هدى الطالب في شرح المكاسب‌ - ج7

- السيد محمد جعفر المروج الجزائري المزيد...
672 /
7

الجزء السابع

[تتمة كتاب البيع]

[تتمة القول في شرائط العوضين]

[تتمة الثاني من شرائط العوضين أن يكون طلقا]

[تتمة مسألة و من أسباب خروج الملك عن كونه طلقا كونه وقفا]

[الوقف الدائم]

[تتمة الصور التي يجوز فيها بيع الوقف]

[الصّورة الثّانية أن يخرب بحيث يسقط عن الانتفاع المعتدّ به]

الصّورة الثّانية (1): أن يخرب بحيث يسقط عن الانتفاع المعتدّ به، بحيث

____________

الصّورة الثانية: أن يخرب الوقف بحيث يقل نفعه

(1) تقدم في الصورة الاولى أنّ عنوان «خراب الوقف فعلا» جامع بينها و بين الصّورة الثّانية و الثّالثة، و أنّ الفارق بينها عدم استعداد العين للبقاء في الاولى، و استعدادها له في الأخيرتين (1) [1].

ففي الصّورة الأولى يكون الانتفاع بالموقوفة مساوقا لإتلافها، كما في أكل لحم الحيوان المذبوح، و لذا دار الأمر فيها بين إبقاء العين حتّى تتلف، و ينتهي أمد الوقف بتلفها، و هو تضييع محرّم، و بين تبديلها، لكون البدل بقاء لمالية نفس الموقوفة.

و في الصّورة الثّانية- الّتي هي محلّ البحث- لا يوجب عدم التبديل تلف العين بالمرّة و لا تعذّر الانتفاع بها كلّيّة، بل يبقى مقدار يسير من المنفعة، كالدّار الموقوفة الّتي انهدمت فخرجت عن قابليّة السّكنى فيها، و لكن أمكن إيجار العرصة- التي‌

____________

[1] كما أنّه (قدّس سرّه) فرّق بين الصّورة الثانية و الثالثة بقلّة المنفعة في الثانية بما يلحق بالمعدوم عرفا، لقوله: «لا تبلغ شيئا معتدّا به» و قوله: «يصدق عليه أنّه لا يجدي نفعا» و قوله: «و إلّا فمجرّد حبس العين و إمساكه و لو من دون المنفعة لو وجب الوفاء به لمنع عن البيع في الصّورة الاولى». و قلّتها في الثالثة بما لا يلحق

____________

(1) هدى الطالب، ج 6، ص 611

8

..........

____________

هي جزء الموقوفة- بشي‌ء قليل، كما لو كان اجرة الدّار كلّ شهر عشرة دنانير، و اجرة العرصة- كذلك- در همين.

ففي هذه الصّورة يقع التّزاحم بين أمرين تعلّق غرض الواقف بكلّ منهما.

الأوّل: حفظ خصوصيّة العين، لكونها بخصوصيّتها محبوسة للموقوف عليه.

و لازمه رفع اليد عن الانتفاع الخاص كالسّكنى.

الثاني: حفظ خصوصية المنفعة المسبّلة حتى إذا توقف على تبديل العرصة بدار اخرى. و سيأتي في (ص 21) ترجيح هذا على الأمر الأول.

____________

بالمعدوم عرفا، كما هو صريح قوله فيها: «أن يخرب بحيث يقل منفعته، لكن لا إلى حد يلحق بالمعدوم» و لا بدّ أن يكون نظره إلى الصورة الثانية التي يلحق فيها ندرة المنفعة بالمعدوم، هذا.

و لكن يشكل الفرق المزبور بما أفيد: من أن المراد بقلّة المنفعة في الصّورة الثانية إن كان ما تقدم في كلامه من لحوقها بالمعدوم- كما في إجارة عرصة الدار بدرهمين شهرا- لم يصحّ الاستدراك عليه بقوله: «نعم لو كان قليلا في الغاية بحيث يلحق بالمعدوم أمكن الحكم بالجواز» لاتّحاد الاستدراك مع ما قبله موضوعا، و هو ندرة المنفعة بحيث يكون بحكم العدم عرفا.

و إن كان مراده من القلّة ندرة المنفعة بالنّسبة إلى ما كان عليه العين قبل الخراب مع كونها شيئا معتدا به عرفا- كما إذا كان اجرة العرصة نصف اجرة الدار حال عمرانها- فالاستدراك المزبور و إن كان في محلّه، لتعدّد الموضوع، إلّا أنه يلزم اتّحاد الصّورة الثانية و الثالثة (1).

و الحاصل: أن عدّ الصورة الثانية مستقلّة منوط بترك الاستدراك المزبور، ليتعدد موضوع البحث فيها و في الثالثة.

____________

(1) مصباح الفقاهة، ج 5، ص 203 و 204

9

يصدق عرفا (1) أنّه لا منفعة فيه (2)، كدار انهدمت، فصارت عرصة تؤجر للانتفاع بها (3) باجرة لا تبلغ شيئا معتدا به.

فإن كان ثمنه (4) على تقدير البيع لا يعطى به إلّا ما كان منفعته (5) كمنفعة العرصة، فلا ينبغي الإشكال في عدم الجواز.

____________

لكن المصنف (قدّس سرّه) فصّل هنا بين فرضين، و اختار عدم جواز البيع في أحدهما، و استشكل في الآخر.

ثمّ تعرّض لأمرين آخرين:

أحدهما: حكم قلّة المنفعة لموجب غير الخراب، كالاستغناء عن الخانات الموقوفة على المسافرين- في هذه الأزمنة- لاعتياد السفر بالسيارات و الطائرات و نحوهما.

ثانيهما: حكم وقف العنوان، و سيأتي البحث فيهما.

(1) و إن لم يصدق «عدم النفع» حقيقة، من جهة وجود نفع يسير فيه، كما مرّ في إجارة عرصة الدار بدر همين مثلا.

(2) هذا الضمير و ضمير «أنّه» و المستتر في «يخرب، يسقط» راجعة إلى الوقف.

(3) أي: بالعرصة، و قوله: «باجرة» متعلق ب‍ «تؤجر».

(4) أي: ثمن الوقف، و هذا هو الفرض الأوّل، و هو: أن تكون قيمة العرصة بحيث يتعذّر شراء شي‌ء بها يكون منفعته أزيد من اجرة العرصة، كما إذا كان قيمتها عشرة دنانير، و اجرتها شهرا در همين، و لو بيعت لم يتيسّر شراء شي‌ء- بالثمن- يكون نماؤه أزيد من در همين. و حكم هذا الفرض منع البيع، لأنّ الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها، و لم يحرز مسوّغ البيع بعد.

(5) أي: منفعة المعطى بالثمن، و المراد بالمعطى هو البدل المشترى بثمن الوقف.

و المقصود مساواة عائدة البدل و المبدل.

10

و إن كان (1) يعطى بثمنه (2) ما يكون منفعته (3) أكثر من منفعة العرصة، بل يساوي منفعة الدّار (4)، ففي جواز البيع و جهان:

من عدم دليل على الجواز (5) مع قيام المقتضي للمنع.

____________

(1) معطوف على «فإن كان» و هذا هو الفرض الثاني، و هو: أن يكون ثمن العرصة- على تقدير البيع- وافيا بشراء دكان مثلا يؤجر بدنانير، فتزيد منفعة البدل على منفعة العرصة فعلا، أعني بها الدر همين.

و في جواز البيع في هذا الفرض و عدمه و جهان، سيأتي بيانهما إن شاء اللّه تعالى.

(2) أي: بثمن الوقف.

(3) أي: منفعة المعطى، و هو البدل، كما إذا كانت العرصة في سوق يتخذ فيه محلات للتجارة، أو كانت في شارع عام يبذل لها ثمن كثير، و نحوهما مما يعدّ أجرة نفس العرصة قليلا بالنسبة إلى منفعة البدل.

(4) أي: منفعة الدار قبل انهدامها، فإذا كانت اجرتها شهرا عشرة دنانير، كان منفعة ما يشترى بثمن العرصة عشرة دنانير أيضا. و الوجه في الإضراب واضح، لأنّ شبهة جواز البيع تتأكّد عند مساواة البدل لمنفعة نفس الدّار الموقوفة المنهدمة.

(5) هذا وجه منع البيع، و حاصله: وجود المقتضي و فقد المانع. أمّا وجود المقتضي فلتعلّق غرض الواقف بحبس العين الخاصّة كالدّار التي تكون العرصة جزأها، و المفروض إمضاء الشارع هذا الإنشاء، بمثل «الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها». و أمّا فقد المانع، فلأنّ مسوّغ البيع هو خراب الوقف بحيث لا يجدي نفعا، فيجوز بيع الوقف الساقط عن النفع بالمرّة كما تقدّم في الصورة الاولى. و لكن لا ريب في عدم صدق هذا المانع على المقام، لفرض عود منفعة قليلة من العرصة إلى الموقوف عليهم. و يشهد لمنع جواز البيع تصريح العلّامة (قدّس سرّه) بعدم جواز بيع عرصة الدّار المنهدمة، لبقائها على الوقف.

11

و هو (1) ظاهر المشهور، حيث قيّدوا الخراب المسوغ للبيع بكونه بحيث لا يجدي نفعا (2).

و قد تقدّم (3) التصريح من العلّامة في التحرير بأنّه «لو انهدمت الدّار لم تخرج العرصة من الوقف، و لم يجز بيعها» (1).

اللهم إلّا (4) أن يحمل النفع المنفيّ في كلام المشهور على النفع المعتدّ به

____________

(1) أي: عدم جواز البيع في هذا الفرض ظاهر فتوى المشهور بجواز البيع إذا لم يجد نفعا أصلا، فمورد بقاء شي‌ء من النفع- كما في المقام- خارج عن جواز البيع.

(2) تكرّر قيد «عدم إجداء النفع» في كثير من العبائر التي نقلها المصنف (قدّس سرّه) في أوّل المسألة، ففي المقنعة «أو يحصل بحيث لا يجدي نفعا» و في الانتصار: «متى حصل له الخراب بحيث لا يجدي نفعا» و في المراسم: «حتّى لا ينتفع به على أيّ وجه كان» و في جامع المقاصد: «إذا خرب و اضمحلّ بحيث لا ينتفع به» و غيرها فراجع (2).

(3) غرضه (قدّس سرّه) من الاستشهاد بعبارة التحرير أنّ منع البيع عند عود شي‌ء من النفع يستفاد من مفهوم قولهم: «بجواز البيع بحيث لا يجدي نفعا». و من المعلوم أنّ دلالة المفهوم بالظهور لا بالصراحة، و لكن العلّامة صرّح بمنع بيع العرصة و ببقاء و قفيّتها.

(4) ظاهره الاستدراك على قوله: «من عدم دليل على الجواز» فيكون مقصوده بيان وجه جواز البيع، و كان الأنسب بسلاسة العبارة أن يقال: «و من أنّ النفع المنفي ...».

و كيف كان فتوضيح ما أفاده: أنّ مراد المشهور- الّذين قيّدوا جواز البيع بعدم‌

____________

(1) هدى الطالب، ج 6، ص 565

(2) المصدر، ص 558، 560، 563 و 568

12

بحسب (1) حال العين، فإنّ الحمام (2) الّذي يستأجر كل سنة مائة دينار إذا صارت

____________

إجداء النفع- ليس عدم ترتب المنفعة على الوقف بالدقّة العقلية حتى يكون حصول النفع القليل مانعا عن البيع، بل المراد سلب النفع المعتدّ به المناسب للعين الموقوفة، فلو خربت بحيث كان ما يصل إلى الموقوف عليه يسيرا ملحقا بالمعدوم جاز بيعها عند المشهور أيضا، ضرورة عدم كون البيع منافيا لغرض الواقف من حبس العين و تسبيل الثمرة، لأنّ مقصوده من حبس العين تسبيل منفعة خاصّة كالسكنى في الدّار، فسقوطها عن تلك المرتبة يوجب خروج الوقف موضوعا عن قوله (عليه السلام):

«الوقوف على حسب ما يقفها أهلها». و من المعلوم أنّ أدلّة حلّ البيع و الوفاء بالعقود تقتضي صحة تبديلها بشي‌ء آخر.

و يشهد لكون المراد من النفع المنفي هو النفع المعتدّ به كلام العلّامة في وقف التحرير، من «جعل عرصة الدّار المنهدمة الساقطة عن المنفعة بالكلّية مواتا وجها في المسألة» وجه الشّهادة: أنّ العرصة لا تصير مسلوبة المنفعة بالدقة العقلية، بل قد يستفاد منها بإيجارها لبعض الأغراض كجعلها مزبلة أو محلّا لبيع أنقاض الأبنية و نحوهما. و لكن لما كانت هذه الاجرة بحكم المعدوم بالنسبة إلى اجرة الدّار العامرة اتّجه القول بخروجها عن الوقف، و صيرورتها مواتا يجوز للكل التصرّف فيها.

(1) يعني: أن لكل عين موقوفة منفعة تناسبها، فإن كانت معتدّا بها لم يجز بيعها، و إن كانت قليلة غير معتنى بها جاز بيعها. مثلا إن كانت الدار تؤجر سنة بألف دينار، فالمقدار المعتدّ به خمسمائة دينار، فلو انهدمت و استؤجرت العرصة بخمسة دنانير لم تكن هذه المنفعة القليلة مقصودة و لا مناسبة لمنفعة الدار، و لا يصدق على العرصة «أنّها ذات منفعة» بل يصدق- عرفا- كونها مسلوبة المنفعة.

(2) غرضه التمثيل للنفع غير اللائق بالموقوفة، كما إذا كانت اجرة الحمّام العامر مائة دينار أو تسعين، و استؤجر عرصتها بعشرة دراهم، ضرورة عدم صدق «وصول النفع إلى الموقوف عليه» على هذه الإجارة.

13

عرصة تؤجر كل سنة خمسة دراهم أو عشرة لغرض جزئي- كجمع الزبائل (1) و نحوه- يصدق (2) عليه: أنّه لا يجدي نفعا (3). و كذا القرية (4) الموقوفة، فإنّ خرابها بغور أنهارها و هلاك أهلها، و لا تكون (5) بسلب [تسلب] منافع أراضيها رأسا. و يشهد لهذا (6) ما تقدّم عن التحرير: من جعل عرصة الدار المنهدمة

____________

(1) جمع «زبالة» بمعنى الفضولات و القاذورات. و لكن لم أظفر في اللّغة بهذا الجمع و لا بمفرده بلفظ «زبالة» التي هي اسم موضع. قال في اللّسان: «الزّبل- بالكسر- السرقين و ما أشبهه» (1) و لعلّ القاعدة تقتضي جمعه على «أزبال» كنظائره من «حبر، و شبل». و الغرض إيجار العرصة لجعلها مزبلة، أو لعرض البضائع فيها.

(2) خبر «فإنّ الحمّام» و ضمير «عليه» راجع إلى الحمّام.

(3) و قد تقدّم عن المشهور جواز البيع عند صدق «لا يجدي نفعا» على الوقف.

(4) هذا مثال آخر لصدق «عدم النفع» عرفا على المنفعة النادرة، فلا يكون خراب القرية الموقوفة بامتناع الانتفاع بها مطلقا حتى بإجارة أراضيها باجرة قليلة، بل يكون بغور نهرها و هلاك أهلها ممّا يوجب سلب معظم منافعها كالزرع. فيصدق عليها مع ما فيها من النفع الجزئي الملحق بالمعدوم «أنّها لا تجدي نفعا» فيجوز بيعها حينئذ.

(5) الأولى «يكون» لرجوع الضمير المستتر إلى خراب القرية، و بناء على ما في نسختنا من قوله «و لا تكون تسلب» فالضمير المستتر راجع إلى القرية، أي:

و لا تكون القرية الخربة مسلوبة المنفعة بالمرّة. و الأولى سوق العبارة هكذا:

«لا بسلب ...»، و يكون «لا» نافية عاطفة.

(6) أي: لحمل النفع المنفي في كلام المشهور على النفع المعتدّ به، المقصود من‌

____________

(1) لسان العرب، ج 11، ص 300

14

مواتا لا ينتفع بها بالكلّية (1)، مع أنّها كثيرا ما تستأجر للأغراض الجزئية.

فالظّاهر (2) دخول الصورة المذكورة (3) في إطلاق كلام كلّ من سوّغ البيع عند خرابه، بحيث لا يجدى نفعا. و يشمله (4) الإجماع المدّعى في الانتصار (5) و الغنية.

____________

العين الموقوفة.

(1) عبارة التحرير هي: «و لو قيل بجواز البيع إذا ذهبت منافعه بالكلية- كدار انهدمت و عادت مواتا و لم يتمكّن من عمارتها- كان وجها» فموضوع الحكم بعود الأرض مواتا هو عدم الانتفاع بها كلّيّة، و إن بقي شي‌ء يسير من فوائدها.

(2) هذا نتيجة حمل النفع المنفي- في كلام المشهور- على المعتدّ به، و حاصله:

أنّ حكمهم بجواز بيع الوقف- إذا صار بحيث لا يجدي نفعا- مطلق، يشمل صورتين، إحداهما: سلب تمام المنفعة، و الاخرى: سلب جلّ المنفعة. و لم يقيد هذا الإطلاق بسقوط العين عن تمام المنفعة، حتّى لا يجوز البيع عند بقاء شي‌ء منها.

(3) و هي خروج العين عن النفع المعتدّ به.

(4) الأولى تأنيث الضمير، لرجوعه إلى الصورة المذكورة، يعني: أن دليل حكمهم بجواز البيع عند الخراب هو الإجماع، الشامل للصورتين المتقدمتين على حدّ سواء.

(5) قال السّيد (قدّس سرّه) في كلامه المتقدم: «و ممّا انفردت الإمامية به القول بأنّ الوقف متى حصل له الخراب بحيث لا يجدي نفعا جاز لمن هو وقف عليه بيعه» ثم قال المصنف (قدّس سرّه): «ثمّ احتجّ باتفاق الإمامية».

و قال السيد أبو مكارم (قدّس سرّه): «و يجوز عندنا بيع الوقف ...» و كلمة «عندنا» ظاهرة في إجماع الإمامية، فراجع (1).

____________

(1) الانتصار، ص 226؛ الغنية، ص 298، و تقدّم نقلهما في ج 6، ص 561 و 563

15

لكن (1) الخروج بذلك (2) عن (3) عموم أدلة وجوب العمل بمقتضى وقف الواقف، الذي هو حبس العين (4)، و عموم (5) قوله (عليه السلام): «لا يجوز شراء الوقف» مشكل (6).

____________

(1) غرضه (قدّس سرّه)- بعد بيان وجه منع البيع و جوازه- ترجيح المنع، و حاصله:

وجود المقتضي لعدم جواز بيع الوقف المسلوب نفعه، و فقد المانع عنه. و تقدّم بيانهما في (ص 10).

(2) أي: بمجرّد صيرورة جلّ منفعة الوقف مسلوبة، و بقاء شي‌ء يسير منها.

(3) متعلق ب‍ «الخروج» يعني: أن سلب المنفعة المعتدّ بها لا يجوّز البيع مع ظهور دليلين في المنع.

أحدهما: عموم «الوقوف على حسب ما يقفها أهلها» الدال على إمضاء ما أنشأه الواقف من حبس العين أبدا، و منعها عن الحركة الاعتبارية، سواء بقيت العين على ما كانت عليه حال الوقف أم خربت بما يقلّ نفعها. و لا مخصّص للعموم المزبور حسب الفرض.

ثانيهما: عموم «لا يجوز شراء الوقف» الظاهر في منع المعاملة تعبّدا، سواء أ كان منع البيع مأخوذا في إنشاء الوقف أم غير مأخوذ فيه، و تقريب الظهور: أن كلمتي «الشراء و الوقف» من قبيل الجنس الواقع في حيّز النفي، و من شأنه إفادة العموم.

و لا فرق في عدم الجواز بين كون الوقف عامرا و خرابا، كما لا فرق بين قلّة عوائده و كثرتها، و لم ينهض دليل على تخصيص عموم الحرمة حتى يجوز الشراء حال قلّة المنفعة.

(4) يعني: حبسها أبدا، سواء صرّح الواقف بالتأبيد أم لم يصرّح به، فإنّ غرضه حال الإنشاء هو حبس العين دائما على الموقوف عليه.

(5) معطوف على «عموم» أي: الخروج عن عموم نفي جواز البيع.

(6) خبر قوله: «لكن الخروج» و منشأ الإشكال: عدم المخصّص.

16

و يؤيّد المنع (1) حكم أكثر (2) من تأخّر عن الشيخ بالمنع (3) عن بيع النخلة

____________

(1) بعد ترجيح منع البيع بالعمومين المزبورين، أيّده بفتوى جماعة من الفقهاء- المتأخّرين عن شيخ الطائفة- بمنع بيع النخلة المنقلعة، فإنّ المنفعة المقصودة المسبّلة حال الإنشاء هي ثمرتها، و هي منتفية بعد القلع، فإن أمكن الانتفاع بها لغرض آخر كالتسقيف، و جعلها جسرا على جدول و نحوهما ممّا يكون أجنبيّا عن جهة الوقف- و لا يكون منفعة معتدّا بها- لم يجز بيعها، و يتعيّن الانتفاع المزبور من تسقيف و شبهه. و هذا يؤيّد منع المصنف (قدّس سرّه) من البيع.

و التعبير بالتأييد لأجل كونه مختار أكثر من تأخّر عن شيخ الطائفة، و من المعلوم عدم كون حكم الأكثر- بل المشهور- من الحجج الشرعية، لكنه صالح للتأييد.

و إن تعذّر الانتفاع بالنخلة المنقلعة مطلقا كانت الفتوى المزبورة أجنبية عمّا نحن فيه من بقاء منفعة قليلة، لتعدّد موضوع المسألتين.

(2) كالحلّي و المحقق و العلّامة و فخر المحققين و المحقق و الشهيد الثانيين و غيرهم كما في مفتاح الكرامة و المقابس (1)، قال المحقّق (قدّس سرّه): «و لو انقلعت نخلة من الوقف، قيل: يجوز بيعها، لتعذر الانتفاع إلّا بالبيع. و قيل: لا يجوز، لإمكان الانتفاع بالإجارة للتسقيف و شبهه. و هو أشبه» (2).

(3) متعلق ب‍ «حكم».

____________

(1) مفتاح الكرامة، ج 9، ص 92، مقابس الأنوار، كتاب البيع، ص 62

(2) شرائع الإسلام، ج 2، ص 220 و 221. و لاحظ السرائر، ج 3، ص 167؛ تذكرة الفقهاء، ج 2، ص 443 (الحجرية)؛ قواعد الأحكام، ج 2، ص 395؛ تحرير الأحكام، ج 1، ص 290 (ج 3، ص 317، الطبعة الحديثة)؛ إيضاح الفوائد، ج 2، ص 393؛ الدروس الشرعية، ج 2، ص 279؛ جامع المقاصد، ج 9، ص 72؛ مسالك الأفهام، ج 5، ص 400؛ حاشية الإرشاد المطبوعة مع غاية المراد، ج 2، ص 451؛ كفاية الأحكام، ص 142

17

المنقلعة بناء (1) على جواز الانتفاع بها في وجوه اخر كالتسقيف، و جعلها جسرا، و نحو ذلك (2).

بل (3) ظاهر المختلف- حيث جعل النزاع بين الشيخ و الحلّي (رحمه اللّه) لفظيّا،

____________

(1) قيد لكون حكم الأكثر مؤيّدا للمنع عن البيع، و قد عرفت وجه البناء، إذ مع سقوط الوقف عن المنفعة بالمرّة يتعدّد موضوع مسألتنا- و هي بقاء المنفعة القليلة- مع موضوع حكمهم بمنع بيع النخلة المنقلعة.

(2) كأن تعمل زورقا.

(3) غرضه الترقي- من كون منع البيع فتوى الأكثر- إلى كونه مجمعا عليه، و هو إن كان إجماعا تعبديا كان حجة على منع البيع، و إن كان محتمل المدركية كان مؤيّدا أقوى من مؤيّدية حكم الأكثر.

أمّا توضيح النزاع بين شيخ الطائفة و ابن إدريس (قدّس سرّهما) فهو: أنه ذهب في كتاب الخلاف إلى جواز بيع النخلة المنقلعة مستدلّا عليه «بأنّه لا يمكن الانتفاع بهذه النخلة إلّا على هذا الوجه» (1) أي على وجه البيع، فيتعيّن بيعها.

و ردّه الحلّي بقوله: «يمكن الانتفاع بهذه النخلة من غير بيعها، و هو أن تعمل جسرا أو زورقا، إلى غير ذلك من المنافع مع بقاء عينها. و قد بيّنا أنّ الوقف لا يجوز بيعه. فعلى هذا التحرير: لا يجوز بيعها و ينتفع بها من هي وقف عليه بغير البيع» (2).

و ادّعى في المختلف أنّ النزاع بينهما لفظي، لا معنوي، قال (قدّس سرّه): «لأنّ الشيخ فرض سلب منافعها، على ما ذكره في دليله، و ابن إدريس فرض لها منافع غير الثمرة».

و حاصل توجيه العلّامة لكلام الشيخ (قدّس سرّه) هو: أنه لو خرب الوقف، فإن سقط‌

____________

(1) الخلاف، ج 3، ص 551، كتاب الوقف، المسألة: 23

(2) السرائر، ج 3، ص 167

18

حيث (1) نزّل تجويز الشيخ على صورة عدم إمكان الانتفاع به في منفعة اخرى (2)- الاتّفاق (3) على المنع إذا حصل فيه انتفاع و لو قليلا (4) كما يظهر (5) من التمثيل بجعله جسرا.

____________

عن الانتفاع بالكلّية جاز بيعه. و إن أمكن الانتفاع به في منفعة اخرى- غير ما عيّنه الواقف- كتقطيع النخلة للتسقيف أو لصنع زورق، لم يجز بيعها عند الكلّ.

و على هذا لم يجوّز شيخ الطائفة البيع في صورة إمكان الانتفاع بالوقف في غير ما أراده الواقف، بل هو كأكثر من تأخّر عنه من المانعين.

ثمّ رجّح العلّامة جواز البيع في مورد سلب منافع العين و شراء بدل له أو صرف الثمن فيما كان تصرف فيه منفعة نفس الوقف، أو غير ذلك، فراجع (1).

و سيأتي في الصورة الثالثة البحث عن كون النزاع معنويا أو لفظيّا.

فلاحظ (ص 53).

(1) هذا تقريب جعل المنازعة بين العلمين لفظيّا، و قد عرفته آنفا.

(2) يعني: غير المنفعة المقصودة التي سبّلها الواقف، كالثمر الذي هو ثمرة النخلة الموقوفة.

(3) خبر قوله: «ظاهر المختلف» و وجه الظهور ما عرفته من أن المخالف في المسألة هو الشيخ، و بعد حمل تجويز البيع على مورد سلب المنافع مطلقا لا يبقى مخالف لحكمهم بمنع البيع إن بقي شي‌ء من المنفعة.

(4) فلا يكون النفع اليسير ملحقا بالمعدوم حتى يسوّغ البيع، فلا تلحق هذه الصورة الثانية بالصورة الاولى.

(5) هذا مثال للانتفاع القليل بالنخلة الموقوفة، و منفعة الجسر و إن كان معتنى بها لكنها قليل بالقياس إلى ثمرة النخلة.

____________

(1) مختلف الشيعة، ج 6، ص 316

19

نعم (1)،

____________

هذا كلّه في ترجيح منع البيع، و سيأتي المناقشة في كلا الدليلين، و هما عموم «الوقوف» و عموم «لا يجوز شراء الوقف» فانتظر.

(1) ظاهره الاستدراك عمّا تقدم في أوّل الصورة الثانية من قوله: «أن يخرب بحيث يسقط عن الانتفاع المعتدّ به» فيكون مقصوده بالاستدراك تجويز البيع عند ندرة المنفعة بحيث يلحق بالمعدوم.

لكن تقدّم في أوّل الصورة- كما نبّه عليه المحقق الإيرواني (قدّس سرّه) (1) أيضا- عدم تعدّد الموضوع قبل قوله: «نعم» و بعده، لأنّه (قدّس سرّه) صرّح «بأنّه يصدق عرفا أنّه لا منفعة فيه» فلعلّ الأولى تبديل «نعم» ب‍ «و الأولى أن يقال: لو كان الانتفاع قليلا ... الخ» و هو أعلم بما أثبته في الكتاب، جزاه اللّه عن العلم و أهله خير الجزاء.

و كيف كان فتوضيح وجه جواز البيع هو عدم جريان دليل المنع مع فرض وجود المقتضي للصحّة. إذ المانع إمّا قوله (عليه السلام): «لا يجوز شراء الوقف» و إمّا كون حقيقة الوقف حبس العين و تسبيل الثمرة، و حيث إن هذا الإنشاء ممضى شرعا بمثل قوله (عليه السلام): «الوقوف بحسب ما يقفها أهلها» فلا يصح البيع حتى مع ندرة المنفعة.

و المفروض عدم مانعيّة شي‌ء منهما.

أمّا الأوّل- و هو قوله (عليه السلام): «لا يجوز شراء الوقف»- فلأنّ شموله للوقف المسلوب المنفعة يكون بالإطلاق الأحوالي، فلا يصحّ بيع الوقف في كلتا حالتي العمران و الخراب. لكن تقدّم في الصورة الاولى منع الإطلاق (2)، لانصراف النهي إلى ما ينتفع به البطن الموجود فعلا، و ما يكون قابلا لانتفاع البطن اللاحق، فلا نهي‌

____________

(1) حاشية المكاسب، ج 1، ص 176

(2) راجع هدى الطالب، ج 6، ص 614 و 615

20

لو كان قليلا في الغاية بحيث يلحق بالمعدوم أمكن (1) الحكم بالجواز،

____________

عمّا لا نفع فيه [1].

و أما الثّاني- أعني به كون حقيقة الوقف حبس العين و تسبيل الثمرة، و هو ممّا يجب الوفاء به- فلأن غرض الواقف و إن كان حبس العين الخاصة كالدار، و تسبيل الثمرة الخاصة كالسكنى فيها، إلّا أن غرضه من حبس العين الخاصة يكون تابعا لغرضه الأصلي و هو التسبيل الخاصّ، فبانتفاء المنفعة لا غرض للواقف في حبس العين أصلا. و لو فرض أن مقصوده حبس العين و إمساكها مطلقا حتى لو صارت مسلوبة المنفعة لزم القول بمنع بيعها في الصورة الاولى. مع أنّه تقدّم هناك كون التبديل رعاية لحقّ الواقف و الموقوف عليه، فكذا يجوز بيعها في الصورة الثانية التي سقطت العين عن المنفعة المعتدّ بها.

(1) جواب الشرط في «لو كان» و الوجه في الإمكان وجود المقتضي لصحة البيع و فقد المانع.

____________

[1] و افيد في وجه الانصراف أيضا: أن قوله (عليه السلام)- بعد هذه الفقرة:

و لا تدخل الغلّة في ملكك- ظاهر فيما كانت له منفعة معتدّ بها، فلا يشمل محلّ البحث (1).

لكن يمكن أن يقال: إن الحديث الشريف مشتمل على جملتين مستقلتين، و ليست الثانية تتمة للأولى حتى تكون قرينة على اختصاص النهي عن البيع بما إذا كان عامرا ينتفع به بمقدار معتدّ به، و تقدم في أول المسألة نقل وجهين عن صاحب المقابس (قدّس سرّه) في تقريب الاستدلال، أحدهما بجملة «لا يجوز شراء الوقف» و الآخر بجملة «و لا تدخل الغلّة في ملكك» فراجع (2).

____________

(1) حاشية المكاسب للمحقق الإيرواني (قدّس سرّه)، ج 1، ص 176

(2) هدى الطالب، ج 6، ص 614 و 615

21

لانصراف (1) قوله (عليه السلام): «لا يجوز شراء الوقف» إلى غير هذه (2) الحالة.

و كذا (3) «حبس العين و تسبيل المنفعة» إنّما يجب الوفاء به ما دام المنفعة المعتدّ بها موجودة (4). و إلّا (5) فمجرّد حبس العين و إمساكه (6)- و لو من دون منفعة- لو وجب الوفاء به لمنع (7) عن البيع في الصورة الاولى.

____________

(1) تعليل للإمكان، و غرضه نفي ما يتوهّم كونه مانعا، و هو إمّا إطلاق النهي في رواية ابن راشد، و المفروض انصرافه إلى حالة وجود المنفعة. و إمّا وجوب الوفاء بإنشاء الواقف و العمل على طبقه من حبس العين أبدا، و قد عرفت أيضا عدم مانعيته.

(2) أي: غير حالة كون المنفعة في غاية القلّة بحيث تلحق بالمعدوم.

(3) هذا نفي المانع الثاني، و قد تقدم بيانه، و الأولى سوق العبارة هكذا:

«و لأنّ حبس ...» فيكون معطوفا على «لانصراف».

(4) يعني: أن «حبس العين أبدا» مقدمة للتوصل إلى تسبيل المنفعة، فمع سلبها لم يكن حبس العين متعلق غرض الواقف حتى يجب الوفاء به بإبقاء الموقوفة على حالها.

(5) يعني: و إن وجب الوفاء بعقد الوقف مطلقا حتى مع سلب المنفعة المعتدّ بها، لزم منع البيع في الصورة الاولى أيضا حفظا لغرض الواقف و هو حبس العين الخاصّة، مع أنّه لا ريب في جواز البيع هناك، كما عرفت.

و الأولى بسلاسة العبارة حذف «و إلّا» أو جملة «فمجرد حبس العين ...

الوفاء به» بأن يقال: «و إلّا لمنع وجوب الوفاء عن البيع في الصورة الاولى» و الأمر سهل.

(6) الأولى تأنيث الضمير، لكون «العين» مؤنثا سماعيّا.

(7) أي: لمنع وجوب حبس العين عن البيع حتى في الصورة الاولى، لوحدة المناط، و هو تعلق غرض الواقف بحبس عين خاصة. و وجوب الوفاء بالعقد مانع‌

22

ثمّ إنّ الحكم المذكور (1) جار فيما إذا صارت منفعة الموقوف قليلة لعارض (2) آخر غير الخراب، لجريان (3) ما ذكرنا فيه.

ثمّ إنّك (4) قد عرفت فيما سبق أنّه ذكر بعض: أنّ جواز بيع الوقف

____________

عن البيع في كلتا الصورتين، و حيث جاز التبديل هناك فكذا هنا.

هذا تمام الكلام في ما إذا كان منشأ ندرة المنفعة خراب الوقف، و سيأتي حكم ما لو كان منشأ قلة المنفعة غير الخراب.

(1) و هو جواز بيع الوقف المسلوب معظم منفعته لأجل الخراب، مع الإشكال الذي ذكره بقوله: «لكن الخروج بذلك ... مشكل». فيقال بجواز البيع لو قلّت المنفعة مع قابلية الموقوفة للانتفاع بها، كما إذا وقف بعيرا للسقي فاستغني عنه بعد وضع أنابيب الماء، أو وقف خانا لنزول الزوّار و المسافرين فيه، فتعطّل بعد قطع المسافات البعيدة بالطائرات و السيارات، و كذا لو وقف دارا على ذرّيته ليسكنوها بأنفسهم، و لم يمكنهم ذلك لوقوعها في محلّة لا يقيم فيها- فعلا- ذووا المروّات، و نحو ذلك ممّا تكون العين فيه عامرة، و لكن لا ينتفع بها في الجهة المقصودة للواقف.

فما تقدّم من وجه جواز البيع و منعه يجري هنا أيضا، و بعد ترجيح جانب الجواز هناك- من جهة أن حبس العين مقدمة لتسبيل الثمرة المعينة، و بانتفائها ينتفي حقيقة التسبيل المأخوذ في الوقف، و لا يبقى مجال لحفظ خصوصية العين المسلوبة منفعتها- نقول بجواز البيع هنا، لوحدة المناط.

(2) المراد به ما يكون كاللازم غير المفارق بحسب العادة، كالأمثلة المتقدمة.

(3) تعليل لقوله: «جار» و ضمير «فيه» راجع إلى الموصول في قوله:

«فيما» و هو مورد قلة المنفعة لعارض غير الخراب.

(4) ما أفاده المصنف (قدّس سرّه) هنا إلى آخر الصورة الثانية تعريض بكلام صاحب الجواهر (قدّس سرّه) من التزامه بفساد الوقف في موردين:

أحدهما: خراب الوقف على وجه تنحصر منفعته المعتدّ بها في إتلافه، كالحصير‌

23

لا يكون إلّا مع بطلان الوقف، و عرفت وجه النظر فيه (1). ثمّ وجّه (2) بطلان الوقف

____________

و الجذع و نحوهما مما يكون الانتفاع به بإتلاف العين كالإحراق.

ثانيهما: انعدام عنوان الوقف، كما إذا وقف بستانا ملاحظا في إنشائه عنوان «البستان» فخرب، و سقط عن كونه بستانا.

و قد ذهب صاحب الجواهر (قدّس سرّه) إلى بطلان الوقف في هذين الموردين بعد حكمه بأنّ تجويز بيع الوقف كاشف عن بطلانه، لامتناع اجتماع المتنافيين، كما تقدّم توضيحه في أوائل المسألة، فراجع (1).

و توضيح ما أفاده في المورد الأوّل هو: أنّ الوقف مؤلّف من أمرين أحدهما حبس العين، و الآخر تسبيل المنفعة، و من المعلوم تفرع التسبيل على وجود الثمرة خارجا، و لا فرق في إناطة صحة الوقف بوجود كلّ من العين و منفعتها بين الابتداء و الاستدامة، فكما يعتبر وجودهما حدوثا كذلك يعتبر بقاء، فلو خربت الموقوفة و لم ينتفع بها بطل وقفيّتها، ضرورة انتفاء المركّب بانتفاء أحد أجزائه كانتفائه بانعدام تمام الأجزاء.

و الحاصل: أن الشرط الدخيل في صحة الوقف- و هو كون العين ذات ثمرة مسبّلة- يقتضي انتهاء أمد الوقف بانتفاء الثمرة.

(1) أي: في ما ذكره البعض من بطلان الوقف بجواز بيعه، و تقدم إيراد المصنف عليه بقوله: «و فيه: أنّه إن اريد من بطلانه انتفاء بعض آثاره ... فهذا لا محصّل له.

و إن اريد به انتفاء أصل الوقف- كما هو ظاهر كلامه- ففيه: مع كونه خلاف الإجماع ... أنّ المنع عن البيع ليس مأخوذا في مفهومه» فراجع (2).

(2) أي: جعل صاحب الجواهر (قدّس سرّه) الوجه في بطلان الوقف- في الصورة الاولى‌

____________

(1) هدى الطالب، ج 6، ص 533 إلى 535

(2) المصدر، ص 537 إلى 539

24

في الصورة الاولى بفوات شرط (1) الوقف المراعى في الابتداء و الاستدامة، و هو (2) كون العين ممّا ينتفع بها مع بقاء عينها.

و فيه (3): ما عرفت سابقا من أنّ بطلان الوقف بعد انعقاده صحيحا

____________

المتقدمة- فوات شرط الوقف. قال (قدّس سرّه): «و الظاهر تحقق البطلان فيما لو خرب الوقف على وجه تنحصر منفعته المعتدّ بها منه في إتلافه، كالحصير و الجذع و نحوهما ... و وجه البطلان حينئذ فقدان شرط الصحة في الابتداء المراعى في الاستدامة بحسب الظاهر، و هو كون العين مما ينتفع بها مع بقائها» (1).

(1) المراد بالشرط في عبارة الجواهر المتقدمة مقوّم الوقف، و لذا عبّر عنه بشرط الصحة، و هذا الشرط ملحوظ في الوقف حدوثا و بقاء. فلو فرض بقاء العين على الوقفية- مع فرض انتفاء الثمرة- لم يكن حبسها مقدمة لتسبيلها كما هو واضح.

(2) أي: أن الشرط المراعى ابتداء و استدامة هو كون العين مما ينتفع بها مع بقائها.

(3) ناقش المصنّف (قدّس سرّه) في ما تقدم من الجواهر بوجوه أربعة:

الأوّل: أنّه لا وجه لبطلان الوقف المؤبّد بمجرّد انتفاء المنفعة. توضيحه: أن الكلام تارة في انتهاء الوقف المنقطع، و هو الموقّت بأمد محدود كجعل داره وقفا على قوم مخصوصين، فينتهي الوقف بانقراضهم، و سيأتي الكلام فيه إن شاء اللّه تعالى في (ص 197).

و اخرى في انتهاء أمد الوقف المؤبّد بانتفاء الثمرة المسبّلة، و عدمه، و هو محلّ البحث.

فذهب صاحب الجواهر إلى أنّه كان وقفا صحيحا، و قد انتهى أمده بزوال المنفعة، و أورد عليه المصنّف بأنّه «لا وجه له» و ظاهره امتناعه ثبوتا، لاستلزام‌

____________

(1) جواهر الكلام، ج 22، ص 358

25

..........

____________

البطلان انقلاب الشي‌ء عمّا هو عليه، إذ مع وقوع الوقف المؤبّد صحيحا يمتنع انقلابه و صيرورته باطلا بنفاد المنفعة.

الثاني: أنّ القصور في جهة الإثبات، بمعنى أنّه لو سلّمنا إمكان انقلاب الوقف المؤبّد إلى المنقطع كان البطلان منوطا بوفاء الدليل به، لئلّا يكون من القول بغير العلم، لعدم نهوض دليل بالخصوص على الخروج عن مقتضى قوله (عليه السلام): «الوقوف على حسب ما يقفها أهلها». و عليه فلا حجة على بطلان الوقف بفوات المنفعة.

الثالث: أن الشرط المزبور- و هو كون العين مما ينتفع بها مع بقاء عينها- و إن كان دخيلا في الوقف، لوضوح كون الغاية من حبس العين تسبيل ثمرتها، إلّا أنّه يكفي في انعقاد الوقف صحيحا وجود المنفعة حال حدوث الوقفية و إنشائها، و أمّا اعتبار استمرارها فلم يقم عليه دليل.

و الشاهد على كفاية وجود هذا الشرط ابتداء هو ملاحظة شروط سائر العقود الناقلة، كمالية العوضين في باب البيع، فهي معتبرة حين الإنشاء، لكون البيع مبادلة مال بمال. و لا يقدح في صحته و ترتب النقل عليه سقوط المبيع عن المالية بيد المشتري، كما إذا اشترى خلّا فتخمّر، أو سقوط الثمن عن المالية بيد البائع إذا كان من الأنواط التي تنسخها الحكومات، فإنّ السقوط عن المالية لا يوجب الخروج عن الملك.

الرّابع: أنّ جواز بيع الوقف في مورد طروء المسوّغ له لا يوجب انتهاء أمد الوقف، و بطلانه، بل يتبدّل لزوم الوقف بالجواز و التزلزل، فإن بيع بطل، و إن لم يبع بقي وقفا، لما تقدّم في أوائل المسألة من أن مفاد دليل جواز بيع الوقف هو جواز إبطاله، و من المعلوم أن جواز الإبطال ليس مبطلا، بل المبطل هو إنشاء بيع الوقف.

و عليه فتجويز البيع شرعا تخصيص في دليل لزوم الوقف، و صيرورته جائزا بعد عروض المسوّغ.

26

لا وجه له (1) في الوقف المؤبّد (2). مع أنّه (3) لا دليل عليه. مضافا إلى أنّه (4) لا دليل على اشتراط الشرط المذكور في الاستدامة، فإنّ (5) الشروط في العقود الناقلة يكفي وجودها حين النقل، فإنّه (6) قد يخرج المبيع عن الماليّة، و لا يخرج بذلك (7)

____________

هذا توضيح المناقشة- بوجوه أربعة- في المورد الأوّل مما تقدم في كلام صاحب الجواهر (قدّس سرّه).

(1) إمّا لاستحالة انقلاب الشي‌ء عمّا هو عليه. فمع فرض تحقق شرط الصحة- و هو تسبيل الثمرة ابتداء، و وقوع الوقف الصحيح- يمتنع بطلانه. نعم لا مانع من جواز إبطاله بالعقد الناقل.

و إمّا للزوم محذور الخلف لو قيل بصيرورة الوقف الدائم منقطعا ينتهي أمده بنفسه بطروء الخراب. و لذا لم يقل أحد ممّن أجاز بيع الوقف ببطلانه كما تقدّم آنفا.

(2) كما هو محلّ الكلام، و يظهر منه عدم البأس في بطلان الوقف المنقطع- بمعنى انتهاء أمده- بسلب المنفعة.

(3) الضّمير للشأن، و هذا هو الوجه الثاني، و محصّله- كما عرفت- عدم قيام دليل على بطلان الوقف في محلّ البحث، فلا مخصّص لعموم «الوقوف على حسب ما يقفها أهلها» المقتضي لبقاء العين على صفة الوقفية بعد انتفاء الثمرة.

(4) الضمير للشأن، و هذا هو الوجه الثالث، و تقدّم تقريبه آنفا.

(5) تعليل لقوله: «لا دليل» يعني: أن أدلة شروط العقود ظاهرة في كفاية وجود الشرط حدوثا، و لا دليل على اعتبار وجودها بقاء، سواء أ كانت معتبرة في المتعاقدين أم في العوضين.

(6) الضمير للشأن، و هذا بيان لكفاية وجود الشرط ابتداء.

(7) أي: بالسقوط عن المالية. و حيث إن النسبة بين المال و الملك عموم من وجه، فلا بأس بانتفاء أحدهما و بقاء الآخر. و المراد بالملك ظاهرا ما هو أعم من النسبة الخاصة بين المالك و المملوك، و من حقّ الاختصاص الثابت في مثل الخمر‌

27

عن ملك المشتري (1). مع أنّ (2) جواز بيعه لا يوجب الحكم بالبطلان، بل يوجب خروج الوقف عن اللزوم إلى الجواز، كما تقدّم (3) [1].

____________

المنقلب عن الخلّ.

(1) بأن يدخل في ملك البائع مرّة اخرى من جهة فساد البيع، الناشئ من فقد شرط المالية بقاء.

(2) هذا هو الوجه الرابع المتقدم آنفا.

(3) يعني في قوله: «إن جواز البيع لا ينافي بقاء الوقف إلى أن يباع، فالوقف يبطل بنفس البيع، لا بجوازه ...» فلاحظ (1).

____________

[1] ينبغي بيان أمرين:

أحدهما: وجه مناسبة التعرض لكلام صاحب الجواهر (قدّس سرّه) في هذه الصورة الثانية.

ثانيهما: في تمامية ما أورده المصنف عليه في المقطع الأوّل و هو انتفاء المنفعة.

أمّا الأمر الأوّل، فلعلّ المناسب نقل كلام الجواهر بتمامه في مسألة بطلان الوقف بطروء المسوّغ، و عدمه، إذ ليس في الموردين المذكورين هنا إلّا تطبيق تلك الكبرى. و كذا البحث في ما يترتب على البطلان من انتقال الوقف إلى الواقف أو الموقوف عليه. و لو تعيّن اقتطاع هذين الموردين كان المناسب جدا التعرض للمورد الأوّل منهما في الصورة الاولى، كما هو مقتضى صريح المصنف (قدّس سرّه) «ثمّ وجّه بطلان الوقف في الصورة الاولى».

نعم البحث عن زوال العنوان يناسب الصورة الثانية كما أفاده المحقق الأصفهاني (قدّس سرّه) (2).

____________

(1) هدى الطالب، ج 6، ص 529 إلى 531

(2) حاشية المكاسب للمحقق الاصفهاني (قدّس سرّه)، ج 1، ص 268

28

____________

و أمّا الأمر الثاني، فقد اورد على مناقشة المصنف (قدّس سرّه) بأجنبيتها عمّا في الجواهر، و ذلك لأن حقيقة الوقف حبس العين و تسبيل الثمرة، و حيث إن مفهوم التسبيل متقوم ذاتا بالثمرة فلا يعقل بقاء الحبس و انتفاء الثمرة الموجب لانتفاء التسبيل، بلا فرق بين الابتداء و الاستدامة. فلا يعقل وقف مجرّد عن المنفعة. و لو فرض بقاء العين- بلا ثمرة- على الحبس كان وقفها بقاء بمعنى آخر أي حبسها من دون منفعة، و هذا مغاير لمعنى الوقف حال الإنشاء من حبس العين و تسبيل الثمرة.

و الحاصل: أن المركب ينتفى بانتفاء أحد أجزائه. هذا بناء على تركب ماهية الوقف.

و بناء على كون حقيقته حبسا للعين لتسبيل الثمرة، فانتفاء الحبس بانتفاء غايته أوضح، لفرض كون التحبيس مقدمة للتوصل إلى تسبيل المنفعة، و أنّ ما لا منفعة فيه لا تحبيس للعين لأجل تلك المنفعة المعدومة. قال المحقق الأصفهاني (قدّس سرّه): «إذ الحبس لأجل التوصل إلى غاية لا يعقل بقاؤه بعد عدم إمكان التوصل إلى الغاية» (1).

و بالجملة: لما كان تسبيل المنفعة دخيلا في حقيقة الوقف و مقوّما لماهيته تعيّن بطلانه و انتهاؤه بانتفاء مقوّمه.

و حينئذ فاعتبار اشتمال العين على الثمرة ليس شرطا تعبديا خارجا عن حقيقة الوقف، ليتجه التفصيل بين الابتداء و الاستدامة بكفاية وجوده حدوثا و عدم اعتباره بقاء يقال تارة بأنه لا وجه له، و اخرى بأنّه لا دليل على اعتباره في الاستدامة، و ثالثة بالاستشهاد بشرط المالية في البيع مما لا ريب في اعتباره حال العقد لا إلى الأبد.

إذ في الأوّل: ما تقدم من كون تسبيل الثمرة مقوّما للوقف حدوثا و بقاء، و لا ريب في انتفاء الشى‌ء بانتفاء مقوّمه. فعدم البطلان مما لا وجه له.

و في الثاني: أنّ الشرط المزبور ليس أمرا تعبديا خارجا عن حقيقة الوقف

____________

(1) حاشية المكاسب، ج 1، ص 268، و كذا حاشية المحقق التقي الشيرازي، القلم الثاني، ص 24 و 25

29

____________

حتى يطلب الدليل عليه، بل هو المنشأ بإنشاء الواقف. فكما لا يعقل وقف ما لا نفع فيه حدوثا، فكذا لا يعقل ذلك بقاء.

مضافا إلى عدم كون هذا الوجه مغايرا للأوّل، إذ لو كان ممتنعا لم يعقل قيام الدليل عليه، و إن قام الدليل على البطلان كان هو الوجه.

و في الثالث: أنه ليس أمرا مغايرا لقوله في الوجه الثاني: «لا دليل عليه» و الدليل عليه تقوم حقيقة الوقف بتسبيل الثمرة، فتنتهي بانتفائها.

و أمّا تنظير المقام بشرائط العقود كمالية العوضين، فيشكل بأنّ الوقف ليس من هذا القبيل، إذ حقيقة الوقف هي تحبيس الأصل و تسبيل المنفعة. و من المعلوم أنّ هذا العنوان لا يتحقق إلّا ببقاء العين مع الانتفاع بها، فمع عدم إمكان الانتفاع بها مع بقائها لا يصح وقفها. و هذا بخلاف شروط العقود الناقلة كمالية العوضين، فإذا زالت مالية أحدهما بعد تمامية العقد و القبض لا يبطل العقد، بل يبقى على ملكية من انتقل إليه و إن خرج عن المالية.

و عليه فالأولى تنظير الوقف بالإجارة المتوقفة على وجود المنفعة في المدة ليستوفيها المستأجر، و لا يكفي كون العين ذات منفعة حال العقد، و لذا يبطل بسقوطها عن قابلية الانتفاع بها بعده.

و الحاصل: أن دعوى كفاية وجود شرائط العقود في الابتداء دون الاستدامة تتّجه في ما يكون خارجا عن ماهية العقد، لا فيما يتقوّم به.

و لا يخفى أن المحقق الإيرواني (قدّس سرّه)- بعد إبطال وجوه المناقشة الثلاثة و إرجاعها إلى وجه واحد- احتمل تارة و استظهر اخرى أن شيخنا الأعظم (قدّس سرّه) استفاد من تعبير الجواهر ب‍ «شرط الصحة» أنّ تسبيل الثمرة أمر زائد على حقيقة الوقف، و لذا أورد عليه بأنّه لا وجه له و لا دليل عليه. مع أنّ مقصود صاحب الجواهر من شرط صحة الوقف هو الفصل المقوّم للماهية، و معه لا يبقى موضوع للإيراد عليه (1).

____________

(1) حاشية المكاسب، ج 1، ص 177.

30

ثمّ ذكر: (1) أنّه قد يقال بالبطلان

____________

(1) يعني: ذكر ذلك البعض، و هو صاحب الجواهر (قدّس سرّه)، و هذا بيان المورد الثاني الذي التزم (قدّس سرّه) فيه بصحة وقف العنوان، و بطلانه- أي انتهاء أمده- بمجرّد زواله و إن لم يكن من الوقف المنقطع المصطلح.

و الفرق بينه و بين سابقه هو: أن الزائل- في السابق- الفصل المقوّم للوقف بما هو وقف أعني تسبيل المنفعة المأخوذ في ماهية الوقف مهما كانت الموقوفة. و الزائل في هذا المورد هو موضوع الوقف، من جهة انعدام الوصف و العنوان المجعول وقفا.

و كيف كان فينبغي الإشارة إلى ما أفاده صاحب الجواهر (قدّس سرّه) في باب الوقف من أنحاء أخذ عنوان في الإنشاء، ثمّ توضيح العبارة المنقولة منه في المتن، فنقول: إنّه إذا وقف دارا أو بستانا على أولاده:

فتارة: يكون المقصود موضوعية العنوان المأخوذ في صيغة الوقف بنحو تمام الموضوع، كقوله: «هذه الدار وقف عليهم ما دامت دارا» فينتهي وقفها بانهدامها و تغيير الصورة الدارية سواء أمكن الانتفاع بها أم امتنع. و هذا وقف منقطع الآخر، لأنّ المجعول للموقوف عليهم هو الملكية المحدودة ببقاء العنوان. و فرقه مع الوقف المنقطع- المقابل للمؤبّد- هو أن الانقطاع هنا بانقضاء الموقوف، و في المنقطع المتعارف بانقضاء الموقوف عليهم.

____________

لكن ظهر بما ذكرناه في التوضيح إمكان مغايرة مناط الإشكال الأوّل للآخرين، بجعله ناظرا إلى مقام الثبوت، و جعلهما ناظرين إلى مقام الإثبات.

و في الرابع: أنّه لم يتعرض صاحب الجواهر هنا لبطلان الوقف بطروء المسوّغ حتى يقال: إنّ تجويز البيع ينافي لزوم الوقف لا حقيقته، فإنّ كلامه متمحض في انتهاء الوقف بسلب المنفعة. و لو فرض إرادة جواز البيع من البطلان كان إشكال المصنف عليه مبنائيّا، و قد سبق البحث فيه.

31

..........

____________

و اخرى: يكون المقصود موضوعية العنوان لا بنحو التحديد ببقاء الدار عامرة، بل للانتفاع بها دارا، كما إذا قال: «وقفتها دارا» بمعنى أنّه ينتفع بها دارا، فيستمرّ وقفها بعد انهدامها ما دامت صالحة للانتفاع بها. فإذا خرجت عن قابلية الانتفاع- على وجه لا يرجى عودها- أمكن القول ببطلان وقفها.

و ثالثة: يكون المقصود من وقف الدار تسبيل منفعتها، سواء أ كانت دارا- كما هي حال الوقف- أم غيرها، بأن تجعل خانا أو حمّاما، أو نحوهما، فيكون أخذ عنوان «الدار» في الإنشاء مشيرا إلى وقفية الذات- و هي العرصة المعنونة بعنوان الدار- و لذا يجوز تغيير هيئتها اختيارا.

و رابعة: يكون غرض الواقف- كما في الصورة الثالثة- تسبيل منفعة الدار، لكن علم إرادة الدوام منه، بأن يتعدد مطلوب الواقف، فما دام الانتفاع بها دارا ممكنا تعيّن ذلك، و لا يجوز تغييرها، و لو انهدمت جاز الانتفاع بها مطلقا إما بإحداث دار مثلها أو حمّام أو غيرهما.

هذا ما أفاده في كتاب الوقف (1).

و أمّا كلامه هنا فمحصّله: أنّ غرض الواقف من قوله: «وقفت البستان على أولادي» إن كان هو النحو الأوّل أي كان حبس البستان على الموقوف عليهم حبسا محدودا و موقّتا ببقاء عنوان «البستان»- لكونه ملحوظا جهة تقييدية تدور الوقفية مداره- كان لازمه البطلان بالانهدام، و خروج العرصة عن الوقفية، و لا عبرة بإمكان الانتفاع بها بنحو آخر. و يتجه البحث حينئذ عن رجوعها إلى الواقف أو صيرورتها ملكا طلقا للموقوف عليهم.

فإن قلت: لا وجه لخروج العرصة عن الوقفية بعد زوال عنوان «البستان»‌

____________

(1) جواهر الكلام، ج 28، ص 109

32

أيضا (1) بانعدام عنوان الوقف فيما إذا وقف بستانا- مثلا- ملاحظا (2) في عنوان وقفه (3) البستانية، فخربت (4) [1] حتى خرجت عن قابلية ذلك (5)،

____________

لكونها جزءا من الموقوفة، إذ «البستان» مركّب من العرصة و الأشجار، و من المعلوم أن سقوط الأشجار عن الوقفية- لتبدلها بأخشاب- لا يوجب انتفاء وقفية العين.

قلت: إنّ العرصة و إن كانت جزءا من الموقوفة، إلّا أنّ الواقف لم يجعلها وقفا لا بشرط الأشجار، بل بشرطها، فزوال عنوان «البستان» و انتهاء وقفيته يوجب سقوط وقفية العرصة من جهة فقد الشرط.

و إن كان غرض الواقف حبس العرصة على الموقوف عليهم على النحو الثالث أو الرابع، لم يقدح ذهاب عنوان «البستان» في استمرار وقف العرصة، هذا.

(1) يعني: كبطلان الوقف في صورة الخراب.

(2) حال من ضمير الفاعل المستتر في «وقف».

(3) أي: وقف البستان.

(4) كذا في الجواهر أيضا، و الأولى «فخرب، خرج» لرجوع الضمير المستتر إلى البستان.

(5) أي: عن قابلية كونه بستانا.

____________

[1] الأولى تبديل قوله: «فخربت» بأن يقول: «فتبدّلت» إذ الكلام في ذهاب العنوان الذي اخذ موضوعا في إنشاء الوقف، لا مشيرا. فالمدار على ذهاب العنوان سواء أ كان ذلك بالخراب أم بغيره، كما إذا وقف بنت مخاض فصارت بنت لبون، و هكذا، فإنّ العنوان قد تبدل بدون الخراب.

نعم لا بأس بذكر الخراب من باب المثال، لكونه في سياق سابقه من كون انعدام المنفعة المعتد بها لأجل الخراب. و الأمر سهل.

33

فإنّه (1) و إن لم تبطل منفعتها أصلا، لإمكان الانتفاع بها دارا مثلا، لكن ليس (2) من عنوان الوقف. و احتمال (3) بقاء العرصة (4) على الوقف، باعتبار أنّها جزء من الوقف، و هي باقية (5). و خراب (6)

____________

(1) مقصوده بقاء مقدار معتدّ به من المنفعة بعد انعدام الصورة البستانية، كتشييد دور على الأرض، فينبغي الحكم ببقاء وقفها حينئذ، لكن لمّا كان المجعول وقفا هو عنوان «البستان» كان مقتضاه بطلان وقف العرصة أيضا كما تقدّم آنفا.

(2) أي: ليس الانتفاع بالعرصة- ببناء دار فيها- مقصودا من وقف عنوان «البستان».

(3) مبتدء، خبره «يدفعه» و غرض صاحب الجواهر (قدّس سرّه) من بيان الاحتمال دفع إمكان القول ببقاء العرصة على الوقفية بعد خراب البستان. و تقدم بقولنا:

«فإن قلت ...».

(4) بفتح العين و سكون الراء المهملة ك‍ «سجدة» و هي «كل موضع واسع لا بناء فيه» (1).

(5) فينبغي بقاء وقفيتها، و عدم زوالها بانعدام وصفها، أي: كونها بستانا.

(6) مبتدء، خبره «لا يقتضي» و هذا تتمة الاحتمال المزبور، يعني: أنّ خراب البستان يقتضي بطلان الوقف في خصوص البستان، و لا يقتضي بطلان الوقف في العرصة.

ثمّ إن ما في المتن من جملة «و خراب غيرها ... بطلانه فيها» موافق لما في الطبعة الحجرية من الجواهر (2)، و هو الصحيح. و الموجود في الطبعة الأخيرة «و خراب غيرها و إن اقتضى بطلانه فيها» خطأ قطعا، و لم يشر إلى ما سقط من العبارة في جدول التصويب.

____________

(1) لسان العرب، ج 7، ص 53

(2) جواهر الكلام، مجلّد المتاجر، ص 77

34

غيرها (1) و إن اقتضى بطلانه فيه لا يقتضي (2) بطلانه فيها، يدفعه (3): أنّ (4) العرصة كانت جزءا من الموقوف من حيث كونه (5) بستانا (6)، لا مطلقا (7). فهي (8) حينئذ جزء عنوان الوقف الذي فرض خرابه. و لو فرض (9) إرادة وقفها لتكون (10)

____________

(1) أي: غير العرصة، و المراد بالغير هو عنوان البستان.

(2) يعني: أنّ انتهاء أمد وقف البستان لا يستلزم انتهاء أمد وقف العرصة.

(3) أي: يدفع الاحتمال، و تقدم توضيح الدفع بقولنا: «قلت ...».

(4) الجملة مرفوعة محلّا، لكونها فاعلا ل‍ «يدفعه».

(5) أي: كون الموقوف.

(6) يعني: أن هذه الحيثية تقييدية، فبذهاب عنوان البستان تزول الوقفية عن العرصة أيضا.

(7) هذا قرينة على كون وقفية العرصة بنحو وحدة المطلوب، إذ ملحوظ الواقف موضوعية العنوان بنحو وحدة المطلوب، لا بنحو تعدد المطلوب حتى يبقى حكم أحدهما بعد زوال حكم الآخر.

(8) يعني: فالعرصة حين كون الموقوف عنوان البستان- لا بذاتها- تكون جزءا للعنوان الذي زال وقفيته بزوال البستان.

(9) هذا تقريب بقاء وقفية العرصة كما تقدم في الفرض الرابع.

(10) أي: سواء أ كانت الموقوفة بستانا كما هو كذلك فعلا، أم دارا، كما لو خرب البستان و بني دار فيها.

و عليه فالمراد بقوله: «لتكون»- بقرينة ما سيأتي من قوله: «و إن قارنت وقفه»- أنّ البستان موجود بالفعل، و مجعول الواقف وقف كل من الذات و العنوان بنحو تعدد المطلوب.

و ليس المراد وقف خصوص الأرض بدون الأشجار الموجودة بالفعل، و إنّما يجب على الموقوف عليه جعلها بستانا في المستقبل من جهة اشتراطه عليه. و ذلك‌

35

بستانا أو غيره لم يكن (1) إشكال في بقائها، لعدم (2) ذهاب عنوان الوقف.

و ربما يؤيّد ذلك (3)

____________

لأن لازم وقف هذه الأرض وجوب قلع الأشجار الفعلية- الباقية على ملك الواقف- مقدمة لغرس أشجار فيها.

(1) جواب الشرط، و ضمير «بقائها» راجع إلى «وقفها» و تأنيث الضمير باعتبار إضافة «وقف» إلى ضمير المؤنث الراجع إلى العرصة.

(2) يعني: لم يكن ملحوظ الواقف عنوان «البستان» كي ينتهي وقف العرصة، بل كان الملحوظ وقف الذات و العنوان بنحو تعدد المطلوب.

(3) المشار إليه هو بطلان وقفية العرصة فيما كان الموقوف عنوان البستان، و غرض صاحب الجواهر (قدّس سرّه) تأييد انتهاء مدة وقف العرصة- بذهاب العنوان- بما ذكروه في باب الوصية من أنه لو أوصى بدار لزيد، فانهدمت، ثمّ مات الموصي، بطلت الوصية، لكون الموصى به عنوان «الدار» الذي هو اسم مجموع العرصة و البناء، و المفروض فوات المركّب بفوات أحد أجزائه، و لا تنتقل أرضها إلى الموصى له، بدعوى: تعلق الوصية بكل جزء جزء من الدار، سواء أ كانت عامرة أم منهدمة.

قال المحقق (قدّس سرّه): «لو أوصى له بدار فانهدمت و صارت براحا، ثم مات الموصي، بطلت الوصية، لأنّها خرجت عن اسم الدار. و فيه تردّد» (1).

و بيّن صاحب الجواهر وجه التردد و ردّه، فراجع (2).

و بالجملة: فالتزامهم ببطلان الوصية بانهدام الدار- من جهة زوال عنوان الموصى به و هو الدار- صالح لتأييد ما تقدم من سقوط العرصة عن الوقفية بزوال عنوان البستان.

____________

(1) شرائع الإسلام، ج 2، ص 260

(2) جواهر الكلام، ج 28، ص 463

36

في الجملة (1) ما ذكروه في باب الوصية من أنّه لو أوصى بدار، فانهدمت (2) قبل موت الموصي، بطلت الوصية، لانتفاء موضوعها [1].

____________

و الوجه في التأييد- دون الشهادة- وجود الفرق بين الوصية بالعنوان و بين وقف العنوان- بعد اشتراكهما في تقييدية الجهة و العنوان- و هو: أنّ تقييدية العنوان ملحوظة في الوصية حدوثا فقط، بمعنى أن يكون المنقول بسبب الوصية إلى المنقول إليه عنوان «الدار».

و أمّا بعد الانتقال إليه و صيرورتها مالكا للموصى له فهو بالخيار بين إبقائها على العنوان الداري و بين إعدامها. و هذا بخلاف الوقف، فإنّ العنوان إذا لوحظ فيه على جهة القيدية فهو ملحوظ كذلك حدوثا و بقاء.

(1) الظاهر كون هذه الكلمة قيدا للمؤيّد و هو فرع الوصية، و مراد صاحب الجواهر (قدّس سرّه) الإشارة إلى مورد حكمهم بالبطلان، و هو ما إذا كان الانهدام لا بفعل الموصي، و إلّا كان رجوعا عن الوصية بلا ريب. قال الشهيد الثاني (قدّس سرّه): «و موضع الخلاف ما إذا كان الانهدام لا بفعل الموصي، و إلّا كان رجوعا» (1).

و لعلّه أشار بقوله: «في الجملة» إلى تفصيل بعضهم بين كون الموصى به دارا معينة، فلا تبطل الوصية بها، و بين كون الموصى به دارا من دوره- على نحو الكلّي في المعيّن- فانهدمت جميع دوره، فالوصية باطلة. فراجع.

(2) لا بفعل الموصي، و إلّا كان رجوعا عن الوصية، لا من بطلان الوصية بانتفاء موضوعها.

____________

[1] مقتضى اتحاد الوقف و الوصية في هذا الحكم جعله دليلا لا مؤيّدا، فلاحظ الجواهر.

____________

(1) مسالك الأفهام، ج 6، ص 301

37

نعم (1) لو لم تكن الدارية و البستانية و نحو ذلك (2) مثلا عنوانا للوقف و إن (3) قارنت وقفه، بل كان المراد به الانتفاع به (4) في كلّ وقت على حسب ما يقبله (5)، لم يبطل (6) الوقف بتغيّر أحواله.

ثمّ ذكر (7) أنّ في عود الوقف

____________

(1) استدراك على قوله: «قد يقال بالبطلان» و غرض صاحب الجواهر (قدّس سرّه) الإشارة إلى بقاء وقفية العرصة إن كان الملحوظ وقف المعنون- لا البستان- لا بنحو تمام الموضوع و لا جزئه، و إنّما اخذ في الإنشاء للإشارة إلى أن متعلق الوقف هو الذات.

و الوجه في جعله عنوان مشيرا هو مقارنة الوقفية و البستانية.

و الظاهر انطباق ما تقدم في الفرض الثالث على قوله: «نعم» و لم يظهر وجه للجزم بكونه تكرارا لقوله: «لو فرض» كما زعمه العلّامة الشهيدي (قدّس سرّه) (1).

(2) كعنوان «الحمّام» إن كان المقصود وقف الذات الباقية بعد خرابه.

(3) وصلية، يعني: لا فرق في كون مقصود الواقف وقف العرصة بين اقترانها بكونها بستانا أو دارا، و بين عدم الاقتران، كما إذا لم يغرس فنها الأشجار بعد، أو لم يبن فيها دار كذلك.

(4) هذا الضمير و ضميرا «وقفه، به» راجعة إلى الوقف، المراد به الموقوف.

(5) الضمير المستتر راجع إلى الوقف، و البارز إلى الموصول المراد به الانتفاع.

(6) جواب الشرط في «لو لم تكن».

هذا تمام ما أفاده صاحب الجواهر في المورد الثاني أعني به بطلان وقف العنوان بمجرّد تغير أحواله، ثم ذكر احتمالين بعد بطلان الوقف، سيأتي بيانهما.

(7) يعني: ذكر ذلك البعض، و هو صاحب الجواهر، قال (قدّس سرّه): «ثم على فرض‌

____________

(1) هداية الطالب إلى أسرار المكاسب، ص 351

38

إلى ملك الواقف (1) أو وارثه (2)- بعد البطلان- أو الموقوف عليه (3) وجهين (4).

____________

بطلان الوقف بذلك- أي بانعدام العنوان- فهل يعود للواقف و ورثته كالوقف المنقطع؟ أو للموقوف عليه و ورثته، و جهان ... الخ».

و وجه العود إلى الواقف أو ورثته هو: أنّ خروج الموقوفة عن ملكه و دخولها في ملك الموقوف عليه كان محدودا ببقاء العنوان الملحوظ حين الإنشاء من بستان أو دار و إمكان الانتفاع الخاص به، و مع انتفاء ذلك الوجه يعود إلى ملك الواقف إن كان حيّا، و إلى وارثه إن كان ميّتا.

و وجه صيرورته ملكا طلقا للموقوف عليه هو: خروج العين عن ملك الواقف و دخولها في ملك الموقوف عليه، ملكا غير طلق بمعنى منعه عن التصرف فيها بالانتفاع المنافي لبقاء العين في الملك ما دامت قابلة لتلك المنفعة. و مع فرض ذهاب العنوان و بطلان الوقف به تصير ملكا طلقا له، لأن المنع من مطلق التصرف كان محدودا بما رسمه الواقف من عنوان، فيرتفع المنع بانتفاء العنوان.

ثم رجّح صاحب الجواهر (قدّس سرّه) في كتاب البيع هذا الوجه، و استشهد له بالنّص و الفتوى المجوّزين للموقوف عليهم بيع الوقف، كما قوّى في كتاب الوقف رجوعه إلى الواقف أو ورثته.

(1) إن كان حيّا حين انعدام عنوان الوقف.

(2) إن مات الواقف قبل زوال العنوان.

(3) معطوف على «الواقف» و المراد بعود الوقف إلى الموقوف عليه صيرورته ملكا طلقا له، و إلّا فالملكية المقيّدة بالعنوان كانت ثابتة له إلى حال بقائه.

(4) اسم «إنّ» و الجملة منصوبة محلّا على المفعولية ل‍ «ذكر».

هذا ما أفاده صاحب الجواهر، و ناقش المصنف فيه و في تأييده بفرع الوصية و فيما رتّب عليه من وجهين في مآل الوقف بعد نفاد العنوان، و سيأتي بيان الكلّ إن شاء اللّه تعالى.

39

أقول (1):

____________

(1) ناقش المصنف في ما أفاده صاحب الجواهر (قدّس سرّه) هما- من بطلان الوقف بزوال العنوان- بوجهين:

الأوّل: مخالفته للإجماع على أن زوال العنوان غير مبطل للوقف، و هذا الإجماع ادّعاه صاحب الجواهر أيضا في مسألة بقاء وقف عرصة الدار المنهدمة، قال: «إذا انهدمت الدار ... لم تخرج العرصة بذلك عن الوقف، و لم يجز بيعها. بلا خلاف أجده بين من تعرّض له ...» لكنه (قدّس سرّه) جعل مورد البحث- أعني وقف عنوان الدار- غير مندرج في معقد الإجماع (1).

و عليه فاحتجاج المصنف (قدّس سرّه) باتفاق الأصحاب مبني على إطلاق حكمهم ببقاء وقف العرصة بعد انهدام الدار، سواء أ كان الملحوظ عنوان الدار أم لا، فراجع (2).

و الحاصل: أنّ الفقهاء و إن اختلفوا في حكم بيع الوقف إذا خرب أو خشي خرابه، فمنهم من جوّز البيع، و منهم من منعه، لكن هذا الاختلاف غير قادح في إطباقهم على بقاء الوقف بعد تغيير عنوانه، إذ لا ملازمة بينهما، لكون النسبة بين الخراب و سقوط العنوان عموما من وجه، لصدق «تغيّر العنوان» دون الخراب فيما إذا كانت العين الموقوفة حيوانا بسنّ خاص كبنت لبون أو بنت مخاض مثلا، فإذا تجاوز سنّهما عن هذا الحد، فقد تغيّر العنوان مع عدم صدق الخراب.

و لصدق «الخراب» بدون «تبدل العنوان» في الأرض الموقوفة للزراعة، فانقطع عنها الماء، فإنّه يصدق الخراب على هذه الأرض مع عدم تبدل عنوانها.

و لتصادقهما في الدار المنهدمة و البستان الذي خرب، و زال عنوان بستانيته.

____________

(1) جواهر الكلام، ج 28، ص 108

(2) المصدر، ص 109

40

يرد على [ذلك] (1) ما قد يقال- بعد الإجماع على أنّ انعدام العنوان لا يوجب بطلان الوقف، بل (2) و لا جواز البيع، و إن اختلفوا فيه (3) عند الخراب أو (4) خوفه، لكنّه (5) غير تغيّر العنوان،

____________

فالنتيجة: أنّ استمرار الوقف بعد نفاد العنوان مجمع عليه. و معه لا وجه للالتزام بالبطلان كما صار إليه صاحب الجواهر (قدّس سرّه). هذا توضيح الوجه الأوّل، و سيأتي الوجه الثاني.

(1) كذا في نسختنا، و الظاهر عدم الحاجة إلى هذه الكلمة، كما لم تذكر في بعض النسخ المصححة، فكأنّه قال: «إنّه: يرد- على ما أفاده في الجواهر من قوله:

قد يقال بالبطلان أيضا ...- أوّلا مخالفته للإجماع ... الخ».

(2) الوجه في الإتيان ب‍ «بل» هو: أنّ موضوع جواز البيع هو الوقف أي ما كان باقيا على وقفيته، فلو لم يجز البيع بعد انعدام العنوان كان بقاء وقفية العين أوضح وجها.

(3) أي: في جواز البيع، فمنعه ابن إدريس (1)، و جوّزه جماعة، فراجع الأقوال (2).

(4) الإتيان ب‍ «أو» للتنبيه على اختلاف عبائر المجوّزين، فمنهم من جوّز البيع عند الخراب كسلّار (3)، و منهم من جوّزه عند خوف الخراب و خشيته، كالشهيد في الدروس (4).

(5) أي: لكنّ «خراب الوقف» المختلف حكمه أمر، و «انعدام العنوان» أمر آخر، لكون النسبة بينهما عموما من وجه، كما تقدم آنفا.

____________

(1) راجع هدى الطالب، ج 6، ص 545

(2) المصدر، ص 547 و ما بعدها

(3) المصدر، ص 563

(4) المصدر، ص 567

41

كما لا يخفى- أنّه (1) لا وجه للبطلان بانعدام العنوان،

____________

(1) الجملة مرفوعة محلّا على أنّها فاعل قوله: «يرد» و هذا ثاني وجهي المناقشة، و ينبغي الإشارة إلى أمرين قبل توضيحه:

الأوّل: أن الفرق بين الأحكام التكليفية المتعلقة بالعناوين، و بين الأحكام الوضعية. هو: أن الحكم التكليفي يقف على نفس العنوان و لا يسري إلى المعنون، كالأمر بالصلاة، فإنّ مركب الوجوب هو عنوان «الصّلاة» الفاني في المعنون، لا نفس المعنون أعني به مصداقه الخارجي، لما تقرر من امتناع اتصافه بالوجوب، ضرورة أن الخارج ظرف سقوط الأمر لا ثبوته.

و هذا بخلاف الأحكام الوضعية، فيمكن تعلقها بالأشخاص و بالطبائع و بالعناوين، فلو قال: «الدار ملك زيد» كان متعلق الحكم هو الموجود الخارجي أعني المعنون بعنوان الدار، و لو قال: «الخمر نجس» كان المتعلق لبّا الجزئيات الخارجية، و يكون العنوان عبرة و طريقا إلى ما في الخارج.

و عليه فمعنى مملوكية الدار لزيد كون كل جزء جزء منها ملكا له، بلا دخل لعنوان «الدراية» فيه.

الثاني: أن حقيقة الوقف إمّا حبس العين على الموقوف عليه أو تمليكها له أو غيرهما. و لا ريب في كون مجعول الواقف اعتبارا وضعيا، لا تكليفيا. و لا يقتضي تعلقه بعنوان الدار أو البستان تحديد حبس العين على الموقوف عليه بزمان استمرار الصورة البستانية أو الدارية حتى لا تكون الأجزاء الخارجية مملوكة للموقوف عليه أو محبوسة عليهم.

إذا تقرّر هذان الأمران، قلنا في توضيح الوجه الثاني: إنّ منشأ المصير إلى بطلان الوقف بزوال العنوان هو أخذ عنوان خاصّ في صيغة الوقف، كقوله: «وقفت البستان على أولادي». و لكن يسأل من صاحب الجواهر (قدّس سرّه) عمّا أراده من كلمة «العنوان» فإمّا أن يكون مراده به ما يقع مفعولا به في مقام الجعل كالمثال المزبور،

42

لأنّه (1) إن اريد ب‍ «العنوان» ما جعل مفعولا (2) في قوله: «وقفت هذا البستان» فلا شكّ [في] (3) أنّه ليس إلّا كقوله: «بعت هذا البستان» أو: «وهبته» فإن (4) التمليك المعلّق بعنوان لا يقتضي دوران الملك

____________

و إمّا أن يكون مراده به أمرا آخر كالشرط المبني عليه الإنشاء أو المصرّح به فيه، بأن يقول: «وقفت هذا البستان على ذريتي ما دام بستانا». و المفروض عدم اقتضاء شي‌ء منهما بطلان الوقف بنفاد العنوان.

أمّا الأوّل فلأنّ وقفية البستان لا تكون مقصورة على هذا العنوان، بل تسري إلى كل جزء منه، و تقدّم آنفا سراية الأحكام الوضعية من عناوينها إلى معنوناتها بلا فرق بين الملكية الحاصلة بالوقف أو بالبيع أو بالهبة.

و الشاهد على تعلّق الملكية بالمعنون أنّه لو قال: «بعتك هذا البستان» و تغيّرت صورته البستانية بعد البيع لم ينحل العقد، بل تبقى العرصة و الأجزاء ملكا للمشتري. فكذا الحال في الوقف الذي يكون حقيقته إيقافا للعين عن النقل الاعتباري أو تمليكا أو قصرا، سواء استمرّ العنوان أم تغيّر.

و أما الثاني فسيأتي.

(1) تعليل لقوله: «لا وجه» و تقدم بيان عدم الوجه بناء على أوّل شقيّ الترديد.

(2) المفعول به هو كلمة «هذا» و «البستان» بدل أو عطف بيان له.

(3) هذه الكلمة لم توجد في نسختنا، و إنّما أثبتناها تبعا لما في بعض النسخ، و مناسبة لكلمة الشك.

(4) تعليل لوحدة مدلول «وقفت هذا البستان، و: بعته، و: وهبته» في أنّ الدار مفعول به في الجميع. فكما أنّ البائع يملّك البستان من المشتري على نحو ملكيته له من الذات و العنوان، و لا يكون تمليكه مقصورا على عنوان «البستان»، فلو زال العنوان بقي ملكية المشتري للعرصة لكونها جزءا من المبيع. فكذا في الوقف يتملك‌

43

مدار العنوان [1]. فالبستان إذا صار ملكا فقد ملك منه كلّ جزء خارجي و إن لم يكن (1) في ضمن عنوان «البستان». و ليس (2) التمليك من قبيل الأحكام الجعلية (3) المتعلقة بالعنوانات.

و إن أريد (4) ب‍ «العنوان» شي‌ء آخر، فهو خارج عن مصطلح أهل

____________

الموقوف عليه كلّ جزء من العين.

(1) أي: و إن لم يكن كلّ جزء منه جزءا لعنوان البستان، إذ بعد ذهاب العنوان لا تتعنون العرصة بجزئيتها له فعلا، بل كانت جزءا له قبل ذهابه.

(2) هذا دفع دخل مقدر، حاصله: مقايسة الملكية و الحبس بالأحكام التكليفيّة الموقوفة على عناوينها كوجوب الصلاة. و تقدم الدفع بما ذكرناه في الأمر الأوّل في (ص 41) فراجع.

(3) يعني: المجعولة بالأصالة و الاستقلال، و هي خصوص التكليفية، لوضوح عدم كون الوضعيات- عند المصنف- مجعولة كذلك كما تقدّم في أوّل البيع، فراجع (1).

(4) هذا هو الشّق الثاني من المنفصلة، و حاصله: أن مراد صاحب الجواهر (قدّس سرّه) بالعنوان إن لم يكن وقوع الكلمة مفعولا به في مقام الإنشاء، بأن كان المراد شيئا آخر كالاشتراط، قلنا: إنّ إرادة الشرط من العنوان غير معهودة عند العرف و أهل العلم.

____________

[1] إلا أن يفرق بينهما بما أفاده السيد (قدّس سرّه) من كون البستان موردا في البيع و الهبة، و عنوانا في الوقف (2).

و لعلّه لأنّ غرض الواقف من حبس العنوان تسبيل منفعة خاصة، فكأنّ المنشأ تسبيل منفعة هذا العنوان، لا منفعة العرصة التي غرست الأشجار فيها. و المفروض أن الوقوف على حسب ما يقفها أهلها. و هذا بخلاف البيع.

____________

(1) هدى الطالب، ج 1، ص 122 إلى 128

(2) ملحقات العروة الوثقى، ج 2، ص 254

44

العرف و العلم، و لا بدّ من بيان المراد منه، هل يراد ما اشترط لفظا أو قصدا في (1) الموضوع زيادة على عنوانه؟

و أمّا تأييد ما ذكر (2) بالوصية فالمناسب أن يقايس ما نحن فيه بالوصية

____________

مع أنّ اشتراط التوقيت لا يجدي فيما رامه (قدّس سرّه) من بطلان الوقف بزوال العنوان، سواء أ كان الشرط مصرّحا به كما لو قال: «وقفت هذا على أن يكون بستانا أو: ما دام بستانا» أم منويّا- من غير دلالة عليه في الإنشاء- كما لو اقتصر على جملة: «وقفت هذا البستان» بانيا على كونه موقّتا ببقاء البستان.

وجه عدم الإجداء: منافاة جعل الملكية المحدودة- للموقوف عليه- للتأبيد الذي اعتبروه في الوقف. فيشكل نفوذ هذا الشرط بأدلة الشروط و بخصوص «الوقوف على حسب ما يقفها أهلها».

(1) متعلق ب‍ «ما اشترط» يعني: أنّ اشتراط العنوان في العين الموقوفة يكون تارة ملفوظا به و اخرى مقصودا.

و كان المناسب تتميم المطلب بأن يقال: «و صحته محل تأمل» و نحو ذلك، و إلّا كان إطلاق العنوان على الشرط مجرد الخروج عن مصطلح القوم، و هو بحث لفظي، و المهم بيان حكم هذا الشرط صحة و فسادا و إفسادا.

هذا مناقشة المصنف في أصل ما أفاده صاحب الجواهر (قدّس سرّه) هما من بطلان الوقف بانعدام العنوان، و بقي الكلام في تأييده بفرع الوصية.

(2) من بطلان الوقف بزوال العنوان، و حاصل المناقشة: أنّ ما ذكروه في باب الوصية لا يؤيّد بطلان الوقف فيما نحن فيه، لافتراقهما موضوعا، فإنّ مدّعى الجواهر تمامية الوقف هنا و كونه ملكا فعليا للموقوف عليه ما دام العنوان باقيا، و المناسب تأييده بكون الملك فعليا للموصى له، و هو فيما إذا تمت الوصية بعنوان كالدار، فزال العنوان، كما إذا أوصى بدار لزيد فمات الموصي ثم انهدمت الدار، فإنّها تبقى على ملك الموصى له، لصيرورة الملكية المنشأة بالوصية فعلية بالموت. فتكون هذه المسألة‌

45

..........

____________

نظير الوقف على العنوان.

و حينئذ فإن التزم الفقهاء بخروج الدار المنهدمة عن ملك الموصى له إلى ورثة الموصي كانت متحدة مع المقام. و إن لم يلتزموا بدوران ملك الموصى له مدار العنوان، بل تبقى العرصة على ملكه، كان منافيا لما رامه صاحب الجواهر. و من المعلوم أنّ حكمهم بانتقال الملك إلى الموصى له بموت الموصي و قبول الموصى له (1) شاهد على أن الملكية المنشأة بالوصية و إن كانت متعلقة بعنوان الدار، إلّا أنّ المتعلق حقيقة هو ذات المعنون، و أنّ العنوان معرّف محض.

و بعبارة اخرى: كان مقصود صاحب الجواهر من تأييد الوقف بالوصية هو تعلق كل منهما بعنوان الدار مثلا، فكما أن زوال العنوان يبطل الوصية، فكذا يبطل الوقف. و مقصود المصنف (قدّس سرّه) إبطال التأييد، ثم التنظير بفرع آخر.

أمّا بطلان التأييد فللفرق بين المسألتين، و هو: اقتضاء الوقف على العنوان صيرورة الموقوفة ملكا فعليّا للعنوان، بخلاف مسألة الوصية، لكون ملك الموصى له قبل موت الموصي شأنيا لا فعليا.

مضافا إلى: أنّ الموصى به هو عنوان «البستان» حال موت الموصي، بشهادة حكمهم بعدم اعتبار وجود الموصى به حال الوصية. فلو تغيّر عنوان البستان لم يكن الموصى به موجودا حال الموت، و الموجود حاله- و هو العرصة- مغاير للموصى به، فتبطل الوصية من هذه الجهة، لا من جهة اعتبار بقاء العنوان في بقاء الوصية.

و أمّا التنظير فتقريبه: أنّ الفرع المماثل للوقف على العنوان هو الوصية بالدار التي صارت بعنوانها ملكا فعليا للموصى له بقبوله و بموت الموصي، ثم زال العنوان، فإنّهم لم يلتزموا بزوال ملك الموصى له، و بعوده إلى ورثة الموصي. و هذا كاشف عن‌

____________

(1) شرايع الإسلام، ج 2، ص 243

46

بالبستان بعد تمامها (1)، و خروج (2) البستان عن ملك الموصي بموته و قبول الموصى له. فهل يرضى أحد بالتزام بطلان الوصيّة بصيرورة البستان عرصة (3)؟

نعم (4) الوصية قبل تمامها

____________

عدم موضوعية العنوان، و كونه معرّفا. فليكن الوقف مستمرّا بعد ذهاب العنوان، لوحدة المناط.

(1) أي: تمام الوصية، و وجه المناسبة ما تقدم من فعلية ملك الموقوف عليه و الموصى له لو زال العنوان بعد الموت.

(2) معطوف على التمامية، و هو أثر لها.

(3) فينبغي أن لا يرضى صاحب الجواهر ببطلان الوقف بصيرورة البستان عرصة.

(4) غرضه أنّ منشأ بطلان الوصية قبل تمامها ليس ما زعمه صاحب الجواهر من تغيّر العنوان، بل لعدم وجود الموصى به- و هو البستان- حال موت الموصي، فهو نظير بطلانها من جهات اخرى:

منها: رجوع الموصي عن وصيته قولا أو فعلا، إمّا بالتصرف الاعتباري في الموصى به ببيع أو هبة أو وقف أو غيرها. و إمّا بالتصرف الخارجي.

قال المحقق (قدّس سرّه): «و كذا- أي يتحقق الرجوع- لو تصرّف فيه تصرّفا أخرجه عن مسمّاه، كما إذا أوصى بطعام فطحنه، أو بدقيق فعجنه أو خبزه» (1).

و منها: تلف الموصى به، كما لو أوصى بعبده فمات قبل موت الموصي (2).

و منها: عدم بقاء الاسم لو كان بفعل غير الموصي.

و منها: رد الوصية بعد الموت و قبل قبوله (3).

____________

(1) شرائع الإسلام، ج 2، ص 244

(2) المصدر، ص 260

(3) المصدر، ص 243

47

يقع الكلام في بقائها و بطلانها من جهات (1) أخر.

ثم ما ذكره من الوجهين (2) ممّا لا يعرف له وجه، بعد إطباق كلّ من قال بخروج الوقف المؤبّد عن ملك الواقف على عدم عوده إليه أبدا [1].

____________

(1) لا يخفى أن الجهات المتقدمة لم يقع كلام- في بقاء الوصية و بطلانها- في جميعها، لعدم دعوى الخلاف في بعضها كالبطلان بالرجوع و فوات المتعلق، نعم عدم صدق الاسم- إن كان بفعل غير الموصي- يقع الكلام في مبطليته لها و عدمها.

(2) أحدهما: رجوع العين بعد زوال العنوان إلى ورثة الموقوف عليه كما قوّاه في كتاب البيع، و تقدم في (ص 38).

ثانيهما: رجوعه إلى الواقف أو ورثته كما قوّاه في كتاب الوقف، و استظهره من مكاتبة الصفار و غيرها، فراجع (1).

و حاصل مناقشة المصنف في هذا المقطع من كلام صاحب الجواهر (قدّس سرّه) هما هو:

أنّ الوقف على العنوان يكون من الوقف المؤبّد، لا المنقطع. و قد أطبق الفقهاء- القائلين بخروج العين عن ملك الواقف- على عدم عودها إليه أو إلى ورثته.

و يستفاد هذا الإجماع من غير موضع من السرائر، كقوله في عدم جواز انتفاع الواقف بما وقفه: «لما بيناه و أجمعنا عليه من أنه لا يصحّ وقفه على نفسه، و أنّه بالوقف قد خرج عن ملكه و لا يجوز عوده إليه بحال» (2) فعدم دخوله في ملك الواقف متفق عليه.

____________

[1] الظاهر أنّ المصنف (قدّس سرّه) اقتصر على ما أفاده صاحب الجواهر في كتاب البيع، فأورد عليه بأنّ عود الوقف المؤبد إلى الواقف و ورثته مخالف للإجماع.

____________

(1) جواهر الكلام، ج 28، ص 57

(2) السرائر، ج 3، ص 155

48

..........

____________

و عليه فلا ينبغي إبداء احتمال رجوع الوقف إلى الواقف، خصوصا مع تقويته في كتاب الوقف كما سيأتي نقل كلامه في التعليقة.

هذا تمام الكلام في الصورة الثانية.

____________

لكن صريحه (قدّس سرّه) في كتاب الوقف كونه من المنقطع، كقوله في تقوية رجوع العين إلى الواقف أو ورثته: «لأنّ عقد الوقف- بعد فرض مشروعيته على هذا الوجه- إنّما اقتضى نقلها عن المالك ما دام الموقوف عليه غير منقرض. و متى صار غير موقّت صار باطلا مردودا على الواقف أو ورثته كما هو صريح الصحيح الأوّل، فلا يحتاج حينئذ إلى سبب جديد، لأنّ الناقل عن مقتضى الملك إنّما نقل هذا المقدار. و ليس هذا من التوقيت في الملك أو في الوقف، الذي حكينا الإجماع على عدم جوازه، ضرورة كون ذلك الذى فد اخذت فيه المدّة غاية، لا ما إذا جاءت تبعا لانقراض الموقوف عليه» (1).

و كقوله في صور وقف العنوان كالدار المنهدمة: «أحدها: وقفها ما دامت دارا، فانهدمت، و الظاهر كونها من منقطع الآخر» (2).

و بالجملة: فمناقشة المصنف مبنيّة على كون المقام من الوقف المؤبّد حتى يتجه تمسكه بالإجماع على عود المال إلى الواقف.

إلّا أن يقال: إنّ الغرض إبطال انقطاع الوقف هنا، ثم الإيراد على الجواهر بأنّه بعد تسليم كونه من المؤبد لا سبيل لإبداء احتمال رجوعه إلى الواقف. فتأمّل.

و كيف كان فالظاهر أن الملكية المنشأة بالوقف على العنوان محدودة ببقائه.

بمعنى أنه أخرج الدار عن ملكه ما دامت دارا مثلا، و هي ممكنة ثبوتا، و اقتضاء

____________

(1) جواهر الكلام، ج 28، ص 57

(2) المصدر، ص 109

49

____________

«الوقوف» و نحوه صحتها شرعا، نظير ما نقله المحقق الشيرازي عن بعض الأعلام في ملكية الأرض المحياة من أنّها تحدث بحدوث صفة الإحياء، و تدوم بدوامها.

و كملكية الخلّ التابعة لبقاء عنوان خليّته أو حليته، فإذا زال عنه ذلك خرج عن الملكية. و دعوى أنّه راجع إلى مزيلية الخراب أو الخمرية أو الحلية عريّة عن البيّنة (1).

و قد يفصّل في المقام بين تبدل الصورة النوعية عرفا- مع بقاء المادة الهيولائية المتصورة بصورة اخرى، كصيرورة النخلة خشبة، لمباينتهما، فيبطل الوقف، كما قال به صاحب الجواهر (قدّس سرّه) و بين عدم تبدلها كذلك، و إن تبدلت بالدقة، فيستمر. و الوجه فيه كون قوام الوقف بالصورة النوعية العرفية (2).

و نوقش فيه: بأن شيئية الأشياء و إن كانت بصورها النوعية العرفية أو العقلية، إلا أنّها لا تقابل بالمال في المعاوضة، و إنما توجب زيادة مالية المادة.

و عليه فإذا وقف دكانا أو دارا كان ظاهره وقف مادتهما، و لا تدور الوقفية مدار نفس الصور و العناوين، لعدم انفكاكها عن المواد، بل لا يبقى لوقف العنوان- بدون وقف المعنون- معنى محصّل، لكونهما متحدين خارجا. فزوال الوقف بزوال المادة و صورتها، هذا (3).

مضافا إلى: أن الوقف لو كان متعلقا بالعنوان- لا بالعين الخارجية- فإن بقي في ملك الواقف شي‌ء منها ليجوز له قلعها بعد يبسها لم يكن معنى لكونها للموقوف عليه، و إن لم يبق شي‌ء منها في ملك الواقف كيف تصير ملكا له بعد زوال العنوان؟

لكن يمكن أن يقال: إنّ هذا تام في الأوصاف الدخيلة في الرغبات، كما إذا اشترى عبدا كاتبا، فتبين كونه أميّا، فيصح، و يثبت له خيار تخلف الوصف، بعد وحدة

____________

(1) حاشية المكاسب، القسم الثاني، ص 26

(2) منية الطالب، ج 1، ص 350؛ المكاسب و البيع، ج 2، ص 394

(3) مصباح الفقاهة، ج 5، ص 209 إلى 212

50

____________

حقيقة المبيع عرفا في الكاتب و غيره. و هذا بخلاف تعدد الصور المتحدة مادة لعدم كون المادة المشتركة مناطا لوحدة الحقيقة، لأن مورد المعاملة هو الصورة الخاصة.

ففرق بين كون المبيع غنما و بين كونه جسما مركبا من أعضاء. و المرجع في تعيين كون مورد المعاملة هو الصورة أو المادة العرف.

و أما ما أفاده في حكم النخلة الموقوفة فقد عرفت تصريح صاحب الجواهر (قدّس سرّه) من خروج الوقف بتمامه عن ملك الواقف موقتا و محدودا ببقاء العنوان، فيعود إليه بعد زواله. و الإشكال من ناحية اختصاص الملك بالمرسل أمر آخر. مضافا إلى النقض بعود الوقف إلى الواقف بعد انقراض البطون.

51

[الصورة الثالثة أن يخرب بحيث يقلّ منفعته]

الصورة الثالثة: أن يخرب بحيث يقلّ منفعته، لكن لا إلى حدّ يلحق بالمعدوم (1). و الأقوى هنا المنع، و هو الظاهر من الأكثر في مسألة النخلة المنقلعة،

____________

الصورة الثالثة: إذا خرب الوقف بحيث تقلّ منفعته‌

(1) تقدّم توضيح الفرق بين هذه الصورة و سابقتها في (ص 7) و أنّ مورد الكلام هنا بقاء شي‌ء من منفعة العين بعد خرابها.

و لا يخفى أن لقلّة المنفعة- كما نبّه عليه المحقق الإيرواني (قدّس سرّه) (1)- فرضين:

أحدهما: أن تقلّ المنفعة التي لا حظها الواقف مع بقاء مقدار معتد به منها، سواء أ كان الملحوظ جميع المنافع أو نوع خاصّ منها.

ثانيهما: أن تزول المنفعة المقصودة بالمرّة، مع بقاء منفعة غير مقصودة، أو حدوث هذه مقارنا لزوال ما قصد.

و الظاهر أنّ النزاع بين مجوّز البيع و مانعه يكون في الفرض الثاني، بشهادة تعرضهم لحكم النخلة المنقلعة، ضرورة أنّه لم يبق شي‌ء من الثمرة التي سبّلها الواقف، و إنما الكلام في مانعية الانتفاع الجزئي بالتسقيف و شبهه عن البيع، و عدمها. و أما لو كانت النخلة مثمرة و قلّ تمرها، لم يجز بيعها، هذا.

ثم إنّ المصنف (قدّس سرّه) قوّى منع البيع هنا وفاقا للأكثر، كما تقدّم نقله مؤيّدا للمنع في الصورة الثانية، فراجع (ص 16).

____________

(1) حاشية المكاسب، ج 1، ص 178

52

حيث جوّز الشيخ (رحمه اللّه) في محكيّ الخلاف بيعها، محتجّا بأنّه «لا يمكن الانتفاع بها إلّا على هذا الوجه (1)، لأنّ الوجه الذي شرطه الواقف قد بطل (2)، و لا يرجى عوده» (1). و منعه (3) الحلّي قائلا: «و لا يجوز بيعها، بل ينتفع بها بغير البيع، مستندا إلى وجوب إبقاء الوقف على حاله مع إمكان الانتفاع. و زوال بعض (4) المنافع لا يستلزم زوال جميعها، لإمكان التسقيف بها و نحوه (2).

____________

(1) أي: على وجه البيع و الانتفاع بثمنها.

(2) هذا التعليل- بظاهره- لا يلائم ما قبله من قوله: «إلّا على هذا الوجه» الظاهر في انتفاء جميع وجوه الانتفاع بنحو السلب الكلي.

و وجه التنافي: دلالة قوله: «لأن الوجه الذي ...» على انتفاء خصوص المنفعة المقصودة للواقف، و أنّه لا عبرة بسائر الانتفاعات.

لكن يرتفع التنافي بأنّ قوله: «إلّا على هذا الوجه» لا يدلّ على حصر الانتفاع بالبيع، و سقوط جميع وجوه الانتفاع، بل المراد عدم العبرة بسائر الانتفاعات، لعدم كونها مقصودة للواقف، و إلّا لو سقطت العين عن المنفعة بالمرّة لم يجز بيعها، إذ كيف يباع ما لا منفعة له أصلا. و سيأتي في (ص 53) بيان ما أراده الشيخ من التعليلين.

(3) أي: و منع ابن إدريس (قدّس سرّه) البيع، استنادا إلى وجوب إبقاء الوقف على حاله، لأنّه تحبيس الأصل و تسبيل الثمرة، فإن تيسّرت الثمرة المسبّلة فهو، و إلّا فالصرف في منفعة اخرى.

(4) كعدم إثمار النخلة بسبب قلعها، فإنّه لا يستلزم فوات منفعة اخرى، كأن يعمل منها زورق أو جسر، أو يسقّف بها بيت مثلا.

____________

(1) الخلاف، ج 3، ص 551- 552، كتاب الوقف، المسألة: 23

(2) السرائر، ج 3، ص 167

53

و حكي موافقته (1) عن الفاضلين و الشهيدين و المحقق الثاني و أكثر المتأخرين.

و حكى في الإيضاح عن والده (قدّس سرّه): أنّ النزاع بين الشيخ و الحلّي لفظي.

و استحسنه (2)، لأنّ في تعليل الشيخ (3) اعترافا بسلب جميع منافعها، و الحلّيّ فرض وجود منفعة، و منع لذلك بيعها (1).

قيل (4): و يمكن بناء نزاعهما على رعاية المنفعة المعدّ لها الوقف، كما هو

____________

(1) أي: موافقة الحلّي، و الموافق جماعة، و الحاكي صاحب المقابس (قدّس سرّه) (2).

(2) يعني: و استحسن فخر المحققين كون النزاع لفظيا بين شيخ الطائفة و الحلّي، لمغايرة موضوع المنع و الجواز، و ذلك لأنّ الشيخ اعترف بسلب جميع المنافع فجوّز البيع، و الحلّي فرض بقاء بعضها فمنعه. فلو سلب جميع منافع الموقوفة يكون الحلّي مجوزا، كما أنه لو بقي شي‌ء منها لكان الشيخ مانعا. و هذا هو معنى النزاع اللفظي.

(3) المقصود من تعليل الشيخ هو الجملة الاولى أعني قوله: «لا يمكن الانتفاع بها إلّا على هذا الوجه» و إلّا لم يتجه نسبة ذلك إلى الشيخ بملاحظة قوله: «لأنّ الوجه الذي شرطه الواقف ...».

(4) القائل صاحب المقابس (قدّس سرّه) (3)، و غرضه جعل النزاع بين العلمين معنويا بأن يتحد موضوع الجواز و المنع.

و حاصله: أن المدار على المنفعة التي اعدت العين الموقوفة لها كالثمرة المترتبة على البستان، أو على مطلق المنفعة العائدة من العين كالسكنى المترتبة على الدار، فإذا خرب البستان و بني دارا لم تخرج العين عن الوقفية، فيكون النزاع بين الشيخ و الحلّي معنويا، لأنّ مناط الجواز عند الشيخ انتفاء خصوص المنفعة المقصودة، و إن بقيت سائر المنافع، لقوله: «لأنّ الوجه الذي شرطه الواقف قد بطل»، و مناطه‌

____________

(1) إيضاح الفوائد، ج 2، ص 393

(2) مقابس الأنوار، كتاب البيع، ص 62، لكنه قال: «كما نقل»، و الحاكي لها عن الجماعة هو السيد العاملي (قدّس سرّه)، فراجع مفتاح الكرامة، ج 9، ص 92، و تقدمت المصادر في (ص 16)، فلاحظ.

(3) مقابس الأنوار، كتاب البيع، ص 62، لكنه قال: «كما نقل»، و الحاكي لها عن الجماعة هو السيد العاملي (قدّس سرّه)، فراجع مفتاح الكرامة، ج 9، ص 92، و تقدمت المصادر في (ص 16)، فلاحظ.

54

الظاهر من تعليل الشيخ (1) [1]. و لا يخلو عن تأمّل (2).

____________

عند الحلي هو انتفاء مطلق المنفعة، لا خصوص ما شرطه الواقف.

(1) غرض صاحب المقابس من تعليل الشيخ هو قوله: «لأنّ الوجه الذي شرطه الواقف قد بطل» فانه كالصريح في دوران البيع منعا و جوزا مدار ما سبّله الواقف من منفعة وجودا و عدما، و أنّه لا عبرة بوجود منفعة اخرى، قال في المقابس:

«و يمكن بناء الخلاف على رعاية المنفعة المعدّ ذلك الوقف لها، و عدمها، فالشيخ على الأوّل، و الحلّي على الثاني. و هذا هو الظاهر من التعليل كما لا يخفى» (1).

(2) لعلّ وجه التأمل عدم مساعدة كلامهما على هذا التوجيه، أمّا الشيخ (قدّس سرّه) فلأنه علّل أوّلا جواز البيع بقوله: «لأنّه لا يمكن الانتفاع بها إلّا على هذا الوجه» و معناه حصر المنفعة- بقول مطلق- في البيع، لا نفي المنفعة المعدّ لها الوقف. ثم علّل هذا الحصر بقوله: «لأنّ الوجه الذي شرطه الواقف قد بطل» و ليست هذه الجملة تعليلا لأصل جواز البيع حتى يقال بأنّ مناط الجواز بنظر الشيخ انتفاء المنفعة المقصودة للواقف.

____________

[1] لكن تعليل الجواز في المبسوط يأبى احتمال إرادة مطلق الانتفاع، فلاحظ قوله: «إذا قطعت نخلة من أرض الوقف، أو انكسرت، جاز بيعها لأرباب الوقف، لأنّه تعذّر الانتفاع بها على هذا الوجه الذي شرطه، و هو أخذ ثمرتها». و هذا هو مفاد عبارة الخلاف «لأنّ الوجه الذي شرطه الواقف قد بطل».

و عليه فليس ما أفاده المحقق الشوشتري (قدّس سرّه) بعيدا عن التعليل. و يعود النزاع بينه و بين الحلّى معنويّا، كما يظهر أيضا من الفقيهين السيد العاملى و صاحب الجواهر (قدّس سرّه)، فلاحظ (2).

____________

(1) مقابس الأنوار، كتاب البيع، ص 62

(2) مفتاح الكرامة، ج 9، ص 92؛ جواهر الكلام، ج 28، ص 110

55

و كيف كان (1)، فالأقوى هنا المنع.

و أولى منه (2) بالمنع ما لو قلّت منفعة الوقف من دون خراب (3)، فلا يجوز بذلك (4) البيع، إلّا إذا قلنا بجواز بيعه إذا كان (5) أعود، و سيجي‌ء تفصيله (6).

____________

و أمّا الحلّي فلدلالة قوله: «و زوال بعض المنافع لا يستلزم زوال جميعها» على دوران منع البيع مدار وجود منفعة ما للوقف، و لا يجدي زوال خصوص المنفعة المعدّ لها الوقف. و عليه فبناء النزاع على رعاية المنفعة المعدّ لها الوقف بعيد عن مساق الكلامين.

(1) يعني: سواء أ كان النزاع بينهما لفظيا أم معنويا، فالمختار في المسألة هو منع بيع الوقف الذي بقي مقدار من منفعته. و الوجه في المنع وجود المقتضي و فقد المانع، بالتقريب المتقدم في الصورة الثانية، فراجع (ص 8).

(2) الضمير راجع إلى «هنا» المراد به خراب الوقف بما يقلّ نفعه، و هذا هو الفرع الملحق بالصورة الثالثة. و وجه أولوية منع البيع فيه: أنّ الموضوع لجواز البيع- عند القائل به- هو «خراب الوقف» بأن يكون قلة المنفعة لأجل خراب العين، و من المعلوم عدم صدقه في فرض عمرانها.

نعم يمكن القول بجواز البيع هنا استنادا إلى ما سيأتي في الصورة الرابعة من جواز بيع الوقف لو كان أنفع بحال الموقوف عليه.

(3) كما إذا استغني عن مثل الحمّام الموقوف، و عن الخان الموقوف على الزوار و المسافرين، كما تقدم في الصورة الثانية، فراجع (ص 22).

(4) أي: فلا يجوز البيع بقلة المنفعة التي منشؤها خراب العين.

(5) أي: كان البيع أعود، و ضمير «بيعه» راجع إلى الوقف.

(6) في الصورة الرابعة، و لم يختر المصنف (قدّس سرّه) جواز البيع، لقوله في (ص 87):

«و الأقوى المنع مطلقا وفاقا للأكثر».

هذا ما يتعلق بالصورة الثالثة، و به تمّ الكلام في بيع الوقف لأجل الخراب، و سيأتي حكم بيعه لجهات اخرى كالحاجة إلى الثمن و غيرها.

56

[الصّورة الرابعة أن يكون بيع الوقف أنفع و أعود للموقوف عليه]

الصّورة الرابعة: أن يكون بيع الوقف أنفع و أعود للموقوف عليه (1).

و ظاهر المراد منه (2): أن يكون ثمن الوقف أزيد نفعا من المنفعة الحاصلة تدريجا

____________

الصّورة الرابعة: إذا كان بيع الوقف أصلح للموقوف عليه‌

(1) مورد البحث في هذه الصورة بقاء الوقف عامرا لم يطرأ عليه الخراب، خلافا لما سبق في الصور الثلاث، و لم تكن حاجة شديدة للموقوف عليه إلى البيع لصرف الثمن في المئونة كما سيأتي في الصورة الخامسة إن شاء اللّه تعالى.

فمحلّ الكلام هو البيع لمجرد كونه أصلح بحال الموقوف عليه. و تعرّض المصنف (قدّس سرّه) لجهتين:

إحداهما: راجعة إلى موضوع المسألة، أعني المقصود بأنفعية البيع.

و ثانيتهما: راجعة إلى الحكم، و هو المنع الذي ذهب إليه الجلّ، أو الجواز المنسوب إلى الشيخ المفيد. و سيأتي الكلام في كل منهما إن شاء اللّه تعالى.

(2) أي: من كون البيع أنفع، و هذا إشارة إلى الجهة الاولى.

و توضيحها: أنّ المراد بقاء أصل الثمن و زيادة نفعه- أو نفع بدله- على ما يعود فعلا إلى الموقوف عليه. كما إذا كانت اجرة الدار الموقوفة مائة دينار شهرا، و لو بيعت بعشرة آلاف و ضورب بالثمن كان الربح الحاصل للموقوف عليه- في الشهر- مائتين. فتزيد حصة كل واحد من الموقوف عليهم على ما حصل بالإجارة.

و كذا لو ابدل الثمن بخان أو دكان، و كانت الاجرة مائتي دينار شهرا.

و ليس المراد بأنفعية البيع صرف أصل الثمن في البطن الموجود، ضرورة كون‌