هدى الطالب في شرح المكاسب‌ - ج3

- السيد محمد جعفر المروج الجزائري المزيد...
629 /
5

الجزء الثالث

[تتمة كتاب البيع]

[المقبوض بالعقد الفاسد]

مسألة: (1) لو قبض ما ابتاعه

____________

المقبوض بالعقد الفاسد

(1) هذه المسألة- بما لها من الفروع- من مهمات مسائل المعاملات، و قد تعرّض لها المصنف (قدّس سرّه) بعد الفراغ من المقدمة الباحثة عمّا يعتبر في صيغة البيع مادّة و هيئة، كالظهور الوضعي و تقديم الإيجاب على القبول و الموالاة بينهما و التنجيز و غيرها ممّا تقدم البحث فيه تفصيلا. إذ يتّجه حينئذ البحث عن حكم المقبوض بالعقد المختلّ بعض شرائطه، بحيث لم يؤثّر في النقل و التمليك.

و لا يخفى أنّ فساد العقد كما ينشأ من فقد شرط الصيغة، كذلك ينشأ من خلل في ما اعتبره الشارع في المتعاقدين أو العوضين، على ما استظهره المصنف في ثامن تنبيهات المعاطاة بقوله: «لأنّ مرادهم بالعقد الفاسد إمّا خصوص ما كان فساده من جهة مجرّد اختلال شروط الصيغة .. و إمّا ما يشمل هذا و غيره، كما هو الظاهر» (1).

و كيف كان فالمقبوض بالبيع الفاسد موضوع لأحكام سيأتي بيانها بالترتيب إن شاء اللّه تعالى.

الأوّل: عدم دخوله في ملك القابض.

الثاني: كون القابض ضامنا له.

____________

(1) راجع هدى الطالب، ج 2، ص 280

6

بالعقد (1) الفاسد لم يملكه، و كان مضمونا عليه (2).

[الأمر الأول المتفرع على المقبوض بالعقد الفاسد: عدم الملك]

أمّا عدم الملك فلأنّه مقتضى فرض الفساد (3).

____________

الثالث: وجوب ردّه فورا إلى المالك مع بقائه. و وجوب ردّ بدله- من المثل أو القيمة على تقدير تلفه- إليه. و يتفرّع على هذا- بالنسبة إلى المثلي- حكم تعذر المثل، أو وجوده لكن بأكثر من قيمته المتعارفة. و بالنسبة إلى القيميات يقع البحث عن تعيّن قيمة يوم التلف أو يوم الأداء أو غير ذلك على تقدير اختلاف قيم المقبوض بالبيع الفاسد.

الرابع: ضمان منافعه المستوفاة، بل الفائتة أيضا. و غير ذلك ممّا سيأتي بالتفصيل إن شاء اللّه تعالى.

و المقصود بالبحث فعلا هو الأوّلان أعني بهما عدم الملك و ضمان المقبوض بالبيع الفاسد.

(1) الباء للسببية، يعني: أنّ القبض نشأ من البناء على سببية العقد للملكية و تأثيره فيها، فيكون القبض بعنوان الوفاء بالعقد، لا بعنوان إنشاء النقل، إذ لو علما بفساد العقد و تقابضا بقصد إنشاء البيع كان معاطاة، على ما سبق التصريح به في ثامن تنبيهات المعاطاة بقوله: «نعم إذا حصل إنشاء آخر بالقبض المتحقق بعده، تحقق المعاطاة» (1).

(2) كذا عنون المسألة في الشرائع (2). و قريب منه ما في قواعد العلّامة، حيث قال: «و لو قبض المشتري بالعقد الفاسد لم يملك، و ضمن» (3).

(3) لأنّ فساد الناقل عبارة عن عدم ترتب الأثر المقصود من العقد عليه، كالملكية المقصودة من البيع، فمقتضى عدم تحققه هو بقاء كلّ من المالين على ملك مالكه.

____________

(1) هدى الطالب، ج 2، ص 274.

(2) شرائع الإسلام، ج 2، ص 13.

(3) قواعد الأحكام، ص 47 (الطبعة الحجرية).

7

[أدلة ضمان المقبوض بالعقد الفاسد]

و أمّا الضمان- بمعنى (1) كون تلفه عليه (2)، و هو أحد الأمور المتفرّعة على القبض بالعقد الفاسد- فهو المعروف (3).

____________

و لا حاجة إلى التمسك بأصالة عدم الانتقال، و ذلك لعدم الشك حتى يجري فيه الأصل، فإنّه بعد العلم بفساد العقد واقعا يعلم بعدم انتقال المالين عن مالكيهما، و معه لا شك حتى يعالج بالأصل.

و ادّعى صاحب الجواهر (قدّس سرّه) عدم الخلاف في هذا الحكم، و استدلّ عليه «بالإجماع بقسميه و بالأصل، بعد فرض بطلان السبب الذي أريد التسبّب به إلى الانتقال، و فرض عدم إرادة غيره من أسباب الملك حتى المعاطاة» (1)، فراجع.

(1) هذا المعنى للضمان سيأتي تفصيله إن شاء اللّه تعالى قريبا في ما يتعلق بشرح مفردات قاعدة «ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده».

(2) لا بمعنى كون إتلافه عليه، لأنّه مما لا إشكال و لا خلاف فيه، حيث إنّه مقتضى قاعدة الإتلاف، فالضمان الذي اشتهر بين الأصحاب هو بمعنى كون تلف المقبوض- بالعقد الفاسد- عليه.

أدلة ضمان المقبوض بالعقد الفاسد أ: الإجماع

(3) و في الجواهر أيضا: «بلا خلاف أجده فيه، بل الإجماع بقسميه عليه، لعموم على اليد» (2). و لا يخفى أن ما في المتن من «أن الضمان هو المعروف» لا ينافي الإجماع- المنقول عن شيخ الطائفة- على الضمان، و ذلك للفرق بين التعبير بالمعروف و المشهور، فالمشهور مشعر بوجود قول آخر في المسألة، بل هو ظاهر فيه. بخلاف المعروف، فإنّه مساوق لتعبير الجواهر من عدم الظفر بالخلاف، و من المعلوم أنّ عدم وجدان الخلاف يلتئم مع الإجماع المدّعى في المبسوط.

____________

(1) جواهر الكلام، ج 22، ص 256

(2) المصدر، ص 257

8

[أ: الإجماع]

و ادّعى الشيخ في باب الرّهن، و في موضع من البيع الإجماع عليه (1) صريحا. و تبعه (2) في ذلك فقيه عصره في شرح القواعد.

و في السرائر: «أنّ (3) البيع الفاسد يجري عند المحصّلين مجرى الغصب في

____________

(1) أي: على الضمان، و هذا الإجماع هو الدليل الأوّل في المسألة، و قد ادّعاه الشيخ (قدّس سرّه) في مسألة ما إذا شرط أحدهما في الرّهن شرطا فاسدا، ككون العين المرهونة مبيعا لو لم يؤدّ المديون الدّين إلى المرتهن، قال في المبسوط: «إذا رهن رجل عند غيره شيئا بدين إلى شهر- على أنّه إن لم يقبض إلى محلّه كان بيعا منه بالدّين الذي عليه- لم يصح الرّهن و لا البيع إجماعا، لأنّ الرّهن موقّت، و البيع متعلق بزمان مستقبل. فإن هلك هذا الشي‌ء في يده في الشّهر لم يكن مضمونا عليه، لأنّ صحيح الرّهن غير مضمون عليه فكيف بفاسده؟ و بعد الأجل فهو مضمون عليه، لأنّه في يده بيع فاسد، و البيع الصحيح و الفاسد مضمون عليه إجماعا» (1) و لا يخفى صراحة الجملة الأخيرة في كون المقبوض بالبيع الفاسد مضمونا على القابض.

و قال أيضا في كتاب البيع- في حكم المقبوض بالعقد الفاسد- ما لفظه: «فإذا ثبت أنّ البيع فاسد، نظر، فإن كان المبيع قائما أخذه مالكه .. و إن كان تالفا كان له أن يطالب بقيمته كل واحد منهما، لأنّ الأوّل لم يبرء بتسليمه إلى الثاني، لأنّه سلّمه بغير إذن صاحبه، و المشتري الثاني قبضه مضمون بالإجماع» (2).

(2) يعني: تبع الفقيه كاشف الغطاء- في شرح القواعد- شيخ الطائفة (قدّس سرّهما) في دعوى الإجماع صريحا على ضمان المقبوض بالبيع الفاسد.

(3) دلالة كلام ابن إدريس (قدّس سرّه) على الإجماع من جهة أنه نسب إلى محصّلي الأحكام الشرعية- و هم الفقهاء- اتحاد المقبوض بالعقد الفاسد و المغصوب في الحكم بالضمان.

____________

(1) المبسوط في فقه الإمامية، ج 2، ص 204

(2) المبسوط في فقه الإمامية، ج 2، ص 150

9

الضمان» (1). و في موضع آخر نسبه (1) إلى «أصحابنا» (2).

[ب: الحديث النبوي «على اليد ..»]

و يدلّ عليه (2) النبويّ المشهور «على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي» (3).

____________

(1) نسبة الضمان إلى «أصحابنا» ظاهرة في الإجماع و إن لم تكن صريحة فيه، قال في السرائر: «و من ابتاع بيعا فاسدا، فهلك المبيع في يده، أو حدث فيه فساد كان ضامنا لقيمته أكثر ما كانت إلى يوم التلف و الهلاك، و لأرش ما نقص من قيمته بفساده، لأنّه باق على ملك صاحبه، ما انتقل عنه، فهو عند أصحابنا بمنزلة الشي‌ء المغصوب، إلّا في ارتفاع الإثم بإمساكه».

ب: الحديث النبوي «على اليد ..»

(2) يعني: و يدلّ على ضمان المقبوض بالبيع الفاسد- مضافا إلى تظافر نقل الإجماع عليه حديث «على اليد» و هذا هو الدليل الثاني. و الاستدلال به يقع في مقامين أحدهما السند، و الآخر الدلالة. أمّا الأوّل فقد نبّه عليه المصنف (قدّس سرّه) بتوصيف هذا النبوي ب‍ «المشهور» و مقصوده: أنّ سنده و إن كان في غاية الضعف- بل من أردء الإسناد، لكون راويه عن الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) هو سمرة بن جندب لعنه اللّه، و عناده للنبي و أهل بيته (عليه السلام) و وقوفه بوجهه في حديث نفي الضرر معلوم، و كذلك افتراؤه و اختلاق الأكاذيب عليه و حثّ الناس على قتال السبط الشهيد (عليه السلام) غير خفي على من راجع ترجمته- إلّا أن شهرة الحديث بين عامة الفقهاء و عملهم بمضمونه جابرة لضعف سنده، بناء على ما هو الحق من عموم دليل حجيّة الخبر الواحد للوثوق الخبري، و عدم اختصاصه بالوثوق المخبري.

____________

(1) السرائر الحاوي، ج 2، ص 285

(2) المصدر، ص 326

(3) عوالي اللئالي، ج 1، ص 224، الحديث 106

10

..........

____________

و عليه فالغرض من «المشهور» هنا ليس مجرّد شهرة الرواية بين الأصحاب، بل الشهرة العملية فإنّها الجابرة لضعف السند، كما أنّ إعراضهم عن الرواية الصحيحة كاسر لصحتها. و قد نبّه المصنف على هذه الجهة في قاعدة ما يضمن بقوله: «و أمّا خبر اليد .. و سنده منجبرا» و من المعلوم أنّ الجابر هو اشتهار الفتوى بمضمون الخبر. فلا وجه لطرحه بضعف رواته- بناء على كونه مسندا كما في كتب العامة و في الخلاف- و لا بالإرسال.

و ما في المتن من انجبار الضعف بالعمل- موافق لما عليه عدة من أساطين الفقه، قال العلّامة الشيخ البلاغي (قدّس سرّه): «.. لكنّه قد شاعت روايته بين الفريقين، و كثرت روايته و الاعتماد عليه بين الأصحاب، بل لم يخل من الاعتماد عليه في الاستدلال فيما رأيناه كتاب يتعرّض لمدارك الأحكام، و وصفه في جامع الشتات بالمشهور المقبول، بل ذكر في المضاربة وصفه بالرواية المجمع عليها. و كاشف الغطاء في شرح القواعد بالمستفيض المجمع على مضمونه. و في الرياض بالمشهور المقبول. و في غصب مفتاح الكرامة بالمشهور المعمول به في أبواب الفقه. و في وديعة المقابيس بالقويّة المعروفة المجمع عليها. و في العناوين بالمنجبر بالشّهرة المتلقّى بالقبول عند العامة و الخاصة، و الملحق بالقطعيات في الصدور .. و في الجواهر أنّه مجبور بالعمل» (1).

هذا بعض الكلام في سند الحديث، و له تتمة تذكر في التعليقة إن شاء اللّه تعالى.

و أمّا المقام الثاني- و هو دلالة النبوي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) على ضمان المقبوض بالبيع الفاسد- فتوضيحه: أن هذه الجملة و إن كانت بظاهرها إخبارا عن كون الشي‌ء المأخوذ فوق يد الآخذ، إلّا أنّ المناسب لشأنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) إنشاء الحكم الشرعي،

____________

(1) العقود المفصلة، المطبوعة مع تعليقة المكاسب، ص 2

11

..........

____________

إمّا التكليفي كما نسب إلى جمع، و إمّا الوضعي كما استظهره آخرون. و يتمّ ذلك ببيان أمرين:

الأوّل: أنّ المراد باليد ليس هو الجارحة الخاصة، بل المراد صاحبها، تسمية للكل باسم الجزء، كما شاع تسمية الجاسوس عينا، و الترجمان لسانا، و المستمع أذنا.

و عليه فالمقصود باليد هو المستولي على الشي‌ء.

الثاني: أنّ المراد بالموصل هو الشي‌ء المأخوذ بما أنّه مال عرفا. و لمّا كان المال عينا خارجية كما هو الغالب، أو ما بحكمها- كالمنفعة و بعض الحقوق- توقّف إسناد الحكم إليها على تقدير فعل مناسب يتعلّق بالمال، كتقدير الأكل في حلية الطعام، و الشرب في حرمة الدم و الخمر، و نحوهما ممّا ورد في الكتاب و السّنة.

و في هذا النبوي يدور الأمر بين إرادة التكليف و الوضع. فعلى الأوّل إمّا أن يقدّر وجوب الرد و الأداء بأن يكون المدلول: «يجب على ذي اليد أداء ما أخذه إلى مالكه» و إمّا أن يقدّر وجوب الحفظ، بأن يكون المفاد: «يجب على ذي اليد حفظ ما أخذه إلى أن يؤدّيه إلى مالكه».

و على الثاني يكون معنى الجملة: «اليد الآخذة لمال الغير ضامنة له». و رجّح المصنف (قدّس سرّه) هذا الاحتمال، بدعوى ظهورها عرفا في الضمان، من جهة إسناد الظرف إلى المال، لا إلى سائر الأعيان و الأفعال، للفرق بين أن يقال: «لزيد عليّ دين» حيث لا يستفاد منه إلّا الإقرار بالدين و اشتغال العهدة به، و بين أن يقال: «كتب عليكم الحج أو الصوم» أو «حرّم عليكم الدّم» فإنّ الظرف- في المثال الأوّل- أسند إلى الفعل و هو الحج و الصوم، و لا يراد به إلّا الوجوب التكليفي، و في المثال الثاني أسند التحريم إلى عين خارجية، و هو ظاهر في النهي عن الشرب و الأكل.

و الحاصل: أنّ ظهور الجملة في الحكم الوضعي- و هو الضمان- ممّا لا ينكر.

و به يتم الاستدلال بالنبوي على ضمان المقبوض بالبيع الفاسد.

12

و الخدشة (1) في دلالته «بأنّ كلمة- على- ظاهرة في الحكم التكليفي،

____________

(1) ذكر هذه الخدشة في دلالة الحديث على ضمان المقبوض بالبيع الفاسد شيخ الطائفة و العلامة و الفاضل النراقي (قدّس سرّه) حيث إنّهم استفادوا منه الحكم التكليفي لا الوضعي، فالأوّلان ذهبا إلى أنّ مفاده وجوب ردّ المأخوذ، و الفاضل ذهب إلى أنّ مدلوله وجوب الحفظ عن التلف.

أمّا شيخ الطائفة (قدّس سرّه) فيظهر منه ذلك في استدلاله بالنبوي على تحريم الغصب و وجوب ردّ المغصوب إلى مالكه. قال في غصب المبسوط بعد ذكر جملة من الآيات و الروايات: «و روي عن الحسن عن سمرة أنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال: على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي» (1). و قال بعده: «فإذا غصب غاصب من هذا شيئا فإن كان قائما ردّه، و إن كان تالفا فعليه مثله، لقوله تعالى فَمَنِ اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ (2)».

و الظاهر أنه (قدّس سرّه) استفاد من الحديث حكم بقاء العين المغصوبة، فاستدلّ بالنبوي على وجود ردّها، و استفاد وجوب ردّ المثل من الآية الشريفة.

و قال أيضا في الوديعة: «و إذا ثبت ذلك فالوديعة جائزة من الطرفين، من جهة المودع متى شاء أن يستردّها فعل. و من جهة المودع متى شاء أن يردّها فعل، بدلالة ما تقدّم من الأخبار و الآي. و روى سمرة أنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال: على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي» (3). و مراده بالآيات و الأخبار هو ما دلّ على وجوب ردّ الأمانات و الودائع إلى أهلها، فراجع.

و أمّا العلّامة (قدّس سرّه) فقال في وجوب ردّ العين المغصوبة: «كلّ من غصب شيئا وجب عليه ردّه على المالك، سواء طالب المالك بردّه أولا، ما دامت العين باقية،

____________

(1) المبسوط في فقه الإمامية، ج 3، ص 59 و 60

(2) سورة البقرة، الآية: 194

(3) المبسوط في فقه الإمامية، ج 4، ص 132

13

فلا يدلّ على الضّمان (1)» ضعيفة (2) جدّا،

____________

بلا خلاف، لقول النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): على اليد ما أخذت حتى تؤدّيه» (1).

و قال في لقطة المختلف: «و قوله (عليه السلام): على اليد ما أخذت حتى تؤدّيه أوجب دفع العين» (2).

و أمّا الفاضل النراقي (قدّس سرّه) فقال- بعد المناقشة في استظهار كلّ من وجوب الأداء و الضمان- ما لفظه: «فالأظهر تقدير الحفظ من الضياع و التلف، أو نحوه .. فيكون معنى الحديث: يجب على ذي اليد حفظ ما أخذت إلى زمان أدائه ..» (3).

و كيف كان فتقريب دلالة الحديث على مجرّد الحكم التكليفي، و اختصاص مدلوله بحال بقاء العين الواقعة تحت اليد هو: أنّ جعل شي‌ء على شخص ظاهر في التكليف، كأن يقال: إذا بلغ الصغير فعليه الصوم و الصلاة. فإنّ المراد بهذه العبارة هو الوجوب التكليفي. و عليه فلا يستفاد من الحديث النبوي حكم وضعي و هو استقرار المال المأخوذ في عهدة الآخذ حتى يجب عليه دفع المثل أو القيمة إذا تلف المال بيده.

(1) يعني: في مطلق موارد وضع اليد على مال الغير، سواء في المقام و هو المقبوض بالبيع الفاسد، أم غيره.

(2) خبر قوله: «و الخدشة» و تضعيف لها، و محصّله: أنّ ظهور «على» في التكليف مسلّم فيما إذا أسند حرف الاستعلاء إلى فعل كالصلاة و الصوم و الحج و نحوها، دون ما إذا أسند إلى مال من الأموال، كقوله تعالى وَ عَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَ كِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ (4) فإنّه ظاهر حينئذ في استقرار النفقة على عهدة الوالد. و كذا الحال في الحديث النبوي، إذ المراد بالموصول في «على اليد ما أخذت»‌

____________

(1) تذكرة الفقهاء، ج 2، ص 383 (الطبعة الحجرية).

(2) مختلف الشيعة، ج 6، ص 87

(3) عوائد الأيام، ص 110، العائدة الثالثة و الثلاثون.

(4) سورة البقرة، الآية: 233

14

فإنّ (1) هذا الظهور إنّما هو إذا أسند الظرف إلى فعل (2) من أفعال المكلّفين، لا إلى مال من الأموال (3)، كما يقال (4): «عليه دين» فإنّ لفظة «على» حينئذ لمجرّد الاستقرار في العهدة (5)، عينا (6) كان أو دينا (7).

و من هنا (8) كان المتّجه صحة الاستدلال به على ضمان الصغير بل المجنون

____________

هو المال، فتكون عهدة المأخوذ على الآخذ، فلو تلف ثبت بدله في ذمّته، و هذا هو الضمان المبحوث عنه.

(1) هذا تقريب ضعف الخدشة، و قد عرفته آنفا.

(2) كالصلاة و الصوم و الزكاة و الحجّ و نحوها من أفعال المكلّفين، فإنّ إسناد «على» إلى الفعل ظاهر في التكليف.

(3) كما في الحديث النبوي.

(4) غرضه الاستشهاد بظهور إسناد حرف الاستعلاء إلى المال في استفادة الحكم الوضعي لا التكليف.

(5) فيصح الاستدلال به على الضمان، بناء على استقلال الأحكام الوضعية في الجعل، و عدم انتزاعها من التكليف.

(6) كما إذا كانت العين المأخوذة بالعقد الفاسد باقية لم يطرأ عليها التلف.

(7) كما إذا تلفت العين، أو كان المستقر في العهدة- من أوّل الأمر- دينا، كالمبيع سلفا.

(8) أي: و من ظهور إسناد «على» إلى المال في الضمان، يتجه الاستدلال بالنبوي المزبور على ضمان الصبي و المجنون كالبالغ و العاقل إذا كان لهما تميّز و شعور، حيث إنّ الأخذ ظاهر في الإرادة و الاختيار. فإن لم يكن لهما شعور لم يصدق «الأخذ» على فعلهما حتّى يصحّ الاستدلال به على الضمان. و لو كان مفاد الحديث الحكم التكليفي امتنع شموله للطفل و المجنون، لحديث رفع القلم عنهما.

15

إذا لم تكن يدهما ضعيفة، لعدم (1) التمييز [التميّز] و الشعور.

____________

(1) تعليل لتقييد ضمان الصبي و المجنون بعدم الضعف، إذ لو كانت يدهما ضعيفة لم يصدق «الأخذ» على الاستيلاء على مال الغير، و كان الحديث النبوي قاصرا عن إثبات ضمانهما حينئذ [1].

____________

[1] تنقيح البحث في هذه المسألة المعروفة بالمقبوض بالعقد الفاسد يتوقف على بيان أمور:

الأوّل: في موضوعها، و هو: أنّ مورد البحث على ما يستفاد من كلمات الأصحاب هو كون القبض بعنوان الوفاء بالعقد و من لوازمه و آثاره. و عدم كونه بنفسه إنشاء للملك كالمعاطاة، فإنّ الباء في قوله: «بالعقد الفاسد» للسببيّة، فالقبض بعنوان الإنشاء خارج عن ظاهر كلامهم. إمّا لعدم سببيّة المعاطاة للملك عندهم، و إمّا لعدم قصد المتعاقدين لها، فمصبّ كلامهم هو القبض المترتب على العقد الفاسد، و لذا قال في الجواهر: «نعم لو علم منهما و لو بالقرائن بعد ذكرهما العقد عدم إرادتهما ذلك، بل قصد الإنشاء بتقابضهما و أرادا حصول الملك أو الإباحة جرى عليه حينئذ حكم المعاطاة، و كان خارجا عمّا نحن فيه. و بذلك ظهر الفرق بين البيع الفاسد و المعاطاة. لكن قد عرفت سابقا أنّ قصد التملك العقدي غير مشخّص مع فرض تحقق البيع بالمعاطاة التي منها الصيغة الملحونة مثلا. على أنّ الأصحاب قد أطلقوا عدم الملك به و إن لم يكن قصد إلّا الى البيعية. فهذا شاهد على عدم صحة بيع المعاطاة عندهم. و من هنا يتجه إطلاقهم عدم الملك» (1).

و أنت خبير بعدم شهادة إطلاق كلامهم عدم الملك بعدم صحة المعاطاة، لتوقف هذه الشهادة على كون المعاطاة عبارة عن مطلق التقابض و لو كان حاصلا مع الصيغة الملحونة و نحوها من أفراد العقد الفاسد كما يراه الشهيد و المحقق الثانيان (قدّس سرّه). إذ على هذا الفرض يدلّ إطلاق كلامهم عدم الملك في المقبوض بالبيع الفاسد على عدم صحة

____________

(1) جواهر الكلام، ج 22، ص 257

16

____________

المعاطاة، حيث إنّها لو كانت صحيحة كانت مملّكة، فيحصل الملك بها، و لم يكن وجه لإطلاق القول بعدم الملك.

لكن المعلوم من كلماتهم أنّ المعاطاة عندهم عبارة عن التقابض الذي يكون آلة لإنشاء البيع، سواء لم يكن لفظ في البين، أم كان مع علم المتبايعين بفساده، و إنشائهما البيع بالتعاطي مع الغضّ عن ذلك العقد الفاسد. و أمّا بدون إنشائهما البيع بالتقابض فلا يكون هنا معاطاة.

و الحاصل: أنّ إطلاق كلامهم المزبور لا يدلّ على بطلان المعاطاة.

نعم يمكن أن تكون المعاطاة باطلة لفقدانها لبعض الشرائط، لكنها لا تندرج تحت عنوان المقبوض بالعقد الفاسد. فالمراد هو المقبوض المترتب قبضه على البيع الفاسد، لا المقبوض الذي نفس قبضه إنشاء للبيع.

نعم لا تختص الأحكام الآتية بالمقبوض بالعقد البيعي، بل يعمّ المقبوض بكل عقد فاسد بيعا كان أم صلحا أم غيرهما. و قولهم: «لو قبض ما ابتاعه .. إلخ» إنّما هو لذكرهم هذه المسألة في كتاب البيع، و لذا قالوا: «ما ابتاعه» و إلّا فالمناسب أن يقال:

«لو قبض ما تملّكه أو أراد تملّكه بالعقد الفاسد».

فالمتحصل ممّا ذكرنا: عدم خصوصية بالبيع، بل العنوان عام، و هو المقبوض بالعقد الفاسد سواء أ كان بيعا أم صلحا أم غيرهما.

الثاني: المراد بالمقبوض هو كون الشي‌ء تحت اليد و التصرف و الاستيلاء، بحيث لو ترتب عليه أثر كصحة عقد السلم و الصرف و الرّهن و غيرهما ممّا يتوقف عليه صحة العقد، لترتّب عليه، فالقبض هنا كالقبض في سائر الموارد.

و الحاصل: أنّ المراد بالمقبوض معنى يصحّ الاستدلال على حكمه بقاعدة اليد الآتية.

الثالث: في الحكم المترتب على المقبوض بالعقد الفاسد، و هو على قسمين تكليفي و وضعي.

17

____________

أمّا الأوّل فحاصله: أنّ مقتضى القاعدة العقلية و النقلية حرمة التصرف و قبحه في المقبوض بالعقد الفاسد، لإناطة جوازه بطيب نفس المالك و رضاه، فيحرم على القابض التصرف فيه إلّا بإذن المالك، و الرّضا المعاوضي المتقوم بالعقد قد ارتفع، فلا مسوّغ للتصرف، إذ احتمال تجدّد الرضا- بعد ثبوت فساد العقد- منفي بالأصل و هو الاستصحاب. و لو نوقش فيه فلا مانع من جريان الاستصحاب الحكمي أعني به استصحاب الحرمة.

مضافا إلى كونه خلاف الفرض، إذا الكلام في جواز التصرف في المقبوض لأجل الرضا المعاملي، لا الرّضا الحادث بعد العلم بفساد العقد، فإنّ الرضا الجديد غير محرز، و هو منفيّ بالأصل.

فدعوى بقاء الاذن و الرضا بالتصرف الذي كان في ضمن العقد، لأنّ الجنس لا يتقوّم بفصل خاصّ، غير مسموعة، لأنّ الرضا ليس جنسا حتى يقال بعدم تقوّمه بفصل خاص، بل هو أمر بسيط ما به امتيازه عين ما به اشتراكه.

و الحاصل: أنّ التصرف في مال الغير حرام إلّا بطيب نفس المالك و رضاه، و لا يجوز عقلا إلّا بعد إحراز الرضا، هذا. فما عن المحقق الأردبيلي (قدّس سرّه) من إباحة التصرف في المقبوض بالعقد الفاسد مما لم يظهر له وجه (1).

و أمّا الثاني: و هو الحكم الوضعي أعني به الضّمان فيدلّ عليه- مضافا إلى الشهرة و الإجماعات المحكيّة في المتن و غيره- «النبوي المشهور» كما في كلام المصنف و غيره، و «المعمول به عند الفريقين» كما في تقرير شيخ مشايخنا المحقق النائيني (قدّس سرّه) (2)، و غيره من أساطين الفقه. و غرضهم من نحو هذا التعبير كفاية الوثوق الخبري في العمل بالحديث، و هو متحقق في المقام، و ذلك لتماميّة أمرين:

____________

(1) مجمع الفائدة و البرهان، ج 8، ص 192

(2) منية الطالب، ج 1، ص 116

18

____________

أحدهما: إحراز استناد المشهور إلى هذا النبوي و العمل بمضمونه، و ثانيهما: كون العمل برواية ضعيفة سندا جابرا لضعفها، و إعراضهم عن رواية قويّة سندا كاسرا لصحتها و موهنا لاعتبارها. و الأمر كما أفادوه.

تحقيق سند النبوي «على اليد» لكن قد نوقش في كلا الأمرين، أمّا في الكبرى فبمنع كون عمل المشهور جابرا، و إعراضهم كاسرا، كما تكرّر في كلمات بعض الأعاظم فقها و أصولا (1). و أمّا في الصغرى فلما في كلامه أيضا و كلام بعض الأجلّة من عدم إحراز عمل قدماء الأصحاب بهذا النبوي «فإنّ جمعا منهم لم يذكروه في كتبهم كما يظهر بمراجعة نكت النهاية و المقنع و الهداية و المراسم و الوسيلة و جواهر الفقه.

و جمعا منهم و إن أوردوا هذا الحديث في كتبهم كالسيدين و شيخ الطائفة، بل و ابن إدريس أيضا. إلّا أن الظاهر إيراده احتجاجا على المخالفين لا اعتمادا عليه. قال السيّد في الانتصار في مسألة ضمان الصّنّاع: «و مما يمكن أن يعارضوا به لأنّه موجود في رواياتهم و كتبهم- ما يروونه عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): من قوله: على اليد ما أخذت حتى تؤديه» لظهور كلامه في الإيراد على المخالفين بما هو مسلّم عندهم، و لا يستفاد منه استناد السيد إليه.

و قريب منه كلام السيّد أبي المكارم في غصب الغنية و إجارتها، لقوله: «و يحتجّ على المخالف بقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) .. إلخ».

و أورده شيخ الطائفة في غير مورد من الخلاف و المبسوط رواية و احتجاجا على القوم كما هو دأبه في كتابيه، لا استنادا. ففي غصب الخلاف، مسألة 20، بعد عنوانها و ذكر خلاف أبي حنيفة قال: «دليلنا أنه ثبت أنّ هذا الشي‌ء قبل التغيير كان ملكه،

____________

(1) مصباح الفقاهة، ج 3، ص 88 و 89

19

____________

فمن ادّعى أنّه زال ملكه بعد التغيير فعليه الدلالة. و روى قتادة عن الحسن عن سمرة: أنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، قال: على اليد ما أخذت حتى تؤديه».

و الظاهر أنّ مستنده هو الأصل خاصة. إذ لو كان مستنده هو الحديث لم يكن وقع للاستدلال بعدم الدليل على زوال ملكه، و عليه فيكون إيراد الحديث لمحض الاحتجاج على أبي حنيفة.

نعم تمسّك به ابن إدريس في غصب السرائر، و نسبه جزما إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) مع عدم عمله بالخبر الواحد، ثم شاع الاستدلال به بين المتأخرين من زمن العلّامة. مع احتمال أن يكون ذكره احتجاجا عليهم كما يظهر من موضع آخر من غصب السرائر، حيث قال: «و يحتجّ على المخالف بقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): على اليد. و هذا يوجب حصول الاحتمال بأن سائر الموارد من قبيل الاحتجاج عليهم، لا التمسك به، و إن كان خلاف الظاهر.

و لم أر إلى الآن فيما حضرني من كتب العلّامة تمسّكه به لإثبات حكم، و إنّما نقل عن ابن الجنيد و ابن إدريس التمسك به على ما حكي. و حدوث الاشتهار بعده لا يفيد شيئا.

و عليه فالاعتماد على هذا الحديث مشكل، و ترك العمل به مشكل آخر، مع جزم ابن إدريس بصدوره عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) مع طريقته في العمل بالأخبار. مع احتمال أن يكون ذلك لاجتهاد منه و قيام قرائن عنده ربما لا تفيدنا علما و لا عملا. و اختلاف عبارات الحديث بحيث ربما يكشف عن تكرّره و تظافره و اعتماد محققي أصحابنا من بعد ابن إدريس إلى عصرنا مع تورّعهم و التفاتهم الى ضعفه، و لا بدّ من الجبر في مثله، و هو لا يمكن إلّا باعتماد قدماء الأصحاب عليه، مع إتقان متنه و فصاحته بما يورث قوّة الاحتمال بأنّه من كلمات رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لا سمرة و لعلّ بناء العقلاء على مثله

20

____________

مع تلك الشواهد لا يقصر عن العمل بخبر الثقة. لكن بعد اللتيّا و الّتي في النفس تردد (1).

أقول: أمّا المناقشة في كبرى الجبر بالعمل فقد فرغنا من الجواب عنها بما علّقناه على بحث حجيّة الشهرة (2)، و محصّله: أنّ عمل المشهور برواية ضعيفة مع تشتت آرائهم في حجية أخبار الآحاد، و شدة ورعهم و علمهم بضعف الراوي و خبثه يوجب الوثوق العقلائي بالصدور، و هو المناط في سيرة العقلاء في العمل بالأخبار، و لا مقيّد لها بالوثوق المخبري خاصة.

و أمّا المناقشة في الصغرى- بمعنى عدم إحراز استناد قدماء الأصحاب إلى هذا النبوي- فغير ظاهرة أيضا.

أمّا قوله: «و الظاهر أنّ مستنده هو الأمر الأوّل .. إلخ» ففيه: أنّ كلمات قدماء الأصحاب و متأخّريهم في مقام الاستدلال مشحونة بذكر الأصل و الرواية و الإجماع في عرض واحد، فيقولون: «للأصل و لقول الصادق (عليه السلام) و للإجماع». مع أنّ الأصل ليس في رتبة الدليل، فالشيخ في الخلاف يذكر الأصل و هو الاستصحاب بقوله: «دليلنا: أنّه ثبت أنّ هذا الشي‌ء قبل التغيير كان ملكه .. إلخ» ثم يعقّبه بحديث على اليد. و بقول النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «لا يحل مال امرء مسلم إلّا (بطيب من نفسه) عن طيب نفس منه». فهل يمكن التفكيك بين كلاميه (قدّس سرّه) بأن يقال: إنّ الشيخ أورد الأوّل احتجاجا و الثاني استنادا، مع وحدة السياق، و ذكره لهما بعد قوله: «دليلنا» فإنّ هذه اللفظة قرينة واضحة على كون ما يذكر بعدها دليلا على الحكم و مستندا له. فإنّ الاحتجاج على الخصم و إلزامه بما ألزم به نفسه لا ينافي الاستناد. فظهور كلام الشيخ في الاستناد إلى كلا النبويّين ممّا لا ينبغي إنكاره.

____________

(1) كتاب البيع، ج 1، ص 247 الى 250

(2) منتهى الدراية، ج 4، ص 390

21

____________

و نظير هذه المسألة ما أفاده الشيخ في غصب الخلاف (في المسألة 22): «إذا غصب ساجة فبنى عليها .. إلى أن قال: كان عليه ردّه .. إلى أن قال: دليلنا ما قلناه في المسألة الأولى .. إلى أن قال: و روى سمرة أنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال: على اليد ما أخذت حتى تؤديه، و هذه يد قد أخذت ساجة، فعليها أن تؤديها. و أيضا قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): لا يحلّ مال امرء مسلم إلّا بطيب نفسه، نفس منه، يدلّ عليه، لأنّه ما طابت نفسه بالبناء على ساجته» (1).

فإنّ قوله: «و أيضا .. إلخ» يدلّ على أنّ ذكر «على اليد» كان للاستناد.

مضافا إلى أنّه ذكر هذا الحديث بعد قوله: «دليلنا» فكلّ ما يذكره بعد هذا اللفظ يكون حجة و مستندا للحكم، و إلّا كان عليه (قدّس سرّه)» أن يقول: «و يؤيده». و لو كان مقصوده الاحتجاج على العامة لكان المناسب أن يعبّر بما عبّر به السيد (قدّس سرّه) بقوله: «و ممّا يمكن أن يعارضوا به ما يروونه عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أو يقول- كما عبّر به في بعض الموارد- «و يحتج على المخالف» حتى لا يحرز استناد فتواه إلى خصوص هذا الحديث.

و نظير هذا في العمل بالحديث ما نسبه إليه العلّامة في المختلف بقوله: «مسألة:

إذا ارتهن الغاصب الغصب صحّ. قال الشيخ في الخلاف: و لا يزول الضمان، لثبوته قبل الرّهن، فمن ادّعى براءته منه فعليه الدلالة. و لما روي عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) انّه قال: على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي» ثم قال العلّامة: «و قد ذكرنا نحن في بعض كتبنا زوال الضمان، لأنّه مأذون له في الإمساك، فيسقط الضمان، و قول الشيخ لا يخلو من قوّة» (2).

و لا يخفى دلالة كلامه في تقوية الضمان على عمله بالحديث تبعا للشيخ، كظهور نفس عبارة الخلاف في الاستناد، و لا أثر من الاحتجاج على المخالف في كلامه.

و أظهر من ذلك في الاستناد إلى الحديث كلامه في غصب المبسوط و وديعته،

____________

(1) الخلاف، ج 3، ص 408 و 409

(2) الخلاف، ج 3، ص 228، مختلف الشيعة، ج 5، ص 417

22

____________

حيث جعل الحديث النبوي في عداد ما رواه من السّنة الدّالة على وجوب ردّ المغصوب و الوديعة إلى المالك.

هذا مضافا إلى تصريح هذا القائل باستدلال الشيخ بقاعدة اليد، في مسألة المقبوض بالعقد الفاسد- في الاشكال على المصنف في ما نسبه الى الشيخ من استدلاله بالاقدام- حيث قال: «مع أن عبارة الشيخ في بيع المبسوط و غصبه على ما عثرت عليه ليست كما نقلها، بل ظاهرة بضمان اليد بدليلها» (1).

فلو كان ذكر النبوي لمجرّد التأييد لا الاستناد كان إشكال شيخنا الأعظم على شيخ الطائفة في استدلاله بالاقدام في محله، و لا يتّجه الاعتراض عليه بأنّ الدليل المتكرر في بيع المبسوط و غصبه هو اليد لا الاقدام. هذا كله في استناد شيخ الطائفة إلى النبويّ.

و استند ابن الجنيد إلى هذا النبوي على ما نقله العلّامة عنه (قدّس سرّهما) في عارية المختلف، فقال: «و قال ابن الجنيد: و ليس يضمن المعار تلف ما تلف منها إذا كانت السلعة متاعا، إلّا أن يتعدّى. و ما كان منها عينا أو ورقا أو حيوانا ضمن المعار تلف ذلك، إلّا أن يشترط المال [المالك] سقوط الضمان عنه .. احتجّ بقوله (عليه السلام): على اليد ما أخذت حتى تؤدّيه» (2).

و أورده السيّد أبو المكارم أيضا في الغنية (3)، و هو و إن كان في مقام الاحتجاج عليهم، إلا أنّه لم يعبّر بمثل ما عبّر به السيد المرتضى من قوله: «و ممّا يمكن أن يعارضوا به» و إنّما أسند الحديث إلى الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و ظاهره القطع بصدوره عنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، لأنّه لا يعمل بالأخبار الآحاد المفيدة للظن.

و أورده ابن إدريس في مواضع من السرائر، فاستدلّ به فيما إذا اختلف شخصان

____________

(1) كتاب البيع، ج 1، ص 270

(2) مختلف الشيعة، ج 6، ص 72

(3) غنية النزوع (ضمن الجوامع الفقهية) ج 4، ص 536، السطر 21 و ص 537، السطر 27

23

____________

في كون مال وديعة أو قرضا، و قال: «و يكون القول قول من ادّعى أنّه دين، لأنّه قد أقرّ بأنّ الشي‌ء في يده أوّلا، و ادّعى كونه وديعة، و الرّسول (عليه السلام) قال: على اليد ما أخذت حتى تردّه .. إلخ» (1). و ليس في هذا الكلام شائبة الاحتجاج على المخالفين، و إنّما عارض رأي شيخ الطائفة في نهايته.

و قال أيضا في مسألة أخرى في باب الرّهن: «و الرسول (عليه السلام) قال: على اليد ما أخذت حتّى تؤديه، إلّا ما خرج بالدليل» (2).

و قال في كتاب الغصب: «و يحتجّ على المخالف بقوله (عليه السلام): على اليد ما أخذت حتّى تؤدي» (3).

و قال في كتاب الغصب أيضا: «و من غصب ساجة فأدخلها في بنائه، لزمه ردّها، و إن كان في ذلك قلع ما بناه في ملكه، لمثل ما قدّمناه من الأدلة، من قوله (عليه السلام): لا يحلّ مال امرء مسلم إلّا عن طيب نفس منه. و قوله (عليه السلام) أيضا: على اليد ما أخذت حتى تؤدّي» (4).

و مبناه الأصولي في حجية الخبر غير خفي على من يتصفّح السرائر، و أنه (قدّس سرّه) لا يسند الحديث الى المعصوم (عليه السلام) إلّا بالقطع، فقد تكرّر منه هذه الجملة في الإيراد على شيخ الطائفة (قدّس سرّه): «و قد بيّنا أن أخبار الآحاد عند أصحابنا لا توجب علما و لا عملا، و الواجب على المفتي الرجوع في صحة الفتوى إلى الأدلة القاطعة» (5) و نحوه كلامه في باب الرهن (6).

____________

(1) السرائر الحاوي، ج 2، ص 437

(2) المصدر، ص 425

(3) المصدر، ص 481

(4) المصدر، ص 484

(5) المصدر، ص 322

(6) المصدر، ص 422

24

____________

و لا ينافي حجيّة هذا الحديث عنده و استناده إليه إيراده احتجاجا على المخالف في موضع من كتاب الغصب، لأنّ غايته إلزامهم بما هو حجة عندهم أيضا. فيكون الحديث مقبولا عند الخاصّة و العامّة، و لعلّ هذا منشأ استظهار صاحب العناوين و غيره من اتفاق الفريقين على صدوره منه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).

و بهذا ظهر أن شبهة إيراده احتجاجا- في عبارة الغنية- غير جارية في كلام ابن إدريس في المواضع التي استند فيها الى الحديث.

و أمّا العلّامة (قدّس سرّه) فقد أورده في المختلف و التذكرة، فاستند إلى الحديث في الكتابين، و نقل في المختلف استدلال الشيخ في الخلاف، و استدلال ابن الجنيد و ابن إدريس به، و كذا نقل استدلال المشهور به.

أمّا استناده إلى الحديث ففي مواضع، ففي التذكرة: «كلّ من غصب شيئا وجب عليه ردّه على المالك، سواء طالب المالك بردّه أو لا، ما دامت العين باقية، بلا خلاف، لقول النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) على اليد ما أخذت حتى تؤدّيه» (1) و أسنده إليه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في الضمان بالمباشرة، فراجع (2).

و قال في المختلف: «إذا ادّعى الراكب الإجارة و المالك العارية المضمونة بعد تلفها قبل مضيّ مدة لمثلها أجرة، قال الشيخ في المبسوط: القول قول الراكب مع يمينه، لأنّ صاحبها يدّعي ضمانا في العارية فعليه البيّنة، و الأصل براءة ذمة الراكب. و الأقرب أنّ القول قول المالك، لأنّ الأصل تضمين مال الغير، لقوله (عليه السلام): على اليد ما أخذت حتى تؤدّيه» (3) و نحوه في الاستناد كلامه في باب اللقطة (4).

____________

(1) تذكرة الفقهاء، ج 2، ص 382 و 383

(2) المصدر، ص 374

(3) مختلف الشيعة، ج 5، ص 77

(4) المصدر، ص 87

25

____________

و نقل استدلال المشهور به بقوله: «مسألة: المشهور أن المقبوض بالسّوم مضمون كالمقبوض بالبيع الفاسد. و قال ابن إدريس: لا يكون مضمونا، و هو الأقرب، و له قول آخر في باب الغصب: إنّه مضمون. لنا: الأصل عدم الضمان .. احتجوا بعموم قوله (عليه السلام):

على اليد ما أخذت حتى تؤدّي» (1). و هذه الجملة الأخيرة هي المعتمدة في إحراز عمل المشهور بهذا النبوي و الفتوى بمضمونه، و ظاهره الأخبار الحسّي باستناد المشهور إليه، و إلّا كان المناسب أن يقول: «و يحتجّ لهم».

و بهذا ظهر أنّ عدم ظفرنا بالحديث في عدّة من المتون الفقهية القديمة كالمقنع و المقنعة و الجواهر و الكافي و غيرها غير قادح في استنادهم إليه بعد شهادة مثل العلّامة باستدلالهم به و حجيته عندهم.

كما ظهر أيضا التأمّل فيما ذكره القائل من «عدم ظفره باستدلال العلامة بهذا النبوي، و إنّما اقتصر على نقل استدلال ابن الجنيد به» إذ عرفت استناد العلّامة إليه في مواضع عديدة، و نقل استناد شيخ الطائفة و ابن إدريس و المشهور به أيضا في مواضع أخرى.

هذا مضافا إلى أنّ دعوى عدم الظفر به في كلام العلّامة ربما ينافي قوله في مقام آخر: «ثم شاع الاستدلال به بين المتأخّرين من زمن العلّامة».

هذا كلّه في إحراز عمل القدماء و بعض المتأخرين كالعلّامة. و أمّا من تأخّر عنه كالشهيدين و المحقق الثاني و غيرهم فقد أسندوه إلى الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بلا تأمّل، كما لا يخفى على من راجع الدروس و جامع المقاصد و المسالك و غيرها.

و قد تحصّل من هذا التتبّع في كلمات فقهائنا الأبرار الوثوق بانجبار ضعف سند الحديث. بل لا تبعد دعوى كون المضمون مجمعا عليه بينهم، و عليه لا مجال للتشكيك في عمل المشهور به كما لا مجال للمناقشة في كبرى الجبر بعملهم.

____________

(1) مختلف الشيعة، ج 5، ص 321

26

____________

فالحقّ أنّ النبوي المزبور لا يكون أقلّ من خبر الثقة، فيصح الاستناد إليه و الاعتماد عليه في استنباط الحكم الشرعي، فلا بدّ من عطف عنان البحث إلى دلالته، فنقول و به نستعين، و بوليّه (صلوات اللّه عليه) نتوسل و نستجير:

محتملات حديث «على اليد» إنّ الوجوه المحتملة في معنى الحديث كثيرة:

الأوّل: أنّه يدلّ على الحكم التكليفي ما دام المأخوذ موجودا، فيختص بحال وجود العين، و لا يدلّ على حكم ما بعد تلفها، و للقائلين بذلك مسلكان:

أحدهما: أن يكون متعلق الحكم التكليفي ردّ العين، فيجب ردّ العين على من أخذها. و هذا الاحتمال يستفاد من كلام الشيخ (قدّس سرّه) في المبسوط، حيث إنّه- بعد بيان تحريم الغصب و إقامة الأدلة الأربعة عليه و ذكر النبوي على اليد ما أخذت .. إلخ- قال: «و الإجماع ثابت على أنّ الغصب حرام، فإذا ثبت تحريم الغصب فالأموال على ضربين حيوان و غير حيوان، فأمّا غير الحيوان فعلى ضربين ماله مثل و ما لا مثل له، فما له مثل ما تساوت أجزاؤه، و معناه تساوت قيمة أجزائه، فكلّ هذا له مثل كالحبوب و الأدهان و التمور و الأقطان و الخلول التي لا ماء فيها، و الأثمان و نحو هذا كلّه له مثل، فإذا غصب غاصب من هذا شيئا فإن كان قائما ردّه، و إن كان تالفا فعليه مثله، لقوله تعالى:

فَمَنِ اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ» (1) انتهى موضع الحاجة من كلامه زيد في علوّ مقامه.

و قريب منه عبارة التذكرة: «و كلّ من يثبت يده على مال الغير و لا حقّ له في إمساكه و كان المال باقيا وجب عليه ردّه على مالكه، بلا خلاف، لقول النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم):

على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي. و لأنّ حق المالك متعلق بماليّته، و ماليّته لا تتحقّق إلّا

____________

(1) المبسوط، ج 3، ص 59 و 60

27

____________

بردّه إليه» (1).

و لعلّ وجهه عدم تأصّل الوضع بالجعل، و كونه منتزعا عن الأحكام التكليفية.

و المناسب لكونه منشأ لانتزاع الوضع عنه هو وجوب الرّدّ بالنسبة إلى نفس المأخوذ، لا بدله، و لا الأعم منه و من بدله، لمنافاته للغاية، و لا وجوب الحفظ.

ثانيهما: ما يفيده كلام الفاضل النراقي (قدّس سرّه) من: أن المراد به وجوب حفظ المال عن الضياع و التلف، إلى أن يردّه إلى المالك. و الوجه فيه: أن الكلام محتاج الى التقدير، و يدور المقدّر بين الرّد و الأداء و الضمان. و لا يجوز تقدير ما عدا الحفظ من الرّدّ و الأداء و الضمان، لأنّ تقدير الأوّلين يوجب خروج المعنى عن السلاسة، إذ معناه حينئذ وجوب الرّد حتى يتحقق الرّدّ. و توقف الحكم على بقاء موضوعه عقلي، و كذلك انتفاءه بانتفائه، فالغاية حينئذ عقلية لا شرعية تعبّديّة.

و تقدير الأخير مناف لجعل الغاية أداء نفس المأخوذ، على ما يقتضيه رجوع الضمير المنصوب مفعولا ل‍ «تؤدّيه»- المحذوف في بعض طرق الحديث، و المذكور في البعض الآخر كما تقدّم في نقل الحديث- إلى الموصول.

وجه المنافاة: أنّ الضمان عبارة عن الغرامة المجعولة في ظرف التلف، إذ لا معنى للغرامة و الخسارة مع وجود العين و ردّها، فإنّ ردّ نفس العين ليس غرامة على الآخذ، بل ردّا للمال إلى مالكه كما لا يخفى.

الثاني: ما عن بعضهم من كون الحديث مسوقا لبيان الحكم الوضعي، لكن بالنسبة إلى خصوص صورة التلف، من دون دلالة له على وجوب ردّ العين الذي هو حكم تكليفي، و لا على ضمانها ما لم تتلف.

و حاصل تقريبه: أنّ تلف العين تحت يده سبب لتعلق الغرامة به، و المراد بالضمان هو دفع المثل أو القيمة عند التعذّر، و هو المعبّر عنه بتحمّل الغرامة، إذ لا يعقل

____________

(1) تذكرة الفقهاء، ج 2، ص 374، السطر 20

28

____________

لضمان العين معنى محصّل، لأنّ دفع عين المال إلى المالك ليس ضمانا و لا غرامة، فمعنى الحديث حينئذ: أنّ ضمان ما أخذته اليد ثابت عليه، و أنّه لا يخرج عن الضمان إلّا بدفع بدله القائم مقامه مثلا أو قيمة، هذا. و ليس معنى الحديث «أنّه يجب دفع عين المال إلى مالكه» إذ لا يحتاج إلى هذا التعبير، بل العبارة الدالة عليه: «أنّه يجب دفع أموال الناس إلى ملّاكها» فالتعبير بقوله: «على اليد» إنّما هو لبيان معنى آخر يلائم «على اليد» و ذلك المعنى هو الضمان الذي هو مجازاة لجناية اليد. و بهذه العناية أسند الحكم إلى اليد، و جعل عليها، و قيل: «على اليد، لا على آخذ المال» ثم قال هذا القائل في جملة كلامه:

«و هذا المعنى- أي الضمان- مما لا يشك فيه مشكّك بعد ملاحظة فهم العرف حتّى من لم يتشرّع بشرعنا أيضا».

الثالث: ما حكي عن بعض، و هو: أنّ الحديث مسوق لإفادة كلّ من الحكم التكليفي و الوضعي، و أنّ كلا الحكمين مستفادان من الحديث، فيجب على الآخذ ردّ المأخوذ، و يكون عهدته أيضا عليه.

و لعلّ وجه الاستفادة هو: أنّ العرف يفهمون من كون العين المتموّلة على شخص أنّ الأعم من العين و البدل يثبت على عهدته، فلثبوت المأخوذ في عهدة ذي اليد آثار تكليفية و وضعية من حفظه، و أدائه مع التمكن، و أداء بدله عند الحيلولة أو عند التلف، فإنّ معنى اعتباره في عهدته هو كون ذي اليد مرجعا و مأخوذا به، فيجب عليه ردّه مع بقاء عينه و ردّ بدله مع تلفه، فبنحو الطولية يثبت الحكم التكليفي و الوضعي بعد إرجاعه إلى التكليفي، هذا.

و أورد عليه بما حاصله: أنّ وجوب الردّ إمّا يستفاد من قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «على اليد» أو من قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «حتّى تؤدّي» و لا يتمّ المدّعى على شي‌ء منهما.

أمّا الأوّل: فلأنّ لازم استفادة الحكم التكليفي إنّما هو تقدير الرّد، و لازم الحكم الوضعي تقدير الضمان بمعنى كون المأخوذ على عهدة الآخذ، و أنّه لو تلف كان عليه

29

____________

بدله، فإفادته للحكمين منوطة بتقديرهما معا، و ذلك مما لا يفي الكلام بإفادته، فهو أشبه شي‌ء باستعمال الخطاب في إنشائين، بل هو منه.

و أمّا الثاني: فلأنّ المغيّا- و هو لزوم الخروج عن عهدة المأخوذ على تقدير تلفه- ثابت إلى حين الأداء، و هذا يلائم وجوب الأداء قبل التلف و بعده، فهو أعم منهما، و لا دلالة للعامّ على تعيين الخاص، فلا بدّ من إثبات وجوب الرد قبل التلف بدليل آخر.

إذا عرفت الاحتمالات المتطرقة في معنى الحديث المزبور، فاعلم: أنّ تنقيح معنى الحديث منوط ببيان أمور:

الأوّل: أنّ الأصل عدم التقدير، فإذا لم يكن صحة الكلام عقلا منوطة بالتقدير- كقوله تعالى وَ سْئَلِ الْقَرْيَةَ أو شرعا كقوله تعالى حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهٰاتُكُمْ- فلا وجه للالتزام به.

الثاني: أنّ الأصل في الظرف أن يكون مستقرا، إذ اللغوية منوطة بتقدير فعل خاصّ ربّما لا يكون لتعيين متعلّقه دليل، فيصير الكلام لأجله مجملا، فإذا كان الظرف متعلقا ب‍ «يجب» مثلا فلا بدّ من تقدير متعلّق له كالرّد و الحفظ و الضمان، و لا قرينة على أحدها، فيصير الكلام مجملا. بخلاف المستقر فإنّه لا يحتاج الى فعل خاصّ، بل العامل في الظرف هو أفعال العموم. فمع الدوران بين كون الظرف مستقرّا و لغوا يبنى على كونه مستقرّا متعلقا بفعل من أفعال العموم.

الثالث: أنّ الأصل في كلام الشارع أن يكون في مقام التشريع و الإنشاء لا التكوين و الاخبار، فمع الشك في كون كلامه إنشاء أو إخبارا يحمل على الإنشاء، فلا يصح أن يقال: إنّ معنى «على اليد» هو الاخبار عن كون المال تحت استيلاء الآخذ، و أنّه لا يرتفع خارجا هذا الاستيلاء إلّا بالرّدّ و الأداء.

الرابع: أنّ التشريع يكون من الاعتباريّات التي لها نحو وجود مغاير للوجود التكويني، فيمكن أن يكون لشي‌ء وجود تكويني و وجود اعتباري ناش من تشريع

30

____________

الشارع، فإذا اعتبر الشارع شيئا من الأعيان على شخص كقوله تعالى وَ عَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ فالاعتبار الشرعي يقتضي أن يكون ذلك الشي‌ء بوجوده الاعتباري على عهدته، إذ لا معنى لتعلق التشريع بالوجود التكويني، فلا بدّ أن يكون متعلق الاعتبار موجودا اعتباريا ثابتا على العهدة. يعني: أنّ الثابت بالتشريع هو الموجود الاعتباري، و كون الشي‌ء بهذا الوجود على العهدة عبارة أخرى عن الضمان، إذ لا معنى لأن يكون بوجوده الخارجي في العهدة، بل الموجودات الاعتبارية يكون وعاؤها العهدة، كالموجودات الذهنيّة التي يكون وعاؤها الذهن.

المختار في معنى حديث «على اليد» إذا عرفت هذه الأمور تعرف: أنّ مقتضى كون كلّ من التقدير و لغوية الظرف على خلاف الأصل هو أن يكون نفس المال المأخوذ على صاحب اليد، لا وجوب ردّه أو حفظه أو ضمانه، لأنّها مبنيّة على لغوية الظرف و الالتزام بالتقدير اللذين هما على خلاف الأصل، كما أنّ مقتضى إنشائية كلام الشارع و كون التشريع من الاعتباريات هو كون المأخوذ بوجوده الاعتباري ثابتا على عهدة الآخذ.

ففي وعاء الاعتبار يكون المأخوذ فوق يده، كما أنّه بوجوده التكويني يكون تحت يده، فللمأخوذ وجودان تكويني، و بهذا الوجود يكون تحت اليد. و اعتباري ناش من التشريع، و بهذا الوجود يكون فوق اليد، لأنّه مقتضى كلمة «على» الاستعلائيّة.

و حيث إنّ الحاكم بكون نفس المال على العهدة هو الشارع، و ثبوته الشرعي على اليد ليس إلّا ثبوتا اعتباريّا مقتضيا لكون الثابت بهذا الثبوت موجودا اعتباريا في العهدة، لأنّ العهدة وعاء الاعتباريّات، فالمعنى حينئذ هو: أنّ نفس المال المأخوذ بوجوده الاعتباري ثابت على العهدة، و هذا الثبوت مستمر إلى أن يحصل الأداء. و هذا الاستمرار يستفاد من كلمة «حتّى» لدلالتها على ما ثبت بما قبلها من قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «على اليد». و ليس هذا

31

____________

إلّا عبارة عن الضمان، حيث إنّ مصداق ذلك الموجود الاعتباري مع تلف العين هو الأقرب الى التالف القائم مقامه، الواجد لغير خصوصيّاته المشخّصة من الجهات النوعية و الصنفية.

و قد ظهر ممّا ذكرنا ضعف الاحتمال الأوّل، أعني به كون مفاد الحديث تكليفا محضا، و هو وجوب ردّ العين، أو وجوب حفظها عن التلف، على الوجهين المتقدّمين عن الشيخ و العلامة و النراقي (قدّس سرّهم) و أنّ الحديث متكفل للحكم التكليفي المختص بالعين حال بقائها دون حكمها بعد تلفها.

وجه الضعف: أنّه مبني على لغوية الظرف، و قد عرفت أنّه خلاف الأصل، و لا يصار إليه إلّا بالقرينة.

كما أنّه ظهر أيضا ضعف الاحتمال الثاني، و هو كون الحديث مسوقا لبيان الحكم الوضعي بالنسبة إلى خصوص صورة التلف، بأن يقدّر الضمان، بعد قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «على اليد» بأن يقال: على اليد ضمان أي غرامة ما أخذته.

وجه الضعف: أنّ تقدير الضمان خلاف الأصل بعد كون ظاهر الكلام هو اعتبار ثبوت نفس المال المأخوذ على عهدة صاحب اليد. و حيث إنّ الاعتبار يتعلق بالموجودات الاعتباريّة لا التكوينيّة، فلا بدّ أن يكون الثابت بهذا الاعتبار موجودا اعتباريا ثابتا في العهدة. و هذا الثبوت الاعتباري مستمر حتّى يحصل الأداء بعين المأخوذة التي هي مصداق حقيقي للوجود الاعتباري الذي اعتبره الشارع، لأنّه واجد للمقوّمات النوعية و الصنفية و الشخصية. و ببدله و هو المثل إن كان مثليا و القيمة إن كان قيميا، و مع فقد المماثل في المثلي يكون مصداق الأداء منحصرا بالمالية، هذا.

و كذا ظهر ضعف الوجه الثالث و هو الجمع بين الحكم التكليفي و الوضعي، و ذلك لأنّه موقوف على كون الظرف لغوا حتى يتعلق بكلمة «يجب» و على كون المتعلق كلمتين و هما: الرد و الضمان. و لا قرينة على شي‌ء منهما، فإنّه مع إمكان الظرف

32

____________

المستقر لا تصل النوبة إلى الظرف اللغو.

فالمتحصل: أنّ النبوي الشريف يدلّ على كون المال في وعاء الاعتبار على عهدة الآخذ، فإن كان موجودا ردّه إلى المالك، لأنّه المصداق الحقيقي لرد المال، حيث إنّه واجد للمقوّمات النوعية و الصنفية و الشخصية. فمفاد الحديث على هذا حكم وضعيّ، و لا يتكفل حكما تكليفيا، فيرجع في حكمه التكليفي الى ما يدلّ على حرمة حبس الحقوق و وجوب ردّها الى مالكيها.

و بالجملة: فاستدلال المصنف و غيره بهذا النبويّ على ضمان المقبوض بالعقد الفاسد في محلّه، هذا.

ثمّ إنّه لا بأس بالتعرّض لبعض الجهات المتعلّقة بالنبويّ المذكور:

1- عدم اختصاص الأخذ بالقهر و الغلبة منها: أنّ الأخذ هل يكون عامّا أم مختصا بما يكون على وجه القهر و الغلبة؟

فلا يشمل الأيدي الأمانيّة، و يكون خروجها عن موضوع الحديث المزبور بالتخصص، فيختص الحديث بالغصب، و لا يشمل موارد إذن المالك الحقيقي كاللقطة و غيرها من الأمانات الشرعية، و تسليط المالك غيره على ماله كالوديعة و غيرها من الأمانات المالكيّة.

و ربّما يستشهد لذلك- أي الأخذ بالقهر و الغلبة- بقوله تعالى وَ كَذٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذٰا أَخَذَ الْقُرىٰ (1)، و قوله تعالى لَأَخَذْنٰا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنٰا مِنْهُ الْوَتِينَ (2) و قوله تعالى فَأَخَذْنٰاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ (3) و غير ذلك من موارد

____________

(1) سورة هود، الآية 120

(2) سورة الحاقة، الآية: 45

(3) سورة القمر، الآية 42

33

____________

استعماله في الأخذ بالقهر و الغلبة. و جعل المحقق النائيني هذا المعنى هو الظاهر (1).

و فيه: أنّ الأخذ لغة هو تناول الشي‌ء مطلقا و إن لم يكن عن قهر و عدوان، كقوله تعالى خُذِ الْعَفْوَ (2) و قوله عزّ اسمه خُذْ مِنْ أَمْوٰالِهِمْ صَدَقَةً (3) فتأمل، و قوله (عليه السلام): «خذها فإنّي إليك معتذر». و غير ذلك من الموارد.

و خصوصية القهر و الغلبة تستفاد من القرائن الحالية أو المقالية، من باب تعدد الدالّ و المدلول، و ليست من خصوصيات نفس المعنى اللغوي أو العرفي. فيدلّ الحديث الشريف على الضمان في جميع الموارد سواء أ كان هناك قهر أم لا، إلّا ما خرج بالدليل كالأمانات مطلقا.

و بالجملة: فلم يثبت كون مفهوم الأخذ عرفا هو التناول القهري حتى يحمل اللفظ عليه، فيحمل على معناه اللغوي، و هو مطلق التناول الذي منه المقبوض بالعقد الفاسد، و المسروق، و الوديعة، و العارية. فالأخذ يكون من قبيل المتواطي لا المشكك.

و لو سلّم التشكيك فإنّما هو من قبيل التشكيك البدوي الذي لا عبرة به في رفع اليد عن إطلاق مفهومه، هذا.

2- اعتبار الإرادة و الاختيار في الأخذ المضمّن و منها: أنّ «الأخذ» لمّا كان فعلا اختياريّا فلا بدّ من عدم صدوره بلا إرادة و لا اختيار، فإذا ألقى مال في حجر شخص بحيث صار تحت يده و استيلائه من دون دخل لإرادته و اختياره في ذلك لم يصدق عليه الأخذ حتى يشمله الحديث الشريف.

و كذا لا يصدق «الأخذ» على تناول الصبي غير المميّز الذي لا شعور و لا تمييز له بحيث

____________

(1) منية الطالب، ج 1، ص 117

(2) سورة الأعراف، الآية 19

(3) سورة التوبة، الآية 103

34

____________

لا يلتفت إلى ما يصدر منه من الفعل و عنوانه، و كذا المجنون.

فيظهر من اعتبار الإرادة في حال الأخذ و كون الآخذ مستشعرا مميّزا لفعله خروج الصبي غير المميز و المجنون و النائم عن حيّز الحديث إذا أمسكوا على شي‌ء من المنقولات و استولوا عليه، فلا يشملهم الحديث حتى يحكم عليهم بالضمان.

و يشمل الصبي المميّز المستشعر لفعله، لصدق الأخذ الاختياري على فعله، وفاقا للمصنّف (قدّس سرّه)، حيث قال: «و من هنا كان المتّجه صحة الاستدلال به على ضمان الصغير بل المجنون إذا لم تكن يدهما ضعيفة لعدم التمييز و الشعور».

و الحاصل: أنّه يعتبر في شمول الحديث كون الفاعل مختارا في فعله، هذا.

3- شمول إطلاق الضمان للعلم بالحكم و الجهل به و منها: أنّ إطلاق الحديث يشمل كون صاحب اليد عالما بالحكم التكليفي- و هو وجوب الأداء- و الوضعي أعني به الضمان، و جاهلا بهما. كما يشمل كونه عالما بالموضوع و هو العلم بأنه مال الغير أو مغصوب أو مقبوض بالعقد الفاسد، و كونه جاهلا به كما إذا زعم أنّه مال نفسه أو أنّه وكيل عن مالكه أو وليّ عليه.

4- إطلاق الضمان لليد الأصلية و التابعة و منها: أنّ مقتضى إطلاقه عدم الفرق بين كون اليد أصلية و بين كونها تابعة، كيد وكيل الغاصب مع عدم علم الوكيل بالغصب، إذ مع علمه بالغصب لا تصح الوكالة حتّى ظاهرا. و كذا الحال في الوكيل في قبض المبيع بالبيع الفاسد، و ذلك لأنّه يعتبر في صحة الوكالة كون متعلّقها مباحا، و لذا قال في المسالك في ذيل قول المحقق (قدّس سرّه): «و لو وكّله في بيع فاسد لم يملك الصحيح» ما لفظه: «كما لو قال: اشتر لي كذا إلى إدراك الغلّات، أو مقدم الحاج، أو بعه كذلك، أو ما شاكله. و لا فرق في ذلك بين أن يكونا عالمين بالفساد

35

____________

و جاهلين و بالتفريق، و إنّما لم يملك الصحيح، لعدم التوكيل فيه فيقع فضوليا» (1).

ففي الصورة المذكورة يكون الوكيل هو الذي يشمله الحديث دون الموكّل.

لا يقال: إنّ المقرّر عندهم أنّ يد الوكيل يد الموكّل، و كذا يد الأمين يد الحاكم فلا يعدّ يد أحدهما في العرف يدا له، بل يد الموكّل و الحاكم.

فإنّه يقال: إنّ معنى كون يد الوكيل يد الموكّل هو إجراء أحكام يد الموكّل عليه في التصرفات كالآثار المترتبة على قبض المالك، كفراغ ذمة المقبوض منه بقبض الوكيل، كفراغ ذمته بقبض الموكل، فإنّ قبض الوكيل كقبض الموكل في تلك الآثار. و هذا لا ينافي صدق الاستيلاء و التسلط عرفا على يد الوكيل الموجب لضمانه، فلا وجه لما قيل من:

أنّ المالك لا يرجع على الوكيل، بل على الموكل، لأنّه صاحب اليد.

و الحاصل: أنّ معنى كون يد الوكيل يد الموكّل و قبضه قبضه هو: أنّ القبض- الذي من شأنه أن يصدر من الموكّل- إذا صدر من الوكيل كان كصدوره من الموكّل في فراغ ذمة المقبوض منه، أو صحة العقد كالوكيل في عقد الصرف أو السّلم. و إجراء حكم الضمان الثابت للوكيل على الموكل أجنبي عن معنى قولهم: «يد الوكيل يد الموكل» إذ ظاهره هو أنّ كل ما يكون من وظيفة شخص إذا صدر عن غيره وكالة كان كصدوره عن نفس ذلك الشخص في الحكم الشرعي المترتب عليه، هذا.

5- إطلاق الضمان لليد المستقلّة و المشتركة و منها: أنّ قضية الإطلاق عدم الفرق بين انفراد اليد بالأخذ و تعددها بأن شاركها غيره فيها بحيث أسند إلى المتعدد، و كان المستولي على المال المأخوذ اثنين في عرض واحد. أو ترتبت إحدى اليدين على الأخرى، و هذه مسألة تعاقب الأيدي على المغصوب، و إن كان في كيفية التضمين إشكال ليس هنا محل ذكره، هذا.

____________

(1) مسالك الأفهام، ج 5، ص 280

36

____________

6- أقسام المأخوذ باليد و منها: أنّ المأخوذ قد يكون عينا من المنقول و غيره، و قد يكون منفعة كسكنى الدار و منفعة الدكان و نحوهما، و قد يكون من قبيل الحقوق كحق التحجير، و قد يكون من قبيل ما لا يدخل تحت الاستيلاء و الاستحقاق كالحرّ و الخمر و الخنزير بالنسبة إلى المسلم، فهنا أقسام أربعة:

القسم الأوّل: الأعيان الشخصيّة و الكلّية الأوّل: كون المأخوذ هو العين، و ذلك يتصور على نحوين:

أحدهما: أن يكون المأخوذ من المنقولات.

ثانيهما: أن يكون من غير المنقولات، كالدار و الدكّان و الأرض و نحوها.

أمّا الأوّل فملخّصه: أنّه لا ريب في صدق أخذ اليد على الاستيلاء عليه بالقبض و نحوه، فيصدق الأخذ و الاستيلاء باليد على ركوب دابة الغير، فيشمله النبوي «على اليد ما أخذت» و إن لم يحرّكها من مكانها.

و أمّا الثاني فحاصله: أنّ إثبات اليد عليه حقيقة غير ممكن، لعدم الإحاطة بها كالمنقول، لكن التصرّف فيه بالدخول و نحوه ممكن، و هو يتصور على وجهين:

أحدهما: ما يوجب صدق الاستيلاء عليه، كدخول الجائر- عدوانا- دار غيره للتصرف و التسلط أو السكنى فيها، أو إجارتها. و هذا القسم لا إشكال في صدق اليد عليه، فيشمله النبوي الموجب للضمان.

ثانيهما: ما لا يوجب صدق التسلط و الاستيلاء عليه، كما إذا دخل دار الغير أو بستانه بغير إذن المالك للتفرّج و التنزّه مثلا، فإنّ الاستيلاء لا يصدق عليه، فلا يشمله النبوي، فلا دليل حينئذ على الضمان. و قد صرّح بذلك العلّامة في التذكرة حيث قال:

«و لو دخل دار غيره أو بستانه لم يضمن بنفس الدخول من غير استيلاء، سواء دخلها

37

____________

بإذنه أو بغير إذنه، و سواء كان صاحبها فيها أم لم يكن» (1).

و لا فرق في هذا القسم- أعني الأعيان- بين ما لو كان مفرزا و ما لو كان مشاعا، لإطلاق المأخوذ و عدم اختصاصه بالمفرز، فيعدّ من سكن دار غيره مع مالكها قهرا ذائد على النصف. و لهذا قال العلامة (قدّس سرّه) في التذكرة: «و لو لم يزعج المالك، و لكنه دخل و استولى مع المالك كان غاصبا لنصف الدار، لاجتماع يدهما و استيلائهما عليه. نعم لو كان الداخل ضعيفا و المالك قويّا لا يعدّ مثله مستوليا عليه لم يكن غاصبا لشي‌ء من الدار» (2).

لا يقال: إنّ الاستيلاء لا يتحقق إلّا على الشي‌ء المعيّن.

فإنّه يقال: إنّ الاستيلاء أمر عرفي يتحقق في المشاع كتحقّقه في المعيّن. و يدل عليه صحة بيع المشاع و صلحه و هبته و وقفه، فقبضه جائز كالمقسوم.

و أمّا الكلّيّ فلا يدخل تحت اليد و إن قيل به، لأنّ ما يقع تحت الاستيلاء خارجا هو الفرد كما لا يخفى.

إلّا أن يقال: أنّ وجود الفرد عين وجود الكلي الطبيعي، فلأجله يدخل الكلي تحت اليد و الاستيلاء.

ثمّ إنّ مقتضى الإطلاق عدم اعتبار كون العين ممّا له قيمة و مالية. و دعوى تبادر ما كان له مالية ممنوعة.

إلّا أن يقال: إنّ الضمان الذي يدل عليه النبويّ- و هو تدارك خسارة المال المفوّت أو الفائت- لا يتصوّر إلّا فيما له مالية، فلا بد من شموله للمأخوذ الذي هو مال، فما ليس كذلك لا يندرج تحت هذا النبوي، هذا.

ثمّ إنّه لا فرق في ضمان المأخوذ بين بقاء عينه و بين تلفه، كعدم الفرق في ضمانه بين الأوصاف الطارية عليه من مزجه بشي‌ء أو تغيّر صورته كالطحن، فإنّ المأخوذ في

____________

(1) تذكرة الفقهاء، ج 2، ص 337، السطر 16

(2) المصدر، السطر: 22

38

____________

جميع الصور مضمون على الآخذ. كما لا فرق في الحكم بالضمان بين كون المتصدّي لذلك التصرف نفس الآخذ و غيره، و إن كان للمالك أيضا الرجوع إلى ذلك المتصرّف، لكنّه كلام آخر.

كما لا فرق في الأعيان بعد دخولها تحت اليد بين أن تكون مقصودة بالذات في الاستيلاء عليها و بين أن يتحقق الاستيلاء عليها بالتبع، و لهذا قال في الرياض: «و يضمن حمل الدابة لو غصبها. و كذا غصب الأمة الحامل غصب لحملها بلا خلاف أجده ظاهرا، لأنّه مغصوب كالأمّ. و الاستقلال باليد حاصل بالتبعية لها. و ليس كذلك حمل المبيع فاسدا، حيث لا يدخل في البيع، لأنّه ليس مبيعا، فيكون أمانة في يد المشتري، لأصالة عدم الضمان، و لأنّ تسلّمه بإذن البائع. مع احتمال الضمان، لعموم على اليد ما أخذت حتّى تؤدي، مع الشك في صدق الأمانة عليه و به قطع الماتن في الشرائع» (1) انتهى كلامه رفع مقامه.

القسم الثاني: المنافع القسم الثاني- و هو كون المأخوذ منفعة- يتصور على نحوين:

أحدهما: المنافع التي لم يستوفها آخذ العين، كما إذا استولى على دابّة غيره فغصبها منه غاصب قبل استيفاء الأوّل شيئا من منافعها، فإنّ المنافع بالنسبة إلى الآخذ الأوّل غير مستوفاة، فلا تدخل تحت عنوان قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «على اليد ما أخذت» و إن قلنا بضمان الثاني لها، لمباشرته للاستيفاء بدليل آخر.

و كذا الحال لو بقيت تحت يده و لكن لم يستعملها و لم ينتفع بها، فإنّه لا يصدق على المنافع حينئذ أنّها مأخوذة، لعدم استيفائه لها، و عدم تعلّق فعل منه بها. و إن قلنا بكونها مضمونة عليه لجهة أخرى من جهات الضمان و هي قاعدة الإتلاف، حيث إنّه

____________

(1) رياض المسائل، ج 2، ص 301

39

____________

أتلف المنافع على المالك، و لذا قال العلّامة (قدّس سرّه) في التذكرة: «منافع الأموال من العبيد و الثياب و العقار و غيرها مضمونة بالتفويت و الفوات تحت اليد العادية، فلو غصب عبدا أو جارية أو ثوبا أو عقارا أو حيوانا مملوكا ضمن منافعه، سواء أتلفها بأن استعملها أو فاتت تحت يده بأن بقيت في يده و لا يستعملها، عند علمائنا أجمع» (1).

ثانيهما: المنافع المستوفاة، كما إذا ركب الدابة التي غصبها، أو استخدم العبد أو الجارية مثلا. و هذا كسابقه في عدم صدق الاستيلاء على المنافع، لأنّ المنفعة غير موجودة بحيث يجتمع طرفاها في زمان واحد، بل هي تدريجية الوجود، فلا يتصور الاستيلاء على المنافع من المستولي على العين حتى في صورة استيفائها، فلا يمكن إثبات ضمانها حتى مع الاستيفاء بحديث اليد. نعم لها سبب آخر للضمان و هو الإتلاف على المالك، و تدلّ عليه العبارة المتقدمة عن العلامة (قدّس سرّه).

لكن خالف فيما ذكرناه صاحب الجواهر (قدّس سرّه)، حيث استدلّ على ضمان المنافع المستوفاة بالحديث المزبور. قال في كتاب العارية: «و لو استعار مستعير من الغاصب- و هو لا يعلم بغصبه- كان قرار الضمان للمنفعة الفائتة على الغاصب، لغروره، و إن كان للمالك أيضا إلزام المستعير بما استوفاه من المنفعة أو فاتت في يده، لعموم من أتلف و على اليد كما هو المشهور بين الأصحاب هنا، و في الغصب عند ذكر حكم الأيادي المترتبة على يد الغاصب» (2).

و أنت خبير بضعف التمسك بقاعدة اليد، لما عرفت من ظهور «ما» الموصولة في قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «على اليد ما أخذت» في عين خارجيّة استولت عليه اليد. و ليست المنفعة موجودة مجتمعة أجزاؤها في الوجود، بل هي من الموجودات التدريجية المتصرّمة التي يتوقف وجود جزء منها على انعدام سابقه، فلا تجتمع أجزاؤها في الوجود حتى تأخذها

____________

(1) تذكرة الفقهاء، ج 2، ص 381

(2) جواهر الكلام، ج 27، ص 166

40

____________

اليد و تستولي عليها، فالمتعيّن التمسّك لضمان المنافع مطلقا حتى المستوفاة بقاعدة الإتلاف.

لا يقال: إنّ مجموع منافع الدار سنة مثلا يعدّ في نظر العرف موجودا واحدا، و لذا يبذل بإزائه الأجرة. و هذا يدلّ على أنّ المنافع كالأعيان مما يمكن أن تنالها اليد و تندرج تحتها.

فإنّه يقال: إنّ الاعتبار العرفي المزبور إنّما يصحّح اعتبار المالية المعتبرة في العوضين، كاعتبار مالية عين كالحنطة مثلا في الذمّة، أو عمل كذلك كخياطة ثوب، أو بناء دار، فإنّ الاعتبار المزبور لا يوجب صيرورة الكليّ في الذمّة موجودا خارجيا قابلا لأن تدخل تحت اليد. بل يجدي في المالية فقط، لا في الوجود الخارجي المتوقف عليه صدق الأخذ باليد. فدعوى عدم صدق اليد على المنافع مطلقا في غاية القرب، هذا.

لكن الانصاف صدق اليد على المنافع كصدقها على الأعيان. توضيحه: أنّ المنفعة هي الحيثية القائمة بالعين التي تستوفى تارة و لا تستوفى أخرى. و إن شئت فقل: إنّ المنفعة- التي هي معنى اسم المصدر- قائمة بالعين قيام اللازم بالملزوم و العرض بالمعروض، فمنفعة الدار مثلا هي صلاحيّتها للمسكونيّة. و هذا القابلية ثابتة للعين، و ليست تدريجية الوجود، فلا يتقوّم باستيفاء المستوفي لها تدريجا، حتى يستشكل في شمول النبوي لها بعدم كونها موجودة مجتمعة أجزاؤها في الوجود.

نعم لا تصلح المنافع لشمول الأخذ لها بالأصالة. و هذا لا يقدح في شمول النبوي لها كما تقدّم من إطلاق الأخذ للأصالة و التبعية. فما أفاده الجواهر من التمسك بقاعدة اليد في العبارة المتقدمة في غاية المتانة.

نعم بناء على دخل الاستيفاء- الذي هو قائم بالشخص المنتفع في حقيقة المنفعة- كان ما أفيد من منع جريان النبوي في المنافع في محلّه، هذا.

لكنّه في غاية الضعف و السقوط، إذ لا شبهة في صحة إسناد الفوت إلى المنفعة، بأن يقال: فاتت المنفعة، أو: فوّتها الغاصب، أو: استوفاه. و صحة هذه الإضافة منوطة

41

____________

بكون المنفعة هي الحيثية القائمة بنفس العين التي تستوفى تارة و لا تستوفى اخرى.

و ليس الاستيفاء الذي هو معنى مصدري دخيلا في مفهوم المنفعة التي هي من الحيثيات القائمة بالعين كالدار، هذا.

ثمّ إنّه لو شكّ في دخل فعل المنتفع في حقيقة المنفعة القائمة بالعين- التي وقعت تحت اليد- بحيث رجع الى الشبهة المفهومية بأن يدّعى إجمال مفهوم المنفعة، لم يمكن التمسك بالحديث المزبور، لعدم جواز التمسك بالدليل مع عدم إحراز موضوعه. كما إذا شك في أنّ مفهوم العالم الواجب إكرامه هل له سعة يشمل العالم الفلسفي أم لا؟

فلا يجوز التمسك لحكمه بدليل وجوب إكرام العالم كما لا يخفى.

القسم الثالث: الحقوق القسم الثالث: و هو أخذ الحقوق، و الحكم فيه عند جماعة منهم العلّامة المامقاني (قدّس سرّه) هو حكم المنفعة في عدم تناول حديث اليد لها، لعدم صدق أخذ اليد عليها (1). و عند جماعة أخرى شمول الحديث لها كشموله للمنافع على ما عن غير واحد، فغصب الحقوق كالتحجير و حقّ السبق إلى المشتركات كالسوق و المسجد و الخان و نحوها كغصب الأعيان و المنافع، فإنّها تدخل تحت اليد، لصدق الاستيلاء عليها عرفا. و لا يراد من الأخذ القبض حتى يختص المأخوذ بالأعيان. و لا يشمل غيرها من المنافع و الحقوق.

و بالجملة: فغصب العين المتعلّقة للحق كغصب العين المتعلقة للملك في شمول النبوي لها، و أداء الحق بأداء موضوعه، فأداء حق التحجير و السبق إلى المشتركات بأداء متعلقّه كالأرض و المسجد و غيرهما.

و الحاصل: أنّه بناء على ظهور الأخذ باليد و التأدية في العين خاصّة لا يشمل

____________

(1) غاية الآمال، ص 272

42

____________

النبوي المنافع و الحقوق كما عليه غير واحد على ما تقدم آنفا.

القسم الرابع: ما ليس بملك و لا حقّ القسم الرابع: أعني به ما لا يدخل تحت التسلط بالتملك أو الاستحقاق كالحرّ و الخمر و الخنزير بالنسبة إلى المسلم. و حكمه على ما ذكره غير واحد من الأصحاب عدم دخوله تحت الحديث الشريف، لما مرّ من ظهور النبوي في الضمان، و لا ضمان في غير المملوك بمجرد اليد. و لأنّ غاية الضمان هو الأداء إلى من يجب الدفع إليه كالمالك و نحوه، و لا تأدية في غير المملوك، لعدم وجود المؤدّى إليه، فخروجه عن الرواية واضح.

و لا فرق في غير المملوك بين أن لا يكون قابلا للتملك من أصله كالحرّ المسلم و الخنزير و غيرهما، فإنّ ذلك غير مضمون باليد، و بين أن يكون قابلا له و لكن لم يجر عليه ملك أحد كالمباحات، فإنّه لا ضمان في أخذه.

و عن جماعة تعليل الحكم في الحرّ بأنّه لا يدخل تحت اليد.

فإن أرادوا بذلك أنّه لا يدخل تحت اليد شرعا فهو حسن، إذ ليس الحرّ مالا مملوكا شرعا حتى يدخل تحت اليد و يكون مضمونا على آخذه. لكن مقتضى القواعد هو الأخذ بالمعنى العرفي. و هو الاستيلاء، و لا مدخل للشرع في ذلك. بل إرادة اليد الشرعية تنتج عكس المدّعى، إذ يلزم حينئذ عدم ضمان الغاصب، لأنّه لا يدله شرعا على المال. و يلزم ضمان من له يد على المال شرعا كالأولياء. و هذا عكس المدّعى.

و إن أرادوا بقولهم: «إنّه لا يدخل تحت اليد» عدم دخوله عرفا تحت اليد، ففيه منع، ضرورة أنّ الحريّة و الرقّيّة أمران اعتباريّان لا مدخل لهما في الصدق العرفي، بداهة أنّ كل من تسلّط على إنسان بحيث يتصرّف فيه كيف يشاء يقال: إنّه مستول عليه، و هو في يده، من غير فرق فيه بين كونه حرّا و مملوكا.

فالأولى أن يقال في عدم ضمانه: إنّ دليل الضمان لا يشمله إذ المتبادر منه هو

43

____________

المملوك، خصوصا بقرينة قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «حتى تؤدّي» و نحو ذلك، لظهوره في تأدية المأخوذ إلى مالك أمره، و إلّا فلا معنى للتأدية، لقيام التأدية بالمؤدّي و المؤدّى و المؤدّى إليه، فللتأدية إضافات ثلاث، فلا يشمل ما لا يقبل الملك كالحرّ و الخمر للمسلم، لعدم من يؤدي إليه المأخوذ.

اللهم إلّا أن يقال: إنّ المملوكية مما لا دخل له في صدق الأخذ و الأداء العرفيّين، فلا يعتبر في الضمان كون المأخوذ مملوكا شرعا. فالقول باعتبار كون المأخوذ ملكا شرعا في صدق الأخذ و الأداء خال عن الدليل، و مناف لأوضاع الألفاظ العربية، و لا إشعار للأخذ و الأداء باعتبار كون المأخوذ مملوكا شرعا.

و عليه فخمر المسلم و خنزيره من جملة مصاديق الحديث، لثبوت الإضافة العرفية إلى المسلم الموجبة لصدق الأداء إليه المجعول غاية في الكلام.

و كذا الحال في الأوقاف العامة و الخاصة، لثبوت الإضافة إلى الموقوف عليهم المستلزم لتحقق الأخذ و الأداء إذا استولى عليها غيرهم.

نعم يخرج الحرّ، لعدم قابليته للأداء، لعدم وجود من يؤدّي إليه و لو عرفا، إذ لا يضاف الحرّ إلى أحد بالمملوكية و الاستحقاق. و لولا التقييد بالغاية لقلنا بأنّ من استولى على الحرّ و أثبت يده عليه ضمنه لو تلف تحت يده، لصدق قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «على اليد ما أخذت» بالمعنى الذي تقدّم، و هو كون ضمانه و عهدته عليه لو تلف.

و الحاصل: أنّ الحر يخرج عن مقتضى الحديث من جهة عدم قابليّته للأداء لأجل عدم وجود من يؤدّي إليه المأخوذ و لو عرفا، إذ لا يضاف الحرّ إلى أحد بالمملوكية و الاستحقاق عرفا أيضا.

و أمّا الخمر و الخنزير فلخروجهما عن مفاد الحديث، لما دلّ على عدم احترامهما، و إلّا فلا إشكال في صدق الأخذ و الأداء عليهما عرفا، و في ثبوت الإضافة العرفية لهما إلى المسلم الموجبة لصدق الأداء إليه المجعول غاية في الكلام، كصدق الأخذ عليهما.

فالمتحصل: أنّ الحرّ خارج عن حيّز الحديث تخصّصا، لعدم إضافته إلى أحد حتى

44

____________

يصدق الأداء عليه و أنّ الخمر و الخنزير اللذين هما تحت يد المسلم خارجان عن حيّز الحديث بالتخصيص، لصدق الأخذ و الأداء عرفا عليهما، فالخروج حينئذ يكون بالتخصيص الناشئ عمّا دلّ على عدم احترامهما. و عدم كونهما معنونين بعنوان من الملكية و الوقفية و الزكاة و غيرها حتى يكون بدلهما حافظا لذلك العنوان، فإنّ من أتلف الغنم التي هي زكاة، كان بدلها المضمون على المتلف معنونا أيضا بعنوان الزكاة، و يقال:

إنّه زكاة كما كان مبدلها زكاة. و هذا بخلاف الخمر و الخنزير المضافين إلى المسلم. هذا.

ثم إنّ ما تقدّم في الحرّ كان بالنسبة إلى نفسه. و أمّا بالإضافة إلى منافعه، فإن استوفاها الآخذ ضمنها، لأنّ استيفاء عمل الغير يوجب الضمان، لقاعدة الاستيفاء.

و إن لم يستوفها فضمانها مشكل إلّا أن يتمسك فيه بقاعدة الإتلاف. و قد تقدم شطر من الكلام فيه في بحث عمل الحرّ، فراجع. (1)

و أمّا حديث «على اليد» فلا يشمل منافع الحرّ، لأنّ اليد على نفس الحرّ كالعدم فضلا عن منافعه، فلا بدّ من التمسك فيها بقاعدة الإتلاف، كما تقدم.

7- المراد من الأداء المجعول غاية للضمان بقي الكلام في ارتفاع الضمان المدلول عليه بالحديث. اعلم: أنّه قد جعل في الحديث رافع الضمان التأدية، لقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «حتّى تؤدي» و محصل ما يستفاد من هذه الغاية أنّ الغاصب ضامن للمغصوب، و لا يرتفع ضمانه بمجرّد إذن المالك له في إبقائه تحت يده، بل المترتب على الاذن ليس إلّا ارتفاع الإثم الذي نشأ عن عدوانية يده، و لا ملازمة بين ارتفاع الإثم و بين بقاء الحكم الوضعي الثابت إلى أن يتحقق الأداء بتسليمه إلى المالك كما هو قضيّة قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «حتّى تؤدي» فلا يرتفع الضمان إلّا بالأداء.

____________

(1) هدى الطالب، ج 1، ص 71 الى 85

45

____________

نعم إذا وكّله المالك في التسلّم من قبله، فتسلّم الغاصب ما غصبه وكالة عن مالكه أمكن القول بارتفاع الضمان حينئذ، لتبدّل يده العادية باليد الأمانية. فالغاصب لصيرورته وكيلا فعلا صار قبضه و تسلّمه كتسلّم المالك موجبا لارتفاع الضمان عنه، هذا.

و قد استشكل بعض الفقهاء في ذلك بأنّ ظاهر الحديث هو الضمان ما لم يحصل التسليم و التأدية إلى المالك، خرج عنه التسليم الى يد الوكيل إذا كان غير الغاصب بالإجماع، و أمّا الغاصب الوكيل فخروجه غير معلوم، و الأصل يقضي بالعدم، هذا.

لكنه مندفع بأنّ أدلة الوكالة- على فرض تماميتها- حاكمة على أدلة الضمان، لكونها موجبة لتبدل الموضوع الموجب للضمان، فإنّ موجبه و هو اليد العدوانية يتبدل بسبب الوكالة بالأمانية، فإذا صارت يد الغاصب أمانيّة ارتفع الضمان. و لا فرق في الحكم بارتفاع الضمان بين الوكيل الغاصب و غيره كما هو مقتضى إطلاق أدلة الوكالة. و إلّا لم يكن وجه لخروج الوكيل غير الغاصب أيضا، لعدم كونه بالخصوص مورد الإجماع حتى يمتاز به عن الغاصب كما لا يخفى.

ثمّ الظاهر أنّ المراد بالتأدية إلى المالك هو جعله مستوليا عليه. فكما أنّ مجرّد وضع اليد على ثوب الغير ليس غصبا له، فكذلك مجرّد وضع المالك يده على ما غصب منه من دون استيلائه عليه- كما إذا وضع يده على ثوبه الذي غصبه غاصب- ليس رافعا للغصب و مصداقا للتأدية الرافعة للضمان. فإذا غصب شخص نقدا من صرّاف ثم دفعه إلى ذلك الصرّاف لينقده لم يكن هذا الدفع ضدّا للغصب و تأدية للمغصوب حتّى يرتفع الضمان، بل الغاصب ضامن له إذا تلف بآفة سماوية أو أخذه ثالث من يده، لعدم حصول التأدية الرافعة للضمان.

و الحاصل: أنّه لا يصدق التأدية إلى أحد إلّا إذا استولى عليه. ألا ترى أنّ تسليم النقد إلى الصرّاف لينقده لا يسمّى تأدية إليه.

هذا مضافا الى الإجماع المستنبط من تتبّع كلماتهم.

46

____________

و إلى الأصل مع الإغماض عن دلالة الحديث، فإنّ الاستصحاب يقضي ببقاء الضمان ما لم يحصل استيلاء المالك على المغصوب.

فتلخص: أنّ براءة ذمة الغاصب عن المغصوب منوطة باستيلاء المالك أو من يقوم مقامه عليه و لو قهرا و بدون اطّلاع الغاصب و إذنه، كما إذا أخذه المالك بالقهر و الغلبة و استولى عليه. فالمدار في حصول البراءة- و سقوط الضمان- على وصول المال إلى مالكه على وجه يكون مستوليا عليه. و هذا المعنى يتحقق قطعا بما إذا دفع المغصوب الى المغصوب منه بعنوان أنّه ماله و ملكه ليتصرّف فيه كتصرف سائر الملّاك في أملاكهم كما اختاره الشهيد الثاني (قدّس سرّه) قائلا: «بأنّ التسليم التام إلى المالك الموجب لارتفاع الضمان هو التسليم بهذا النحو» (1).

و أمّا إذا دفع إليه بنحو آخر كعنوان الأمانة المضمونة كالعارية المضمونة، أو عارية الذهب و الفضة مطلقا، أو غير المضمونة كالوديعة، أو بعنوان التمليك الضماني كالبيع منه، أو الهبة المعوّضة أو الإجارة أو الصلح غير المحاباتي أو نحو ذلك أو التمليك المجّاني كالهبة غير المعوّضة، ففي كونه رافعا للضمان إشكال.

و التحقيق أن يقال: إنّ رافع الضمان هو التأدية التي هي أمر عرفي، فلا بدّ من تحقق التأدية عرفا. و الظاهر تحققا باستيلاء المالك على التصرفات في العين، بحيث يكون تصرّفه فيها مستندا إلى مالكيّته لها و لو بزعم ملكية جديدة. فالاختلاف في موجبات الملكية لا يمنع عن صدق التأدية، فإذا دفع المغصوب إلى مالكه بعنوان التمليك الضماني أو المجّاني كان ذلك ردّا للمال إلى مالكه، لأنّ التأدية مقدمة للوصول إلى المالك بنحو يكون مستوليا عليه و متصرفا فيه تصرف الملّاك في أملاكهم، كما كان متصرفا فيه قبل غصب الغاصب. فالتأدية مقدّمة لعود السلطنة التامة التي كانت ثابتة للمالك، فلا تصدق التأدية على ردّ المال إلى مالكه بعنوان الوديعة أو العارية، لعدم كونهما موجبين لعود سلطنة المالك، إلّا إذا علم بالحال. فحينئذ لا يكون قبول المالك

____________

(1) مسالك الأفهام، ج 12، ص 205؛ الروضة البهية، ج 7، ص 55

47

____________

قبولا للوديعة و العارية، فلا يتحقق عقداهما.

و على كلّ حال إذا شك في كون الرّدّ تأدية رافعة للضمان فالاستصحاب يقضي ببقاء الضمان كما لا يخفى.

و اعلم أنّ في حكم التأدية الرافعة للضمان إتلاف المالك لما غصب منه إذا كان موجبا لضمانه لو تعلّق بغير ماله.

توضيحه: أنّ إتلاف المالك تارة يكون بنحو يوجب الضمان لو كان المال لغيره، كما إذا اعتقد أنّ المتاع الفلاني مال زيد، فغصبه و أتلفه، ثم تبيّن أنّه له.

و أخرى بنحو لا يوجب الضمان، كإتلاف الضيف ما قدّمه المضيف إليه من الطعام بالأكل، فإنّ هذا الإتلاف لا يوجب الضمان، فلو غصب زيد شاة عمرو ثم أطعمه إيّاها بعنوان الضيافة، فحينئذ و إن استولت يد المالك على ماله و أتلفه بالأكل، لكنّه لا يوجب سقوط ضمان الغاصب، لتغريره للمالك. بل يتأكد الضمان بقاعدة الغرور، و لذا يستقر الضمان على الغارّ لو أكل المغرور مال ثالث بتغريره.

و اتّضح ممّا ذكرنا سرّ ما أفاده الشهيد (قدّس سرّه) في اللمعة و غيره من الفقهاء من: أنّه لو غصب شاة فأطعمها المالك مع جهل المالك بكونها شاته ضمنها الغاصب (1).

فالمتحصل: أنّ إتلاف المالك على الوجه الأوّل- و هو اعتقاد المالك بكون المال لغيره، فأتلفه بقصد الإضرار بمالكه- يرفع ضمان الغاصب. بخلاف ما إذا كان على الوجه الثاني، فإنّه لا يرفعه.

و لو باع المغصوب من مالكه و شرط عليه إتلافه اليوم، فاشتراه و أحرقه، فهل يعدّ هذا من الغرور حتى لا يسقط الضمان، أم لا؟ فيه وجهان، أظهرهما صدق الغرور عليه عرفا.

هذا تمام الكلام فيما يتعلّق بالنبويّ المشهور. و قد علم مما ذكر وجه دلالته على الحكم الوضعي أعني به ضمان المقبوض بالعقد الفاسد، و اللّه العالم.

____________

(1) راجع الروضة البهية، ج 7، ص 54؛ مسالك الأفهام، ج 12، ص 157 و 205؛ شرائع الإسلام، ج 3، ص 242

48

[ج الدليل الثالث: أخبار ضمان منفعة الأمة المسروقة]

و يدلّ على الحكم المذكور (1)

____________

الدليل الثالث: أخبار ضمان منفعة الأمة المسروقة

(1) و هو ضمان المقبوض بالبيع الفاسد، و هذا دليل ثالث على المدّعى، و محصّله استظهار الحكم بضمان الأصل بالأولوية من ضمان المنافع غير المستوفاة، توضيحه: أنّه ورد في عدّة روايات (1) السؤال عن حكم شراء جارية من السوق، و أنّه استخدمها أو استولدها المشتري، ثم تبيّن كونها مسروقة، و قد ظفر بها مالكها. فأجاب (عليه السلام) بأنّ المشتري يأخذ ولده، و يردّ الجارية و قيمة الولد إلى مالكها.

و تقريب الاستدلال بها على ضمان المقبوض بالعقد الفاسد هو: أنّ جواب الامام (عليه السلام) متضمن لحكمين، أحدهما: وجوب ردّ الجارية، و هو مقتضى فرض فساد البيع، و ثانيهما:- و هو محل الشاهد- كون المشتري ضامنا لقيمة الولد.

و الاستدلال بهذا الحكم على ضمان المقبوض بالعقد الفاسد يتوقف على مقدمتين:

الأولى: إثبات كون موجب الضمان هو اليد، لا غيرها من موجباته كالإتلاف و الاستيفاء و التسبيب.

الثانية: إثبات أولويّة ضمان الجارية من ضمان نمائها.

أمّا الأولى فبيانها: أنّ الضمان مستند إلى التلف الحكمي لا إلى الإتلاف و التسبيب و الاستيفاء، و ذلك لوضوح أنّ الجارية و منافعها مملوكة لسيّدها، و من منافعها قابليتها للاستيلاد، فمن استوفى شيئا من منافعها من كنس و طبخ و خياطة و وطي كان ضامنا لبدلها للمالك، كضمان من يلقي البذر في أرض الغير و يزرعه فيها، فإذا استولدها المشتري كان الولد منفعة لها، لكنّه لم يستوف هذه المنفعة، لأنّ الولد ينعقد حرّا بحكم الشارع تبعا لأبيه، و لا ينعقد رقّا حتى يقابل بالمال. و عليه فحكمه (عليه السلام) بضمان نمائها- و هو الولد- إنّما هو لتلفه على مالك الجارية بسبب حرّيّته‌

____________

(1) وسائل الشيعة، ج 14، ص 592- 590، الباب 88 من أبواب نكاح العبيد و الإماء.

49

أيضا (1) قوله (عليه السلام) في الأمة المبتاعة- إذا وجدت مسروقة، بعد أن أولدها المشتري- «أنّه يأخذ الجارية صاحبها، و يأخذ الرجل ولده بالقيمة» (2)

____________

التي هي بحكم التلف السماوي.

فإن قلت: إنّ المشتري بمباشرته للجارية ألقى نطفة الحرّ في رحمها و أتلف على مالكها قابليّتها لأن تصير حاملة بالرّق، فيكون ضمان قيمة الولد مستندا إلى إتلاف نماء الأمة لا إلى التلف، لأنّه نظير منع المستأجر أو المالك عن السكنى في الدار، فإنّ المانع ضامن لاجرة المثل.

قلت: الإتلاف هو إعدام الموجود عن صفحة الوجود، و هذا غير صادق في المقام، إذ المشتري بمباشرته معها أحدث نماء لها غير قابل للتملّك، و عدم تملكه لا يستند إليه، بل إلى حكم الشارع بحرّيّة الولد تبعا لأبيه في الحرّية، فلم يبق إلّا أن يكون ضمان قيمة الولد لأجل تلف النماء حكما، و هو كالتلف الحقيقي السماوي في اقتضائه للضمان.

و يشهد له أن المضمون هو قيمة الولد، لا قيمة منفعة الجارية و هي قابليّتها للاستيلاد. هذا تقريب كون الضمان للتلف لا الإتلاف.

و أمّا الثانية- و هي أولوية ضمان العين من ضمان النماء- فواضحة، لأنّ اليد على المنفعة تابعة لليد على العين، فإذا حكم الشارع بضمان اليد التابعة فاليد المتبوعة المتأصلة أولى بالضمان قطعا.

هذا بيان الاستدلال بهذه الطائفة على ضمان المقبوض بالعقد الفاسد.

(1) يعني: كما دلّ الإجماع و حديث «على اليد» على ضمان المقبوض بالعقد الفاسد.

(2) هذا مفاد مرسلة جميل بن درّاج عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «في رجل اشترى جارية فأولدها، فوجدت مسروقة، قال: يأخذ الجارية صاحبها، و يأخذ الرجل‌

50

فإنّ (1) ضمان الولد بالقيمة- مع كونه (2) نماء لم يستوفه المشتري- يستلزم ضمان

____________

ولده بقيمته» (1).

و بهذا المضمون روايات أخرى، منها معتبرة جميل بن درّاج عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «في الرّجل يشتري الجارية من السوق، فيولدها، ثم يجي‌ء مستحقّ الجارية، قال: يأخذ الجارية المستحقّ، و يدفع إليه المبتاع قيمة الولد، و يرجع على من باعه بثمن الجارية و قيمة الولد التي أخذت منه» (2). و كان الأولى الاستدلال بهذه المعتبرة لا بالمرسلة، و لعلّ نظر المصنف إلى وحدة المضمون المتضافر نقله، لا إلى خصوصيّة الخبر المتكفّل للحكم، فتأمّل.

(1) هذا تقريب الاستدلال، و قد تقدم آنفا، و محصّله: أنّ ضمان المنفعة- غير المستوفاة- للمقبوض بالبيع الفاسد يستلزم بالأولويّة ضمان الجارية لو تلفت بيد المشتري.

(2) أمّا كون الولد نماء و منفعة للجارية فواضح، لأنّه قد تكوّن في رحمها. و أمّا أنّ المشتري لم يستوف هذه المنفعة الخاصة كما استوفى سائر خدماتها من كنس و طبخ و خياطة و شبهها فلأنّ الولد تابع لوالده في الحرّيّة، فهو من حين انعقاد نطفته يتكوّن حرّا، و من المعلوم أنّ الحرّ لا يقوّم بالمال.

و عليه فغرض المصنف من قوله: «لم يستوفه» هو دفع ما توهّمه بعضهم من أنّ ضمان المشتري لقيمة الولد يكون لأجل استيفاء منفعة رحم الأمة بإشغاله بنطفته التي هي نطفة حرّ، كما يضمن قيمة سائر منافعها المستوفاة، فتكون الرواية أجنبيّة عن ضمان المقبوض بالبيع الفاسد إذا تلف بيد القابض، لدلالتها على الضمان باستيفاء المنفعة، و هو ممّا لا ريب فيه.

____________

(1) وسائل الشيعة، ج 14، ص 592، الباب 88 من أبواب نكاح العبيد و الإماء، الحديث 3

(2) وسائل الشيعة، ج 14، ص 592، الباب 88 من أبواب نكاح العبيد و الإماء، الحديث 5

51

الأصل بطريق أولى (1).

و ليس (2) استيلادها من قبيل إتلاف النماء (3) بل من قبيل إحداث

____________

و أجاب عنه المصنف بمنع صدق الاستيفاء هنا، لعدم انتفاع المشتري منها بالولد، ضرورة عدم مقابلة الحرّ بالمال. و بهذا يظهر الفرق بين الاستيلاد و بين منافعها الأخرى، لصدق الاستيفاء عليها، فتكون مضمونة بأجرة المثل، بخلاف الاستيلاد.

(1) لما عرفت من أنّ اليد على المنافع تكون بتبع اليد على العين، فإذا كانت اليد التابعة مضمّنة فالأصلية أولى بالتضمين.

(2) غرضه (قدّس سرّه) دفع إشكال، محصّله: عدم ارتباط ضمان النماء بما نحن فيه- و هو ضمان التلف باليد- حتى يصحّ الاستدلال به على ضمان المقبوض بالعقد الفاسد، و ذلك لأنّ مورد الرواية ضمان الإتلاف لا التلف، و بيانه: أنّ استيلاد الجارية أتلف منفعتها على مالكها، لأنّ رحمها كان مستعدّا لانماء نطفة الرّق، و قد سلب المشتري عنه ذلك بإشغاله بنطفته. و بهذا يصدق الإتلاف، و لا يتوقف صدقه على فعليّة النماء، بشهادة أنّ من سقى أشجار الغير- المستعدة للإثمار- بماء مالح يمنعه عن الاثمار يصدق عليه عرفا أنّه أتلف ثمرها. و كذا في المقام، فإنّ الاستيلاد بمنزلة إتلاف النماء، لانعقاده حرّا، هذا.

و قد دفعه المصنف (قدّس سرّه) بمنع صدق الإتلاف- الذي هو إعدام الموجود- هنا، إذ ليس للجارية نماء موجود حتّى يتلفه المشتري. بل أحدث فيها نماء غير قابل لأن يتملّكه مالك الجارية، حيث إن حرّية المشتري منعت- شرعا- عن انعقاد ولده رقّا.

و ليس مستند عدم دخوله في ملك مالكها فعل المشتري حتى يضاف التلف إليه، و يصير هو المتلف له. و لمّا كان الولد بمنزلة التلف على المالك كان ضمان قيمته مقتضيا لضمان التالف الحقيقي بالأولويّة.

(3) حتى يكون أجنبيّا عن المدّعى و هو ضمان اليد.

52

المشتري نماءها غير (1) قابل للملك، فهو كالتالف (2) لا كالمتلف (3)، فافهم (4) [1].

____________

(1) حال ل‍ «إحداث» يعني: أحدث المشتري باستيلادها نماء غير قابل للدخول في ملك مالك الجارية، و عدم دخول هذا النماء الخاصّ في ملكه يستند إلى حكم الشارع بحرّية الولد، لا إلى وطي المشتري لها.

(2) أي: التالف بالتلف السماوي، و هو مورد ضمان اليد.

(3) حتى يكون موردا لإتلاف مال الغير، فقاعدة الإتلاف أجنبية عنه.

(4) لعلّه إشارة إلى: دعوى إمكان صدق الإتلاف على مورد الرواية، فلا يصحّ الاستدلال بها على المقام.

أو إلى: أنّ الاستيلاد إشغال لها بالولد، فهو استيفاء لنمائها، فيكون الولد مضمونا بقاعدة الاستيفاء، لا باليد التي هي مورد البحث، هذا.

إلّا أن يقال: إنّ الولد من منافع الجارية، و ليس إشغالها بالمحلّ منفعة لها عرفا، و لذا تضمّنت الرواية قيمة الولد لا قيمة الأشغال.

أو يقال: إنّ الضمان في مورد الرواية إنّما هو لأجل تسليط الغاصب، بخلاف المقبوض بالعقد الفاسد، فإنّ التسليط فيه من نفس المالك و إذنه و لو بعنوان الوفاء بالعقد، فالضمان في مورد الرواية لا يقتضي الضمان في المقام.

إلّا أن يدّعى القطع بكون مناط الضمان فساد العقد، و هو جار في المقام و مورد الرواية.

لكن هذه الدعوى لا تخلو عن مجازفة.

____________

[1] لا يخفى أنّه اختلفت أنظار الأعلام (قدّس سرّهم) في موجب الضمان في النصوص المتكفلة لضمان قيمة الولد، فاختار المصنّف أنّه التلف الحكمي، و وافقه المحقق النائيني (قدّس سرّه) ببيان آخر سيأتي التعرّض له، و رجّح السيد و المحقق الأصفهاني (قدّس سرّهما) أنّه إتلاف منفعة الرّحم، و احتمل المحقق الايرواني (قدّس سرّه) كلّا من الاستيفاء و الإتلاف.

53

..........

____________

فلعلّ الأولى أن يكون الأمر بالفهم إشارة إلى: أنّ الوطي إذا كان مانعا عن صدق الإتلاف على حدوث الولد غير قابل للملك، فلا محالة يكون مانعا أيضا عن صدق الضمان باليد، ضرورة أنّ التلف تحت اليد إنّما يوجب الضمان باليد إذا كان التالف ملكا للمضمون له. و من المعلوم أنّ الولد ليس كذلك، لعدم كونه ملكا لصاحب الجارية، فلا تكون الرواية شاهدة لما نحن فيه من ضمان المأخوذ باليد، بل تدلّ على ضمان الولد بسبب تعبّديّ غير الأسباب المعروفة. بل عدم تعرّض الرواية لضمان منافع الأمة من حين الشراء إلى زمان الرّدّ يومي إلى عدم ضمان الرّدّ بالنسبة إلى المنافع.

فالمتحصل: أنّ الروايات الدالة على ضمان قيمة الولد لا تدلّ على ضمان المقبوض بالعقد الفاسد ضمان اليد.

____________

أمّا المحقق النائيني فقد أفاد في تقريب استناد الضمان إلى التلف- لا إلى الإتلاف و الاستيفاء و التسبيب- ما حاصله: «أنّ استيلاد الأمة ليس داخلا تحت العناوين المذكورة، لعدم استيفاء المشتري منفعة الأمة، فإنّ استيفاء المنافع إنما هو من قبيل الركوب على الدابة و السكنى في الدار و أكل الثمرة و شرب لبن الشاة و وطي الجارية و نحوها، و ليس الولد منفعة لها، و لا ممّا كان المشتري سببا لإتلافها، إذ ليس الولد ملكا لمالك الأمة حتّى يكون المشتري سببا لإتلافه. و عدّ العرف إيّاه منفعتها لا اعتبار به، لعدم كون نظره متّبعا في تشخيص المصاديق. نعم أوجد المشتري سبب فوت النماء على المالك، لأنّ وطيه- الذي استلزم الحمل- صار سببا لفوت المنفعة عليه، لكن لا ضمان على من منع المالك من التصرّف حتى تلفت المنفعة. و عليه فضمان قيمة الولد لكونه حرّا إنّما هو من جهة تبعية المنافع التالفة للعين المغصوبة، فيدلّ الخبر على ضمان العين، لا للأولوية، بل لأنّ ضمان العين صار سببا لضمان التالف» (1).

أقول: ما أفاده (قدّس سرّه) مخالف لما استظهره المصنّف (قدّس سرّه) من وجهين: أحدهما: إنكار

____________

(1) منية الطالب، ج 1، ص 117 و 118

54

____________

كون الولد منفعة للجارية، و الآخر: إنكار الأولوية، و جعل ضمان قيمة الولد مسبّبا عن ضمان العين المغصوبة. و صرّح في آخر كلامه بأنّ حكم الشارع بحرّية الولد تلف حكمي ملحق بالتلف الحقيقي.

أمّا إنكار كون الولد نماء للأمة- لعدم تبعية نظر العرف المسامحي في مقام تعيين المصاديق- فغير ظاهر، لصدق المنفعة عليه حقيقة، خصوصا بملاحظة إطلاق الانتفاع على الولد في ما رواه زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) في حكم الجارية المسروقة التي استولدها المشتري: «يردّ إليه جاريته، و يعوّضه بما انتفع، قال: كان معناه قيمة الولد» (1) و الظاهر أنّ تفسير عوض المنفعة بقيمة الولد من زرارة، و المهمّ إطلاق المنفعة المستوفاة على الاستيلاد، إذ لم يذكر في هذه الرواية استيفاء منفعة أخرى من منافع الجارية. و هذا المقدار كاف في عدم العناية و المسامحة في إطلاق المنفعة على الولد.

لكن هذه الرواية ربّما تشكل الأمر على المصنّف (قدّس سرّه) أيضا، فإنّه و إن اعترف بكون الولد نماء للجارية، إلّا أنّه ادّعى عدم استيفاء المشتري له، مع أنّ ظاهر قوله (عليه السلام):

«بما انتفع» بل صريحه كون الولد منفعة مستوفاة، هذا.

و أمّا إنكار الأولويّة فغير ظاهر أيضا، لما سيأتي في بحث ضمان المنافع المستوفاة من تأمّل بعضهم في صدق الأخذ عليها، و اختصاص حديث اليد بما يقبل الرّدّ إلى مالكه و هو العين. و حينئذ فإذا حكم الشارع بضمان قيمة الولد الذي هو من قبيل منفعة الجارية كان ضمان نفسها ثابتا بالأولويّة، مع اعترافه بتسبّب ضمان المنفعة عن ضمان العين، لليد.

نعم يمكن أن يكون نظر المصنّف الى أنّ الانتفاع لا يختص بما يقوّم بالمال حتى يصدق الانتفاع المالي على الولد، بل هو أعم من المال و الاعتبارات العرفية كتحصيل الوجاهة بين الناس، و لا شكّ في أن الولد منفعة بهذا المعنى.

هذا مضافا إلى غموض قياس الاستيلاد بمنع المالك عن استيفاء منفعة ملكه، مع

____________

(1) وسائل الشيعة، ج 14، ص 591، الباب 88 من أبواب نكاح العبيد و الإماء، الحديث 2