حقائق الأصول‏ - ج2

- السيد محسن الطباطبائي الحكيم المزيد...
600 /
1

-

2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ سبحانك و بحمدك يا من أشرق على مشارق العقول فأظهر منها آياته من المعقول و المنقول و أبان منها قواعد الفروع و الأصول و أنزل على عبده الكتاب تبياناً للرد و القبول (ربنا آمنا بما أنزلت و اتبعنا الرسول و آل الرسول فصلّ اللهم عليه و على عترته أئمة أرباب العقول لا سيما المخصوص بالأخوَّة سيف اللَّه المسلول (و بعد) فالعلم على اختلاف فنونه و تشتت غصونه قد انتهت إلى علم الأصول مدارجه لرشاقة مسائله و تناهت إليه معارجه لوثاقة دلائله فهو الغاية القصوى و المقصد الأسنى و لولاه لما قام للفقه عمود و لا اخضر له عود بل كان كشجرة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار و لا يُجتنى منها التمار فلذا أجرى فيه كل منطيق لسانه و أظهر فيه برهانه إلا أن من أبدع فيه و أحاط بمعانيه عصابة من أولي الإصابة فقام بالأمر منهم كابر بعد كابر حتى انتهت النوبة من الغائب إلى الحاضر فنهض به ثلة قليلة بل عدة جليلة- شكر اللَّه مساعيهم الجميلة فممن تناهي في العلم حدّه و أدرك من قبله و أتعب من بعده جوهرة قلادة الفضل و التحقيق و شمس دائرة الفهم و التدقيق خاتم رتبة العلم و ختامها و شيخ أرباب الفضائل و إمامها الفاضل الكامل و اللجي الّذي لا يُدرك له ساحل حجة الإسلام و المسلمين آية اللَّه في الأرضين سيد الأعاظم و سند الأفاخم و البحر المتلاطم مولانا الآخوند ملا محمد كاظم الهروي الطوسي الغروي دام ظلاله على رءوس المسلمين و جعل مستقبل امره خيراً من ماضيه و رمم بوجوده من الشريعة دوارسها و عمر بجوده من العلم مدارسها فيا له من فكر ما أشد توقده يكاد يضي‏ء زيته و لو لم تمسسه نار فأبرز صحائف هي منتهى رغبة الراغبين و لطائف هي شرعة الواردين و الصادرين‏

..........

3

و ناهيك عنها تلك الصحائف الكاملة و ما سبق عليها من الرسالة التي لمهمات مباحث الألفاظ شاملة كما قد اشتملت هذه على الأهم من الأدلة العقلية فتمت و كملت بهما المباحث الأصولية فلقد أجاد من سماها (كفاية) الأصول بل قد حصل منها نهاية المأمول فاعرف قدرها إن كنت أهلا لذلك و لا تبذلها الا لمن وجدته كذلك و اللَّه الموفق و الكفيل و هو حسبي و نعم الوكيل قال أطال اللَّه بقاءه:

المقصد السادس (في بيان الأمارات المعتبرة شرعاً أو عقلا)

و قبل الخوض في ذلك لا بأس بصرف الكلام إلى بيان بعض ما للقطع من الأحكام و إن كان خارجاً من مسائل الفن‏

بسم اللَّه الرحمن الرحيم الحمد للَّه رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد (صلى اللَّه عليه و آله) نبي الرحمة و آله سادات الأمة و أهل بيت العصمة، و لا حول و لا قوة إلّا باللَّه العلي العظيم.

(1) (قوله: و إن كان خارجاً من ... إلخ) لما تقدم في المقدمة من كون مسائل الأصول قواعد يستنبط منها أحكام شرعية أو ينتهي إليها المكلَّف في مقام العمل فالعلم بالأحكام الّذي هو موضوع هذه المسألة من اللوازم المترتبة على العلم بتلك المسائل فلا يكون موضوعاً لها و منه يظهر الفرق بين أكثر مباحث المقام و البحث عن حجية الظن على الحكومة فان الثاني و ان كان بحثا عما هو حجة عقلا كالمقام إلّا أنه ينتهي إليه المكلف دون المقام فان العلم من غايات البحث في‏

4

و كان أشبه بمسائل الكلام لشدة مناسبته مع المقام (فاعلم) أن البالغ الّذي وضع عليه القلم إذا التفت إلى حكم فعلي واقعي أو ظاهري متعلق به أو بمقلديه فاما ان يحصل له القطع به أولا، و على الثاني لا بد من انتهائه إلى ما استقل به العقل من اتباع الظن- لو حصل له و قد تمت مقدمات الانسداد على تقدير الحكومة- و إلا فالرجوع إلى الأصول العقلية من البراءة و الاشتغال و التخيير على تفصيل يأتي في‏

تلك المسائل فتأمل جيداً (1) (قوله: و كان أشبه بمسائل) لأن مرجع البحث هنا إلى البحث عن حسن العقاب على مخالفة العلم الّذي هو من قبيل المسائل الكلامية الباحثة عن أحوال المبدأ و المعاد (2) (قوله: ان البالغ) ذكر البلوغ مستدرك بذكر ما بعده كما انه لم يظهر الوجه في العدول عن التعبير بالمكلف- كما في عبارة شيخنا الأعظم (ره)- فانه يؤدي مؤدى من وضع عليه القلم كما ان الظاهر ان القيود الثلاثة المذكورة توضيحية ذكرت توطئة لذكر الأقسام حيث لا يمكن مجي‏ء هذه الأقسام إلّا بالنسبة إلى الواجد لهذه العناوين لامتناع القطع بالحكم أو احتماله لغيره كما هو ظاهر و حينئذ لو كان المقصود الاحتراز عن الفاقد لبعض هذه القيود كان حاصلا بذكر الأقسام ذوات الأحكام كما لا يخفى (3) (قوله:

القطع به) يعني الحكم الفعلي الكلي الجامع بين الواقعي و الظاهري لا الحكم الموجود في المتن فانه نكرة، و لو كان مرجعاً للضمير كان مفاد العبارة الرجوع إلى الوظيفة العقلية بمجرد عدم القطع بواحد منها- مع أنه لا يرجع إليها إلا بعد الجهل بكل منهما و لو عرَّف الحكم المدخول ل (إلى) الجارة لارتفع الوهم المذكور (4) (قوله: أولا:) بأن يحصل له الظن بهما أو الشك كذلك أو الظن بأحدهما و الشك في الآخر و أما القطع بعدمهما فلا يعقل بعد كون موضوع الأقسام هو المكلَّف نعم القطع بعدم الحكم الظاهري ممكن (5) (قوله: و قد تمت مقدمات الانسداد) و إلا فلا يحكم العقل باتباع الظن (6) (قوله: على تقدير الحكومة) أما على الكشف فيحصل القطع بالحكم الظاهري‏

5

محله إن شاء اللَّه تعالى. و إنما عممنا متعلق القطع لعدم اختصاص أحكامه بما إذا كان متعلقاً بالاحكام الواقعية و خصصنا بالفعلي لاختصاصها بما إذا كان متعلقاً به على ما ستطلع عليه و لذلك عدلنا عما في رسالة شيخنا العلامة- أعلى اللَّه مقامه- من تثليث الأقسام، و إن أبيت إلا عن ذلك فالأولى أن يقال: إن المكلف إما أن يحصل له القطع أولا، و على الثاني إما أن يقوم عنده طريق معتبر أولا، لئلا يتداخل الأقسام فيما يذكر لها من الأحكام و مرجعه على الأخير إلى القواعد المقررة عقلا أو نقلا لغير القاطع و من يقوم عنده الطريق على تفصيل يأتي في محله إن شاء الله تعالى حسبما يقتضي دليلها، و كيف كان‏

فبيان أحكام القطع و أقسامه يستدعي رسم أمور

(الأمر الأول)

لا شبهة في وجوب العمل على وفق القطع عقلا و لزوم الحركة

(1) (قوله: و إلا فالرجوع إلى الأصول العقلية) بل الأصول الشرعية الموجبة للقطع بالحكم الظاهري، فان لم تكن فالعقلية إذ الأصول الشرعية- لو تمت مقدمات الانسداد- لا تكون مرجعا إلا بعد فقد الظن كما أنها تقدم على الأصول العقلية لورودها عليها و ان وافقتها بحسب المفاد (2) (قوله: عممنا متعلق القطع) يعني للحكم الظاهري (3) (قوله:

و خصصنا بالفعلي) يعني خصصنا الحكم بالفعلي لاختصاص الأحكام بما ... إلخ (4) (قوله: و لذلك عدلنا) يعني لأجل عموم الأحكام (5) (قوله عدلنا عما في رسالة شيخنا العلامة ... إلخ) الظاهر ان الباعث للشيخ (ره) على التقسيم الّذي ذكر هو ما تعارف بينهم من تبويب أبواب و جعل أحكام العلم في باب و الأمارة في باب و أحكام الشك في باب ثالث و عليه جرى المصنف (ره) في تبويب كتابه هذا- مضافاً إلى أن تقسيمه كان بلحاظ الحكم بوجوب الحجة و إمكانها و امتناعها حيث أن موضوع الأول هو القطع و الثاني الظن و الثالث الشك، و لو أريد من الظن أقرب الاحتمالين نوعاً و من الشك مجموع الاحتمالين لصح التقسيم بلحاظ الأحكام المذكورة بلا تداخل (6) (قوله: و من يقوم) معطوف على القاطع (7) (قوله: لا شبهة في وجوب العمل على وفق القطع عقلا) لا إشكال في كون‏

6

على طبقه جزماً و كونه موجباً لتنجز التكليف الفعلي فيما أصاب باستحقاق الذم و العقاب على مخالفته و عذراً فيما أخطأ قصوراً، و تأثيره في ذلك لازم و صريح الوجدان به شاهد و حاكم فلا حاجة إلى مزيد بيان و إقامة برهان. و لا يخفى أن ذلك لا يكون بجعل جاعل‏

القطع طريقاً إلى الواقع الّذي تعلق به كاشفا عنه في نظر القاطع بحيث يرى أنه يرى الواقع كما لا ينبغي الريب في ان عقله حينئذ يحكم بحسن عقابه على تقدير مخالفة قطعه لو كان قد قطع بوجوب شي‏ء أو حرمته كما يحكم بقبح عقابه على تقدير موافقته لو كان قد قطع بحرمة شي‏ء فتركه أو بوجوب شي‏ء ففعله و هذا الأثر مترتب على الأثر السابق أعني طريقيته و منه ينتزع عنوان التنجز و العذر فيقال: القطع منجِّز أو عذر. و هناك أثر آخر و هو الانزجار و الانبعاث عن الفعل أو إليه و هو المعبر عنه بالعمل على وفق القطع و متابعته و هذا الأثر مترتب على الثاني و هذه الآثار الثلاثة مختلفة فالأوّل ذاتي و الثاني عقلي و الثالث فطري جبلي لا يتوقف على القول بالتحسين و التقبيح العقليين بل هو بمناط لزوم دفع الضرر المقطوع به المسلم بين القائلين بالحسن و القبح العقليين و غيرهم و لا مجال فيه للريب من أحدكما هو ظاهر بأدنى تأمل إذ لا تكاد ترى من أحد من العقلاء و المجانين و الأطفال و الحيوانات ممن له أدنى إدراك للضرر أن يوقع نفسه فيما يدرك أنه ضرر فترى الحيوانات و الطيور تفر عن سباعها، فالمكلَّف إذا قطع بالحكم أو أدرك عقله حسن العقاب على مخالفة القطع انقاد بحسب طبعه و جبلته إلى القطع و تابعة و جرى على مقتضاه و منه يظهر الإشكال في كلام المصنف (ره) من جهة ظهوره في كون وجوب العمل على وفق القطع من الأحكام العقلية إلا أن يكون المقصود أنه مما يحكم به العقل و إن كان فطرياً أيضا فانه لا ريب فيه بناء على الحسن و القبح العقليين كما هو التحقيق و هو عين حكمه بوجوب الإطاعة و حرمة المعصية (1) (قوله: و لا يخفى أن ذلك لا يكون ... إلخ) بعد ما عرفت من ان القطع له آثار مترتبة تعرف‏

7

لعدم جعل تأليفي حقيقة بين الشي‏ء و لوازمه بل عرضا بتبع جعله بسيطا و بذلك انقدح امتناع المنع عن تأثيره أيضا- مع أنه يلزم منه‏

أنه يمتنع أن يكون واحد منها تحت جعل جاعل لا تكويناً و لا تشريعاً أما الأول فلامتناع تعلقه بالأول أعني كونه طريقا و كاشفاً عن متعلقه لما عرفت من انه من لوازمه الذاتيّة التي تكون نفس الذات علة لها بحيث لا يتوقف وجودها على أكثر من الذات فاستنادها إلى جعل جاعل خلف. نعم يصح جعله عرضا بمعنى جعل الذات المستند إليها و هذا مما لا مجال لإنكاره و ليس هو محلا للكلام. و كذا تعلقه بكل واحد من الاثنين الآخرين بعين الوجه المذكور لما عرفت من استناد الثاني منهما إلى الأول و الثالث إلى الثاني فاستنادهما إلى الجعل خلف أيضا إلّا أن يكون القائل بالجعل منكراً للزوم الأثر الثاني للأول و الثالث للثاني لكن هذا الإنكار مما لا يمكن صدوره ممن له أدنى تأمل في المقام فان العبد إذا علم أن مولاه يصرخ و يناديه: يا فلان ناولني ماء، و أن مولاه عالم بأنه يسمع صوته كيف لا يحكم عقله بحسن عقاب مولاه له على تقدير المخالفة و عدم الاعتناء بأمر مولاه؟ و انه بعد حكم عقله بذلك كيف لا يحكم عقله أولا تدعوه فطرته و جبلته إلى الإتيان بالماء فراراً عن أن يكون مستحقاً للعقاب؟ إن هذا لشي‏ء عجاب و أما الجعل التشريعي فأولى بالامتناع لعدم تعلقه بالأمور الواقعية المستندة إلى أسباب خاصة مضافاً إلى لغويته و كونه تحصيلا للحاصل فلاحظ (1) (قوله: لعدم جعل تأليفي حقيقة) الجعل التأليفي هو المتعلق بنحو مفاد كان الناقصة و البسيط المتعلق بنحو مفاد كان التامة فالثاني مثل: جعل زيدا، و الأول مثل: جعله عالماً، و امتناع تعلق الأول بلوازم الذات ظاهر لما عرفت من لزوم الخلف (2) (قوله: بل عرضا) معطوف على قوله: حقيقة، يعني يصح نسبة الجعل إلى اللازم بالعرض و المجاز لا بالحقيقة و إلّا فنسبة الحقيقة قائمة بالذات (3) (قوله: و بذلك انقدح امتناع) اعلم ان محتملات حجية القطع ثلاثة (الأول) أن يكون القطع علة تامة للحجية بحيث لا يتوقف ثبوتها له على أمر زائد على القطع من وجود أو عدم (الثاني) أن يكون‏

8

اجتماع الضدين اعتقادا مطلقاً و حقيقة في صورة الإصابة كما لا يخفى. ثم لا يذهب عليك أن التكليف ما لم يبلغ مرتبة البعث و الزجر لم يصر فعلياً و ما لم يصر فعليا لم يكد يبلغ مرتبة التنجز و استحقاق العقوبة على المخالفة و إن كان ربما يوجب موافقته استحقاق المثوبة و ذلك لأن الحكم ما لم يبلغ تلك المرتبة لم يكن حقيقة بأمر و لا نهي و لا مخالفته عن عمد بعصيان، بل كان مما سكت اللَّه عنه‏

مقتضيا لها بحيث يكون ترتبها عليه مشروطاً بوجود شرط أو فقد مانع (الثالث) أن لا يكون فيه ذلك الاقتضاء أصلا و قد أبطل الثالث بما عرفت و هنا إشارة إلى بطلان الثاني، و انه لا يتوقف اتصافه بالحجية على عدم الردع لكون الردع مانعاً عن الحجية و ان ادعى ذلك بعض، و وجه بطلانه ما أشير إليه من أن ترتب الآثار المذكورة على القطع بلا حالة منتظرة فتترتب على وجود القطع بمجرد حصوله و ان جاء الرادع فكيف يمكن نفيها بالردع (1) (قوله: اجتماع الضدين) هما الحكم المقطوع و مفاد الدليل الرادع مثلا: إذا قطع بحرمة شي‏ء فالدليل الرادع عن القطع يقتضي جوازه و الحرمة و الجواز ضدان لما ذكرنا في مسألة الاجتماع من وجه تضاد الأحكام (2) (قوله: اعتقاداً) يعني اعتقاد القاطع (3) (قوله: مطلقا) يعني سواء أصاب القطع أم أخطأ فان القاطع حيث أنه يرى قطعه مصيباً يعتقد أن مولاه جعل حكمين متضادين لموضوع واحد و ان لم يكن في الواقع كذلك كما إذا كان قطعه خطأ إذ لا حكم واقعي حينئذ بل الحكم منحصر بمفاد الرادع فلا يكون جمع بين ضدين حقيقة و واقعاً إلا في صورة إصابة القطع (4) (قوله: ثم لا يذهب عليك) هذا تفصيل ما أجمله سابقاً بقوله: و خصصنا بالفعلي لاختصاصها ...

إلخ و ملخص ما ذكر أن الحكم له مراتب كما سنشير إليها فيما يأتي إن شاء الله و هي مرتبة الاقتضاء و الإنشاء و الفعلية و التنجز و المراد من كونه فعلياً كونه بحيث يصح كونه باعثاً و زاجراً للمكلف فما لم يبلغ هذه المرتبة لا يكون فعلياً كما انه إذا لم يكن فعلياً لم يبلغ مرتبة التنجز لتأخر تلك المرتبة عن الفعلية لأنها منتزعة من‏

9

كما في الخبر فلاحظ و تدبر. نعم في كونه بهذه المرتبة مورداً للوظائف المقررة شرعاً للجاهل إشكال لزوم اجتماع الضدين أو المثلين على ما يأتي تفصيله إن شاء اللَّه تعالى- مع ما هو التحقيق في دفعه في التوفيق بين الحكم الواقعي و الظاهري فانتظر

(الأمر الثاني)

قد عرفت أنه لا شبهة في أن القطع يوجب استحقاق العقوبة على المخالفة و المثوبة على الموافقة في صورة الإصابة فهل يوجب استحقاقها في صورة عدم الإصابة على التجري بمخالفته و استحقاق المثوبة

الفعلية لأنها منتزعة من كون الحكم بنحو يصح العقاب على مخالفته و هذا المعنى إنما يكون في ظرف قيام الحجة على الحكم الفعلي فلو لم يكن فعلياً لم تكن مخالفته عصياناً و لا منشأ لاستحقاق العقوبة و لو علم به فالقطع إنما يكون موضوعاً للأثرين المذكورين في المتن من الآثار الثلاثة إذا تعلق بالحكم الفعلي و إلّا فلا يكون منشأ لاستحقاق العقاب على تقدير المخالفة و لا مما يجب العمل على وفقه (1) (قوله:

كما في الخبر) و هو المروي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): إن اللَّه تعالى حدَّد حدوداً فلا تتعدوها و فرض فرائض فلا تعصوها و سكت عن أشياء لم يسكت عنها نسيانا فلا تتكلفوها رحمة من اللَّه لكم (2) (قوله: نعم في كونه بهذه المرتبة) يعني أن الحكم إذا كان فعلياً ففي كونه مورداً للأحكام الظاهرية المقررة للشاك إشكال مشهور من لزوم اجتماع الضدين أو المثلين و لو احتمالا و هو ممتنع و سيجي‏ء في أول مبحث الظن التعرض للإشكال و لدفعه مفصلا و هذا الإشكال مختص بالحكم الفعلي دون الإنشائي و الاقتضائي فانه لا إشكال في جواز كونه مورداً للوظائف المقررة المذكورة و سيأتي الإشارة إلى ذلك إن شاء اللَّه تعالى (3) (قوله: فهل يوجب استحقاقها في صورة ... إلخ) هذا المقام ليس منافياً لما مرَّ من كون القطع موجباً للحركة على وفقه عقلا أو فطرة مطلقاً و لو كان خطأ لكن ذلك المقام كان بالإضافة إلى نفس القاطع و من المعلوم ان القاطع لا يرى قطعه إلا مصيباً فلو قلنا باختصاص العقاب بصورة الإصابة لم يكن ذلك موجباً للتفصيل في حجية القطع‏

10

على الانقياد بموافقته أولا يوجب شيئاً؟ الحق أنه يوجبه لشهادة الوجدان بصحة مؤاخذته و ذمه على تجريه و هتك حرمته لمولاه و خروجه عن رسوم عبوديته و كونه بصدد الطغيان و عزمه على العصيان و صحة مثوبته و مدحه على إقامته بما هو قضية عبوديته من العزم على موافقته و البناء على إطاعته و ان قلنا بأنه لا يستحق مؤاخذة أو مثوبة ما لم يعزم على المخالفة أو الموافقة

بالنظر إلى القاطع و حاصل الكلام أن مناط العقاب في نظر العقل هو كون العبد في مقام التمرُّد و الطغيان و إظهار الجرأة على مولاه أو خصوص المخالفة العمدية و العصيان فعلى الأول يحكم باستحقاق المتجري للعقاب لكونه كالعاصي في المناط المذكور و على الثاني لا يحكم باستحقاقه لعدم المخالفة و ان كان بقصد المخالفة و حال استحقاق الثواب على الانقياد بعينه ذلك الحال و ان مناط الثواب كون العبد في مقام إظهار عبوديته لمولاه و انقياده له أو خصوص الموافقة لأمره عن عمد و التأمل في طريقة العقلاء و ملاحظة سيرتهم مع عبيدهم و توجيه لومهم لهم و الوقيعة بهم و ما عليه العبيد من بنائهم على تقصيرهم و خوفهم من ذلك أشد الخوف و انقطاع ألسنة أعذارهم و لا سيما مع ملاحظة كون المخالفة من حيث هي أجنبية عن مقام الصلاحية يقتضي الحكم بالأول في المقامين و هو الّذي اختاره المصنف و ادعى عليه الوجدان خلافا لشيخه في رسائله في التجري و وفاقاً له في الانقياد حيث ظهر منه في مبحث التجري و الانقياد الفرق بينهما فحكم بعدم استحقاق المتجري للعقاب و استحقاق المنقاد للثواب و صرح في بعض تنبيهات الشبهة الوجوبية بأن الحكم بالثواب على الانقياد أولى من الحكم بالعقاب على التجري بناء على استحقاق المتجري للعقاب فراجع و تأمل (1) (قوله: على الانقياد بموافقته ... إلخ) الانقياد يقابل التجري مقابلة الإطاعة للمعصية فهو على هذا إطاعة اعتقادية غير واقعية بل كل من التجري و الانقياد لا يختص بالاعتقاد فقد يكون مع الاحتمال لكن لا بد في صدق التجري من كون موضوعه على خلاف مقتضى الحجة عقلية كانت أم شرعية فالعمل على‏

11

بمجرد سوء سريرته أو حسنها و ان كان مستحقاً للوم أو المدح بما يستتبعانه كسائر الصفات و الأخلاق الذميمة أو الحسنة (و بالجملة): ما دامت فيه صفة كامنة لا يستحق بها إلا مدحاً أو ذماً و إنما يستحق الجزاء بالمثوبة أو العقوبة- مضافا إلى أحدهما- إذا صار بصدد الجري على طبقها و العمل على وفقها و جزم و عزم و ذلك لعدم صحة مؤاخذته بمجرد سوء سريرته من دون ذلك و حسنها معه كما يشهد به مراجعة الوجدان الحاكم بالاستقلال في مثل باب الإطاعة و العصيان و ما يستتبعان من استحقاق النيران أو الجنان و لكن ذلك مع بقاء الفعل المتجري أو المنقاد به على ما هو عليه من الحسن أو القبح و الوجوب أو الحرمة واقعاً بلا حدوث تفاوت فيه بسبب تعلق القطع بغير ما هو عليه من الحكم و الصفة و لا تغير جهة حسنه أو قبحه أصلا

خلاف استصحاب التكليف أو قاعدة الاشتغال تجر اما الانقياد فيعتبر فيه أن لا يكون على خلاف حجة سواء أ كان مقتضى الحجة كالعمل الموافق للاستصحاب و القاعدة المتقدمتين أم لا كترك محتمل التحريم أو فعل محتمل الوجوب مع جريان البراءة الشرعية أو العقلية أو استصحاب عدم التكليف و كيف كان فحكمه حكم التجري من حيث اقتضائه استحقاق الثواب (1) (قوله: بمجرد سوء سريرته ... إلخ) متعلق بقوله: يستحق، يعني مجرد سوء السريرة و حسنها لا يوجب عقوبة أو مثوبة و انما يوجبان مدحاً أو ذماً كسائر الصفات مثل الكرم و البخل و الشجاعة و الجبن (2) (قوله: كما يشهد به .. إلخ) يعني الشاهد بعدم صحة المؤاخذة على سوء السريرة هو الوجدان (3) (قوله: و لكن ذلك مع بقاء) هذا تعرض لبقية محتملات النزاع في هذه المسألة حيث أن النزاع فيها يمكن أن يكون في استحقاق المتجري للعقاب و عدمه فتكون المسألة كلامية، و أن يكون في قبح الفعل المتجري به و عدمه فتكون أصولية حيث يستنتج منها حرمة الفعل شرعاً، و أن يكون في حرمته شرعاً و عدمها فتكون فرعية و حيث أن أقرب المحتملات هو الأول جعله عنواناً للمسألة فقال سابقا: فهل يوجب استحقاقها ... إلخ. ثم‏

12

ضرورة ان القطع بالحسن أو القبح لا يكون من الوجوه و الاعتبارات التي بها يكون الحسن و القبح عقلا و لا ملاكا للمحبوبية و المبغوضية شرعاً ضرورة عدم تغير الفعل عما هو عليه من المبغوضية و المحبوبية للمولى بسبب قطع العبد بكونه محبوباً أو مبغوضاً له فقتل ابن المولى لا يكاد يخرج عن كونه مبغوضاً له و لو اعتقد العبد بأنه عدوه و كذا قتل عدوه مع القطع بأنه ابنه لا يخرج عن كونه محبوباً أبداً. هذا مع أن الفعل المتجري به أو المنقاد به- بما هو مقطوع الحرمة أو الوجوب- لا يكون اختياريا فان القاطع لا يقصده إلّا بما قطع أنه عليه من عنوانه الواقعي الاستقلالي لا بعنوانه الطارئ الآلي بل لا يكون غالباً بهذا العنوان مما يلتفت إليه فكيف يكون من جهات الحسن أو القبح عقلا و من مناطات الوجوب أو الحرمة شرعاً؟ و لا يكاد يكون صفة موجبة لذلك إلّا إذا كانت اختيارية «ان قلت»: إذا لم يكن الفعل كذلك فلا وجه لاستحقاق العقوبة على مخالفة القطع و هل كان العقاب عليها الا عقاباً على ما ليس بالاختيار؟ «قلت»: العقاب انما يكون على قصد العصيان و العزم على الطغيان لا على الفعل الصادر بهذا العنوان بلا اختيار «إن قلت»:

تعرض في هذا الكلام لبقية الاحتمالات و انه ان كان النزاع في قبح الفعل عقلا و حرمته شرعاً فالمختار انه ليس قبيحا و لا حراما بل هو على ما هو عليه من الحسن أو القبح أو الوجوب أو الحرمة واقعا (1) (قوله: ضرورة ان القطع بالحسن) يعني ما يمكن أن يُدّعى كونه منشأ للقبح أو الحرمة ليس إلّا تعلق القطع به الموجب لطروء عنوان مقطوع و المبغوضية عليه، و لا ريب في أن هذا العنوان لا يصلح ان يكون منشأ لذلك و الوجدان شاهد به إذ القطع بالقبح لا يكون في نظر العقل من العناوين المقبِّحة أو مما يوجب المبغوضية للمولى و كذا القطع بالحسن لا يكون في نظر العقل من العناوين المحسنة أو مما يوجب المحبوبية للمولى فكيف يُدعى حينئذ كون الفعل المتجري به قبيحاً أو محرماً (2) (قوله: مع أن الفعل المتجري به) هذا

13

..........

وجه آخر لمنع قبح الفعل و حرمته و حاصله أنه لو سلمنا ان عنوان مقطوع المبغوضية من العناوين الموجبة للقبح أو المبغوضية إلّا انه في المقام لا يصلح لذلك لكونه غير اختياري للفاعل المتجري لأنه في مقام الفعل انما يقصد الفعل بالعنوان الّذي قطع به فيأتي به بعنوان كونه شرباً للخمر و لا يقصد الإتيان به بعنوان كونه شرباً للخمر المقطوع بمبغوضيته بل قد لا يكون ملتفتاً إلى ذلك فضلا عن أن يكون قاصداً له و إذا لم يكن اختيارياً كيف يكون قبيحاً عقلا أو محرماً شرعاً و كل منهما مشروط بالاختيار؟ «فان قلت»: قد اعترف المصنف (ره) بان الفعل على ما هو عليه من الحسن أو القبح أو الوجوب أو الحرمة مع انه لا يكون مقصوداً له بل مغفول عنه فلا يكون اختياريا «قلت»: مراده من ذلك أنه حسن أو قبيح شأناً لا فعلا و كذا كونه واجباً أو حراماً و إلّا فاشتراط الاختيار في فعلية الوجوب و الحرمة و غيرهما من الأحكام التكليفية ضروري (فان قلت): سلمنا أنه ليس باختياري بما هو مقطوع المبغوضية لكنه اختياري بما هو تجر فيكون قبيحاً فعلا أو محرماً كذلك بذلك العنوان (قلت): ليس هو باختياري بعنوان التجري أيضا لأن التجري الّذي قصده هو التجري بالمعنى الأخص و هو المعصية و هو غير حاصل لفرض خطأ القطع و عدم مصادفته للواقع و ما وقع منه و هو التجري بالمعنى الأعم الحاصل عند خطأ القطع غير مقصود فلا يكون عنوان التجري أيضا اختيارياً لأن ما وقع لم يقصد و ما قصد لم يقع. و من هنا يظهر أن الفعل المتجري به لا يكون اختيارياً بكل عنوان يفرض كذا ذكر المصنف (ره) في الحاشية (أقول): لم يظهر الفرق بين عنوان مقطوع المبغوضية و عنوان التجري حيث التزم ان الفاعل لا يقصد الأول و لذا لا يكون اختياريا و انه يقصد الثاني و انما لا يكون اختيارياً من جهة قصد الخصوصية مع انهما من قبيل واحد داخلان تحت قصد الفاعل- مضافاً إلى أن الاختيار الّذي يكون شرطاً للإطاعة غير الاختيار الّذي يكون شرطاً للمعصية فان الأول بمعنى القصد و الثاني يكفي فيه مجرد الالتفات و لذا ترى ان من قصد الذهاب إلى (بغداد) و علم أنه إذا

14

..........

وصل إليها يُجبر على شرب الخمر فإذا سافر إلى بغداد ملتفتاً إلى انه يُجبر على شرب الخمر فلما وصلها أجبر على شرب الخمر يكون عاصيا عن عمد و اختيار و ان لم يكن قاصداً لشرب الخمر أصلا بل كان كارها له. و لو علم أنه إذا وصل إلى بغداد أجبر على بذل ما له للفقراء فسافر إليها و أجبر على ذلك لا يعد مطيعاً حيث لم يقصد البذل فان كان الالتفات كافياً في قصد الاختيار الّذي يكون شرطاً في المعصية كان مجرد التفاته إلى انطباق عنوان المبغوضية على فعله كافياً في القبح و الحرمة و لا يحتاج في ثبوتها إلى قصد كما يظهر من قوله: فان القاطع لا يقصد ... إلخ و منه يظهر الإشكال فيما ذكره في الحاشية فان قصد الخصوصية بنحو وحدة المطلوب و ان كان يضاد قصد العام لكنه لا يمنع من اختيارية العام فقصده للمعصية لا يمنع من التفاته إلى الجامع بينها و بين التجري المقابل لها و هو مطلق التجري و حينئذ يكون اختيارياً قبيحاً يحسن العقاب عليه و يشهد بما ذكرنا أنه لا يكاد يرتاب في أن من قصد أن يشرب الخمر الّذي في إناء زيد فشربه فصادف انه الخمر الّذي في إنائه يكون عاصياً في شرب الخمر مرتكباً له عن عمد و اختيار و لا مجال للتشكيك فيه بما ذكر من أن ما قصده لم يقع و ما وقع لم يقصده فلا يكون اختياريا و انما يصح ذلك فيما كان يعتبر فيه القصد كما في باب تخلف الشرط و الوصف و باب تبعض الصفقة و ما لو صلى خلف زيد فبان كونه عمراً و نحو ذلك بناء على كون المقصود فيها بنحو وحدة المطلوب «إذا عرفت هذا» فنقول: إن التجري الّذي هو الإقدام على المولى و إظهار الجرأة عليه له مراتب في الخارج (فتارة) لا يكون إلا مجرد العزم على المعصية بلا ارتكاب لشي‏ء أصلا (و أخرى) يكون بارتكاب بعض المقدمات (و ثالثة) يكون- مضافا إلى ذلك- بارتكاب نفس المعصية الاعتقادية و لا ريب في انطباق التجري على هذه المراتب و ان كان التجري قبيحاً موجباً للعقاب كانت المراتب المذكورة كذلك فيترتب العقاب حينئذ على نفس الفعل الخارجي بما انه ينطبق عليه التجري الملتفت إليه و لا مقتضي للالتزام بالعقاب على خصوص العزم. ثم إنه قد تقدم في بعض مباحث مسألة الاجتماع ان‏

15

..........

كلًا من الحسن و القبح نوعان «أحدهما» ما يكون منشأ للأمر و النهي و يكون موضوعاً للقصد و لا يتقوم بالقصد و لا يوجب ثواباً و لا عقابا و هو الناشئ عن المصالح و المفاسد الواقعية «و الثاني» ما يكون متأخراً عن الأمر و النهي و يكون متقوماً بالقصد و يكون مناطاً للثواب و العقاب و هو حسن الإطاعة و قبح المعصية و على هذا يظهر فساد ما ذكر في الفصول من التفصيل في استحقاق المتجري للعقاب بين ما لو اعتقد تحريم واجب غير مشروط بالقربة فلا يستحق عليه العقاب و بين غيره لبنائه على إعمال قواعد التزاحم بين الجهات الواقعية المقتضية للحصن و بين التجري المقتضي للقبح فيؤخذ بالأقوى لو كان (وجه) الفساد أن إعمال قواعد التزاحم إنما يكون مع تنافي المقتضيات أثراً و ليس الأمر هنا كذلك لما عرفت من أن الحسن الناشئ من الجهات الواقعية لا يقتضي ثواباً و لا ينفي عقاباً بالمرة فكيف يمكن أن يزاحم القبح التي من قبل التجري في تأثيره في العقاب كما ان القبح الآتي من قبل التجري لا يصلح أن يزاحم الحسن الواقعي في اقتضائه الأمر بالفعل فكيف يصح إعمال قاعدة التزاحم بين الحسن الواقعي و قبح التجري حتى يدعى عدم العقاب للمتجري في الفرض الّذي ذكر و لعل مراد شيخنا العلامة- أعلى اللَّه مقامه- في رسائله من جوابه الثاني عن شبهة الفصول حيث يقول فيه: و من المعلوم أن ترك قتل المؤمن في المثال الّذي ذكره كفعله ليس من الأمور التي تتصف بحسن أو قبح للجهل بكونه قتل مؤمن ... إلخ و ذلك يعني: انه لا يوجب حسنا يصلح لمزاحمة قبح التجري من جهة منافاته للعقاب لا انه لا يوجب حسنا أو قبحاً واقعيين و إلّا فالاختيار لا يكون شرطاً في الحسن و القبح الواقعيين كما هو ظاهر فلاحظ و تأمل. و لعل من هنا يظهر توجيه كلام المصنف (ره) في عدم اقتضاء طروء عنوان مقطوع المبغوضية على الفعل المتجري به للقبح من جهة كونه ليس اختيارياً فيكون المراد به القبح المؤدي إلى العقاب لا مطلق القبح، و إلا فقد عرفت أن القبح الواقعي ليس مشروطاً بالاختيار أصلا، و لا يحتاج إلى الجمع بين اعترافه بكون الفعل على ما هو عليه من الحسن و القبح و بين إنكاره لقبح‏

16

إن القصد و العزم إنما يكون من مبادئ الاختيار و هي ليست باختيارية و إلا لتسلسل «قلت»:- مضافا إلى أن الاختيار و ان لم يكن بالاختيار إلّا أن بعض مباديه غالباً يكون وجوده بالاختيار للتمكن من عدمه بالتأمل فيما يترتب على ما عزم عليه من تبعة العقوبة و اللوم و المذمة- يمكن أن يقال: إن حسن المؤاخذة و العقوبة إنما يكون من تبعة بعده عن سيده بتجريه عليه كما كان من تبعته بالعصيان في صورة المصادفة فكما انه يوجب البعد عنه كذلك لا عرو في أن يوجب حسن العقوبة فانه‏

الفعل المتجري به، بحمل الأول على القبح الشأني و الثاني على الفعلي، و يكون وجه حمل الأول على النحو الّذي لا يرتبط بالعقاب و الثواب و الثاني على النحو الآخر لكنه يفيد عن العبارة فتأمل جيداً (1) (قوله: الاختيار و ان لم يكن بالاختيار) الاختيار هو القصد و الإرادة، و المراد من كونه ليس بالاختيار انه لا يجب أن يكون كذلك كما في الأفعال الاختيارية، لكن ربما كان بعض مباديه بالاختيار، كما أوضح ذلك في الحاشية على الرسائل حيث ذكر أن مقدمات العمل الاختياري:

حضور المراد في الذهن، ثم الميل النفسانيّ إليه، ثم الجزم و هو حكم القلب بأنه ينبغي صدوره، ثم العزم و القصد بناء على اتحادهما، أو القصد بناء على اختلافهما و حديث النّفس لا يدخل تحت الاختيار و كذا الميل، و اما الجزم فيختلف باختلاف الأحوال فقد يكون الفاعل بحيث يقدر على الانصراف بالتأمل بالصوارف و الموانع و ربما لا يقدر على ذلك لشدة الميل بحيث يغفل عما يترتب على الفعل من المهالك أو لا يبالي، و كذا العزم بناء على أنه غير القصد فقد يكون كالجزم بحيث يمكن فسخه ... إلخ. و يمكن المناقشة فيما ذكره بنحو لا يسعه المقام (2) (قوله:

يمكن أن يقال) لكن على هذا لا وجه للالتزام بعدم العقاب على الفعل و كونه على خصوص العزم، و هل الفرار من الأول إلى الثاني الا كالفرار من المطر إلى‏

17

و ان لم يكن باختياره [1] إلّا انه بسوء سريرته و خبث باطنه بحسب نقصانه و اقتضاء استعداده ذاتا و إمكانا و إذا انتهى الأمر إليه يرتفع الإشكال و ينقطع السؤال ب (لم) فان الذاتيات ضرورية الثبوت للذات و بذلك أيضا ينقطع السؤال عن انه لِمَ اختار الكافر و العاصي الكفر و العصيان و المطيع و المؤمن الإطاعة و الإيمان؟ فانه يساوق السؤال عن أن الحمار لِم يكون ناهقاً و الإنسان لِمَ يكون ناطقاً «و بالجملة»:

تفاوت أفراد الإنسان في القرب منه جل شأنه و عظمت كبرياؤه و البعد عنه سبب لاختلافها في استحقاق الجنة و درجاتها و النار و دركاتها و موجب لتفاوتها في نيل الشفاعة

الميزاب (1) (قوله: و ان لم يكن باختياره إلا أنه بسوء» هذا التزام بما يخالف أصول المذهب و ضرورياته، و أغرب من ذلك ما ذكره في الحاشية على هذا المقام تقريباً لما في المتن، و محصله: أن العقاب للعاصي المقابل للمتجري إنما يكون على ما لا بالاختيار فان الموجب لعقابه هي المعصية و المعصية هي المخالفة العمدية، و من المعلوم أن المخالفة العمدية بما هي عمدية ليست اختيارية إذ العمد هو الاختيار و ليس بالاختيار، و وجه الاستغراب: أن الموجب للعقاب في العاصي هو المخالفة العمدية، و المصحح لترتب العقاب صفة العمد المأخوذة فيها، و لا يتأمل أحد في أنه لا يعتبر في صحة العقاب عمدان بل يكفي عمد واحد فإذا كانت المخالفة عمدية صح العقاب عليها، و كيف يجعل هذا مثالا تقريبياً لما نحن فيه مع عدم العمد و الاختيار فيه بالمرة؟ (2) (قوله: ذاتا و إمكانا) الأول إشارة إلى الاستعداد القائم بالذات لذاتها، و الثاني إلى ما ينتسب بالذات بتوسط الاقتران ببعض الممكنات (3) (قوله: و بذلك أيضا ينقطع) إشارة إلى ما

____________

[1] كيف لا و كانت المعصية الموجبة لاستحقاق العقوبة غير اختيارية فانها هي المخالفة العمدية و هي لا تكون بالاختيار ضرورة ان العمد إليها ليس باختياري و انما تكون نفس المخالفة اختيارية و هي غير موجبة للاستحقاق و انما الموجبة له هي العمدية منها كما لا يخفى على أولي النهي. «منه (قدس سره)»

18

و عدمها و تفاوتها في ذلك بالآخرة يكون ذاتيا و الذاتي لا يعلل (ان قلت): على هذا فلا فائدة في بعث الرسل و إنزال الكتب و الوعظ و الإنذار (قلت): ذلك لينتفع به من حسنت سريرته و طابت طينته لتكمل به نفسه و يخلص مع ربه أنسه (ما كنا لنهتدي لو لا أن هدانا اللَّه) قال اللَّه تبارك و تعالى: «فذكر فان الذكرى تنفع المؤمنين» و ليكون حجة على من ساءت سريرته و خبثت طينته «ليهلك من هلك عن بينة و يحيى من حي عن بينة كيلا يكون للناس على اللَّه حجة» بل كان له حجة بالغة و لا يخفى أن في الآيات و الروايات شهادة على صحة ما حكم به الوجدان الحاكم على الإطلاق في باب الاستحقاق للعقوبة و المثوبة و معه لا حاجة إلى ما استدل على استحقاق المتجري للعقاب بما حاصله أنه لولاه مع استحقاق العاصي له يلزم إناطة استحقاق العقوبة بما هو خارج عن الاختيار من مصادفة قطعه الخارج عن تحت قدرته و اختياره‏

ذكر من كون ما لا بالاختيار ناشئاً عن الاستعداد الذاتي الضروري للذات، (1) (قوله: و لا يخفى ان في الآيات و الروايات) المراد من الآيات مثل قوله تعالى (إن السمع و البصر و الفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا)، و قوله تعالى:

(و لكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم) و قوله تعالى: (و الذين يحبون ان تشيع الفاحشة ... إلى آخر الآية) و نحوها، و من الروايات مثل قوله (صلى اللَّه عليه و آله): نية الكافر شر من عمله، و ما ورد من تعليل خلود أهل النار بعزمهم على البقاء في الكفر لو خلدوا في الدنيا، و نحوهما، لكن لا يخفى ان مثل المقام من الأحكام العقلية لا تصلح الآيات و الروايات للشهادة فيه و انما تصلح للمرجعية في الأحكام العقلية لا تصلح الآيات و الروايات للشهادة فيه و انما تصلح للمرجعية في الأحكام الشرعية (2) (قوله: و معه لا حاجة) يعني مع حكم الوجدان (3) (قوله: لولاه) الضمير راجع إلى الاستحقاق، و في (له) إلى العقاب (4) (قوله: من مصادفة) بيان لما هو الخارج عن الاختيار، ثم ان هذا إشارة إلى البرهان الرباعي الّذي ذكر في الرسائل، و بيانه: انه لو فرض شخصان قاطعين بان ما في إنائهما خمر ثم شرب كل منهما ما في إنائه و كان في الواقع أحد الإناءين خمرا و الآخر ماء فاما ان‏

19

مع بطلانه و فساده إذ للخصم أن يقول بان استحقاق العاصي دونه إنما هو لتحقق سبب الاستحقاق فيه و هو مخالفته عن عمد و اختيار و عدم تحققه فيه لعدم مخالفته أصلا- و لو بلا اختيار-

يستحقا العقاب أولا يستحقه أحدهما أو يستحقه من صادف قطعه الواقع دون الآخر أو العكس، لا سبيل إلى الثاني و الرابع إذ لازمهما القول بعدم الاستحقاق على المعصية و هو باطل بناء على التحسين و التقبيح العقليين الّذي هو مبنى البحث في هذه المسألة، فيدور الأمر بين الأول و الثالث، و حيث ان الثالث يلزم منه إناطة العقاب بالمصادفة للواقع إذ لا فرق بين الشخصين الا في ذلك، فالفرق بينهما في العقاب لا بد أن يستند إلى ذلك و هو باطل لأنه يلزم إناطة العقاب بما هو خارج عن الاختيار فتعين الأول و هو المطلوب (1) (قوله: مع بطلانه و فساده) الضمير المجرور فيهما راجع إلى الدليل (2) (قوله: إذ للخصم ان يقول بان) توضيح ما ذكر: ان إناطة العقاب بما هو خارج عن الاختيار تارة يكون بمعنى ان العلة التامة في العقاب امر غير اختياري، و أخرى بمعنى ان الأمر غير الاختياري دخيل في العقاب، و الأول ممتنع عند العدلية، و الثاني جائز عندهم و هو الّذي يلزم من الدليل الأول، إذ منشأ العقاب هو المخالفة و هي اختيارية، غاية الأمر ان من جملة مقدماته مصادفة القطع للواقع لا أن منشأ العقاب هو نفس المصادفة ليس غير ليلزم اللازم الباطل عند العدلية، و يمكن ان يكون مقصود المستدل بيان ان جهة المصادفة مما لا يصلح ان يكون دخيلة في حسن العقاب مع كونها غير اختيارية و لا آتية من قبل المكلف فلا بد ان يكون المنشأ هو ما به الاشتراك بين الشخصين من الإقدام على الهتك (3) (قوله: الاستحقاق فيه) الضمير في فيه راجع إلى العاصي (4) (قوله: تحققه فيه) الضمير راجع إلى المتجري (5) (قوله: لعدم مخالفته) و لكن مع صدور فعل منه بالاختيار كما إذا كان الخطأ منه في الحكم كما لو اعتقد ان شرب الماء حرام فشربه فان شرب الماء صادر منه بالاختيار و لم تصدر منه مخالفة

20

بل عدم صدور فعل منه في بعض أفراده بالاختيار كما في التجري بارتكاب ما قطع أنه من مصاديق الحرام كما إذا قطع مثلا بأن مائعاً خمر مع انه لم يكن بالخمر فيحتاج إلى إثبات أن المخالفة الاعتقادية سبب كالواقعية الاختيارية كما عرفت بما لا مزيد عليه (ثم) لا يذهب عليك أنه ليس في المعصية الحقيقية إلا منشأ واحد لاستحقاق العقوبة و هو هتك واحد فلا وجه لاستحقاق عقابين متداخلين- كما توهم- مع ضرورة أن المعصية الواحدة لا توجب الا عقوبة واحدة: كما لا وجه لتداخلهما على تقدير استحقاقهما كما لا يخفى، و لا منشأ لتوهمه إلّا بداهة أنه ليس في معصية واحدة الا عقوبة واحدة مع الغفلة عن أن وحدة المسبَّب تكشف بنحو الآن عن وحدة السبب‏

(الأمر الثالث)

أنه قد عرفت أن القطع بالتكليف أخطأ أو أصاب يوجب عقلا استحقاق المدح و الثواب أو الذم و العقاب من دون أن يؤخذ شرعاً في خطاب، و قد يؤخذ في موضوع حكم آخر

لكن بلا اختيار حيث ان السبب في عدم مخالفته خطأ قطعه (1) (قوله: بل عدم صدور فعل) بناءً على ما تقدم منه من ان ما قصد لم يقع و ما وقع لم يقصد (2) (قوله: كما في التجري) و كذا في كل ما كان الخطأ في الموضوع (3) (قوله:

كما توهم) المتوهم صاحب الفصول بناء على مبناه السابق إذ في المعصية الحقيقية يجتمع قبحان القبح الواقعي و قبح التجري فيترتب عقابان لكن يتداخلان، و هو خلاف الضرورة القائمة على أن المعصية الواحدة لا توجب الا عقوبة واحدة (4) (قوله: كما لا وجه لتداخلهما) إذ التداخل ممتنع لأنه خلف بعد ما كان كل من القبحين سبباً مستقلا مطلقا (5) (قوله: و لا منشأ لتوهمه) يعني لتوهم التداخل (6) (قوله: الا عقوبة واحدة) يعني لما رأى بداهته لم يكن له بد الا من القول بالتداخل (7) (قوله: مع الغفلة عن ان) و لو التفت إلى ذلك لجعل الضرورة طريقا له إلى الالتزام بوحدة منشأ العقاب لا القول بتعدده مع التداخل (8) (قوله:

قد عرفت ان القطع بالتكليف) يريد بهذا الكلام الإشارة إلى أقسام القطع‏

21

يخالف متعلقه لا يماثله و لا يضاده كما إذا ورد مثلا في الخطاب انه: إذا قطعت‏

و انه طريقي و موضوعي: أما الأول فهو ما لا يؤخذ في موضوع الحكم الشرعي بل كان موضوعا لحكم العقل بوجوب الموافقة، و الثاني ما يؤخذ في موضوع الحكم الشرعي و هو على أقسام، و المتصور من اقسامه الممتنعة و الصحيحة كثير، لأنه اما ان يتعلق بالحكم الشرعي أو بموضوعه، و الأول اما ان يؤخذ في نفس ذلك الحكم الّذي تعلق به، أو ضده، أو مثله، أو خلافه، و كل منها إما ان يؤخذ جزءاً للموضوع أو تمام الموضوع، و كل منها اما ان يكون ملحوظا بنحو الطريقية أو بنحو الصفتية فهذه ست عشرة صورة، و مثلها صور الثاني أيضاً، فانه إذا تعلق بموضوع الحكم، فتارة يؤخذ في نفس ذلك الحكم، و أخرى في مثله و ثالثة في ضده و رابعة في خلافه، و كل منها إما بنحو الجزئية للموضوع أو تماميته بنحو الصفتية أو الطريقية، كما في القسم الأول، ثم إنه يمتنع أن يؤخذ في نفس الحكم الّذي تعلق به بصورة الأربع للزوم الدور حيث ان نسبة العلم إلى المعلوم كنسبة العارض إلى المعروض فأخذه على أحد الأنحاء الأربعة يوجب توقف الشي‏ء على نفسه، مع انه لا يخلو عن الخلف لأن العلم بالحكم لا بد أن يتعلق بمفاد كان التامة فالمعلوم ثبوت الحكم لشي‏ء فيكون ذلك الشي‏ء هو الموضوع للحكم فكيف يكون العلم به موضوعا له على أحد الأنحاء الأربعة؟، و كذا أخذه في مثله بحيث يكون العلم بوجوب الصدقة موضوعا لوجوب الصدقة ثانيا فانه ممتنع لأنه من اجتماع المثلين لكنهما يختلفان بحسب الرتبة لأن الوجوب الأول مأخوذ في رتبة سابقة فامتناعه موقوف على امتناع اجتماع المثلين و لو في رتبتين، أو قبحه من جهة اللغوية في جعل الوجوب الثاني، و كذا أخذه في ضده بصورة للزوم اجتماع الضدين و يجوز أخذه في خلافه بصورة الأربع التي أشار إليها المصنف (ره) في المتن و مثل ذلك جواز أو امتناعا صور ما تعلق بموضوع الحكم فيمتنع أخذه في نفس حكم متعلقه للخلف و في مثل لاجتماع المثلين بلا ترتب و في ضده للتضاد و يصح أخذه في خلافه فالصور الصحيحة للقطع الموضوعي ثمان‏

22

بوجوب شي‏ء يجب عليك التصدق بكذا (تارة) بنحو يكون تمام الموضوع بان يكون القطع بالوجوب مطلقا و لو أخطأ موجباً لذلك (و أخرى) بنحو يكون جزءه و قيده بان يكون القطع به في خصوص ما أصاب موجباً له، و في كل منهما يؤخذ طوراً بما هو كاشف و حاكٍ عن متعلقه و آخر بما هو صفة خاصة للقاطع أو المقطوع به و ذلك لأن القطع لما كان من الصفات الحقيقية ذات الإضافة و لذا كان العلم نوراً لنفسه و نوراً لغيره صح ان يؤخذ فيه بما هو صفة خاصة و حالة مخصوصة بإلغاء جهة كشفه أو اعتبار خصوصية أخرى فيه معها كما صح أن يؤخذ بما هو كاشف عن متعلقه و حاك عنه فيكون أقسامه أربعة- مضافة إلى ما هو طريق محض عقلا غير مأخوذ في الموضوع شرعاً.

(1) (قوله: يخالف متعلقه) أي يخالف حكم متعلقه (2) (قوله: بما هو كاشف) قد عرفت فيما سبق ان من آثار القطع الذاتيّة طريقيته إلى متعلقه و حكايته عنه و من المعلوم ان كل موضوع ذي صفة إذا أخذ موضوعا للحكم الشرعي، تارة يؤخذ بما انه معنون بتلك الصفة، و أخرى لا بما هو كذلك سواء لم تلحظ تلك الصفة فيه بالمرة أم لوحظت مع الذات أو مع غيرها من الصفات مثلا إذا كان زيد عالما فحين ما يجعل موضوعا للحكم، تارة بما انه عالم فيكون الحكم في الحقيقة على عنوان العالم الشامل لكل عالم زيدا كان أو عمراً أو غيرهما، و أخرى لا بما انه كذلك سواء لوحظت جميع الصفات حتى صفة العالمية أم أغفلت تلك الصفة بالمرة و كان الحكم على الذات أو بقية الصفات غير صفة العالمية، و من هنا يظهر أن القطع إذا لوحظ بما انه طريق في مقام موضوعيته للحكم كان الحكم في الحقيقة على مطلق الطريق فلو فرض محالا وجود طريق إلى الواقع غير القطع كان أيضا موضوعا للحكم و ان لم يلحظ كذلك لم يكن مطلق الطريق موضوعا لذلك الحكم (3) (قوله: لما كان من الصفات الحقيقية) يعني صفة حقيقية للنفس من مقولة الكيف أو غيرها (4) (قوله: ذات الإضافة) يعني إلى غير موضوعه و هو المعلوم‏

23

(ثم) لا ريب في قيام الطرق و الأمارات المعتبرة بدليل حجيتها و اعتبارها مقام هذا القسم كما لا ريب في عدم قيامها بمجرد ذلك الدليل مقام ما أخذ في الموضوع على نحو الصفتية من تلك الأقسام بل لا بد من دليل آخر على التنزيل فان قضية الحجية و الاعتبار ترتيب ما للقطع بما هو حجة من الآثار لا له بما هو صفة و موضوع ضرورة انه كذلك يكون‏

(1) (قوله: فتكون اقسامه أربعة) يعني أقسام القطع المأخوذ في الحكم الّذي يخالف متعلقه فلو ضم إليها أقسام المأخوذ في الحكم الّذي يخالف حكم متعلقه كانت ثمانية و لو ضم إليها الصور الممتنعة كان المجموع اثنتين و ثلاثين صورة (قيام الأمارات مقام القطع) (2) (قوله: ثم لا ريب في قيام الطرق) المراد من الطرق الحجج المثبتة للأحكام الكلية و من الأمارات الحجج المثبتة للموضوعات الخارجية، ثم ان هذا الكلام من المصنف (ره) شروع فيما يتعلق بالقطع من حكم قيام الأمارات مقامه و عدمه و تعرض فيه لمقامات ثلاثة الأول قيامها مقام القطع الطريقي المحض غير المأخوذ في موضوع حكم الشارع أصلا و ذكر انه لا ريب في قيامها مقامه، و المراد من ذلك انها يترتب عليها اثره، و قد عرفت ان اثره ليس إلّا عقليا و هو منجزيته للواقع على تقدير المصادفة و كونه عذرا في مخالفته على تقدير المخالفة، و الوجه في ترتب ذلك عليها بأدلة حجيتها ان مفاد أدلة حجيتها جعل مؤداها بمنزلة الواقع فإذا قامت على شي‏ء كان ما قامت عليه بمنزلة الواقع، و لا ريب في أن القطع بما هو بمنزلة الواقع كالقطع بالواقع في كونه منجزاً و عذراً في صورتي المصادفة و عدمها (3) (قوله: كما لا ريب في عدم قيامها) هذا إشارة إلى المقام الثاني و هو قيامها مقام القطع المأخوذ موضوعا على نحو الصفتية (4) (قوله: فان قضية الحجية) حاصله: ان أدلة الحجية انما اقتضت كون الطريق و الأمارة بمنزلة القطع في الحجية

24

كسائر الموضوعات و الصفات. و منه قد انقدح عدم قيامها بذاك الدليل مقام ما أخذ في الموضوع على نحو الكشف فان القطع المأخوذ بهذا النحو في الموضوع شرعا كسائر ما له دخل في الموضوعات أيضا فلا يقوم مقامه شي‏ء بمجرد حجيته أو قيام دليل على اعتباره ما لم يقم دليل على تنزيله و دخله في الموضوع كدخله (و توهم) كفاية دليل‏

و الطريقية إلى الواقع، و مرجع ذلك إلى تنزيل مؤداها منزلة الواقع، و هذا لا ينفع إلّا في ترتب آثار الواقع و أحكامه على المؤدى كما هو شأن كل تنزيل اما ترتيب آثار نفس القطع المأخوذ موضوعا بما انه صفة خاصة فلا وجه له، و إذا كان الأمر كذلك فلا وجه لقيامها مقامه لما عرفت من ان معنى قيام الشي‏ء مقام آخر ثبوت آثار الثاني للأول و إذا لم يكن دليل الحجية متكفلا لترتيب آثار القطع على الأمارة كيف تكون قائمة مقامه (1) (قوله: كسائر الموضوعات و الصفات) يعني التي لا يمكن ترتيب آثارها الا على ما نزل منزلتها بما انها ملحوظة في نفسها موضوعا للحكم، و هذا المعنى غير حاصل لدليل التنزيل حيث لم يقصد منه الا تنزيل الأمارة منزلة القطع بما انه ملحوظ طريقا إلى متعلقه الراجع إلى جعل مؤداها منزلة الواقع لا غيركما ذكرنا (2) (قوله: و منه قد انقدح عدم) هذا تعرض للمقام الثالث و هو قيامها مقام القطع المأخوذ موضوعا على نحو الطريقية لا الصفتية، و حاصل ما ذكره فيه: انها لا تقوم مقامه أيضا بعين الوجه المتقدم في المقام الثاني من انه يتوقف على ان يكون دليل حجيتها متعرضا لتنزيلها منزلة القطع ملحوظا في نفسه و بما انه موضوع لحكمه، و قد تقدم ان دليل الحجية ليس كذلك بل لا يتعرض الا لقيامها مقامه بما انه ملحوظ طريقا إلى الواقع فيكون التنزيل في الحقيقة راجعاً إلى تنزيل مؤداها منزلة الواقع و هو أجنبي عن اقتضاء ترتيب آثار نفس القطع كما عرفت مكررا (3) (قوله: على تنزيله و دخله) الضمير فيهما راجع إلى شي‏ء (4) (قوله: كدخله) الضمير فيه راجع إلى سائر ما له (5) (قوله: و توهم كفاية دليل) حاصل التوهم: انه لا وجه لتخصيص دليل تنزيل الأمارة منزلة القطع‏

25

الاعتبار الدال على إلغاء احتمال خلافه و جعله بمنزلة القطع من جهة كونه موضوعا و من جهة كونه طريقاً فيقوم مقامه طريقاً كان أو موضوعاً (فاسد جداً) فان الدليل الدال على إلغاء الاحتمال لا يكاد يفي إلّا بأحد التنزيلين حيث لا بد في كل تنزيل منهما من لحاظ المنزَّل و المنزَّل عليه و لحاظهما في أحدهما آلي و في الآخر استقلالي بداهة أن النّظر في حجيته و تنزيله منزلة القطع في طريقيته في الحقيقة إلى الواقع و مؤدى الطريق و في كونه بمنزلته في دخله في الموضوع إلى أنفسهما و لا يكاد يمكن الجمع بينهما. نعم لو كان في البين ما بمفهومه جامع بينهما يمكن أن يكون دليلا على التنزيلين و المفروض انه ليس فلا يكون دليلا على التنزيل إلا بذاك اللحاظ الآلي‏

بحيثية الطريقية فقط فانه خلاف إطلاق دليل التنزيل و لا بد من الحكم بكونه في مقام تنزيلها منزلته من حيث الموضوعية و حينئذ يترتب الأثر ان أثر القطع بما انه طريق و هو أثر متعلقه و اثره بما هو موضوع و هو أثر نفسه (1) (قوله: فاسد جداً) خبر توهم (2) (قوله: فان الدليل الدال على) حاصله: ان الأصل و ان كان يقتضي إطلاق دليل التنزيل و كونه ناظراً إلى جميع الحيثيات ذوات الآثار و الأحكام إلا ان الإطلاق في المقام ممتنع لأنه يلزم منه الجمع بين اللحاظين لشي‏ء واحد فان تنزيل الطريق منزلة القطع بلحاظ الطريقية يقتضي ان يكونا أعني الطريق و القطع ملحوظين آلة لملاحظة متعلقهما و لذا ذكرنا ان التنزيل بلحاظ الطريقية راجع إلى تنزيل المؤدى منزلة الواقع فلا يكونان ملحوظين حينئذ إلا مرآة لمتعلقهما و تنزيل الطريق منزلة القطع بلحاظ الموضوعية يقتضي ملاحظتهما مستقلا كسائر موضوعات الأحكام، و لا ريب ان الجمع بين اللحاظين المذكورين ممتنع فلا بد، اما ان يحمل دليل التنزيل على الأول فلا يقتضي ترتيب آثار القطع الموضوعي، أو على الثاني فلا يقتضي ترتيب آثار الواقع على مؤدى الطريق (3) (قوله: و لحاظهما في أحدهما آلي) و هو لحاظه بنحو الطريقية إلى المتعلق و الاستقلالي ما كان بنحو الموضوعية (4) (قوله: نعم لو كان في البين ما) يعني لو كان دليل التنزيل لسانه بحيث‏

26

فيكون حجة موجبة لتنجز متعلقه و صحة العقوبة على مخالفته في صورتي إصابته و خطئه بناء على استحقاق المتجري أو بذلك اللحاظ الآخر الاستقلالي فيكون مثله في دخله في الموضوع و ترتيب ما له عليه من الحكم الشرعي (لا يقال): على هذا لا يكون دليلا على أحد التنزيلين ما لم يكن هناك قرينة في البين (فانه يقال):

لا إشكال في كونه دليلا على حجيته فان ظهوره في انه بحسب اللحاظ الآلي مما لا ريب فيه و لا شبهة تعتريه و إنما يحتاج تنزيله بحسب اللحاظ الآخر الاستقلالي من نصب دلالة عليه. فتأمل في المقام فانه دقيق و مزال الإقدام للاعلام. و لا يخفى أنه‏

يمكن فيه الجمع بين التنزيلين و لا يلزم فيه الجمع بين اللحاظين الممتنع كان حمله عليهما معا هو المتعين، لكن ليس مثل هذا الدليل موجودا فان لسان أدلة الحجية هو مثل: ألغ احتمال الخلاف في الخبر، أو صدق خبر العادل، أو الخبر حجة أو نحو ذلك و موضوع الحكم فيها هو الخبر، و حينئذ فاما ان يلحظ بما هو هو أو بما انه طريق و لا يمكن جمعهما معاً لأنه من اجتماع الضدين (1) (قوله: على هذا لا يكون) يعني على ما ذكرت من صلاحية الدليل للحمل على كل واحد من التنزيلين يكون مجملا و لا وجه لحمله على أحدهما بعينه إلّا بالقرينة و لا قرينة (2) (قوله: و انما يحتاج تنزيله بحسب اللحاظ) يعني ظهور أدلة التنزيل في تنزيل المؤدى موجب للحمل عليه و لا يصح حمله على الآخر إلّا بالقرينة و مع عدمها لا بد ان يحمل على الأول (هذا) و لكن لا يخفى انه لا بد من الالتزام بوفاء أدلة الحجية بتنزيل الأمارة منزلة العلم لما سيأتي إن شاء اللَّه من أنه لا وجه لتقديمها على الأصول الا ذلك حيث أن الأصول لما كانت أحكاما في ظرف الشك فإذا قامت الأمارة في موردها ارتفع الشك و لا يكون مجال لجريان الأصل لارتفاع موضوعه، و سيجي‏ء إن شاء اللَّه بيانه في مباحث الاستصحاب، كما انه لا بد من الالتزام بتنزيل مؤدياتها منزلة الواقع و ترتيب آثار الواقع عليها لما تسالموا عليه من كونها وسطا لإثبات أحكام متعلقاتها بحيث يكون القياس المؤلف هكذا: هذا مظنون الخمرية و كل مظنون الخمرية خمر و لو لا ان مؤدياتها

27

..........

بمنزلة الواقع لم تصح الكبرى المذكورة، و حينئذ فإشكال المصنف (ره) «ان كان» في مقام الثبوت فهو يتوقف على كون الملحوظ للجاعل مفهوم الأمارة لا غير لأن ذلك المفهوم لا يمكن إلّا أن يكون ملحوظا لنفسه المقتضي لتنزيلها منزلة العلم أو لغيرها المقتضي لتنزيل مؤدياتها منزلة الواقع كما ذكر المصنف (ره) اما إذا كان الملحوظ له مفهوم الأمارة و مؤداها معا سواء كان لحاظهما معا بلحاظين مستقلين في زمانين أو بلحاظ واحد في آن واحد و يكون كل واحد منهما ملحوظا ضمنا فلا مانع منه بل لا مجال للريب في جوازه كما تقول: هذه الدار كتلك الدار، ملاحظا تنزيل جدران الأولى منزلة جدران الثانية و بيوت الأولى منزلة بيوت الثانية و سقوف الأولى منزلة سقوف الثانية ... و هكذا إلى آخر الأجزاء، فيقصد تنزيل كل جزء منزلة ما يناسبه من أجزاء الطرف الآخر، و كما تقول: هذه الكف منزلة تلك الكف، قاصدا تنزيل كل إصبع منها منزلة ما يناسبه من أصابع تلك فيقصد المقابلة بين الخنصرين و البنصرين و الوسطين ... و هكذا ... إلى غير ذلك من الأمثلة، و في المقام يمكن أن يلاحظ المظنون بذاته و صفته فينزله منزلة المقطوع بذاته و صفته على ان تكون الذات و الصفة بمنزلة الذات و الصفة بمنزلة الصفة، «و ان كان» في مقام الإثبات فليس دليل الحجية منحصراً بمثل: الظن حجة، أو: الخبر حجة، حتى لا يكون الكلام ظاهراً إلا في لحاظ مفهوم الظن أو الخبر بل فيه مثل قول أبي الحسن الهادي (عليه السلام) لابن إسحاق: العمري ثقة فما أدى إليك عني فعني يؤدي و ما قال لك عني فعني يقول، و قول العسكري (عليه السلام) له أيضا العمري و ابنه ثقتان فما أديا إليك عني فعني يؤديان و ما قالا لك عني فعني يقولان، و بهذا المضمون مما يتضمن الأمارة و مؤداها كثير، مع أن ما لا يكون بهذا المضمون لا بد أن يكون محمولا عليه جريا على الارتكاز العقلائي في باب الحجج من كونها بمنزلة العلم عندهم في ترتيب آثاره عليها، كما أن مؤداها بمنزلة الواقع في ترتيب آثاره عليه، و منه يظهر أن بناء العقلاء المتمسك به على حجية الخبر لا بد أن يكون طريقا إلى التنزيلين معا، و هكذا الحال في الإجماع فانه على تقدير

28

لو لا ذلك لأمكن أن يقوم الطريق بدليل واحد دال على إلغاء احتمال خلافه مقام القطع بتمام أقسامه و لو فيما أخذ في الموضوع على نحو الصفتية كان تمامه أو قيده و به قوامه (فتلخص) بما ذكرنا أن الأمارة لا تقوم بدليل اعتبارها الا مقام ما ليس مأخوذاً في الموضوع أصلا (و أما) الأصول فلا معنى لقيامها مقامه بأدلتها أيضا غير الاستصحاب لوضوح أن المراد من قيام المقام ترتيب ما له من الآثار و الأحكام من تنجز التكاليف و غيره كما مرت إليه الإشارة

تماميته يدل على أن الخبر حجة كسائر الحجج العقلائية، و لا أدري أن المصنف- (رحمه اللَّه)- ما كان بناؤه في مثل هذه الأدلة اللبية؟ و أنها هل هي مجملة أو محمولة عنده على تنزيل المؤدى كالأدلة اللفظية؟ و ما الوجه له في ذلك؟ و لعله من جهة بنائه على المفروغية عن اقتضاء حجية الطريق تنزيل مؤداه و ان لم يكن دليله لفظيا و اللَّه سبحانه أعلم، فلاحظ و تأمل. ثم إنه لو فرض كون مفاد أدلة الحجية وجوب معاملة الأمارة معاملة العلم بحيث يجب على من قامت عنده الأمارة ان يعمل عمل العالم كفى ذلك في ترتيب أثر العلم و الواقع معا و قامت الأمارة حينئذ مقام القطع الموضوعي لكن لا يتم ما اشتهر من أنها وسط لإثبات أحكام متعلقاتها فلاحظ (1) (قوله: لو لا ذلك لأمكن) إن كان المراد من الإمكان الجواز العقلي فلا بأس به لجواز أن يكون دليل الحجية مفيداً لتنزيل الأمارة منزلة العلم من جميع الحيثيات أعني حيثية الطريقية و الصفتية معاً فتثبت أحكامهما معاً، و ان كان المراد الإمكان الوقوعي و ان أدلة الحجية صالحة لذلك- لو لا الإشكال الّذي ذكره- ففيه ما لا يخفى إذ لا ريب في أن أدلة الحجية انما تتعرض لجعل الأمارة بمنزلة العلم من حيث كونه طريقا موصلا إلى متعلقه لا غير فهي لا تفيد أكثر من جعله كاشفا تاما تنزيلا بلا تعرض لحيثية كونه صفة تامة أصلا، و في مراجعة أدلة الحجية و سيرة العقلاء غنى و كفاية لمن تأمل، فراجع و تأمل (2) (قوله: و أما الأصول فلا معنى لقيامها) الظاهر أن المراد من الأصول في كلامه الأصول الحكمية، كما أن المراد من العلم الّذي لا تقوم مقامه خصوص العلم الطريقي و حاصل‏

29

..........

الوجه في ذلك كما أشار إليه: أن هذه الأصول ليست متعرضة للأحكام الواقعية و انما مفاد أدلتها جعل وظائف خاصة للجاهل بالاحكام الواقعية فكيف يصح ترتيب أثر العلم الطريقي عليها؟ حيث أن آثاره هي المنجزية و المعذرية، و إذا لم تكن أدلتها متعرضة للأحكام الواقعية و لو تنزيلا فكيف تصلح أن تكون منجزة لها أو عذرا عنها؟، و يحتمل بعيداً أن يكون المراد عدم قيامها مقام العلم مطلقا و لو موضوعيا كما هو كذلك، أما الأول فلما عرفت، و اما الثاني فلان ترتيب آثاره الشرعية تتوقف على إحرازه وجدانا أو تنزيلا و ليس أدلة الأصول تصلح لإثبات ذلك فانها لا تقتضي قيام شي‏ء مقام العلم و تنزيله منزلته و لا تنزيل شي‏ء منزلة الواقع فكيف يترتب حينئذ أثر العلم الموضوعي؟ و يصح أن يقال تقوم الأصول مقامه «قلت»: الأصول الحكمية هي الاستصحاب و الاحتياط و التخيير و البراءة، و الأولان يأتي بيان حالهما في كلامه، و الثالث أصل عقلي كالثاني فيلحقه حكمه، فلم يبق الا الرابع و هو أصل البراءة الشرعية، و لا ريب في انه يترتب عليه ما يترتب على العلم الطريقي في كونه عذرا على تقدير المخالفة كالعلم بالإباحة، و لو فرض وجود أصل شرعي إلزاميّ لكان أيضا يقوم مقام العلم في كونه منجزا للواقع لكنه لا وجود له فإنكار قيامها مقام العلم الطريقي غير واضح، و مجرد عدم تعرض دليلها لجعل الواقع و لو تنزيلا و انه ليس مفاده إلا أحكاما خاصة في قبال الواقع لا يدفع ما ذكرنا من المؤمنيّة و المنجزية و إنما يدفع ترتيب آثار الواقع على مؤدياتها لعدم إحراز موضوعها و لو تنزيلا كما يقتضي عدم قيامها مقام القطع الموضوعي لقصور أدلتها عن إثبات كونها علما تنزيلا كما كان ذلك في أدلة الأمارات، كما أشرنا إليه سابقا و قلنا انه الوجه في كون الأمارات مقدمة على الأصول. و بالجملة: أدلة الأمارة تجعل الأمارة علما تنزيلا و أدلة الأصول لا تجعل شيئا علما و انما تجعل حكما في ظرف الشك فإذا جاءت الأمارة ارتفع الشك و لو تنزيلا فيرتفع حكم الأصل (فالمتحصل): أن الأصول الحكمية تقوم مقام القطع الطريقي و لا تقوم مقام القطع الموضوعي. هذا في غير الاستصحاب و الأصول‏

30

و هي ليست إلّا وظائف مقررة للجاهل في مقام العمل شرعاً أو عقلا (لا يقال):

إن الاحتياط لا بأس بالقول بقيامه مقامه في تنجز التكليف لو كان (فانه يقال):

اما الاحتياط العقلي فليس إلّا نفس حكم العقل بتنجز التكليف و صحة العقوبة على مخالفته لا شي‏ء

العقلية، و أما هما فسيأتي بيان حالهما في كلام المصنف (ره)، و اما الأصول الموضوعية مثل أصالة الطهارة و الحرية و الفراش و الصحة و قاعدتي التجاوز و الفراغ و البناء على المصحح لكثير الشك و غيرها فلا ريب في كون مفادها جعل الواقع تنزيلا و انها تقوم مقام القطع الطريقي في تنجيز حكم مؤداها و التأمين عنه كما أنها لا تقوم مقام القطع الموضوعي لعدم اقتضاء أدلتها تنزيل شي‏ء منزلة العلم ليرتب أثره عليها فلاحظ (1) (قوله: ليست إلّا وظائف) قد عرفت أن كونها كذلك لا يمنع من قيامها مقام القطع الطريقي، مع أن للمنع من كونها كذلك مجالا، إذ انما يُسلم ذلك في مثل حديث الرفع، و قوله (عليه السلام): الناس في سعة ما لا يعلمون، لا في مثل كل شي‏ء لك حلال حتى تعلم انه حرام ... الحديث، فان الظاهر منه جعل الحل الواقعي في مرتبة الشك فيكون من جعل المؤدى نظير الأمارة القائمة على الحل فيترتب عليه آثار الحل الواقعي، و لأجل ذلك يصح لبس جلد الحيوان أو شعره إذا كان مشكوك الحل في الشبهة الحكمية أو الموضوعية و لو بناء على شرطية كون اللباس مما يؤكل لحمه إذا كان من حيوان، و لذا بنينا فيما كتبناه في مباحث اللباس على جواز لبس المشكوك و لو بناء على الشرطية لا المانعية فلاحظ (2) (قوله: بقيامه مقامه) أي مقام القطع الطريقي (3) (قوله: أما الاحتياط العقلي) يعني أن الاحتياط المدعى قيامه مقام العلم الطريقي في المنجزية ان كان المراد به الاحتياط الّذي يحكم به العقل فلا معنى لكونه منجزاً حتى يصح انه قائم مقام العلم في المنجزية لأن الاحتياط العقلي هو عين حكم العقل بحسن العقاب على تقدير المخالفة، و هذا هو معنى المنجزية فيلزم من دعوى كونه منجزاً كون‏

31

يقوم مقامه في هذا الحكم و أما النقلي فإلزام الشارع به و ان كان مما يوجب التنجز و صحة العقوبة على المخالفة كالقطع إلّا انه لا نقول به في الشبهة البدوية و لا يكون بنقلي في المقرونة بالعلم الإجمالي فافهم (ثم) لا يخفى أن دليل الاستصحاب أيضا لا يفي بقيامه مقام القطع المأخوذ في الموضوع مطلقاً و أن مثل: لا تنقض اليقين، لا بد من أن يكون مسوقا إما

الشي‏ء حكما لنفسه، و ان كان المرادية الشرعي فليس له خارجية لأن مورده ان كان الشبهة البدوية فلا نقول بالاحتياط فيها و ان كان الشبهة المحصورة فالاحتياط فيها عقلي لا شرعي فأين هذا الاحتياط الشرعي حتى يثبت له حكم المنجزية؟

(1) (قوله: يقوم مقامه) يعني مقام القطع (2) (قوله: في هذا الحكم) يعني في التنجيز (3) (قوله: الإجمالي فافهم) إشارة إلى أن عدم القول به منا لا يمنع من الحكم عليه بالمنجزية في فرض القول به إذ كل حكم انما يثبت لموضوعه في فرض ثبوت الموضوع. ثم انه مما ذكرنا تعرف الحال في أصالة التخيير فانه أصل عقلي كالاحتياط العقلي لا معنى لكونه مؤمِّناً (4) (قوله: لا يخفى ان دليل الاستصحاب) لا ينبغي التأمل في كون دليل الاستصحاب موجبا لقيامه مقام القطع الطريقي في كونه منجزاً لو كان مثبتاً للتكليف كالأمارة القائمة على التكليف و مؤمنا لو كان نافيا له كالأمارة القائمة على عدمه حتى على مذاق المصنف (ره) لكونه لا يخلو من نظر إلى الواقع، و اما قيامه مقام القطع الموضوعي فقد أشكل المصنف (ره) في ذلك بنحو اشكاله في الأمارة حيث أن قوله (عليه السلام): لا تنقض اليقين بالشك، إما أن يكون ناظراً إلى تنزيل المؤدى فقط بأخذ اليقين عبرة له فيكون ملحوظا باللحاظ الآلي، أو إلى تنزيل احتمال البقاء منزلة القطع بأخذ اليقين ملحوظا باللحاظ الاستقلالي، و حيث لا يمكن الجمع بين اللحاظين فلا بد أن يحمل على أحدهما و هو خصوص الأول لما تقدم في الأمارة من ظهوره في ذلك فلا يمكن ترتيب أثر العلم الموضوعي لعدم إحرازه لا وجدانا و لا تنزيلا. هذا و لكن يمكن أن يقال‏

32

بلحاظ المتيقَّن أو بلحاظ نفس اليقين و ما ذكرنا في الحاشية في وجه تصحيح لحاظ واحد في التنزيل منزلة الواقع و القطع و أن دليل الاعتبار انما يوجب تنزيل المستصحب و المؤدى منزلة الواقع و انما كان تنزيل القطع فيما له دخل في الموضوع بالملازمة بين تنزيلهما و تنزيل القطع بالواقع تنزيلا و تعبداً منزلة القطع بالواقع حقيقة لا يخلو من تكلف بل تعسف فانه لا يكاد يصح تنزيل‏

- كما سيأتي إن شاء اللَّه تعالى بيانه في مبحث الاستصحاب-: ان ظاهر الدليل وجوب العمل مع الشك المسبوق باليقين عمل اليقين و لازم ذلك ترتيب آثار العلم و المؤدى معاً و هو الوجه في تقديمه على الأصول عداه و تفصيل ذلك موكول إلى محله (1) (قوله: بلحاظ المتيقن) يعني فيكون من تنزيل المؤدى منزلة الواقع (2) (قوله: نفس اليقين) فيكون من تنزيل الاحتمال منزلة القطع (3) (قوله: و ما ذكرنا في الحاشية في وجه .. إلخ) هذا إشارة إلى ما ذكره في حاشيته على الرسائل من أن دليل الحجية إذا كان وافياً بتنزيل المؤدى منزلة الواقع بالمطابقة كان كافيا في لزوم ترتيب أثر القطع الموضوعي و ذلك لأنه إذا دل بالمطابقة على تنزيل المؤدى منزلة الواقع فقد دل بالالتزام العرفي على تنزيل القطع به منزلة القطع بالواقع فإذا قامت الحجة على شي‏ء و ثبت بدليل حجيتها أنه بمنزلة الواقع يحصل قطع وجداني بالواقع التنزيلي و يكون بمنزلة القطع بالواقع الحقيقي بحسب الدلالة الالتزامية فيثبت واقع تنزيلي و قطع بالواقع تنزيلي أيضا فلا بد من ترتيب الأثر الثابت للواقع و القطع به (4) (قوله: المستصحب و المؤدي) الأول في الاستصحاب و الثاني في الطرق و الأمارات (5) (قوله: فيما له الدخل) يعني فيما لو كان القطع له الدخل في الموضوع (6) (قوله: بالملازمة) خبر كان (7) (قوله: تنزيلهما) أي المستصحب و المؤدى (8) (قوله: تنزيلا و تعبدا) قيد للواقع (9) (قوله: منزلة القطع) متعلق بتنزيل القطع (10) (قوله: لا يخلو من تكلف) خبر لما ذكرناه في الحاشية (11) (قوله:

بل تعسف فانه لا يكاد) حاصله: ان الحكم الثابت لمركب ذي اجزاء لا بد في مقام ترتيبه من إحراز اجزاء ذلك المركب إما وجدانا أو تنزيلا أو بعضها بالوجدان‏

33

جزء الموضوع أو قيده بما هو كذلك بلحاظ أثره إلا فيما كان جزؤه الآخر أو ذاته محرزا بالوجدان‏

و بعضها بالتنزيل كما عرفت الإشارة إليه فيما سبق، لكن يشترط في صحة التنزيل للجميع ان يكون تنزيل كل واحد في عرض تنزيل الآخر بحيث لا يكون أحد التنزيلين ناشئا من الآخر و تابعا فانه إذا كان كذلك لزم الدور حيث انه يلزم توقف كل واحد منهما على الآخر، اما توقف التنزيل التابع على المتبوع فواضح إذ هو مقتضى التبعية، و اما توقف التنزيل المتبوع على التابع فلأنه لولاه لكان لغواً حيث ان صحة كل تنزيل بلحاظ الأثر الفعلي لذي المنزلة، و لا ريب ان الأثر الفعلي انما يثبت لذي المنزلة في ظرف انضمام بقية الاجزاء إليه لا في ظرف الانفراد و إلّا لم يكن موضوع الحكم مركبا بل كان كل جزء موضوعا لحكم مستقل ففي رتبة التنزيل المتبوع إذا لم يكن الجزء الآخر محرزا بالوجدان أو بتنزيل آخر في رتبة هذا التنزيل إما ان لا يكون له أثر فعلي و قد عرفت أنه يمتنع التنزيل حينئذ و اما ان يكون له أثر فعلي فيكون خلفاً لكون المفروض أن الجزء ليس له وحده أثر و انما يكون له الأثر مع غيره (فان قلت): يكفي الأثر التعليقي (قلت): المراد من الأثر التعليقي في المقام أن يكون الأثر معلقا على تنزيل التابع، و هذا أيضا ممتنع لأنه يلزم ان يكون الأثر الثابت للجزء الأول متأخراً رتبة عن الأثر الثابت للجزء الثاني و لا يخفى أن الآثار المترتبة يمتنع أن تكون أثراً واحدا وجوداً لأن الوحدة بحسب الوجود تنافي التعدد الرتبي فإذا كان الأثر الثابت لذي المنزلة واحداً وجودا كيف يثبت للمنزل منزلته متعدداً؟ فلا بد من الالتزام بقصور أدلة التنزيل العامة عن شمول المقام (هذا) و لكن لا يخفى أن هذا انما يتم لو كان الترتب بين نفس التنزيلين أما لو كان بين دلالة الكلام على التنزيل الأول و دلالته على التنزيل الثاني بحيث يكون الترتب بين نفس الدلالتين لا المدلولين فلا يلزم منه المحذور المذكور و لا غيره من المحاذير، فلاحظ و تأمل (1) (قوله: جزء الموضوع أو قيده) الأول في تنزيل المركب و الثاني في تنزيل المقيد (2) (قوله: بلحاظ اثره) يعني‏

34

أو تنزيله في عرضه فلا يكاد يكون دليل الأمارة أو الاستصحاب دليلا على تنزيل جزء الموضوع ما لم يكن هناك دليل على تنزيل جزئه الآخر فيما لم يكن محرزاً حقيقة و فيما لم يكن دليلا على تنزيلهما بالمطابقة كما في ما نحن فيه على ما عرفت لم يكن دليل الأمارة دليلا عليه أصلا فان دلالته على تنزيل المؤدى يتوقف على دلالته على تنزيل القطع بالملازمة و لا دلالة له كذلك الا بعد دلالته على تنزيل المؤدى فان الملازمة إنما تُدَّعى بين تنزيل القطع به منزلة القطع بالموضوع الحقيقي و تنزيل المؤدى منزلة الواقع كما لا يخفى فتأمل جيداً فانه لا يخلو عن دقة (ثم) لا يذهب عليك أن هذا- لو تم- لعم و لا اختصاص له بما إذا كان القطع مأخوذاً على نحو الكشف‏

«الأَمر الرابع»

لا يكاد يمكن أن يؤخذ القطع بحكم في موضوع نفس هذا الحكم للزوم الدور و لا

خصوص الأثر الثابت لنفس المركب و المقيَّد (1) (قوله: أو تنزيله في عرضه) معطوف على الوجدان (2) (قوله: و فيما لم يكن) متعلق بقوله: لم يكن الثانية (3) (قوله: على ما عرفت) من امتناع الجمع بين التنزيلين عرضا من جهة لزوم اجتماع اللحاظين (4) (قوله: يتوقف على ... إلخ) المتكفل بإثبات هذا التوقف قوله سابقا: فانه لا يكاد ... إلخ (5) (قوله: بالملازمة) متعلق بتنزيل القطع (6) (قوله:

كذلك) يعني على تنزيل القطع بالملازمة (7) (قوله: كذلك الا بعد دلالته ...

إلخ) لأن المفروض ان الدلالة بالملازمة و الدلالة على اللازم متأخرة عن الدلالة على الملزوم و إلى هذا أشار بقوله: فان الملازمة انما تدعى بين تنزيل القطع ...

إلخ (8) (قوله: و لا اختصاص له) لأن التفكيك بين القطع الصفتي و غيره في الملازمة بين تنزيل المؤدى و تنزيله بعيد جداً عن المتفاهم العرفي (9) (قوله: للزوم الدور) قد عرفت الإشارة إلى وجهه سابقا و ليس هذا مما يختص بالقطع بل يجري في جميع العناوين المتأخرة عن الحكم كالظن و الشك و الوهم و الغفلة و الالتفات و نحوها فكلها لا يمكن ان تؤخذ في موضوع الحكم الّذي تعلقت به للزوم الدور المذكور (و قد) يستشكل فيه بان العلم انما يتعلق بالصور الذهنية و لا يتعلق‏

35

(مثله) للزوم اجتماع المثلين و لا ضده للزوم اجتماع الضدين. نعم يصح أخذ القطع بمرتبة من الحكم في مرتبة أخرى منه أو مثله أو ضده (و اما) الظن بالحكم فهو و ان كان كالقطع في عدم جواز أخذه في موضوع نفس ذاك الحكم المظنون إلّا انه لما كان معه مرتبة الحكم الظاهري محفوظة كان جعل حكم آخر في مورده مثل الحكم المظنون أو ضده بمكان من الإمكان «ان قلت» إن كان الحكم المتعلق به الظن فعلياً

بالأمور الخارجية بشهادة إمكان تعلقه بالمعدومات بل الممتنعات، و حينئذ فإناطة الحكم خارجا به لا يوجب الدور فانه ليس منوطا بالحكم الخارجي (و يندفع) بان العلم و ان لم يتعلق بالخارج بل بنفس الصورة الحاكية عنه لكن بنحو ترى خارجية مفروضة الوجود في الخارج، و تعلق العلم بها مفروضة الخارجية مانع من كونها منوطة بالعلم، ثم انك قد عرفت- مضافا إلى لزوم الدور من أخذ القطع بالحكم في موضوعه- لزوم الخلف لأن الحكم المعلوم مفروض الثبوت لموضوعه المستقل في الموضوعية فأخذ العلم فيه خلف (1) (قوله: للزوم اجتماع المثلين) لكن في مرتبتين و لم يقم دليل على امتناعه، نعم يمكن دعوى كون الحكم الثاني لغواً لكفاية الحكم الأول في البعث و حينئذ يكون قبيحا لا ممتنعا في نفسه، فتأمل (2) (قوله: اجتماع الضدين) و اختلاف المرتبة لا يصح الاجتماع لامتناع اجتماع الضدين و لو في مرتبتين (3) (قوله: نعم يصح أخذ القطع) يعني إذا كان الحكم المقطوع به في مرتبة الإنشاء مثلا جاز ان يؤخذ القطع به موضوعا لذلك الحكم في مرتبة الفعلية بان يكون القطع به موجبا لفعليته، و هو المشار إليه بقوله: (منه) أو يؤخذ لحكم مماثل له أو مضاد في المرتبة الفعلية، و الفرق بين ما يؤخذ في نفسه و ما يؤخذ في مثله: ان الحكم الّذي أخذ في موضوعه القطع ان كان ناشئا عن تلك المصلحة الواقعية فهو مأخوذ في نفسه و ان كان عن مصلحة أخرى فهو مأخوذ في مثله (4) (قوله: كالقطع في عدم) لعين الدور الّذي ذكر و الخلف (5) (قوله: لما كان معه مرتبة) لا ريب فيما ذكر من كون‏

36

أيضا بان يكون الظن متعلقا بالحكم الفعلي لا يمكن أخذه في موضوع حكم فعلي آخر مثله أو ضده لاستلزامه الظن باجتماع الضدين أو المثلين و إنما يصح أخذه في موضوع حكم آخر كما في القطع طابق النعل بالنعل «قلت»: يمكن ان يكون الحكم فعليا بمعنى أنه لو تعلق به القطع على ما هو عليه من الحال لتنجز و استحق على مخالفة العقوبة و مع ذلك لا يجب على الحاكم رفع عذر المكلف برفع جهله لو أمكن أو بجعل لزوم الاحتياط عليه فيما أمكن بل يجوز جعل أصل أو أمارة مؤدية إليه تارة و إلى ضده أخرى و لا يكاد يمكن مع القطع به جعل حكم آخر مثله أو ضده كما لا يخفى فافهم «ان قلت»: كيف يمكن ذلك؟ و هل هو إلا أنه يكون مستلزماً لاجتماع المثلين أو الضدين؟ «قلت» لا بأس باجتماع الحكم الواقعي الفعلي بذاك المعنى «أي لو قطع به من باب الاتفاق لتنجز مع حكم آخر فعلي في مورده بمقتضى الأصل أو الأمارة أو دليل أخذ في موضوعه الظن بالحكم بالخصوص به على ما سيأتي من التحقيق في التوفيق بين الحكم الظاهري و الواقعي‏

الظن و نحوه مما لا يكون علما مما يمكن جعل الحكم الظاهري في حاله بحيث يكون للمكلف معه وظيفة شرعية سواء أ كانت مماثلة للواقع أم ضدا له، و هذا هو الفارق بين العلم و ما عداه فان العلم يمتنع معه الوظائف الشرعية مماثلة كانت أو مضادة لما عرفت من امتناع ان يؤخذ موضوعا لمثل متعلقه أو ضده، و ما عدا العلم ليس كذلك فيمكن ان يجعل معه وظيفة مماثلة أو مضادة للواقع، و هذا معنى كونه مأخوذا في موضوع حكم مماثل أو مضاد لمتعلقه (1) (قوله: في موضوع حكم آخر) يعني مخالف لمتعلقه مثل ان يقول المولى: إذا ظننت بوجوب الصلاة وجب عليك الاستغفار، و مثله ان يؤخذ الظن المتعلق بمرتبة موضوعا لحكم في مرتبة أخرى كما في القطع (2) (قوله: بمعنى انه لو تعلق به القطع ... إلخ) يشير بذلك إلى ان لفعلية الحكم معنيين (أحدهما) انه لو تعلق به القطع لتنجز و استحق‏

37

(الأمر الخامس)

هل تنجز التكليف بالقطع كما يقتضي موافقته عملا يقتضي موافقته التزاماً و التسليم له اعتقاداً و انقياداً كما هو اللازم‏

على مخالفته العقاب (و الثاني) بمعنى ان يكون للمولى إرادة فعلية توجب ان يكون في مقام البعث و الزجر، و التنافي بين الحكم الظاهري و الحكم الفعلي بالمعنى الثاني لتنافي إرادة الفعل مع الاذن في تركه أو كراهته مع الاذن في فعله لا الأول لما ذكره في العبارة من انه يمكن ان يكون الحكم بنحو لو علم به لتنجز و مع ذلك اذن الشارع الأقدس في مخالفته مع الجهل به فيرخص فيما هو حرام واقعا بحيث لو علم بحرمته لوجب عقلا تركه فان إذن الشارع في فعله في حال الجهل مما لا وجه لمنافاتها لحرمته واقعا إذا لم يكن كارها له بنحو يُلزم المولى بالاحتياط أو يُعلم العبد به الّذي هو لازم الفعلية بالمعنى الثاني. نعم لو كان له كارها بنحو يلزم بالاحتياط أو يعلم العبد به كانت اذنه في فعله منافية لكراهته على النحو المذكور، و سيجي‏ء إن شاء الله تفصيل ذلك و توضيحه في كلامه (ره) في أول مبحث الأمارات فانتظر (1) (قوله هل تنجز التكليف بالقطع) الموافقة الالتزامية عبارة عن عقد القلب على الحكم الصادر من المولى و الالتزام به و يقابلها التشريع و هو عقد القلب على غير ما صدر و نقيضهما عدم الالتزام بشي‏ء مما يصدر منه من الأحكام، و الكلام هنا يقع في ان من شئون إطاعة الحكم الصادر من المولى الالتزام و الاعتقاد به على نحو يحكم بوجوبه العقل كما يحكم بوجوب الإطاعة العملية بمعنى فعل متعلق الأمر و ترك متعلق النهي، أو انه ليس من شئون الإطاعة الواجبة في نظر العقل بل تمام موضوع حكم العقل هو الإطاعة العملية لا غير؟ مثلا إذا أوجب المولى فعلا على العبد كالصلاة، فهل يجب عند العقل الالتزام بذلك الوجوب كما يجب عنده فعل الصلاة فرارا عن خطر العقاب بحيث تكون الإطاعة الواجبة عند العقل قائمة بهما معاً فيستحق العقاب على ترك الالتزام و لو مع فعله للصلاة كما يستحق العقاب على تركه للصلاة و لو مع التزامه بالوجوب؟ أو ان المدار في حسن العقاب و عدمه هو

38

في الأصول الدينية و الأمور الاعتقادية بحيث كان له امتثالان و طاعتان إحداهما بحسب القلب و الجنان و الأخرى بحسب العمل بالأركان فيستحق العقوبة على عدم الموافقة التزاماً و لو مع الموافقة عملا أولا يقتضي فلا يستحق العقوبة عليه بل انما يستحقها على المخالفة العملية؟ الحق هو الثاني لشهادة الوجدان الحاكم في باب الإطاعة و العصيان بذلك و استقلال العقل بعدم استحقاق العبد الممتثل لأمر سيده الا المثوبة دون العقوبة و لو لم يكن مسلما و ملتزماً به و معتقداً و منقاداً له و ان كان ذلك يوجب تنقيصه و انحطاط درجته لدى سيده لعدم اتصافه بما يليق ان يتصف العبد به من الاعتقاد باحكام مولاه و الانقياد لها و هذا غير استحقاق العقوبة على مخالفته لأمره أو نهيه التزاما مع موافقته عملا كما لا يخفى‏

فعل الصلاة و عدمها من دون دخل للالتزام به و عدمه أصلا، فعلى الأول يجب الالتزام بكل حكم و لو لم يكن اقتضائيا كالإباحة و منه يظهر افتراق الموافقة الالتزامية عن الموافقة العملية إذ الثانية مختصة بالاحكام الاقتضائية و الأولى جارية في جميع الأحكام و ان لم تكن اقتضائية كما انه مما ذكرنا يظهر الفرق بين وجوب الالتزام عقلا لكونه من شئون إطاعة الحكم الملتزم به و وجوبها شرعا فانه لو وجب الالتزام شرعا بحكم كحرمة الغيبة وجب على العبد حينئذ التزامان، أحدهما الالتزام بحرمة الغيبة و هو موافقة عملية لوجوب الالتزام المذكور، و ثانيهما الالتزام بوجوب الالتزام و هو موافقة التزامية لوجوب الالتزام المذكور. فلاحظ (1) (قوله: في الأصول الدينية) يعني أصول الدين التي يجب الاعتقاد و الالتزام بها (2) (قوله:

لشهادة الوجدان) لا ريب فيما ذكر من حكم الوجدان بعدم استحقاق العقاب على مجرد ترك الالتزام مع الموافقة العملية كما ان الظاهر انه لا ريب في وجوب الالتزام شرعا بجميع ما جاء به النبي (صلى اللَّه عليه و آله و سلم) سواء أ كان حكما شرعيا تكليفيا أو وضعيا أم غيره مما يتعلق بالحشر و النشر فانه مقتضى وجوب التدين بدينه إذ ليس التدين بدينه الا الالتزام بجميع ما جاء به من عند ربه جل اسمه، و الظاهر

39

«ثم» لا يذهب عليك أنه على تقدير لزوم الموافقة الالتزامية و كان المكلف متمكنا منها يجب و لو فيما لا يجب عليه الموافقة القطعية عملا و لا يحرم المخالفة القطعية عليه كذلك أيضا لامتناعهما كما إذا علم إجمالا بوجوب شي‏ء أو حرمته للتمكن من الالتزام بما هو الثابت واقعاً و الانقياد له و الاعتقاد به بما هو الواقع و الثابت و ان لم يعلم أنه الوجوب أو الحرمة

ان هذا مما لا خلاف فيه، كما ان الظاهر ان وجوب الالتزام الشرعي تابع للعلم فما علم تفصيلا يجب الالتزام به تفصيلا و ما علم إجمالا يجب الالتزام به إجمالا، نعم يجب الالتزام التفصيليّ عن علم تفصيلي في خصوص بعض الأصول الدينية التي لا بد من معرفتها تفصيلا و هو الأصول المشهورة الخمسة دون ما عداها من تفاصيل الحشر و النشر و ان وجب الالتزام بها إجمالا أيضا (1) (قوله: ثم لا يذهب عليك انه على ...

إلخ) اعلم انه على تقدير القول بوجوب الالتزام عقلا بالاحكام فالالتزام بها إجمالا أو تفصيلا تابع للعلم، فان علم بالحكم تفصيلا وجب الالتزام به كذلك، و ان علم به إجمالا وجب الالتزام به كذلك أيضا و لا يجوز الالتزام به تفصيلا حينئذ لما عرفت من ان الموافقة الالتزامية تقابل التشريع القبيح عقلا و شرعاً، و من المعلوم ان الالتزام التفصيليّ بما هو معلوم بالإجمال تشريع فان التشريع هو التدين بما لا يعلم انه من الشارع، و الالتزام التفصيليّ مع تردد الحكم تدين بما لا يعلم فيكون تشريعا فلا يكون موافقة التزامية، فالموافقة الالتزامية هي التدين بما يعلم انه من الشارع و منه يظهر انه في صورة الدوران بين الوجوب و الحرمة لا بد من الالتزام بالحكم إجمالا و ان لم تجب موافقته عملا لأن الموافقة العملية القطعية متعذرة و الموافقة الاحتمالية ضرورية الثبوت، فالحكم في هذا الحال من التردد لا يوجب عملا بوجه أصلا و ان وجبت موافقته الالتزامية لإمكانها و منه يظهر بعض صور افتراق الموافقة العملية عن الموافقة الالتزامية فتجب الثانية و لا تجب الأولى، مضافا إلى‏

40

و ان أبيت الا عن لزوم الالتزام به بخصوص عنوانه لما كانت موافقته القطعية الالتزامية حينئذ ممكنة و لما وجب عليه الالتزام بواحد قطعاً فان محذور الالتزام بضد التكليف عقلا ليس بأقل من محذور عدم الالتزام به بداهة مع ضرورة أن التكليف لو قيل باقتضائه للالتزام لم يكد يقتضي الا الالتزام بنفسه عيناً لا الالتزام به أو بضده تخييراً.

ما قدمناه من افتراقهما في الأحكام غير الاقتضائية (1) (قوله: و ان أبيت الا عن لزوم إلخ) إذا بنينا على عدم الاكتفاء بالموافقة الالتزامية الإجمالية و لزوم الموافقة التفصيلية ففي فرض الدوران بين الوجوب و الحرمة اما ان يدعى وجوب الالتزام بهما معاً تحصيلا للموافقة القطعية أو الالتزام بأحدهما بخصوصه تخييراً تحصيلا للموافقة الاحتمالية، و كل منهما لا وجه له: اما الأول فلأنه غير ممكن أولا و يحصل منه مخالفة قطعية ثانيا لأنه التزام بغير حكم المولى، و اما الثاني فلأنه و ان كان ممكنا إلا انه كما يحتمل به الموافقة يحتمل به المخالفة لاحتمال كون الحكم الملتزم به غير حكم المولى فيدور الأمر فيه بين محذورين، و مع هذا الدوران كيف يحكم بوجوبه عقلا؟

هذا كله مضافا إلى ما عرفت من ان الموافقة الالتزامية ضد التشريع و لا ريب في ان الالتزام بهما معا كالالتزام بأحدهما بخصوصه تشريع لأنه تدين بما لا يعلم ثبوته من قِبَل المولى فلا مجال لإمكان الموافقة الالتزامية فيه لا القطعية و لا الاحتمالية أصلا، فلاحظ (2) (قوله: لما كانت موافقته) الظاهر ان الوجه في عدم إمكانها هو تضاد الأحكام المانع من الالتزام بحكمين في موضوع واحد، و يمكن منع ذلك فان تضاد إنشاء الأحكام تشريعا لا يقتضي تضادها في مقام الالتزام و لو بنحو التشريع الحرام (3) (قوله: ليس بأقل) يعني فيدور امر الالتزام بواحد بخصوصه بين محذورين (4) (قوله: مع ضرورة ان التكليف) هذا إشكال آخر على احتمال وجوب الالتزام بأحدهما بخصوصه تخييراً و حاصله: ان التكليف إنما يقتضي الالتزام بنفسه و لا يقتضي الالتزام به أو بضده تخييراً لأن الالتزام بضده ليس التزاما به و لا مقدمة للالتزام به فكيف يقتضيه التكليف و لو تخييراً، الا

41

و من هنا قد انقدح انه لا يكون من قِبَل لزوم الالتزام مانع عن إجراء الأصول الحكمية أو الموضوعية في أطراف العلم لو كانت جارية مع قطع النّظر عنه كما لا يدفع بها محذور عدم الالتزام به، إلا ان يقال: إن استقلال العقل بالمحذور فيه انما يكون فيما إذا لم يكن هناك ترخيص في الإقدام و الاقتحام في الأطراف و معه لا محذور فيه بل و لا في الالتزام بحكم آخر، إلا أن الشأن حينئذ في جواز جريان الأصول [1] في أطراف العلم الإجمالي‏

ان يقال: ان التكليف و ان لم يقتض الالتزام بضده أصلا إلا أنه لما وجب عند العقل الالتزام بالتكليف و لم يمكن الالتزام به علما وجب الالتزام به احتمالا كما هو القاعدة في كل مورد تعذرت فيه الموافقة القطعية فان العقل يحكم بلزوم الموافقة الاحتمالية حينئذ (1) (قوله: و من هنا قد انقدح) يعني ان مما ذكرنا من ان وجوب الالتزام لو قيل به لا يقتضي الالتزام بواحد بخصوصه فيما لو دار الأمر بين الوجوب و الحرمة، يظهر انه لا مانع من جريان الأصول الحكمية و الموضوعية في أطراف العلم لو كانت في نفسها جارية فانه يقال أيضاً العلم الإجمالي مانع عن وجوب الالتزام في واحد من الأطراف بخصوصه و إذ لا يجب الالتزام بمحتمل الواقع بخصوصه يجري الأصل لو لم يكن له مانع غير وجوب الالتزام (2) (قوله: كما لا يدفع بها محذور) الضمير في (يدفع) راجع إلى إجراء الأصول، يعني لو فرض ان العقل حاكم بوجوب الالتزام بمحتمل التكليف كان ذلك مانعا عن إجراء الأصول في الأطراف، و لا يتوهم ان إجراء الأصول في الأطراف رافع لحكم العقل بوجوب. الالتزام لأنه يلزم منه الدور، لأن جريان الأصول يتوقف على عدم حكم العقل بوجوب‏

____________

[1] و التحقيق جريانها لعدم اعتبار شي‏ء في ذلك عدا قابلية المورد للحكم إثباتاً و نفيا فالأصل الحكمي يثبت له الحكم تارة كأصالة الصحة و ينفيه أخرى كاستصحاب الحرمة و الوجوب فيما دار بينهما فتأمل جيداً منه (قدس سره)

42

مع عدم ترتب أثر عملي عليها مع أنها أحكام عملية كسائر الأحكام الفرعية

الالتزام إذ لو كان حكم العقل المذكور ثابتاً يقطع حينئذ بمخالفة ظاهر أدلة الأصول للواقع فلا يكون حجة فلو توقف عدم حكم العقل المذكور على جريان الأصول لزم الدور، و هكذا الحال في كل دليل على حكم شرعي يخالف حكم العقل فان حكم العقل مسقط لذلك الدليل و مانع عن حجيته فلا يمكن أن يكون ذلك رافعا له كما هو ظاهر هذا كله لو كان حكم العقل بوجوب الالتزام على تقدير ثبوته تنجيزيا أما لو كان تعليقيا بمعنى أن حكمه بوجوب الالتزام بمحتمل الواقع بخصوصه معلق على عدم جعل الشارع للحكم الظاهري مثلا فلا ريب ان أدلة الأصول لما كانت مثبتة للحكم الظاهري أو نحوه كانت رافعة لحكم العقل المذكور إذ لو لم يرتفع لم يكن تعليقيا و هو خلف و هذا هو المراد بقوله: إلّا أن يقال ان استقلال ... إلخ (هذا) و لكن يمكن أن يقال: ان وجوب الالتزام بمحتمل التكليف بخصوصه لو كان تنجيزيا لم يصلح للمنع عن جريان الأصول أيضا لأن الحكم الّذي يقتضيه الأصل حكم شرعي نظير الحكم الواقعي في كونه موضوعا لحكم العقل بوجوب الالتزام و لا يختص حكمه المذكور بالاحكام الواقعية فانه بلا مخصِّص، و حينئذ فإذا كان عموم الأصل جاريا في مورد إجمال الحكم يكون أيضا مما يجب الالتزام به، و إذا كان وجوب الالتزام بالواقع مانعاً عن عموم الأصل كان وجوب الالتزام بحكم الأصل مانعا عن عموم دليل الواقع للمورد، و حينئذ يقع التمانع من الطرفين و لا مرجح لأحدهما على الآخر (و فيه) أن وجوب الالتزام بحكم الأصل لا يصلح للمنع عن عموم دليل الواقع لأن وجوب الالتزام فرع حكم الأصل و حكم الأصل فرع الشك في الواقع فلو كان الوجوب المذكور رافعا للواقع ارتفع الشك به فيرتفع الوجوب و كل ما يلزم من وجوده عدمه محال، لكن هذا التمانع مع الغض عما ذكرنا من إمكان الالتزام بالحكمين و لو بنينا عليه جرت أدلة الأصول و وجب الالتزام بمحتمل الواقع على انه حكم واقعي و بمضمون الأصل على انه حكم ظاهري و لا تمانع بينهما بوجه (1) (قوله: مع عدم ترتب أثر عملي) لا ينبغي التأمل‏

43

- مضافا إلى عدم شمول أدلتها لأطرافه للزوم التناقض في مدلولها على تقدير شمولها كما ادعاه شيخنا العلامة- أعلى اللَّه مقامه- و إن كان محل تأمل و نظر فتدبر جيداً

(الأمر السادس)

في اعتبار ترتب الأثر العملي في جريان الأصول لأنها وظائف عملية لكن لا يعتبر في الأثر العملي أن يكون بلا واسطة فقد يكون بلا واسطة كما قد يكون بالواسطة فإذا ترتب أثر عملي على ما ليس بواجب أمكن جريان أصالة عدم الوجوب في مورد الدوران بين الوجوب و الحرمة، و كذا يجري أصالة عدم الحرمة لو كان الأثر العملي مترتباً على ما ليس بحرام، و كذا يجري أصالة الحل لو فرض عموم دليلها للمورد المذكور و لو رفع احتمال وجوب الترك يقينا أو وجوب الفعل يقينا لكنه مبني على أن حكم العقل في المورد المذكور بالتخيير تعليقيا على عدم الوظيفة الشرعية و إلّا كان الحكم العقلي المذكور كافياً في رفع احتمال تعين أحد الأمرين و يكون إجراء أصالة الحل بلحاظ الأثر المذكور لغواً. نعم لو فرض ثبوت الأثر لما هو الحلال مثل لبس جلده في الصلاة كان الأثر المذكور كافيا في إجراء أصالة الحل لأنه أثر عملي و لو بالواسطة، و لعل هذا هو المراد للمصنف- (رحمه اللَّه)- من حاشية له في المقام و ان كان خلاف الظاهر فتأمل (1) (قوله:

مضافا إلى عدم شمول) هذا مانع آخر عن جريان الأصول في أطراف العلم ذكره شيخنا الأعظم (ره) في آخر الاستصحاب من رسائله و حاصله: أن أدلة الاستصحاب لا تشمل أطراف العلم الإجمالي لأنه يلزم من شمولها التناقض بين صدر دليل الاستصحاب و ذيله فان قوله (عليه السلام): لا تنقض اليقين بالشك، و ان كان يشمل الشك المسبوق باليقين في كل واحد من الأطراف، و لازمه جريان الاستصحاب في كل واحد من الأطراف، إلّا أن قوله (عليه السلام) في ذيل تلك الرواية:

و لكن تنقضه بيقين آخر، شامل للمتيقن بالإجمال و لازمه وجوب العمل على اليقين الإجمالي، و من المعلوم أن العمل على اليقين الإجمالي يضاد العمل على الشك في كل‏

44

لا تفاوت في نظر العقل أصلا فيما يترتب على القطع من الآثار عقلا بين أن يكون حاصلا بنحو متعارف و من سبب ينبغي حصوله منه أو غير متعارف لا ينبغي حصوله منه‏

واحد من الأطراف، فلا يمكن الأخذ بالصدر و الذيل معاً، و حيث لا مرجح يحكم بسقوطهما معاً فلا يجري الأصل في أطراف العلم، و هذا الإشكال و ان كان يطرد في جميع صور العلم الإجمالي لكن ذكره الشيخ (ره) في خصوص ما لو كان العلم الإجمالي منجِّزاً عقلا لمتعلقه، و حكى بعض تلامذته من المحققين أن الوجه في هذا التخصيص ما صرح به في مجلس درسه الشريف من ظهور اليقين في الذيل في خصوص اليقين المنجز دون غيره، و عليه فلا مجال للإشكال في صورة الدوران بين الوجوب و الحرمة كما هو محل الكلام فتأمل، و سيجي‏ء التعرض من المصنف- (رحمه اللَّه)- لهذا الإشكال في محل آخر و نتعرض هناك إن شاء اللَّه تعالى لما ينبغي له و عليه فانتظر (1) (قوله: لا تفاوت في نظر العقل) لا ريب في ان إطلاق موضوع كل حكم و تقييده من حيث الافراد أو الأحوال أو الأزمان أو غيرها تابع لنظر جاعل الحكم، فإطلاق موضوع الحكم العقلي و تقييده تابع لنظر العقل، كما أن إطلاق موضوع حكم الشارع الأقدس تابع لنظر الشارع، و إطلاق موضوع الحكم العرفي تابع لنظر العرف ... إلى غير ذلك، و حيث أن القطع الطريقي موضوع لحكم العقل بالمنجزية و وجوب الموافقة فإطلاقه و تقييده تابعان لنظر العقل، و حيث انه لا فرق في نظر العقل في ترتب الآثار المذكورة بين أفراد القطع و لا بين أحواله كان الواجب الحكم بحجية القطع مطلقا من غير فرق بين قطع القطاع و غيره و لا بين القطع الحاصل من المقدمات العقلية و غيره، إلى غير ذلك من شئون الإطلاق، و حيث أن القطع الموضوعي موضوع للحكم الشرعي جاز إطلاقه و تقييده كل ذلك بنظر الشارع، و لا بد في معرفة ذلك من الرجوع إلى دليل ذلك الحكم فان اقتضى ثبوته لمطلق القطع حكم بموضوعيته مطلقا و ان اقتضى ثبوته لبعض أفراده اقتصر عليه كما هو الحال في سائر الموضوعات الشرعية مثل‏

45

- كما هو الحال غالباً في القطاع- ضرورة أن العقل يرى تنجز التكليف بالقطع الحاصل مما لا ينبغي حصوله و صحة مؤاخذة قاطعه على مخالفته و عدم صحة الاعتذار عنها بأنه حصل كذلك و عدم صحة المؤاخذة مع القطع بخلافه و عدم حسن الاحتجاج عليه بذلك و لو مع التفاته إلى كيفية حصوله. نعم ربما يتفاوت الحال في القطع المأخوذ في الموضوع شرعاً و المتبع في عمومه و خصوصه دلالة دليله في كل مورد فربما يدل على اختصاصه بقسم في مورد و عدم اختصاصه به في آخر على اختلاف الأدلة و اختلاف المقامات بحسب مناسبات الأحكام و الموضوعات و غيرها من الأمارات، (و بالجملة): القطع فيما كان موضوعاً عقلا لا يكاد يتفاوت من حيث القاطع و لا من حيث المورد و لا من حيث السبب لا عقلا و هو واضح و لا شرعاً لما عرفت من انه لا تناله يد الجعل نفياً و لا إثباتاً و ان نسب إلى بعض الأخباريين انه لا اعتبار بما إذا كان بمقدمات عقلية إلّا أن مراجعة كلماتهم لا تساعد على هذه النسبة بل يشهد بكذبها و أنها إنما تكون إما في مقام منع الملازمة بين حكم العقل بوجوب شي‏ء و حكم الشرع بوجوبه كما ينادي به بأعلى صوته ما حكي عن السيد الصدر في باب‏

الخمر و التمر و الصدق و الكذب فلاحظ (1) (قوله: كما هو الحال) مثال لما يحصل من سبب غير متعارف (2) (قوله: ضرورة أن العقل) تعليل لعدم التفاوت الّذي ذكره (3) (قوله: و صحة مؤاخذة) معطوف على: تنجز التكليف (4) (قوله: عنها) الضمير راجع إلى المخالفة (5) (قوله: كذلك) يعني حصل من سبب غير متعارف و المعنى انه لا يصح ان يعتذر العبد عن مخالفة القطع بان قطعه حصل من سبب غير متعارف (6) (قوله:

و عدم صحة) هذا بيان لترتب الأثر الآخر للقطع الطريقي و هو كونه عذراً في مخالفة الواقع (7) (قوله: بخلافه) يعني خلاف التكليف (8) (قوله: و عدم حسن) معطوف على صحة المؤاخذة و المراد انه لا يحسن ان يحتج على القاطع العامل على طبق قطعه بان قطعك حاصل من الأسباب غير المتعارفة فلم عملت على طبقه؟ (9) (قوله: مع التفاته) الضمير راجع‏

46

الملازمة فراجع، و إما في مقام عدم جواز الاعتماد على المقدمات العقلية لأنها لا تفيد إلّا الظن كما هو صريح الشيخ المحدث الأمين الأسترآبادي- (رحمه اللَّه)- حيث قال في جملة ما استدل به في فوائده على انحصار مدرك ما ليس من ضروريات الدين في السماع عن الصادقين (عليهما السلام): «الرابع» أن كل مسلك غير ذلك المسلك- يعني التمسك بكلامهم عليهم الصلاة و السلام- إنما يعتبر من حيث افادته الظن بحكم اللَّه تعالى و قد أثبتنا سابقا انه لا اعتماد على الظن المتعلق بنفس أحكامه تعالى أو بنفيها و قال في جملتها أيضا- بعد ذكر ما تفطن بزعمه من الدقيقة- ما هذا لفظه: و إذا عرفت ما مهدناه من الدقيقة الشريفة فنقول: إن تمسكنا بكلامهم- (عليهم السلام)- فقد عُصمنا من الخطأ و إن تمسكنا بغيره لم نُعصم عنه، و من المعلوم أن العصمة عن الخطأ أمر مطلوب مرغوب فيه شرعاً و عقلا أ لا ترى أن الإمامية استدلوا على وجوب العصمة بأنه لو لا العصمة للزم أمره تعالى عباده باتباع الخطأ و ذلك الأمر محال لأنه قبيح، و أنت إذا تأملت في هذا الدليل علمت أن مقتضاه أنه لا يجوز الاعتماد على الدليل الظني في أحكامه تعالى. انتهى موضع الحاجة من كلامه، و ما مهده من الدقيقة هو الّذي نقله شيخنا العلامة- أعلى اللَّه مقامه- في الرسالة و قال في فهرست فصولها أيضا: الأول في إبطال جواز التمسك بالاستنباطات الظنية في نفس أحكامه تعالى شأنه و وجوب التوقف عند فقد القطع بحكم اللَّه أو بحكم ورد عنهم- (عليهم السلام)- انتهى. و أنت ترى أن محل كلامه و مورد نقضه و إبرامه هو العقلي غير المفيد للقطع و إنما همه إثبات عدم جواز اتباع غير النقل فيما لا قطع. و كيف كان فلزوم اتباع القطع مطلقاً و صحة المؤاخذة على مخالفته عند اصابته و كذا ترتب ساير آثاره عليه عقلا مما لا يكاد يخفى على عاقل فضلا عن فاضل فلا بد فيما يوهم خلاف ذلك في الشريعة

إلى القاطع (1) (قوله: و قال في فهرست) يعني الأسترآبادي في فهرست فصول‏

47

من المنع عن حصول العلم التفصيليّ بالحكم الفعلي (العقلي خ ل) لأجل منع بعض مقدماته الموجبة له و لو إجمالا فتدبر جيداً

(الأمر السابع)

أنه قد عرفت كون القطع التفصيليّ بالتكليف الفعلي علة تامة لتنجزه لا يكاد تناله يد الجعل إثباتاً أو نفياً فهل القطع الإجمالي كذلك؟ فيه إشكال ربما يقال: ان التكليف‏

فوائده (1) (قوله: من المنع عن حصول) خبر لقوله: (لا بد) يعني ما ورد في الشريعة مما يوهم المنع عن القطع الطريقي لا بد أن يحمل على المنع من حصول العلم لمنع بعض المقدمات الموجبة له (2) (قوله: و لو إجمالا) متعلق بمنع (3) (قوله: فهل القطع الإجمالي) اعلم ان الكلام في القطع الإجمالي في مقامات ثلاثة (الأول) في أن له اقتضاء الحجية أو ليس له ذلك فيكون كالظن في حال الانفتاح لا يكون حجة إلّا بجعل جاعل (الثاني) انه بناء على الاقتضاء فهل هو بنحو العلية التامة بحيث يكون موجباً لحكم العقل باستحقاق العقاب على تقدير المخالفة و عدم استحقاقه على تقدير الموافقة حكما تنجيزيا غير موقوف على شي‏ء من وجود شرط أو فقد مانع؟ أو انه بنحو صرف الاقتضاء فيكون موقوفا على عدم المانع عنه عقلا أو شرعا (الثالث) انه بناء على العلية التامة فهل هو علة لحكم العقل بوجوب الموافقة القطعية أو يكفي الموافقة الاحتمالية؟ و هذه المقامات كلها صارت مجال تأمل و إشكال (أما المقام الأول) فحكي الخلاف فيه عن المحقق القمي «ره» و المحقق الخوانساري و الوجه في حكاية ذلك عبارتهما المحكية في رسائل شيخنا الأعظم «قده» في الشبهة الوجوبية لكن في استظهار ذلك منها تأمل، و لعل المراد انه لا فعلية للحكم الكلي ما لم يعلم به تفصيلا لا انه ليس في العلم مقتضي الحجية إذ لا يظن التزامهما بذلك في أبواب الفقه بل صرح أولهما بلزوم الاحتياط في الشك في الشرطية، و كيف كان فهذا القول على تقدير ثبوته في غاية الوهن (و أما المقام الثاني) فهو ما تعرض له المصنف (ره) هنا و اختار فيه عدم العلية التامة، و حاصل الوجه فيما اختار: أن العلم الإجمالي لما كان مقرونا بالشك دائماً و كان الشك موضوعا

48

..........

للأحكام الظاهرية كانت مرتبة الحكم الظاهري معه محفوظة فجاز حينئذ جعل الحكم الظاهري في كل واحد من أطرافه الموجب ذلك لجواز مخالفته، مثلا إذا علم إجمالا بحرمة إناء مردد بين إناءين فكل واحد من الإناءين مشكوك الحرمة فيمكن أن يكون موضوعا لقاعدة الحل أعني قوله (عليه السلام): كل شي‏ء لك حلال حتى تعلم انه حرام. «فان قلت»: ان الحل المجعول لكل واحد يناقض الحرمة المعلومة إجمالا «قلت»: هذه هي المناقضة بين كل حكم ظاهري مجعول في حق الشاك بالواقع و بين الواقع المشكوك و لا تختص بما نحن فيه فما تدفع به هذه المناقضة في الشبهات البدوية التي لا علم فيها أصلا و في الشبهة غير المحصورة التي لا يجب الاحتياط فيها إجماعا تدفع به المناقضة في المقام. ثم انه «ره» ذكر في الحاشية ما محصله: إن دفع المناقضة بين الأحكام الظاهرية في مورد الأصول و الأمارات و بين الأحكام الواقعية منحصر بعدم فعلية الأحكام الواقعية ضرورة تضاد الأحكام الواقعية الفعلية و الأحكام الظاهرية على خلافها، و حينئذ فمع القطع الإجمالي بالحكم الفعلي يمتنع الترخيص الشرعي على خلافه، و حينئذ فيكون علة تامة لوجوب الموافقة إلّا إذا ارتفعت فعلية الحكم لعروض عسر أو نحوه مما يوجب ارتفاع فعلية التكليف فيجوز حينئذ الترخيص في مخالفته شرعا و عقلا لكن ذلك لخلل في المعلوم لا لقصور في العلم و إلّا فلو تعلق بالحكم التكليفي لا يكون مانع عن تأثيره شرعا. هذا محصل كلامه زيد في علو مقامه.

و لكن لا يخفى ان البحث في حجية العلم الإجمالي و انه علة للتنجز أو مقتض كالبحث في علية العلم التفصيليّ لذلك يختص بصورة تعلقه بالحكم الفعلي كما أشار إلى ذلك في مبحث حجية العلم التفصيليّ غاية الأمر ان يكون المراد من الفعلية ما لا ينافيه الترخيص حال الجهل كما سيجي‏ء الإشارة إليه منه (ره)، و حينئذ فكون العلم علة تامة للتنجز لو كان متعلقا بالحكم الفعلي بالمعنى الّذي ينافيه الترخيص ليس مما هو محل الكلام و ليس ذلك لخصوصية في العلم اقتضت ذلك و إلّا فاحتمال الفعلية أيضا مانع من الترخيص على خلافها لأنه جمع بين المتضادين احتمالا و هو ممتنع، نعم‏

..........

..........

49

..........

يفترق العلم عن الجهل المتعلقين بالفعلي بالمعنى الأخير في ان الأول ليس عذرا في نظر العقل و الثاني عذر في نظره و إلّا فهما من حيث المنع عن الترخيص الشرعي سواء، و من هنا يظهر أن ما ذكره في المتن من كونه مقتضيا للتنجز هو المختار له في محل الكلام في المقام لكنه ليس مطابقا لما هو الحق الحقيق بالقبول، و ما ذكره في وجهه من ان مرتبة الحكم الظاهري معه محفوظة لا يصلح سندا له و لا ينبغي ان يعول عليه فان كل واحد من أطراف المعلوم بالإجمال و ان كان مشكوك الحكم و بذلك يصير موضوعا للحكم الظاهري لكن لا بد من توجيه النّظر إلى العلم الإجمالي و انه علة تامة لتنجيز متعلقه على إجماله أولا؟ فعلى الأول يمتنع الترخيص في أطرافه لأنه نظير الترخيص في مخالفة العلم التفصيليّ، و على الثاني لا مانع منه (فنقول):

لا ينبغي التأمل في ان العلم الإجمالي ليس إلّا من سنخ العلم التفصيليّ موجبا لإراءة متعلقه و انكشافه انكشافا تاما لا قصور في ناحية انكشافه أصلا فان من علم انه يجب عليه إكرام زيد بن بكر الّذي لا يعرفه بعينه لا قصور في علمه بالإضافة إلى متعلقه أعني إكرام زيد بن بكر و مجرد تردده بين شخصين لا يوجب نقصا في علمه بالإضافة إلى متعلقه غاية الأمر ان علمه لم يحط بتمام الخصوصيات المانعة من التردد بين شخصين، و من المعلوم بشهادة الوجدان عدم دخل ذلك في المنع من منجزية العلم إذ لا ريب في انه بمجرد حصول ذلك العلم الإجمالي يتحرك العبد نحو موافقته بطبعه و عقله و يعد قول المولى: لا تكرم كل واحد من الشخصين: مناقضا لما علم بحيث يحكم إجمالا بان أحد الكلامين ليس مطابقا للواقع نظير ما تقدم في العلم التفصيليّ حرفا بحرف، فلا فرق بين العلمين من هذه الجهة أصلا، و من هذا يظهر انه لا مجال للترخيص الظاهري في كل واحد من أطراف الشبهة لأنه راجع إلى الترخيص في المعصية الممتنع عقلا، و مجرد كون كل واحد مشكوك الحكم لا يصححه بعد انطباق عنوان الترخيص في المعصية عليه الّذي لا ريب في قبحه، و التأمل في طريقة العقلاء يوجب وضوح ما ذكرنا بما لا مزيد عليه فالمعول عليه حينئذ انه علة تامة للتنجز بحيث لا يتوقف على وجود شرط أو فقد

50

حيث لم ينكشف به تمام الانكشاف و كانت مرتبة الحكم الظاهري معه محفوظة جاز الاذن من الشارع بمخالفته احتمالا بل قطعاً و ليس مجذور مناقضته مع المقطوع إجمالا إلا محذور مناقضة الحكم الظاهري مع الواقعي في الشبهة غير المحصورة بل الشبهة البدوية ضرورة عدم تفاوت في المناقضة بين التكليف الواقعي و الإذن في الاقتحام في مخالفته بين الشبهات فما به التفصي عن المحذور فيهما كان به التفصي عنه في القطع به في الأطراف المحصورة أيضا كما لا يخفى و قد أشرنا إليه سابقاً و يأتي إن شاء اللَّه مفصلا

مانع أصلا و عدم وجوب الاحتياط في الشبهة غير المحصورة كان من جهة عدم فعلية التكليف لعدم الابتلاء أو للعجز أو نحوهما كما سيأتي بيانه إن شاء اللَّه في محله، فلاحظ و تأمل (1) (قوله: حيث لم ينكشف به تمام) لتردد المعلوم بين شيئين من جهة عدم تعلق العلم بتمام خصوصياته التي يكون العلم بها مانعا من التردد به، لكن قد عرفت ان هذا المقدار لا يقدح في المنجزية و ليس ذلك عند العقلاء الا كما لو لم تُعلم الخصوصيات الزائدة على تعينه كما لو علم بوجوب إكرام الشخص الحاضر عنده مع عدم علمه بأنه فقير أو غني عالم أو جاهل هاشمي أو غير هاشمي ... إلى غير ذلك من العناوين التي يتردد بينها الشخص، و كما ان مثل هذا التردد بين هذه العناوين لا يقدح في منجزية العلم بالتكليف فليكن في المقام كذلك، و اما الفرق بين المقامين بما ذكر من محفوظية مرتبة الحكم الظاهري من جهة ان التردد بين شيئين موجب لكون كل واحد منهما مشكوك الحكم دون مورد النقض فقد عرفت الجواب عنه سابقا بان مجرد ذلك لا يصحح الترخيص بعد ما كان العلم مانعا من الترخيص في مخالفة نفس المعلوم بالإجمال لأن الترخيص في كل واحد منهما ترخيص في مخالفة المعلوم بالإجمال المؤدي إلى التناقض كما في العلم التفصيليّ و هذا غير المناقضة الحاصلة في الشبهة البدوية أو غير المحصورة لأن الترخيص فيهما ترخيص في المجهول لا المعلوم و هنا ترخيص في المعلوم، فالفرق بينهما ظاهر و منه يظهر لك ما في قوله: و كانت‏