حاشية فرائد الأصول / تقريرات - ج3

- السيد محمد إبراهيم اليزدي النجفي المزيد...
556 /
5

[في الاستصحاب:]

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

[الاستصحاب لغة و اصطلاحا]

قوله: المقام الثاني في الاستصحاب و هو لغة أخذ الشي‏ء مصاحبا

(1)

.

قال في القاموس استصحبه: دعاه إلى الصحبة و لازمه‏ (2) فيحتمل أن يقال أشار به إلى معنيين، و أنّ دعاه إلى الصحبة معنى و لازمه معنى آخر، و ما ذكره المصنّف راجع إلى الأوّل. و الفرق بينهما أنّ مفاد الأوّل أخذ الشي‏ء صاحبا و تابعا و مفاد الثاني مصاحبة الشي‏ء و متابعته، فيكون فاعل الفعل في الأوّل متبوعا و المفعول تابعا، و في الثاني بالعكس. و يحتمل أن يكون مجموع العبارة إشارة إلى معنى واحد، و لعلّ وجه الجمع بين العبارتين في تفسير اللفظ أنّ الاستصحاب استفعال من الصحبة، و معنى باب الاستفعال هو طلب الفعل أعمّ من حصول المبدأ في الخارج و عدمه، و لذا يقال استخرجته فلم يخرج و استصحبته فلم يصحبني و استهللت فلم أر الهلال و هكذا، إلّا أنّ هذا ما يقتضيه الحقيقة الأوّلية، و لا ريب أنّ الظاهر المتبادر من صيغة الاستفعال طلب المبدأ مع حصوله، و أغلب الاستعمالات جار عليه، أ لا ترى أنّه لا يقال استمنى إلّا إذا حصل الامناء عقيب طلبه و لا استخرج إلّا إذا حصل الخروج، نعم التصريح بعدم حصول المبدأ كما في الأمثلة المتقدّمة قرينة على إرادة مجرّد الطلب، و الظاهر أنّ حصول المبدأ مقتضى‏

____________

(1) فرائد الأصول 3: 9.

(2). القاموس المحيط 1: 237.

6

إطلاق الصيغة و ليس داخلا في الموضوع له، و على هذا فلفظ الاستصحاب ظاهر في طلب الصحبة مع حصولها، و لمّا كان أصل الصحبة بحسب معنى المادّة يتحقّق بين الشيئين من الطرفين و يكون كلّ منهما مصاحبا للآخر صحّ أن يفسّر استصحبت زيدا مثلا بقولنا دعوته إلى الصحبة و لزمني قضية لحصول الصحبة و أنّه حصل من الجانبين، فصحبته و صحبني و لزمته و لزمني، و ما ذكرناه ينفعك في وجه مناسبة النقل إلى المعنى الاصطلاحي، فافهم.

[تعاريف الاستصحاب‏]

قوله: و عند الأصوليين عرّف بتعاريف‏

(1)

.

ليس في التعرّض لجميع ما ذكروه في تعريف الاستصحاب كثير فائدة، بل كثير من التعاريف يرجع بعضه إلى بعض، و إنّما نتعرّض لبعض التعاريف الذي يختلف بحسبه معنى الاستصحاب في الاصطلاح و يعرف به حقيقته، ثمّ نتعرّض لبعضها أيضا فيما يتعلّق بالطرد و العكس بعد ذلك، فنقول:

منها: بقاء ما كان على ما كان كما اختاره صاحب الضوابط في آخر كلامه‏ (2) و المراد بالبقاء هو البقاء الحكمي و التنزيلي بجعل الشارع الحكم الموجود في السابق يقينا باقيا في زمان الشكّ في الظاهر أو الموضوع كذلك، فالاستصحاب حينئذ نظير قاعدة الطهارة فكما يقال فيها إنّ المشكوك الطهارة و ليس له حالة سابقة متيقّنة طاهر بحكم الشارع يعني في الظاهر ما دام مشكوكا، كذلك يقال إنّ المراد من استصحاب الطهارة أنّ المسبوق بالطهارة الواقعية علما باق على طهارته فهو طاهر بحكم الشارع يعني في الظاهر و بحسب التنزيل الشرعي، فيكون الاستصحاب على هذا نفس الحكم الشرعي لا من أدلّته، فكما

____________

(1) فرائد الأصول 3: 9.

(2) ضوابط الأصول: 346.

7

أنّ الطهارة الواقعية حكم شرعي واقعي كذلك الطهارة الظاهرية في مورد الاستصحاب أو مورد قاعدة الطهارة حكم شرعي ظاهري.

و لا يخفى أنّه لا يصحّ على هذا المعنى أن يعدّ الاستصحاب من أدلّة الأحكام، و كذا لا معنى لقولهم الاستصحاب حجّة أو ليس بحجّة إلّا على معنى أنّ الاستصحاب ثابت أو ليس بثابت، كما أنّ قولهم إنّ المفهوم الفلاني حجّة أم لا معناه أنّ المفهوم ثابت أم لا و إلّا فلا نزاع في حجّية المفهوم بعد الاذعان بثبوته، و كذا لا يصحّ حمل سائر ما اشتقّ من الاستصحاب على هذا المعنى كقولهم يستصحب أو لا يستصحب أو استصحبه أو لم يستصحبه، بل كلّها يناسب معنى الابقاء على الوجه الآتي، و استعمال المشتقّات في غير المعنى المراد من مصدرها كما ترى في غاية البعد و الركاكة.

و منها: ابقاء ما كان كما ذكره في المتن، و هذا يحتمل وجوها:

الأوّل: أن يراد به إبقاء اللّه الحكم أو الموضوع السابق يعني بحسب الظاهر.

الثاني: أن يراد وجوب ابقاء المكلّف الحكم السابق، و يظهر هذا الوجه من المصنّف في المتن حيث قال في ردّ توجيه تعريف الاستصحاب بما ذكره المحقّق القمي كما سيجي‏ء إنّ المأخوذ من السنّة ليس إلّا وجوب الحكم ببقاء ما كان.

الثالث: أن يراد منه إبقاء المكلّف الحكم المتيقّن في السابق. و لا يخفى أنّ تحقّق حقيقة الاستصحاب على الوجه الأخير بعد تحقّق مورده من اليقين السابق و الشكّ اللاحق موقوف على حصول فعل من المكلّف و هو الابقاء أعني البناء على البقاء، و إلّا فلو لم يبن على الحالة السابقة لم يكن هناك استصحاب، و إن عمل على طبق الحالة السابقة لم يعمل بالاستصحاب، و هذا بخلاف الوجهين الأوّلين فإنّ حصول موضوع الاستصحاب و حقيقته لا يرتبط ببناء المكلّف عليهما، و كذا

8

على التعريف الأوّل لأنّه من جعل الشارع سواء بنى عليه المكلّف أم لا، فلو عمل على طبق الحالة السابقة بعد اليقين و الشكّ و لو اتّفاقا لغرض من الأغراض فقد عمل بالاستصحاب.

ثمّ لا يخفى أيضا أنّ الوجهين الأوّلين يشاركان التعريف الأوّل في عدم مساعدة جملة من استعمالاتهم عليه كقولهم إنّ الاستصحاب حجّة و أنّه من الأدلّة و سائر ما اشتقّ من لفظ الاستصحاب، و إنّما يوافق هذه الاستعمالات للوجه الأخير و هو إبقاء المكلّف، و هذا يشهد بأنّ المعنى المصطلح عليه هو هذا، مع أنّ المناسب أن يجعل الاصطلاح على ما يوافق أحد الوجهين الأوّلين أو مفاد التعريف الأوّل، بل خصوص مفاد التعريف الأوّل حتّى يكون حقيقة الاستصحاب مشابها لحقيقة نظائره من قاعدة الطهارة و قاعدة البراءة و قاعدة الاحتياط إلى غير ذلك من الأحكام و الموضوعات الظاهرية.

ثمّ لا يخفى أنّه يمكن أن يعتبر الباقي في التعريف الأوّل و جميع وجوه التعريف الثاني هو التيقّن أو نفس اليقين كما هو الأظهر في مفاد أخبار لا تنقض عندنا على ما سيأتي في محلّه إن شاء اللّه تعالى.

و منها: أنّه عبارة عن نفس اليقين السابق كما احتمله في الضوابط، و لعلّه إليه يرجع تعريف المحقّق القمي من أنّه كون حكم أو وصف يقيني الحصول إلى آخر ما نقله في المتن و جعله أزيف التعاريف، و هذا المعنى أنسب من حيث عدّهم للاستصحاب من الأدلّة كما أشار إليه في المتن، و ما أورد عليه غير وارد، لأنّ دليلية اليقين السابق إنّما يتصوّر على حدّ دليلية نظائره من الطرق الشرعية كالإجماع و الشهرة و مطلق الظنّ و نحوها فإنّها أدلّة للأحكام ينكشف بها واقعها علما أو ظنّا، و كذلك اليقين السابق ينكشف به الحكم ظنّا نوعيا، فإن كان حجّية الاستصحاب من باب حكم العقل يصحّ أن يقال إنّه دليل عقلي أعني دليل معتبر

9

بحكم العقل، و إن كانت من باب التعبّد بأخبار لا تنقض يصحّ أن يقال إنّه دليل شرعي أي معتبر بحكم الشرع، و على هذا يكون الاستصحاب دليلا على الحكم المطلوب و خبر لا تنقض أو حكم العقل دليلا على الدليل، و تعريف الدليل بأنّه ما يمكن بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري ينطبق عليه أيضا، هذا و قد مرّ في أوّل مبحث القطع ما ينفع هذا المقام فتذكّر.

و ممّا يتعلّق بمعرفة حقيقة الاستصحاب أنّه يعتبر في أركان الاستصحاب اليقين السابق بالحكم أو الموضوع و الشكّ اللاحق فيه ليترتّب عليه البقاء أو الابقاء و المقصود بالاستصحاب و هذا واضح‏

[التنبيه غلى أمور:]

، و لكن لا بدّ أن ينبّه إلى امور متعلّقة بذلك و لها مدخل في معرفة حقيقة الاستصحاب:

[الأمر] الأوّل: في بيان الفرق بين الاستصحاب و بين قاعدة البراءة و قاعدة الاشتغال‏

فنقول: أمّا فيما إذا لم يكن الحال السابق موافقا للبراءة أو الاشتغال فالفرق واضح لا يحتاج إلى البيان، و أمّا فيما كانت الحالة السابقة موافقة للبراءة أو الاشتغال فقد يشكل الفرق و يقال إنّا لو حكمنا بالبراءة في مثل المقام يصدق عليه الاستصحاب و ينطبق عليه حقيقته، ضرورة تمامية أركانه من اليقين السابق و الشكّ اللاحق و حكمنا فيه ببقاء الحكم السابق، لأنّ المفروض مماثلة حكم الحالتين، و هكذا فيما يحكم فيه بالاشتغال ينطبق عليه حقيقة الاستصحاب في المفروض لجريان حكم الحالة السابقة المتيقّنة في الزمان الثاني أعني حالة الشكّ.

و دفعه: أنّه يعتبر في الاستصحاب أن يكون الحكم الثابت به بملاحظة ما تيقّن به في السابق، و ليس كذلك في مجرى تينك القاعدتين فإنّه لا يلاحظ فيه سوى الشكّ فيه، و مجرّد مماثلة حكم الحالتين لا يلازم ملاحظة الحالة السابقة و حكمها و إجراؤه في حالة الشكّ لينطبق على الاستصحاب.

10

فإن قلت: إنّ ما ذكر إنّما يتمّ بالنسبة إلى قاعدة البراءة دون قاعدة الاشتغال، لأنّ الحكم بالاشتغال لا يكون إلّا بملاحظة اليقين السابق مثل ما لو علم بوجوب صلاة عليه في ظهر يوم الجمعة و شكّ في أنّ الواجب ظهر أو جمعة، فلا ريب أنّ حكم العقل بالاشتغال و وجوب الاتيان بالصلاتين جميعا مرتّب على اليقين الأوّل و الشكّ اللاحق و بملاحظتهما معا، فانطبق ذلك على حقيقة الاستصحاب.

قلت: ليس كذلك، لأنّه ليس في المورد المذكور يقين سابق و شكّ لاحق، بل الشكّ و اليقين و المشكوك و المتيقّن متحقّق في حالة واحدة فإنّه في أوّل زوال يوم الجمعة متيقّن بوجوب الصلاة عليه حينئذ شاك في أنّها ظهر أو جمعة في ذلك الحين بعينه. و أيضا نقول إنّ متعلّق اليقين شي‏ء و هو الوجوب و متعلّق الشكّ شي‏ء آخر و هو متعلّق الوجوب و يعتبر في الاستصحاب اتّحاد متعلّق اليقين و الشكّ و أن يكون المشكوك في اللاحق عين المتيقّن في السابق.

فإن قلت: سلّمنا ذلك لكنّه لا يتمّ هذا فيما إذا أتى في المثال المذكور بواحد من الظهر و الجمعة فإنّه يحكم بوجوب الاتيان بالآخر بقاعدة الاشتغال و الحال أنّه ينطبق عليه جميع الامور المذكورة من سبق اليقين و لحوق الشكّ و اتّحاد متعلّق اليقين و الشكّ، و كون إثبات الوجوب في زمان الشكّ بملاحظة كونه متيقّنا في السابق، و كذا فيما لو شكّ في أنّه هل أتى بما وجب عليه سابقا باليقين أم لم يأت به فإنّه يحكم بوجوب الاتيان بقاعدة الاشتغال مع انطباق حقيقة الاستصحاب عليه بعين ما مرّ.

قلت كاشفا للحجاب عن وجه المراد: إنّ حقيقة الاستصحاب إثبات الحكم في المشكوك فيه بعنوان البقاء، و أنّ هذا هو الحكم الثابت المتيقّن في الأوّل بعينه تنزيلا و بحسب الظاهر، فكأنّ نفس الحكم السابق موجود يترتّب عليه ما كان‏

11

يترتّب عليه، و هذا بخلاف مؤدّى قاعدة الاشتغال في المثالين المذكورين فإنّه لا يحكم فيها بالقاعدة ببقاء الوجوب السابق بل بوجوب الاتيان بالمشكوك تحصيلا لليقين بالفراغ عن الشغل اليقيني من دون اعتبار أنّ هذا هو الوجوب السابق أو غيره، و أيضا نقول الفرق إنّ الوجوب الثابت بالاستصحاب وجوب شرعي ظاهري يترتّب عليه آثار الوجوب من صحّة قصد وجهه في العمل و الحكم بصحّته شرعا ليتفرّع عليه جواز الاقتداء بمن يصلّي الصلاة الواجبة عليه بالاستصحاب، و أمّا الوجوب الثابت بقاعدة الاشتغال فهو وجوب عقلي إرشادي يحكم به العقل مقدّمة للعلم بحصول الفراغ عن الشغل المتيقّن، فلا يصحّ أن يؤتى به بداعي الوجوب بل بداعي الاحتمال لأنّه احتياط و لا يحكم بصحّته شرعا إذ لعلّه عمل لغو لا يفيد الامتثال و ليس بشي‏ء أصلا و لا يترتّب عليه ما عدا العلم بالفراغ و الأمن من العقاب.

[الأمر] الثاني: في بيان معنى سبق اليقين و لحوق الشكّ المعتبرين في مجرى الاستصحاب‏

، فاعلم أنّه ربما يتوهّم أنّ المراد أن يكون زمان اليقين سابقا على زمان الشكّ كما لو علم بعدالة زيد يوم الخميس و شكّ في بقاء عدالته يوم الجمعة، و ليس كذلك بل يمكن أن يكون زمانهما واحدا و أن يكون زمان المتيقّن سابقا على زمان المشكوك و لا يعتبر أزيد من ذلك كما لو حصل العلم الآن بأنّ زيدا كان عادلا أمس و شكّ في بقائه فإنّ ميزان الاستصحاب تامّ فيه.

بل يمكن أن يقال لا يعتبر أن يكون زمان المتيقّن أيضا سابقا على زمان المشكوك بناء على شمول الاستصحاب لمورد الشكّ الساري المعبّر عمّا يجري فيه بقاعدة اليقين ضرورة اتّحادهما فيه، و إنّما السبق و اللحوق هنا بين زمان الشكّ و اليقين، فالمعتبر حينئذ أحد الأمرين من كون المتيقّن سابقا على المشكوك أو اليقين سابقا على الشكّ.

12

[الأمر] الثالث: في بيان المراد من اليقين و الشكّ المأخوذين في موضوع الاستصحاب‏

فنقول: إنّ المعنيّ باليقين أعمّ من العلم الوجداني و العلم الشرعي أي ما قامت أمارة شرعية على ثبوته، و بالشكّ خلاف اليقين بالمعنى المزبور، فيخرج عن مورده ما لو علم بقاء الحكم أو عدم بقائه أو قام دليل شرعي على أحد الأمرين. و بعبارة اخرى يعتبر أن يكون البقاء خاليا عن الدليل أعني الدليل الخاصّ ليكون الاستصحاب دليلا على البقاء على تقدير حجّيته و إلّا بقي المتيقّن السابق مشكوكا فيه، بل نقول لو قام دليل شرعي على أنّ ما كان متيقّنا في زمان و شكّ في بقائه بعد ذلك الزمان فهو باق واقعا كان هذا أيضا خارجا عن الاستصحاب لمكان الدليل كما إذا دلّ دليل على أنّ من كان وكيلا لأحد و شكّ في عزل الموكّل إيّاه فوكالته باقية إلى زمان العلم بالعزل، و كما إذا دلّ الدليل على أنّ الزوجة لو شكّت في حياة زوجها فالزوجية المتيقّنة في السابق باقية إلى زمان علمها بموته فتعتدّ من ذلك الحين، فإنّ أمثال ذلك ليست من الاستصحاب في شي‏ء بل ممّا قام الدليل على البقاء حتّى أنّه بعد انكشاف الحال و عزل الموكّل إيّاه في السابق أو موت الزوج قبل ذلك يحكم بثبوت الوكالة أو الزوجية واقعا يترتّب عليها آثارها.

لا يقال: يلزم على هذا البيان عدم كون الاستصحاب المأخوذ من حكم العقل بناء على كون اعتباره من باب الظنّ داخلا في حقيقة الاستصحاب، لأنّه حينئذ دليل اجتهادي على البقاء و قد فرضت اعتبار خلو المورد عن الدليل.

لأنّا نقول: على تقدير كونه دليلا أيضا نقول إنّ مرتبته متأخّرة عن سائر الأدلّة فإنّه دليل حيث لا دليل غيره كما هو كذلك في الاستقراء و الغلبة الظنّيين على ما هو محرّر في محلّه و يأتي بيانه في مقامه في المتن أيضا، هذا كلّه بعض ما يتعلّق بحقيقة الاستصحاب ثمّ نتعرّض لبعض ما يتعلّق بالتعاريف المذكورة في المتن.

13

قوله: أسدّها و أخصرها إبقاء ما كان‏

(1)

.

نعم هو كذلك و مع ذلك لا يخلو عن الخلل من وجوه:

الأوّل: ما عرفت سابقا من أنّ الأولى جعل جنس التعريف نفس البقاء دون الابقاء.

الثاني: أنّه لم يؤخذ فيه كون الحال السابق متيقّنا فيشمل الابقاء لما كان ثابتا في الواقع و لو لم يعلم به أصلا، و قد تفطّن له المصنّف و اعتذر عنه بأنّ دخل الوصف في الموضوع مشعر بعلّيته للحكم إلى آخر ما ذكره في المتن. و هو مدخول بعدم الاعتبار بمثل هذا الإشعار الضعيف في التعاريف الموضوعة لبيان حقيقة المعرّفات المبنية على الدقائق التي تتفاوت بها طردها و عكسها، و إن كان الاختصار فيها مطلوبا بقدر الامكان لكن لا إلى حدّ ينجرّ إلى الاختلال.

الثالث: أنّه يشمل ما إذا كان الحكم بالبقاء مستندا إلى الدليل الدالّ على إبقاء المتيقّن في الزمان المشكوك على الوجه الذي ذكرناه في آخر الحاشية السابقة هذا، فلو عرّفه بابقاء المتيقّن عند عدم الدليل سلم من هذا الايراد و من سابقه فتدبّر. و لا يخفى أنّ تعريف صاحب الزبدة سليم عن الايراد الثاني دون الأوّل و الأخير.

قوله: و أزيف التعاريف تعريفه بأنّه كون حكم أو وصف الخ‏

(2)

.

هذا التعريف للمحقّق القمي في القوانين‏ (3)، و يرد عليه مضافا إلى ما في المتن، أنّه لا يشمل ما إذا كان زمان اليقين و الشكّ متّحدا مع أنّه من أفراد

____________

(1) فرائد الاصول 3: 9.

(2) فرائد الاصول 3: 10.

(3) القوانين 2: 53.

14

الاستصحاب على ما سبق بيانه.

و قد يجاب عن هذا بأنّه مبني على أن يكون قوله في الآن السابق متعلّقا بقوله يقيني الحصول أو ظرفا مستقرّا حالا من الحكم، و أن يكون قوله في الآن اللاحق متعلّقا بقوله مشكوك البقاء أو حالا من الحكم كالأوّل، و أمّا لو جعلنا في الآن السابق متعلّقا بلفظ الحصول و في الآن اللاحق متعلّقا بالبقاء اندفع الايراد.

و فيه: أنّه خلاف الظاهر على الظاهر، و الظاهر كما فهمه الماتن هو الوجه الأوّل.

و قد يجاب أيضا بما يندفع به إيراد المتن أيضا و هو أن يكون قوله في الآن اللاحق متعلّقا بكون حكم الذي هو جنس التعريف، و لا يخفى أنّه في غاية البعد إلّا أنّك قد عرفت سابقا وجه دفع إيراد المتن عليه فتذكّر.

قوله: نعم ذكر شارح المختصر الخ‏

(1)

.

لم يعلم من شارح المختصر و كذا من صاحب الوافية أنّه بصدد تعريف الاستصحاب بالنحو المعهود بحيث يكون جامعا مانعا، و إنّما هو بصدد توضيح ما هو المقصود من الاستصحاب و ربما يذكرون في مثله بعض اللوازم و المقدّمات و الأمثلة و نحوها لتحصل من المجموع معرفة الشي‏ء، و ليس هذا من التعريف المصطلح الذي ينقسم إلى الحدّ التامّ و الناقص أو الرسم كذلك‏ (2).

____________

(1) فرائد الاصول 3: 11.

(2) أقول: الذي يختلج بالبال هو أن يكون لفظ الاستصحاب بحسب الاصطلاح اسما للعمل بقاعدة البقاء لا نفس القاعدة كما اختاره صاحب الضوابط، و لا الابقاء بمعانيها السابقة، و لا نفس اليقين السابق و لا غيرها لما يرد على كلّ واحد منها كما مرّت الاشارة إلى بعضها-

15

[بيان أمور في المقام‏]

قوله: بقي الكلام في امور

(1)

.

كان الأنسب أن يقول و لنقدّم الكلام في امور حيث إنّه لم يبحث عن جهات المسألة بعد لكي يناسب أن يقول بقي الكلام في امور و إنّما يناسب هذا التعبير فيما يذكر في تتمّات المسألة فافهم.

[الأمر الأوّل: هل الاستصحاب أصل عملي أو أمارة ظنية]

قوله: مبني على استفادته من الأخبار

(2)

.

يعني بناء على المختار في مفاد الأخبار و إلّا فيمكن أن يكون حجّيته من باب الظنّ ثابتا بالأخبار كما يدّعيه المحقّق القمي (قدس سره) من أنّ الأخبار تدلّ على حجّية الاستصحاب من باب الظنّ النوعي كما هو كذلك بالنسبة إلى الأخبار الدالّة على حجّية خبر الواحد بأن يقال لمّا كان كلّ ما ثبت وجوده في زمان يظنّ ببقائه نوعا مبنيّا على غلبة دوام كلّ ما ثبت، جعل الشارع هذا الظنّ طريقا تعبّديا

____________

- و جميع موارد استعمال لفظ الاستصحاب و مشتقّاته ينطبق على هذا المعنى، غاية الأمر أنّ لازمه أن لا يكون لنفس قاعدة البقاء اسم في الاصطلاح و لا ضير فيه، و لا ينافي ذلك أنّه قد يطلق الاستصحاب على نفس القاعدة كما في قولهم عملا بالاستصحاب فإنّه مجاز، و يشهد لما ذكرنا أيضا أنّه بمقتضى سائر التعاريف يكون نقل لفظ الاستصحاب من المعنى اللغوي إلى المعنى الاصطلاحي من قبيل النقل إلى المباين ما عدا إبقاء ما كان لو اريد منه إبقاء المكلّف على ما مرّ بيانه، فيقال إنّ المكلّف أخذ المتيقّن السابق مصاحبا له و جرّه إلى زمان الشكّ، فهو من النقل إلى بعض أفراد المعنى الموضوع له كما هو الغالب في المنقولات، لكن قد عرفت أنّ هذا المعنى غير مراد من موارد استعمالات الاستصحاب و إن كان مشتقّاته ملائما لهذا المعنى، و أمّا المعنى الذي ذكرنا فمناسبة النقل ظاهرة، فإنّ العمل بقاعدة البقاء من أفراد الاستصحاب اللغوي جزما لأنّه أخذ لقاعدة البقاء مصاحبا.

(1) فرائد الاصول 3: 13.

(2) فرائد الأصول 3: 13.

16

إلى الواقع كسائر الطرق التعبّدية، إلّا أنّه لا شاهد لهذه الدعوى سوى ما يتوهّم من انصراف الأخبار إلى اعتبار الاستصحاب من حيث وصف كشفه الظنّي عن الواقع، و عليه يكون الاستصحاب من الأدلّة الاجتهادية الناظرة إلى الحكم الواقعي، إلّا أنّه بعيد عن مساق الأخبار كما يأتي في محلّه، و كذا لو جعلنا حجّية الاستصحاب دائرة مدار الظنّ الشخصي كما ينسب إلى البهائي (رحمه اللّه) (1) و استدللنا له بالأخبار فهو من الأدلّة جزما.

قوله: و أمّا بناء على كونه من أحكام العقل فهو دليل ظنّي اجتهادي‏

(2)

.

يعني بناء على المختار من حكومة العقل على فرض تسليمه فإنّه يحكم ببقاء الحكم السابق واقعا و لو ظنّا، و إلّا فيمكن أن يكون الاستصحاب من الاصول العملية مع فرض كونه من أحكام العقل بجعله من الاصول العقلائية، و يقال إنّ العقلاء يتعبّدون في طريقتهم بالبناء على الحالة السابقة لا من حيث الظنّ ببقائها بل من حيث إنّ عدم البناء عليها و التوقّف في موارد الشكّ بالبقاء يوجب اختلال النظام، لكن هذا فرض غير واقع و سيأتي في محلّه إنكار مطلق التعبّد في طريقة العقلاء.

و اعلم أنّ قاعدة اليقين على القول باعتبارها كالاستصحاب إن استفيدت من الأخبار فهي من الاصول العملية، و إن استفيدت من العقل فمن الأدلّة الاجتهادية و بيانه كبيانه على المختار و المزيّف.

لكن قيل إنّ قاعدة اليقين على فرض حجّيتها من الاصول حتما و لا يمكن‏

____________

(1) الحبل المتن: 37.

(2) فرائد الاصول 3: 13.

17

أن يكون من باب الظنّ حتّى يندرج في الأدلّة، و لعلّه ناظر إلى عدم ما يوجب الظنّ في موردها نوعا أو شخصا، إذ ليس إلّا اليقين السابق و قد زال لسريان الشكّ إلى حاله و صيرورة أصل الحدوث مشكوكا.

و فيه: أنّ القاعدة أولى بحصول الظنّ في موردها من الاستصحاب، لأنّ العقل يلاحظ حينما شكّ في صحّة يقينه السابق أن حال يقينه كان قريب العهد بتحقّق ذلك المشكوك و عدم تحقّقه، و كلّما قرب العهد بزمان شي‏ء يكون الشخص الملتفت أعلم و أحفظ لتفطن حيثيات ذلك الشي‏ء و علل وجوده و استكشاف واقعه بلوازمه و آثاره، و كلّما طال الزمان و بعد العهد بالشي‏ء طرأ الذهول عن الحيثيات المذكورة و وقعت في معرض النسيان، فلا جرم يحصل الشكّ في أصل ثبوته.

و بالجملة مضمون قوله (عليه السلام) هو حين العمل أذكر (1) جواب هذا القائل‏ (2).

قوله: و من العجب أنّه انتصر بهذا الخبر الضعيف الخ‏

(3)

.

قيل إنّ الشيخ لم ينتصر هو بهذا الخبر الضعيف ليكون مورد العجب و إنّما حكى الاستدلال به عمّن استدلّ به، و أيضا كان الاستدلال به في مورد قاعدة اليقين لا في الاستصحاب، كما أنّ تعبير الحلّي (رحمه اللّه) (4) بنقض اليقين باليقين‏

____________

(1) الوسائل 1: 471/ أبواب الوضوء ب 42 ح 7 (نقل بالمضمون).

(2) أقول: و لي فيما ذكر شكّ، لأنّا و إن سلّمنا أنّه حين العمل أذكر بالتقريب المذكور إلّا أنّ نظر الشخص الملتفت فيما تأخّر من الزمان في الشي‏ء أمتن و أصوب من نظره الأوّل في ذلك الشي‏ء، فربما يغفل عن جملة من جهات الشي‏ء في أوّل زمان التفاته إليه و يعتقد فيه أمرا ثمّ يتفطّن إلى تلك الجهات و يحصل له الشكّ بل قد يعتقد بالخلاف، فليتأمّل.

(3) فرائد الاصول 3: 14.

(4) السرائر 1: 62.

18

أيضا في مورد القاعدة لا الاستصحاب، و لا يحضرنا الآن كتاب العدّة كي نلاحظ صدق ما ادّعاه القائل، و أمّا مورد مسألة تعبير الحلّي و هو الماء الذي زال تغيّره من قبل نفسه فلا وجه لتوهّم كونه من موارد قاعدة اليقين كما لا يخفى.

[الأمر الثاني: وجه عدّ الاستصحاب من الأدلّة العقلية]

قوله: الثاني أن عدّ الاستصحاب على تقدير اعتباره من باب إفادة الظنّ من الأدلّة العقلية الخ‏

(1)

.

يعني أنّه من العقليات غير المستقلّة نظير وجوب المقدّمة و حرمة الضدّ و نحوهما، فكما أنّه يثبت فيها الوجوب و الحرمة الشرعيان بالوجوب و الحرمة العقليين بعد فرض حجّية حكم العقل، كذلك يثبت الوجوب الشرعي في الاستصحاب بالنسبة إلى الزمان المشكوك بالوجوب العقلي الظنّي بملاحظة أنّه كان بعد فرض حجّية هذا الحكم العقلي الظنّي كالقطعي، و إلّا فلو لم يفرض الحكم العقلي حجّة في المقامين لم يكن دليلا على الحكم الشرعي.

ثمّ إنّ الدليل على حجّية حكم العقل أيضا ليس إلّا حكم العقل بثبوت الملازمة بينه و بين حكم الشرع على ما قرّر في محلّه، و على هذا لو فرض أنّ الدليل على الملازمة يكون شرعيا كرواية أو آية يكون الحكم الشرعي المستفاد مستندا إلى الدليل الشرعي و لا يقال إنّ دليل الحكم دليل عقلي، و الغرض من هذا التطويل دفع ما أورده بعض المحقّقين على المتن فإنّه قال ما ملخّصه: إنّ مجرّد كون اعتبار الاستصحاب من باب إفادة الظنّ لا يوجب اندراجه في الأدلّة العقلية و إلّا لكان كلّ دليل معتبر من باب الظنّ كالشهرة و الاستقراء و خبر الواحد أيضا على قول بعضهم دليلا عقليا، و كذا كلّ دليل معتبر بالقطع أيضا يسمّى دليلا عقليا و هو كما ترى، إلّا أن يتفصّى عن ذلك بأنّ الاستصحاب ليس عبارة عن الظنّ‏

____________

(1) فرائد الاصول 3: 16.

19

بالبقاء بل يكون عبارة عن الملازمة بين ثبوت الشي‏ء سابقا و ثبوته في الزمان المشكوك ملازمة ظنّية، و لمّا كان الحاكم بهذه الملازمة هو العقل صحّ أن يقال إنّه دليل عقلي.

و أنت خبير بما في هذا الكلام، لما عرفت من أنّ عمدة الوجه في الاستصحاب من الأدلّة العقلية على تقدير اعتباره من باب الظنّ أنّ الحاكم ببقاء ما كان يعني ظنّا هو العقل الثابت حجّيته أيضا بحكم العقل.

ثمّ أورد المورد المذكور على ما ذكره المصنّف في المتن في ذيل بيانه للتوصّل إلى الحكم الشرعي بالحكم العقلي بما ملخّصه: أنّ القياس الذي يتوصّل به إلى الحكم الشرعي قياس آخر صغراه ما هو نتيجة القياس المذكور في المتن و كيفية ترتيب القياسين جميعا هكذا: أنّ الحكم الشرعي الفلاني ثبت سابقا و لم يعلم ارتفاعه، و كلّ ما كان كذلك فهو مظنون البقاء، فالحكم الفلاني مظنون البقاء، ثمّ يترتّب قياس آخر بقولنا إنّ الحكم الفلاني مظنون البقاء و كلّ ما كان كذلك فهو باق شرعا بدليل حجّية ذلك الظنّ شرعا، فالحكم المذكور باق شرعا، و يكون القياسان المذكوران متخالفين في أنّ الصغرى في الأوّل شرعية و الكبرى عقلية و في الثاني بالعكس، نعم لو كان حكم العقل بكبرى القياس الأوّل قطعيا لا يحتاج إلى الدليل كان كما ذكره المصنّف ينتج الحكم الشرعي من دون حاجة إلى قياس آخر كما في الاستلزامات مثل وجوب المقدّمة، فيرتّب القياس هكذا: هذا الشي‏ء واجب و كلّ واجب تجب مقدّمته فهذا تجب مقدّمته، و لو كان حكم العقل بوجوب المقدّمة ظنّيا احتاج إلى قياس آخر كالاستصحاب، فعلى هذا مقايسة الاستصحاب و تنظيره بالاستلزامات كمقدّمة الواجب و نحوها في غير محلّها.

و فيه أوّلا: أنّ القياس الثاني مطوي مفروغ عنه، لما مرّ أنّ الكلام بعد فرض حجّية حكم العقل و إلّا فلا معنى للاستدلال بما ليس بحجّة.

20

و ثانيا: أنّ القياس الثاني محتاج إليه في الأحكام العقلية القطعية أيضا لو لم يفرض مفروغية حجّيتها، فإنّ حكم العقل القطعي أيضا محتاج إلى دليل حجّيته ليصحّ الاستدلال به للحكم الشرعي، و لذلك انعقد باب مسألة الملازمة بين حكم العقل و الشرع.

و ثالثا: أنّ جعله كبرى القياس الثاني ثابت بدليل شرعي كما فرضه و هي مسألة الملازمة يخرج الدليل عن كونه عقليا، فإنّ كلّ دليل يكون كبرى قياسه شرعيا فهو دليل شرعي لا محالة، بل التحقيق أنّ الدليل على الملازمة و حجّية حكم العقل شرعا عقلي أيضا و لذا نسمّيه بالدليل العقلي.

[الأمر الثالث: هل الاستصحاب مسألة اصولية أو فقهية]

قوله: الثالث أنّ مسألة الاستصحاب على القول بكونه من الأحكام العقلية مسألة اصولية

(1)

.

و لنقدّم الكلام ببيان امور ليتّضح ما في المتن و صحّته و سقمه.

الأوّل: أنّه لا ثمرة عملية في تشخيص كون الاستصحاب من المسائل الفرعية أو الاصولية سوى ما قيل من جواز التقليد فيه على الأوّل دون الثاني، و من كون الظنّ فيه حجّة على الأوّل دون الثاني بناء على القول بعدم حجّية الظنّ في المسائل الاصولية، و فيهما تأمّل و سيأتي تحقيقه، و أمّا ثمرته العلمية فواضحة.

الثاني: أنّ تمايز مسائل علم الفقه عن مسائل علم الاصول بتمايز موضوعهما، فكلّ مسألة تبحث عن أحوال موضوع الفقه داخلة في علم الفقه، و كلّ مسألة تبحث عن أحوال موضوع الاصول داخلة في الاصول، و هذا من القضايا المشهورة: إنّ تمايز العلوم بتمايز موضوعاتها.

و قيل إنّ التمايز بينهما أنّ المسائل الفقهية ما تتعلّق بعمل مطلق المكلّف‏

____________

(1) فرائد الاصول 3: 17.

21

و المسائل الاصولية ما تتعلّق بعمل مكلّف خاصّ. و يلزمه أن تكون المسائل المذكورة في خواص النبي (صلّى اللّه عليه و آله) من مسائل علم الاصول.

و قيل أيضا إنّ مسائل الفقه ما تتعلّق بعمل المكلّف أعمّ من المجتهد و المقلّد و مسائل الاصول ما تتعلّق بعمل خصوص المجتهد.

و التحقيق هو الأوّل، و أنّ كلّ مسألة تتعلّق بعمل المكلّف وجوبا أو تحريما صحّة أو فسادا و نحوها فهو من الفقه سواء كانت متعلّقة بعمل مطلق المكلّف أو مكلّف خاصّ مقلّد أو مجتهد، و لا يتوهّم أنّ جميع المسائل الاصولية متعلّقة بعمل المجتهد لأنّه يستعملها في الاستنباط و الافتاء فيلزم دخولها في الفقه على ما ذكر، لأنّ كونها من الاصول بملاحظة تعرّضها لحال الدليل لا بملاحظة أنّه يستعملها الفقيه في مقام الاستنباط، و بهذا اللحاظ الثاني يصحّ عدّها في الفقه و يحكم عليها بالوجوب و الاباحة و الحرمة مثلا فيقال يجب على المجتهد إعمال هذه القواعد للاستنباط، و بالجملة حيثية حال العمل و حال الدليل ملحوظة في مقام التميّز.

الثالث: أنّ موضوع علم الفقه هو عمل المكلّف وجوبا أو تحريما أو صحّة أو فسادا و نحوها من الأحكام، و أمّا موضوع علم الاصول فلا شكّ أنّه من سنخ الدليل، إلّا أنّ فيه احتمالات و أقوالا منها: أنّه الأدلّة الأربعة المعروفة.

و منها: أنّه مطلق الأدلّة، أي أدلّة الفقه، و على كلا القولين يحتمل أن يكون الموضوع ذوات الأدلّة، و يحتمل أن تكون الأدلّة بعد الفراغ عن وصف دليليتها، فعلى الأوّل يكون البحث عن دليليتها بحثا عن أحوالها و يدخل في مسائل علم الاصول، و على الاحتمال الثاني يكون ذلك بحثا عن وجود الموضوع فيدخل في المبادئ.

و منها: أنّه مطلق ما قيل أو احتمل أنّه من أدلّة الفقه سواء كان دليلا في الواقع أم لا، و على هذا يكون البحث عن عدم دليلية ما احتمل دليليته بل ما قطع‏

22

بعدم دليليته كالقياس مثلا بحثا عن أحوال الموضوع فيدخل في علم الاصول، و هذا بخلافه على الاحتمالين الأوّلين. و التحقيق في موضوع الاصول هو هذا الاحتمال الأخير، فيكون جميع المسائل الباحثة عن إثبات دليلية الدليل أو إثبات عدم دليلية الدليل داخلا في علم الاصول غير محتاج إلى التكلّف أو جعلها من المبادئ.

الرابع: أنّ الاستصحاب المبحوث عنه يجري في الأحكام و الموضوعات، و حجّيته إمّا من العقل أو من التعبّد الشرعي بأخبار عدم نقض اليقين بالشكّ، أو التعبّد العقلائي الذي يأتي التكلّم عليه، فينبغي التكلّم في محلّ المسألة أنّها من مسائل الاصول أو الفقه على جميع التقادير المذكورة.

ثمّ إنّه على القول باعتبار الاستصحاب من باب الظنّ تارة يقع الكلام في ثبوت الظنّ و عدمه و اخرى في حجّية ذلك الظنّ بعد فرض ثبوته و عدمها، فينبغي التكلّم على الجهتين.

إذا تمهّد ذلك فنقول: إنّ الاستصحاب الجاري في الأحكام بناء على كون اعتباره من العقل مسألة اصولية على ما في المتن، لكن بناء على كون موضوع الاصول ذوات الأدلّة حتّى يكون البحث عن دليلية الأدلّة و منها الاستصحاب داخلا في البحث عن أحوال الدليل، إلّا أنّه يرد عليه أنّ ذات الدليل العقلي ليس إلّا حكم العقل بكذا، فإذا كان هذا الحكم العقلي في الاستصحاب محلا للنزاع و يتكلّم في وجوده و نفيه فلم يكن ذلك بحثا عن أحوال الموضوع بل يكون بحثا عن وجود فرد من أفراد الموضوع و عدمه، و هذا الإشكال جار في جميع المباحث الاصولية العقلية كمبحث مقدّمة الواجب و حرمة الضدّ و الانتفاء عند الانتفاء في المفاهيم و غيرها، فإنّ محلّ البحث فيها أيضا ثبوت حكم العقل بوجوب المقدّمة عند وجوب ذيها و ثبوت حكم العقل بالملازمة بين وجوب شي‏ء

23

و حرمة ضدّه و هكذا، فيلزم أن تكون هذه المسائل و هي جلّ مسائل الاصول خارجة عن علم الاصول، نعم لو جعلنا الدليل نفس جوهر العقل ليكون الأحكام العقلية من عوارضها دخلت في علم الاصول.

و قيل: لو كان البحث في الاستصحاب بناء على اعتباره من باب الظنّ في حكم العقل بالملازمة بين ثبوت الشي‏ء في الزمان الأوّل و بقائه في الزمان الثاني و لو ظنّا فالمسألة اصولية و تكون كسائر المباحث العقلية الاصولية، فإنّ البحث في مقدّمة الواجب في حكم العقل بثبوت الملازمة بين وجوب الشي‏ء و وجوب مقدّمته، و البحث في مسألة الضدّ في حكم العقل بالملازمة بين وجوب الشي‏ء و حرمة ضدّه و هكذا، و لو كان البحث في حجّية الظنّ الحاصل بملاحظة اليقين السابق و أنّه يجب العمل به فالمسألة فرعية لأنّها متعلّقة بكيفية العمل.

و فيه ما فيه، فإنّه يلزم على ما ذكره أن يكون البحث عن حجّية كلّ دليل من مسائل الفروع، و حلّه ما عرفت من أنّ البحث عن دليلية الدليل بحث عن أحوال الدليل لو جعلنا الموضوع ذات الدليل، و لو جعل الموضوع الدليل بوصف الدليلية يكون البحث عن الدليلية من المبادئ، و لو جعل الموضوع هو المعنى الأعمّ الذي اخترناه فالأمر أوضح.

قوله: من المبادئ التصديقية للمسائل الاصولية الخ‏

(1)

.

قد عرفت أنّه بناء على اعتبار الاستصحاب من باب الظنّ يرجع البحث فيه إلى البحث عن ثبوت حكم العقل بالظنّ بالبقاء ليكون ذلك دليلا على ثبوت الحكم الظاهري الفرعي في مورده بعد فرض حجّية الظنّ المذكور، فيرجع البحث إلى التصديق بدليلية الاستصحاب و عدمها. و بعبارة اخرى التصديق بوجود الموضوع‏

____________

(1) فرائد الاصول 3: 17.

24

أعني الدليل و عدمه، و قد قالوا إنّ التصديق بوجود موضوع العلم يعدّ من المبادئ التصديقية لذاك العلم كما صرّح به في حاشية تهذيب المنطق للمحقّق التفتازاني‏ (1)، و إلى ذلك أشار المصنّف في المتن إلّا أنّه ذكر في تلك الحاشية أيضا أنّ ما ذكر مبني على التسامح فإنّ المبادئ التصديقية عبارة عن قضايا يستدلّ بها في العلم، و ليس التصديق بوجود الموضوع منها بل هو من المسائل، لأنّ المسألة مركّبة من موضوع و محمول و نسبة بينهما، فالتصديق بالمسألة يحصل بالتصديق بوجود الموضوع و المحمول و النسبة، و بالجملة يكون التصديق بوجود الموضوع داخلا في المسائل لا المبادئ.

قوله: و لعلّه موافق لتعريف الاصول بأنّه العلم بالقواعد الممهّدة الخ‏

(2)

.

بل الظاهر أنّ هذا التعريف موافق لما اخترنا من أنّ الموضوع مطلق ما احتمل أو قيل إنّه دليل الفقه، لكن يبقى شي‏ء و هو أنّ الظاهر أنّ البحث عن ثبوت بعض الموضوعات الشخصية للدليل كالبحث عن أنّ كتاب فقه الرضا (عليه السلام) خبر أم لا أو الآية الفلانية قرآن أم لا أو أنّ آية حَتَّى يَطْهُرْنَ‏ (3) بالتشديد أو بالتخفيف و أمثال ذلك من مسائل الاصول مع أنّها ليست بقواعد ممهّدة للاستنباط بل من قبيل تشخيص حال بعض الموضوعات الخارجية إلّا أنّه يتوقّف عليه الاستنباط، و على هذا لا يكون التعريف المذكور جامعا (4).

____________

(1) الحاشية على تهذيب المنطق: 115.

(2) فرائد الاصول 3: 18.

(3) البقرة 2: 227.

(4) أقول: لا نسلّم دخول ما ذكر في علم الاصول، بل هي داخلة في علم الحديث و القرآن-

25

ثمّ لا يخفى أنّ ما يذكره الفقهاء في كتبهم الاستدلالية على ما هو المتداول بينهم من إيراد الأدلّة في جزئيات المسائل و النقض و الإبرام و دفع الشبهات و المناقشات و نحوها ليس من الفقه لأنّه ليس من مسائله و لا من الاصول، بل هو إعمال لمسائل الاصول و تطبيق لها على المورد، و بعبارة اخرى كيفية نفس الاستنباط الذي مهّدت قواعد الاصول لأجله، كما أنّ ما يذكره الاصوليون في كتبهم الاستدلالية من أمثال ما ذكر ليس من الاصول، فالمسألة الاصولية مثلا أنّ العام المخصّص حجّة في الباقي، و سائر الامور المذكورة في ذاك الفصل من الأدلّة و النقض و الإبرام من كيفية استنباطها لا المسائل.

قوله: أمّا على القول بكونه من الاصول العملية

(1)

.

محصّل ما حقّقه أنّ الاستصحاب على القول باعتباره من باب الظنّ من الأدلّة و البحث عنه بحث عن الدليل، إذ يكون هذا الظنّ دليلا على المسائل الفرعية على فرض حجّيته، و على القول باعتباره من الأخبار من المسائل و القواعد الفقهية، و لكن لا يخفى أنّ هذا التفكيك في معنى الاستصحاب بالنسبة إلى المذهبين تفكيك بعيد ركيك، و على هذا فالمناسب أحد الأمرين إمّا أن يجعل الاستصحاب عبارة عن الظنّ بالبقاء و يجعل دليل اعتبار هذا الظنّ حكم العقل على قول و أخبار حرمة نقض اليقين على القول الآخر بدعوى دلالة تلك الأخبار على حجّية الظنّ الاستصحابي كما قيل، و إمّا أن يجعل عبارة عن إبقاء ما كان من الحكم الشرعي على القولين و يكون دليل هذا الحكم حكم العقل أو الأخبار على‏

____________

- و لا ضير في تعرّض الاصولي لها أحيانا عند مسيس الحاجة إليه أو لأجل مناسبة دعته إليه و كم له من نظير.

(1) فرائد الاصول 3: 18.

26

اختلاف المذهبين، فعلى الأوّل يكون الاستصحاب من الأدلّة و البحث عنه من مسائل الاصول، و على الثاني من القواعد الفرعية، و هذا هو الأظهر الموافق لأكثر تعريفات الاستصحاب كالابقاء و البقاء و ما يساوقهما كما عرفت سابقا، هذا كلّه ما يقتضيه النظر الجلي، إلّا أنّ التحقيق الذي يقتضيه النظر الدقيق ما سيأتي في الحاشية اللاحقة.

قوله: نعم تندرج تحت هذه القاعدة مسألة اصولية

(1)

.

و على هذا ينبغي أن يعدّ الاستصحاب من القواعد المشتركة بين الاصول و الفقه، بل قد عرفت أنّه ربما يجري الاستصحاب في المسائل الكلامية لو فرض تحقّق أركانه و شرائطه فيها، فإذن يكون مشتركة بين الثلاثة، و حيث كان بهذه المثابة فالتحقيق أن يقال إنّه تابع لما يستصحب، فإن كان المستصحب حكما شرعيا فالمسألة فقهية متعرّضة لثبوت ذلك الحكم في الزمان اللاحق أيضا، و إن كان شيئا من عوارض الدليل مثل عدم التخصيص و النسخ و أمثالهما فالمسألة اصولية، و إن كان موضوعا خارجيا كعدالة زيد و نجاسة ثوبه أو رطوبته و نحوها فلا يعدّ من مسائل العلوم بل هو ممّا يحرز به الامور الخارجية كالبيّنة و قول ذي اليد و أمثالهما، لكن يصح عدّه بهذا الاعتبار من مبادئ الفقه نظرا إلى أنّه ممّا يتشخّص به موضوعات الأحكام الفرعية فتأمّل.

إذا عرفت ذلك فنقول: لو قلنا بأنّ تمايز العلوم بتمايز موضوعاتها كما هو المشهور، و أنّ كلّ مسألة باحثة عن عرض موضوع علم فهي من مسائل ذاك العلم، كان الاستصحاب على هذا من القواعد المشتركة كما عرفت، و لو قلنا بأنّ مناط التميّز الغرض الداعي إلى البحث عن المسألة و يقال لو كان الغرض معرفة

____________

(1) فرائد الاصول 3: 18.

27

حال فعل المكلّف فالمسألة فقهية و إن كان فائدتها بل موضوعها أعمّ من ذلك، و لو كان الغرض معرفة حال الدليل فالمسألة اصولية و إن كان فائدتها أعمّ و هكذا، فيمكن أن يجعل الاستصحاب مسألة فقهية بملاحظة أنّ غرضهم في البحث عنه استعلام الحكم الفرعي و حال فعل المكلّف، و لا ينافي ذلك جريانه أحيانا في الموضوعات الخارجية و في المسائل الاصولية و الكلامية، و لعلّ ثاني الوجهين أقرب، أ لا ترى أنّ جلّ المسائل الاصولية كمباحث الأوامر و النواهي و العام و الخاصّ و المطلق و المقيّد و المجمل و المبيّن و نحوها لا تنحصر فائدته في معرفة أحوال أدلّة الفقه بل يعمّ سائر الألفاظ، سواء كان من الشارع في غير مقام بيان الحكم الفرعي كما في الخطب و المواعظ و القصص و الحكايات الواردة عن المعصومين (عليهم السلام) أو كان اللفظ من سائر الناس غير المعصوم (عليه السلام)، مثلا كون الأمر للوجوب و النهي للحرمة و الأمر عقيب الحظر للاباحة و هكذا مسائل متعرّضة لحال الأمر و النهي مطلقا، سواء كان ذلك الأمر و النهي واردين لاثبات الحكم الشرعي أم لا، و مع ذلك تعدّ هذه المسائل من الاصول، و ليس إلّا لأجل أنّ الغرض من البحث عنها معرفة حال أدلّة الفقه و قد مهّدت لذلك، و هو موافق لتعريف الاصول بالعلم بالقواعد الممهّدة لاستنباط الأحكام الشرعية الفرعية الخ، هذا.

و قد بقي هنا شي‏ء و هو أنّ جميع ما ذكرنا مبني على كون الاستصحاب عبارة عن إبقاء ما كان بمعنى ابقاء المتيقّن في السابق على ما هو من مذاق المصنّف بل المشهور، و أمّا بناء على المختار الذي أشرنا إليه غير مرّة و سيأتي في محلّه مفصّلا إن شاء اللّه تعالى من كون الاستصحاب عبارة عن إبقاء اليقين السابق كما هو ظاهر أخباره لكن تنزيلا، فيمكن بل يتعيّن أن يكون الاستصحاب من المسائل الاصولية، لأنّ مرجعه على هذا إلى أنّ اليقين السابق دليل تعبّدي على‏

28

ثبوت الحكم ظاهرا في الزمان المشكوك فيه، و يكون حاله حال سائر الطرق التعبّدية في كونها طرقا موصلة إلى الحكم و أدلّة للحكم الفرعي فافهم و اغتنم.

قوله: و هذا من خواصّ المسألة الاصولية الخ‏

(1)

.

نمنع كون ما ذكر من خواصّ المسألة الاصولية، و سند المنع أنّ من المسائل الفرعية أيضا يكون كذلك كما إذا كان موضوع المسألة ممّا لا يعرفه المقلّد و يجب أن يرجع فيه إلى أهل خبرته، فلو فرض أنّ أهل الخبرة فيه منحصر في المجتهد لا جرم يكون رجوعه فيه إلى المجتهد فحسب و لا حظّ لغيره فيه، و الاستصحاب من هذا القبيل فإنّ موارد جريانه في الأحكام و الموضوعات الكلّية أو الجزئية و تميّز الحاكم من المحكوم و مثبته من غير المثبت ممّا لا يعرفها سوى المجتهد فلذا اختصّ اجراؤه بالمجتهد كما هو كذلك في كثير من القواعد الفرعية كتشخيص مجاري البراءة و الاحتياط و التخيير و قاعدة الحرج و الضرر و غيرها، و ما ذكرنا من المنع محتمل مراد السائل الذي أشار إليه في المتن في:

قوله: فإن قلت إنّ اختصاص هذه المسألة بالمجتهد لأجل أنّ موضوعها الخ‏

(2)

.

و يحتمل أن يكون مراده بعد تسليم الخاصّية المذكورة أنّ اختصاص هذه المسألة بالمجتهد ليس باعتبار مضمونها و إجراء حكمها في مواردها و بهذا الاعتبار عدّ من خواصّ المسألة الاصولية، بل لأجل أنّ موضوعها لا يتشخّص إلّا للمجتهد، فالمجتهد نائب عن المقلّد في ذلك و إلّا فالحكم مشترك بينهما كما هو شأن المسائل الفرعية، و على الاحتمال الأوّل- الذي جزم به سيّدنا الاستاذ (دامت‏

____________

(1) فرائد الاصول 3: 19.

(2) فرائد الاصول 3: 19.

29

بركاته)- يرد على ما أجاب به عن السؤال في المتن أنّه لا ينفع في دفع السؤال بوجه من الوجوه، لأنّ السائل منع كون ما ذكر خاصّة للأصول حتّى يكون تميّز الاصول من الفقه بذلك، بل التمايز بتمايز الموضوع أو الغرض على ما ذكرنا، فلا فائدة في بيان أنّ جميع مسائل الاصول مساوية للاستصحاب في أنّ تشخيص موضوعاتها وظيفة المجتهد، و على الاحتمال الثاني فجواب السؤال في محلّه و لا يرد عليه شي‏ء سوى ما أوردنا على أصل الإشكال من منع الخاصية المذكورة (1).

قوله: لأنّ وجوب العمل بخبر الواحد و ترتيب آثار الصدق عليه الخ‏

(2)

.

فيه- مضافا إلى ما مرّ في الحاشية السابقة- ثبوت الفرق بين وجوب العمل بخبر الواحد و الاستصحاب، و هو أنّ خبر الواحد الذي هو موضوع حكم وجوب العمل أمر واقعي قابل لتعلّق علم المقلّد به كما تعلّق به علم المجتهد، فيصحّ أن يقال إنّ المقلّد لمّا عجز عنه يرجع إلى من هو أهل خبرته و هو المجتهد، و هذا بخلاف الاستصحاب فإنّ موضوعه أي اليقين السابق الملحوق بالشكّ لا يتحقّق إلّا للمجتهد، إذ لا عبرة بيقين المقلّد و شكّه لأنّه ليس أهلا للاستنباط، فيقين المجتهد موضوع حكم المقلّد في الاستصحاب في الحكم الفرعي، و هذا نظير أن يقال اعمل برأي زيد و اعتقاده، فلا يصحّ أن يقال إنّ زيدا نائب عن المكلّف في تحصيل الاعتقاد لعجزه عنه، نعم يتحقّق موضوع الاستصحاب في استصحاب الموضوعات بيقين المقلّد و شكّه لأنّه من أهل معرفتها و هو المناط في تحقّق مجرى الاستصحاب في الموضوعات، و لا عبرة بيقين المجتهد و شكّه بالنسبة إلى‏

____________

(1) أقول: لا يخفى أنّ الأظهر بل المتعيّن هو هذا الاحتمال الثاني.

(2) فرائد الاصول 3: 19.

30

حكم المقلّد فيها (1).

____________

(1) أقول: لا يخفى أنّه بناء على هذا التحقيق يشكل الأمر في معنى قوله (عليه السلام):

«لا تنقض اليقين بالشكّ» فيلزم أن يحمل على أنّ المراد منه ابق ما كان متيقّنا للمجتهد ثمّ شكّ فيه بالنسبة إلى الأحكام، و ابق ما كان متيقّنا لك ثمّ شككت فيه بالنسبة إلى الموضوعات، و هو كما ترى بعيد في الغاية، ضرورة أنّ الخطابات الشرعية بأسرها شاملة لجميع المكلّفين بعد تحقّق موضوعها، مضافا إلى أنّ التفكيك بين الأحكام و الموضوعات باعتبار يقين المجتهد و شكّه في الأوّل و يقين مطلق المكلّف و شكّه في الثاني كما عرفت أيضا تفكيك ركيك.

فإن قلت: إنّ هذا الإشكال مشترك بين الاستصحاب و جميع أدلّة الأحكام، فإنّ المقلّد يعمل بظنّ المجتهد أو بيقينه الحاصل من الخطابات الشرعية لا بظنّه و يقينه لأنّه ليس من أهل الاستنباط.

قلت: الفرق واضح فإنّ الأحكام الواقعية ثابتة للموضوعات الواقعية لا تختلف بالعلم و الجهل أصلا، و خطاباتها شاملة لجميع المكلّفين، غاية الأمر أنّ المقلّد عاجز عن فهمها و استنباط الأحكام منها فينوب عنه المجتهد في ذلك، و هذا بخلاف الاستصحاب فإنّ موضوعه الشاكّ من بعد يقينه و لا يصدق هذا المعنى في الأحكام إلّا في حقّ المجتهد لأنّ المقلّد غافل بالمرّة عن الحكم غالبا، و لو كان ملتفتا و فرض أنّه تيقّن بالحكم ثمّ شكّ فقد عرفت أنّه لا عبرة بيقينه و شكّه، و لا ينوب المجتهد عنه إلّا في استنباط الحكم لا في الشكّ و اليقين اللذين اخذا في موضوعه، فلا جرم يكون شكّ المجتهد و يقينه موضوعا لحكم المقلّد بالعمل بالاستصحاب، و يلزمه ما ذكرنا من أنّ معنى لا تنقض اليقين بالشكّ بعد العلم بشمول الحكم المستفاد منه للمقلّدين أيضا لا تنقض أيّها المقلّد يقين المجتهد بشكّه يعني اعمل بمقتضى يقين مجتهدك في السابق.

و لا يخفى أيضا أنّ هذا الإشكال جار في أدلّة جميع القواعد الظاهرية التي اخذ في-

31

____________

- موضوعها الشكّ كقاعدة الطهارة و البراءة و الاحتياط و التخيير، فيكون معنى قوله: «كلّ شي‏ء طاهر» باعتبار شموله للمقلّد أنّ كلّ شي‏ء مشكوك النجاسة عند المجتهد كالماء المتمّم كرّا مثلا محكوم بالطهارة للمقلّد، و معنى قوله (عليه السلام): «الناس في سعة ما لا يعلمون» أنّ الناس في سعة ما لا يعلم حكمه المجتهد و هكذا.

و لمّا عرضت هذا الإشكال على سيّدنا الأستاذ استصعبه أوّلا ثمّ أجاب عنه بأحد وجهين على سبيل منع الخلو.

الأوّل: أنّه يجوز أن يحمل اليقين و الشكّ في خبر لا تنقض على أعمّ من اليقين و الشكّ الفعليين أو الشأنيين، فموضوع الاستصحاب على هذا أمر واقعي متحقّق في حقّ المقلّد في مجاري الاستصحابات في الأحكام بملاحظة اليقين الملحوق بالشكّ الشأنيين، بمعنى أنّ هذا المجرى من شأنه أن يحصل للمكلّف أوّلا اليقين بالحكم ثمّ يحصل الشكّ فيه بالنسبة إلى الزمان المتأخّر عنه، و كذا موضوع سائر القواعد الظاهرية الشكّ الشأني فيقال مثلا إنّ شأن الشبهة التحريمية فيما لا نصّ فيه أن يشكّ فيه إذا لوحظ عدم النصّ على حكم فيها و إن كان المكلّف لم يلاحظه أو كانت ملاحظته كعدمها لعدم العبرة بها لعدم كونه من أهل الخبرة، فمعنى قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «رفع ما لا يعلمون» رفع ما كان شأنه عدم العلم به، لعدم النصّ مثلا و هكذا.

و فيه: مضافا إلى أنّه خلاف ظاهر اللفظ جدّا، أنّه إحالة على المجهول المطلق، لأنّ جلّ المسائل الفقهية في معرض الشكّ و اليقين في آن واحد بالنسبة إلى كلّ حالة و زمان، أ لا ترى أنّ أغلب المسائل فيه أقوال للعلماء و حصل التردّد فيه لبعضهم الآخر، فيكون من شأنها الشكّ و كذا من شأنها اليقين، و ربما حصل لبعضهم الشكّ بعد اليقين و لم يحصل ذلك لبعضهم، فيلزم أن يعمل في هذه المسائل بأجمعها بالأصول لتحقّق موضوعها، و أنت خبير بما فيه.-

32

____________

- الثاني: أن نلتزم بأنّ خطاب لا تنقض مختصّ بالمجتهد بقرينة تعليقه على موضوع لا يتحقّق في غيره و مع ذلك الحكم المستفاد منه عام شامل لجميع المكلّفين، و هذا نظير وجوب الاجتهاد و الافتاء المستفاد من آية النفر و غيره فإنّ الخطاب بذلك مختصّ بالمجتهد إلّا أنّ الحكم المستنبط حكم الجميع، بيان ذلك أنّ المجتهد إذا تيقّن بالحكم في زمان علم أنّه حكم عامّ شامل له و لغيره، بل ربما يكون الحكم مختصّا بغيره كما إذا لم يكن داخلا في موضوعه كالأحكام المتعلّقة بخصوص النساء و الخناثى و نحوها، ثمّ إذا شكّ في بقاء هذا الحكم المتيقّن في السابق في حقّ من تعلّق به الحكم أوّلا يقينا، يحكم ببقائه في حقّه بدليل لا تنقض و إن كان المكلّف بالحكم المزبور غافلا عن ذلك كلّه ثمّ يفتي بذلك و يجب على مقلّده أن يعمل به و لا محذور، و بمثل ذلك يجاب عن الإشكال في سائر أدلّة القواعد الظاهرية فإنّ المجتهد يلاحظ حال تكليف غيره فيشكّ ثمّ يحكم ببراءة المكلّف عنه أو التخيير أو الاحتياط حسب ما يقتضيه دليله و يفتي به و يعمل به المقلّد.

و فيه: أوّلا أنّه خلاف ظاهر الخبر فإنّ ظاهره أنّ المخاطب به جميع من يجري حكمه في حقّه كما في سائر الأدلّة لا خصوص المجتهد.

و ثانيا: أنّ هذا لا يتمّ في مثل قوله (عليه السلام): «الناس في سعة ما لا يعلمون» و «ما حجب اللّه علمه عن العباد» و «رفع ما لا يعلمون» و «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» و أشباهها، إذ بعد التعسّف بأنّ المراد براءة الناس عند عدم علم المجتهد لهم تكليفا لا يساعده صناعة النحو في العبارات المذكورة فإنّ مرجع الضمير في الخبر الأوّل ليس إلّا الناس لا مجتهدهم، و في الثاني هو العباد و في الثالث الأمّة لا مجتهدهم، و كيف يمكن توجيه العبارة موافقا للمعنى المزبور، و لمّا عرضت ما أوردت على الوجهين على السيّد الاستاذ (دام ظلّه) سكت و لم يردّ جوابا إلّا أنّه أمر بالتأمّل.

33

قوله: و قد جعل بعض السادة الفحول الخ‏

(1)

.

هو بحر العلوم على ما حكي عنه في فوائده‏ (2)، و يمكن أن يوجّه كلامه بحيث لا يتوجّه عليه ما أورده المصنّف عليه بأن يقال إنّ الاستصحاب عبارة عن إبقاء ما كان و إثبات الشي‏ء بملاحظة الحالة السابقة، و الحكم الذي يستدلّ له بالاستصحاب هو الوجوب أو الحرمة الفعليان مثلا في الظاهر، و لم يعتبر في هذا الحكم الخاصّ ملاحظة الحالة السابقة كما اعتبر في دليله أي الاستصحاب، فليست القضية الكلّية المستفادة من حديث لا تنقض عين الأحكام الجزئية الثابتة بها و يكون تفاوتها بالعموم و الخصوص، بل يكون من إثبات قضية بقضية اخرى و هو المعني من الدليل و المدلول.

و الجواب: أنّ هذا المقدار من التفاوت لا يجدي فيما أراده، فإنّ الحكم و الموضوع في القضيتين واحد و مجرّد ملاحظة الحالة السابقة المأخوذة في إحدى القضيتين دون الاخرى لا يوجب أن تكون إحداهما دليلا مثبتا للاخرى.

فإن قلت: سلّمنا ذلك و مع ذلك نقول بأنّه إنّ الاستصحاب دليل على ثبوت الأحكام الجزئية في مواردها لأنّه يصحّ به أن يرتّب قياس عليها هكذا: هذا الشي‏ء كان واجبا في السابق، و كلّ ما كان واجبا في السابق فهو واجب فعلا، فهذا الشي‏ء واجب فعلا، فقد استدلّ على الوجوب الفعلي المطلوب بالقضية الكلّية التي جعلت كبرى القياس و هو الاستصحاب.

قلت: نعم يصحّ إطلاق الدليل عليه بهذا الاعتبار كما أنّ جميع القضايا الكلّية بهذا الاعتبار دليل على جزئياتها اصولية كانت أو فرعية أو غيرها، أ لا ترى‏

____________

(1) فرائد الاصول 3: 19.

(2) فوائد السيّد بحر العلوم: 116- 117.

34

أنّ قولنا الكلب نجس و الماء طاهر و نحوهما مسألة فرعية بلا كلام مع أنّه يصحّ الاستدلال بها على جزئياتها فيقال هذا كلب و كلّ كلب نجس فهذا نجس و هكذا، إلّا أنّ من الواضح أنّ مرادنا من الدليل هاهنا هو الدليل على أصل ثبوت الحكم في الشريعة كما هو حال الأدلّة الأربعة بالنسبة إلى مدلولاتها.

بقي الكلام في شي‏ء أشرنا إليه في صدر المبحث و هو بيان مورد الثمرة المترتّبة على كون المسألة اصولية أو فقهية، و جميع ما قيل أو يقال فيه امور منها:

النذر و شبهه من العهد و اليمين و الوقف و الوصية، فلو نذر أو حلف أو وقف أو أوصى مالا لمن يشتغل بعلم الاصول فلو كان الاستصحاب من الاصول يصحّ اعطاء المال لمن يشتغل بالاستصحاب و إلّا فلا.

و منها: حجّية الظنّ فيه و عدمه بناء على قول من يذهب إلى حجّية الظنّ في الفروع دون الاصول. لكن فيه أنّ المبنى فاسد.

و التحقيق أنّ الظنّ المنتهى إلى العلم بأن قام دليل قطعي على اعتباره و لو بالواسطة حجّة مطلقا في الفقه و الاصول، و غير المنتهى إلى العلم ليس بحجّة مطلقا فيهما.

و منها: جواز التقليد فيه و عدمه فإنّ ما يصحّ التقليد فيه إنّما هو المسائل الفرعية دون الاصولية، لكن لقائل أن يمنع هذا و يقول لم لا يجوز التقليد في المسألة الاصولية لو فرضنا أنّ التقليد فيها ينفع المقلّد و إلّا فالتقليد في أغلب المسائل الاصولية لا ينفعه في عمله، فلو فرضنا أنّ المقلّد عالم بجميع الامور التي يستنبط منها الحكم الفلاني علما وجدانيا ما عدا أمر واحد يكون من المسألة الاصولية ككون الأمر للوجوب مثلا، فإن قلّد في هذه المسألة الخاصّة ينفعه في استنتاج الحكم الفرعي و يعمل به، و التحقيق أنّ المرجع في هذا المطلب ملاحظة أدلّة التقليد فإن كان الدليل هو الإجماع و السيرة فلا ريب أنّ القدر المتيقّن منهما

35

هو الأحكام الفرعية، و إن كان مثل قوله تعالى: فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ (1) فهو أعمّ من ذلك فافهم.

[الأمر الرابع: مناط اعتبار الاستصحاب على القول بالتعبّد و على القول بالظن‏]

قوله: على القول بكونه من باب التعبّد الظاهري، هو مجرّد عدم العلم بزوال الحالة السابقة

(2)

.

نعم هو كذلك، و توهّم أنّ الأخبار أيضا مبتنية على الاعتماد بالظنّ الحاصل من الوجود السابق كما احتمله المحقّق القمي و استشكله مدفوع بأنّه إن اريد الظنّ الشخصي فهو بعيد عن إطلاق الأخبار جدّا سيّما صحيحة زرارة الآتية فإنّ فرض الظنّ الشخصي في موردها و هو المتطهّر الذي عرضته الخفقة و الخفقتان ببقاء الطهارة السابقة يكذبه الوجدان، فإنّ الخفقة و الخفقتان من أمارات النوم، فإن لم نقل بكون النوم مظنونا حينئذ فلا أقل من عدم كون عدم النوم مظنونا، بل نقول بكون النوم مظنونا في مورد السؤال بملاحظة قوله بعد ذلك «قلت فإن حرّك إلى جنبه شي‏ء و هو لا يعلم به، قال (عليه السلام) لا حتّى يستيقن أنّه قد نام حتّى يجي‏ء من ذلك أمر بيّن و إلّا فإنّه على يقين من وضوئه و لا ينقض اليقين بالشكّ أبدا و لكن ينقضه بيقين آخر» فتدبّر، و إن اريد الظنّ النوعي فهو مع بعده عن مساق الأخبار مدخول بما سيأتي في محلّه من منع اقتضاء ثبوت ما ثبت الظنّ بالبقاء نوعا بأوفى بيان، فليس الظنّ النوعي متحقّقا في مورد الاستصحاب حتّى يصحّ تنزيل الأخبار عليه، و هذا بخلاف موارد البيّنة و الغلبة و يد المسلم و سوقه و نحوها من الأمارات المعتبرة من باب الظنّ النوعي فإنّ ما يقتضي حصول الظنّ فيها بيّن و إن لم يحصل أحيانا.

____________

(1) النحل 16: 43.

(2) فرائد الاصول 3: 21.

36

قوله: نعم ذكر شيخنا البهائي (رحمه اللّه) الخ‏

(1)

.

ما ذكره و إن كان مخالفا للمعهود من طريقة القوم إلّا أنّه أنسب بحسب الاعتبار لو قيل بحجّية الاستصحاب من باب الظنّ و بناء العقلاء من الظنّ النوعي، لما عرفت من منع ما يقتضي الظنّ نوعا، لأنّ ما ثبت جاز أن يدوم و جاز أن لا يدوم على ما يأتي بيانه، و لو سلّم فإنّما يسلّم حكم العقل و بناء العقلاء على اعتبار هذا الظنّ النوعي بملاحظة الحالة السابقة فيما لم يحصل الظنّ الشخصي بخلافها أو الظنّ النوعي في صنف خاصّ من المستصحبات بخلافها، و أمّا بناء العمل على الظنّ الشخصي عند العقل و العقلاء فهو حسن مرضي لا ينبغي أن يشك فيه.

قوله: فاخراج الظنّ منه ممّا لا وجه له‏

(2)

.

يعني أنّ استخراج الظنّ و استفادته من إطلاق الأخبار الشاملة لصورة الشكّ و الظنّ ممّا لا وجه له، و لا حاجة في توجيه العبارة إلى ما قيل من أنّ المراد إخراج الظنّ بالخلاف منه ممّا لا وجه له فإنّه بعيد عن سوق الكلام فتدبّر.

قوله: و يمكن استظهار ذلك من الشهيد في الذكرى‏

(3)

.

لعلّ وجه الاستظهار استشهاده في ترجيح الظنّ على الشكّ بأنّ ترجيح الظنّ مطّرد في العبادات، و من المعلوم أنّ الظنّ المعتبر في الصلاة هو الظنّ الشخصي سواء كان في عدد ركعاتها أو أفعالها و أقوالها على القول به، و يمكن منع الاستظهار لأنّا لا نعرف اعتبار الظنّ الشخصي في غير الصلاة من سائر العبادات، و يبعد أن يريد بالعبادات بصيغة الجمع خصوص الصلاة من بينها و حينئذ يحمل‏

____________

(1) فرائد الاصول 3: 21.

(2) فرائد الاصول 3: 22.

(3) فرائد الاصول 3: 22.

37

كلامه على الظنّ النوعي، و استشهاده بالعبادات باعتبار حجّية الظنّ النوعي من البيّنة و قول ذي اليد و يد المسلم و نحوها فيما يتعلّق بالعبادات من مقدّماتها و شرائطها و موانعها (1).

قوله: و مراده من الشكّ مجرّد الاحتمال‏

(2)

.

يعني فلا ينافي اجتماعه مع الظنّ الشخصي الذي استظهره من كلامه، و الغرض من هذا دفع ما أورد على الشهيد من أنّ اجتماع الظنّ و الشكّ أيضا محال كاجتماع اليقين و الشكّ فكيف أجاب عن إشكال التناقض بين اليقين و الشكّ باختلاف زمانهما و التزم بمثله في قوله فيؤول إلى اجتماع الظنّ و الشكّ في زمان واحد، و هذا توجيه حسن لكلام الشهيد إلّا أنّ المصنّف أورد عليه في آخر تنبيهات الاستصحاب بما لا يخلو عن نظر، و لعلّنا نتكلّم عليه هناك إن شاء اللّه تعالى.

قوله: فتأمّل‏

(3)

.

لعلّه إشارة إلى منع ما استظهره من كلام الشهيد من أنّ المناط في اعتبار الاستصحاب من باب الأخبار أيضا هو الظنّ، إذ لا وجه للاستظهار سوى تعبيره عن الاستصحاب بقوله: «اليقين لا ينقضه الشكّ» عين عبارة الخبر، و لا دلالة في‏

____________

(1) أقول الاستظهار المذكور قريب، و ما ذكر في دفعه مدخول بأنّ اعتبار الظنّ الشخصي في الصلاة يكفي في الاستشهاد لأنّها أعظم أنواع العبادات و أنّها أوّل ما ينصرف الذهن إليه من لفظ العبادة، و لا ينافيه الاتيان بصيغة الجمع باعتبار أنّ الصلاة ذات أنواع و أصناف فكأنّه قال كما هو مطّرد في الصلوات.

(2) فرائد الاصول 3: 23.

(3) فرائد الاصول 3: 23.

38

هذا التعبير بمجرّده على أنّه يتكلّم بناء على اعتبار الاستصحاب من باب الأخبار فتأمّل.

و يحتمل أن يكون إشارة إلى منع استظهار الظنّ الشخصي من كلامه و قد أشرنا إلى وجه المنع في الحاشية السابقة فتأمّل.

[الأمر الخامس: تقوّم الاستصحاب باليقين بالحدوث و الشك في البقاء]

قوله: الخامس أنّ المستفاد من تعريفنا السابق الخ‏

(1)

.

قد ذكرنا سابقا عند التعرّض للتعاريف أنّ حقّ التعريف أن يعرف بابقاء المتيقّن أو اليقين، و عليه فينبغي أن يجعل مقوّم الاستصحاب وجود الشي‏ء في الزمن السابق بوصف كونه متيقّنا لا مجرّد وجوده واقعا و يكون اليقين طريقا إليه، و تظهر الثمرة فيما إذا كان زيد مثلا عادلا يوم الخميس في الواقع إلّا أنّه لم يعلم به المكلّف و صلّى خلفه أو أوقع طلاقا عنده أو نحو ذلك يوم الجمعة حال كونه شاكّا في عدالته ثمّ علم يوم السبت أنّه كان عادلا قبل زمان شكّه، فعلى ما ذكره المصنّف ميزان الاستصحاب كان موجودا حين العمل و إن لم يعلم به المكلّف فيحكم بصحّة عمله، و على ما قرّرنا و شيّدناه ليس هاهنا استصحاب فيبطل إلّا على تقريب يأتي عن قريب‏ (2).

____________

(1) فرائد الاصول 3: 24.

(2) أقول على تقدير القول باعتبار الاستصحاب من باب الظنّ و حكم العقل بأنّ ما ثبت دام لا يحتاج إلى اعتبار اليقين في موضوع الاستصحاب، لأنّ الحكم بالبقاء من مقتضى مجرّد الوجود السابق، و لمّا كان أصل جعل الاصطلاح من أصحاب هذا القول لا بأس بتعريف الاستصحاب بابقاء ما كان، غاية الأمر أنّ من يقول باعتباره من باب التعبّد لا بدّ له أن يقيّد مورد الحجّة منه بكون ما كان متيقّنا، و لا ضير فيه.

39

[الاستصحاب القهقرى‏]

قوله: و قد يطلق عليه الاستصحاب القهقرى مجازا

(1)

.

إن كان إطلاق الاستصحاب باعتبار كون الشكّ سابقا على اليقين كما في المتن فلا ريب في كونه مجازا، إلّا أنّه يمكن تطبيق الاستصحاب بحقيقته على موارد الاستصحاب القهقرى مثل أصالة عدم النقل و أصالة عدم النسخ عند العلم بالحالة اللاحقة و الشكّ في السابق، فيقال نعلم بأنّ اللفظ كان في السابق في زمن الشارع بل ما قبل زمانه موضوعا لمعنى و الأصل بقاؤه إلى زماننا هذا، و نجد الآن كونه حقيقة في المعنى الفلاني فنحكم بأنّه كان كذلك سابقا و إلّا لزم النقل المخالف للأصل، نعم هذا الأصل من الاصول المثبتة لا حجّية فيها في الأحكام على مذاق محقّقي المتأخرين إلّا أنّه معتبر في مباحث الألفاظ على ما اشتهر بينهم، و تحقيق ذلك كلّه موكول إلى محلّه.

[هل يعتبر الشكّ الفعلي في موضوع الاستصحاب؟]

قوله: أمّا إذا لم يلتفت فلا استصحاب و إن فرض شكّ فيه على فرض الالتفات‏

(2)

.

و لقائل أن يقول لا نسلّم اعتبار الشكّ الفعلي في موضوع الاستصحاب بل إنّما يعتبر مجرّد عدم العلم بزوال الحالة السابقة أعمّ من الشكّ و الظنّ و الوهم و الغفلة بدعوى أنّ حرمة النقض في الأخبار مغيّا باليقين على الخلاف و كذا حكم العقل على القول الآخر، و يرجع هذا إلى كفاية الشكّ الشأني في موضوع الاستصحاب، و لا ينافي ذلك قوله (عليه السلام) في بعض أخباره: «لا ينقض اليقين بالشكّ» الظاهر في الشكّ الفعلي لأنّه محمول على الغالب، فإنّ فرض عدم حصول الشكّ لأجل الغفلة كما مثّله نادر، و لا يتوهّم أنّ مجرّد عدم العلم بزوال‏

____________

(1) فرائد الاصول 3: 24.

(2) فرائد الاصول 3: 25.

40

الحالة السابقة كما قلنا شامل لما إذا علم بقاء الحالة السابقة أيضا، و يلزم ذلك جعل الحكم الواقعي بلحاظ هذه الصورة و الحكم الظاهري بلحاظ باقي الصور بجعل واحد و بلفظ واحد و بلسان واحد و هو إمّا متعذّر كما قيل أو مستبعد و مخالف للظاهر، لأنّ سياق الأخبار آب عن شمول صورة العلم ببقاء الحالة السابقة، و لازم ما ذكر أنّه لو تيقّن بالحدث ثمّ غفل و صلّى في حال الغفلة ثمّ التفت بعد الصلاة و شكّ في أنّه تطهر قبل الصلاة أم لا، حكم ببطلان صلاته مستندا إلى جريان الاستصحاب قبل العمل، و لو تيقّن بالطهارة ثمّ غفل و صلّى كذلك حكم بصحّة صلاته للاستصحاب الجاري قبل العمل كالأوّل، بل يمكن أن يقال بجريان الاستصحاب قبل العمل في الصورة المفروضة و إن سلّمنا أنّ المعتبر هو الشكّ الفعلي الموجود حال الالتفات على ما في المتن بدعوى أنّ المعتبر في قوام الاستصحاب هو حصول الشكّ الفعلي في زمان ما قبل العمل أو بعده، فلو التفت بعد العمل و شكّ علم أنّه كان محكوما بحكم الاستصحاب من الأوّل في الواقع، غاية الأمر عدم علمه به إلى حين الشكّ، نعم لو بقي على حال الغفلة إلى أن مات لا يجري الاستصحاب في حقّه أصلا، و هذا بخلاف ما لو قلنا بجريانه بملاحظة الشك الشأني على ما حرّرنا، فإنّ لازمه جريان الاستصحاب في حال الغفلة و إن لم يلتفت و لم يشك إلى أن مات، هذا كلّه حال جريان الاستصحاب بالنسبة إلى ما قبل العمل.

و أمّا بالنسبة إلى جريانه بعد العمل عند حصول الشكّ حينئذ فلا كلام فيه على جميع التقادير، و يقتضي ترتّب الأثر من حين اليقين السابق إلى زمان الشكّ و بعده اللازم منه صحّة العمل السابق على زمان الشكّ أو فساده بحسب المتيقّن السابق، إلّا أنّه محكوم بقاعدة الفراغ على ما تقرّر في محلّه، و الحاصل أنّه يمكن القول بجريان الاستصحاب في حقّ الغافل حين العمل و إن لم يحصل له شكّ قبل‏

41

العمل بأحد الوجهين المذكورين لا يخلو ثانيهما عن بعد فليتأمّل.

و ما أبعد بين ما ذكر و بين ما اختاره بعض المحقّقين من عدم جريان الاستصحاب حال الغفلة حتّى لو سبقه الشكّ ثمّ غفل عنه و صلّى، قائلا إنّ الاستصحاب كسائر الاصول و الأمارات لا يكاد أن يترتّب عليها آثارها إلّا بعد الاطّلاع عليها تفصيلا أو إجمالا، سواء كان حجّية الاستصحاب من باب التعبّد أو من باب الظنّ و الكشف بدليل بناء العقلاء أو الأخبار، ضرورة أنّ دليل اعتباره على كلّ تقدير إنّما يساعد عليه عند الشكّ و التحيّر، أمّا الأخبار فلوضوح دلالتها على أنّ لزوم مراعاة الحالة السابقة و الجري على طبقها إنّما يكون في خصوص حال الشكّ فيها فعلا دون حال الغفلة و الشكّ فيها شأنا، و كذا بناء العقلاء بداهة أنّهم في حال الالتفات بعد الغفلة لا يراعون إلّا الواقع و أنّه قد أتى به أو أخلّ دون ما هو وظيفته حال الجهل لو لم يغفل من الأخذ بالحالة السابقة بحسب العمل و عدمه، فاندفع بذلك توهّم أنّ مثل المتيقّن للحدث سواء التفت إلى حاله في اللاحق فشكّ أو لم يلتفت إليه يجري في حقّه الاستصحاب، و قد عرفت أنّه ما لم يلتفت إليه لا يعمّه خطاب أصلا غير الخطاب بالواقع، بل قد عرفت أنّ الملتفت الشاكّ في حاله إذا جهل بحاله في هذا الحال أي حال الشكّ في اللاحق لا يكون محكوما فعلا بالاستصحاب و إن عمّه الخطاب.

لا يقال فعلى هذا يلزم أن يحكم بصحّة صلاته لقاعدة الفراغ إذا غفل بعد التفاته و دخل فيها كما يحكم بصحّة صلاته إذا لم يسبقه الالتفات بحكم القاعدة لعدم جريان الاستصحاب في حقّه قبل الصلاة أيضا.

لأنّه يقال إنّ الاستصحاب و إن كان غير جار قبلها في حقّ الغافل الداخل فيها مطلقا سواء لم يسبقه الالتفات أو لم يسبقه العلم بحكمه و لو سبقه الالتفات، إلّا أنّ قاعدة الفراغ لا تعمّ ما إذا سبقه الالتفات و الشكّ و إن غفل حين العمل، بل‏

42

يختصّ بما إذا حدث بعده، فبحكم الاستصحاب الجاري في حقّه بعد العمل و علمه به من دون مزاحمة بالقاعدة كان في حال صلاته محدثا فكانت باطلة، بخلاف ما إذا لم يسبقه الالتفات فإنّ قضية الاستصحاب و إن كان فيه أيضا ذلك إلّا أنّه مزاحم بقاعدة الفراغ المقتضية للصحّة انتهى كلامه بعين ألفاظه غالبا.

و فيه مواقع للنظر أمّا أوّلا: فلأنّ ما ذكره من قصر جريان الاستصحاب على حال الشكّ الفعلي و فرّع عليه عدم جريانه في حقّ من تيقّن بالحدث و شكّ في الطهارة ثمّ غفل و صلّى ضعيف، لأنّه حال شكّه بعد اليقين قد تمّ أركان الاستصحاب و شمله خطابه، و تنجّز حكمه قطعا، فصار محدثا في الظاهر لا يجوز له الدخول في الصلاة، و غفلته بعد ذلك لا يرفع حكم الاستصحاب، لأنّ الأحكام الظاهرية كالواقعية في أنّها ثابتة بعد تحقّق موضوعها لا ترتفع بالغفلة عنها و عن موضوعها، و دعوى أنّ الموضوع هو الشكّ ما دام باقيا خلاف الظاهر من أخبار الباب و خلاف مقتضى ما يحكم به العقل من أنّ ما ثبت دام. لا يقال إنّ الاستصحاب عبارة عن إبقاء ما كان و لا يتحقّق معنى الابقاء عند الغفلة فلا استصحاب حينئذ. لأنّا نقول لو بنينا على أنّ معنى الاستصحاب إبقاء المكلّف ما كان لزم ما لا يلتزم به أحد و هو أنّه لو عصى المكلّف و لم يبن على البقاء مع علمه بالحكم و الموضوع و التفاته إليهما لم يكن استصحاب و كان الأمر بيد المكلّف إن استصحب الطهارة السابقة مثلا و أبقاها صحّت صلاته و إلّا بطلت و إن كان عالما ملتفتا بجميع جهات الحكم و الموضوع، بل لازم كلامه أن يلتزم بأنّ صحّة صلاة من يصلّي باستصحاب الطهارة موقوفة على أن يكون ملتفتا متفطّنا ليقينه بالطهارة في السابق و شكّه في بقائها في جميع آنات زمان الصلاة من أوّلها إلى آخرها ليصحّ حكمه بالطهارة فيها بمقتضى الاستصحاب، و كلّ ذلك كما ترى.

و أمّا ثانيا: فإنّه إن سلّمنا أنّ موضوع الاستصحاب هو الشكّ ما دام باقيا

43

و يقدح فيه الغفلة فلا وجه لاعتبار العلم بالحكم في ثبوت الحكم، لما عرفت من أنّه لا يتوقّف ثبوت الحكم إلّا على تحقّق موضوعه، فلو فرض تحقّقه فلا يترقّب في ترتّب الحكم لشي‏ء آخر كما هو كذلك في الأحكام الواقعية، و العجب أنّه جعل الأمارات المجعولة طريقا إلى الواقع أيضا من هذا القبيل، و هو غريب فإنّ من لا يعلم بحجّية خبر الواحد إذا عمل على طبقه اتّفاقا ثمّ علم بها ليس إلّا كمن عمل ثمّ علم وجدانا أنّه مطابق للواقع، إذ كلّ منهما طريق إلى الواقع و لا يتفاوت في ذلك كونه طريقا مجعولا أو منجعلا، و تخلّف الطريق عن الواقع أحيانا مشترك بينهما فإنّ القطع أيضا قد يتخلّف عن الواقع. و بالجملة مؤدّى الطرق المجعولة أحكام مجعولة بجعل الطرق أصابها من أصابها علم بها أو لم يعلم، و من ذلك ما إذا كان عمل المقلّد مطابقا لرأي مجتهده في الواقع اتّفاقا و لم يعلم به ثمّ علم بعد العمل فإنّه صحيح من حين وقوعه لا أنّه بعد علمه يحدث فيه الحكم بالصحّة، و لذا نقول لو لم يعلم بالمطابقة و مات على حاله يحكم بصحّته.

و أمّا ثالثا: فإنّ قوله إنّ قاعدة الفراغ لا تعمّ ما إذا سبقه الالتفات و الشكّ و إن غفل حين العمل بل تختصّ بما إذا حدث بعده، مدخول بأن وجه اختصاص القاعدة بغير ما إذا سبقه الشكّ أنّ الشكّ السابق يتحقّق به موضوع استصحاب الحدث و يؤثّر في بطلان العمل من حين وقوعه فلا يبقى محل لقاعدة الفراغ، و أمّا إذا فرض أنّ الشكّ السابق لا حكم له بالنسبة إلى العمل لطريان الغفلة فلا وجه للاختصاص المذكور مع إطلاق دليل القاعدة، و دعوى انصرافه إلى ما كان أوّل زمان حدوث الشكّ بعد الفراغ ممنوعة.

فإن قلت: وجه الاختصاص ما ورد في بعض جزئيات مورد القاعدة من قوله (عليه السلام) في من شكّ في الوضوء بعد ما فرغ: «هو حين يتوضّأ اذكر منه‏

44

حين يشكّ» (1) و يستفاد منه أنّ الحكم بالصحّة فيما إذا شكّ بعد العمل باعتبار أذكريته حين العمل فيظنّ بوقوعه صحيحا و اعتبر الشارع هذا الظنّ، و حينئذ يختصّ مورد القاعدة بما كان كذلك و لا يشمل ما إذا حصل الشكّ قبل العمل فإنّه يعلم أنّه لم يكن حين العمل أذكر.

قلت: مع الاغماض عن سند الرواية و عدم استفادة العلّية منها، أنّ لازم هذا البيان أن لا يحكم بجريان قاعدة الفراغ في مورد الشكّ الشأني عند العمل بحيث يعلم أنّه لو التفت كان شاكّا، بأن كان حدوث موجب الشكّ قبل العمل، و لا يلتزمون بذلك ظاهرا.

فإن قلت: إنّ القائل قد بنى مقالاته المذكورة على مقدّمة دقيقة استنتج منها المقالات المذكورة، و ما أوردت عليه مبني على عدم التفطّن لتلك المقدّمة و هي هذه: اعلم أنّ الوظيفة المقرّرة في حال الجهل بالحكم أو الموضوع تارة على نحو يكون هو المطلوب و المرغوب في هذا الحال كالواقع في سائر الأحوال كالصلاة بلا سورة في حال الغفلة عنها، و إتمامها و الإخفات فيها في موضع الجهل بوجوب القصر و الجهر، فيكون ملحوظة في استحقاق المثوبة أو العقوبة بالموافقة و المخالفة بل في الإجزاء و عدمه في الحال كالواقع في غير الحال، و اخرى على نحو يكون الواقع هو المطلوب في هذا الحال دونها إلّا أنّ جعلها في حال الجهل بأحدهما إنّما هو لأجل أن يكون موجبا لتنجّز الواقع عند موافقتها له و عذرا عنه في صورة مخالفتها، فيعاقب على مخالفة الواقع إذا خالفها و لا يعاقب على مخالفته إذا وافقها كما هو الحال في مؤدّى الطرق و الأمارات.

و لا يخفى أنّه إن كانت الوظيفة المجعولة على النحو الأوّل يمكن أن يكون‏

____________

(1) الوسائل 1: 471/ أبواب الوضوء ب 42 ح 7.

45

لها ما للحكم الواقعي من المراتب الأربع، أوّلها المقتضي، ثانيها انشاؤه و الخطاب واقعا به، ثالثها البعث و الزجر، رابعها التنجّز و استحقاق العقوبة على مخالفته عقلا، فيكون الآتي بها في حال الغفلة آتيا بما هو تكليفه فعلا و إن كان معذورا على تقدير الإخلال لعدم تنجّزه مع هذا الحال. و بالجملة يترتّب على الحكم بها ما للحكم في المرتبة الثالثة و إن لم يصل إلى الرابعة و لم يتنجّز لفقد شرائطه.

و أمّا إذا كانت الوظيفة المجعولة على النحو الثاني فلا يكاد أن يكون له بعد مرتبة انشائه و الخطاب به إلّا مرتبة واحدة يعتبر في البلوغ إليها ما يعتبر في بلوغ الحكم إلى المرتبة الرابعة، فلا يترتّب عليها بدونه ما هو المرغوب منها من تنجّز الواقع و العقاب على مخالفته في صورة إصابتها و العذر عن مخالفته على تقدير عدم الاصابة مع موافقتها، و لو قلنا باستحقاق العقوبة في صورة مخالفتها تجرّيا كما حقّقناه أو مخالفة و عصيانا كما قد احتملناه في البحث، ضرورة أنّ هذه الآثار لا يكاد أن يترتّب عليها إلّا بعد الاطّلاع عليها بأطرافها تفصيلا أو إجمالا، و لا يكاد أن يوجد أثر آخر يترتّب عليه بدونه و لم يكن مترتّبا على انشائه و مجرّد الخطاب به واقعا، انتهى.

قلت: ننقل الكلام إلى نفس هذه المقدّمة فإنّ فيها مواقع للنظر: منها أنّ ما جعله في القسم الأوّل وظيفة مقرّرة للجاهل إن أراد به أنّ الجاهل ليس مكلّفا بالواقع الأوّلي أصلا فيكون الواقع الأوّلي تكليف العالمين به و يكون العالم و الجاهل على هذا كالمسافر و الحاضر موضوعين مختلفين لكلّ منهما حكم واقعي واحد، فلا كرامة في عدّ حكم هذا الجاهل من أقسام وظيفة الجاهل فإنّه في عرض سائر الأحكام الواقعية سواء، و إن أراد أنّه مكلّف بتكليفين واقعيين أحدهما في طول الآخر بأن يكون الواقع الأوّلي كسائر الأحكام الواقعية شاملا له من حيث كونه غير مقيّد بالعلم و الجهل و له حكم واقعي آخر مقيّد بالجهل بالحكم‏

46

الأوّل، فلازمه أنّه لو أتى بالواقع الأوّلي اتّفاقا بوجه من الوجوه دون الثاني كان معاقبا على تركه، و لو أخلّ بهما عمدا عن تقصير كان معاقبا على ترك كلّ منهما و هذا كلّه كما ترى.

و منها: أنّ الأمثلة التي مثّل بها للقسم الأوّل لم يتّضح كونها من قبيله و لا شاهد له، بل قد عرفت ممّا قدّمنا في أواخر رسالة أصل البراءة أنّ الجاهل في الأمثلة المذكورة ليس مكلّفا إلّا بالواقع الأوّلي ليس إلّا، و وجه كفاية غير المأمور به عنه أنّه مشتمل على معظم مصالح المأمور به، و بعد إدراكه بفعل الصلاة الناقصة لا يبقى محلّ لإدراك المصلحة التامّة بل لا يمكن إدراكها بعده، و قد مرّ هناك شواهد هذا المطلب و كيفية استظهاره من الأدلّة ببيان مستوفى.

و منها: أنّ المراتب الأربع التي جعلها للحكم ممّا لا نعقل كونها من مراتب الحكم، أمّا المرتبة الاولى أي المصلحة المقتضية للحكم فواضح أنّها ليست من مراتب الحكم، أمّا أوّلا: فنحن نتكلّم على مذهب الأشاعرة (لعنهم اللّه) المنكرين لتبعية الأحكام للمصالح و المفاسد. لا يقال إنّ هذا المذهب فاسد عندنا لا يمكن بناء الأمر عليه، لأنّا نقول لا كلام في أنّ الحكم حتّى على مذهبهم أمر معقول متحقّق من دون تحقّق المراتب الأربع.

و أمّا ثانيا: فنقول سلّمنا توقّف الحكم على ثبوت المقتضي كما هو مذهب العدلية إلّا أنّه من مقدّماته، و ليس كلّ ما يتوقّف عليه الحكم يعدّ من مراتب الحكم و إلّا عدّ وجود الباري عزّ اسمه و صفاته من مراتب الحكم، و أمّا المرتبة الأخيرة و هي مرتبة التنجّز فقد قدّمنا غير مرّة أنّ التنجّز بحكم العقل و هو متأخّر عن الحكم بعد تماميته، فإنّ العقل بعد ملاحظة ثبوت الحكم و تحقّق العلم به يحكم بصحّة العقاب على مخالفته و ترتّب الثواب على موافقته، و لا وجه لعدّ كلّ ما يترتّب على الحكم و يلحقه من مراتب الحكم، و حينئذ يبقى المرتبتان المتوسّطتان.

47

و التحقيق أنّ مرتبة البعث و الزجر أيضا ليس مرتبة للحكم، بل حقيقة الحكم ليس إلّا الانشاء و الخطاب فقط، و أمّا أنّ حقيقته نفس الإرادة أو غيرها فلسنا بصدده هاهنا بل المقصود منع المراتب المدعاة للحكم، و بيان ذلك: أنّ المعني بالحكم ليس إلّا ما هو مفعول للحاكم في مقام الجعل و التشريع و هذا أمر يحصل بمجرّد الانشاء، و أمّا البعث أو الزجر فلا ربط له بفعل الحاكم بل هو ممّا يتحقّق عقيبه لو علم به المكلّف و لا يتحقّق لو جهله، و إن شئت توضيحه فلاحظ أحكام الموالي إلى العبيد منّا إذ لا تفاوت بينها و بين أحكام الشارع فيما نحن بصدده، فإنّه لو أمر المولى عبيده بأن يخاطبهم و يقول لهم افعلوا كذا و فرض أنّ بعض العبيد فهموا خطابه و علموا بحكمه و بعضهم لم يفهموه و غفلوا عنه فلا ريب أنّ الحكم الصادر عن المولى بالنسبة إلى جميعهم سواء، و ليس شي‏ء ممّا يرجع إلى المولى و ينسب إليه قد حصل بالنسبة إلى العالمين منهم و لم يحصل ذلك بالنسبة إلى جاهليهم، فما يرى من حصول البعث و الزجر بالنسبة إلى الفاهم دون الغافل فإنّما هو أمر يرجع إلى جانب المكلّف و حاله من العلم أو الغفلة دون الآمر، و على هذا فلا ينبغي أن يعدّ البعث أو الزجر من مراتب الحكم.

و منها: أنّه لا نجد فرقا بين القسم الأوّل و الثاني بالنسبة إلى المراتب التي فرضها، فإنّ حال البعث و الزجر و كذا التنجّز عند العلم و عدمها عند الجهل فيهما على حدّ سواء، غاية الأمر أنّ العقاب المترتّب على المخالفة في القسم الثاني إنّما يترتّب إذا خالف الحكم الواقعي أيضا و مع عدمها فليس إلّا التجرّي، و هذا لا يقتضي أن يكون ثبوت أصل الحكم متوقّفا على العلم.

إذا تمهّد ذلك فنقول: إنّ الأحكام الشرعية و بعبارة اخرى المجعولات الشرعية أعمّ من أن تكون أحكاما واقعية كقوله صلّ و لا تشرب الخمر أو اصولا و أمارات كقوله (عليه السلام): «لا تنقض اليقين بالشكّ» و خبر الواحد حجّة مثلا

48

امور واقعية متحقّقة موجودة بعد انشائها، علمها المكلّف فتتنجّز عليه أو جهلها، نعم لمّا كان الشكّ مأخوذا في موضوع الأحكام الظاهرية المعبّر عنها بالاصول فلا تشمل الغافل لمكان عدم تحقّق الموضوع لا لأجل نقصان مرتبة من مراتب الحكم، و هذا بخلاف الأمارات فإنّ خبر الواحد موضوع واقعي يثبت له حكمه من وجوب الاتّباع علم أو جهل كما في لا تشرب الخمر.

فإن قلت: إنّ الأمارات و الطرق المجعولة أيضا كالاصول في أنّها أحكام حال الجهل بالواقع و الشكّ و التحيّر و إلّا فالعالم ليس موضوعا لحكم الأمارة بالضرورة، فإذن يختصّ حكمها بغير الغافل كما في الاصول.

قلت: فرق بين أن يجعل الحكم معلّقا على موضوع الشكّ و بين جعل الطريق في حال الشكّ و عدم العلم، و لأجل التمسّك به عند الشكّ و عدم العلم و جعله وسيلة إلى الظفر بالواقع، فإنّ الطريق كخبر الواحد مثلا موجود و ثابت الطريقية بالجعل المذكور سواء علم بالخبر و علم طريقيته أو كان كلّ منهما مغفولا عنه.

قوله: نعم هذا الشكّ اللاحق يوجب الاعادة بحكم استصحاب عدم الطهارة لو لا الخ‏

(1)

.

أورد عليه بأنّ هذا إنّما يتمّ على القول بحجّية الأصل المثبت الذي لا نقول به، لأنّ ترتّب وجوب الاعادة على استصحاب عدم الطهارة الجاري بعد العمل ليس إلّا بواسطة عقلية و هي وقوع الصلاة حال الحدث اللازم لعدم الطهارة، و لا يرد مثل ذلك بالنسبة إلى جريان استصحاب عدم الطهارة الجاري قبل الصلاة لو حدث الشكّ قبلها، لأنّ الاستصحاب الجاري قبل الصلاة و إن كان كالجاري‏

____________

(1) فرائد الاصول 3: 25.

49

بعدها لو اريد به ترتّب وجوب الاعادة عليه في كونه محتاجا إلى ثبوت الواسطة العقلية، إلّا أنّا لا نحتاج إلى ذلك، لأنّ الاستصحاب المذكور يترتّب عليه عدم جواز الدخول في الصلاة بلا واسطة، كما أنّ استصحاب الطهارة يترتّب عليه جواز الدخول في الصلاة من دون واسطة و هذا كاف في المطلوب من الاستصحاب، و هذا بخلاف الاستصحاب الجاري بعد الصلاة لأنّه لا معنى لاثبات الجواز و عدمه للعمل المتقدّم بعد وجوده، و محصّل هذا الايراد أنّ الصحّة و الفساد من أحكام العقل المترتّبين على استصحاب الطهارة أو الحدث، فلا يثبت به ما هو أثر لأحدهما أعني وجوب الاعادة و عدمه.

و الجواب: أنّ جواز الدخول في الصلاة و عدمه اللذين جعلهما أثر المستصحب، إن أراد به الجواز التكليفي بمعنى عدم الحرمة و عدم الجواز بمعنى الحرمة فلا وجه له، لأنّ حرمة الصلاة للمحدث ليست إلّا تشريعية فالشاكّ في الطهارة لا يحرم عليه الدخول في الصلاة برجاء صحّة صلاته باحتمال كونه متطهّرا، مع أنّ ثبوت الجواز و عدمه بهذا المعنى لا يفيد المقصود من جواز الاكتفاء بهذه الصلاة أو عدم جواز الاكتفاء به، و إن أراد الجواز الوضعي بمعنى النفوذ و المضيّ فلا فرق بين جريان الاستصحاب قبل الصلاة أو بعدها في صحّة ترتّبه على المستصحب و عدمه.

و التحقيق أنّه يثبت باستصحاب الطهارة أو الحدث الصحّة و الفساد الشرعيان و يترتّب عليهما وجوب الاعادة و عدمه، سواء كان الاستصحاب جاريا قبل العمل أو بعده، و لا يرد ما قد يتوهّم من أنّ الصحّة و الفساد ليسا إلّا من حكم العقل بموافقة المأتي به للمأمور به و عدمها، و ليسا من مجعولات الشرع ليمكن إثباتهما بالاستصحاب، بيان ذلك: أنّه لا إشكال و لا خلاف بين القائلين بمجعولية الأحكام الوضعية كما هو الحقّ أنّه يمكن اعتبار السببية و الشرطية

50

و المانعية بين الشيئين بعد فرض عدم تحقّق إحدى هذه الامور بينهما عقلا، و المراد من السببية الشرعية أو الشرطية و المانعية الشرعيتين اعتبار الشارع لهذه الامور بين الشيئين بجعل أحدهما المعيّن سببا أو شرطا أو مانعا للآخر في حكمه نظير الأسباب و الشروط و الموانع العقلية بعينها، و يرجع هذا الجعل إلى جعل تحقّق المسبّب عند تحقّق السبب بحيث يكون كالمقتضي أو العلّة التامّة العقلية، و جعل تحقّق المشروط بعد تحقّق الشرط كالشرط العقلي، و جعل عدم تأثير المقتضي عند وجود المانع كالمانع العقلي، و حينئذ نقول لو ثبت أنّ الشارع جعل الطهارة شرطا للصلاة أو الحدث مانعا عنها يصحّ أن يقال إنّ هاهنا أمرا ينسب إلى الشارع و إلى حكمه و جعله و هو ترتّب تحقّق الصلاة المطلوبة على الطهارة المعبّر عنه بالصحّة، و كذا ترتّب عدم تحقّق الصلاة المطلوبة على الحدث المعبّر عنه بالفساد، و من هنا صحّ لنا أن نقول إنّ كلا من الصحّة و الفساد أثر شرعي للطهارة و الحدث و يصحّ قولنا إنّه يثبت باستصحاب الطهارة أثرها الشرعي و هو الصحّة و باستصحاب الحدث أثرها الشرعي و هو الفساد.

و قد تبيّن ممّا ذكرنا مغايرة الصحّة و الفساد العقليين للمعنى المذكور، و لعلّ هذا بعد التأمّل فيما ذكرنا من الواضحات، و اندفع به توهّم كون استصحاب الطهارة أو الحدث بعد العمل من الاصول المثبتة، نعم الصحّة و الفساد بمعنى مطابقة المأتي به الخارجي للمأمور به بتمام أجزائه و شرائطه أو عدم مطابقته عقليتان وجدانيتان، و الفرق بين المعنيين في غاية الوضوح، فبحكم الصحّة الشرعية نقول لو أتيت بالصلاة عقيب الطهارة فإنّها تصحّ، و بحكم الصحّة العقلية نقول إنّ هذه الصلاة الموجودة في الخارج مطابقة لما أمر به، و يعرف الفرق بين الفساد الشرعي و العقلي بالمقايسة.

ثمّ اعلم أنّ في جريان الاستصحاب بعد العمل إشكالا ينبغي التنبيه عليه‏

51

و على دفعه، و هو أنّ الحكم بصحّة العمل السابق أو فساده باستصحاب الطهارة أو الحدث إمّا أن يعتبر من قبيل الكشف في إجازة الفضولي بأن يحكم بأنّ العمل من حين وقوعه قد وقع مع الطهارة الظاهرية و كان صحيحا حينئذ إلّا أنّا لم نعلم به إلّا بعد العمل، أو يعتبر من قبيل النقل في تلك المسألة بأن يحكم بصيرورة العمل مقرونا بالطهارة أو الحدث من حين جريان الاستصحاب، و كلا الشقّين ممّا لا يصحّ الالتزام به.

أمّا الأوّل: فلأنّه إنّما يصحّ لو قلنا بأنّ الاستصحاب كان جاريا حين العمل و إن لم ينكشف ذلك إلّا بعد العمل، بأن نلتزم ما احتملناه سابقا من كون المأخوذ في موضوع الاستصحاب عدم العلم بزوال الحالة السابقة لا الشكّ الفعلي، أو نلتزم بأنّ المأخوذ في الموضوع الشكّ الفعلي و لو بعد حين كما احتملناه أيضا سابقا، و كلا الاحتمالين بعيد ما بنينا الكلام عليه و إنّما ذكرناهما احتمالا.

و أمّا الثاني: فلأنّه لا معنى للحكم بالصحّة أو الفساد في عمل لم يكن محكوما بأحدهما حين وقوعه، لأنّ ذلك من قبيل انقلاب العمل الماضي عن وجه وقوعه إلى الوجه المضادّ له بعد العمل عند حصول الشكّ و جريان الاستصحاب و هو محال، فإنّ الصلاة لو فرض أنّها لم تقع حين وقوعها مقرونة بالطهارة الشرعية فلا يعقل صيرورتها مع الطهارة بعد الصلاة بالطهارة الاستصحابية، و أمّا الطهارة الواقعية فإنّها مشكوكة بعد.

و يمكن دفع الإشكال بالتزام نظير ما يقال في مسألة إجازة الفضولي من الكشف الحكمي بأن يقال إنّه يحكم بعد العمل بترتيب آثار المستصحب للعمل السابق من هذا الحين لا حين وقوعه نظير قاعدة الفراغ الجارية بعد العمل لو لم نقل بأنّ اعتبارها من حيث الأذكرية عند العمل فإنّ الحكم بمضيّ العمل المجهول حال وقوعه وجه وقوعه بعد العمل ليس إلّا من قبيل الكشف الحكمي فتدبّر، هذا

52

كلّه فيما إذا لم يكن المكلّف حين العمل محكوما بحكم ظاهري آخر مضادّ للاستصحاب و إلّا فلا وجه لجريان الاستصحاب بعد العمل مناقضا للحكم الأوّل و هو ظاهر.

قوله: و بأنّه يقتضي أن يكون النزاع مختصّا بالشكّ من حيث المقتضي لا من حيث الرافع‏

(1)

.

لا يخفى أنّ قولهم إنّ العلّة الموجدة هي العلّة المبقية أو ليست بالعلّة المبقية ظاهر في إرادة العلّة التامّة المأخوذ فيها وجود المقتضي و جميع شرائط تأثيره و ارتفاع جميع موانع التأثير، نعم قولهم إنّ الباقي محتاج إلى المؤثّر أو ليس بمحتاج إليه لعلّه ظاهر في إرادة المقتضي، و لعلّ المصنّف اعتمد إلى ظهور هذه العبارة و عارض به الاستظهار المذكور لاختصاص النزاع بالأمر الوجودي و لا بأس به لو عبّر المستدلّ بخصوص هذه العبارة، لكن المعروف منهم عطف إحدى العبارتين على الاخرى بل المناط مؤدّى العبارة الاولى كما لا يخفى.

[الامر السادس: تقسيم الاستصحاب من وجوه‏]

قوله: و إنّما لم ندرج هذا التقسيم في التقسيم الثاني الخ‏

(2)

.

لا كرامة في هذا الاعتذار، لأنّ تفصيل صاحب الوافية (3) إمّا أن يكون راجعا إلى التفصيل بين الحكم الوضعي و التكليفي أو يكون راجعا إلى التفصيل بين السبب و الشرط و المانع و غيرها من الموضوعات الأخر و الأحكام، و على أي تقدير لا يخرج عن أنّه تقسيم لبعض أقسام التقسيم الثاني، فالأولى تبديل هذا التقسيم بتقسيم آخر هو أنفع و أدخل في المطلوب من تحرير محلّ النزاع و هو أنّه‏

____________

(1) فرائد الاصول 3: 29.

(2) فرائد الاصول 3: 36.

(3) الوافية: 202.

53

قد يكون المستصحب ممّا دلّ دليل على أنّ طريق ثبوته منحصر في العلم دون غيره و قد لا يكون كذلك، و لا ريب أنّ القسم الثاني محلّ النزاع، و أمّا القسم الأوّل فلا يمكن أن يكون محلا للنزاع لأنّه عند الشكّ في بقاء المستصحب يقطع بعدم ثبوته ظاهرا بمقتضى الدليل المفروض فلا يمكن إثباته ظاهرا بالاستصحاب و نحوه، و لا يتوهّم أنّ هذا ممّا اعتبر العلم في موضوعه جزءا أو قيدا، و لا يعقل عند الشكّ بقاء ذلك الموضوع فهو معلوم الانتفاء واقعا لا ظاهرا فقط، وجه الدفع أنّ الدليل المفروض قد فرضناه دليلا على انحصار طريق انكشاف الواقع في العلم لا على اعتبار العلم جزءا للموضوع، فيمكن ثبوت الواقع في نفسه من غير طريق إليه، إذ لا يمكن قيام الأمارات أو الاصول مقام العلم في هذا الفرض، هذا و يمكن جعل هذا التقسيم من وجوه التقسيم بالاعتبار الثاني أيضا لا يخفى وجه مناسبته.

و هنا تقسيمان آخران باعتبار المستصحب ينبغي التنبيه عليهما لتشخيص محلّ النزاع، أحدهما: أنّه قد يكون المستصحب حكما أو موضوعا ابتدائيا في اعتبار الشرع و الشارع كأغلب الأحكام و موضوعاتها، و قد يكون حكما أو موضوعا ثانويا تابعا لما اعتبره غير الشارع كما في أمر الشارع باطاعة الوالدين أو العبد لمولاه أو الزوجة لزوجها، و كذا حكمه بوجوب الوفاء بالنذر و العهد و سائر العقود، فإنّ حكم الشارع فيها تابع لأمر الوالدين أو المولى أو الزوج أو ما جعله الناذر أو العاقد و دائر مدارها لا يزيد و لا ينقص، و محلّ النزاع في الاستصحاب هو القسم الأوّل دون الثاني، و الوجه في ذلك أنّ ما كان من القسم الأوّل لمّا كان اعتبار الحكم أو الموضوع من الشارع ابتدائيا فحكمه بالبقاء في الزمان الثاني عند الشكّ في بقائه يرجع إلى الحكم بتعميم ما جعله أوّلا و إسرائه إلى ما بعد اليقين به بحيث يكون مؤدّى مجموع الجعل الأوّلي و الاستصحاب أمرا

54

واحدا ممتدّا من زمان اليقين الأوّل إلى زمان اليقين بالخلاف، و هذا بخلاف القسم الثاني فإنّ اعتبار الشارع و جعله لمّا كان تابعا لجعل غيره و مقدّرا بمقداره و دائرا مداره لا يمكن تعميمه بلسان الاستصحاب.

مثلا إذا قال المولى لعبده أو الوالد لولده اجتنب عن مجالسة الفاسق و علم المأمور بذلك و تبعه أمر الشارع بوجوب الاطاعة فصار ما أمره به واجبا شرعيا ثمّ شكّ في بقاء أمر الوالد أو المولى فيما بعد زمان العلم أو شكّ في بقاء فسق زيد الفاسق في الزمان الأوّل باليقين، فلا يمكن تسرية الحكم إلى زمان الشكّ بدليل الاستصحاب، لأنّ المفروض أنّ حكم الشارع يدور مدار حكم الوالد أو المولى و حكمهما في الفرض مشكوك، نعم لو فرض أنّ للمولى و الوالد أيضا حكما آخر على العبد و الولد بوجوب إبقاء ما كان كما هو كذلك في حكم الشارع، و صار المشكوك فيه باقيا بحكم المولى أو الوالد، يتبعه حكم الشارع أيضا بالبقاء و يصير واجبا شرعيا مثلا، لا بالاستصحاب الشرعي بل بالخطاب الأوّلي بوجوب إطاعة المولى أو الوالد، و مثل هذا الكلام يجري بالنسبة إلى جملة من القواعد الفقهية كقاعدة الميسور، و قد أشرنا إليه في رسالة أصل البراءة فإنّه لو أمر الوالد مثلا بمركّب تعذّر بعض أجزائه لا يمكن إثبات وجوب باقي الأجزاء بقاعدة الميسور، لأنّ قاعدة الميسور متكفّلة لتوسيع دائرة مطلوبات الشارع الابتدائية لا التبعية بعين التقريب المذكور، و كقاعدة البراءة فإنّها غير جارية بالنسبة إلى الشكّ في الأجزاء و الشرائط للمركّب الذي أمر به الوالد، و كقاعدة الفراغ و التجاوز بالنسبة إلى الشكّ في إتيان بعض الأجزاء المعلومة في المركّب المذكور أو شرطه كذلك، و كبدلية التيمّم للوضوء أو الغسل الواجب بالنذر و العهد و اليمين عند تعذّر استعمال الماء، فإنّ حكم الشارع بوجوب الوفاء بالنذر يقتضي تبعية حكمه لجعل الناذر، و الناذر إنّما تعلّق نذره بالطهارة المائية دون الترابية، و من قبيل ما نحن فيه‏