العادل منزلة العلم في الآثار و العمل، فيلزم من هذا الجعل و التنزيل سقوط الأصل المحكوم و إلّا لم يكن منزّلا منزلة العلم، و قد تقدّم في رسالة الظن بعض الكلام في ذلك في ذيل قاعدة الحرج عند التعرّض لدليل الانسداد في المقدمة الثالثة، و لعلنا نتكلّم فيه أيضا عند تعرّض المصنف له في أواخر الاستصحاب و أوائل التعادل و الترجيح.

ثم إنّ الحاكم قد يكون ناظرا إلى المحكوم بالتصرّف في الحكم دون الموضوع كما في حكومة أدلة الحرج و الضرر على سائر أدلة الأحكام، فإنّ الوضوء الحرجي أو الضرري مثلا وضوء قد رفع حكمه أي الوجوب، و قد يكون بالتصرّف في موضوع الدليل المحكوم و يتبعه الحكم، و هذا تارة يكون بتضييق دائرة موضوع المحكوم و أخرى بتوسيع الدائرة و تعميمها.

فالأول كما في حكومة الأدلة الاجتهادية على الأصول العملية فإنّ قوله (عليه السلام): صدّق العادل بمعنى ألغ احتمال الخلاف و كن متيقّنا لما أخبره غير شاك فيه، فقد دلّ على خروج مورد الخبر عن المشكوك جعلا و تنزيلا، و صار موضوع حكم الأصل مثل قوله كل مشكوك حكمه البراءة أو الاستصحاب مثلا أضيق دائرة و أقل أفرادا مما كان موضوعا في ظاهر دليل الأصل.

و الثاني كما في حكومة الأصول و الأمارات الموضوعية على الأدلة مثل ما لو شك في كون مائع خمرا أو خلا فباستصحاب الخمرية السابقة أو قيام البيّنة بكونه خمرا يحكم بتوسيع دائرة موضوع الدليل المحكوم أعني قوله (عليه السلام): اجتنب عن الخمر و تعميمه فكأنه قال: اجتنب عن الخمر و عن بعض ما

19

ليس بخمر و لكن قامت البيّنة على خمريّته أو كان مستصحب الخمرية، لكن لا يخفى أنّ هذا إنّما يتمّ على القول بأنّ الأحكام الظاهرية أحكام شرعية لا أنّها أحكام عذرية.

ثم لا يخفى أنّا لا نعني من توسيع دائرة الموضوع توسيع دائرة ما جعل موضوعا لفظا بأن يراد منه ما هو أعم مما يكون لفظ الموضوع ظاهرا فيه، بل المراد توسيع الموضوع بحسب لبّ المقصود و ذلك كما في أدلة التنزيلات صريحا كما إذا قال (عليه السلام): لا صلاة إلّا بوضوء ثم قال: التيمم وضوء لمن لم يتمكّن من استعمال الماء، فإنّ الثاني حاكم على الأول بتوسيع دائرة موضوع الشرط، لا بمعنى أن المراد من قوله (عليه السلام): لا صلاة إلّا بوضوء، لا صلاة إلّا بأحد الأمرين من الوضوء و التيمم بقرينة قوله (عليه السلام): التيمم وضوء، بل بمعنى أن الدليل الثاني يجعل التيمم أيضا من أفراد شرط تحقّق الصلاة في بعض الموارد، فيصير محصّل مجموع أصل دليل الشرط و دليل التنزيل أنّه لا صلاة إلّا بأحد الأمرين من الوضوء و التيمم.

و الحاصل أنّه يجعل في هذا القسم بعض ما ليس من أفراد موضوع الدليل المحكوم موضوعا لحكمه بواسطة ورود الدليل الحاكم، و هذا معنى تقديم الحاكم على المحكوم هاهنا، و هذا معنى قول المصنف في تحرير ما يراد من الحكومة في أواخر رسالة الاستصحاب، قال: و معنى الحكومة على ما يجي‏ء في باب التعادل و التراجيح أن يحكم الشارع في ضمن دليل بوجوب رفع اليد عما يقتضيه الدليل الآخر لو لا هذا الدليل الحاكم، أو بوجوب العمل في مورد بحكم لا يقتضيه دليله لو لا الدليل الحاكم‏ (1)، انتهى، فإنّ ترديده هذا ناظر إلى‏

____________

(1) فرائد الأصول 3: 314.

20

قسمي الحكومة من تضييق الدائرة و توسيعها فتدبّر.

فإن قلت: إنّ ما ذكرت من أنّ الحكومة قد تكون بالتصرّف في موضوع الحكم بجعل ما هو غير الموضوع موضوعا تنزيلا إنّما يتمّ على مذاق غير المصنف ممن يقول بأنّ الأحكام الوضعية مجعولة، و أما على مذاق المصنف المنكر لها فيرجع هذا القسم إلى القسم الأول، لأنّ جعل الموضوع عند المصنف لا معنى له إلّا ترتيب آثاره و هذا في قوّة جعل الحكم من الأول، فالتصرّف في الموضوع قد رجع إلى التصرّف في الحكم أيضا.

قلت: أولا: إنّ الحق المحقق في محلّه ثبوت الأحكام الوضعية في قبال الأحكام التكليفية.

و ثانيا: أنّ المصنف لا ينكر أنّ جعل الأحكام في هذا القسم بلسان جعل الموضوع و إن كان الغرض منه جعل الحكم، فثبت أنّ للحكومة قسمين: قسم يكون بالتصرّف في الحكم بلسان التصرف في الحكم، و قسم يكون بالتصرّف في الحكم بلسان التصرّف في الموضوع، و هذا المقدار كاف فيما أردنا في مقام التقسيم.

[حكومة «لا تعاد» على أدلة الأجزاء و الشرائط]

بقي شي‏ء: و هو أنّ قوله (عليه السلام): «لا تعاد الصلاة إلّا من خمسة» الخ‏ (1)، يمكن أن يكون حكومته على كل واحد من أدلة الأجزاء و الشرائط من قبيل رفع الحكم أعني الحكم الوضعي أي الجزئية، و يمكن أن يكون من باب رفع بعض مقتضيات الجزئية، و على الثاني يكون قسما رابعا غير الثلاثة المتقدمة.

____________

(1) الوسائل 7: 234/ أبواب قواطع الصلاة ب 1 ح 4.

21

بيان ذلك: أنّ معنى الحديث أنّه لا تعاد الصلاة من قبل فقدان جزء أو شرط مما اعتبر في الصلاة في حال النسيان إلّا من خمسة، و نسبته مع كل واحد من أدلة الأجزاء و الشرائط عموم من وجه، لأنّ دليل الجزء كالسورة مثلا يعمّ صورة العمد و النسيان، و قوله (عليه السلام): «لا تعاد» يعمّ السورة و غيرها، لكن الثاني حاكم على الأول و مقدّم عليه على ما فهمه الفقهاء و أفتوا على طبقه، إلّا أنّ وجه الحكومة يمكن أن يكون من باب رفع الجزئية بأن يقال: يفهم من قوله (عليه السلام): «لا تعاد الصلاة» أنّ الجزئية التي دلّ عليها دليل وجوب السورة قد ارتفعت في حال النسيان، و أنّ الصلاة بلا سورة تمام المأمور به في تلك الحالة، فلذلك لا تعاد الصلاة من قبل ترك السورة، و على هذا الوجه يكون محصّل المعنى من مجموع الحاكم و المحكوم أنّ طبيعة الصلاة لها نوعان: نوع مشتمل على السورة و هو تكليف الذاكر لها، و نوع فاقد للسورة و هو تكليف الناسي لها، و يمكن أن يكون من باب رفع بعض مقتضيات الجزئية و هو لزوم إعادة الصلاة بتركها في حال النسيان مع بقاء الجزء على وصف الجزئية في تلك الحال أيضا، و لازمه أنّ الآتي للصلاة بدون ذلك الجزء غير آت بالمأمور به أصلا، إلّا أنّ الشارع قد اكتفى بذلك عن المأمور به و حكم بصحّته شرعا و رضي بهذا الناقص بدلا عن تمام المأمور به في حال النسيان، و على هذا يكون ذلك قسما آخر من الحكومة غير الأقسام الثلاثة المتقدمة، و هو الأظهر من مفاد قوله (عليه السلام): «لا تعاد» إذ لا يزيد مفاده على عدم وجوب الإعادة بترك الجزء أو الشرط نسيانا، و أين هذا من رفع جزئية الجزء و شرطية الشرط، فإنّ ذلك يحتاج إلى دليل آخر مفقود في المقام، و لا يبعد أن يكون مفاد قوله (عليه السلام): «رفع عن أمتي تسعة: الخطأ و النسيان و ما لا يعلمون» إلخ‏ (1) أيضا

____________

(1) الوسائل 15: 369/ أبواب جهاد النفس ب 56 ح 1.

22

ذلك بناء على شموله للأحكام الوضعية كما هو الأظهر.

فإن قلت: كيف يحكم بصحّة الصلاة الفاقدة للجزء أو الشرط مع كونها غير مأمور بها بالفرض و الحال أنّ الصحّة بمعنى موافقة المأتي به للمأمور به؟

قلت: إنّ الصحّة العقلية بالمعنى الذي ذكرت لا نقول بها، بل نقول بالصحة الشرعية بالمعنى الذي ذكرنا و هو اكتفاء الشارع بهذا الناقص عن المأمور به.

و هذا الإشكال بعينه نظير ما أورد على قولهم بأنّ الجاهل مطلقا معذور في مسألة القصر و الإتمام و الجهر و الإخفات و لو كان مقصرا، فيقال إنّ الجاهل المقصّر بترك الجهر في مقام الجهر مثلا مكلّف بالجهر لا غير و معاقب على تركه، فكيف يحكم بصحة صلاته مع الإخفات مع أنّها غير مأمور بها.

و حلّه: أنّه يعقل أن يكون شي‏ء غير المأمور به مشتملا على بعض مصالح المأمور به بحيث لو أتى بذلك الشي‏ء لم يبق محلّ لاستدراك المأمور به فيسقط لذلك، و لهذا مثال في العقل كما إذا فرضنا أنّ المولى أمر عبده بقتل عدوّه بالسيف ثم قتله العبد بغير السيف فإنّه يصحّ للمولى أن يرضى بهذا من العبد بدلا عن القتل بالسيف، و إن كان فعله هذا فاقدا لبعض المصالح التي نشأ منها الحكم، لكن لمّا كان مشتملا على بعض تلك المصالح و قد فات المحل و لا يمكن تدارك مقدار المصلحة الفائتة اكتفى المولى بما فعله العبد و قبله بدلا عن المأمور به، و لا نعني بالصحة الجعلية و الشرعية إلّا هذا المقدار، فإذا كان هذا المعنى أمرا معقولا و ساعد عليه ظاهر الدليل نقول به، فاندفع الإشكال في المقامين و اللّه أعلم.

و بهذا الوجه تشبّث جماعة من متأخّري المتأخّرين من الأصوليين (قدس اللّه أرواحهم) في توجيه القول بالإجزاء في الأوامر الظاهرية بالنسبة إلى الواقع، فراجع و تدبّر.

23

ثم اعلم أنّ الدليل الحاكم قد يكون مخالفا للمحكوم كما في أدلّة الحرج و الضرر بالنسبة إلى الأدلة المثبتة للتكاليف عموما، و كما في الأدلة الاجتهادية المثبتة للتكاليف بالنسبة إلى الأصول العملية النافية، و قد يكون موافقا للمحكوم كما في الأدلة الاجتهادية النافية للتكليف بالنسبة إلى الأصول النافية، و كما في الأدلة المثبتة بالنسبة إلى الأصول المثبتة، و كما في استصحاب طهارة شي‏ء بالنسبة إلى استصحاب حلّيته، و لا ريب أنّ المتّبع هو الدليل الحاكم في القسم الثاني أيضا و إن كان لا يتفاوت الحكم لكن يثمر في الأمور الأخر كمقام المعارضة و غيره.

[الحكومة بين الأدلة و الاصول‏]

و اعلم أيضا أنّ كلا من الدليل الحاكم و المحكوم يمكن أن يكون من الأدلة الاجتهادية و يمكن أن يكون من الأصول العملية فهنا صور أربع:

الأولى: أن يكونا من الأدلة الاجتهادية و ذلك كما في أدلة الحرج بالنسبة إلى عمومات التكاليف.

الثانية: أن يكونا من الأصول و ذلك كما في حكومة الاستصحاب على سائر الأصول العملية و كما في حكومة الاستصحاب الموضوعي على الحكمي و الاستصحاب السببي على المسببي على ما بيّن في محلّه.

الثالثة: أن يكون الحاكم دليلا و المحكوم أصلا، و ذلك كما في الأدلة الاجتهادية بالنسبة إلى الأصول العملية.

الرابعة: أن يكون الحاكم أصلا و المحكوم دليلا و ذلك كما في الاستصحابات الجارية في الأجزاء و الشرائط بالنسبة إلى نفس أدلة الأجزاء و الشرائط بناء على أنّ مؤدّى الأصول أحكام ظاهرية، مثلا لو تيقّن الطهارة ثم شك فيها و استصحب الطهارة، فإن قلنا بأنّ الاستصحاب ليس حكما شرعيا بل‏

24

هو مجرّد عذر للمكلّف فإنّه لا يعارض دليل اشتراط الطهارة في الصلاة كقوله (عليه السلام): «لا صلاة إلّا بطهور» (1) فإن لم يتبيّن الحال فهو معذور و إن تبيّن فإنّه يعيد الصلاة، نعم تعارض هذا الاستصحاب قاعدة الاشتغال في الظاهر التي هي من الأصول أيضا، و أما إذا قلنا بأنّ الاستصحاب حكم شرعي ظاهري يفيد الإجزاء فإنه يعارض قوله (عليه السلام): «لا صلاة إلّا بطهور» في صورة كشف الخلاف، لأنّ مقتضى الشرطية عدم الإجزاء، و مثل هذا الاستصحاب حاكم على دليل الشرط فيقدّم عليه، و يرجع ذلك إلى توسيع دائرة حكم الشرطية على ما تقدّم بيانه، و يصير محصّل مفاد دليل الشرط بضميمة الاستصحاب أنّه يشترط في صحة الصلاة أحد الأمرين من الطهارة أو استصحابها.

[ضابط الحكومة عند الشيخ الأنصاري (قدس سره)‏]

ثم اعلم أنّ للمصنف كلامين في ضابطة الحكومة في أول رسالة التراجيح لا يخلو كل منهما عن النظر:

أحدهما: أنه بعد ما بيّن معنى الحكومة و هو أن يكون أحد الدليلين ناظرا إلى الآخر متعرّضا له مفسّرا له و ذكر الفرق بين التخصيص و الحكومة قال: فهو يعني الحاكم تخصيص بعبارة التفسير.

و فيه: أنه قد مرّ سابقا أنّ الحكومة تعمّ ذلك و التقييد، و ما يرجع إلى التخصيص إذا كان مفاد الحاكم خروج بعض أفراد الموضوع عن الموضوع تنزيلا، و ما إذا كان بلسان توسيع الدائرة، و ما إذا كان بلسان رفع بعض آثار الموضوع فتذكّر، فالحق كما مرّ سابقا ما ذكره في أواخر رسالة الاستصحاب من قوله: و معنى الحكومة على ما سيجي‏ء في باب التعادل و التراجيح أن يحكم‏

____________

(1) الوسائل 1: 315/ أبواب أحكام الخلوة ب 9 ح 1.

25

الشارع بوجوب رفع اليد عما يقتضيه الدليل الآخر لو لا هذا الدليل الحاكم، أو بوجوب العمل في مورد بحكم لا يقتضيه دليله لو لا الدليل الحاكم و سيجي‏ء توضيحه‏ (1) انتهى، فإنّه ينطبق على جميع الأقسام الأربعة التي ذكرناها سابقا.

نعم يرد عليه أنه أحال بيان هذا المعنى على باب التعادل و التراجيح و الحال أنه لم يذكر هناك غير القسم الأول، و حينئذ فما يقال إنّ الشق الثاني من الترديد من العبارة الواقعة في ذيل الاستصحاب لا معنى له، و ليس ذلك من الحكومة بل من التنزيلات مستشهدا بعدم التعرض له في باب التعادل و التراجيح، فيه ما لا يخفى.

و ثانيهما: أنه ذكر في ضابط الحكومة أنه لو فرض أنّه لم يرد من الشارع حكم بالدليل المحكوم لم يكن مورد للدليل الحاكم و كان لغوا.

و فيه: أنّ ذلك إنما يتم في الحكومة القصدية و أما في الحكومة القهرية كما في حكومة الأدلة الاجتهادية على الأصول العملية و كما في حكومة الاستصحاب السببي على المسببي فليس كذلك جزما، فإنّه لو لم يرد من الشارع حكم للشك و لم يجعل الأصول بالمرة لكانت الأدلة مثبتة لمؤدّاها كما هي عليه من غير تفاوت، و كذا الكلام في الاستصحاب الحاكم، و لعلّه لذلك كلّه قد ضرب على هذه العبارة في بعض النسخ المتأخّرة خط المحو، هذا.

و قال المصنف هناك أيضا في بيان الفرق بين الحكومة و التخصيص: إنّ كون التخصيص بيانا للعام بحكم العقل الحاكم بعدم جواز إرادة العموم مع العمل بالخاص و الحكومة بيان بلفظه للمراد و مفسّر له، و ذكر في بيان الثمرة بين التخصيص و الحكومة ما حاصله: أنّ الحاكم يقدّم على المحكوم و لو كان أضعف‏

____________

(1) فرائد الأصول 3: 314.

26

منه بمراتب بخلاف الخاص فإنّه لا يقدّم على العام إلّا إذا كان أقوى دلالة من العام.

و فيه: أيضا نظر، لأنّا لو فرضنا أنّ الدليل الحاكم كان عاما قابلا للتخصيص من حيث مدلوله التفسيري كالمحكوم فلا وجه لتقديمه إلّا من حيث قوة الدلالة كما هو كذلك في قوله تعالى: (ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) (1) الحاكم على أدلة الأحكام بالفرض، فإنّه قابل لأن يخصص و يقال إلّا الحج، و حينئذ لو فرض أنّ عموم دليل وجوب الحج كان أقوى بالنسبة إلى شموله لأفراده الحرجية لغلبتها مثلا من عموم دليل رفع الحرج حتى بملاحظة كونه ناظرا إلى الأدلة كان مقدّما البتّة، بل نقول إنّ جهة كون الدليل الحاكم ناظرا إلى المحكوم تابع لمدلوله الذي هو بيان أصل الحكم، فإن كان أصل الحكم عاما فنظره أيضا كذلك، و إن كان خاصّا فهو أيضا خاص، فإن كان المحكوم أقوى دلالة من الحاكم بحسب أصل الحكم فيقدّم على مدلول الدليل الحاكم و تتبعه جهة ناظرية الحاكم يعني أنه ناظر بمقدار مدلوله عاما أو خاصا، و قد تقدّم بيان هذا المطلب عند تعرّضنا لقاعدة الحرج ببيان أوفى في ثالث مقدّمات دليل الانسداد فراجع.

ثم إنّ الحاكم قد يكون أخصّ مطلقا من المحكوم فيكون تقديمه على المحكوم من وجهين كونه خاصا و كونه حاكما كما لو قال: أكرم العلماء، و قال:

لا تكرم فسّاقهم و نحو ذلك، و يثمر ذلك فيما لو لم تكن جهة الحكومة لم تكن أخصّيته منشأ للتقديم و ذلك كما لو قال: أكرم العلماء و قال: لا تكرم زيدا و تردد زيد بين زيد العالم و زيد الجاهل و علم من السياق أو غيره أنه بصدد شرح العامّ‏

____________

(1) الحج 22: 78.

27

و تفسيره، فمن حيث حكومة الخاص و نظره يرتفع الإجمال عن الخاص و يعلم أنّ المراد زيد العالم و يخصص به العام، و لو لم يكن جهة الحكومة كان الأمر بالعكس أعني يحكم برفع إجمال الخاص ببيان العام، و أنّ المراد من الخاص زيد الجاهل لكي لا يلزم التخصيص على ما حققه المصنف في مواضع عديدة أو يتوقّف كما ذهب إليه آخرون.

إذا تمهّد ذلك فنقول: إنّ في تقديم الأدلة الاجتهادية على الأصول العملية وجوها أشار إليها في المتن: الورود و التخصيص و الحكومة، و التفصيل بين الأصول فالورود في بعض و الحكومة في بعض آخر.

[تقرير حكومة الأدلة على الاصول من وجوه‏]

و اعلم أنّ الحكومة يقرر في المقام بوجوه:

الأول: ما يظهر من المصنف في مواضع و هو أنّ الدليل الاجتهادي بملاحظة الدليل الدال على حجيته حاكم و رافع لموضوع الأصل بنحو من التنزيل، و معناه رفع آثار الموضوع و الأحكام المجعولة لذلك الموضوع، مثلا دليل حجية الخبر كقوله (عليه السلام): صدّق العادل رافع لموضوع الأصول المجعولة تنزيلا بمعنى رفع حكمها، لأنّ معنى تصديق العادل أخذ قوله على أنّه الواقع حقيقة و إلغاء احتمال الخلاف، بل إلغاء الشك بمعنى إلغاء حكم الشك أي ما كان مجعولا له من مقتضى الاستصحاب أو الاحتياط أو البراءة أو غير ذلك، فكأنّه قال بقوله: صدّق العادل، ارفع اليد عن مقتضى الأصول في مورد خبر العادل، هذا غاية التوجيه لهذا التقرير.

و فيه:

أوّلا: النقض بأنّ من الأصول ما هو كذلك أعني لسان دليله كدليل الأمارة

28

كالاستصحاب فإنّ قوله (عليه السلام): «لا تنقض اليقين» (1) أيضا معناه كن كما أنّك متيقّن باليقين السابق و خذ الاحتمال الموافق له و ألغ احتمال خلافه، و لازمه عدم تقديم الأدلة عليه و يكون معارضا لها.

فإن قلت: فرق بينهما من حيث إنّ الشك مأخوذ في موضوع دليل الاستصحاب بخلاف دليل الأمارة، ففي دليل الاستصحاب كأنه قال: إذا شككت فابن على الحالة السابقة و كن كأنك متيقّن بها، و في دليل الأمارة يقول إنّ مؤداها هو الواقع فلا تشك فيه يعني ألغ حكم الشك كالاستصحاب و غيره، فكأنه في دليل الأمارة قال لا تعمل بالاستصحاب لأنّه حكم الشاك و أنت مصيب للواقع، و هذا بخلاف دليل الاستصحاب فإنّه بلسانه لا يقول لا تعمل بالأمارة.

قلت: ليس كذلك بل موضوع الأمارة أيضا الشك، لأنّ حجية خبر الواحد مثلا ليست للعالم البتّة بل هو حكم الشاك كالاستصحاب، غاية الأمر أنّه لم يصرّح في دليله بأنّ الموضوع الشك و في الأصل مصرّح به، و هذا المقدار لا يوجب الفرق بعد كون الموضوع هو الشاك في اللب و الواقع، و قد اعترف المصنف بذلك حيث وجّه صحّة إطلاق الخاص على الدليل و العام على الأصل.

و أيضا يشهد على أنّ موضوع الأصل و الأمارة متّحد و هو الشاك ما نقلنا عن المصنف سابقا من قوله: إنه يعتبر في دليلية الدليل أن يكون ناظرا إلى الواقع، و كان اعتباره بملاحظة كونه ناظرا، فإن لم يكن المجعول ناظرا إلى الواقع، أو كان و لم يكن جعله من حيث إنّه ناظرا إلى الواقع يكون أصلا، فعلى هذا مثل صدّق العادل دليل إن كان اعتباره بملاحظة كشفه عن الواقع، و أصل إن‏

____________

(1) الوسائل 1: 245/ أبواب نواقض الوضوء ب 1 ح 1 و غيره.

29

كان اعتباره لا بهذه الملاحظة، لا فرق بينهما من غير هذه الجهة لا في الموضوع و لا في غيره.

فإن قلت: سلّمنا أنّ الموضوع واحد لكن الفرق باعتبار الحيثية فيقال: إنّ المستفاد من دليل الأمارة أنّ الأمارة الفلانية مؤدّاها هو الواقع فلا تشك فيه من حيث إنّك مدرك للواقع يعني لا ترتّب أحكام الشك، و المستفاد من دليل الأصل أنّ مقتضى الأصل الفلاني حكم عملك فلا تشكّ في أنّه كذلك في حكم العمل، و هذا لا يعارض الأول بل مرتبته متأخّرة عنه، لأنّ من يعرف الواقع و لو تنزيلا يعرف حكم عمله و لا يشك فيه.

قلت: لو سلّمنا ذلك كله نقول: إنّه يرجع إلى بعض الوجوه الآتية في تقرير الحكومة و لا يكون هذا توجيها لتقرير المصنف كما لا يخفى، هذا مع أنّه على هذا التقرير أيضا يبقى التعارض كما سيأتي بيانه إن شاء اللّه تعالى.

و ثانيا: بالحل، بمنع كون خطاب صدّق العادل بصدد بيان إلغاء حكم الشك.

فإن قلت: سلّمنا أنه ليس بصدد بيان إلغاء الشك و حكمه، و ذلك منع للحكومة القصدية لا الحكومة القهرية التي قد سبق توجيهها و اختيارها في المقام فإنّها كافية في المطلب، فيلزم من قوله (عليه السلام): صدّق العادل إلغاء الشك قهرا و إن لم يقصده المتكلم و بقي توجيه الحكومة بحاله.

قلت: نمنع أن يكون لازم قوله (عليه السلام): صدّق العادل ألغ الشك حتى يكون في قوّة ألغ أحكام الشك، بل إنّما يكون صدّق العادل في مقام تثبيت مؤدى قول العادل و لازمه إلغاء الاحتمال المخالف لقوله لا إلغاء الشك و التردد بين الاحتمالين ليرتفع أحكامه.

30

فإن قلت: إنّ إلغاء احتمال الخلاف يستلزم إلغاء الشك أيضا قهرا و يتمّ به المطلوب.

قلت: إنّ إلغاء الشك بهذا المعنى اللازمي لا يفيد إلّا رفع الأحكام العقلية الثابتة للشك كالتوقف و التخيير و الاحتياط و البراءة العقلية و نحوها لا الأحكام التعبدية المجعولة للشك كالاستصحاب و البراءة الشرعية و نحوهما.

فإن قلت: إنّ الحكم بإلغاء الشك الذي يستفاد من قوله (عليه السلام):

صدّق العادل مطلق، فيكون معناه إلغاء أحكام الشك مطلقا العقلية منها و الشرعية فما وجه التخصيص؟

قلت: وجه التخصيص أنّ العموم و الخصوص فيما يستتبع مدلول الكلام قهرا تابع لأصل المدلول إن عاما فعام و إن خاصا فخاص، و هذا نظير ما يقال في جواب من استدلّ على كون الأمر للدوام أو الفور بأنّ الأمر بالشي‏ء يدل على النهي عن ضدّه، و لمّا كان النهي مفيدا للتكرار و الفور يكون الأمر بالنسبة إلى الضد الآخر الذي هو المأمور به أيضا كذلك، فإنّ ذلك يجاب بأنّ النهي الذي يستفاد من الأمر بالالتزام تابع له إن دائما فدائم و إن في وقت ففي وقت، فلا يمكن أن يراد من قوله: أزل النجاسة ساعة لا تصلّ دائما بل معناه لا تصلّ ساعة و اشتغل تلك الساعة بالإزالة.

و كذلك نقول فيما نحن فيه فإنّ قولنا ألغ الشك المستفاد من قوله: صدّق العادل تابع لمفاد صدّق العادل، فإذا أخبر عادل بموت زيد فمعنى تصديقه تثبيت قوله و إلغاء احتمال خلافه من حيث كونه تثبيتا لقوله، و إلغاء أحكام الشك أيضا من حيث كونه تثبيتا له لا من حيث كونه موضوعا لحكم تعبّدي حتى يحكم بارتفاع ذلك الحكم أيضا كاستصحاب الحياة مثلا.

31

الثاني من وجوه تقرير الحكومة: ما حكاه السيد الأستاذ (دام بقاه) عن أستاذه حجة الإسلام الميرزا الشيرازي (طاب ثراه) أنّ دليل حجية الأدلة الاجتهادية ينزّلها منزلة العلم، فكما أنّه بوجود العلم ينتفي موضوع الأصول تحقيقا كذلك بوجود ما هو منزّل منزلة العلم ينتفي موضوع الأصول تنزيلا، و هذا هو الحكومة على ما مرّ بيانه.

و الفرق بينه و بين التقرير الأول أنّ التنزيل في الوجه الأول بالنسبة إلى مؤدّى الأدلة منزلة الواقع، و في هذا الوجه نزّل الطريق المجعول منزلة الطريق الواقعي المنجعل، و لذا لا يحتاج هذا الوجه إلى توسيط مقدمة إلغاء احتمال الخلاف و إلغاء الشك.

فإن قلت: إنّ هذا الوجه في بيان أصل دليل حجية الأدلة الاجتهادية في نفسه فاسد فضلا عن بيان تصحيح وجه الحكومة به، لأنّ الغرض من جعل الطريق ليس إلّا الأخذ بمؤدّاه من الأحكام الشرعية، و لا يمكن إثبات الأحكام التي هي مؤدى الأدلة بتنزيل شي‏ء منزلة العلم، لأنّ ثبوت المؤدّى ليس من الآثار الشرعية للعلم بل من الآثار العقلية، و قد تقرّر في محلّه أنّه لا يمكن إثبات ما يترتب على المجعولات الشرعية إلّا الآثار الشرعية القابلة للجعل لا الآثار العقلية و العادية غير القابلة للجعل و لا الآثار الشرعية المترتبة عليها، نعم لو كان العلم موضوعا لحكم أمكن ترتيب ذلك الحكم عليه لأنّه أثره الشرعي، لكنه غير المؤدّى الذي نتكلّم عليه.

قلت: يمكن أن يجاب عنه بوجهين:

الأول: أنّ أدلة حجية الأدلة تفيد أمرين: أحدهما تنزيل الطريق منزلة العلم و الآخر تنزيل المؤدّى منزلة الواقع، لكن هذا الوجه بعيد.

32

الثاني: أن يقال بالتزام إطلاق أدلة حجية الأدلة بالنسبة إلى الآثار العقلية و العادية أيضا كالشرعية، و بيان ذلك يحتاج إلى تمهيد مقدمة، و هي أنّ المصنف يقول بعدم حجية الأصول المثبتة من جهة عدم المعقولية، لأنّ الآثار العقلية و العادية من حيث هما هما غير قابلة للجعل، و أما الآثار الشرعية المترتبة عليهما بواسطة أو بوسائط فإنّها أيضا لا يمكن ترتيبها، لأنّها إن ترتّبت بدون ثبوت موضوعها فإنّه لا يمكن، و إن أريد ترتّبها مع إثبات موضوعها فقد عرفت أنّ الآثار غير الشرعية التي هي موضوعها لا يمكن إثباتها بالجعل.

و هذا الوجه في ردّ الأصول المثبتة غير مرضيّ، إذ لا مانع من جعل الآثار العقلية و العادية بمعنى إثباتها تنزيلا لغرض ترتيب الآثار الشرعية المترتبة عليها و لو بوسائط، و هذا بعينه كالاستصحابات الموضوعية كحياة زيد و عدالته و نحو ذلك فإنه لا يمكن إثباتهما تكوينا بل تنزيلا لغرض ترتيب آثارهما الشرعية، بل نقول: لو لم يمكن ترتيب الآثار العقلية لعدم القابلية لم يمكن ترتيب الآثار الشرعية أيضا، لأنّ الدليل الدال على إبقاء ما كان مثلا لا يدل على جعل حكم جديد، بل المراد إبقاء الحكم الأوّلي تنزيلا، و أما بالنسبة إلى الواقع فهو كما هو عليه لا يتغيّر.

بل الوجه المرضي هو ما أشار إليه المصنف في أواخر أصل البراءة من أنّ أدلة حجية الأصول قاصرة لإثبات الآثار التي لا يترتّب على نفس المورد بل بواسطة ترتّب شي‏ء آخر. و بعبارة أخرى: لا تثبت إلّا الآثار بلا واسطة، و لا إطلاق لها حتى تثبت الآثار مع الواسطة، فعدم اعتبار الأصول المثبتة من جهة قصور دليلها عن ذلك لا وجود مانع عنه من جهة عدم المعقولية أو غيره، و حينئذ نقول: إنّ أدلة حجية الأمارات مطلقة تثبت جميع الآثار الشرعية و غيرها بلا واسطة أو مع الواسطة، و بهذا يفرّق بين أدلة الأصول و الأمارات.

33

فإن قيل: لازم هذا البيان عدم جواز ترتيب الآثار الشرعية المترتبة على الآثار الشرعية أيضا في الأصول لمكان الواسطة.

قلنا: يمكن دفع ذلك، إما بأن يدّعى انصراف الدليل عن خصوص الآثار المترتبة على الآثار العقلية و العادية دون الشرعية، و إما بأنّ ذلك من لوازم الحكم المثبت في نفسه قهرا و إن لم يكن الدليل بصدد إثباته، انتهى ما حكى عنه.

و فيه:

أوّلا: أنّ هذا المعنى الذي ذكر خلاف ظاهر أدلة حجية الأمارات، فإنّ الظاهر منها اعتبارها من حيث إنّها كاشفة عن الواقع، يعني أنّ مؤدّاها واقع تنزيلا كما لا يخفى على من راجعها.

و ثانيا: أنّ ما ذكره أوّلا في جواب ما أورده على نفسه من تعدد الجعل غير واضح، لأنّه إن أراد من جعل الدليل و تنزيله منزلة العلم بعد جعل مؤدّاه منزلة الواقع جعل الدليل توصّلا إلى المؤدّى فهو لغو محض، لأنّ أحد الجعلين مغن عن الآخر، هذا إن قلنا بأنّ الأحكام الوضعية و منها الطريقية في المقام مجعولة، و أما إذا قلنا بالعدم فيلزم تحصيل الحاصل، إذ لا معنى لجعل الطريق على هذا إلّا جعل المؤدى فتدبّر.

و إن أراد جعل الطريق منزلة العلم لترتيب آثار العلم و جعل المؤدى منزلة الواقع للأخذ به و العمل عليه، فهذا و إن لم يلزم منه محذور اللغوية لكنه استعمال اللفظ في أكثر من معنى، نعم يمكن تصويره بوجه آخر لا يلزم ذلك بأن يجعل معنى جامعا يشمل الجهتين كأن يقول: نزّل الدليل منزلة العلم في جميع ما يكون حال العلم سواء كان نفس ترتيب المؤدى أو الآثار المترتبة على العلم.

و ثالثا: أنّ دعوى إطلاق التنزيل في مثل صدّق العادل بالنسبة إلى آثار

34

العلم و ترتيب المؤدى دون مثل لا تنقض اليقين تحكّم، فكما تقول إنّ معنى صدّق العادل اجعل قول العادل بمنزلة العلم في جميع الآثار، نقول إنّ معنى لا تنقض اليقين كن متيقّنا بالنسبة إلى جميع آثار اليقين حرفا بحرف إن لم نقل إنّه أظهر في هذا المعنى.

فإن قلت: فرق بينهما من جهة أنّه لا بدّ أن نحمل «لا تنقض اليقين» على معنى لا تنقض المتيقّن أو لا تنقض آثار اليقين، ضرورة انتقاض اليقين الواقعي بالوجدان، و هذا بخلاف مثل صدّق العادل.

قلت: لا حاجة إلى هذا التأويل في قوله (عليه السلام): «لا تنقض اليقين» بل المراد عدم نقض نفس اليقين و لكن تنزيلا لا تحقيقا حتى يكون مخالفا للوجدان، و إن أريد لا تنقض آثار اليقين فالأمر أوضح.

و رابعا: أنّ معنى جعل الطريق و تنزيله منزلة العلم ليس إلّا جعله من حيث إراءة الواقع و أنّ سلوكه موصل إلى الواقع تنزيلا، لا من حيث إنّه موضوع من الموضوعات، و حينئذ يرجع هذا التقرير إلى التقرير الأول و يرد عليه ما يرد عليه، نعم فرق بينهما من جهة أنّ المجعول بالأصالة على التقرير الأول نفس المؤدى منزلة الواقع و على التقرير الثاني نفس الطريق للوصول إلى المؤدى، و لا يتفاوت ذلك فيما نحن بصدده من جهة كيفية الحكومة.

و مما يرد على هذا التقرير: لزوم ترتب جميع الأحكام التي أخذ العلم في موضوعها على الأدلة الاجتهادية، إذ المفروض أنّها علم في حكم الشارع، و لا أظن القائل يلتزمه.

التقرير الثالث و هو المختار: أن يقال- بعد ما عرفت في صدر المبحث أنّ المراد بالدليل كل ما اعتبره الشارع من حيث إنّه ناظر إلى الواقع و كاشف عنه،

35

و لو كانت هذه الحيثية أيضا جعلية بتعبّد الشارع على ما مرّ بيانه، و المراد بالأصل كل ما اعتبره الشارع حكما للعمل من غير نظر إلى الواقع- إنّ الدليل بنفسه مع قطع النظر عن لسان دليل اعتباره ناظر بالنظر القهري دون القصدي إلى الأصول العملية، لأنّ مفاده كون مؤدّاه نفس الواقع واقعا بحكم الشارع، و من عمل به عمل بالواقع و من أدركه فقد أدرك الواقع في حكمه، و من أدرك الواقع لا بدّ له أن لا يعمل بالأصل الذي لا يوصل إلى الواقع، لا أقول إنّ موضوع الأصول هو الشك في الحكم أعمّ من الواقعي الحقيقي أو التنزيلي حتى يرتفع الموضوع بورود الدليل و يكون ذلك من باب الورود، بل الموضوع هو الشك في الحكم الواقعي الأوّلي كما أنّ موضوع الدليل أيضا هو ذلك، بل أقول إنّ الدليل الاجتهادي إنّما يرد ناظرا إلى حكم ذلك الموضوع ذاك الحكم الذي جعل لا من حيث كشفه عن الواقع، فيكون مخصصا لدليل حكم الأصل بلسان الحكومة، فيصير محصّل مفاد دليل الأصل بعد ملاحظة هذا المطلب أنّ حكم الشاك أن يعمل على كذا إلّا إذا أدرك الواقع التنزيلي بحكم الشارع.

و قد ظهر مما ذكرنا أنّه لا فرق بين ما لو أخذ الشك في موضوع دليل الأصل في لسان الشارع صريحا كأن يقول: إذا شككت فابن على الحالة السابقة مثلا و عدمه، و كذا بين ما أخذ لفظ الشك في دليل حجية الأدلة كأن يقول: إذا شككت فاعمل بقول العادل و عدمه، لأنّ المناط أنّ الحاكم ناظر إلى الواقع و كاشف عنه، و هذا المعنى لا يختلف باختلاف التعبيرات، و من هنا نقول إنّ قوله (عليه السلام): «الشاك من الإمام و المأموم يرجع إلى الذاكر منهما» (1) حاكم على قوله (عليه السلام): «إذا شككت فابن على الأكثر» (2) لأنّ الأول قد

____________

(1) ورد مضمونه في الوسائل 8: 421/ أبواب الخلل في الصلاة ب 24 ح 8.

(2) الوسائل 8: 212- 213/ أبواب الخلل في الصلاة ب 8 ح 1 و 3 (باختلاف يسير).

36

اعتبر من حيث كشفه عن الواقع بخلاف الثاني فإنّه مجرد حكم العمل كما فهمه الفقهاء و أفتوا به.

فإن قلت: هذا التقرير أيضا لا ينفع، لأنّ دليل حجية الأمارة يعارض دليل اعتبار الأصل في عرض واحد، فإنّ دليل اعتبار الأصل يقول مثلا: إذا شككت فاعمل بالحالة السابقة و دليل حجية الأمارة يقول: إذا شككت فحصّل الواقع بقول العادل أو البيّنة، فلا جرم يتعارضان و يناسبه الحكم بالتخيير.

قلت: ليس كذلك، بل دليل حجية الأمارة يقول: إنّ الواقع في حكمي هو قول العادل، و إن كنت شاكّا بحسب الوجدان فلست بشاك في حكمي بل أنت مدرك للواقع بقول العادل، فهو حكمك لا حكم الشاك، و بهذا يحصل الحكومة.

و كيف كان، فقد عرفت أنّ الصحيح من تقرير حكومة الأدلة الاجتهادية على الأصول العملية هو التقرير الثالث السالم عما يرد على التقريرين الأوّلين، و لا يبعد أن يكون التقرير الأول و هو مختار المصنف راجعا إلى الثالث بنحو من التمحل، فليتأمّل.

[تقرير ورود الأدلة على الاصول من وجوه‏]

و أما تقرير الورود فهو أيضا يمكن بوجوه:

الأول: أن يقال إنّ الشك الذي هو موضوع للأصول الشرعية أعم من الشك بالنسبة إلى الحكم الواقعي أو الحكم الظاهري، مثلا قوله (عليه السلام):

إذا شككت فابن على الحالة السابقة معناه أنّه إذا شككت في مطلق الحكم الشرعي أعم من الواقعي أو الظاهري فابن على الحالة السابقة، و بعبارة أخرى إذا تحيّرت في أحكام الشارع و انسدّ الطريق عليك بكلّ وجه فاعمل بالحالة السابقة، كما أنّ الشك الذي هو موضوع الأصول العقلية كأصالة البراءة العقلية و أصالة التخيير و الاحتياط كذلك جزما كما لا يخفى، و من المعلوم أنّه بعد ورود

37

الدليل الظنّي يزول الشك بهذا المعنى و يرتفع التحيّر الذي هو موضوع الأصل تحقيقا.

الثاني: أن يقال إنّ العلم الذي جعل في أدلة الأصول غاية لحكم الشك أعمّ من العلم الوجداني و العلم الشرعي التنزيلي الحاصل من الأدلة الظنية، و هذا التقرير قريب من الأول لأنّ لازم كون الشك المأخوذ في الموضوع أعمّ كون العلم المأخوذ غاية أيضا أعم و بالعكس، نعم يفرّق بينهما بأولية الاعتبار و ثانويته، فإن جعلت الموضوع أعم تتبعه أعميّة الغاية، و إن جعلت الغاية أعم تتبعه أعمية الشك المأخوذ موضوعا.

و مما يشهد للتقرير الثاني بل الأول أيضا لرجوعه إليه، أنّ اليقين المأخوذ غاية في الاستصحاب أعم من اليقين الحقيقي بدليل أنّ اليقين المستصحب أعم، فإنّ من حكم بطهارة هذا الماء أو الثوب مثلا بقول البيّنة ثم شك بعد ذلك في عروض النجاسة له يجري الاستصحاب أعني استصحاب الطهارة مع أنه لم يكن متيقّنا باليقين الوجداني، و يبعد كلّ البعد أن يكون اليقين الذي جعل غاية بمعنى آخر سيّما بملاحظة قوله (عليه السلام): لا تنقض اليقين إلّا بيقين مثله‏ (1) فلا جرم يكون اليقين الثاني مماثلا لليقين الأول في العموم و الخصوص.

الثالث: أن يقال إنّ دليل اعتبار الأصول قاصر الشمول لمورد وجود دليل اجتهادي على خلافه أو وفاقه، و لا إطلاق له بحيث يحتاج في الخروج عنه إلى دليل، و ذلك بدعوى أنّ في طريقة العقلاء في أحكام الموالي و العبيد أنّهم إذا جعلوا حكما للعمل في مقام الشك يريدون به حكم صورة فقد الأمارات المنصوبة لتحصيل الواقع، و حينئذ نقول إنّ الشارع أيضا يجري مجرى العقلاء

____________

(1) ورد مضمونه في الوسائل 1: 245/ أبواب نواقض الوضوء ب 1 ح 1 و غيره.

38

في طريقتهم في الجعل و يتكلّم بلسانهم و ليس له طريقة خاصة في جعله و إلّا لبيّنها و نبّه عليها، فإذا كان دليل اعتبار الأصول قاصر الشمول لمورد الأدلة لا جرم تقدّم الأدلة عليها لتأخّر مرتبتها عن الأدلة، و مثل هذا الورود قد يوجد في بعض الأدلة بالنسبة إلى بعض آخر كما أشار إليه المصنف في رسالة الاستصحاب في حجية الغلبة أو الاستصحاب بناء على حجيته من باب الظن، فإنّهما دليلان حيث لا دليل غيرهما و لا يعارضان سائر الأدلة (1).

و يؤيد هذا الوجه أعني وجه الورود دون التخصيص و الحكومة جملة من أخبار أدلة الأصول:

منها: رواية مسعدة بن صدقة: «كل شي‏ء لك حلال حتى تعرف أنّه حرام- إلى قوله (عليه السلام)- و الأشياء كلها على هذا حتى يستبين غير هذا أو تقوم به البينة» (2) حيث جعل الغاية أحد الأمرين من الاستبانة أو قيام البيّنة، فإن لم نقل بكون الاستبانة أعم من الاستبانة بالعلم أو بالدليل المعتبر فعطف قيام البيّنة عليه كاف في المطلوب.

و منها: مرسلة الصدوق: «كل شي‏ء مطلق حتى يرد فيه نهي» (3)، فإنّ ورود النهي أعمّ من الورود العلمي أو ما هو بمنزلة العلم في الاعتبار فكأنّه قال (عليه السلام): كل شي‏ء مطلق حتى يرد فيه دليل معتبر.

و منها: غير ذلك مما جعل الغاية مجي‏ء شاهدين.

____________

(1) أقول: في الحقيقة يرجع هذا الوجه إلى الوجه الأول لأنّه يصير على هذا موضوع الأصل كل شكّ لم يقم على أحد طرفي احتماله دليل تعبدي من قبل المولى أو الشارع، و لو جعل هذا الوجه بيانا للوجه الأول كان أنسب فتدبّر.

(2) الوسائل 17: 89/ أبواب ما يكتسب به ب 4 ح 4 (مع اختلاف يسير).

(3) الوسائل 27: 173/ أبواب صفات القاضي ب 12 ح 67.

39

[تقرير التخصيص من وجوه‏]

و أما تقرير التخصيص فبوجهين: بيان أوّلهما يحتاج إلى تمهيد مقدمة، و هي أنّ المعارضة التي تلاحظ بين الأدلة و الأصول إنّما هي بين نفس الدليل و دليل الأصل لا بين دليل الدليل و دليل الأصل و لا بين نفس الدليل و نفس الأصل، و وجه ذلك أما أنّ في جانب الأصول يلاحظ دليلها فلأنّه على التحقيق ليس الأصل إلّا القاعدة المستفادة من دليله، و الأصول الجزئية الجارية في مواردها مصاديق تلك القاعدة مثلا تقول: إنّ الاستصحاب الذي نجعله دليلا لحكم العمل في الموارد هو عين مفاد لا تنقض اليقين و الاستصحابات الجزئية مصاديقه، لا أنّ الاستصحاب دليل و قوله (عليه السلام): «لا تنقض» دليل الدليل و هذا واضح.

و أما في جانب الأدلة فنفس الدليل كقول العادل مثلا يجب كذا و يحرم كذا يعارض ما يقابله من الأصول لا دليله مثل صدّق العادل، كيف و لو كان كذلك لزم أن يكون صدّق العادل باعتبار شموله لخبر «لا تنقض اليقين» و خبر «كل شي‏ء حلال» معارضا لنفسه باعتبار شموله للأخبار المثبتة للأحكام.

إذا تمهّد ذلك فنقول: إذا لاحظنا عمومات أدلة أصالة البراءة و الاستصحاب و الاحتياط مع كل واحد واحد من الأدلة الخاصة الواردة في إثبات أحكام خاصة في موارد خاصة مثل وجوب كذا و حرمة كذا نجد أنّ موارد الأدلة أخصّ مطلقا من موارد الأصول فنخصصها بموارد الأدلة، لكن هذا الوجه لا يتم كلية، إذ قد يكون مورد الدليل أيضا أعم من مورد الأصل من وجه كما إذا قال: أكرم العلماء و كان بعضهم محرّم الإكرام في السابق دون بعض، ففي المثال يكون إكرام العلماء أعم من دليل الاستصحاب من جهة شموله لغير الفرد الذي يجري فيه الاستصحاب، كما أنّ الاستصحاب أعم من هذا الدليل لشموله سائر الموارد، و لا يمكن أن يقال بتتميم المطلب بالإجماع المركّب فإنّه لم‏

40

يفصّل أحد بين موارد العموم المطلق و من وجه في تقديم الأدلة على الأصول، لأنّا لا نشك في تقديم الأدلة على الأصول و إنّما الإشكال في وجه التقديم و سرّه و إلّا فأصل التقديم إجماعي و الإجماع المركّب لا تعرّض له لسرّ التقديم كما لا يخفى.

الثاني من وجهي التخصيص: أن يقال: سلمنا أنّ النسبة بين عموم الأصول و عموم الأدلة عموم من وجه من جهة فرض التعارض بين أدلة الأصول و أدلة الأدلة، لكن مع ذلك يجب تخصيص أدلة الأصول بالأدلة، إذ لا يجوز العكس من جهة لزوم اللغوية في جعل الدليل حجة على تقديره.

بيان ذلك: أنّه لو خصصنا عموم أدلة الأصول بغير مورد وجود الدليل لكان ذلك تخصيصا مقبولا، و أما لو خصّصنا حجية الأدلة بغير موارد الأصول المخالفة لها لكان العام المتكفّل لحجية الأدلة لغوا، لأنّ ما يبقى تحت العام بعد التخصيص إما أن يكون موافقا لأحد الأصول الثلاثة من البراءة أو الاستصحاب أو الاحتياط أو يكون في موارد التخيير، ففي الأول لا حاجة إلى الدليل لإمكان الغنى عنه بجعل الأصول، و موارد التخيير و إن لم يكن جعل الدليل في تلك الموارد لغوا إلّا أنّها في غاية الندرة و لقلّتها في حكم العدم، لا يخرج إيراد العام عن اللغوية لأجلها.

فإن قلت: لم لا نقول بجريان حكم التعارض بينهما فتارة نقدّم الأصل على الدليل لمرجّح و تارة بالعكس لمرجّح آخر، و يندفع بهذا محذور اللغوية.

قلت: لا وجه للترجيح الذي ذكرت لعدم إمكان الترجيح بالمرجّحات السندية، لأنّا قد أخذنا بالسندين لمكان غير مورد تعارضهما و فرض عدم المرجّحات الدلالية، فانحصر الأمر بالترجيح بالظنّ، و لا يمكن أن يكون الظن‏

41

مرجّحا في المقام و إنّما يكون مرجّحا في تعارض الدليلين من جهة أنّهما ناظران إلى الواقع، فيمكن أن يكون الظن بالواقع مرجّحا لما يوافقه منهما بخلاف الأصل الذي يعتبر لا من حيث كونه كاشفا عن الواقع و ناظرا إليه، و هذا واضح.

أقول: و في هذا الوجه نظر من وجوه:

منها: أنّ هذا الوجه على تقدير تماميته يقتضي تقدّم الأدلة على الأصول، و أما أنه من باب التخصيص فلم يتبيّن منه.

و منها: أنه إنما يتم لو فرض كون دليل حجية الأمارات طرّا دليلا واحدا و دليل حجية الأصول بأجمعها أيضا دليلا واحدا، و إلّا فلو فرض التعارض بين دليل واحد من الأدلة و دليل واحد من الأصول و كانت النسبة عموما من وجه يمكن تخصيص كل منهما بالآخر من دون لزوم اللغوية كما لا يخفى.

و منها: أنّه سلّمنا أنّ النسبة على ما ذكرت، لكن موارد التخيير التي اعترفت ببقائها تحت العموم على تقدير تخصيص عموم دليل حجية الأدلة كافية في دفع اللغوية، و قلّتها لا توجب اللغوية، مع أنّ ندرتها أيضا في محل المنع.

و منها: أنّ التعارض الذي فرضت غير معقول، لأنّ الأصول الشرعية الثلاثة التي هي معارضة للأدلة لا دليل على حجّيتها كلا أو بعضا سوى أخبار الآحاد على التحقيق، و كيف تعارض هذه الأخبار دليل حجية أخبار الآحاد فليتأمّل.

42

[اختصاص البحث بالاصول الجارية في الشبهات الحكمية]

قوله: و اعلم أنّ المقصود بالكلام في هذه الرسالة الأصول المتضمّنة لحكم الشبهة في الحكم الفرعي الكلي و إن تضمّن حكم الشبهة في الموضوع أيضا

(1)

.

قد يقال لا وجه لكون الأصول المتضمّنة لحكم الشبهة في الحكم الكلي مقصودا بالأصالة و الأصول الموضوعية مقصودا بالتبع، لأنّ بيان حكم كلي الشبهة في الموضوع وظيفة الشارع كالشبهة في الحكم الكلي من غير فرق.

لا يقال: إنّ تحرير حكم الشبهة الموضوعية من المسائل الفقهية فتعرّضه في علم الأصول استطراد.

لأنّا نقول: تحرير الأصول في الشبهة الحكمية أيضا من المسائل الفرعية، إذ ليس أصالة البراءة و أصل الاستصحاب و أصل الاحتياط و أصل التخيير إلّا قواعد فقهية كلية، و هي عوارض و أحكام للعمل لا أحوال للأدلة كما مرّ قبيل ذلك بيانه في الجملة.

فالأولى أن يقال في توجيه كلامه: إنّ الأصول الأربعة و إن كانت من المسائل الفرعية على التحقيق لكنّها شبيهة بالمسائل الأصولية لوجود بعض خواصّها فيها، و هو أنّ إجراءها في مواردها وظيفة الفقيه دون المقلّد كما هو كذلك في جميع المسائل الأصولية.

و أما المسائل الفقهية و إن كان استنباطها عن أدلّتها من وظائف الفقيه إلّا أنّ إجراءها في مواردها الجزئية من شأن المقلّد، و هذا بخلاف الأصول الموضوعية فإنّ إجراءها في مواردها وظيفة المقلد، مثلا لو أفتى الفقيه بأنّ اصل‏

____________

(1) فرائد الأصول 2: 13.

43

البراءة في الشبهة الحكمية التحريمية حجة لا ينفع و لا يفيد المقلّد شيئا حتى يفتي بأنّ شرب التتن و القهوة و أمثالهما لا حرج فيها، و أما لو أفتى بأنّ كل ما شك في طهارته أو حلّيته في الموضوعات فهو طاهر أو حلال، فيكفي ذلك للمقلّد و هو يتصدّى لإجرائها و تطبيقها على مواردها الجزئية، و السر في ذلك أنّ الشك المأخوذ في موضوع الأصول الحكمية لا يعتبر إلّا بعد الفحص و المقلّد ليس من أهله، فينحصر موردها في شك المجتهد ثم إجراء الأصل، و أما الشك في الشبهات الموضوعية فلا يعتبر فيه الفحص، و لو فرض وجوبه فالمقلّد من أهله في الموضوعات.

قوله: و أما الأصول المشخّصة لحكم الشبهة في الموضوع كأصالة الصحة، إلى آخره‏

(1)

.

يريد به أنّ الأصول المختصّة بالشبهات الموضوعية لا تذكر إلّا لأجل مناسبة يقتضيها المقام، و أما الأصول المشتركة فباعتبار جريانها في الشبهة الحكمية هو المقصود الأصلي من الرسالة لكن يتعرّض لجريانها في الشبهات الموضوعية بالتبع، إلّا أنّك قد عرفت ما في ذلك فتدبّر.

[انحصار الاصول في أربعة]

قوله: ثم إنّ انحصار موارد الاشتباه في الأصول الأربعة

(2)

.

انحصار الأصول في الأربعة ممنوع في الشبهة الحكمية على ما هو مراده، و إلّا فهو يسلّم عدم انحصار الأصول في الأربعة في الشبهات الموضوعية كما صرّح به قبيل ذلك،

[جملة من الاصول المجعولة في الشبهة الحكمية]

و نحن نشير إلى جملة من الأصول المجعولة في الشبهة الحكمية غير الأربعة ليتّضح سند المنع:

____________

(1) فرائد الأصول 2: 14.

(2) فرائد الأصول 2: 14.

44

منها: قاعدة الطهارة الجارية في الشبهة الحكمية

كما يجري في الشبهة الموضوعية مثل ما لو شكّ في نجاسة الحديد أو خرء الطير غير المأكول اللحم أو الحيوان إذا لم يكن له نفس سائلة و نحو ذلك، فيحكم بطهارة نوعها بقاعدة الطهارة.

لا يقال: إنّها راجعة إلى أصالة البراءة عن وجوب اجتناب المشكوك النجاسة أو اجتناب ما يلاقيه.

لأنّا نقول: ليس كذلك بل القاعدة تثبت موضوع الطهارة شرعا ثم تترتّب عليه أحكام الطهارة، و يثمر هذا الفرق في الأحكام الوضعية كشرطية طهارة الثوب و البدن للصلاة، فبأصالة البراءة لا يمكن إحراز الشرط قطعا، و يمكن إحرازه بقاعدة الطهارة.

فإن قلت: إنّ أصالة البراءة في هذا المقام أيضا تغنينا عن قاعدة الطهارة على التحقيق من جريان البراءة في الأقل و الأكثر الارتباطي.

قلت: يكفي في الثمرة على قول من يقول بالاشتغال في تلك المسألة و لعله الأكثر.

فإن قلت: إنّ قاعدة الطهارة تختص بباب النجاسات لا تجري في جميع الفقه كالأصول الأربعة، و المقصود أنّ الأصول الجارية في تمام الفقه منحصرة في أربعة.

قلت: لا وجه لهذا التقييد أصلا، بل المناسب أن يبحث عن جميع الأحكام المجعولة لعمل الشاك حين شكّه في الحكم الشرعي و إن كان ذلك في باب واحد بل في مسألة واحدة.

و منها: قاعدة التسامح في أدلة السنن‏

و الكراهة بناء على أن يستفاد من‏

45

أخبارها استحباب العمل الذي بلغ فيه ثواب و إن لم يكن كذلك في الواقع، فإنّه حينئذ مستحبّ ظاهريّ ما دام عدم الدليل المعتبر، و لم يدخل في الأصول الأربعة.

نعم على القول بإفادة أخبار القاعدة حجية الخبر الضعيف بل فتوى الفقيه في المستحبات و المكروهات من دون الواجبات و المحرّمات فلا نقض، إذ يدخل الخبر الضعيف في هذا المورد في الأمارات، لكنه خلاف التحقيق، و كذا على القول بأنّ الأخبار إرشاد لحكم العقل بحسن الاحتياط و العمل برجاء إدراك الواقع و بترتّب ثواب الانقياد على الفعل لا ثواب نفس العمل.

و منها: قاعدة توقيفية العبادة

و أنّه لا يجوز فعل عبادة بقصد كونها من الدين مع الشك و عدم دليل معتبر على إثباتها، و هو قسم من التشريع المحرّم و إن كان في الواقع ثابتا من الدين إلّا أنّ المكلّف لمّا لم يعلمه يحرم عليه الفعل ظاهرا بناء على أنّ الفعل بقصد التشريع حرام لا القصد فقط كما قيل، فلا شك أنها أيضا من الأصول المعتبرة.

و منها: الأصول الجارية في الشك في الأحكام الوضعية مطلقا

فإنّها خارجة عن الأصول الأربعة، مثلا لو شكّ في أنّ الفاضل من فريضة الأخت و كلالة الأم في الإرث يردّ على الجميع أو على الأخت فقط كما هو مختلف فيه كذلك، و لا يمكن فيه الاحتياط فيعمل على التشريك، أو قاعدة أخرى هي الأصل في المسألة، و لا يدخل تحت أحد الأصول الأربعة، و أمثاله في باب الميراث كثيرة.

و منها: أصالة البراءة في المستحبات و المكروهات‏

في الشك في التكليف بهما و أصالة الاحتياط في الشك في المكلّف به فيهما فإنّهما خارجان عن‏

46

الأصول الأربعة على ما فصّله في المتن فيما سيأتي من موارد البراءة و الاحتياط فإنّه جعل مورد البراءة الشك في التكليف الإلزامي و مورد الاحتياط ما يجب فيه الاحتياط بعد العلم بالتكليف الإلزامي.

فإن قلت: قد أشار المصنف إلى هذه البراءة و هذا الاحتياط و أدخلهما في أصلي البراءة و الاحتياط اللذين هما من الأربعة فيما سيأتي في تقسيم الشك في التكليف بقوله: و هذا مبنيّ على اختصاص التكليف بالإلزام أو اختصاص الخلاف في البراءة و الاحتياط به و إلّا فلو فرض شموله للمستحب و المكروه يظهر حالهما من الواجب و الحرام فلا حاجة إلى تعميم العنوان‏ (1) انتهى، و حينئذ فلا نقض على المصنف.

قلت: لا ريب أنّ الشبهة في كون الشي‏ء مستحبا أو مكروها شبهة حكمية و لا مناص من التمسّك في موردهما بأصل من الأصول سواء كان هو البراءة و الاحتياط أو غيرهما، فلا ينفع ابتناء المسألة على اختصاص التكليف بالإلزام أو اختصاص الخلاف في البراءة و الاحتياط بالإلزام كما لا يخفى.

و منها: قاعدة أنّ دفع المفسدة أولى من جلب المنفعة

فيما إذا دار الأمر بين واجب و حرام.

و منها: قاعدة اليقين في الشك الساري‏

، إلى غير ذلك مما يظفر به المتتبّع‏ (2).

____________

(1) فرائد الأصول 2: 18.

(2) أقول: في كون القاعدتين الأخيرتين نقضا على الانحصار نظر، لأنّ المصنف يدّعي الحصر بالنسبة إلى الأصول الثابتة عنده حجيّتها و هو من المنكرين لتينك القاعدتين على ما بيّنه في محلّه فلا نقض عليه.

47

قوله: و الثاني مورد التخيير

(1)

.

مقتضاه عموم مورد أصالة التخيير للشك في التكليف و المكلّف به فيما لم يمكن فيه الاحتياط، و ليس كذلك بالنسبة إلى الشك في التكليف مثل ما لو دار الأمر بين الوجوب و الحرمة و الإباحة فإنّ أصل التكليف هنا مشكوك و لم يمكن فيه الاحتياط مع أنّ الأصل فيه البراءة قطعا، و كذلك في دوران الأمر بين الوجوب و الحرمة فإنّه مورد البراءة عند المصنف و إن كان لنا فيه تأمّل.

قوله: و قد ظهر مما ذكرنا أنّ موارد الأصول قد تتداخل‏

(2)

.

لا يخفى أنّه لو قلنا بحكومة بعض الأصول على بعض و إن كانا متوافقين كما هو مختار المصنف فلا يتداخل موارد الأصول، و إن لم نقل بذلك فهو كما ذكره قد تتداخل مواردها، نعم قد يكون بعض الموارد موردا لأصلين أحدهما في طول الآخر كما هو في موارد البراءة بل موارد استصحاب عدم التكليف فإنّها موارد الاحتياط الاستحبابي أيضا فافهم.

قوله: و هو النوع الخاص من الإلزام و إن علم جنسه‏

(3)

.

التحقيق خلافه، و يشهد له أنه لو علم جنس التكليف و لم يعلم نوعه مع تعدد المتعلّق كما لو فرض حصول العلم بثبوت أحد الحكمين من وجوب الدعاء عند رؤية الهلال أو حرمة شرب التتن، فلا ينبغي التأمّل في كونه من الشك في المكلّف به و يجب الاحتياط بفعل هذا و ترك ذاك، و حينئذ نقول كذلك في صورة اتّحاد المتعلق أيضا غاية الأمر أنّه لا يمكن فيه الاحتياط فيتمسّك‏

____________

(1) فرائد الأصول 2: 14.

(2) فرائد الأصول 2: 14.

(3) فرائد الأصول 2: 17.

48

بأصل آخر من التخيير أو البراءة، و إن أبيت إلّا أنّه في صورة اتحاد المتعلق يكون الشك في التكليف فلا بد أن يفصّل بين صورة تعدد المتعلّق و اتحاده فيقال في الأول إنّ الشك في المكلف به.

و على أي حال لا يصحّ أن يجعل كل ما لم يعلم فيه نوع التكليف من الشك في التكليف و يكون هذا ميزانا له و قد أشبعنا الكلام في بيان هذا التقسيم و ما يرد عليه و عدم صحّة الحصر العقلي في أول رسالة القطع بما لا مزيد عليه فراجع.

[الشبهة التحريمية و منشأ الشك فقدان النص‏]

قوله: إما تحريم مشتبه بغير الوجوب و إما وجوب مشتبه بغير التحريم، إلى آخره‏

(1)

.

قد عرفت أنّ هنا قسما آخر و لو بالنسبة إلى التكليف الإلزامي و هو تحريم مشتبه بالوجوب مع عدم العلم بأصل الإلزام. و بعبارة أخرى: دوران الأمر بين الوجوب و الحرمة و الإباحة أو أحد الباقيين من الاستحباب و الكراهة.

قوله: فهاهنا أربع مسائل‏

(2)

.

كان الأولى أن يجعلها ثلاث مسائل، إذ لا فرق بين فقد النص و إجماله قولا و دليلا، و لا كرامة في زيادة التقسيم إلى أقسام لا يتفاوت حكمها و لم يفرّق أحد بينها، نعم لإفراد مسألة تعارض النصّين وجه من جهة التمسك فيها بأخبار التخيير أو الاحتياط على ما سيأتي في محلّه، و هكذا ينبغي تثليث الأقسام في المطلب الثاني بل الثالث أيضا الآتيين لعين ما ذكر فتدبّر.

____________

(1) فرائد الأصول 2: 17.

(2) فرائد الأصول 2: 19.

49

[الاستدلال بالكتاب على البراءة]

قوله: و هذا المعنى أظهر و أشمل لأنّ الإنفاق من الميسور داخل فيما آتاه اللّه‏

(1)

.

يعني أنه لو حمل على المعنى الأول لا يفيد إلّا ما يفيده ما قبله فيكون تأكيدا، بخلاف الحمل على الثاني و كون الموصول عبارة عن نفس الفعل و الترك فإنّ هذا يعمّ الإنفاق و غيره و يصير بمنزلة كلية الكبرى لسابقه فكأنّه قال: لا ينفق من قدر عليه رزقه أزيد مما أعطاه اللّه لأنّه لا يكلف اللّه نفسا بفعل أو ترك إلّا بقدر وسعه‏ (2).

قوله: و إرادة الأعم منه و من المورد تستلزم استعمال الموصول في معنيين، إلى آخره‏

(3)

.

أراد أنّه و إن كان يمكن جعل الموصول عبارة عن الشي‏ء و يكون مفهومه أعم من التكليف الذي هو مناط الاستدلال و مطلق الفعل أو الترك أو خصوص المال الذي يناسب المورد، لكنّه لا جامع بين تعلّق الفعل أعني لا يكلّف اللّه بنفس الحكم و بين تعلّقه بالفعل المحكوم عليه، لأنّ تعلّق الفعل بمفعوله المطلق يباين تعلّقه بالمفعول به، فإن أريد عموم الموصول بحيث يشمل نفس الحكم‏

____________

(1) فرائد الأصول 2: 21.

(2) أقول: و فيه: أنه على التقدير الأول أيضا يكون قوله: لا يكلّف اللّه إلى آخره أعم من سابقه، إذ هو أعم من الإنفاق على المذكور في الآية، فيصير المعنى حينئذ: من لم يقدر على تمام النفقة فلينفق بقدر الميسور لأنّه لم يكلّف اللّه على بذل مال مطلقا إلّا بقدر الميسور.

و كيف كان، يكون الموصول على التقديرين مفعولا به، و هذا بخلاف الاحتمال الثالث الذي هو مبنى الاستدلال فإنّه يكون الموصول فيه مفعولا مطلقا و يكون المراد من الآية لا يكلف اللّه نفسا إلّا تكليفا آتاها أي أعطاها، و إعطاؤها التكليف بإعطاء علمه إياها فكأنّه قال: إلّا تكليفا أعلمها.

(3) فرائد الأصول 2: 22.

50

ليصحّ الاستدلال به لزم كون الموصول مفعولا مطلقا و به، و لا يتمّ ذلك إلّا بإرادة معنيين من الموصول ليصحّ التعلّقان كل بالنسبة إلى معنى، هذا.

و يمكن أن يقال على تقدير جعل الموصول أعم يصحّ أن يجعل مفعولا به و يعم الحكم أيضا بحيث يتم الاستدلال، ببيان أنّ المراد بالموصول هو الفعل و الترك لا غير إلّا أنّ الإيتاء و الإعطاء يعمّ الحكم فإنّ إعطاءه تعالى ما يتعلق بالفعل يكون بالإقدار على الفعل و الإقدار على المال فيما يكون الفعل متعلّقا بالمال كالإنفاق و إعلام حكم الفعل، فيكون محصّل المعنى: لا يكلّف اللّه نفسا إلّا بفعل أعطى ما يكون من قبل اللّه إعطاؤه من القدرة و المال و الإعلام.

و بوجه آخر و هو أن يحمل قوله: لا يكلّف على المعنى اللغوي، و يكون مصداق الموصول مطلق الشي‏ء الشامل للحكم، و يجعل مفعولا به فيصير المعنى لا يكلف اللّه أي لا يوقع في الكلفة و المشقّة نفسا إلّا شيئا آتاها، فإن كان حكما فإيتاؤه إعلامه، و غيره إيتاؤه الإقدار عليه. و بعبارة أخرى يكون محصّل المعنى أنّ اللّه لا ينجّز شيئا على المكلّف إلّا بعد الإعطاء المذكور.

و لا يخفى أنه لا يصح الاستدلال بهذه الاحتمالات المخالفة للظاهر، و الغرض دفع محذور الاستعمال في أكثر من معنى لا صحّة الاستدلال، و لعله (رحمه اللّه) إلى ذلك أشار بقوله فافهم.

قوله: و مما ذكرنا يظهر حال التمسّك بقوله تعالى:

لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها (1)

.

الظاهر أنّه أراد أنه مما ذكرنا يظهر أنه لا وجه للتمسك بهذه الآية أصلا

____________

(1) فرائد الأصول 2: 22.

51

حتى بالتوجيه الذي ذكر في الآية السابقة مع جوابه، لأنّ الوسع بمعنى الطاقة فلا تحتمل الآية سوى إرادة نفي التكليف بغير المقدور و لا ربط له بما نحن فيه.

نعم يمكن تقريب الاستدلال بهذه الآية بوجه آخر غير مشابه لتقريب الاستدلال بالآية السابقة ليكون عبارة المتن إشارة إليه و هو أن يقال: التكليف بالحكم المجهول تكليف بغير المقدور كما سيأتي حكاية ذلك عن السيد أبي المكارم في الغنية و بعض آخر، فلما دلّت الآية على نفي التكليف بغير المقدور مطلقا كانت دليلا على البراءة في المقام أيضا.

و فيه: أنه إن أريد أنّ التكليف بالحكم المجهول بوجهه الواقعي الذي لا يعلمه المكلّف تكليف بغير المقدور فهو حق، إذ لا يمكن امتثال الخطاب المجهول مع قصد وجهه المجهول، لكن الكلام ليس فيه، إذ لا يجب قصد الامتثال بوجهه في معلوم الحرمة فضلا عن محتمل الحرمة و لا يريد أهل الاحتياط هذا المعنى أيضا. و إن أريد أنّ التكليف بالحرمة المجهولة لا بقصد الامتثال بحيث لزمه الاحتياط في الظاهر تكليف بغير المقدور فهو في حيّز المنع كما لا يخفى.

قوله: و فيه: أنّ ظاهره الاخبار بوقوع التعذيب سابقا، إلى آخره‏

(1)

.

لم يعلم وجه هذا الظهور، اللهم إلّا أن يريد استظهار هذا المعنى من لفظ (ما كُنَّا) بصيغة الماضي فيصير المعنى ما عذّبنا في السابق قوما إلّا بعد بعث الرسول، أو يريد استظهاره من سياق الآية، لكن فيه أنّ لفظ كان إذا أسند إلى اللّه في القرآن ظاهر بل نصّ في إرادة الثبوت الاستمراري كما يعلم ذلك من مثل:

(وَ كانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً)، و أما ظهور السياق أيضا ممنوع.

____________

(1) فرائد الأصول 2: 23.

52

و الأظهر في الجواب عن الآية أن يقال: إنّها ناظرة إلى زمان الفترة، و المراد نفي التعذيب إلّا بعد بعث الرسول، و لا تدل على نفي التعذيب بعد بعث الرسول و لو علمنا بأنّ حكم هذا المشكوك لم يبيّنه بعد، و إن ضايقت عن هذا المقدار نقول: لا تدل على نفي التعذيب بعد البعث على حكم بيّنه الرسول و خفي علينا بسبب ظلم الظالمين و منع المانعين على ما هو مفروضنا في المقام، لكن يبعّد كونها ناظرة إلى زمان الفترة أنّه يلزم عليه رفع التكليف في زمان الفترة و هو مخالف لما عليه العدلية من عدم خلوّ الأرض عن حجّة يتم بها الحجة على العباد، فيتساوى جميع الأزمنة في لزوم مراعاة الشريعة و العمل بأحكامها أيّ شريعة كانت، و حينئذ فالأظهر في الجواب عن الاستدلال بالآية ما سبقت الإشارة إليه من أنّ ظاهرها رفع العذاب عمّا لم يبيّنه الرسول لا ما بيّنه و اختفى بسبب ظلم الظالمين‏ (1).

قوله: ثم إنّه ربما يورد التناقض على من جمع، إلى آخره‏

(2)

.

المورد هو المحقق القمي (رحمه اللّه) قال في القوانين: و العجب من بعض الأعاظم حيث جمع في كلامه بين الاستدلال بالآية لأصل البراءة و دفع الإشكال الوارد من جهة الآية على الأحكام العقلية الإلزامية بجواز العفو عن اللّه تعالى‏ (3) انتهى. و مراده ببعض الأعاظم السيد الصدر.

ثم لا يخفى أنّ عبارة المصنف في بيان التناقض لا تخلو عن إغلاق‏

____________

(1) أقول: و يمكن أن يجاب بما أجاب به السيد الصدر [شرح الوافية: 223- 224] عن الاستدلال بها على نفي الملازمة من أنّ نفي فعلية العذاب لا يلازم نفي الاستحقاق الذي هو لازم ثبوت الحكم.

(2) فرائد الأصول 2: 23.

(3) قوانين الأصول 2: 16- 17.

53

و إشكال، و الأظهر في البيان أن يقال: إنّ استدلاله بالآية في المقام لا يتمّ إلّا بدلالتها على نفي استحقاق العذاب بدون البيان الملازم لنفي التكليف، و هذا المعنى يناقض ما أجاب به عمّن استدلّ بالآية على نفي الملازمة بين حكم العقل و الشرع من أنّ مفاد الآية نفي فعلية العذاب فلا ينافي استحقاقه بحكم العقل.

و الحاصل أنّه جعل مفاد الآية في المقام الأول نفي استحقاق العذاب، و في المقام الثاني نفي فعليّته دون الاستحقاق.

قوله: و منها قوله تعالى:

(وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ) (1)

.

يمكن تقريب الاستدلال بالآية على وجه لا يحتاج إلى ضميمة الفحوى و هو أن يقال: إنّ المراد بقوله: (لِيُضِلَّ) بعد عدم إمكان حمله على معناه الحقيقي لامتناعه على اللّه، هو فعل ما يترتب على الضلال أي العقاب، يعني ما كان اللّه ليعاقب قوما حتى يبيّن لهم ما يتّقون، لكن هذا المعنى مجرّد احتمال في الآية لا شاهد عليه، و ما حمل عليه المصنف من كون المراد بالاضلال الخذلان أظهر لكنّه يحتاج إلى ضمّ الأولوية بأن يقال: إذا لم يكن اللّه ليخذل إلّا بعد البيان فعدم عقابه بدون البيان أولى، لأنّ العقاب أشدّ من الخذلان بكثير بناء على أنّ المراد بالخذلان عدم الاعتناء بالشخص و جعله في معرض النسيان.

لكن فيه منع الأولوية لأنّ خذلان اللّه تعالى أعلى مراتب العقاب لأنّه بالغ إلى مرتبة لا يرجى أن ينظر إليه نظر رحمة و تفضّل بجعله إيّاه في معرض النسيان فتدبّر، هذا. مضافا إلى أنّ أمثال هذه الآيات ناظرة إلى أصول الدين، و المراد بالهداية الهداية إلى الإسلام، نعم قوله: (حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ)

____________

(1) فرائد الأصول 2: 24.

54

ظاهره بيان الأفعال و التروك، لكن يمكن حمله على معنى بيان الاتقاء من الشرك و أفعال المشركين بقرينة السياق.

قوله: و فيه ما تقدّم في الآية السابقة

(1)

.

هذا بناء على أنّ المراد بالإضلال خذلانهم في الدنيا فقط، و قد عرفت في ذيل الجواب عن الآية السابقة منع ذلك و عدم الشاهد له.

قوله: و في دلالتها تأمّل‏

(2)

.

لأنّها في ذيل الآية التي تحكي قصّة بدر في سورة الأنفال و هي قوله تعالى: (إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَ ما أَنْزَلْنا عَلى‏ عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ وَ اللَّهُ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ. إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا وَ هُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى‏ وَ الرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَ لَوْ تَواعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ وَ لكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ يَحْيى‏ مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ إِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ) (3) و هي ناظرة إلى حال المشركين بعد هذه الواقعة العظيمة التي تدلّ على حقّية الإسلام و بطلان الشرك، إذ نصر اللّه تعالى هذه الفئة القليلة العدد و العدّة على هؤلاء، المشركين مع كثرة عددهم و عدّتهم و شوكتهم على ما هو المعروف.

فمحصّل معنى الآية و اللّه أعلم: أنّه بعد هذه الواقعة التي سبيلها سبيل الإعجاز تمّت الحجة على المشركين فمن هلك فإنّما هلك عن بيّنة. و الحاصل أنّ الآية ليست بصدد أحكام الفروع أصلا (4).

____________

(1) فرائد الأصول 2: 25.

(2) فرائد الأصول 2: 25.

(3) الأنفال 8: 41- 42.

(4) أقول: لكن الإنصاف أنّ الآية لا تخلو عن إشعار بل دلالة على المطلب، إذ قوله: