مفردات ألفاظ القرآن‌

- الراغب الأصفهاني المزيد...
901 /
5

مقدّمة المحقّق

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ*

الحمد للّه العليم الوارث، الحكيم الباعث، و الصّلاة و السّلام على خير الخلائق، محمد الذي جاء بأفضل الطرائق، و هدى لأقوم المناهج.

و بعد، فعلم التفسير من أشرف العلوم، و هو أولى ما يعكف عليه الباحث، و يلزمه الدارس، و المصنّفات فيه لا تدخل تحت حدّ و حصر، منها المطبوع، و المخطوط، و المفقود، و من أجلّ ما صنّف في غريب القرآن كتاب «المفردات» للراغب الأصفهاني.

لذا عملنا على تحقيقه و ضبطه، و إخراجه بصورة تناسب مكانته العلمية، و هيئة تلائم صدارته العملية، إذ أنّ النسخ المطبوعة مليئة بالأخطاء، و مشحونة بالتصحيفات و التحريفات، و فيها أحياناً نقص إمّا في الأبواب، و إمّا في الآيات، و إمّا في الأشعار.

و بدأنا أولًا بدراسة عن المؤلّف و حياته، و كتابه، و أتينا- بحمد اللّه- بما لم يأت به أحد قبلنا فيما يتعلق بالمؤلف و ترجمته. ثم قمنا بتحقيق الخطوات التالية:

1- ضبط نص الكتاب، و مقابلته على عدة نسخ.

2- شكل الكلمات التي تحتاج إلى شكل.

3- تخريج الآيات القرآنية، و ذكر أرقامها و سورها. و جعلناها في المتن تخفيفاً للحواشي.

4- تخريج القراءات القرآنية، و نسبة كلّ قراءة إلى قارئها، و تبيين القراءة الصحيحة من الشاذة.

5- تخريج الأحاديث و الآثار من كتب السّنّة، و كنّا، غالباً نذكر درجتها من الصحة و الضعف.

6- نسبة الأبيات الشعرية لقائليها، و بيان محلها في كتب اللغة و التفسير، و ضبط الأبيات، إذ قلّ ما وجدناه منها صحيحاً.

7- ضبط الأمثال و الأقوال العربية، و بيان محالها في كتب اللغة.

6

8- ترجمة مختصرة للأعلام الواردة، و ذكر أماكن ترجمتها.

9- و في الختام قمنا بعمل الفهارس العلمية للكتاب، لتسهّل للباحث الاطلاع و الرجوع.

و نسأل اللّه التوفيق و السداد، و القبول و الصواب، و آخر دعوانا أَنِ الْحَمْدُ لِلّٰهِ رَبِّ الْعٰالَمِينَ.

صفوان داودي المدينة المنورة- شعبان 1408 ه‍‌

7

ترجمة المؤلف

اسمه و نسبه (1):

اشتهر الراغب الأصفهاني بلقبه، فلذلك كثر الاختلاف في اسمه، و الأشهر أنّ اسمه الحسين، و عليه مشى جلّ من ترجم له.

فقيل: الحسين بن محمد بن المفضل (2)، و قيل: الحسين بن مفضل بن محمد (3).

و قيل: الحسين بن الفضل (4)، و قيل: المفضل بن محمد (5).

شيوخه و تلامذته:

لم تذكر المصادر المتوفرة بأيدينا شيئاً عمّن تلقّى عنه الراغب علومه و ثقافته، كما لم تذكر شيئاً عن تلامذته و طلابه، و الظاهر أنّ المؤلف كان مغموراً يحبّ الخمول كما يتضح لنا من شعره كما سيأتي.

لكن الذي يغلب على ظني و يترجح عندي أنّه قرأ العربية على أبي منصور الجبان،

____________

(1) انظر: ترجمته في بغية الوعاة للسيوطي 2/ 297، و تاريخ حكماء الإسلام للبيهقي ص 112، و نزهة الأرواح و روضة الأفراح للشهرزوري 2/ 44، و طبقات المفسرين للداوودي 2/ 329، و الأعلام للزركلي 2/ 255، و معجم المؤلفين 4/ 59، و هدية العارفين ص 3110، و كشف الظنون 1/ 36، و مفتاح السعادة 1/ 183، و البلغة في تاريخ أئمة اللغة للفيروزآبادي ص 69، و سير أعلام النبلاء للذهبي 18/ 120، و الوافي للصفدي 13/ 45.

(2) و عليه مشى صاحب الأعلام و صاحب معجم المؤلفين و الذهبي و الصفدي.

(3) و عليه مشى صاحب فهرس الخزانة التيمورية 3/ 108.

(4) و عليه مشى صاحب نزهة الأرواح.

(5) و عليه مشى السيوطي و الداوودي.

8

و اسمه محمد بن علي بن عمر، قال عنه ياقوت: أحد حسنات الري، و علمائها الأعيان، جيّد المعرفة باللّغة، باقعة الوقت، و فرد الدّهر، و بحر العلم، و روضة الأدب (1).

و قال القفطي: الفاضل الكامل العلامة، شيخ وقته في اللغة و استفادتها، و له رواية (2).

و قال أيضاً: هو إمام في اللغة، مبرز في زمانه (3).

و كان الصاحب يعزّه و يجلّه. و له مناظرة مع ابن سينا.

صنّف كتاب «الشامل» في اللغة، كثّر فيه الألفاظ اللغوية، و قابل الشواهد، فهو في غاية الإفادة من حيث الكثرة، و له أيضاً كتاب كبير سماه: «لسان العرب» استوفى فيه اللغة غاية إمكانه، لكنه مات قبل إخراجه من المسوّدة.

و قال السيوطي: الشامل في اللغة، قرئ عليه سنة ستّ عشرة و أربعمائة (4).

و الذي حملني على هذا الظن أنّه أولًا: كان معاصراً للراغب، و في طبقةٍ قبل طبقته، إذ أنه أدرك الصاحب بن عباد، و الراغب لم يدركه مجالسةً. ثانياً: أنّ الراغب نقل عنه باسمه في كتابه «المفردات» (5).

فأظنه حضر دروسه في كتاب «الشامل»، لأنهما كانا في أصبهان. و اللّه أعلم بالصواب.

مؤلفاته:

خلّف الراغب تراثاً كبيراً من المؤلفات، و حريّ به ذلك، إذ أنّه عاش في القرن الرابع الهجري و هو قرن الازدهار العلمي، و النهضة و العلمية. فمنها:

1- كتاب المفردات في غريب القرآن. و سنعقد له باباً خاصاً.

2- تفسير القرآن الكريم. و بعضهم يسميه «جامع التفاسير»، و هو خطأ، و إنّما اسمه:

«جامع التفسير»، و فرق واضح بين الاسمين.

و قد ذكره الراغب نفسه في كتابه: «حلّ متشابهات القرآن» عند كلامه على سورة الكافرون، فقال: إنا قد أجبنا في «جامع التفسير» عن ذلك بأجوبة كثيرة (6).

____________

(1) انظر: معجم الأدباء 18/ 260.

(2) انظر: إنباه الرواة 3/ 194.

(3) انظر: إنباه الرواة 4/ 176.

(4) انظر: بغية الوعاة 1/ 185.

(5) انظر: مادة (دلى).

(6) انظر: حل متشابهات القرآن- خ، ص 280.

9

و ذكره صاحب كشف الظنون، فقال: و هو تفسير معتبر في مجلد، أوله: الحمد للّه على آلائه ... إلخ.

أورد في أوله مقدّمات نافعة في التفسير، و طرزه (1) أنّه أورد جملًا من الآيات، ثم فسّرها تفسيراً مشبعاً، و هو أحد مآخذ أنوار التنزيل للبيضاوي (2).

- و قد طبعت مقدّمة التفسير مع تفسير سورة الفاتحة و أوائل سورة البقرة بتحقيق د. أحمد فرحات في دار الدعوة في الكويت.

و قال الفيروزآبادي: له التفسير الكبير في عشرة أسفار، غاية في التحقيق.

فإذا أردنا أن نجمع بين قول صاحب كشف الظنون و بين قول الفيروزآبادي فهذا يعني أنّ للراغب تفسيرين: أحدهما كبير، و الآخر صغير.

أما تفسيره فتوجد منه نسخة خطية في مكتبة ولي الدين جار اللّه في تركيا، و فيها الجزء الأول من أول المقدمة و ينتهي بتفسير آخر سورة المائدة، و يقع في 350 ورقة، و لم نجد بقيّته إلى الآن.

و اطلعت على تفسير آخر للقرآن مختصر منسوب للراغب الأصفهاني، و اسمه:

مختصر تفسير متشابهات القرآن، و منه نسخة مخطوطة في اليمن في مكتبة مسجد صنعاء، في 165 ورقة، لكنه يحتاج لتأكيد النسبة.

3- درّة التأويل في متشابه التنزيل. و أظن أن اسمه أيضاً: درة التأويل في حل متشابهات القرآن.

فكثير من الباحثين جعلوهما كتابين، أي: درة التأويل كتاب، و حل متشابهات القرآن كتاب، و هما في الحقيقة كتاب واحد.

فنجد مثلًا حاجي خليفة ذكر كتاب «درّة التأويل في متشابه التنزيل» في الكشف 1/ 439، و بروكلمان في تاريخ الأدب العربي 3/ 505.

قال حاجي خليفة: و ذكر الراغب أنّه صنفه بعد ما عمل كتاب «المعاني الكبير» و أملى كتاب «احتجاج القراء».

و نجد أنّ الراغب ذكر ذلك في مقدمة كتابه «حل متشابهات القرآن» (3) الذي سموه: درّة التأويل.

____________

(1) أي: أسلوبه.

(2) انظر: كشف الظنون 1/ 477.

(3) انظر: حل متشابهات القرآن- خ ص 1 (مخطوط راغب باشا).

10

و ذكر بروكلمان أيضاً كتاب «حل متشابهات القرآن» فجعله غير الأول، و قال:

و هو مخطوط في مكتبة راغب باشا رقم 180، بينما قال: إنّ كتاب درّة التأويل مخطوط في مكتبة أسعد أفندي في جامع السليمانية، و المتحف البريطاني.

و قد اطلعت على نسخة المتحف البريطاني فإذا هي عينها كتاب «حلّ متشابهات القرآن» الموجود في مكتبة راغب باشا.

و ذكر عدد من الباحثين أنّ كتاب «درّة التنزيل و غرّة التأويل» المطبوع، و المنسوب للخطيب الإسكافي هو نفس كتاب الراغب، و هذا لا يبعد، ففي مقارنة الكتابين وجدنا تطابقاً كاملا بينهما عدا الصفحة الأولى فيها بعض الاختلاف. و الذي يترجح عندي أن الكتاب للراغب لكن الصفحة الأولى وضعت خطأ عليه، أو سهواً، أو تعمّداً، إذ ذكر إبراهيم بن علي بن محمد المعروف بابن أبي الفرج الأردستاني أنّ هذه المسائل أملاها أبو عبد اللّه محمد بن عبد اللّه الخطيب في القلعة الفخرية إملاءً، كما ذكر في المقدمة أنّ له- أي الخطيب- «كتابا في الحروف المقطعة»، و هذا لم ينسبه أحد للراغب. و اللّه أعلم بالصواب.

4- تحقيق البيان في تأويل القرآن. ذكره الراغب في مقدمة كتابه «الذريعة إلى مكارم الشريعة» (1)، و بروكلمان في تاريخ الأدب العربي 5/ 211، و حاجي خليفة في كشف الظنون 1/ 377.

و جعله بروكلمان كتابا في الأدب، و ذكر أنه مخطوط في مشهد 1/ 24، 56.

و قد اطّلعت على نسخة مخطوطة منه مصورة في أم القرى من كتابخانه آستانة- قدس- في مشهد، و بعد المقارنة تبين أنه كتاب الاعتقاد للراغب، و ليس كتاب تحقيق البيان المذكور.

و على هذا يعتبر هذا الكتاب حاليا من المفقودات.

5- احتجاج القراء. ذكره الراغب في مقدمة حل متشابهات القرآن (2)، و ذكره حاجي خليفة 2/ 15.

6- المعاني الأكبر. ذكره الراغب في مقدمة حل متشابهات القرآن، و حاجي خليفة 2/ 1729.

____________

(1) انظر: الذريعة ص 2.

(2) انظر: ورقة 1.

11

7- الرسالة المنبهة على فوائد القرآن. ذكرها الراغب في مقدمة المفردات، و لم نعثر عليها. و ذكرها أيضا في مادة: حرف.

8- محاضرات الأدباء و محاورات البلغاء و الشعراء. و هو كتاب ذو شهرة كبيرة في ميدان الأدب، مطبوع في مجلدين كبيرين، بمكتبة الحياة- في بيروت، لكنّه ملي‌ء بالأخطاء المطبعية و التصحيفات و التحريفات في الأعلام و الأشعار.

و لأهمية هذا الكتاب كان يهدى إلى الوزراء و الأمراء، فقد ذكر ابن أبي أصيبعة في طبقات الأطباء ص 369 أنّ أمين الدولة ابن التلميذ أهدى كتاب المحاضرات إلى الوزير ابن صدقة، و كتب معه:

لمّا تعذر أن أكون ملازما * * *لجناب مولانا الوزير الصاحب

و رغبت في ذكري بحضرة مجده * * *أذكرته بمحاضرات الراغب

9- مجمع البلاغة، و يسمّى أفانين البلاغة. طبع مؤخّرا في عمّان، بمكتبة الأقصى، بتحقيق الدكتور عمر الساريسي، و بذل فيه جهدا طيبا لكن فيه كثير من الأشعار المشهورة لم يعرف نسبتها.

10- أدب الشطرنج. ذكره بروكلمان 5/ 211، و لم نعثر عليه.

11- مختصر إصلاح المنطق. توجد منه نسخة مخطوطة في مركز البحوث الإسلامية في جامعة أم القرى برقم 316، و هو مصوّر عن نسخة المكتبة التيمورية رقم 137.

12- رسالة في آداب مخالطة الناس. مخطوطة ضمن مجموعة رسائل للراغب برقم 3654 بمكتبة أسعد أفندي في تركيا.

13- رسالة في الاعتقاد. و قد قام بتحقيقها الطالب أختر جمال محمد لقمان، و نال بها شهادة الماجستير في جامعة أم القرى بمكة المكرمة قسم العقيدة، عام 1401- 1402 ه‍، و المشرف على الرسالة الدكتور محيي الدين الصافي، و قد اطلعت عليها، و هي مطبوعة على الآلة الكاتبة في 400 صفحة. و لكن الطالب لم يأت بدراسة وافية عن الراغب.

14- الذريعة إلى مكارم الشريعة. مطبوع عدة طبعات، آخرها بتحقيق الدكتور محمد أبو اليزيد العجمي، و قد خلط في مقدمته بين الراغب و عالم آخر، فقال عن الراغب: ذكر أنه ولي القضاء، و أقام ببغداد خمس سنين، و استقر بمرسية، و استقضى فيها و لما كانت وقعة قتندة بثغر الأندلس شهدها غازيا، و استشهد فيها. ا. ه‍.

12

و هذه الترجمة ليست للراغب بل هي لابن سكّرة، و اسمه الحسين بن محمد بن سكرة توفي 514 ه‍، فظنّه الراغب؟!.

قال حاجي خليفة: قيل: إنّ الإمام الغزالي كان يستصحب كتاب الذريعة دائما و يستحسنه لنفاسته.

أقول: و للغزالي أيضا كتاب اسمه «الذريعة إلى مكارم الشريعة» و لعلّه تأثر بكتاب الراغب فسمّاه باسمه، أو لعلّ المراد أن الغزالي يستصحب كتابه هذا معه في الأسفار، أو هو نفس كتاب الراغب، و لكثرة ملازمته له ظنّ أنه للغزالي. و اللّه أعلم بالصواب (1). و الغزالي متأثر بكتب الراغب، ففي كتاب معارج القدس ينقل فصلا كاملا من كتاب «تفصيل النشأتين» للراغب، و هو تظاهر العقل إلى الشرع و افتقار أحدهما إلى الآخر.

15- تفصيل النشأتين و تحصيل السعادتين. ألّفه للوزير أبي العباس الضبي، و قد طبع عدّة طبعات، آخرها: طبع دار الغرب الإسلامي بتحقيق الدكتور عبد المجيد النجار، عام 1988 م 1408 ه‍. و لم يأت فيه بشي‌ء يذكر عن الراغب و حياته.

16- الإيمان و الكفر. ذكره صاحب هدية العارفين 1/ 311، و لم نجد عنه خبرا.

17- رسالة في مراتب العلوم. مخطوطة ضمن رسائل الراغب بمكتبة أسعد أفندي رقم 3654، و تقع في سبع ورقات.

18- كتاب كلمات الصحابة. ذكره البيهقي في تاريخ حكماء الإسلام ص 112.

19- أصول الاشتقاق. ذكره الراغب في المفردات، انظر مادة: جدر.

20- رسالة في شرح حديث «ستفترق أمتي» و الجمع بين الروايتين للحديث الأولى: [كلها في النار إلا واحدة] و الثانية: [كلها في الجنة إلا واحدة].

ذكره الراغب في كتاب الذريعة ص 132.

21- كتاب شرف التصوف ... ذكره الراغب في تفسيره ورقة 42 و 50.

22- تحقيق الألفاظ المترادفة على المعنى الواحد. ذكره في مقدمة المفردات، و في تفسيره ورقة 54.

23- رسالة تحقيق مناسبات الألفاظ. ذكره في مقدمة المفردات.

____________

(1) انظر: كشف الظنون 1/ 826، و مقدمة إحياء علوم الدين تحقيق د. طبانة ص 22.

13

كتبٌ نُسبت إليه:

- وجدت في مكتبة عارف حكمت بالمدينة المنورة كتابا باسم «أطباق الذهب» نسب للراغب الأصفهاني، عارض فيه «أطواق الذهب» للزمخشري. و منه نسختان خطيتان فيها.

و واضح أنه ليس للراغب، لأنّ الراغب توفي قبل الزمخشري بقرن، و الصحيح نسبة الكتاب لعبد المؤمن بن هبة اللّه الأصفهاني.

ثم وجدته مطبوعا بهذه النسبة بمطبعة بولاق بمصر، و منه نسخة في مكتبة الحرم المدني الشريف.

وصفه و خُلقه:

قال عنه الذهبي: العلّامة الماهر، و المحقق الباهر، كان من أذكياء المتكلمين (1).

و قال البيهقي و تبعه الشهرزوري: كان من حكماء الإسلام، و هو الذي جمع بين الشريعة و الحكمة (2)، و كان حظّه من المعقولات أكثر (3).

و قال الصلاح الصفدي: أحد أعلام العلم، و مشاهير الفضل، متحقق بغير فنّ من العلم و له تصانيف تدل على تحقيقه و سعة دائرته في العلوم، و تمكّنه فيها (4).

- و وجد على نسخة مخطوطة من كتاب الذريعة: كان حسن الخلق و الخلق، و كان يستعبد الناس حسن محاورته بهم (5).

- و جاء على الورقة الأخيرة من مخطوطة حل متشابهات القرآن: تصدر للوعظ و التدريس و التأليف، و له مصنفات كثيرة جليلة، و مناظرات عجيبة (6).

و قال الخوانساري عنه: الإمام، الأديب، و الحافظ العجيب، صاحب اللغة و العربية، و الحديث و الشعر و الكتابة، و الأخلاق و الحكمة و الكلام، و علوم الأوائل، و غير ذلك، و فضله أشهر من أن يوصف، و وصفه أرفع من أن يعرف، و كفاه منقبة أنّ له قبول العامة و الخاصة، و فيما تحقّق له من اللغة خاصة، و كان من الشافعية كما استفيد لنا من فقه محاضراته (7).

ثم قال: ذكره صاحب «معجم الأدباء» كما نقل عنه بهذه الصورة: الحسين بن محمد الراغب الأصفهاني، أحد أعلام العلم بغير فنّ من العلوم أدبيّها و حكميّها، و له كتاب تفسير القرآن، قيل: و هو كبير.

____________

(1) انظر: سير أعلام النبلاء 18/ 120.

(2) و سنفرد لذلك بابا خاصا في آخر المقدمة.

(3) انظر: تاريخ حكماء الإسلام ص 112، و نزهة الأرواح 2/ 44.

(4) انظر: الوافي في الوفيات 13/ 45.

(5) انظر: الراغب الأصفهاني و جهوده للساريسي ص 33.

(6) انظر: الراغب الأصفهاني و جهوده للساريسي ص 33.

(7) انظر: روضات الجنات ص 238- 250.

14

قلت: فإن صحّ نقل الخوانساري عن ياقوت فهذا يعني أن كتاب معجم الأدباء المطبوع ناقص، أو احتمال آخر أنه ذكره في غير هذا الكتاب. و اللّه أعلم.

- و كان المؤلّف يؤثر التواضع و الخمول، و يكره الشهرة و الذيوع، و يعتبر أنّ من مدح نفسه فقد ذمها و عابها، فنجده يقول في محاضراته: (و أعوذ باللّه أن أكون ممن مدح نفسه و زكّاها، فعابها بذلك و هجاها، و ممن أزرى بعقله بفعله) (1).

و يؤيّد هذا أنه يعتبر أنّ من ذكر أشعاره في مصنفاته فهو مزر بعقله، فيقول: أعوذ باللّه أن أكون ممن يزري بعقله بتضمين مصنفاته شعر نفسه (2).

و أيضا كان الراغب أيضا من الصوفية الذين يفضلون الخمول، و قد ذكره الهجويري في كتابه «كشف المحجوب» 2/ 584 أنه كان من مشايخ الطريقة.

عقيدته:

تنازع الناس في عقيدة الراغب، فقال قوم: هو من المعتزلة، و قال آخرون: هو من الشيعة، و قال غيرهم: هو من أهل السّنة و الجماعة.

و الصحيح الذي لا غبار عليه- إن شاء اللّه تعالى- أنّه من أهل السنة و الجماعة.

و يؤيد هذا ما ذكره السيوطي فقال: كان في ظني أنّه معتزلي، حتى رأيت بخط الشيخ بدر الدين الزركشي على ظهر نسخة من «القواعد الصغرى» لابن عبد السلام ما نصه: ذكر الإمام فخر الدين الرازي في: «تأسيس التقديس» في الأصول أنّ أبا القاسم الراغب كان من أئمة السّنة، و قرنه بالغزالي.

قال: و هي فائدة حسنة، فإنّ كثيرا من النّاس يظنون أنّه معتزلي (3). ا. ه‍ ..

و يتضح هذا أيضا من خلال كتابه «المفردات» حتى نجده يردّ على المعتزلة، فمن ذلك ردّه على الجبائي شيخ المعتزلة في مادة (ختم)، و على البلخي في مادة (خل).

و أيضا فإن الراغب قال في كتاب الاعتقاد: أمّا رؤية العباد للّه عزّ و جلّ في القيامة فقد أثبتها الحكماء و أصحاب الحديث كما نطق به الكتاب و السنة (4).

____________

(1) انظر: المحاضرات 1/ 7.

(2) انظر: المحاضرات 1/ 110.

(3) انظر: بغية الوعاة 2/ 297، و أساس التقديس ص 7.

(4) انظر: رسالة الاعتقاد ص 105.

15

و بذلك يخالف المعتزلة المنكرين للرؤية محتجين بقوله تعالى: لَنْ تَرٰانِي [الأعراف/ 143].

و له ردود أخرى عليهم في كتابه «الاعتقاد».

و أمّا تشيعه فقد أراد الشيعة أن يجعلوه في صفهم و من جماعتهم، نظرا لكثرة علمه، و سعة اطلاعه، و استدلوا على ذلك بكثرة نقوله عن عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه و أئمة آل البيت.

و هذا ليس بحجة، إذ حبّ آل البيت جاءت به الأخبار الصحيحة، فإذا ما أحبّهم أحد و نقل كلامهم فلا يعني أنه شيعي، و كثير من العلماء استشهدوا بأقوال آل البيت كالزمخشري مثلا في «ربيع الأبرار»، و الغزالي في «إحياء علوم الدين»، و الفيروزآبادي في «بصائر ذوي التمييز»، و غيرهم، و لم يقل أحد إنّهم من الشيعة.

و الذي يبطل مزاعمهم أيضا قول الراغب نفسه في رسالة الاعتقاد، لما ذكر أهل البدع قال:

و أعظمهم فرقتان: فرقة تدبّ في ضراء، و تسير حسوا في ارتضاء، تظهر موالاة أمير المؤمنين، و بها إضلال المؤمنين، يتوصلون بمدحه و إظهار محبته إلى ذمّ الصحابة و أزواج النبيّ رضي اللّه عنهم، و شهد التنزيل بذلك لهم، و يقولون: كلام اللّه رموز و ألغاز لا ينبئ ظاهره عن حق، و مفهومه عن صدق، يجعل ذلك من الذرائع إلى إبطال الشرائع (1).

و قال أيضا في موضع آخر: و الفرق المبتدعة الذين هم كالأصول للفرق الاثنين و السبعين سبعة: المشبّهة، و نفاة الصفات، و القدرية، و المرجئة، و الخوارج، و المخلوقية، و المتشيعة.

فالمشبّهة ضلّت في ذات اللّه، و نفاة الصفات في أفعاله، و الخوارج في الوعيد، و المرجئة في الإيمان، و المخلوقية في القرآن، و المتشيعة ضلّت في الإمامة.

و الفرقة الناجية هم أهل السّنّة و الجماعة الذين اقتدوا بالصحابة (2).

كل هذا يبيّن لنا أنّ الراغب ليس من المعتزلة و لا من الشيعة، بل من أهل السنة و الجماعة.

____________

(1) انظر: رسالة الاعتقاد ص 43.

(2) انظر: كتاب الاعتقاد ص 54.

16

مذهبه الفقهي:

الذي تبيّن لنا بعد مطالعة كتبه أنّه لم يكن من المقلّدين لأحد في الفروع الفقهية، و إنما كان مجتهدا في ذلك. و بعضهم جعله شافعيا، و لم يصب، بل للمؤلف ردّ على بعض أقوال الشافعية.

ففي مادة (طهر)- مثلا- يقول في قوله تعالى: وَ أَنْزَلْنٰا مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً طَهُوراً:

قال أصحاب الشافعي رضي اللّه عنه: الطّهور بمعنى المطهّر، و ذلك لا يصح من حيث اللفظ، لأنّ فعولا لا يبنى من: أفعل و فعّل، و إنما يبنى من فعل.

و انظر كلامنا على ذلك في موضعه.

و نراه يعرض أقوال الفقهاء في خلال كتبه، فتارة يأخذ بقول ذا، و تارة بقول ذاك مما يدلّ على عدم التزامه بمذهب معين.

ففي مادة: عود، عند قوله تعالى: وَ الَّذِينَ يُظٰاهِرُونَ مِنْ نِسٰائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمٰا قٰالُوا يقول: فعند أهل الظاهر: هو أن يقول للمرأة ذلك ثانيا، فحينئذ يلزمه الكفارة، و قوله: ثُمَّ يَعُودُونَ كقوله: فَإِنْ فٰاؤُ.

و عند أبي حنيفة: العود في الظهار هو أن يجامعها بعد أن يظاهر منها.

و عند الشافعي: هو إمساكها بعد وقوع الظهار عليها مدّة يمكنه أن يطلّق فيها فلم يفعل.

و في مادة (طهر)، عند قوله تعالى: وَ لٰا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّٰى يَطْهُرْنَ فَإِذٰا تَطَهَّرْنَ يقول:

فدلّ باللفظين على أنّه لا يجوز وطؤهنّ إلا بعد الطهارة و التطهير، و يؤكد ذلك قراءة من قرأ:

يَطَّهَّرْنَ أي: يفعلن الطهارة التي هي الغسل.

و هذا مذهب الشافعي، إذ لا يجوز عنده الوطء إلا بعد الاغتسال.

و في مادة (فكه)، يقول: الفاكهة قيل: هي الثمار كلها، و قيل: بل هي الثمار ما عدا العنب و الرّمان.

و قائل هذا كأنّه نظر إلى اختصاصهما بالذكر، و عطفهما على الفاكهة.

قلت: و هذا قول أبي حنيفة، فإنه لم يجعل العنب و الرمان من الفاكهة، لأنّ قوله تعالى: فِيهِمٰا فٰاكِهَةٌ وَ نَخْلٌ وَ رُمّٰانٌ فيه العطف، و أصل العطف أن يكون للمغايرة.

و كذلك في كتابه «محاضرات الأدباء» يذكر أبوابا من الفقه كالصلاة، و الصيام، و الزكاة، و الحج و يذكر أحكامها على المذهب الشافعي، و المالكي، و الحنبلي، و الحنفي، و مذهب الشيعة، و مذهب الخوارج.

17

كل هذا يؤكد ما ذهبنا إليه من أنه لم يكن ملتزما مذهبا معينا، و إن كان يميل أحيانا لبعض أقوال الشافعي، و نجده في تفسيره يردّ على ابن داود الظاهري في انتقاداته على الشافعيّ و يدافع عنه.

شعره:

لم تذكر المصنفات التي ترجمت للراغب سوى بيتين من الشعر، ذكرهما الشهرزوري في نزهة الأرواح و روضة الأفراح (1)، و هما:

يا من تكلّف إخفاء الهوى كلفا * * *إنّ التكلّف يأتي دونه الكلف

و للمحبّ لسان من ضمائره * * *بما يجنّ من الهواء يعترف

و من خلال مطالعة مصنفاته استطعنا العثور على محاورة شعرية له، فنجده يقول:

كتبت إلى أبي القاسم بن أبي العلاء أستعير منه شعر عمران بن حطّان، و ضمّنتها أبياتا لبعض من امتنع من إعارة الكتب إلا بالرهن، و أبياتا عارضها أبو علي بن أبي العلاء في مناقضته فقلت:

1-

يا ذا الذي بفضله * * *أضحى الورى مفتخره

2- أصبحت يدعوني إلى * * *شعر ابن حطّان شره

3- فليعطينيه منعما * * *عارية لأشكره

4- مقتفيا والده * * *ألبس ثوب المغفره

5- عارض من أنشده * * *إذ رام منه دفتره:

6- هذا كتاب حسن * * *قدّمت فيه المعذرة

7- [حلفت باللّه الذي * * *أطلب منه المغفره

8- أن لا أعير أحدا * * *إلا بأخذ التذكرة

9- بنكتة لطيفة * * *أبلغ منها لم أره]

10- فقال- و القول الذي * * *قد قاله و حبّره-:

11- [من لم يعر دفتره * * *ضاقت عليه المعذرة

12- يقبح في الذكر و في * * *السماع أخذ التذكرة

13- ما قال ذاك الشعر إلا * * *ماضغ للعذرة]

14- فامنن به مقتفيا * * *سلوك طرق البرره

____________

(1) انظر: روضة الأفراح 1/ 44.

18

فأجابني بأبيات، منها:

1- حبّر شعرا خلتني * * *أنشر منه خبره

2- يريدني فيه على * * *خليقة مستنكره

3- مستنزل عن عادة * * *عوّدتها مشتهره

4- أن لا أعير أحدا * * *لا رجلا و لا مره

5- لا أقبل الرّهن و لا * * *تذكر عندي تذكره

6- و لو حوت كفي بها * * *فضل الرضا و المغفره

7- كان لشيخي مذهب * * *من مذهبي أن أهجره

8- خالفت فيه رسمه * * *معفّيا ما أثره

9- و لو أتاني والدي * * *من بيته في المقبرة

10- يروم سطرا لم يجد * * *ما رامه و سطره

قال الراغب: و الغرض من ذلك ما قاله أبو القاسم لا ما خاطبته به، أعوذ باللّه أن أكون ممن يزري بعقله بتضمين مصنفاته شعر نفسه.

ذكر ذلك الراغب في محاضرات الأدباء 1/ 109- 110.

ما نسب إليه من الشعر:

ذكر الدكتور الساريسي نقلا عن كتاب «مجمع البلاغة» للمؤلف ص 397 ما يلي:

و أنشدت بعض الناس- و قد لامني لمنعي إياه شيئا سألنيه-:

ألام و أعطي و البخيل مجاور * * *له مثل مالي لا يلام و لا يعطي

فقال: نعم تلام، ثم تلام، و أنشد:

فما كلّ بمعذور ببخل * * *و لا كلّ على بخل يلام

فظن الساريسي أن هذا من شعر الراغب فنسبه إليه (1).

و الحق أنّ البيت تمثّل به تمثّلا و ليس له، و إنما البيت لعبد اللّه بن جدعان، ذكره النهرواني في الجليس الصالح 2/ 238، و ذكر قصة له، و ذكره ابن قتيبة دون نسبة في عيون الأخبار 2/ 33.

____________

(1) انظر: الراغب الأصفهاني و جهوده ص 39.

19

منهج الراغب في كتاب «المفردات»:

لقد سلك الراغب في كتابه منهجا بديعا، و مسلكا رفيعا، ينمّ عن علم غزير، و عمق كبير فنجده أولا يذكر المادة بمعناها الحقيقي، ثم يتبعها بما اشتقّ منها، ثم يذكر المعاني المجازية للمادة، و يبيّن مدى ارتباطها بالمعنى الحقيقي.

و هذا أمر لا يقدر عليه إلا من سبر غور اللغة، و خاض في لججها و بحارها.

و يذكر على كل ذلك شواهد من القرآن أولا، ثم من الحديث ثانيا، ثم من أشعار العرب و أقوالهم ثالثا.

ففي نطاق الآيات يكثر الراغب من الاستشهاد بها على المعنى المراد، كما يورد القراءات الواردة، ثم نراه يفسر القرآن بالقرآن كثيرا، ثم بأقوال الصحابة و التابعين، ثم يأتي بأقوال الحكماء التي تتفق مع الشريعة.

و لنضرب أمثلة على ذلك:

ففي مادة (إبل)، يقول: الإبل يقع على البعران الكثيرة، و لا واحد له من لفظه.

فهذا المعنى الحقيقي، ثم يقول:

و أبل الوحشي يأبل أبولا، و أبل أبلا: اجتزأ عن الماء، تشبيها بالإبل في صبرها عن الماء.

فهذا المعنى المجازي للفظ، و الجامع بين المعنى الحقيقي و المجازي الصبر عن الشي‌ء، ثم يقول:

و كذلك: تأبّل الرجل عن امرأته: إذا ترك مقاربتها.

و هذا أيضا مجاز، و العلاقة واضحة بينه و بين المعنى الحقيقي.

و في مادة (بور) قال: البوار: فرط الكساد.

فهذا هو المعنى الحقيقي، ثم قال:

و لمّا كان فرط الكساد يؤدي إلى الفساد، كما قيل: كسد حتى فسد، عبّر بالبوار عن الهلاك.

فهذا المعنى المجازي، و هذا يسمى مجازا بالأوّل.

ثم ذكر أمثلة من القرآن و الحديث، فقال: قال عزّ و جلّ: تِجٰارَةً لَنْ تَبُورَ وَ مَكْرُ أُولٰئِكَ هُوَ يَبُورُ، و‌

روي: «نعوذ باللّه من بوار الأيم»

، و قال عزّ و جل: وَ أَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دٰارَ الْبَوٰارِ.

20

و في مادة (خبت) يقول:

الخبت: المطمئن من الأرض، و أخبت الرجل: قصد الخبت أو نزله. نحو: أسهل و أنجد.

فهذا المعنى الحقيقي، ثم قال:

«ثمّ استعمل الإخبات استعمال اللين و التواضع».

فهذا المعنى المجازي، و العلاقة بينهما المشابهة، ثم قال:

قال اللّه تعالى: وَ أَخْبَتُوا إِلىٰ رَبِّهِمْ، و قال: وَ بَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ أي:

المتواضعين، نحو: لٰا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبٰادَتِهِ*.

ففسّر القرآن بالقرآن، ثم قال: و قوله تعالى: فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ أي: تلين و تخشع.

و الإخبات هاهنا قريب من الهبوط في قوله تعالى: وَ إِنَّ مِنْهٰا لَمٰا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللّٰهِ.

ففسّر القرآن بالقرآن أيضا.

و في مادة (مرد) يقول:

قال تعالى: وَ حِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطٰانٍ مٰارِدٍ. و المارد و المريد من شياطين الجن و الإنس: المتعري من الخيرات.

فهذا المعنى المجازي، و أصله كما قال: من قولهم: شجر أمرد: إذا تعرّى من الورق.

فالجامع بين المعنيين العري. ثم قال:

و منه قيل: رملة مرداء: لم تنبت شيئا، و منه: الأمرد، لتجرّده عن الشعر.

و‌

روي: «أهل الجنّة مرد»

قيل: حمل على ظاهره. و قيل: معناه: معرّون من الشوائب و القبائح.

ففسّر الحديث أولا على قول اللغويين و المحدّثين، ثم ذكر قول الحكماء ثانيا. ثم قال:

و منه قيل: مرد فلان عن القبائح، و مرد عن المحاسن و عن الطاعة.

قال تعالى: وَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفٰاقِ أي: ارتكسوا عن الخير، و هم على النفاق.

و قوله تعالى: مُمَرَّدٌ مِنْ قَوٰارِيرَ أي: مملّس. من قولهم: شجرة مرداء: إذا لم يكن عليها ورق، و كأنّ الممرد إشارة إلى قول الشاعر:

في مجدل شيّد بنيانه * * *يزلّ عنه ظفر الظافر

21

فهنا أتى بالشاهد الشعري.

و هكذا إلى آخر الكتاب، و كان يناقش الأئمة، و يردّ بعض أقوالهم، و له اختيارات في المسائل (1).

المصادر التي اعتمد عليها الراغب في كتاب «المفردات»:

اعتمد الراغب على مؤلّفات العلماء قبله، فبحث فيها، و ناقش أصحابها، و ارتضى أقوالا، و ردّ أخرى، و أهم هذه المصادر:

1- كتاب «المجمل في اللغة» لابن فارس.

و يبدو أنّ الراغب قد اعتمد عليه كثيرا، مع أنه لم يذكره باسمه، و يتضح ذلك من نفس ترتيب الكتاب، و التشابه الكبير في العبارة، و ربما ينقل عنه حرفيا، و الموافقة في الأبيات الشعرية.

و قد بيّنا ذلك في خلال تعليقاتنا على الكتاب، انظر مثلا مادة (أبّ)، (أسّ)، (جنف)، (خصف)، (ركز)، (سجل)، (صفد)، تجد تقاربا تاما في العبارات، إلا أن الراغب اختصر، و قلّل الأبيات الشعرية.

2- كتاب «الشامل في اللغة» لأبي منصور الجبان.

و قد ذكره المؤلّف صراحة في مادة (دلّى). و كتاب «الشامل» وصف بأنه كثير الألفاظ، قليل الشواهد، في غاية الإفادة، و نجد أنّ هذه الأوصاف تنطبق على كتاب المفردات أيضا.

3- «تهذيب الألفاظ» لابن السكيت.

و قد نقل عنه المؤلف في مادة (بقل).

4- «المسائل الحلبيات» لأبي علي الفارسي.

نقل عنه المؤلف في عدّة مواضع دون ذكر اسم الكتاب، بل يقول: قال الفارسي. انظر مثلا مادة (حشا)، (رأى).

5- «معاني القرآن» للفرّاء.

انظر مثلا مادة (تترى).

6- كتاب «الجمهرة» لابن دريد.

____________

(1) و قد أفردنا في الفهارس قسما خاصا لآراء الراغب و اختياراته.

22

و يظهر ذلك في تشابه النقول و العبارات، و قد صرّح باسم ابن دريد في كتابه.

انظر مثلا مادة (لهث).

7- «معاني القرآن» للزجاج.

و يبدو ذلك واضحا حينما تكلّم المصنف على مادة (توراة)، كأنه نقل كلام الزجاج حرفيا، و أيضا في مادة (شور)، نجده يتقارب جدا مع كلام الزجاج على قوله تعالى: وَ شٰاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ.

انظر معاني القرآن 1/ 483.

و صرّح المؤلف بالنقل عنه، و ذلك في مادة (هيت)، عند قوله تعالى: هَيْهٰاتَ هَيْهٰاتَ لِمٰا تُوعَدُونَ.

8- كتاب «العين» للخليل.

و قد صرّح باسم الخليل في عدة أمكنة، انظر مثلا مادة (مكّ)، (قول)، (ظلم)، (ضعف). (أوّل).

9- «تفسير أبي مسلم الأصفهاني».

انظر مادة (جهنم)، و (عرض).

و لعلّ تأثّر الراغب بالمعتزلة حاصل من أخذه كلام أبي مسلم.

10- «مجاز القرآن» لأبي عبيدة.

انظر مثلا مادة (بعض)، (دبّ)، (ناء).

11- «معاني القرآن» للأخفش.

انظر مثلا مادة (قوم)، (عود).

12- «المسائل البصريات» للفارسي.

انظر مثلا مادة (برأ).

13- «المسائل العضديات» للفارسي.

انظر مثلا مادة (دم).

14- «تفسير غريب القرآن» لابن قتيبة.

انظر مثلا مادة (دون).

15- كتاب سيبويه.

23

انظر مثلا مادة (أين)، (آية)، (كان) (طهر).

16- الغريب المصنف لأبي عبيد، و يظهر ذلك من التشابه الكبير في بعض المواد و الشواهد و انظر مادة (دين).

17- الأمثال لأبي عبيد.

18- «غريب الحديث» لأبي عبيد. انظر مادة (حرس).

19- مجالس ثعلب. انظر مثلا مادة (أين) و (أوّه).

20- غريب الحديث لابن قتيبة. انظر مادة (بشر).

21- الحجة للقراءات السبعة للفارسي. انظر مادة (طهر) و (دخل).

و غير ذلك من الكتب.

بالإضافة إلى نقله كلام السلف من المفسرين كابن عباس (1)، و ابن مسعود (2)، و عليّ ابن أبي طالب (3)، و عمر بن الخطاب (4)، و مجاهد (5)، و قتادة (6)، و الحسن البصري (7)، و الأصم (8)، و جعفر الصادق (9)، و الشعبي (10)، و سفيان (11).

و من اللغويين: المبرّد (12)، و الكسائي، و سيبويه (13)، و يونس (14)، و أبو زيد (15)، و التوزي (16)، و الأصمعي (17)، و ابن الأعرابي (18).

و من القراء: حمزة (19)، و يعقوب (20)، و النقاش (21).

____________

(1) انظر: مثلا مادة: (رفث)، (رقى)، (شرع)، (شهد)، (ضعف)، (عذر)، (قطع).

(2) انظر مثلا مادة: (بشر). (قر).

(3) انظر مثلا: (سكن)، (عقل)، (عود)، (حبر).

(4) انظر مثلا مادة: (خلف)، (صعد).

(5) انظر مثلا مادة: (شهد)، (قبل).

(6) انظر مثلا مادة: (شبه)، (كره).

(7) انظر مثلا مادة: (رف)، (شغف)، (صغر)، (ظل)، (قرّ).

(8) انظر مثلا مادة: (شبه)، (قوم).

(9) انظر مثلا مادة: (علم)، (وجه).

(10) انظر مثلا مادة: (حر).

(11) انظر مثلا مادة: (سرف).

(12) انظر مثلا مادة: (حجر). (سطر).

(13) انظر مادة: (أين) و مادة: (طهر).

(14) انظر مادة: (زلق).

(15) انظر مادة: (كسف)، (شعل).

(16) انظر مادة: (جبل).

(17) انظر مادة: (ويل).

(18) انظر مادة: (صهر).

(19) انظر مادة: (أتى).

(20) انظر مادة: (ينع).

(21) انظر مادة: (صور).

24

و من المتكلمين: الجبائي (1)، و أبو القاسم البلخي (2)، و أبو بكر العلاف (3).

و نقل طائفة من كلام الحكماء دون ذكر أسمائهم.

كل هذا مما جعل الكتاب مرجعا هاما من مراجع البحث في اللغة و التفسير.

الناقلون عنه و المتأثرون به:

أكثر العلماء من النقل من كتاب «المفردات»، و في مقدمتهم الفيروزآبادي صاحب القاموس، فنجده قد عكف على كتاب الراغب، و اختصره، و زاد فيه أشياء، ثم أصدرها في كتابه القيّم: «بصائر ذوي التمييز»، فنجده كثيرا ما ينقل عبارات الراغب بتمامها، و أحيانا ينقل فصولا كاملة.

و منهم أيضا السمين الحلبي، حيث ألّف، كتابه: «عمدة الحفاظ في أشرف الألفاظ» و جعل كتاب الراغب لبّ كتابه، ثم زاد عليه أشياء كثيرة، و كتابه ما زال مخطوطا.

و منهم الزركشي في البرهان في علوم القرآن. انظر مثلا 2/ 148، 4/ 18.

و السيوطي في المزهر 1/ 184، و الإتقان، 1/ 218- 210، و معترك الأقران 1/ 22.

و الرازي في تفسيره.

و البغدادي في خزانة الأدب. انظر مثلا 1/ 37، 3/ 397، 7/ 128- 245، 8/ 92، 9/ 302.

و الزبيدي في تاج العروس. انظر مثلا مادة (رجع)، (ربع)، (أبد)، (أمد)، (عود).

و ابن حجر في فتح الباري. انظر مثلا 3/ 120، و 11/ 503 كتاب القدر.

و ابن الحنبلي في عقد الخلاص. انظر مثلا ص 281.

و السمين في الدر المصون. انظر مثلا 3/ 689، 4/ 389، 547، 5/ 570، 6/ 182- 442.

و الألوسي في روح المعاني. انظر مثلا 1/ 262 و 2/ 129- 131.

و ابن القيم في بدائع الفوائد 2/ 36.

____________

(1) انظر مادة: (ختم).

(2) انظر مادة: (خل).

(3) انظر مادة: (لات).

25

و البروسوي في تفسيره روح البيان. انظر مثلا عند قوله تعالى: أَوْ جٰاءَ مَعَهُ الْمَلٰائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ.

و كثير غيرهم، و قد ذكرنا جلّ ذلك في تعليقاتنا على الكتاب، و ستجدها في محالها في الحواشي.

و لعلّ من أكثر المتأثرين بكتاب الراغب و منهجه فيه الزمخشري في كتابه: «أساس البلاغة» حيث نحا منحى الراغب في ذكر المعنى الحقيقي للكلمة، ثم إتباعها بالمعاني المجازية، إلا أن كتاب الزمخشري يمتاز بكثرة الشواهد الشعرية التي يزيد عددها على 6000 بيت، بينما كتاب الراغب لا يتجاوز 500 بيت.

ثناء العلماء على المفردات:

قال الزركشي: النوع الثامن عشر: معرفة غريبه. و هو معرفة المدلول، و قد صنف فيه جماعة، منهم: أبو عبيدة كتاب «المجاز»، و أبو عمر غلام ثعلب: «ياقوتة الصراط»، و من أشهرها كتاب ابن عزيز، و الغريبين للهروي، و من أحسنها كتاب «المفردات» للراغب (1).

و قال أيضا: القرآن قسمان:

أحدهما: ورد تفسيره بالنقل عمّن يعتبر تفسيره.

و قسم لم يرد فيه نقل عن المفسرين، و هو قليل، و طريق التوصل إلى فهمه النظر إلى مفردات الألفاظ من لغة العرب و مدلولاتها و استعمالها بحسب السياق، و هذا يعتني به الراغب كثيرا في كتاب المفردات، فيذكر قيدا زائدا على أهل اللغة في تفسير مدلول اللفظ، لأنه اقتنصه من السياق (2).

و قال الفيروزآبادي: لا نظير له في معناه (3).

و قال حاجي خليفة: مفردات ألفاظ القرآن للراغب، و هو نافع في كلّ علم من علوم الشرع (4).

____________

(1) انظر: البرهان في علوم القرآن 1/ 291، و كذا قال السيوطي في الإتقان 1/ 149.

(2) انظر: البرهان في علوم القرآن 2/ 172.

(3) انظر: البلغة ص 69.

(4) انظر: كشف الظنون 2/ 1773.

26

و قال السمين الحلبي: على أنّ الراغب قد وسع بحاله، و بسط مقاله بالنسبة إلى من تقدّمه، و حذا بهذا الحذو رسمه (1).

و جاء على الصفحة الأولى من مخطوطة المفردات في المكتبة المحمودية ما يلي:

هذا كتاب لو يباع بوزنه * * *ذهبا لكان البائع المغبونا

أ و ما من الخسران أني آخذ ذهبا * * *و معط لؤلؤا مكنونا

بعد هذا نقول: إنّ كتاب المفردات يعتبر موسوعة علمية صغيرة، فقد حوى اللغة، و النحو، و الصرف، و التفسير، و القراءات، و الفقه، و المنطق، و الحكمة، و الأدب، و النوادر، و أصول الفقه، و التوحيد.

فأجدر به أن يحتلّ الصدارة بين الكتب المؤلفة في غريب القرآن و معانيه.

ملاحظات على كتاب المفردات:

مهما خاض الإنسان في بحور العلم و المعرفة فلا يمكنه أن يحيط بكل العلوم، بل يبقى في حدود بشريته و إنسانيته، فالإنسان طبعه النسيان، و منه اشتقّ اسمه، و المؤلف قد غاص في بحور العلم، حتى أخرج دررا منها كتابه «المفردات» و لكنه مع أهميته العلمية، و قيمته الأدبية لا يخلو من بعض الملاحظات التي سنذكرها:

1- فمنها أنه لم يميّز بين القراءات المتواترة و الشاذة، بل يكتفي أن يقول: و قرئ كذا.

و بون كبير بين القراءات المتواترة من حيث نسبتها و درجتها، و بين القراءة الشاذة، إذ لا تصح الصلاة مثلا بالقراءة الشاذة، و لا القراءة بها إلا على سبيل التعليم.

2- و منها قلّة بضاعته في علم الحديث الشريف، و يتجلّى ذلك في نسبته بعض الأقوال إلى الرسول، و ليست هي من قوله، كقوله في مادة (جبر):

قوله (صلّى اللّه عليه و سلم آله): «لا جبر و لا تفويض»

و هذا من كلام المتكلمين لا من كلام الرسول، كما يذكر بعض الأحاديث الموضوعة، انظر مادة ورث.

و أحيانا يكون الحديث من كلام الرسول فلا ينسبه إليه، بل يقول: و قيل، و من ذلك قوله في مادة (صرف): و منه قول العرب: لا يقبل منه صرف و لا عدل. و هذا من الحديث الصحيح كما بيّنته في محله.

و غير ذلك من الأمثلة التي تظهر عند قراءة الكتاب.

____________

(1) انظر: عمدة الحفاظ- خ ورقة 1.

27

3- و منها تأثّره بالمعتزلة في بعض الأحيان مع أنه يخالفهم. و من ذلك قوله في مادة (زمل)، في قوله تعالى: يٰا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ: أي: المتزمّل في ثوبه، و ذلك على سبيل الاستعارة، كناية عن المقصّر و المتهاون بالأمر، و تعريضا به. ا. ه‍.

و حاشا للنبي (صلّى اللّه عليه و سلم آله) أن يقصّر في الأمر أو يتهاون، و هو الذي كان يقوم الليل حتى تفطّرت قدماه، و إنما هذه المسائل من مسائل المعتزلة، و غالب ظني أنه أخذها عن أبي مسلم الأصفهاني كبير مفسّري المعتزلة، و قد ذكر ذلك أيضا الزمخشري في تفسيره، و هو من أئمة المعتزلة. و انظر تعليقنا على هذه المادة.

4- و منها أوهام تحصل للمؤلف أحيانا فينسب أقوالا لغير قائليها. فمن ذلك قوله في مادة (روى): قال أبو علي الفسوي: المروءة هو من قولهم: حسن في مرآة العين، كذا قال، و هذا غلط، لأنّ الميم في «مرآة» زائدة، و مروءة: فعولة. ا. ه‍.

و هذا لم يقله أبو علي، و إنما قال: و زعم بعض رواة اللغة أنّ المروءة مأخوذة من قولهم: هو حسن في مرآة العين، و هذا من فاحش الغلط، و ذلك أنّ الميم في مرآة زائدة، و مروءة فعولة. ا. ه‍. انظر: المسائل الحلبيات ص 59.

و مثال آخر، قال في مادة (فتن)، في قوله تعالى: بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ: قال الأخفش: المفتون: الفتنة، كقولك: ليس له معقول، و خذ ميسوره و دع معسوره، فتقديره: بأيكم الفتون. و قال غيره: أيكم المفتون، و الباء زائدة، كقوله تعالى: كَفىٰ بِاللّٰهِ شَهِيداً* ا. ه‍.

قلت: الذي نسبه المصنف لغير الأخفش هو عينه قول الأخفش، ذكره في معاني القرآن 2/ 505، و القول الأول الذي نسبه للأخفش هو قول الفرّاء، فقد قال الفرّاء:

المفتون هاهنا بمعنى الجنون، و هو في مذهب الفتون، كما قالوا: ليس له معقول رأي.

انظر: معاني القرآن للفراء 3/ 173.

5- و منها حصول بعض التصحيفات، و هذا لا يكاد يسلم منه أحد. كقوله في مادة (بحر):

بنات بحر: للسحاب. ا. ه‍.

و الصواب إنما هو بنات بخر، بالخاء المعجمة، أو بنات مخر، و انظر تعليقنا على ذلك في مادة (بحر).

6- و كذا تصحيفه لبيت من الشعر في مادة (بطل)، فرواه:

[لأول بطل أن يلاقي مجمعا]

28

و هو عجز بيت للشنفرى، و الصحيح في روايته:

[لأول نصل ...]

. و انظر كلامنا عليه في التعليق.

7- و منها إغفاله لبعض المواد لم يتكلم عليها.

و في ذلك يقول السمين الحلبي: (... غير أنّه قد أغفل في كتابه ألفاظا كثيرة لم يتكلم عليها، و لا أشار في تصنيفه إليها، مع شدة الحاجة إلى معرفتها، و شرح معناها و لغتها، مع ذكره لبعض مواد لم ترد في القرآن الكريم، أو وردت في قراءة شاذة جدا كمادة (بظر)، في قوله تعالى: وَ اللّٰهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُظُورِ أُمَّهٰاتِكُمْ و هذه لا ينبغي أن يقرئ بها البتة. فمما تركه مع الاحتياج الكلي:

- مادة غ و ط، و هي في قوله تعالى: أَوْ جٰاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغٰائِطِ*.

- مادة: ز ب ن، و هي في قوله تعالى: سَنَدْعُ الزَّبٰانِيَةَ.

- و مادة: ق ر ش، و هي في قوله تعالى: لِإِيلٰافِ قُرَيْشٍ.

- و مادة: ك ل ح، و هي في قوله تعالى: وَ هُمْ فِيهٰا كٰالِحُونَ.

- و مادة: قدو، و هي في قوله تعالى: وَ إِنّٰا عَلىٰ آثٰارِهِمْ مُقْتَدُونَ.

- و مادة: نضخ، و هي في قوله تعالى: فِيهِمٰا عَيْنٰانِ نَضّٰاخَتٰانِ (1).

و ممّا فاته من المواد و لم يذكرها السمين.

- مادة فني، و هو في قوله تعالى: كُلُّ مَنْ عَلَيْهٰا فٰانٍ.

- و مادة خردل و هي في قوله تعالى: مِثْقٰالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ*.

8- و من ذلك أن يقسّم الشي‌ء أقساما، ثم عند ما يُعدّدها يزيد فيها واحدا أو ينقص. فمما نقص فيه عند مادة (وحد)، قال: فالواحد لفظ مشترك يستعمل على ستة أوجه، ثم ذكر خمسة، و لم يذكر السادس.

و مما زاد فيه، في مادة (هلك)، قال: و الهلاك على ثلاثة أوجه، ثم لما عدّها ذكر أربعا.

9- و منها أنه لم يراع ترتيب الحرف الثالث في الكلمة، فقدّم مثلا مادة أبا على أبّ.

10- و من ذلك اعتراض بعض العلماء على أقوال ذكرها في كتابه. منها في مادة (سبح)، قال: و قول الشاعر:

[سبحان من علقمة الفاخر]

.

____________

(1) راجع: عمدة الحفاظ (ورقة 1).

29

قيل: تقديره: سبحان علقمة، على طريق التهكم، فزاد فيه «من» ردّا إلى أصله.

و تعقّبه البغدادي، فقال:

و زعم الراغب أنّ سبحان في هذا البيت مضاف إلى علقمة، و من زائدة. و هو ضعيف لغة و صناعة. أمّا الأول فلأنّ العرب لا تستعمله مضافا إلا إلى اللّه، أو إلى ضميره، أو إلى الربّ، و لم يسمع إضافته إلى غيره. و أمّا صناعة فلأنّ «من» لا تزاد في الواجب عند البصريين. راجع: خزانة الأدب 7/ 245.

و منها في مادة (ميد)، قال: و المائدة: الطبق الذي عليه الطعام، و يقال لكلّ واحد منها مائدة. و تعقّبه السمين فقال: و المائدة: الخوان عليه الطعام، فإن لم يكن عليه طعام فليس بمائدة.

هذا هو المشهور إلا أن الراغب قال: ... و ذكر عبارته. انظر: الدر المصون 4/ 502.

- و من ذلك اختياره لوجوه ضعيفة، كقوله في مادة: ربّ: الرباني لفظ سرياني، و قد ردّه السمين في عمدة الحفاظ.

و غير ذلك من المسائل التي تراها في حواشي الكتاب. و في كتاب عمدة الحفاظ أيضا.

و كل هذه الملاحظات لا تقدح في الكتاب، إذ أبى اللّه أن يصحّ إلا كتابه، و كما قال ابن عباس و من بعده الإمام مالك: ما منّا إلا ردّ أو ردّ عليه إلا صاحب هذا المقام، و أشار إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم آله).

و هذا يؤكّد و يبين معنى قوله تعالى: وَ فَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ.

محنة في حياة الراغب:

ذكر الراغب في مقدمة كتابه «حلّ متشابهات القرآن» ما يلي:

فاتفقت خلوة سطوت على وحشتها بالقرآن، و لو لا أنسه لم يكن لي بها يدان، و ذلك بعد ما عملت من كتاب «المعاني الأكبر» و أمليت من «احتجاج القراءات». و كانت هذه الخلوة خلوة عين، لا خلوة قلب، و اضطرار لا عن اختيار، بل لقهر و غلب، في حالة توزّع الرأي فيها مذاهب، و اقتسم الهمّ بها مطالب (1). ا. ه‍.

و الظاهر أنه سجن، لأنه يقول: (خلوة عين)، أي: لم يعد يرى أحدا، لا خلوة قلب لأنّ قلبه ملي‌ء بالهموم و المشاغل، و قوله: (و اضطرار) يؤكد ذلك.

____________

(1) حل متشابهات القرآن (ورقة 1).

30

و يؤكّد هذا عندي أنه ذكر في كتاب «مراتب العلوم» الذي صنّفه غالبا للوزير أبي العباس الضبّي، ما نصه: لكن طال تعجّبي في ذلك من الشيخ الفاضل حرسه اللّه، لأمور رأيته منها طريفة: أحدها: إنكاره عليّ التفوه بلفظ (القوة)، اعتلالا بأنّ هذه اللفظة يستعملها ذوو الفلسفة، و أن أقول بدله: (القدرة)، كأنّه لم يعلم ما بينهما من الفرق في تعارف عوام الناس فضلا عن خواصهم.

ثم ما كان من إبهاماته و تعريضاته، بل تصريحاته، تنفق منه على أشياعه و أتباعه بالوضع مني، و الغضّ مني، و ازدياده بعد المقال مقالا لما رأى مني في مجاوبته جملا ثقالا، و لم أكن أرى بأسا و ضيرا في احتمال شيع شيخ كريم عليّ، بما لا يعود بمعاب في الحقيقة عليّ (1).

و كلامه هذا يوحي بأنه اختلف مع الوزير، و أنّ أتباع الوزير آذوه، و لم يسكت هو له بل ردّ عليه، فلعلّ هذا أدى إلى سجنه. و اللّه أعلم.

و سيأتي مزيد من الكلام على الراغب الأصفهاني في مقدمة فهارس الكتاب الفنية ص 899.

____________

(1) مراتب العلوم (ورقة 2).

31

الشريعة و علوم الحكمة

نبدأ أولا بتعريف علم الحكمة و أقسامها و أصل موردها، ثم تبيين الباطل منها، فنقول:

علم الحكمة:

هو علم يبحث فيه عن حقائق الأشياء على ما هي عليه في نفس الأمر بقدر الطاقة البشرية (1).

و هي من العلوم العقلية، و قد قال ابن خلدون:

و أمّا العلوم العقلية التي هي طبيعية للإنسان من حيث إنه ذو فكر، فهي غير مختصة بملة، بل يوجد النظر فيها لأهل الملل كلهم، و يستوون في مداركها و مباحثها، و هي موجودة في النوع الإنساني منذ كان عمران الخليقة، و تسمى هذه العلوم علوم الفلسفة و الحكمة (2).

- و أهل الحكمة يقسمونها قسمين:

1- حكمة عملية: و هي العلم بما يؤدي إلى إصلاح المعاش و المعاد و العمل به.

2- حكمة نظرية: المقصود منها ما حصل بالنظر.

و يقول الشهرزوري:

و إذا كانت الحكمة عبارة عن معرفة أعيان الموجودات على ما هي عليها لا غير، فالأسماء تختلف بحسب اختلاف طرق التعليم، فإن أدركها بعضهم بزمان يسير من غير تعلّم بشري، و كان مأمورا من الملأ الأعلى بإصلاح النوع الإنساني سمّيت نبوّة، و إن كان بالتعلم و الدراسة سمّيت فلسفة.

____________

(1) راجع: كشف الظنون 1/ 676.

(2) انظر: مقدمة ابن خلدون ص 399.

32

و في الحقيقة الحكيم المطلق هو اللّه تعالى، و كلّ من أدرك من المعقولات نصيبا سمّي على سبيل التجوّز و الاستعارة حكيما لدنوّه من اللّه تعالى و تشبّهه به (1).

- و أمّا حكمة الإشراق فهي من العلوم الفلسفية بمنزلة التصوف من العلوم الإسلامية، كما أنّ الحكمة الطبيعية الإلهية بمنزلة الكلام منها.

و بيان ذلك أنّ السعادة العظمى و المرتبة العليا للنفس الناطقة هي معرفة الصانع بما له من صفات الكمال، و التنزّه عن النقصان.

و الطريق إلى هذه المعرفة من وجهين:

1- طريقة أهل النظر و الاستدلال، 2- و طريقة أهل الرياضة و المجاهدات.

و السالكون للطريقة الأولى إن التزموا ملة من ملل الأنبياء فهم المتكلمون، و إلا فهم الحكماء المشاءون.

و السالكون للطريقة الثانية إن وافقوا في رياضتهم أحكام الشرع فهم الصوفية، و إلا فهم الحكماء الإشراقيون.

و علوم الفلسفة و الحكمة سبعة:

المنطق، و هو المقدّم، و بعده التعاليم فالارتماطيقي أولا ثم الهندسة ثم الهيئة ثم الموسيقى ثم الطبيعيات ثم الإلهيات.

- و أكثر من عني بها من الأجيال فارس و الروم.

و لما فتح المسلمون بلاد فارس، و أصابوا من كتبهم، كتب سعد بن أبي وقاص إلى عمر بن الخطاب يستأذنه في شأن كتبها، و تنفيلها للمسلمين، فكتب إليه عمر أن اطرحوها في الماء، فإن يكن ما فيها هدى فقد هدانا اللّه بأهدى منه، و إن يكن ضلالا فقد كفانا اللّه، فطرحوه في الماء أو في النار فذهبت علومهم.

و لم تدخل في الصدر الأول في علوم المسلمين، و صانهم اللّه عنها.

و أمّا الروم فكان لهذه لعلوم عندهم شأن عظيم، و يزعمون أن سند تعليمهم يتصل بلقمان الحكيم.

و لما ظهر الإسلام بعث أبو جعفر المنصور إلى ملك الروم أن يبعث إليه بكتب التعاليم مترجمة، فبعث إليه بكتاب إقليدس و بعض كتب الطبيعيات، و قرأها المسلمون و اطلعوا

____________

(1) انظر: نزهة الأرواح و روضة الأفراح 1/ 8- 9.

يريد بذلك التخلّق بأخلاق اللّه، كما ورد ذلك في الحديث الشريف.

33

على ما فيها، و لما تولّى الخلافة المأمون كتب إلى بعض ملوك النصارى يطلب منه خزانة كتب اليونان، و كانت عندهم مجموعة في بيت لا يظهر عليه أحد، فجمع الملك خواصه من ذوي الرأي و استشارهم في ذلك، فكلهم أشار إليه بعدم تجهيزها إليه إلا واحدا، فإنه قال:

جهزها إليهم، فما دخلت هذه العلوم على دولة شرعية إلا أفسدتها و أوقعت بين علمائها (1).

و كان الشيخ ابن تيمية يقول: ما أظن أن اللّه يغفل عن المأمون، و لا بد أن يقابله على ما اعتمد مع هذه الأمة من إدخاله هذه العلوم الفلسفية بين أهلها.

و أول من أدخل الفلسفة الأندلس أمير الأندلس عبد الرحمن بن الحكم، كان يشبّه بالمأمون العباسي في طلب الكتب الفلسفية.

الجمع بين الشريعة و الحكمة:

و يقال: أول من خلط المنطق بأصول المسلمين أبو حامد الغزالي.

و الذي نراه أنّ الراغب الأصفهاني بدأ هذه المحاولة قبل الغزالي، حيث قال الشهرزوري في ترجمته: (و هو الذي جمع بين الشريعة و الحكمة في تصانيفه) (2).

و الغزالي حاول الجمع بين الشريعة و الحكمة، و هو أحسن من جمع بينهما، و يتجلى ذلك في كتابه الكبير «إحياء علوم الدين»، لكنه مع ذلك لم يخل من انتقادات، و كتابه الإحياء قمة في الإنتاج العلمي، و مع ذلك فقد حذّر العلماء من بعض المواضع فيه. و قال أبو المظفر سبط ابن الجوزي: «الإحياء» وضعه على مذاهب الصوفية، و ترك فيه قانون الفقه، فأنكروا عليه ما فيه من الأحاديث التي لم تصح (3).

و ممن حاول الجمع بينهما تاج الدين الشهرستاني، فقد كان يصنف تفسيرا، و يؤوّل الآيات على قوانين الفلسفة و الحكمة، فقال له ظهير الدين البيهقي: هذا عدول عن الصواب، و القرآن لا يفسّر إلا بتأويل السلف و التابعين، و الحكمة بمعزل عن تفسير القرآن، خصوصا ما كنت تؤوله، و لا تجمع بين الشريعة و الحكمة أحسن مما جمعه الغزالي، فامتلأ غضبا (4). و الشهرستاني متوفى سنة 548 ه‍.

و لابن رشد كتاب فصل المقال فيما بين الشريعة و الحكمة من الاتصال (5).

____________

(1) انظر: الغيث المسجم شرح لامية العجم للصفدي 1/ 79، و صون المنطق و الكلام للسيوطي ص 9.

(2) انظر: نزهة الأرواح 1/ 44.

(3) انظر: كشف الظنون 1/ 24.

(4) انظر: نزهة الأرواح 2/ 59.

(5) الوافي 2/ 114.

34

ثم فشت الفلسفة و انتشرت، و كان ابتداء فشوّها في المتأخرين ما ذكره الحافظ ابن كثير في تأريخه سنة 672 ه‍ قال:

بعد أخذ التتار بغداد سنة (656 ه‍) عمل الخواجا نصير الطوسي الرصد، و عمل دار حكمة فيها فلاسفة، لكل واحد في اليوم ثلاثة دراهم، و دار طبّ فيها للحكيم درهمان، و صرف لأهل دار الحديث لكل محدث نصف درهم في اليوم.

و من ثمّ فشا الاشتغال بالعلوم الفلسفية و ظهر (1).

و كانت سوق الفلسفة و الحكمة نافقة في الروم أيضا بعد الفتح الإسلامي إلى أواسط الدولة العثمانية، و كان في عصرهم فحول ممن جمع بين الحكمة و الشريعة كالعلامة شمس الدين الفناري، و الفاضل قاضي زاده الرومي و غيرهم (2).

و لأبي علي عيسى بن زرعة البغدادي رسالة في أنّ علم الحكمة أقوى الدواعي إلى متابعة الشريعة، و فيها يقول: من قال: إن الحكمة تفسد الشريعة فهو الطاعن في الشريعة (3).

و بعد ذلك نقول: كلّ من اشتغل بعلوم الحكمة ممن التزم ملة من ملل الأنبياء بقي على طريقته و حاول الجمع بينها و بين الشريعة فسدّد و قارب، و لكنه لم يخل من انتقادات.

و أمّا من سلك طريق الحكماء المشاءين الذين لم يلتزموا ملة من الملل، أو طريق الحكماء الإشراقيين الذين لم يوافقوا في رياضتهم أحكام الشرع فقد زلّت به القدم و ربما وصل إلى الكفر و الارتداد، إذ لم يستطع الجمع بين الشريعة و الحكمة فردّ ما جاءت به الشريعة، و انتصر لقول الحكماء.

و في الختام نذكر طائفة من أقوال السلف:

قول السلف في ذم العلوم الكلامية و الفلسفية:

قال الشافعي: ما جهل الناس و لا اختلفوا إلا لتركهم لسان العرب، و ميلهم إلى لسان أرسطاطاليس (4).

قال السيوطي: و لم ينزل القرآن و لا أتت السّنة إلا على مصطلح العرب و مذاهبهم في‌

____________

(1) انظر: البداية و النهاية 13/ 283.

(2) راجع: كشف الظنون 1/ 680.

(3) انظر: نزهة الأرواح 2/ 99- 100.

(4) انظر: صون المنطق و الكلام عن فن المنطق و الكلام ص 15.

35

المحاورة و التخاطب و الاحتجاج و الاستدلال، لا على مصطلح اليونان، و لكل قوم لغة و اصطلاح، و قد قال تعالى: وَ مٰا أَرْسَلْنٰا مِنْ رَسُولٍ إِلّٰا بِلِسٰانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ [إبراهيم/ 4].

و قال عمر بن عبد العزيز لرجل سأله عن شي‌ء من الأهواء: عليك بدين الصبي الذي في الكتّاب و الأعراب، و الْهَ عما سواهما.

و‌

قال مالك: ما قلّت الآثار في قوم إلا ظهرت فيهم الأهواء، و لا قلّت العلماء إلا ظهر في الناس الجفاء.

و‌

قال القاضي أبو يوسف: من طلب الدين بالكلام تزندق

. و قال الغزالي: أكثر الناس شكا عند الموت أهل الكلام (1).

و أنشد الخطابي:

حجج تهافت كالزجاج تخالها * * *حقا، و كلّ كاسر مكسور

أمثلة من جمع الراغب بين الشريعة و الحكمة:

نقول أولا: إن القاعدة التي اتّبعها الراغب في الجمع بينهما أنه جعل الشريعة هي الأساس و الميزان، ثم عرض كلام الحكماء عليها، فما وافق قبله، و ما لا فلا، لذلك نجده يقول في كتابه الذريعة: (واجب على الحكيم العالم النحرير أن يقتدي بالنبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم آله) فيما‌

قال:

إنّا معاشر الأنبياء أمرنا أن ننزّل الناس منازلهم (2)، و نكلم الناس بقدر عقولهم) (3).

فمن ذلك قوله:

قيل لبعض الحكماء: هل من موجود يعمّ الورى؟ فقال: نعم أن تحسن خلقك، و تنوي لكل أحد خيرا (4).

ثم يتبعه بما يقابله من الشريعة فيقول: و‌

قال (صلّى اللّه عليه و سلم آله): «إنّكم لن تسعوا النّاس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم» (5).

____________

(1) انظر: نقض المنطق لابن تيمية ص 26.

(2) الحديث أخرجه مسلم تعليقا في مقدمة صحيحه، مع بعض الاختلاف، و انظر: كشف الخفاء 1/ 194. و الشطر الثاني «أمرنا أن نكلّم الناس على قدر عقولهم» رواه الديلمي بسند ضعيف عن ابن عباس مرفوعا.

(3) انظر: الذريعة ص 121.

(4) انظر: الذريعة ص 46.

(5) الحديث أخرجه الحاكم و البزّار و ابن عديّ و البيهقي عن أبي هريرة. انظر: كشف الخفاء 1/ 217.

36

و من ذلك قوله:

قال بعض الحكماء: قلّ صورة حسنة يتبعها نفس ردية، فنقش الخواتيم مقروء من الطين، و طلاقة الوجه عنوان ما في النفس، و ليس في الأرض شي‌ء إلا و وجهه أحسن ما فيه.

و‌

قال النبي عليه الصلاة و السلام: اطلبوا الحاجات من حسان الوجوه (1).

و‌

قال عمر رضي اللّه عنه: إذا بعثتم رسلا فاطلبوا حسن الوجه و حسن الاسم.

و من ذلك قولهم: من جهل شيئا عاداه، و الناس أعداء ما جهلوا (2).

و قال اللّه تعالى: وَ إِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ: هٰذٰا إِفْكٌ قَدِيمٌ [الأحقاف/ 11].

و من ذلك قوله:

حقّ المعلم أن يجري متعلميه منه مجرى بنيه، فإنه في الحقيقة أشرف من الأبوين، كما قال الإسكندر- و قد سئل: أ معلمك أكرم عليك أم أبوك؟- قال: بل معلمي، لأنه سبب حياتي الباقية، و والدي سبب حياتي الفانية (3).

و قد نبّه (صلّى اللّه عليه و سلم آله) على ذلك‌

بقوله: «إنما أنا لكم مثل الوالد أعلمكم» (4).

و من ذلك قول بعض الحكماء (5): الحلافة تدل على كذب أربابها، لأنّ ذلك لقلّة الركون إلى كلامهم. و قد قال تعالى: وَ لٰا تَشْتَرُوا بِآيٰاتِي ثَمَناً قَلِيلًا* [البقرة/ 41]، و قال تعالى: وَ لٰا تَجْعَلُوا اللّٰهَ عُرْضَةً لِأَيْمٰانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا [البقرة/ 224].

و من ذلك قوله:

قال بعض الحكماء: مثل طالب معرفته مثل من طوّف في الآفاق في طلب ما هو معه (6) و اللّه تعالى يقول: وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مٰا كُنْتُمْ [الحديد/ 4]، وَ هُوَ الَّذِي فِي السَّمٰاءِ إِلٰهٌ وَ فِي الْأَرْضِ إِلٰهٌ [الزخرف/ 84].

و ليس كل ما جاء به الحكماء يوافق الشريعة، ففي باب القناعة ذكر الشيخ‌

قول النبي (صلّى اللّه عليه و سلم آله): «تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس و انتكس، و إذا شيك فلا

____________

(1) الحديث أخرجه الطبراني و الدارقطني و تمّام و البخاري في تاريخه. انظر: كشف الخفاء 1/ 137.

(2) انظر: الذريعة ص 112.

(3) انظر: الذريعة ص 119.

(4) الحديث أخرجه أحمد و أبو داود و النسائي و ابن ماجة و ابن حبان. انظر: الفتح الكبير 1/ 437.

(5) انظر: الذريعة ص 145.

(6) انظر: المفردات مادة (بطن).

37

انتقش» (1)

، ثم يقول:

قيل لحكيم: لم لا تغتم؟ قال: لأني لم أجد ما يغمّني (2).

قال الراغب: و اعلم أنّ الزهد ليس من ترك المكاسب في شي‌ء، كما توهمه قوم أفرطوا حتى قربوا من مذهب المانوية و البراهمة و الرهابنة، فإنّ ذلك يؤدي إلى خراب العالم، و مضادة اللّه فيما قدّر و دبّر، ثم قال: و لأنّ الزاهد في الدنيا راغب في الآخرة، فهو يبيعها بها، ثم قال تعالى: إِنَّ اللّٰهَ اشْتَرىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَ أَمْوٰالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ [التوبة/ 111]، و محال أن يبيع كيّس عينا بأثر إلا إذا عرفها عارف، و عرف فضل المبتاع على المبيع.

و‌

قيل لبعض الزهاد: ما أزهدك و أصبرك! فقال: أمّا زهدي فرغبة فيما هو أعظم مما أنا فيه، و أما صبري فلجزعي من النار.

هذا آخر ما أوردناه في هذا الباب، وَ الْحَمْدُ لِلّٰهِ رَبِّ الْعٰالَمِينَ*.

وفاته:

كما اختلف في اسم الراغب، و عقيدته، و مذهبه الفقهي، و عصره، كذلك اختلف في تاريخ وفاته:

- فالسيوطي ذكر أنها في أوائل المائة الخامسة (3).

- و الذهبي- و قد ذكره في الطبقة الثانية و الأربعين- قال: يسأل عنه في هذه إن شاء اللّه تعالى (4).

و هذه الطبقة تبدأ وفياتها بسنة 440 ه‍ و تنتهي في حدود سنة 470 ه‍.

- و حاجي خليفة قال: وفاته سنة 502 ه‍ (5)، و تبعه في ذلك بروكلمان.

- و صاحب هدية العارفين ذكر أنّ وفاته سنة 500 ه‍.

- و في فهرس الخزانة التيمورية أنّ وفاته سنة 503 ه‍.

- و الزّركلي في «الأعلام»، ذكر أنه سنة 502 ه‍، و مثله عمر رضا كحالة.

- و محمد كرد علي أشار في حاشية ترجمة الراغب في كتاب «تاريخ الحكماء»‌

____________

(1) الحديث أخرجه البخاري و ابن ماجة. انظر: كشف الخفاء 1/ 307.

(2) انظر: الذريعة ص 166.

(3) انظر: بغية الوعاة 2/ 297.

(4) انظر: سير أعلام النبلاء 18/ 120.

(5) انظر: كشف الظنون 1/ 36.

38

للبيهقي إلى أنّ وفاته سنة 402 ه‍، ثم ذكر في تقريظه لكتاب المفردات في مجلته المقتبس 2: 98 أنّ وفاته كانت سنة 503 ه‍.

و في مجلة المجمع العلمي العربي 24/ 275 أنّ وفاته سنة 452 ه‍.

- و ذكر عدنان الجوهرجي أنّه رأى نسخة مخطوطة نادرة من كتاب «المفردات» في مكتبة السيد «محمد لطفي الخطيب» في دمشق، و أنها نسخت سنة 409 ه‍ و في وسط الكتاب تعليق على حاشية الكتاب ذكر فيه أنّ هذا الكتاب بخط الراغب الأصفهاني، و أنه ولد في مستهلّ رجب من شهور سنة 343 ه‍ في قصبة أصبهان و توفي سنة 412 ه‍ اثني عشر و أربعمائة.

و هو ما وجده بخط أبي السعادات (1).

فلم يعلم أ هو أبو السعادات ابن الشجري، أم أبو السعادات ابن الأثير؟.

بعد كل هذا نقول: إن الأرجح أنّ وفاته في حوالي سنة 425 ه‍. و هذا يتفق مع ما ذكره السيوطي، و يقارب ما ذكره الذهبي، و يقارب ما وجد على النسخة الخطية في دمشق.

و الذي يؤكد لنا هذا، و يبعد ما وجد على النسخة الخطية الدمشقية أنه 412 ه‍ أنه نقل عن أبي منصور الجبان من كتابه «الشامل في اللغة». و قد ذكر ياقوت و السيوطي أنّ الجبّان أقرأ كتابه «الشامل» في أصفهان سنة 416 ه‍.

و أيضا فإنّ الراغب ألّف كتابه في متشابهات القرآن بعد كتاب المفردات.

و هو أيضا ينقل في كتبه عن الشريف الرضي المتوفى 406 ه‍، و مسكويه المتوفى 421 ه‍، و أبي القاسم ابن أبي العلاء المتوفى في حدود 420 ه‍، و أبي القاسم بن بابك المتوفى سنة 410 ه‍، و غيرهم، مما يؤكد ما ذكرناه (2).

فهذا ما توصلنا إليه، و نسأل اللّه التوفيق و السداد، فإن أصبنا الحق فبتوفيق اللّه، و إن أخطأنا فمن أنفسنا. و آخر دعوانا أَنِ الْحَمْدُ لِلّٰهِ رَبِّ الْعٰالَمِينَ.

صفوان داودي‌

____________

(1) انظر: مجلة اللغة العربية بدمشق، الجزء الأول، المجلد الحادي و الستون، ربيع الثاني سنة 1406 ه‍ كانون الثاني 1986 م، ص 194.

(2) و انظر مقدّمة فهارس الكتاب الفنية ص 899.

39

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

40

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

41

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

42

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

43

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

44

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

45

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

46

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

47

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

48

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

49

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

50

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

51

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

52

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

53

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

مقدّمة المؤلف

[أعبد اللّه و أحمده، و أذكره و أشكره، الْحَمْدُ لِلّٰهِ رَبِّ الْعٰالَمِينَ، وَ الْعٰاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ، و الصلاة على خير خلقه، و مظهر حقّه، محمّد خاتم النبيين، و سيد المرسلين، و مؤمّل الخلق أجمعين، و على آله و صحبه أجمعين] (1). قال الشيخ أبو القاسم الحسين بن محمد بن المفضل الراغب (رحمه اللّه):

أسأل اللّه أن يجعل لنا من أنواره نورا يرينا الخير و الشر بصورتيهما، و يعرّفنا الحق و الباطل بحقيقتيهما، حتى نكون ممّن يَسْعىٰ نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ بِأَيْمٰانِهِمْ، و من الموصوفين بقوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ [الفتح/ 4]، و بقوله:

أُولٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمٰانَ وَ أَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ [المجادلة/ 22].

كنت قد ذكرت في «الرسالة المنبهة على فوائد القرآن» (2) [أنّ اللّه تعالى كما جعل النبوّة بنبوة نبيّنا مختتمة، و جعل شرائعهم بشريعته من وجه منتسخة، و من وجه مكمّلة متمّمة كما قال تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلٰامَ دِيناً [المائدة/ 3]، جعل كتابه المنزّل عليه متضمّنا لثمرة كتبه، التي أولاها أوائل الأمم، كما نبّه عليه بقوله تعالى: يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً* فِيهٰا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ [البينة/ 2- 3]، و جعل من معجزة هذا الكتاب أنه- مع قلّة الحجم- متضمّن للمعنى الجمّ، و بحيث تقصر الألباب البشرية عن إحصائه، و الآلات الدنيوية عن استيفائه، كما نبّه عليه بقوله تعالى: وَ لَوْ أَنَّ مٰا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلٰامٌ وَ الْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مٰا نَفِدَتْ كَلِمٰاتُ اللّٰهِ إِنَّ اللّٰهَ عَزِيزٌ

____________

(1) ما بين [] زيادة من المحمودية.

(2) لم نعثر عليها. و ما بين القوسين نقله السيوطي عن الراغب في كتابه «معترك الأقران» 1/ 22، و الإتقان 2/ 163.

54

حَكِيمٌ [لقمان/ 27]. و أشرت في كتاب «الذريعة إلى مكارم الشريعة» (1) أن القرآن- و إن كان لا يخلو الناظر فيه من نور ما يريه، و نفع ما يوليه- فإنه:

1- كالبدر من حيث التفتّ رأيته * * *يهدي إلى عينيك نورا ثاقبا

2- كالشّمس في كبد السّماء و ضوءها * * *يغشى البلاد مشارقا و مغاربا (2)

لكن محاسن أنواره لا يثقّفها إلا البصائر الجليّة، و أطايب ثمره لا يقطفها إلا الأيدي الزكية، و منافع شفائه لا ينالها إلا النفوس النقيّة، كما صرّح تعالى به فقال في وصف متناوليه: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ* فِي كِتٰابٍ مَكْنُونٍ* لٰا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ [الواقعة/ 77- 79].

و قال في وصف سامعيه: قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَ شِفٰاءٌ وَ الَّذِينَ لٰا يُؤْمِنُونَ فِي آذٰانِهِمْ وَقْرٌ وَ هُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى [فصلت/ 44].

و ذكرت أنه كما لا تدخل الملائكة الحاملة للبركات بيتا فيه صورة أو كلب، كذلك لا تدخل السكينات الجالبة للبينات قلبا فيه كبر و حرص، ف‍ الْخَبِيثٰاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَ الْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثٰاتِ، وَ الطَّيِّبٰاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَ الطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبٰاتِ، و دلّلت في تلك الرسالة (3) على كيفية اكتساب الزاد الذي يرقى كاسبه في درجات المعارف، حتى يبلغ من معرفته أقصى ما في قوة البشر أن يدركه من الأحكام و الحكم، فيطّلع من كتاب اللّه على ملكوت السموات و الأرض، و يتحقق أنّ كلامه كما وصفه بقوله: مٰا فَرَّطْنٰا فِي الْكِتٰابِ مِنْ شَيْ‌ءٍ [الأنعام/ 38].

جعلنا اللّه ممن تولّى هدايته حتى يبلّغه هذه المنزلة، و يخوّله هذه المكرمة، فلن يهديه البشر من لم يهده اللّه، كما قال تعالى لنبيّه (صلّى اللّه عليه و سلم آله): إِنَّكَ لٰا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَ لٰكِنَّ اللّٰهَ يَهْدِي مَنْ يَشٰاءُ [القصص/ 56].

و ذكرت أنّ أول ما يحتاج أن يشتغل به من علوم القرآن العلوم اللفظية، و من العلوم اللفظية تحقيق الألفاظ المفردة، فتحصيل معاني مفردات ألفاظ القرآن في كونه من أوائل المعاون لمن يريد أن يدرك معانيه، كتحصيل اللّبن في كونه من أول المعاون في بناء ما يريد أن يبنيه، و ليس ذلك نافعا في علم القرآن فقط، بل هو نافع في كلّ علم من علوم الشرع‌

____________

(1) الكتاب مطبوع بمكتبة الكليات الأزهرية بمصر عام 1973 م 1393 ه‍. و انظر الذريعة ص 116.

(2) البيتان لأبي الطيب المتنبي، و هما في شرح ديوانه 1/ 130، و الوساطة بين المتنبي و خصومه ص 262، و معترك الأقران 1/ 23.

(3) أي: الذريعة، و هذا ذكره في الباب الحادي عشر: كون طهارة النفس شرطا في صحة خلافة اللّه تعالى و كمال عبادته. انظر: الذريعة إلى مكارم الشريعة ص 29.