مجمع البحرين‌ - ج2

- الشيخ فخر الدين الطريحي المزيد...
448 /
3

الجزء الثاني

كتاب الباء

4

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

5

باب ما أوَّله الألف

(أبب)

قوله تعالى: وَ فٰاكِهَةً وَ أَبًّا [80/ 31] الأبُّ في كلام اللغويين: ما رعته الأَغْنَام، و هو للبهائم كالفاكهة للإنسان (1)

(أدب)

فِي الْحَدِيثَ

:" أَذْكِ

بِالْأَدَبِ

قَلْبَكَ فَنِعْمَ الْعَوْنُ

الْأَدَبُ

"

وَ فِي حَدِيثِ الْوَالِدِ مَعَ الْوَلَدِ

:" وَ اعْلَمْ أَنَّكَ مَسْئُولٌ عَمَّا وُلِّيتَهُ مِنْ حُسْنِ

الْأَدَبِ

"

(2)

الْأَدَبُ: حُسْنُ الأَخْلاق و قد جمعتِ الأحاديثُ الفرضَ و السُّنَّةَ و الأَدَبَ، و ظاهرُ العطفِ المُغَايَرَةُ. و أَدَبْتُهُ أَدْباً- من باب ضرب: علَّمْتُه رِيَاضة النفس و محاسنَ الأخلاق. و أَدَّبْتُهُ تَأْدِيباً مبالغةٌ و تكثيرٌ.

وَ فِي الْحَدِيثِ

:" خَيْرُ مَا وَرَّثَ الْآبَاءُ لِأَبْنَائِهِمُ

الْأَدَبُ

"

قال مَسعَدةُ: يعني بالأَدَبِ العلمَ (3) و فيه‌

" كَانَ عَلِيٌّ (ع)

يُؤَدِّبُ

أَصْحَابَهُ"

أي يُعَلِّمُهم العلم و محاسنَ الأخلاق. و أَدَّبْتُهُ تَأْدِيباً: إذا عاقبته على إساءة، و منه‌

قَوْلُهُ (ع)

:" مَنْ فَعَلَ كَذَا

فَلْيُؤَدَّبْ

".

و أَدَّبْتُهُ فَتَأَدَّبَ: انتهى. و أَحسنُ التَّأْدِيبِ أن يكون من غير ضرب و عُنف بل بلُطف و تَأَنٍّ.

____________

(1). في الصحاح (أبب): الأبّ المرعى.

(2). تحف العقول ص 263.

(3). الحديث وتفسير مسعدة في الكافي ج 8 ص 150. و مسعدة هذا هو أبو محمد أو أبو بشر مسعدة بن صدقة العبديّ، روى عن أبي عبد الله و أبي الحسن (ع) له كتب: انظر رجال النجاشي ص 325.

6

و أَدَبَ أَدْباً- من باب ضرب-: صنع صنيعا و دعا الناس إليه. فهو آدِبٌ. و اسم الصنيع" المَأْدُبَة" بضم الدال و فتحها.

(أرب)

قوله تعالى حكاية عن موسى (ع): وَ لِيَ فِيهٰا مَآرِبُ أُخْرىٰ [20/ 18] أي حوائجُ، واحدُها" مَأْرِبَةٌ" مثلثةَ الراء. و قيل: كان يحمل عليها زاده و سِقاءه، و كانت تُحَادِثه، و كان يضرب بها الأرض فيخرج منها ما يأكله يومَه، و يَرْكُزُها فيخرج منها الماء فإذا رفعها ذهب الماء، و كان يرُدُّ بها غنمَه، و كانت تَقِيه الهَوَامَّ بإذن الله تعالى، و إذا ظهر له عدو حارَبَتْ و نَاضَلَتْ عنه، و إذا أراد الاستسقاء من البئر صارت شُعْبَتَاها كالدَّلو يستقي به، و كان يظهر على شُعْبَتَيها نورٌ كالشَّمْعَتَين تُضِي‌ء له و يهتدي بها، و إذا اشتهى ثمرة من الثمار ركزها في الأرض فتُغْصِنُ أغصانُ تلك الشجرة و تُورِقُ و تُثْمِر ثمرها.

قَوْلُهُ تَعَالَى

: غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجٰالِ

[24/ 31] قِيلَ: هُمُ الْبُلْهُ الَّذِينَ لَا يَعْرِفُونَ شَيْئاً مِنْ أُمُورِ النِّسَاءِ،

وَ هُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) (1)

و‌

قِيلَ

: الْخَصِيُّ. وَ قِيلَ: الشَّيْخُ الْفَانِي الَّذِي لَا حَاجَةَ لَهُ فِي النِّسَاءِ. وَ قِيلَ: الْعَبِيدُ الصِّغَارُ

. و قُرِئَ غَيْرَ بالنصب على الحال و بالجر صفةً للتابعين.

وَ فِي الْحَدِيثِ

:

" أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجٰالِ

: الْأَحْمَقُ الَّذِي لَا يَأْتِي النِّسَاءَ"

(2)

.

و قيل: غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ أي النكاح، و الإِرْبَة: الحاجة (3). و" الأَرَبُ" مصدر من باب تَعِب، يقال: أَرِبَ الرجلُ إلى شي‌ء: إذا احتاج إليه، فهو آرِبٌ على فاعل. و" الإِرْب" بالكسر مستعمل في‌

____________

(1). في معاني الأخبار ص 162 و البرهان ج 3 ص 131 عن الصادق (ع) قال: هو الأبله المولّى عليه الّذي لا يأتي النّساء.

(2). البرهان ج 3 ص 131.

(3). انظر تفصيل هذه الأقوال في مجمع البيان ج 4 ص 138.

7

العُضْوِ، و الجمعُ" أَرْآب" مثل حِمْل و أَحْمَال و منه" السجود على سبعة أَرْآب" أي أَعْضَاء و آرَابٌ أيضا. و الأَرِيب: العاقلُ لا يختل عن عقله، و منه قولهم:" يحرص عليه الأَدِيبُ الأَرِيبُ". و تَأْرِيب الشي‌ء: توفيره. و مَأرَب: موضع، و منه ملحُ مَأْرَبٍ (1). و" الأُرْبَى" بضم الهمزة الداهية و" الإِرْبِيَان" بالكسر سمك معروف في بلاده (2)

(أَرْنَبُ)

فِي الْخَبَرِ

:" رَأَيْتُ عَلَى أَنْفِ رَسُولِ اللَّهِ (ص) وَ

أَرْنَبَتِهِ

أَثَرَ الْمَاءِ وَ الطِّينِ"

و مثله‌

" كَانَ يَسْجُدُ عَلَى جَبْهَتِهِ وَ

أَرْنَبَتِهِ

"

الأَرْنَبَةُ: طرَفُ الأنف عند الكل و" الأَرْنَبُ" واحدة الأَرَانِبِ هو حيوان يشبه العَناقَ قصير اليدين طويل الرجلين عكس الزَّرَّافَةِ، يطأ الأرض على مؤخَّر قوائمه، و هو اسم جنس يطلق على الذكر و الأنثى ... قيل: و قضيبُ الذَكَر كذَكَرِ الثَّعْلَبِ أحدُ شَطْرَيْهِ عظمٌ و الآخر عَصَبٌ ... و تُسَافِدُ و هي حُبْلَى، و تكون عاما ذكرا و عاما أنثى- كذا في حياة الحيوان (3).

وَ فِي الْحَدِيثِ

:"

الْأَرْنَبُ

مَسْخٌ كَانَتِ امْرَأَةً تَخُونُ زَوْجَهَا وَ لَا تَغْتَسِلُ مِنْ حَيْضِهَا"

(4)

(أزب)

في الحديث ذُكِرَ الْمِيزَابُ. و في المصباح:" المِئْزَاب" بهمزة ساكنة و" المِيزَابُ" للمبالغة، و جمع الأول" مَآزِيبُ" و الثاني" مَيَازِيبُ"

____________

(1)" مأرب" بفتح الميم و الهمزة و كسر الراء، و يقال بسكون الهمزة. انظر معجم ما استعجم ص 1180. و مراصد الاطلاع ص 1218.

(2)" الإربيان" اسم فارسي معرب، و قد يحرف إلى الروبيان، و قد ذكره الدميري في حياة الحيوان ج 1 ص 371.

(3). انظر ج 1 ص 20

(4). بحار الأنوار ج 15 ص 784.

8

و ربما قيل:" مَوَازِيبُ"، من" وَزَبَ الماء": إذا سال، و قيل بالواو مُعَرَّبٌ، و قيل مُوَلَّدٌ، و عن ابن الأعرابي: يقال للميزاب:" مرزاب" و" مزراب" بتقديم الراء المهملة و تأخيرها. و الأَزِبُ: الكثير الشعر. و الْأَزْبَة: الجدب.

(أشب)

الأُشَابَة: أَخْلَاط الناس. و أَشَبَ القوم: خلط بعضهم ببعض، و تَأَشَّبُوا حوله: اجتمعوا إليه و طافوا به‌

(ألب)

فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ (ع)

:" وَا عَجَبَا لِطَلْحَةَ

أَلَّبَ

النَّاسَ عَلَى ابْنِ عَفَّانَ حَتَّى إِذَا قُتِلَ أَعْطَانِي صَفْقَتَهُ"

(1)

أي جمع الناس، من قولهم:" أَلَبَ الإبِلَ أَلْباً" أي جمعها و ساقها، و" أَلَبْتُ الجيشَ" جمعته و" تَأَلَّبُوا" تجمعوا‌

(أنب)

فِي الْحَدِيثِ

:" مَنْ

أَنَّبَ

مُؤْمِناً أَنَّبَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ".

" التَّأْنِيبُ" المبالغة في التوبيخ و التعنيف و منه" فَتُؤَنِّبُونَهُ". و" الأَنَابِيبُ" جمع" أُنْبُوبٍ": الرماحُ‌

(أوب)

قوله تعالى يٰا جِبٰالُ أَوِّبِي مَعَهُ [34/ 10] أي سَبِّحِي من" التَّأْوِيبِ" و هو التسبيح‌

رُوِيَ

أَنَّهُ كَانَتِ الطَّيْرُ وَ الْجِبَالُ تُرَجِّعُ التَّسْبِيحَ مَعَ دَاوُدَ ع

، و التَّأَوْيُب: سير النهار كله، فكَأَنَّ المعنى: سبِّحِي نهارَكَ كلَّه معه كَتَأْوِيبِ السائر نهارَهُ كلَّه، فيجوز أن يكون خلق الله فيها تسبيحا كما خلق الكلام في الشجرة فيسمع في الجبال التسبيح كما يسمع من المُسَبِّحِ، معجزةً لداود (ع) قوله تعالى: أَوّٰابٌ* [38/ 17] أي رَجَّاع عن كل ما يكره الله إلى ما يُحِبُّ. و الأَوَّابِين [17/ 25] مثله و" المَآبُ" المَرجِعُ، قوله تعالى: اتَّخَذَ إِلىٰ رَبِّهِ مَآباً [78/ 39] أي‌

____________

(1). الكافي ج 5 ص 54.

9

عملا يرجع إليه. قوله تعالى: إِنَّ إِلَيْنٰا إِيٰابَهُمْ [88/ 25] قال الشيخُ أَبُو عليٍّ: قرأ أبو جعفر إِيَّابَهُمْ بالتشديد و الباقون بالتخفيف، و المعنى: إلينا مرجعهم و مصيرهم بعد الموت، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنٰا حِسٰابَهُمْ.

وَ فِي الْحَدِيثِ

:" ثَمَانُ رَكَعَاتِ الزَّوَالِ تُسَمَّى صَلَاةَ

الْأَوَّابِينَ

"

(1)

يعني: الكثيرين الرجوع إلى الله تعالى بالتوبة. و" الأَوَّابُ" بالتشديد: التائب. و‌

قَوْلُهُ

:

" آئِبُونَ

تَائِبُونَ"

هو جمع" آئب". و" أَيُّوبُ" من آب يَئُوبُ، و هو أنه يرجع إلى العافية و النعمة و الأهل و المال و الولد بعد البلاء كذا في معاني الأخبار (2).

قَوْلُهُ

:" إِنِّي

بِإِيَابِكُمْ

مِنَ الْمُؤْمِنِينَ"

(3)

يريد بذلك الإقرار بالرجعة في دولة القائم و" آبَتِ الشمسُ"- بالمد- لغة في غابت، و منه‌

الْحَدِيثُ

:" لَا يُصَلِّي بَعْدَ الْعَصْرِ شَيْئاً حَتَّى

تَئُوبَ

الشَّمْسُ"

(4)

أي تَغِيب‌

وَ فِي الْحَدِيثِ

:" طُوبَى لِعَبْدٍ نُؤَمَةٍ لَا

يُؤْبَهُ

لَهُ"

أي لا يُبَالَى به، و لا يُحْتَفَلُ لِحَقَارَتِهِ. و" آبُ" فصل من فصول السَّنَةِ بعد تَمُّوز.

(أهب)

فِي حَدِيثِ الْمَيِّتِ

: لَا يُفْدَحُ فِي قَبْرِهِ حَتَّى يَأْخُذَ

أُهْبَتَهُ (5)

أي عُدَّتَه، يقال: تَأَهَّبَ للشي‌ء: استعد له، و جمع الأُهْبَة" أُهَبٌ" كغرفة و غُرَف. و" الْمُتَأَهِّبُ للشي‌ء" المستعد له. و" أُهْبَة الحرب" الْتِهَابُهُ.

وَ فِي الْخَبَرِ

:" أَيُّمَا

إِهَابٍ

دُبِغَ فَقَدْ

____________

(1). من لا يحضر ج 1 ص 146.

(2). انظر ص 50

(3). من زيارة الجامعة الكبيرة.

(4). من لا يحضر ج 1 ص 146.

(5) في الكافي ج 3 ص 191 عن أبي عبد اللّه (ع):" لا تفدح ميّتك بالقبر و لكن ضعه أسفل منه بذراعين أو ثلاثة و دعه يأخذ أهبته". و تفدح بمعنى تثقل.

10

طَهُرَ"

الإِهَابُ- ككتاب- الجلد و يقال: ما لم يدبغ، و الجمع" أُهُبٌ" ككُتُب. و بفتحتين على غير القياس. قال بعضهم: ليس في كلام العرب" فِعال" يجمع على" فَعَل" بفتحتين إلا إِهَاب و أَهَبٌ و عِماد و عُمُد. و ربما استعير الإِهَابُ لجلد الإنسان‌

باب ما أوله الباء

(بوب)

قوله تعالى: وَ أْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوٰابِهٰا [2/ 189] قيل معناه: باشروا الأمور من وجوهها التي يجب أن يباشر عليها أي الأمور كانت. قوله تعالى: يٰا بَنِيَّ لٰا تَدْخُلُوا مِنْ بٰابٍ وٰاحِدٍ وَ ادْخُلُوا مِنْ أَبْوٰابٍ مُتَفَرِّقَةٍ [12/ 67]

قَالَ الْمُفَسِّرُ

: نَهَاهُمْ أَنْ يَدْخُلُوا مِنْ

بَابٍ

وَاحِدٍ لِأَنَّهُمْ كَانُوا ذَوِي جَمَالِ وَ بَهَاءٍ وَ هَيْئَةٍ حَسَنَةٍ، وَ قَدْ شُهِرُوا فِي مِصْرَ بِالْقُرْبِ مِنَ الْمَلِكِ وَ التَّكْرِمَةِ الْخَاصَّةِ الَّتِي لَمْ تَكُنْ لِغَيْرِهِمْ فَخَافَ عَلَيْهِمُ الْعَيْنَ

وَ فِي الْحَدِيثِ

:" لَا تُصَدِّقُوا حَتَّى تُسَلِّمُوا

أَبْوَاباً

أَرْبَعَةً لَا يَصْلُحُ أَوَّلُهَا إِلَّا بِآخِرِهَا". ثُمَّ قَالَ:" ضَلَّ أَصْحَابُ الثَّلَاثَةِ"

قيل: كان المراد بالأربعة: الإيمان بالله، و رسوله، و الكتاب الذي أنزل، و بولاية الأمر، و بالثلاثة في‌

قَوْلِهِ

" ضَلَّ أَصْحَابُ الثَّلَاثَةِ"

يريد من أقر بالثلاثة السابقة و أنكر الولاية، و قد يعبر ب‍" الثلاثة" عن الأول و الثاني و الثالث. و" الأَبْوَابُ" جمع" بَابٍ"، و قد جمع البَابُ أيضا على" أَبْوِبَةٍ". و" الْبَوَّابُ" اللازم للبَابِ. و المعروف من أهل اللغة بأن بَاباً مذكر، و كذا ناب، و لذا عيب على ابن أبي الحديد قوله:

يا قَالِعَ البَابِ الَّتِي عَنْ هَزِّهَا * * * عَجَزَتْ أَكُفٌّ أَرْبَعُونَ و أَرْبَعٌ (1)

و أصل باب" بوب" قلبت الواو‌

____________

(1). من القصيدة السادسة من القصائد العلويات السبع.

11

ألفا، لتحركها و انفتاح ما قبلها، و إذا صغرتها زالت علة القلب و رجعت في التصغير إلى الأصل، و قلت:" بُوَيْبٌ" و كذا ناب.

وَ فِي الْخَبَرِ الصَّحِيحِ

:" أَنَا مَدِينَةُ الْعِلْمِ وَ عَلِيٌّ

بَابُهَا

، فَمَنْ أَرَادَ الْعِلْمَ فَلْيَأْتِ

الْبَابَ

"

رواه الكثير منهم، و نقل عليه بعضهم إجماع الأمة، لأنه جعل نفسه الشريفة (ص) تلك المدينة و منع الوصول إليها إلا بواسطة الباب، فمن دخل منه كان له من المعصية مندوحة و فٰازَ فَوْزاً عَظِيماً وَ اهْتَدَى صِرٰاطاً مُسْتَقِيماً*. نقل أن سبب الحديث‌

أَنَّ أَعْرَابِيّاً أَتَى النَّبِيَّ (ص) فَقَالَ لَهُ: طمش طاح فغادر شبلا لِمَنِ النشب؟ فَقَالَ (ص): لِلشِّبْلِ مُمِيطاً. فَدَخَلَ عَلِيٌّ (ع) فَذَكَرَ لَهُ النَّبِيُّ (ص) لَفْظَ الْأَعْرَابِيِّ. فَأَجَابَ بِمَا أَجَابَ بِهِ النَّبِيُّ (ص) فَقَالَ:" أَنَا مَدِينَةُ الْعِلْمِ وَ عَلِيٌّ

بَابُهَا

"

- الحديث. و من لطيف ما نقل هنا‌

أَنَّ أَعْرَابِيّاً دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَبَدَأَ بِالسَّلَامِ عَلَى عَلِيٍّ (ع) فَضَحِكَ الْحَاضِرُونَ وَ قَالُوا لَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ (ص) يَقُولُ:" أَنَا مَدِينَةُ الْعِلْمِ وَ عَلِيٌّ

بَابُهَا

" فَقَدْ فَعَلْتُ كَمَا أَمَرَ (ص).

وَ فِي أَحَادِيثِ التَّهْذِيبِ

:" وَ قَدْ جَاءَ النَّاسُ يُعَزُّونَهُ عَلَى

أَبْوَابِهِ

"، وَ فِي الْكَافِي" عَلَى ابْنِهِ"

و لعله الصواب. و قولهم:" أَبْوَابٌ مُبَوَّبَةٌ" كما يقال: أصناف مصنفة. و" هذا الشي‌ء من بَابَتِكَ" أي يصلح لك‌

باب ما أوله التاء

(تبب)

قوله تعالى: تَبَّتْ يَدٰا أَبِي لَهَبٍ وَ تَبَّ [111/ 1] أي خَسِرَتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَ خَسِرَ هُوَ.

12

و التَّبَابُ: الخسران و الهلاك و يقال:" تَبّاً لك" منصوب بإضمار فعل واجب الحذف، أي ألزمك الله خسرانا و هلاكا قوله تعالى وَ مٰا زٰادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ [11/ 101] أي غير نقصان و خسران يعني كلما دعاهم إلى الهدى ازدادوا تكذيبا فزادت خسارتهم.

وَ فِي الدُّعَاءِ

:" حَتَّى

اسْتَتَبَّ

لَهُ مَا حَاوَلَ فِي أَعْدَائِكَ"

أي استقام و استتم، و منه" اسْتِتْبَابُ الأمر" أي تمامه و استقامته.

(ترب)

قوله تعالى: أَوْ مِسْكِيناً ذٰا مَتْرَبَةٍ [90/ 16] أي ذا فقر، قد لصق بالتُّرَابِ لشدة فقره. و‌

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ

: هُوَ المطروح فِي

التُّرَابِ

لَا يَقِيهِ شَيْ‌ءٌ.

و هذا مثل قولهم:" فقر مدقع" فإنه مأخوذ من" الدقعاء" و هو التُّرَابُ. و قوله تعالى: عُرُباً أَتْرٰاباً [56/ 37] أي أمثالا و أقرانا، واحده" تِرْبٌ" و إنما جعلن على سن واحد لأن التحابب بين الأقران أثبت. قوله تعالى: يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَ التَّرٰائِبِ [86/ 7]" التَّرَائِبُ" جمع" تَرِيبَةٍ" و هي أعلى صدر الإنسان تحت الذقن. و في المصباح: هي عظام الصدر بين الثندوة إلى الترقوة. قوله تعالى: وَ يَقُولُ الْكٰافِرُ يٰا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرٰاباً [78/ 40] قال أبو علي: أي يتمنى أن لو كان تُرَاباً لا يعاد و لا يحاسب ليخلص من عقاب ذلك اليوم. و قال الزجاج: معناه يا ليتني لم أبعث، ثم‌

حَكَى عَنْ مُقَاتِلٍ أَنَّهُ قَالَ

: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَجْمَعُ الْوُحُوشَ وَ الْهَوَامَّ وَ الطَّيْرَ وَ كُلَّ شَيْ‌ءٍ غَيْرِ الثَّقَلَيْنِ، فَيَقُولُ: مَنْ رَبُّكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، فَيَقُولُ لَهُمُ الرَّبُّ- بَعْدَ مَا يَقْضِي بَيْنَهُمْ حَتَّى يُقْتَصَّ لِلْجَمَّاءِ مِنَ الْقَرْنَاءِ-: أَنَا خَلَقْتُكُمْ وَ سَخَّرْتُكُمْ لِبَنِي آدَمَ وَ كُنْتُمْ مُطِيعِينَ أَيَّامَ حَيَاتِكُمْ فَارْجِعُوا إِلَى الَّذِي كُنْتُمْ

تُرَاباً

، فَإِذَا الْتَفَتَ الْكَافِرُ إِلَى شَيْ‌ءٍ صَارَ

تُرَاباً

يَتَمَنَّى ذَلِكَ.

و‌

قِيلَ

: أَرَادَ بِالْكَافِرِ هُنَا إِبْلِيسَ، عَابَ آدَمَ بِأَنْ خُلِقَ مِنْ

تُرَابٍ

13

وَ افْتَخَرَ بِالنَّارِ، فَيَوْمَ الْقِيَامَةِ إِذَا رَأَى كَرَامَةَ آدَمَ وَ وُلْدِهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ:

" يٰا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرٰاباً"

وَ فِي الْحَدِيثِ

- فِي قَوْلِهِ

يٰا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرٰاباً

:" أَيْ مِنْ شِيعَةِ عَلِيٍّ"

(1)

.

وَ فِي الْحَدِيثِ

:" عَلَيْكَ بِذَاتِ الدِّينِ

تَرِبَتْ

يَدَاكَ"

قيل معناه: افتقرت و لا أصبت خيرا على الدعاء. و مثله‌

" تَرِبَتْ يَمِينُكَ"

قال بعض المحققين: و قد ذهب إلى ظاهره- يعني الحديث- بعض أهل العلم و لم يصب، فإن ذلك و ما سلك مسلكه من الكلام تستعمله العرب على أنحاء كثيرة، كالمعتبة و الإنكار و التعجب و تعظيم الأمر و الاستحسان و الحث على الشي‌ء، و القصد فيه هاهنا هو الحث على الجد و التشهير في طلب المأمور به و استعمال التيقظ، مثل قولهم:" انْجُ لَا أَبَا لَكَ"- انتهى. و هو جيد متين يؤيده ما ذكر في مجمع البحار حيث قال:" تَرِبَتْ"- بالكسر- المدح و التعجب و الدعاء عليه و الذم بحسب المقام- انتهى. و من هذا الباب‌

قَوْلُهُ (ص) لِزَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ

:"

تَرِبَتْ

يَدَاكِ، إِذَا لَمْ أَعْدِلْ فَمَنْ يَعْدِلُ؟".

وَ فِي حَدِيثِ أَفْلَحَ

،

" تَرِّبْ

وَجْهَكَ"

أي ألقه في التُّرَاب، فإنه أقرب إلى التذلل و كان أفلح ينفخ إذا سجد ليزول التراب. و" أبو تُرَابٍ" من كنى عَلِيٍّ (ع) كني بذلك لأنه صاحب الأرض كلها، و حجة الله على أهلها، و به بقاؤها و إليه سكونها- قاله في معاني الأخبار (2). و" أرض طيبة التُّرْبِ" أي التُّرَابِ و" التُّرْبَةُ" المقبرة، و الجمع" تُرَبٌ" كغرفة و غرف. و" خلق الله التَّرْبَة يوم السبت" يعني الأرض.

وَ فِي حَدِيثٍ

:

" أَتْرِبُوا

الْكِتَابَ فَإِنَّهُ أَنْجَحُ لِلْحَاجَةِ"

من" أَتْرَبْتُهُ" إذا جعلت عليه التراب، و مثله في‌

حَدِيثِ الرِّضَا (ع)

" كَانَ يُتَرِّبُ الْكِتَابَ"

و" تَرَبْتُ الكِتَابَ" من باب‌

____________

(1). تفسير البرهان ج 4 ص 423.

(2). انظر ص 120.

14

ضرب، و" تَرَّبْتُهُ" بالتشديد مبالغة، و" تَتَرَّبَ الشي‌ء" تلطخ بالكتاب. و" أَتْرَبَ الرجل" استغنى، كأنه صار [له] (1) من المال بقدر التُّرَاب.

(تعب)

تعب- بالكسر تَعَباً- بالتحريك فهو تَعِبٌ: إذا أعيا و كَلَّ، و يتعدى بالهمزة فيقال:" أَتْعَبْتُهُ فهو مُتْعَبٌ" و لا يقال:" مَتْعُوبٌ"

(توب)

قوله تعالى: إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللّٰهِ لِلَّذِينَ- الآية [4/ 17] التوبة هنا من" تَابَ الله عليه" إذا قبل تَوْبَتَهُ، أي إنما قبول التَّوْبَةِ لهؤلاء واجب أوجبه الله سبحانه على نفسه بقوله: كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهٰالَةٍ ثُمَّ تٰابَ مِنْ بَعْدِهِ وَ أَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [6/ 54] و" كَتَبَ" بمعنى أوجب- كما نصّ عليه بعض المفسرين. و عن بعض المحققين: المراد بقبول التَّوْبَةِ إسقاط العقاب بها، و هو مما أجمع عليه علماء الإسلام، و إنما الخلاف في أنه هل يجب على الله القبول حتى لو عاقب بها بعد التوبة كان ظلما، أو هو تفضل منه و كرم لعباده و رحمة لهم؟ المعتزلة على الأول، و الأشاعرة على الثاني، و إليه ذهب الشيخ أبو جعفر الطوسي في كتاب الانتصار و العلامة في بعض كتبه الكلامية، و توقف الطوسي في التجريد- انتهى كلامه. و هل يجوز التَّوْبَةُ عن بعض دون بعض؟ قال ميثم: و أكثر الأمة على الجواز- خلافا لأبي هاشم- حجتهم: أن اليهودي إذا غصب حبة ثم تاب عن اليهودية مع إصراره على غصب تلك الحبة تقبل توبته و العلم به ضروري من الدين، ثم ذكر (ره) حجة أبي هاشم و أجاب عنها. قوله تعالى: إِنَّهُ كٰانَ تَوّٰاباً [110/ 3] التَّوَّاب: الله تعالى، يَتُوبُ على عِبَادِهِ، و اللفظة من صيغ المبالغة، أي رجَّاع عليهم بالمغفرة، يقال:" تَابَ الله عليه" غفر له و أنقذه من المعاصي. و التَّوَّاب من الناس: الراجع إلى الله تعالى،

____________

(1). الزيادة منا لسياق الكلام.

15

من تَابَ من ذنبه يَتُوبُ تَوْبَةً و تَوْباً: أقلع منه‌

قَوْلُهُ تَعَالَى:

التّٰائِبُونَ الْعٰابِدُونَ

الْآيَةَ [9/ 112]

التّٰائِبُونَ

مِنَ الذُّنُوبِ

الْعٰابِدُونَ

الَّذِينَ لَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَ لَا يُشْرِكُونَ بِهِ شَيْئاً

الْحٰامِدُونَ

الَّذِينَ يَحْمَدُونَ اللَّهَ عَلَى كُلِّ حَالٍ فِي الشِّدَّةِ وَ الرَّخَاءِ

السّٰائِحُونَ

وَ هُمُ الصَّائِمُونَ

الرّٰاكِعُونَ السّٰاجِدُونَ

الَّذِينَ يُوَاظِبُونَ عَلَى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ الْحَافِظُونَ لَهَا وَ الْمُحَافِظُونَ عَلَيْهَا بِرُكُوعِهَا وَ سُجُودِهَا فِي الْخُشُوعِ فِيهَا وَ فِي أَوْقَاتِهَا

الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ

بَعْدَ ذَلِكَ وَ الْعَامِلُونَ بِهِ

وَ النّٰاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ

وَ الْمُنْتَهُونَ عَنْهُ

كَذَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ (ص).

قوله تعالى: وَ قٰابِلِ التَّوْبِ [40/ 3] أي التَّوْبَةِ، و الهاء في التَّوْبَة قيل لتأنيث المصدر، و قيل للوحدة كضربة.

قَوْلُهُ تَعَالَى:

فَلَمّٰا أَفٰاقَ قٰالَ سُبْحٰانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ

[7/ 143] أَيْ رَجَعْتُ إِلَى مَعْرِفَتِي بِكَ عَنْ جَهْلِ قَوْمِي

وَ أَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ

مِنْهُمْ بِأَنَّكَ لَا تُرَى

كَذَا رُوِيَ عَنِ الرِّضَا (1)

.

قوله تعالى: وَ إِلَيْهِ مَتٰابِ [13/ 30] أي مرجعي و مرجعكم." التَّوْبُ و التَّوْبَةُ" الرجوع من الذنوب و في اصطلاح أهل العلم: الندم على الذنب لكونه ذنبا.

وَ فِي الْحَدِيثِ

:" النَّدَمُ

تَوْبَةٌ

".

و فِيهِ‌

عَنْ عَلِيٍّ (ع)

:

" التَّوْبَةُ

يَجْمَعُهَا سِتَّةُ أَشْيَاءَ: عَلَى الْمَاضِي مِنَ الذُّنُوبِ النَّدَامَةُ وَ للفَرَائِضِ الْإِعَادَةُ، وَ رَدُّ الْمَظَالِمِ، وَ اسْتِحْلَالُ الْخُصُومِ، وَ أَنْ تَعْزِمَ أَنْ لَا تَعُودَ، وَ أَنْ تُرَبِّيَ نَفْسَكَ فِي طَاعَةِ اللَّهِ كَمَا رَبَّيْتَهَا فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وَ أَنْ تُذِيقَهَا مَرَارَاتِ الطَّاعَةِ كَمَا أَذَقْتَهَا حَلَاوَةَ الْمَعْصِيَةِ".

و التَّوْبَةُ: الرجوع من التشديد إلى التخفيف و منه قوله تعالى: عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتٰابَ عَلَيْكُمْ [73/ 20]، و من الحظر إلى الإباحة و منه قوله تعالى: تَخْتٰانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتٰابَ عَلَيْكُمْ [2/ 187].

____________

(1). البرهان ج 2 ص 34.

16

قوله تعالى: إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التّٰابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَ بَقِيَّةٌ مِمّٰا تَرَكَ آلُ مُوسىٰ وَ آلُ هٰارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلٰائِكَةُ [2/ 248]

قِيلَ

:

" التَّابُوتُ

" هُوَ صُنْدُوقُ التَّوْرَاةِ وَ مِنْ خَشَبِ الشِّمْشَادِ مُمَوَّهٌ مِنَ الذَّهَبِ نَحْواً مِنْ ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ فِي ذِرَاعَيْنِ. وَ قِيلَ: هُوَ صُنْدُوقٌ كَانَ فِيهِ أَلْوَاحُ الْجَوَاهِرِ الَّتِي كَانَتْ فِيهِ الْعَشْرُ كَلِمَاتٍ التَّوْحِيدِ: النَّهْيِ عَنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ السَّبْتِ [السِّتِّ]، إِكْرَامِ الْوَالِدَيْنِ، النَّهْيِ عَنْ يَمِينِ الْكَاذِبَةِ، السَّرِقَةِ، قَتْلِ النَّفْسِ، شَهَادَةِ الزُّورِ، الزِّنَا، لَا يَتَمَنَّى أَحَدٌ مَالَ غَيْرِهِ، وَ لَا زَوْجَتَهُ. وَ كَانَ مُوسَى (ع) إِذَا قَاتَلَ قَوْماً قَدَّمَهُ فَكَانَتْ تَسْكُنُ نُفُوسُ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَ لَا يطرون [يَفِرُّونَ]

، و سيجي‌ء في" سكن" تمام الكلام. و أصل التابوت" تابوة" مثل ترقوة و هو فعلوة، فلما سكنت الواو تقلب هاء التأنيث تاءا. قال الجوهري حاكيا عن غيره: لم تختلف لغة قريش و الأنصار في شي‌ء من القرآن إلا في التَّابُوتِ، فلغة قريش بالتاء و لغة الأنصار بالهاء- انتهى.

وَ فِي حَدِيثِ أَهْلِ الْبَيْتِ (ع)

:" جَعَلَكُمُ اللَّهُ

تَابُوتَ

عِلْمِهِ وَ عَصَا عِزِّهِ"

أي مجمع علمه و قوة لعزه.

وَ فِي الْخَبَرِ

:" ثَلَاثٌ لَا

يَتُوبُ

اللَّهُ عَلَيْهِمْ"

أي لا يلهمهم التوبة. و‌

فِيهِ

:" مَنْ

تَابَ

قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا"

- الحديث‌

باب ما أوله الثاء

(ثاب)

فِي الْحَدِيثِ

:"

التَّثَاؤُبُ

مِنَ الشَّيْطَانِ وَ الْعَطْسَةُ مِنَ اللَّهِ"

التَّثَاؤُبُ فترة تعتري الشخص فيفتح عندها فاه"، يقال:" تَثَاءَبَتْ"

17

على تفاعلت (1): إذا فتحت فاك و تمطيت لكسل أو فترة، و الاسم" الثُّؤَبَاءُ" و لا جائز أن تقول:" تَثَاوَبْتُ". قال بعض الأفاضل: إنما كره التَّثَاؤُب لأنه يكون من ثقل البدن و استرخائه و ميله إلى الكسل و النوم، فأضيف إليه لأنه الداعي إلى إعطاء النفس شهوتها، و أراد به التحذير من سببه و هو التوسع في المطعم. و إنما حمد العطاس لأنه سبب لخفة الدماغ و استفراغ الفضلات و صفاء الروح. و يتم البحث في" عطس" إن شاء الله تعالى‌

(ثرب)

قوله تعالى: يٰا أَهْلَ يَثْرِبَ [33/ 13]

يَثْرِبُ

بِيَاءِ الْغَائِبِ اسْمُ رَجُلٍ مِنْ الْعَمَالِقَةِ، وَ هُوَ الَّذِي بَنَى مَدِينَةَ النَّبِيِّ (ص) فَسُمِّيَتْ بِاسْمِ بَانِيهَا، وَ بِذَلِكَ كَانَتْ تُسَمَّى قَبْلَ الْإِسْلَامِ فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ غَيَّرَهُ النَّبِيُّ (ص) فَقَالَ:" بَلْ هِيَ طَابَةُ"

و كأنه كره ذلك الاسم لما يئول إليه من التَّثْرِيبِ. قوله تعالى: لٰا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ [12/ 92] التَّثْرِيبُ: توبيخ و تعيير و استقصاء في اللوم، يقال: ثَرَبَ عليه يَثْرِبُ- من باب ضرب- عيب و لام." و الثَّرْبُ" كفلس: شحم قد غشى الكرش و الأمعاء رقيق.

(ثرقب)

" الثُّرْقُبَة" بالضم: ثياب بيض من كتان مصر- قاله في القاموس.

(ثعب)

قوله تعالى حكاية عن موسى (ع): فَأَلْقىٰ عَصٰاهُ فَإِذٰا هِيَ ثُعْبٰانٌ* [7/ 107] الثُّعْبَانُ بالضم: الحية العظيمة الجسم.

رُوِيَ

أَنَّهُ لَمَّا أَلْقَاهَا صَارَتْ

ثُعْبَاناً

فَاغِراً فَاهُ

____________

(1). ورد مثل ما في الكتاب في الصّحاح للجوهري و أساس البلاغة (ثاب)، و جاء في بعض نسخ الكتاب" تثأبت على تفعلت" و بكلا الضبطين جاء في القاموس و التّاج و اللّسان (ثأب). قال في التّاج: و قال ابن دريد و ابن السرقسطي في غريب الحديث: لا يقال‌تثاءب بالمدّ مخففا، بل‌تثأب بالهمزة مشددا، ثمّ قال في التّاج: قلت و هذا غريب في الرّواية فإنّا لا نعرف إلّا المدّ و الهمز ...

18

بَيْنَ لَحْيَيْهِ ثَمَانُونَ ذِرَاعاً، وَضَعَ لِحْيَةَ الْأَسْفَلِ عَلَى الْأَرْضِ وَ الْأَعْلَى عَلَى سُورِ الْقَصْرِ ثُمَّ تَوَجَّهَ نَحْوَ فِرْعَوْنَ وَ قَامَ عَلَى ذَنَبِهِ وَ ارْتَفَعَ مِنَ الْأَرْضِ نَحْواً مِنَ الْمِيلِ فَهَرَبَ مِنْهُ، وَ أَحْدَثَتْ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ أَرْبَعُمِائَةِ امْرَأَةٍ، وَ انْهَزَمَ النَّاسُ مُزْدَحِمِينَ فَمَاتَ مِنْهُمْ خَمْسَةٌ وَ عِشْرُونَ أَلْفاً، وَ صَاحَ فِرْعَوْنُ: يَا مُوسَى أَنْشُدُكَ بِالَّذِي أَرْسَلَكَ خُذْهُ وَ أَنَا أُؤْمِنُ بِكَ وَ أُرْسِلُ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَأَخَذَهُ فَعَادَ عَصًا.

و الثُّعْبَانُ يقع على الذكر و الأنثى و الجمع" ثَعَابِينُ".

وَ فِي الْحَدِيثِ

:" يَجِي‌ءُ الشَّهِيدُ وَ جُرْحُهُ

يَثْعَبُ

دَماً"

أي يسيل و يجري، من" الثَّعَبِ" بالتحريك و هو سيل الماء في الوادي. و أَثْعَبَ: جرى في المَثْعَب بفتح الميم، أعني واحد مَثَاعِب الحياض، و منه‌

حَدِيثُ الْمُسْتَحَاضَةِ

:" وَ إِنْ سَالَ مِثْلَ الْمَثْعَبِ- فَكَذَا"

(ثعلب)

الثعلب حيوان معروف، الأنثى منه ثعلبة، و الذكر ثُعْلُبَان بضم الثاء، و الجمع ثَعَالِب و ثَعَال أيضا. و داء الثَّعْلَب: علة معروفة يتناثر منها الشعر- قاله الجوهري. و" قرن الثَّعَالِبِ" قرن المنازل ميقات نجد- قاله في القاموس.

(ثقب)

قوله تعالى: شِهٰابٌ ثٰاقِبٌ [37/ 10] الثَّاقِبُ: المضي‌ء الذي يَثْقُبُ الظلام بضوئه فينفذ فيه، و قيل هو النافذ من المشرق إلى المغرب. قوله تعالى: النَّجْمُ الثّٰاقِبُ [86/ 3] قيل هو الثريا و العرب تسميه النجم، و قيل القمر لأنه يطلع بالليل.

وَ فِي حَدِيثِ مَكَّةَ وَ الْمَدِينَةِ

:" إِنَّ عَلَى كُلِّ

ثَقْبٍ

مِنْ

أَثْقَابِهِمَا

مَلَكاً يَحْفَظُهُمَا مِنَ الطَّاعُونِ وَ الدَّجَّالِ"

(1)

الثَّقْبُ خرق لا عمق له، و يقال: خرق نازل في الأرض،

____________

(1). في من لا يحضره الفقيه ج 2 ص 337: فإن على كل نقب من أنقابهما ... و في النهاية لابن الأثير: على أنقاب المدينة ملائكة لا يدخلها الطاعون و لا الدجال.

19

و النَّقبُ بالنون مثله، و الجمع ثُقُوب كفلس و فلوس، و الثُّقْبُ كقُفل لغة، و الثُّقْبَةُ مثله، و الجمع ثُقَبٌ مثل غُرفة و غُرف. و ثَقَبْتُهُ ثَقْباً من باب قتل: خرقته بالمِثْقَب بكسر الميم. و المِثْقَب أيضا: العالم الفطن. و يَثْقُبُ الدم الكرسف: أي يخرقه.

(ثلب)

فِي الْخَبَرِ

:" الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَ لِلْعَاهِرِ

الإِثْلِبُ

"

هو بكسر الهمزة و اللام و فتحها و هو أكبر الحجر، قيل معناه الرجم، و قيل هو كناية عن الخيبة و ثَلَبَهُ ثَلْباً من باب ضرب: أعابه و نقصه. و المَثَالِب: العيوب، واحدة مَثْلَبَة

(ثوب)

قوله تعالى: هَلْ ثُوِّبَ الْكُفّٰارُ [83/ 36] أي جوزوا بفعلهم. قال أبو علي: قرأ حمزة و الكسائي" هَثُّوِّبَ الْكُفّٰارُ" بإدغام اللام في الثاء و الباقون بالإظهار. قال: و استعمل لفظ الثواب بالعقوبة لأن الثواب في الأصل الجزاء الذي يرجع إلى العامل بعمله و إن كان في العرف اختص بالنعيم على الأعمال الصالحة. قوله تعالى: أَنْ يَضَعْنَ ثِيٰابَهُنَّ [24/ 60] يريد ما يلبس فوق الثياب من الملاحف و غيرها. قوله تعالى: وَ إِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثٰابَةً لِلنّٰاسِ [2/ 125] أي مرجعا لهم يَثُوبُون إليه أي يرجعون إليه في حجتهم و عمرتهم في كل عام، و منه سميت" الثَّيِّب" لأنها وُطِئَت مرة بعد أخرى. قوله تعالى: لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللّٰهِ خَيْرٌ لَوْ كٰانُوا يَعْلَمُونَ [2/ 103] أي ثَوَابُ الله خير مما هم فيه، و قد علموا و لكن الله سبحانه جهلهم لتركهم العمل بالعلم. قوله تعالى: وَ مَنْ يُرِدْ ثَوٰابَ الدُّنْيٰا نُؤْتِهِ مِنْهٰا [3/ 145] يعني به الغنيمة في الجهاد، و إنما سمي الجزاء ثَوَاباً و مَثُوبَةً لأن المحسن يَثُوبُ إليه أي يرجع و أَثَابَهُمْ أي جازاهم، و أَثَابَهُ الله مثله‌

وَ فِي الْحَدِيثِ

:" مَنْ سَمِعَ شَيْئاً مِنَ

20

الثَّوَابِ"

إلخ، الثواب: الجزاء و يكون في الخير و الشر، و الأول أكثر. و في اصطلاح أهل الكلام هو نفع المستحق المقارن للتعظيم و الإجلال، و سماع الثواب قيل يحتمل أن يراد مطلق بلوغه إليه على سبيل الرواية أو الفتوى أو المذاكرة أو نحو ذلك، كما لو رآه في كتب الفقه مثلا، و ليس ببعيد. و قد تكرر ذكر التَّثْوِيب في الحديث، قيل هو من باب" ثَابَ" إذا رجع، فهو رجوع إلى الأمر الأول بالمبادرة إلى الصلاة بقوله:" الصلاة خير من النوم" بعد قوله:" حي على الصلاة"، و قيل هو من" ثَوَّب الداعي تَثْوِيباً" ردد صوته. و في المغرب نقلا عنه: التثويب هو قول المؤذن في أذان الصبح:" الصلاة خير من النوم" و المحدث:" الصلاة الصلاة" أو" قامت قامت"

وَ مَا رُوِيَ

مِنْ أَنَّ النِّدَاءَ وَ

التَّثْوِيبَ

فِي الْإِقَامَةِ مِنَ السُّنَّةِ

فقد قيل فيه: ينبغي أن يراد بالتَّثْوِيب هنا تكرار الشهادتين و التكبير- كما ذكر ابن إدريس- لا التثويب المشهور.

وَ مَا رُوِيَ عَنْهُ

وَ قَدْ سُئِلَ عَنِ

التَّثْوِيبِ

فَقَالَ:" مَا نَعْرِفُهُ"

(1)

فمعناه إنكار مشروعيته لا عدم معرفته. و" الثِّيَاب" جمع ثَوْب، و هو ما يلبسه الناس من القطن و الكتان و الصوف و الخز و القز، و أما الستور فليست من الثِّيَاب- كذا نقل عن بعض أهل اللغة. و جمع الثوب أَثْوُبٌ كأصوع و أَثْوَاب و ثِيَاب بالكسر. و الثَّوَّاب بالتشديد: بائع الثِّيَاب. و ثَاب الرجل يَثُوب ثَوْبا و ثَوَبَانا: إذا رجع بعد ذهابه، و منه‌

" فَجَعَلَ النَّاسُ

يَثُوبُونَ

إِلَى النَّبِيِّ (ص)"

أي يرجعون إليه.

وَ فِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ لِعَائِشَةَ

:" إِنَّ عَمُودَ الدِّينِ إِذَا مَالَ لَا

يُثَابُ

بِالنِّسَاءِ"

أي لا يعاد إلى استوائه. و ثَابَ الماء: إذا اجتمع في الحوض و مَثَابٌ الحوض: وسطه الذي يَثُوب إليه الماء إذا استفرغ. و مَثَابُ البئر: مقام الساقي و وسطها و من هذا‌

حَدِيثُ مِنًى

:" اتَّسِعِي فِي فِجَاجِكِ

____________

(1). الكافي ج 3 ص 303.

21

وَ اتَّرِعِي"

أي امتلئي في مَثَابِكِ. و" الثَّيِّبُ" يقال للإنسان إذا تزوج، و إطلاقه على المرأة أكثر لأنها ترجع إلى أهلها بغير الأول.

وَ فِي الْخَبَرِ

:" لَا يُبَيِّنُ رَجُلٌ عِنْدَ ثَيِّبٍ"

خصها بالذكر لأن البكر تكون أعصى و أخوف على نفسها.

وَ فِي حَدِيثِ الْأَمَةِ

:" لَهَا مَا

أَثَابَهَا

سَيِّدُهَا"

أي أعطاها و" يُثِيبُ على الهدية" يكافى‌ء عليها، بأن يعوض عنها. و" ثَوْبَانُ" اسم رجل و حديثه مشهور (1)

باب ما أوله الجيم

(جبب)

فِي الْحَدِيثِ

:" الْإِسْلَامُ

يَجُبُّ

مَا قَبْلَهُ، وَ التَّوْبَةُ

تَجُبُّ

مَا قَبْلَهَا مِنَ الْكُفْرِ وَ الْمَعَاصِي وَ الذُّنُوبِ".

و الجَبُّ: القطع يقال: جَبَبْتُهُ من باب قتل: قطعته. و الجُبُّ: قطع الذكر أو ما لا يبقى منه قدر الحشفة، و منه" خَصِيٌّ مَجْبُوبٌ" مقطوع. و" الجُبُّ" بالضم ركيَّة لم تطو، فإذا طويت فهي بئر، و الجمع جِبَاب، و جَبَبَة كعتبة. و جُبُّ يوسف (ع) على اثنى عشر ميلا من طبرية. و" الجُبَّة" من الملابس معروفة، و الجمع جُبَبٌ مثل غرفة و غرف.

(جدب)

فِي الْحَدِيثِ

:" إِذَا كَانَتِ الْأَرْضُ

مُجْدِبَةً

فَانْجُوا عَلَى الدَّوَابِّ"

أي مُمْحِلَة،

____________

(1). هو أبو عبد الله ثوبان بن بجدر، و قيل ابن جحدر الصحابي، و هو من حمير من اليمن، ثبت على ولاء رسول الله (ص) و لم يزل معه سفرا و حضرا إلى أن توفى رسول الله (ص) فخرج إلى الشام فنزل إلى الرملة و توفي بها سنة أربع و خمسين. أسد الغابة ج 1 ص 249.

22

من" الجدب" بفتح الجيم و سكون المهملة خلاف الخصب، يقال:" جَدَب البلد" بالضم جُدُوبة فهو جَدْب. و أَجْدَبَتِ البلاد: قحطت و غلت أسعارها. و أَجْدَبَ القوم: أصابهم الجَدْبُ و" الجِنْدَب" كدرهم: الجَرَاد و فيه لغات: فتح الدال و ضمها و كسرها، و قيل هو ذكر الجراد، و الجمع الجَنَادِب قال سيبويه: و نونه زائدة. و جُنْدَب بن السَكَن اسم أبي ذر (1) و إسحاق بن جندب من الرواة ثقة (2)

(جذب)

فِي الْحَدِيثِ

:" إِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ جَذَبَهَا سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ"

من الجَذْب: و هو الجر و المد، و بابه ضرب. و جَذَبْتُ المَاءَ نَفَساً: أوصلته إلى الخياشيم. و تَجَاذَبُوا الثوب: جَذَبَهُ كل واحد إلى نفسه. و جَاذَبْتُهَا الثوبَ: نازعته إياه. و جَذَبَ الشهر: مضى عامته. و" الجَذَب" بالتحريك: الجمار و شحم النخل. و منه‌

" كَانَ (ص) يُحِبُّ

الجذب

".

و" الجُوذَاب" بالضم: طعام من سكر و أرز و لحم، و منه‌

حَدِينثٍ الطِّحَالِ المشويِّ بالسَّفُّود

:" يُؤْكَلُ مَا تَحْتَهُ مِنَ الْجُوذَابِ".

(جرب)

فِي الْحَدِيثِ

:" أَمَرَنِي أَنْ أَضَعَ عَلَى كُلِّ جَرِيبٍ كَذَا"

قدر الجَرِيب من الأرض بستين ذراعا في ستين، و الذراع بسبع قبضات، و القبضة بأربع أصابع، و عشر هذا الجَرِيبِ يسمى قفيزا، و عشر هذا القفيز يسمى عُشَيْرا، و جمع الجريب

____________

(1). ذكرنا ترجمته في الجزء الأول من هذا الكتاب ص 128 فراجع.

(2). هو أبو إسماعيل إسحاق بن جندب الفرائضي (الفضائري) روى عن أبي عبد الله (ع)، ذكره أصحابنا في الرجال، له كتاب رواه عنه عبيس و غيره. رجال النجاشي ص 56.

23

" جُرْبَان" و" أَجْرِبَة". و" الجَرَب" بالتحريك: داء معروف، يقال: جَرِبَ البعير جَرَبا- من باب تعب- فهو أَجْرَبُ. و ناقة جَرْبَاء و إِبِل أَجْرَب مثل أحمر و حمراء. و" الجِرَابُ" بالكسر: وعاء من إهاب شاة يوعى فيه الحب و الدقيق و نحوهما، و منه" الجِرَابُ الهروي" و نحوه، و الجمع" جُرُبٌ" مثل كتاب و كتب، و لا يقال:" جَرَاب" بالفتح. و" الجُورَبُ" لفافة الرجل معرب و الجمع" جَوَارِبَة" و الهاء للعجمة، و يقال" الجَوَارِبُ" أيضا. و" الجُرُبَّانُ" بالضم و التشديد: جيب القميص، و الألف و النون زائدتان و منه‌

الْحَدِيثُ

:" سَعَةُ الْجُرُبَّانِ وَ نَبَاتُ الشَّعْرِ فِي الْأَنْفِ أَمَانٌ مِنَ الْجُذَامِ".

المُجَرَّب: من عض عودا ليعرف صلابته من خوره و لم يكن عالما به فاطلع عليه بالتجربة- و الله عالم بحقائق الأمور فلا يحتاج إلى التجربة. و" المُجَرَّبُ" بالتشديد و فتح الراء: الذي قد جَرَّبَتْهُ الأمور و أحكمته‌

(جشب)

فِي الْحَدِيثِ

:" كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ص يَأْكُلُ

الْجَشِبَ

"

هو بفتح الجيم و سكون الشين: الغليظ الخشن، و يقال:" طعام جَشِب" للذي ليس معه إدام. و كل بشيع الطعم جَشِبٌ، و منه" كان يأتينا بطعام جَشِبٍ". و الجَشِيبُ من الثياب: الغليظ‌

(جعب)

" الجَعْبَة" بالفتح واحدة جِعَاب النشاب، مثل كلبة و كلاب، و يقال:" جَعَبَات" أيضا مثل سجدات‌

(جلب)

قوله تعالى: يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ [33/ 59] الجَلابِيبُ جمع جِلْبَابٍ و هو ثوب واسع أوسع من الخمار و دون الرداء تلويه المرأة على رأسها و تبقي منه ما ترسله على صدرها، و قيل: الجِلْبَاب الملحفة كلما يستتر به من كساء أو غيره. و في القاموس:" الجلباب"

24

كسرداب القميص، و معنى يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ أي يرخينها عليهن و يغطين به وجوههن و أعطافهن، أي أكتافهن. قوله تعالى: وَ أَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ [17/ 64] هي من الجَلَبَةِ و هي الصياح، أي صح عليهم بخيلك و رجلك و احشرهم عليهم، يقال:" جَلَبَ على فرسه جَلْباً" من باب قتل: استحثه للعدو و صاح به ليكون هو السابق، و هو ضرب من الخديعة، و" أَجْلِب عليه" لغة.

وَ فِي الْحَدِيثِ

:" لَا

جَلَبَ

وَ لَا جَنَبَ وَ لَا شِغَارَ فِي الْإِسْلَامِ"

(1)

.

الجلب: الذي يُجْلَب من الخيل يركض معها، و الجَنَبَ الذي يقوم في أعراض الخيل فيصيح بها، و الشِّغَار كان الرجل يزوج الرجل في الجاهلية ابنته بأخته- كذا في معاني الأخبار (2). و‌

فِي الْمِصْبَاحِ

" لَا

جَلَبَ

وَ لَا جَنَبَ"

بفتحتين فيهما فسر بأن رب الماشية لا يكلف جلبا إلى البلد ليأخذ الساعي منها الزكاة، بل يقال: خذ زكاتها عند المياه. و قوله:" و لا جَنَبَ" أي إذا كانت الماشية في الأفنية فتترك فيها و لا تخرج إلى المرعى ليخرج الساعي لأخذ الزكاة لما فيه من المشقة، فأمر بالرفق من الجانبين و قيل: معنى" و لا جَنَبَ" أي لا يُجَنِّبُ أحد فرسا إلى جانبه في السباق فإذا قرب إلى الغاية انتقل فيها فسبق صاحبه، و قيل غير ذلك- انتهى. و" جَلَبَ الشي‌ء جَلْبا" من باب ضرب و قتل. و" الجَلَبُ" بفتحتين: ما تَجْلِبُهُ من بلد إلى بلد، فعل بمعنى مفعول. و الجَلَّاب: الذي يشتري الغنم و غيرها من القرى و يجي‌ء بها و يبيعها بالمدينة و يتوسع به فيطلق أيضا على الذي يَجْلِبُ الأرزاق إلى البلدان، و منه" الجالب مرزوق و المحتكر ملعون".

وَ فِي الْحَدِيثِ

:" لَا بَأْسَ أَنْ يَبِيعَ

____________

(1). الكافي ج 5 ص 360.

(2). انظر ص 274.

25

الرَّجُلُ

الْجَلَبَ

"

و هو الذي يُجْلَبُ من بلد إلى بلد. و‌

فِيهِ أَيْضاً

:" لَا تَتَلَقَّوُا

الْجَلَبَ

"

أي المَجْلُوبَ الذي جاء من بلده للتجارة.

وَ فِي حَدِيثِ مَكَّةَ

:" إِنَّ الْحَطَّابِينَ وَ الْمُجْتَلِبَةَ أَتَوُا النَّبِيَّ فَأَذِنَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا حَلَالًا"

و المراد بالمُجْتَلِبَةِ الذين يَجْلِبُون الأرزاق.

وَ فِي الْحَدِيثِ

:" إِذَا صَارَ التَّلَقِّي أَرْبَعَ فَرَاسِخَ فَهُوَ جَلَبٌ".

و" جُلْبَة" بضم الجيم و سكون اللام: الجلدة تعلو الجرح عند البرء. و" جَلَبَةُ الرجال" بفتح الثلاثة: اختلاط الأصوات. و جَلَبْتُ الشي‌ءَ جَلْباً: أخذته. و منه‌

الدُّعَاءُ

" وَ اجْلِبْنِي إِلَى كُلِّ عَمَلٍ أَوْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ يُقَرِّبُنِي مِنْكَ".

وَ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ (ع)

:" مَنْ أَحَبَّنَا أَهْلَ الْبَيْتِ فَلْيَتَّخِذْ لِلْفَقْرِ جِلْبَاباً"

(1)

أي ليزهد في الدنيا و ليصبر على الفقر و القلة، و كنى بالجِلْبَاب عن الصبر لأنه يستر الفقر كما يستر الجِلْبَابُ البدن، و قيل إنما كنى به عن اشتماله بالفقر، أي فليلبس إزار الفقر، و يكون منه على حالة تعمه و تشمله لأن الغناء من أحوال أهل الدنيا، و لا يتهيأ الجمع بين حب الدنيا و حب أهل البيت (ع). و‌

فِيهِ

" مَنْ أَلْقَى

جِلْبَابَ

الْحَيَاءِ فَلَا غِيْبَةَ لَهُ"

(2)

كنى بالحياء عن الثوب لأنه يستر الإنسان من المعايب كما يستر الثوب البدن، و معنى لا غيبة له جواز اغتيابه في الظاهر.

وَ فِي الْخَبَرِ

" كَانَ عَلِيٌّ (ع) إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ دَعَا بِشَيْ‌ءٍ مِنْ

الْجُلَّابِ

فَأَخَذَ بِكَفِّهِ

الْجُلَّابَ

"

الجُلَّاب كرمان: ماء الورد، معرب- قاله في القاموس. و فيه دلالة على استحباب استعماله.

(جنب)

قوله تعالى: وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا [5/ 6] الجُنُب بضمتين: من‌

____________

(1). سفينة البحار ج 1 ص 164 و فيه" فليُعِدَّ للفقر".

(2). تحف العقول ص 44.

26

أصابته جَنَابَةٌ، أعني نجاسة وهمية من خروج مني أو جماع، سمي جنبا لاجتنابه مواضع الصلاة، يقال: أَجْنَبَ الرجل و جَنُبَ- كقرب- فهو جُنُب. و الْجٰارِ الْجُنُبِ [4/ 36] يريد جارك من قوم آخرين. قوله وَ الصّٰاحِبِ بِالْجَنْبِ أي الرفيق في السفر لأنه يحصل بجَنْبِهِ. قوله: وَ إِذٰا مَسَّ الْإِنْسٰانَ الضُّرُّ دَعٰانٰا لِجَنْبِهِ [10/ 12]- الآية. قال الشيخ أبو علي: قوله" لِجَنْبِهِ" في موضع الحال، أي مضطجعا، و المعنى أنه لا يزال داعيا لا يفتر في الدعاء حتى يزول عنه الضر، فهو يدعو في حالاته كلها يستدفع البلاء فَلَمّٰا كَشَفْنٰا أي أزلنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ أي مضى على طريقه الأول قبل أن مسه الضر كأنه لا عهد له به. قوله: وَ اجْنُبْنِي وَ بَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنٰامَ [14/ 35] أي نجني، من قولهم" جَنَبْتُ الرجل الشر" من باب قعد: نجيته عنه و أبعدته، و جَنَّبْتُهُ بالتثقيل مبالغة، و هذا الدعاء في حقه لزيادة العصمة و في حق بنيه من صلبه، فلا يرد أن كثيرا من بنيه قد عبدوا الأصنام. و قيل إن دعاءه لمن كان مؤمنا من بنيه.

وَ فِي الدُّعَاءِ

" وَ

جَنِّبْنِي

الْحَرَامَ"

أي بعدني عنه و نحني. و‌

" جَنِّبُوا

مَسَاجِدَكُمُ النَّجَاسَةَ"

أي نحوا عن مساجدكم و أبعدوها عنها، و كأنه من باب القلب.

وَ فِي الْحَدِيثِ

" تَوَضَّئُوا مِنْ سُؤْرِ الْجُنُبِ إِذَا كَانَتْ مَأْمُونَةً"

يريد المرأة الجُنُبَ، و هذا اللفظ مما يستوي فيه الواحد و الاثنان و الجماعة و المذكر و المؤنث. و‌

فِيهِ

" لَا يُجْنِبُ الثَّوْبُ الرَّجُلَ وَ لَا يُجْنِبُ الرَّجُلُ الثَّوْبَ"

يريد أن هذين و نحوهما لا يضر ملامسة شي‌ء منهما بحيث يوجب الغسل أو الغسل. و" جَنْبُ الإنسان" بالفتح فالسكون ما تحت إبطه إلى كشحه، و الجمع" جُنُوبٌ" كفلس و فلوس، و منه‌

قَوْلُهُ (ع)

:" أَضَعُ جَنْبَيِ وَ أَنَامُ".

و‌

قَوْلُهُ

:" أُوذِيَ فِي

جَنْبِكَ

"

جَنْبُ اللَّه: طاعته عن الصدوق، و أمره عن ابن‌

27

عرفة، و قربه و جواره عن الفراء.

وَ قَوْلُ عَلِيٍّ (ع)

:" أَنَا

جَنْبُ

اللَّهِ"

يأتي على المعاني كلها، و مثله‌

قَوْلُ أَهْلِ الْبَيْتِ (ع)

:" نَحْنُ

جَنْبُ

اللَّهِ"،" نَحْنُ يَدُ اللَّهِ".

و" في جَنْبِ الله" أي ذات الله. و" ذات الجَنْبِ" علة صعبة، و هي ورم حام يعرض للحجاب المستبطن الأضلاع داخل جَنْبَيْهِ. و" المَجْنُوبُ" الذي به تلك العلة. و في المجمع" ذَاتُ الجَنْبِ" الدُّبَيْلَةُ و الدُّمَّلَةُ الكبيرة التي تظهر في باطن الجَنْبِ و تتفجر إلى داخل و قلما يسلم صاحبها، و" ذي الجَنْبِ" من اشتكى جَنْبَهُ بسبب الدبيلة. و" الجَنْبُ" الناحية، و كذا الجانِب، و هو أحد نواحي الشي‌ء. و" فلان لين الجَانِب" أي سهل القرب. و" المُجَانَبَة" ضد المخالطة. و" أَجْنَبِيٌّ" غريب ليس بقريب. و اجْتَنَبْتُ الشي‌ء: اعتزلته، و تَجَنَّبْتُهُ: اجْتَنَبْتُهُ. و" ريح الجَنُوب" مر ذكرها. و" سحابة مَجْنُوبَةٌ" إذا هبت بها الجَنُوبُ. و‌

" عَاصِفَةٍ

جَنَابِيَّةٍ

"

في حديث الاستسقاء كأنه يريد الرياح الجَنُوبِيَّة، فإنها تكسر السحاب و تلحقه روادفه، بخلاف الشمالية فإنها تمزقه. و" الجَنِيبَةُ" الدابة تقاد، و منه جَنَّبْتُ الدابة: إذا قُدْتَها إلى جَنْبِكَ، و الجمع الجَنَائِب. و كل طائع مُنْقَادٍ جَنِيب، و منه‌

حَدِيثُ الْأَذَانِ

" يَقُودُونَ

جَنَائِبَ

مِنْ نُورٍ".

و" الجَنَابُ" بالفتح: الفِنَاء و ما قرب من محلة القوم، و الجمع أَجْنِبَة. و" فرس طوع الجِنَاب" بالكسر: إذا كان سلس القياد.

(جوب)

قوله تعالى: وَ ثَمُودَ الَّذِينَ جٰابُوا الصَّخْرَ بِالْوٰادِ [89/ 9] أي خرقوا الصخر و اتخذوا فيه بيوتا، أو قطعوا الصخر و اتخذوا منه بيوتا، من جَابَ

28

يَجُوبُ: إذا خرق و قطع. قوله تعالى: فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي [2/ 186] أي إني أدعوهم إلى طاعتي فليطيعوا لي وَ لْيُؤْمِنُوا بِي لكي يهتدوا بإصابة الحق. قوله: و اسْتَجِيبُوا لِلّٰهِ وَ لِلرَّسُولِ [8/ 24] أي أَجِيبُوا الله فيما يأمركم به إذا دعاكم. قوله تعالى: إِنَّمٰا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَ الْمَوْتىٰ يَبْعَثُهُمُ اللّٰهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ [6/ 36] قال المفسر: هو خطاب للنبي (ص) حين أعرض الكفار عن التصديق به و كذبوه، و تقديره إنما يَسْتَجِيب لك المؤمن السامع للحق، و أما الكافر فهو بمنزلة الميت فلا يُجِيب إلى أن يبعثه الله يوم القيامة فيلجئه إلى الإيمان. و قيل معناه إنما يَسْتَجِيب من كان قلبه حيا، فأما من كان قلبه ميتا فلا. و الله قَرِيبٌ مُجِيبٌ [11/ 61] أي مُسْتَجِيب الدعاء من أوليائه. قال تعالى: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذٰا دَعٰاهُ [27/ 62] و المُجِيبُ الذي يقابل الدعاء و السؤال بالقبول و العطاء، و هو اسم فاعل من أجاب يجيب.

[جيب]

: (1) قوله تعالى: و اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ [28/ 33] أي أدخلها فيه، و الجَيْبُ: القميص، يقال: جُبْتُ القميص أَجُوبُهُ و أُجِيبُهُ: إذا قررت جَيْبَهُ، و يقال الجَيْبُ هنا القميص. قوله تعالى: وَ لْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلىٰ جُيُوبِهِنَّ [24/ 31] لأنها كانت واسعة تبدو منها نحورهن، و يجوز أن يراد بالجُيُوب هنا الصدور.

وَ فِي الْحَدِيثِ

:" أَنْسَكُ النَّاسِ أَنْصَحُهُمْ

جَيْباً

"

(2)

أي آمنهم، من قولهم" رجل ناصح الجَيْبُ" أي لا غش فيه.

وَ فِي حَدِيثِ إِبْرَاهِيمَ (ع) فِي الْأَذَانِ لِلْحَجِّ

:"

فَأَجَابَهُ

مَنْ كَانَ فِي أَصْلَابِ الرِّجَالِ وَ أَرْحَامِ النِّسَاءِ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ

____________

(1). قد خلط في الكتاب بين مادّة" جوب" و" جَيْبُ"، و نحن قد أضفنا هذا العنوان ليكون فارقا بين هاتين المادتين.

(2). الكافي ج 2 ص 163.

29

لَبَّيْكَ"

(1)

يقال: أَجَابه بِجَوَاب إِجَابَة. وُجُوب الكلام: رديده، و الجمع" أجوبة" و" جوابات". قيل: و في الحديث إشارة لطيفة، هي أن إِجَابَة من كان في الأصلاب و الأرحام إشارة إلى ما كتب بقلم القضاء في اللوح المحفوظ من طاعة المطيع لهذه الدعوة على لسان إبراهيم (ع) و من بعده من الأنبياء. و" جَاوَبَه" من الجَوَاب. و" المُجَاوَبَة" التَّجَاوُب. و اسْتَجَابَ له و استَجَابَهُ: أي أَجَابَهُ. و منه‌

الْحَدِيثُ

:" مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَدْعُو بِدُعَاءٍ إِلَّا

اسْتُجِيبَ

لَهُ، فَإِمَّا أَنْ يُعَجَّلَ لَهُ فِي الدُّنْيَا أَوْ يُدَّخَرَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ، وَ إِمَّا أَنْ يُكَفَّرَ مِنْ ذُنُوبِهِ".

و جُبْتُ البلاد أَجُوبُها و أُجِيبُها: إذا قطعتها. و" الجُوبَة" الحفرة المستديرة الواسعة، و منه‌

" حَتَّى صَارَتِ الْمَدِينَةُ مِثْلَ

الجُوبَة

"

باب ما أوله الحاء

(حبب)

قوله تعالى: أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي [38/ 32] أي آثرت حُبَّ الخيل عن ذكر ربي، و سميت الخيل الخير لما فيها من المنافع، يشهد له‌

قَوْلُهُ

" الْخَيْلُ مَعْقُودٌ بِنَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ".

قوله: فَإِنَّ اللّٰهَ لٰا يُحِبُّ الْكٰافِرِينَ [3/ 32] أي لا يغفر لهم.

قَوْلُهُ تَعَالَى:

يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّٰهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكٰافِرِينَ

[5/ 54] قِيلَ نَزَلَتْ فِي أَهْلِ الْبَصْرَةِ،

نُقِلَ ذَلِكَ عَنِ

____________

(1) في الكافي ج 4 ص 206:" فلبّى النّاس في أصلاب الرّجال لبّيك داعي اللّه لبّيك داعي اللّه".

30

الصَّادِقِ (ع)

.

وَ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (ع) أَنَّهُ قَالَ يَوْمَ الْجَمَلِ

:" وَ اللَّهِ مَا قُوتِلَ أَهْلُ هَذِهِ الْآيَةِ حَتَّى الْيَوْمِ" وَ تَلَا هَذِهِ الْآيَةِ.

و قيل هي أعم من ذلك و إنما هي خطاب لكافة المؤمنين، و‌

قَوْلُ عَلِيٍّ ع

:" مَا قُوتِلَ أَهْلُ هَذِهِ الْآيَةِ حَتَّى الْيَوْمِ"

حق، فإن منكري إمامته من المتقدمين لم يقع بينه و بينهم قتال، بل أول قتال وقع له بعد وفاة رسول الله (ص) هو حرب الجمل، فلذلك قال ما قال. و قوله تعالى: فَسَوْفَ يَأْتِي اللّٰهُ الآية قيل هذان الوصفان مع باقي الصفات المذكورة في الآية الشريفة نصوص على أن عليا (ع) هو المراد، و لذلك أردفه بقوله: إِنَّمٰا وَلِيُّكُمُ اللّٰهُ وَ رَسُولُهُ- الآية. قوله: يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ قيل مَحَبَّة الله للعباد إنعامه عليهم و أن يوفقهم لطاعته و يهديهم لدينه الذي ارتضاه، و حُبُّ العباد لله أن يطيعوه و لا يعصوه. و قيل: مَحَبَّةُ الله صفة من صفات فعله، فهي إحسان مخصوص يليق بالعبد، و أما مَحَبَّةُ العبد لله تعالى فحالة يجدها في قلبه يحصل منها التعظيم له و إيثار رضاه و الاستئناس بذكره و عن بعض المحققين: مَحَبَّة الله للعبد كشف الحجاب عن قلبه و تمكينه من أن يطأ على بساط قربه، فإن ما يوصف به سبحانه إنما يؤخذ باعتبار الغايات لا المبادى‌ء، و علامة حُبِّهِ للعبد توفيقه للتجافي عن دار الغرور و الترقي إلى عالم النور و الأنس بالله و الوحشة ممن سواه و صيرورة جميع الهموم هما واحدا.

قَالَ فِي الْكَشَّافِ: وَ عَنِ الْحَسَنِ

زَعَمَ أَقْوَامٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ (ص) أَنَّهُمْ

يُحِبُّونَ

اللَّهَ فَأَرَادَ أَنْ يَجْعَلَ لِقَوْلِهِمْ تَصْدِيقاً مِنْ عَمَلٍ

، فمن ادعى محبته و خالف سنة رسول الله (ص) فهو كذاب و كتاب الله يكذبه، و إذا رأيت من يذكر محبة الله و يصفق بيديه مع ذكرها و يطرب و ينعر و يصعق فلا تشك أنه لا يعرف ما الله و لا يدري ما محبة الله، و ما تصفيقه و طربه و نعرته و صعقته إلا أنه تصور في نفسه الخبيثة صورة مستملحة معشقة فسماها الله بجهله و زعارته ثم صفق و طرب و نعر و صعق على‌

31

تصورها، و ربما رأيت المني قد ملأ إزار ذلك المحب عند صعقته و حمقى العامة حوله قد ملئوا أرداءهم بالدموع لما رققهم من حاله (1). قوله: نَحْنُ أَبْنٰاءُ اللّٰهِ وَ أَحِبّٰاؤُهُ [5/ 18] أي أشياع ابنيه المسيح و عزير، أو مقربون عنده قرب الأولاد من والدهم. قوله: وَ الْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَ الرَّيْحٰانُ [55/ 12] قال المفسر: الحَبُّ الحنطة و الشعير [و الحُبُوب]، و العصف التبن، و الريحان ما يؤكل منه (2). قوله: وَ حَبَّ الْحَصِيدِ [50/ 9] فسر بالحنطة. قوله: يَسْتَحِبُّونَ الْحَيٰاةَ الدُّنْيٰا عَلَى الْآخِرَةِ [14/ 3] أي يختارونها.

وَ فِي الْحَدِيثِ

" إِذَا

أَحْبَبْتُ

عَبْدِي كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ"

إلى آخره. قيل أي أجعل سلطان حُبِّي غالبا عليه حتى يسلب عنه الاهتمام بشي‌ء غير ما يئوب به إلي، فيصير منخلعا عن الشهوات ذاهلا عن الحظوظ و اللذات، فلا يرى إلا ما يُحِبُّه و لا يسمع إلا ما يُحِبُّه و لا يعقل إلا ما يُحِبُّه، و يكون الله سبحانه في ذلك له يدا مؤيدا و عونا و وكيلا، يحمي سمعه و بصره و يده و رجله عما لا يرضاه- انتهى و هو جيد. و ذكر بعض الشارحين أن هذا مبالغة في القرب و بيان لاستيلاء سلطان المَحَبَّة على ظاهر العبد و باطنه و سره و علانيته، فالمراد أني إذا أحببت عبدي جذبته إلى محل الأنس و صرفته إلى عالم القدس، فصيرت فكره مستغرقا في أسرار الملكوت و حواسه مقصورة على اجتذاب أنوار الجبروت، فثبت حينئذ في مقام القرب قدمه و تميز بالمحبة لحمه و دمه إلى أن يغيب عن نفسه و يذهل عن حسه‌

____________

(1). لم نجد هذا الكلام المنقول عن الحسن في الكشاف و إن كان يذكر فيه طرفا من مخازي الصوفية و ادعاءاتهم الباطلة في تفسير الآية المذكورة- انظر الكشاف ج 1 ص 502

(2). تفسير علي بن إبراهيم ص 658.

32

حتى أكون بمنزلة سمعه و بصره- انتهى.

وَ فِي الْحَدِيثِ

:" إِنَّ اللَّهَ

يُحِبُّ

مِنَ الْخَيْرِ مَا تُعَجَّلُ"

أي يرضى به و لا يكرهه. و‌

فِيهِ

" لَا تَرَوْنَ مَا

تُحِبُّونَ

حَتَّى تَخْتَلِفَ بَنُو فُلَانٍ فِيمَا بَيْنَهُمْ، فَإِذَا اخْتَلَفُوا طَمِعَ النَّاسُ وَ تَفَرَّقَتِ الْكَلِمَةُ وَ خَرَجَ السُّفْيَانِيُّ"

و توضيح الحديث- على ما نقل- هو أن بني فلان يريد بهم بني العباس لم تنفق الملوك على خليفة و هذا معنى تفرق الكلمة ثم ينتهي بعد مدة مد يده إلى خروج السفياني ثم إلى ظهور المهدي (ع). و" الحب" بضم الحاء: المحبة، و بكسرها الحبيب. و حبب إلى الشي‌ء نقيض كره. و من كلام بعضهم" كل ذنب محبوب" و معنى كونه محبوبا ميل النفس إليه، فإذا قوي الميل سمي عشقا. و حببته أحبه من باب ضرب، و القياس أحبه بالضم لكنه غير مستعمل. و أحبه من باب تعب لغة." تحابوا" أي أحب كل واحد منهم صاحبه. و" تحابا في الله" اجتمعا عليه بعمل صالح. و‌

مِنْهُ

" أَيْنَ

الْمُتَحَابُّونَ

بِجَلَالِي"

أي بعظمتي و طاعتي في الدنيا، و الجلال: العظمة. و‌

فِيهِ

"

حُبُّ

الرَّسُولِ مِنْ الْإِيمَانِ"

و المراد اتباعه، فلا يرد أن الحب أمر طبيعي لا يدخل فيه الاختيار، و ممكن أن يراد الحب العقلي لا الطبيعي النفسي، كالمريض يكره الدواء و يميل إليه لما فيه من النفع، فكذا النبي (ص) لما فيه من صلاح الدارين، و من أعلى درجات الإيمان و تمامه أن يكون طبعه تابعا لعقله في حبه.

وَ فِي مَعَانِي الْأَخْبَارِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الْمُبَارَكِ قَالَ

: قَالَ رَجُلٌ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع): حَدِيثٌ يُرْوَى أَنْ رَجُلًا قَالَ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ع: إِنِّي أَحَبَّكَ. فَقَالَ لَهُ: أَعِدْ لِلْفَقْرِ جِلْبَاباً. فَقَالَ: لَيْسَ هَكَذَا قَالَ إِنَّمَا قَالَ لَهُ" أَعْدَدْتُ لفاقتك جِلْبَاباً"

يعني يوم القيامة (1).

وَ فِي الْحَدِيثِ الْمَشْهُورُ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ

____________

(1). انظر الكتاب ص 182.

33

" حُبُّ عَلِيِّ حَسَنَةً لَا تُضِرُّ مَعَهَا سَيِّئَةٍ وَ بُغْضِهِ سَيِّئَةٍ لَا تَنْفَعُ مَعَهَا حَسَنَةً"

(1)

الظاهر أن المراد بالحب الحب الكامل المضاف إليه سائر الأعمال لأنه هو الإيمان الكامل حقيقة و أما ما عداه فمجاز، و إذا كان حبه إيمانا و بغضه كفرا فلا يضر مع الإيمان الكامل سيئة بل تغفر إكراما لعلي (ع) و لا تنفع مع عدمه حسنة إذ لا حسنة مع عدم الإيمان. و قد سبق في" عصى" كلام للزمخشري في توجيه‌

" لأدخل الْجَنَّةِ مِنْ أَطَاعَ عَلِيّاً وَ إِنْ عَصَانِي"

نافع في هذا المقام. و" الحب" بالضم: الجرة الضخمة، و الجمع حببة و حباب كعنبة و كتاب. و الحبة من الشي‌ء: القطعة منه. و الحبات جمع حبة.

وَ فِي حَدِيثٍ مَاءٍ التَّغْسِيلِ

" وَ أَلْقِ فِيهِ حَبَّاتِ كَافُورٍ"

(2)

.

و الحبة واحدة حب الحنطة و نحوها من الحبوب التي تكون في السنبل و الأكمام، و الجمع حبوب كفلس و فلوس.

وَ مِنْ صِفَاتِهِ (ص)

" يَفْتُرُ عَنْ مِثْلَ حُبُّ الْغَمَامُ"

(3)

شبه به ثغره (ص) يريد به البرد." و حب القرع" قيل هو دود عريض يشبه حب القرع، و الأشبه أنه ليس بدود بل هو الحبة السوداء الشونيز في المشهور و هو حب معروف. و قيل: الخردل. و قيل الحبة الخضراء و هو البطم. و" حباب الماء" بالفتح: معظمه. و حباب نفحاته التي تعلوه. و" حبابك أن تفعل كذا" أي غايتك.

وَ فِي صِفَةِ أَهْلِ الْجَنَّةِ

" يَصِيرَ طَعَامِهِمْ إِلَى رَشَحَ مِثْلَ

حُبَابٍ

الْمِسْكِ"

هو الطل الذي يصير على النبات، شبه رشحهم به مجازا، و أضيف إلى المسك ليثبت له طيب الرائحة. و الاستحباب كالاستحسان.

(حجب)

قوله تعالى: حَتّٰى تَوٰارَتْ بِالْحِجٰابِ [38/ 32] هو هاهنا الأفق،

____________

(1). البحار ج 9 ص 401.

(2). الكافي ج 3 ص 142.

(3). مكارم الأخلاق ص 11.

34

و المعنى حتى غابت الشمس في الأفق و استترت به. قوله: وَ بَيْنَهُمٰا أي بين الجنة و النار أو بين أهلها حِجٰابٌ [7/ 46] يعني سورا، و الحجاب: الحاجز. قوله: وَ مِنْ بَيْنِنٰا وَ بَيْنِكَ حِجٰابٌ [41/ 5] مثله.

وَ فِي وَصَفَهُ تَعَالَى" حِجَابُهُ

النُّورِ"

و يشير بذلك إلى أن حجابه خلاف الحجب المعهودة، فهو تعالى محتجب عن الخلق بأنوار عزه و جلاله و سعة عظمته و كبريائه و ذلك هو الحجاب الذي تدهش دونه العقول و تذهب الأبصار و تنحسر البصائر، و لو كشف ذلك الحجاب فتجلى بما وراءه من حقائق الصفات و عظمة الذات لم يبق مخلوق إلا احترق و لا معظور (1) إلا اضمحل، و أصل الحجاب الستر الحائل بين الرائي و المرئي، و هو هناك راجع إلى منع الأبصار من الإبصار بالرؤية له بما ذكر، فقام ذلك المنع مقام الستر الحائل فعبر به عنه. و" محمد (ص) حجاب الله" أي ترجمانه، و جمعه حجب ككتاب و كتب. و" احتجب الله دون حاجته" احتجاب الله أن يمنع حوائجه و يخيب آماله في الدنيا.

وَ فِي الْحَدِيثَ

:

" حَجَبَتِ

الْجَنَّةِ بِالْمَكَارِهِ وَ النَّارِ بِالشَّهَوَاتِ"

يعني لا يوصل إلى الجنة إلا بارتكاب المكروهات و النار إلا بالشهوات. و حجبه حجبا من باب قتل: منعه و منه، الحاجب و جمعه" حجاب" بالتشديد. و منه الحجب في الفرائض، و‌

مِنْهُ

" الْإِخْوَةِ يَحْجُبُونَ الْأُمِّ إِلَى السُّدُسِ".

و‌

مِنْهُ

" كُلَّمَا حَجَبَ اللَّهُ عِلْمَهُ عَنِ الْعِبَادِ فَهُوَ مَوْضُوعٌ عَنْهُمْ".

و الحاجب: الشعر النابت على عظم العين، و يقال له" حاجب العين". و الحاجبان: العظمان مع شعرهما و لحمهما، و الجمع الحواجب. و‌

فِي وَصَفَهُ (ص)

" أزج الْحَوَاجِبِ"

(2)

و لم يقل الحاجبين، فهو على معنى من‌

____________

(1). المعظور: سيى‌ء الخلق.

(2). مكارم الأخلاق ص 9.

35

يوقع على التثنية الجمع، و يحتج له بقوله تعالى: وَ كُنّٰا لِحُكْمِهِمْ شٰاهِدِينَ و يريد سليمان و داود.

وَ

حَاجِبٌ

بْنُ زُرَارَةَ أَتَى كِسْرَى فِي جَدْبٍ أَصَابَهُمْ بِدَعْوَةٍ النَّبِيِّ (ص) يستأذنه لِقَوْمِهِ أَنْ يَصِيرُوا فِي نَاحِيَةٍ مِنْ بِلَادِهِ، فَقَالَ: إِنَّكُمْ مَعَاشِرَ الْعَرَبِ غَدَرَ حَرَصَ فَإِنْ أَذِنْتَ لَكُمْ أَفْسَدْتُمْ الْبِلَادِ وَ أغرتم عَلَى الْعِبَادِ. قَالَ حَاجِبٌ: إِنِّي ضَامِنٌ لِلْمَلَكِ أَنْ لَا يَفْعَلُوا. قَالَ: فَمَنْ لِي بِأَنْ تَفِيَ؟ قَالَ: أرهنك قوسي. قَالَ: فَضَحِكَ مِنْ حَوْلَهُ. فَقَالَ كِسْرَى: مَا كَانَ ليسلمها أَبَداً، فَقَبَّلَهَا مِنْهُ وَ أُذِنَ لَهُمْ، فَلَمَّا مَاتَ حَاجِبٌ ارْتَحَلَ ابْنِهِ عُطَارِدٍ

(1)

إِلَى كِسْرَى فَطَلَبَ قَوْسٍ أَبِيهِ فَرَدَّهَا عَلَيْهِ وَ كَسَاهُ حُلَّةً، فَلَمَّا رَجَعَ أَهْدَاهَا إِلَى النَّبِيِّ (ص) فَبَاعَهَا مِنْ يَهُودِيٌّ بِأَرْبَعَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ.

و منه‌

حَدِيثٍ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ (ع)

وَ قَدْ جَاءَهُ رَجُلٌ مِنْ مَوَالِيهِ يستقرضه عَشْرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ إِلَى مَيْسَرَةٍ فَقَالَ:" وَ لَكِنْ أُرِيدُ وَثِيقَةً" قَالَ: فَنَتَفَ لَهُ مِنْ رِدَائِهِ هُدْبَةً

(2)

فَقَالَ: هَذِهِ الْوَثِيقَةُ. قَالَ: فَكَانَ مَوْلَاهُ كَرِهَ ذَلِكَ فَغَضِبَ وَ قَالَ: أَنَا أَوْلَى بِالْوَفَاءِ أَمْ حَاجِبُ بْنُ زُرَارَةَ؟ فَقَالَ: أَنْتَ أَوْلَى بِذَلِكَ مِنْهُ. قَالَ: فَكَيْفَ حَاجِبٌ بْنُ زُرَارَةَ يَرْهَنُ قَوْساً وَ إِنَّمَا هِيَ خَشَبَةٌ عَلَى مِائَةَ جمالة وَ هُوَ كَافِرٌ فَيَفِي وَ أَنَا لَا أَفِي بِهُدْبَةِ رِدَائِي؟

وَ فِي الْحَدِيثَ

:" تُصَلِّي الْمَغْرِبِ حِينَ تَغِيبُ الشَّمْسُ حِينَ يَغِيبُ

حَاجِبُهَا

"

قيل يريد بحاجبها طرفها الأعلى من قرصها. قيل: سمي بذلك لأنه أول ما يبدو منها كحاجب الإنسان." و الحجبة" جمع حاجب: البيت، و هو المانع عن رؤية المحجوب عنه.

وَ فِي الْحَدِيثِ

:" وَ إِنَّمَا يُسْتَحَبُّ الْهَدْيُ إِلَى الْكَعْبَةِ لِأَنَّهُ يَصِيرُ إِلَى الْحَجَبَةِ"

كذا في أكثر النسخ و‌

فِي بَعْضِهَا

" وَ إِنَّمَا لَا يُسْتَحَبُّ"

و هو أقرب.

وَ فِي الدُّعَاءِ

" عِبَادِكَ

الْمُحْتَجِبُونَ

____________

(1). انظر ترجمة عطارد هذا في أسد الغابة ج 3 ص 411.

(2). الهدبة بفتح الهاء و سكون الدّالّ: الشّعرة.

36

بغيبك"

يريد بهم الملائكة‌

(حدب)

قوله تعالى: وَ هُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ [21/ 96] الحدب بالتحريك: المرتفع من الأرض، و معناه يظهرون من غليظ الأرض و مرتفعها. و منه" حدب حدبا" من باب تعب: إذا خرج ظهره و ارتفع عن الاستواء و منه رجل أحدب و امرأة حدباء، و الجمع حدب كأحمر و حمراء و حمر. و‌

فِي تَفْسِيرِ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ (ره) قَالَ

: إِذَا كَانَ فِي آخِرِ الزَّمَانِ خَرَجَ يَأْجُوجَ وَ مَأْجُوجَ إِلَى الدُّنْيَا وَ يَأْكُلُونَ النَّاسِ

(1)

.

و قد تكرر في الحديث ذكر (الحديبية) بالتخفيف عند الأكثر، و هي بئر بقرب مكة على طريق جدة دون مرحلة ثم أطلق على الموضع. و يقال نصفه في الحل و نصفه في الحرم (2). و حدب عليه: إذا عطف. و أحدبهم على المسلمين: أعطفهم و أشفقهم.

وَ فِي حَدِيثٍ الْبَعُوضَةِ

:" يَعْلَمُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهَا مَوْضِعٍ النشؤ وَ الْعَقْلِ وَ الشَّهْوَةِ لِلسَّفَادِ وَ

الْحَدَبِ

عَلَى نَسْلِهَا"

أي التعطف و التحنن- فسبحانه من عليم خبير. و آلة الحدباء: النعش قال الشاعر:

كل ابن أنثى و إن طالت سلامته * * * يوما على آلة الحدباء محمول

(حرب)

قوله تعالى: فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللّٰهِ [2/ 279] أي اعلموا ذلك و اسمعوه و كونوا على إذن منه، و من قرأ فَأْذِنُوا بِحَرْبٍ بكسر الذال أي أعلموا غيركم ذلك. قوله حَتّٰى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزٰارَهٰا [47/ 4] أي المحاربون.

____________

(1). انظر التفسير ص 433.

(2). الحديبية بضم الحاء و فتح الدال و ياء ساكنة و باء موحدة مكسورة و ياء مفتوحة خفيفة- و قيل مشددة- و آخرها هاء. قيل التثقيل خطأ، و قيل كل صواب أهل المدينة يثقلونها و أهل العراق يخففونها. انظر مراصد الاطلاع ص 386.

37

قوله: إِنَّمٰا جَزٰاءُ الَّذِينَ يُحٰارِبُونَ اللّٰهَ وَ رَسُولَهُ [5/ 33] الآية. قيل: محاربة الله و رسوله محاربة المسلمين، جعل محاربتهم كمحاربته و محاربة رسوله تعظيما للفعل. و عند الفقهاء كل من جرد السلاح لإخافة الناس في بر أو بحر ليلا أو نهارا ضعيفا كان أو قويا من أهل الريبة أو لم يكن ذكرا كان أو أنثى فهو محارب. و‌

فِي حَدِيثِ عُبَيْدِ اللَّهِ الْمَدَائِنِيِّ قَالَ

: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع): جُعِلْتُ فِدَاكَ أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:

إِنَّمٰا جَزٰاءُ الَّذِينَ يُحٰارِبُونَ اللّٰهَ وَ رَسُولَهُ وَ يَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسٰاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَ أَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلٰافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ

قَالَ: فَعَقَدَ بِيَدِهِ فَقَالَ:" يَا عَبْدَ اللَّهِ خُذْهَا أَرْبَعاً بِأَرْبَعٍ" ثُمَّ قَالَ:" إِذَا حَارَبَ اللَّهَ وَ رَسُولُهُ وَ سَعَى فِي الْأَرْضِ فَسَاداً فَقَتَلَ قُتِلَ وَ إِنْ قَتَلَ وَ أَخَذَ قُتِلَ وَ صُلِبَ، وَ إِنْ أَخَذَ الْمَالَ وَ لَمْ يَقْتُلْ قُطِعَتْ يَدُهُ وَ رِجْلُهُ مِنْ خِلَافٍ وَ إِنْ حَارَبَ اللَّهَ وَ رَسُولُهُ وَ سَعَى فِي الْأَرْضِ فَسَاداً وَ لَمْ يَقْتُلْ وَ لَمْ يَأْخُذْ مِنَ الْمَالِ نُفِيَ فِي الْأَرْضِ"

(1)

و قد سبق كيفية النفي. قوله: كُلَّمٰا دَخَلَ عَلَيْهٰا زَكَرِيَّا الْمِحْرٰابَ [3/ 37]

قِيلَ

: بَنَى لَهَا غُرْفَةً فِي الْمَسْجِدِ وَ جَعَلَ بَابُ الْغُرْفَةِ وَسَطِ الْحَائِطِ لَا يَصْعَدُ إِلَيْهَا إِلَّا بِالسَّلَمِ وَ استاجر لَهَا ظِئْراً تربيها، وَ كَانَ إِذَا خَرَجَ يُغْلِقُ عَلَيْهَا الْبَابِ وَ لَا يَدْخُلْ عَلَيْهَا إِلَّا زَكَرِيَّا حَتَّى كَبِرَتْ.

قوله: فَخَرَجَ عَلىٰ قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرٰابِ [19/ 11] المحراب بالكسر و السكون: الغرفة، و مقام الإمام في المسجد، و الموضع ينفرد به الملك فيتباعد عن الناس. و محاريب بني إسرائيل: مساجدهم التي كانوا يخطبون فيها. و المحاريب: البيوت الشريفة، و قيل هي المساجد و القصور يعبد فيها. و عن الأصمعي: سمي القصر محرابا لأن المحراب مقدم المجالس و أشرفها و كذا من المسجد. و عن ابن الأنباري: سمي محرابا لانفراد الإمام فيه و بعده من القوم، يقال:" دخل‌

____________

(1). البرهان ج 1 ص 466. و انظر كيفية النفي في هذا الكتاب ج 1 ص 418.

38

الأسد محرابه" أي غيله، و الإمام إذا دخل فيه يأمن من أن يلحق، فهو حائز مكانا كأنه مأوى الأسد. و يقال: محراب المصلي مأخوذ من المحاربة، لأن المصلي يحارب الشيطان و يحارب نفسه بإحضار قلبه.

وَ فِي الْحَدِيثَ

:" كَانَ عَلِيٌّ (ع) يَكْسِرُ الْمَحَارِيبَ إِذَا رَآهَا فِي الْمَسْجِدِ يَقُولُ: كَأَنَّهَا مَذَابِحُ الْيَهُودِ".

و" الحرب" بالتحريك: نهب مال الإنسان و تركه لا مال له. و منه‌

حَدِيثٍ الدُّعَاءِ عَلَى الْعَدُوِّ

" اللَّهُمَّ أَذِقْهُ طَعْمَ الْحَرْبِ وَ ذُلَّ الْأَسْرِ".

و‌

مِنْهُ

" الْمُؤْمِنِ يُصْبِحَ وَ يُمْسِيَ عَلَى ثَكَلٍ خَيْرٌ لَهُ أَنْ يُصْبِحَ وَ يُمْسِيَ عَلَى حَرْبٍ"

(1)

.

وَ فِي الْخَبَرَ

:" إِيَّاكُمْ وَ الدِّينِ، فَإِنْ أَوَّلِهِ هُمْ وَ آخِرِهِ

حَرْبٍ

"

بسكون الراء أي يعقب الخصومة و النزاع، و بفتحها أي السلب." و حرب الرجل" بالبناء للمجهول: أخذ جميع ماله. و حرب حربا من باب تعب كذلك. و حريبة الرجل: ماله الذي يعيش به، و منه‌

حَدِيثٍ الْمَيِّتِ

" أَشْكُو إِلَيْكُمْ دَاراً أَنْفَقْتُ فِيهَا حَرِيبَتِي وَ صَارَ سُكَّانِهَا غَيْرِي".

و" الحرب" بإسكان الراء واحدة الحروب، و هي المقاتلة و المنازلة، لفظها أنثى. يقال:" قامت الحرب على ساق" إذا اشتد الأمر و صعب الخلاص. و قد تذكر ذهابا إلى معنى القتال. و تصغير الحرب" حريب" بغير هاء و" رجل محرب" بكسر ميم و فتح راء أي صاحب حرب.

وَ فِي حَدِيثٍ الْأَئِمَّةِ (ع)

" أَنَا

حَرْبٍ

لِمَنْ حَارَبَكُمْ"

أي عدو لمن عاداكم و الحربة كالرمح تجمع على حراب ككلبة و كلاب. و" الحرباء" حيوان أكبر من الغطاءة تستقبل الشمس برأسها و تدور معها كيف دارت.

(حزب)

قوله تعالى: كُلُّ حِزْبٍ بِمٰا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ* [30/ 32] الحزب بالكسر فالسكون: الطائفة و جماعة الناس،

____________

(1). الكافي ج 5 ص 72.

39

و الأحزاب جمعه. و حزب الشيطان: جنوده. و يوم الأحزاب: يوم اجتماع قبائل العرب على قتال رسول الله (ص) و هو يوم الخندق، فالأحزاب عبارة عن القبائل المجتمعة لحرب رسول الله (ص) و كانت قريش قد أقبلت في عشرة آلاف من الأحابيش و من كنانة و أهل تهامة و قائدهم أبو سفيان و غطفان في ألف و هوازن و بني قريضة و النضير. و في القاموس في قوله: إِنِّي أَخٰافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزٰابِ [40/ 30] هم قوم نوح و عاد و ثمود.

" وَ هَزَمَ

الْأَحْزَابَ

وَحْدَهُ" وَ ذَلِكَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، وَ هُوَ أَنَّهُ تَعَالَى أَرْسَلَ عَلَيْهِمْ رِيحٌ الصَّبَا فِي لَيْلَةٍ شاتية فأحصرتهم وَ صَفَتْ التُّرَابِ فِي وُجُوهِهِمْ وَ أَطْفَأَتْ النِّيرَانِ وَ كفت الْقُدُورِ وَ قُلِعَتْ الْأَوْتَادُ وَ بَعَثَ أَلْفاً مِنَ الْمَلَائِكَةِ فِي ذَوَائِبَ عَسْكَرِهِمْ فماجت الْخَيْلِ بَعْضُهَا فِي بَعْضٍ وَ قُذِفَ فِي قُلُوبُهُمْ الرُّعْبُ فانهزموا مِنْ غَيْرِ قِتَالِ.

قوله: أَيُّ الْحِزْبَيْنِ [18/ 12] مر ذكرها في (حصا). و الحزب: الورد يعتاده الشخص من صلاة و قراءة و غير ذلك.

(حسب)

قوله تعالى: يَحْسَبُهُمُ الْجٰاهِلُ أَغْنِيٰاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ [2/ 273] أي يظنهم. قوله: وَ يَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لٰا يَحْتَسِبُ [65/ 3] أي من حيث لا يظن من" حسبت"، أو لم يكن في حسابه من" حسب". قوله: حَسْبُنَا اللّٰهُ وَ نِعْمَ الْوَكِيلُ [3/ 173] أي كافينا، و مثله حَسْبَكَ اللّٰهُ* [8/ 62] أي كافيك. قوله عَطٰاءً حِسٰاباً [78/ 36] أي كافيا عن أبي عبيدة و الجبائي. و قيل حِسٰاباً أي كثيرا. و قيل حِسٰاباً أي على قدر استحقاق و بحسب العمل. و قال الزجاج: ما يكفيهم، أي أن فيه ما يشتهون. قوله: يَرْزُقُ مَنْ يَشٰاءُ بِغَيْرِ

40

حِسٰابٍ* [2/ 212] فيه أقوال: منها أن يعطيهم الكثير الواسع الذي لا يدخله الحساب من كثرته. قوله: إِنْ تُبْدُوا مٰا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحٰاسِبْكُمْ بِهِ اللّٰهُ [2/ 284] أي إن تظهروا ما في أنفسكم من السوء أو تخفوه فإن الله تعالى يعلم ذلك و يجازيكم عليه. قال الطبرسي و لا يدخل فيه ما يخفيه الإنسان من الوسواس و حديث النفس لأن ذلك مما ليس في وسعه الخلو منه، و لكن ما اعتقده و عزم عليه (1). و قوله وَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ حُسْبٰاناً [6/ 96] أي يجريان في أفلاكهما بحساب لا يتجاوزانه إلى أقصى منازلهما، فيقطع الشمس جميع البروج الاثني عشر في ثلاثمائة و خمسة و ستين يوما و ربع، و القمر في ثمانية و عشرين يوما، و هي عليها الأيام و الليالي و الشهور و الأعوام كما قال تعالى الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ بِحُسْبٰانٍ [55/ 5] و قال وَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [21/ 33]. قوله الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ بِحُسْبٰانٍ أي يجريان في منازلهما بحساب معلوم عنده.

وَ عَنِ الرِّضَا (ع)

وَ قَدْ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ:

الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ بِحُسْبٰانٍ

قَالَ:" هُمَا يُعَذَّبَانِ" قُلْتُ: الشَّمْسُ وَ الْقَمَرِ يُعَذَّبَانِ؟ قَالَ: إِنْ سَأَلْتُ عَنْ شَيْ‌ءٌ فأتقنه، إِنْ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ يَجْرِيَانِ بِأَمْرِهِ مُطِيعَانِ لَهُ، ضوؤهما مِنْ نُورٍ عَرْشِهِ وَ جرمهما مِنْ جَهَنَّمَ، فَإِذَا كَانَتْ الْقِيَامَةِ عَادَ إِلَى الْعَرْشِ نُورِهِمَا وَ عَادَ إِلَى النَّارِ جرمهما، فَلَا يَكُونُ شَمْسٍ وَ لَا قَمَرٌ وَ إِنَّمَا عناهما بِذَلِكَ لَعَنَهُمَا اللَّهِ تَعَالَى، أَ لَيْسَ قَدْ رَوَى النَّاسِ ... فُلَانٍ وَ فُلَانٍ شَمْساً هَذِهِ الْأُمَّةِ وَ نُورِهِمَا، فَهُمَا فِي النَّارِ، وَ اللَّهِ مَا عَنَى غَيْرِهِمَا

(2)

.

قوله: حُسْبٰاناً مِنَ السَّمٰاءِ [18/ 40] بضم الحاء يعني عذابا. و قيل نارا. و قيل بردا، واحدها حسبانة قوله: وَ كَفىٰ بِاللّٰهِ حَسِيباً*

____________

(1). هذا ليس نص كلام الطبرسي و إنما هو المفهوم من كلامه. انظر مجمع البيان ص 401

(2). البرهان ج 4 ص 263.

41

هو على أربعة أوجه: كافيا، و عالما، و مقتدرا، و محاسبا. قوله: كَفىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً [17/ 14] أي رقيبا، أي كفى بك لنفسك محاسبا.

وَ فِي الْحَدِيثِ

:" مِنْ صَامَ شَهْرَ رَمَضَانَ إِيمَاناً وَ

احْتِسَاباً

"

أي طلبا لوجه الله و ثوابه. و مثله‌

" مِنْ أَذِنَ إِيمَاناً وَ

احْتِسَاباً

"

أي تصديقا بوعده و احتسابا بالأجر و الثواب بالصبر على المأمور به، يقال:" احتسب فلان علمه طلبا لوجه الله و ثوابه". و منه" الحسبة" بالكسر و هي الأجر، و الجمع الحسب. و" احتسب ولده" معناه اعتد أجر مصابه فيما يدخر- قاله في المغرب. و الحسبة: الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و اختلف في وجوبها عينا أو كفاية. و الاحتساب في الأعمال الصالحة و عند المكروهات هو البدار إلى طلب الأجر و تحصيله بالتسليم أو الصبر و باستعمال أنواع البر و القيام بها على الوجه الموسوم فيها طلبا للثواب المرجو فيها. و الحسيب: الذي يفعل الأفعال الحسنة بماله و غير ماله. و" الحسيب" من أسمائه تعالى و هو الكافي، فعيل بمعنى مفعول، من أحسبني الشي‌ء: كفاني. و حسيبه الله أي انتقم الله منه. و" الحسب" بسكون السين: الكفاية، و منه‌

الْحَدِيثَ

:" إِذَا مَسَّ جِلْدَكَ الْمَاءُ فَحَسْبُكَ"

(1)

أي كفاك عن الدلك. و مثله‌

فِي حَدِيثٍ عَلَامَاتٍ الْمَيِّتِ

" أَيُّ ذَلِكَ رَأَيْتَ فَحَسْبُكَ"

(2)

أي يكفيك علامة و دلالة على الموت. و‌

مِثْلَهُ" بِحَسَبِكَ

أَنْ تَصُومُ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ"

أي يكفيك و" حسبك درهم" أي كافيك. و الحسب بفتحتين: الشرف بالآباء و ما يعد من مفاخرهم، و هو مصدر" حسب" بالضم ككرم، و‌

مِنْهُ

" مِنْ قَصَّرَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يَنْفَعُهُ حَسَبُهُ".

____________

(1). الكافي ج 3 ص 22.

(2). من لا يحضر ج 1 ص 81.

42

و حسب المرء: دينه.

وَ فِي الْحَدِيثِ

:" لَا حَسَبَ أَبْلَغُ مِنَ الْأَدَبِ".

و‌

فِيهِ

" الْمُؤْمِنِ يُبْتَلَى عَلَى

حَسَبِ

دِينِهِ"

أي قدر دينه من القوة و الضعف. و الحسب: النسب، يقال:" كيف حسبه فيكم" أي نسبه، و منه‌

حَدِيثٍ الْمَرْأَةِ

:" لَا تَرِثُ مِنَ الرِّبَاعِ شَيْئاً" يَعْنِي الدَّارِ" لِأَنَّهَا لَيْسَ بَيْنَهَا وَ بَيْنَهُمْ حَسَبَ تَرِثُ بِهِ وَ إِنَّمَا هِيَ دَخِيلٌ عَلَيْهِمْ".

و حسبت المال حسبا من باب قتل: أحصيته عدا.

وَ فِي حَدِيثٍ تَسْبِيحِ فَاطِمَةَ (ع)

:" مِنْ سَبَقَتْ أَصَابِعُهُ لِسَانَهُ

حُسِبَ

لَهُ"

أي من نطق لسانه (الله أكبر) مرة واحدة و أخذت أصابعه حبتين من السبحة أو ثلاثة حسب له تكبيرتان أو ثلاثة، و هكذا التسبيح و التحميد. و حساب الجمل يأتي إن شاء الله تعالى. و" حسبت زيدا قائما" من باب تعب في لغة جميع العرب إلا بني كنانة فيما نقل عنهم أنهم يكسرون المضارع مع كسر الماضي. و حاسبته من الحساب و المحاسبة. و‌

" حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا"

فسرت المحاسبة بأن ينسب الإنسان المكلف طاعاته إلى معاصيه ليعلم أيها أكثر، فإن فضلت طاعاته نسب قدر الفاضل إلى نعم الله عليه التي هي وجوده و الحكم المودعة في خلقه و الفوائد التي أظهرها الله عليه في قواه و دقائق الصنع التي أوجدها في نفسه التي هي تدرك العلوم و المعقولات، فإذا نسب فضل طاعته إلى هذه النعم التي لا تحصى كما قال تعالى: وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللّٰهِ لٰا تُحْصُوهٰا و وازنها وقف على تقصيره و تحققه، فإن ساوت طاعاته و معاصيه تحقق أنه قام بشي‌ء من وظائف العبودية و كان تقصيره أظهر. و ينبغي أن يتبع المحاسبة المراقبة، و هي أن يحفظ ظاهره و باطنه لئلا يصدر عنه شي‌ء يبطل حسناته التي عملها، و ذلك أن يلاحظ أحوال نفسه دائما لئلا يقدم على معصية.

43

و حسبته صالحا أحسبه- بالفتح-: ظننته، و شذ أحسبه بالكسر. قال الجوهري: كل فعل كان ماضيه مكسورا فإن مستقبله يأتي مفتوح العين إلا أربعة أحرف جاءت نوادر" حسب يحسب" و" يسر ييسر" و" يئس ييئس" و" نعم ينعم" فإنها جاءت من السالم بالكسر و الفتح، و مما جاء ماضيه و مستقبله جميعا بالكسر ومق يمق و ورث يرث و نحو ذلك.

وَ فِي الدُّعَاءِ

" اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي مِنْ حَيْثُ

أَحْتَسِبُ

وَ مِنْ حَيْثُ لَا أَحْتَسِبُ"

أي من حيث أظن و من حيث لا أظن.

(حصب)

قوله تعالى: إِنَّكُمْ وَ مٰا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّٰهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ [21/ 98] أي وقودها، و يقال حطب جهنم بلغة الحبشة، و قرى‌ء حضب جهنم بالضاد المعجمة، و عن الفراء: أن" الحضب" في لغة أهل اليمن الحطب و كل ما هيجت به النار و أوقدتها. قوله: فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنٰا عَلَيْهِ حٰاصِباً [29/ 40] الآية. الحاصب لقوم لوط، و هي ريح عاصف فيها حصباء، و الصيحة لمدين و ثمود، و الخسف لقارون، و الغرق لقوم نوح و فرعون. و الحصباء: صغار الحصى، و‌

فِي حَدِيثِ قَوْمِ لُوطٍ

:" فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى السَّمَاءِ أَنْ

أَحْصِبِيهِمْ

"

أي أرميهم بالحصباء، و واحدها" حصبة" كقصبة.

وَ فِي الْحَدِيثَ

:" فَرْقَدٍ رَقْدَةً

بِالْمُحَصَّبِ

"

هو بضم الميم و تشديد الصاد موضع الجمار عند أهل اللغة، و المراد به هنا كما نص عليه بعض شراح الحديث الأبطح، إذ المحصب يصح أن يقال لكل موضع كثيرة حصباؤه، و الأبطح مسيل واسع فيه دقاق الحصى، و هذا الموضع تارة يسمى بالأبطح و أخرى بالمحصب، أوله عند منقطع الشعب من وادي منى و آخره متصل بالمقبرة التي تسمى عند أهل مكة بالمعلى، و ليس المراد بالمحصب موضع الجمار بمنى، و ذلك لأن السنة يوم النفر من منى أن ينفر بعد رمي الجمار و أول وقته بعد الزوال و ليس له أن يلبث حتى يمسي، و قد صلى به النبي المغرب‌

44

و العشاء الآخرة و قد رقد به رقدة، فعلمنا أن المراد من المحصب ما ذكرناه. و" التحصيب" المستحب هو النزول في مسجد المحصبة و الاستلقاء فيه، و هو في الأبطح، و هذا الفعل مستحب تأسيا بالنبي (ص)، و ليس لهذا المسجد أثر في هذا الزمان، فتتأدى السنة بالنزول في الأبطح قليلا ثم يدخل البيوت من غير أن ينام بالأبطح. و" ليلة الحصبة" بالفتح بعد أيام التشريق، و هو صريح بأن يوم الحصبة هو يوم الرابع عشر لا يوم النفر، يؤيده‌

مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ (ع)

وَ قَدْ سُئِلَ عَنْ مُتَمَتِّعٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ هَدْيٌ؟ فَأَجَابَ:" يَصُومُ أَيَّامَ مِنًى، فَإِنْ فَاتَهُ ذَلِكَ صَامَ صَبِيحَةَ يَوْمَ الْحَصْبَةِ وَ يَوْمَيْنِ بَعْدَ ذَلِكَ".

و في الحديث أمر بتحصيب المسجد، و هو أن يلقى فيه الحصباء، يقال:" حصبت المسجد و غيره" بسطته بالحصباء، و حصبته بالتشديد مبالغة، فهو محصب بالفتح اسم مفعول. و حصبته حصبا من باب ضرب: رميته بالحصباء، و في لغة من باب قتل. و الحصبة بالفتح فالسكون و التحريك لغة: بثر يخرج في الجسد. و حصب جلده بالكسر: إذا أصابته الحصبة.

(حطب)

قوله: وَ امْرَأَتُهُ حَمّٰالَةَ الْحَطَبِ [111/ 4] قيل هي النميمة، يقال حطب فلان بفلان سعى به، و قيل الحطب نفسه. قال الشيخ أبو علي في قوله حَمّٰالَةَ الْحَطَبِ: قرأ عاصم حَمّٰالَةَ بالنصب و الباقون بالرفع، فمن رفع جعله وصفا لامرأته، و من نصب فعلى الذم لها. و امرأته هي أم جميل بنت حرب أخت أبي سفيان، و حَمّٰالَةَ الْحَطَبِ لأنها كانت تشوك الشوك فتطرحه في طريق رسول الله (ص) إذا خرج إلى الصلاة ليعقره. و حطبت حطبا من باب ضرب: جمعته، و احتطبت مثله، و منه‌

الدُّعَاءِ

" عَائِذٍ مِمَّا

احْتَطَبْتُ

عَلَى ظَهْرِي"

أي مما جمعت و اكتسبت من الذنوب على ظهري. و" الحطابة" بالتشديد: الذين يحتطبون الحطب.

45

(حقب)

قوله تعالى: لٰابِثِينَ فِيهٰا أَحْقٰاباً [78/ 23] هو جمع" حقب" بضمتين مثل قفل و أقفال، أي ماكثين فيها زمانا كثيرا. و فيه أقوال:

قِيلَ

مَعْنَاهُ

أَحْقٰاباً

لَا انْقِطَاعَ لَهَا كُلَّمَا مَضَى حقب جَاءَ بَعْدَهُ حقب آخَرَ، وَ

الحقب

ثَمَانُونَ سَنَةً مِنْ سِنِينَ الْآخِرَةِ

(1)

، و‌

قِيلَ

الأحقاب ثَلَاثَةَ وَ أَرْبَعُونَ حُقُباً كُلِّ حقب سَبْعُونَ خَرِيفاً كُلِّ خَرِيفٌ سَبْعَمِائَةِ سَنَةً كُلُّ سَنَةٍ ثَلَاثُمِائَةٍ وَ سِتُّونَ يَوْماً كُلَّ يَوْمٍ أَلْفَ سَنَةً.

قوله تعالى: أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً [18/ 60] أي أبلغ إلى أن أمضي زمانا أتيقن معه فوات المجمع.

رُوِيَ

أَنَّ مُوسَى (ع) خَطَبَ النَّاسِ بَعْدَ هَلَاكَ الْقِبْطِ وَ دُخُولِهِ مِصْرَ خُطْبَةٍ بَلِيغَةٌ، فَأُعْجِبَ فِيهَا، فَقِيلَ لَهُ هَلْ تَعْلَمُ أَحَداً أَعْلَمُ مِنْكَ؟ فَقَالَ: لَا. فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ وَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ: بَلْ أَعْلَمُ مِنْكَ عِنْدَنَا الْخَضِرِ، وَ هُوَ بمجمع الْبَحْرَيْنِ، وَ كَانَ الْخَضِرِ فِي أَيَّامٍ فريدون، وَ كَانَ عَلَى مُقَدِّمَةِ ذِي الْقَرْنَيْنِ الْأَكْبَرِ، وَ بَقِيَ إِلَى أَيَّامٍ مُوسَى (ع)

(2)

.

و" الحقب" بالتحريك قيل حبل يشد به رجل البعير إلى بطنه كيلا يتقدم إلى كاهله، و هو غير الخزام، و الجمع" أحقاب". و حقب بول البعير حقبا من باب تعب: إذا احتبس. و رجل حاقب: أعجله خروج البول، و قيل الحاقب الذي احتاج إلى الخلاء للبول فلم يبرز حتى حضر غائطه، و قيل هو الذي احتبس غائطه.

وَ فِي الْخَبَرِ

:" لَا صَلَاةَ لِحَاقِنٍ وَ لَا حاقب"

(3)

و فسر الحاقن بالذي حبس بوله كالحاقب للغائط. و حقب العام: إذا احتبس و تأخر مطره. و الحقيبة: الرفادة التي تجعل في مؤخر القتب، و الجمع" حقاب".

____________

(1). جاء في معاني الأخبار ص 221 حديث عن الإمام الصادق (ع)، و فيه: والحقبة ثمانون سنة، و السنة ثلاثمائة و ستون يوما، و اليوم كألف سنة ممّا تعدّون.

(2). تفسير علي بن إبراهيم ص 398.

(3). معاني الأخبار ص 237.

46

و" رجل نفج الحقيبة" بضم النون و الفاء: رابي العجز نأتيه. و" حقائب البئر" أعجازها، و منه‌

الْحَدِيثَ

" سائقان بِحَقَائِبِ الْبِئْرِ".

و" احتقب فلان الاسم" اكتسبه. و اسماعيل بن حقبة من رواة الحديث (1)

(حلب)

فِي الْخَبَرَ

" جَلَسَ جُلُوسٍ

الْحَلْبِ

"

و هو الجلوس على الركبة ليحلب الشاة، و أراد به جلوس المتواضعين.

وَ فِي حَدِيثٍ وَصَفَ الْإِسْلَامِ

:" يَسِيرُ الْمِضْمَارِ جَامِعُ

الْحَلْبَةِ

سَرِيعُ السَّبْقَةِ أَلِيمُ النَّقِمَةَ"

استعار لفظ الحلبة للقيامة و السبقة للجنة، و ذلك لأن الدنيا مضماره و هي يسيرة و القيامة حلبته و هي مجمعة، و الجنة سبقته و النار نقمته.

وَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ

:" كَرِيمُ الْمِضْمَارِ رَفِيعِ الْغَايَةِ شَرِيفِ الْفُرْسَانِ"

فيكون استعار لفظ المضمار للدين باعتبار أن النفوس تضمر فيه للسباق إلى حضرة الله تعالى، و ظاهر كرم ذلك المضمار و شرفه و غايته الوصول إلى حضرة الربوبية و لا أرفع منها مرتبة، و‌

قَوْلِهِ

:" شَرِيفِ الْفُرْسَانِ"

لأن فرسانه المؤمنون و الصديقون. و" الحلبة" بالتسكين: خيل تجمع للسباق و من كل أوب لا يخرج من إصطبل واحد. و في الحديث يسمي الذي يلي السابق في الحلبة مصلى. و" حلبة الناقة" من باب قتل، و" ناقة حلوب" وزان رسول أي ذات لبن يحلب. قال في المصباح: فإن جعلتها اسما أتيت بالهاء فقلت" هذه حلوبة فلان". و" المحلب" بفتح الميم: موضع الحلب، و بكسرها الوعاء يحلب فيه. و الحليب: اللبن الحديث العهد بالحلب. و" الحلبة" بضم الحاء مع ضم اللام و سكونها: حب يؤكل منه، و منه‌

الْحَدِيثَ

____________

(1). هو إسماعيل بن عبد الرّحمن أو عبد الله‌حقيبة و قيل جفينة، و لم نجد من يضبط اسمه و اسم أبيه كما جاء في الكتاب، كان صالحا قليل الرّواية. رجال الكشّيّ ص 293.

47

" لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي الْحَلْبَةِ لَاشْتَرَوْهَا بِوَزْنِهَا ذَهَباً"

(1)

.

و" حلب" بفتحتين: بلدة بالشام (2). و" الحلبلاب" بالكسر: النبت الذي تسميه العامة اللبلاب.

(حوب)

قوله تعالى: حُوباً كَبِيراً [4/ 2] أي إثما كبيرا، و الحوب بالضم الإثم و بالفتح المصدر. و" حاب حوبا" من باب قال: اكتسب الإثم. و الحوبة: الخطيئة، و هي في الأصل مصدر" حبت بكذا" أي أثمت.

وَ فِي الدُّعَاءِ

" رَبِّ تُقْبَلُ تَوْبَتِي وَ اغْسِلْ

حوبتي

"

أي إثمي. و‌

فِيهِ

" اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا

حوبنا

"

أي إثمنا. و تفتح الحاء و تضم، و قيل الفتح لغة الحجاز و الضم لغة تميم. و الحوبة: الحاجة، و‌

مِنْهُ

" إِلَيْكَ أَرْفَعَ حوبتي".

و الحوبة: الحزن. و الحوبة: كل حرمة تضيع من ذي الرحم. و" الحوأب" ككوكب: الواسع من الأودية، و منزل بين مكة و البصرة (3)، و هو الذي نزلت فيه عائشة لما جاءت إلى البصرة في وقعة الجمل، و منه‌

حَدِيثٍ نِسَاءِ النَّبِيِّ (ص)

:" أيتكن تَنْبَحُهَا كِلَابُ الْحَوْأَبِ"

(4)

.

و‌

فِي حَدِيثٍ الصَّادِقِ (ع)

:" أَوَّلُ شَهَادَةُ بِالزُّورِ فِي الْإِسْلَامِ شَهَادَةُ سَبْعِينَ رَجُلًا حِينَ انْتَهَوْا إِلَى مَاءِ الْحَوْأَبِ فَنَبَحَتْهُمْ كِلَابُهَا، فَأَرَادَتْ صَاحِبَتُهُمُ الرُّجُوعَ وَ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (ص) يَقُولُ:

____________

(1). في مكارم الأخلاق ص 213" لو تعلم أمّتي ما لها في الحلبة لتداووا بها و لو بوزنها ذهبا".

(2). قيل: كان حلب و حمّص و برذعة إخوة من عمليق فبنى كلّ واحد منهم مدينة سمّيت به. مراصد الاطّلاع ص 417.

(3). الحوأب موقع في طريق البصرة محاذي البقرة. مراصد الاطّلاع ص 433.

(4). سفينة البحار ج 1 ص 198.

48

إِنْ إِحْدَاكُنَّ تَنْبَحُهَا كِلَابُ الْحَوْأَبِ فِي التَّوَجُّهِ إِلَى قِتَالِ وَصِيِّي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ع، فَشَهِدَ عِنْدَهَا سَبْعُونَ رَجُلًا أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمَاءِ الْحَوْأَبِ، فَكَانَتْ أَوَّلَ شَهَادَةٍ شُهِدَ بِهَا فِي الْإِسْلَامِ بِالزُّورِ"

(1)

.

باب ما أوله الخاء

(خبب)

فِي الْحَدِيثِ

:" لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةِ خَبٌّ خِدَاعَ".

" الخب" بالفتح و التشديد غير مهموز: الخداع، و معناه الذي يفسد الناس بالخداع و يمكر و يحتال في الأمر، يقال" فلان خب ضب" إذا كان فاسدا مفسدا مراوغا، و" رجل خب و امرأة خبة"، و قد تكسر فاؤه، و أما المصدر فبالكسر لا غير- قاله في النهاية. و في المصباح" الخب" بالكسر: الخداع، و فعله من خب خبا من باب قتل قتلا. و" رجل خب" تسمية بالمصدر. قال بعض الشارحين: و معنى لا يدخلها مع الداخلين من غير بأس بل يصاب منه بالعذاب و يمحص حتى يذهب منه آثار تلك الخصال، هذا هو السبيل في أمثال هذه الأحاديث، و اقتصار الشارع في مثل هذه المواطن على القول المجمل تحذيرا للمكلفين عما فيه المنقصة في الدين بأبلغ ما يكون من الزجر، و الراسخون في العلم يردونه إلى الصواب. و" خباب" بالخاء المعجمة و الباءين الموحدتين بينهما ألف" ابن الأرت" بالألف و الراء المهملة و التاء الفوقانية المشددة، مات قبل الفتنة،

تَرَحَّمَ عَلَيْهِ عَلِيٌّ (ع) فَقَالَ: يَرْحَمُ اللَّهِ خَبَّاباً وَ لَقَدْ أَسْلَمَ رَاغِباً وَ هَاجَرَ طَائِعاً وَ عَاشَ مُجَاهِداً

. و" الأرت" من في كلامه رتة، و هي عجمة‌

____________

(1). من لا يحضره الفقيه 3/ 44.

49

لا تغير الكلام (1). و" الخبب" ضرب من العدو، يقال" خبب في الأمر خببا" من باب طلب: أسرع فيه، و منه" بعير يخب" أي يسرع في مشيته. و" خبيب" اسم رجل (2). و" الخبيبان" عبد الله بن الزبير و ابنه.

(خرب)

قوله تعالى: يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَ أَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ [59/ 2] قرى‌ء مخففا و مشددا لفشو الفعل أو للمبالغة، يقال:" خرب المنزل فهو خرب". و" دار خربة" بكسر الراء، و هي التي باد أهلها. و الخراب: ضد العمارة. و" الخرب" بفتح الخاء و الراء المهملة و الباء الموحدة: ذكر الحبارى، و الجمع خراب و أخراب- قاله في حياة الحيوان. و" الخروب" بالضم و التشديد: نبت معروف، و" الخرنوب" بالنون لغة فيه.

(خشب)

قوله تعالى: خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ [63/ 4] بضمتين و تسكن شينه، جمع" خشب" و هو وصف للمنافقين،

كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَجُلًا جَسِيماً فصيحا صبيحا وَ قَوْمٌ مِنْ الْمُنَافِقِينَ فِي مِثْلَ صِفَتُهُ، وَ كَانُوا يَحْضُرُونِ مَجْلِسٍ رَسُولُ اللَّهِ (ص) فيستندون فِيهِ، فشبههم اللَّهِ فِي عَدَمِ الِانْتِفَاعُ

____________

(1). انظر تفصيل ترجمته في سفينة البحار ج 1 ص 372.

(2). هو خبيب بن عديّ بن مالك الأوسيّ، صحابي شهد بدرا مع رسول اللّه (ص) بعثه النّبيّ لتعليم القرآن و الشّرائع فغدر به و أسر و بيع بمكّة، فبقي أسيرا إلى أن أجمعوا على قتله فصلب حيّا، فبعث النّبيّ الزّبير و المقداد إلى مكّة ليأتيا بجثته، فذهبا و سرقا الجثة و لكن قريشا لحقت بهما فطرحا جثّة خبيب فابتلعتها الأرض فسمّي لذلك" بليع الأرض". سفينة البحار ج 1 ص 372.

50

بحضورهم وَ إِنْ كَانَتْ هياكلهم معجبة وَ أَلْسِنَتِهِمْ ذليقة بِالْخَشَبِ المستندة إِلَى الْحَائِطِ وَ الْأَصْنَامُ الْمَنْحُوتَةِ مِنْ الْخَشَبِ.

وَ فِي الْحَدِيثَ

" ذُو

خَشَبٍ

" هُوَ بضمتين وَادٍ عَنْ الْمَدِينَةِ مَسِيرَةِ يَوْمٍ.

و‌

فِي الْحَدِيثَ

هُوَ وَادٍ عَلَى ثَمَانِيَةَ فَرَاسِخَ أَرْبَعَةُ وَ عِشْرُونَ مِيلًا، وَ فِي الْمَغْرِبِ هُوَ جَبَلٍ نفج.

و‌

فِي الْخَبَرِ

" لَا تَزُولَ مَكَّةَ حَتَّى يَزُولُ

أخشباها

"

هما جبلا مكة أبو قبيس و نور، سميا بذلك لصلابتهما. و" الأخشب" الحبل الخشن الغليظ و منه يقال" رجل أخشب" إذا كان صلب العظام عاري اللحم.

(خصب)

فِي الْحَدِيثِ

:" لَا يُخْصِبُ خِوَانٌ لَا مِلْحٌ فِيهِ"

الخصب بالكسر كحمل: النماء و البركة، و هو خلاف جدب، يقال:" أخصب المكان فهو مخصب"، و في لغة خصب يخصب من باب تعب فهو خصيب، و عليه يحمل‌

الْحَدِيثَ

" وَ

أَخْصَبَ

اللَّهِ الْمَوْضِعِ"

إذا زاد عشبه و كلأه. و المرعى الخصب كثير العشب، و منه‌

الْحَدِيثَ

:" إِذَا سَافَرْتُمْ بِأَرْضِ الْخِصْبِ" بِكِسْرٍ الخاء" فَكَذَا".

(خضب)

فِي الْحَدِيثَ

" رَأَيْتَ أَبَا جَعْفَرٍ (ع)

يَخْتَضِبُ

بِالْحِنَّاءِ"

(1)

الخضاب المراد خضب شعر اللحية، أما خضب اليد للرجال فلم نظفر بما يدل على استحبابه، و قد مر البحث في ذلك متسوفى في" حنا". و خضب يخضب من باب ضرب. و الخضب: القاني الشديد الحمرة. و كف خضيب أي مخضوب. و" المخضبة" بالكسر: شبه المركن، و هي الإجابة التي يغسل فيها الثياب، و‌

مِنْهُ

" أَجْلِسُونِي فِي مخضب فَاغْسِلُونِي".

و خضب دمعة الحصى: أي بلها، من طريق الاستعارة و المبالغة في البكاء‌

(خطب)

قوله تعالى: وَ آتَيْنٰاهُ الْحِكْمَةَ

____________

(1). مكارم الأخلاق ص 89.

51

وَ فَصْلَ الْخِطٰابِ [38/ 20] الخطاب هو توجه الكلام نحو الغير للإفهام، و قد ينقل إلى الكلام الموجه. و" فصل الخطاب" هو الفصل بين اثنين.

وَ عَنِ الرِّضَا (ع) قَالَ: قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (ع)

: أُوتِينَا

فَصْلَ الْخِطٰابِ

، فَهَلْ فَصَلِّ الْخَطَّابِ إِلَّا مَعْرِفَةِ اللُّغَاتِ؟".

قوله: لٰا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطٰاباً [78/ 37] الضمير في" لٰا يَمْلِكُونَ" لأهل السماوات و الأرض، أي لا يملكون أن يسألوا إلا فيما أذن لهم فيه، كقوله: وَ لٰا يَشْفَعُونَ إِلّٰا لِمَنِ ارْتَضىٰ و لٰا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلّٰا بِإِذْنِهِ. قوله: فَمٰا خَطْبُكُمْ* [15/ 57] أي فما شأنكم الذي بعثتم له، و مثله و مٰا خَطْبُكُمٰا [28/ 23] و خَطْبُكُنَّ [12/ 51]. و الخطب: الأمر الذي يقع فيه المخاطبة و الشأن و الحال.

وَ فِي الْحَدِيثَ

:" خَطِيبٍ وَفْدُ الْمُؤْمِنِينَ"

خطيب القوم: كبيرهم الذي يخاطب السلطان و يكلمه في حوائجهم، و الوفد المراد به الجماعة. و الخطب و المخاطبة و التخاطب: المراجعة في الكلام، و منه الخطبة ضما و كسرا، لكن الخطبة بالضم تختص بالموعظة و الكلام المخطوب به، و لذا يعدى بنفسه فيقال:" خطبنا رسول الله (ص)" أي وعظنا، و بالكسر خطبة النساء، و هي من الرجل و الاختطاب من المرأة، يقال:" خطب المرأة إلى القوم" إذا تكلم أن يتزوج منهم، فهو خاطب. و خطاب مبالغة. و" الخطبة" بالضم فعلة بمعنى مفعول كنسخة بمعنى منسوخ و غرفة من ماء بمعنى مغروف، و الجمع خطب. و خطب بالضم خطابة بالفتح: صار خطيبا، و كان يقال لشعيب" خطيب الأنبياء" لحسن مراجعته قومه، و كانوا أهل بخس للمكيال و الميزان.

وَ فِي الْحَدِيثَ

:" خَطَبَنَا ذَاتَ يَوْمَ"

ضمن (ع) خطبنا معنى وعظنا، فعداه‌

52

تعديته. و" الأخطب" لازم بمعنى النطق بالخطبة، و اليوم الذي أبهمه (ع) في قوله" ذات يوم" قد بينه في بعض الروايات أنه كان آخر جمعة من شعبان. و" هذا خطب يسير" أي أمر يسير، و الجمع" خطوب". و" هذا خطب جليل" أي أمر عظيم. و جل الخطب: عظم الأمر و الشأن. و" الخطابية" طائفة منسوبة إلى الخطاب محمد بن وهب الأسدي الأجدع (1) و كانوا يدينون بشهادة الزور على من خالفهم و خادعتهم لمخالفتهم له في العقيدة إذا حلف على صدق دعواه.

وَ فِي الْحَدِيثَ

:" سَأَلَهُ رَجُلٍ: أُؤَخِّرُ الْمَغْرِبَ حَتَّى تَشْتَبِكَ النُّجُومُ؟ فَقَالَ: خَطَّابِيَّةٌ"

(2)

أي سنة سنها أبو الخطاب محمد بن المقلاص المكنى بأبي زينب. و أم الخطاب: كانت أمة للزبير بن عبد المطلب فسطى بها نفيل فأحبلها.

(خلب)

فِي حَدِيثٍ وَصْفِ الْمُؤْمِنِ

:" لَيْسَ تَبَاعُدُهُ تَكَبُّراً وَ لَا عَظَمَةً وَ لَا دُنُوُّهُ خَدِيعَةً وَ لَا

خِلَابَةً

"

هي بكسر الخاء و خفة اللام: الخديعة باللسان بالقول اللطيف، يقال" خلبه يخلبه" من باب قتل و ضرب: خدعه، و الاسم" الخلابة" بالكسر، و الفاعل" خلوب" كرسول: كثير الخداع، و الخلبة كغرفة: الليفة، و‌

مِنْهُ

" كَانَ لَهُ (ص) وِسَادَةً حَشْوُهَا خُلَّبٍ"

.

____________

(1). رئيس الخطابية هو محمد بن مقلاص أبي زينب الأسدي الكوفي الأجدع الزراد المذكور فيما بعد، و كنيته أبو الخطاب أو أبو إسماعيل أو أبو الظبيان، و كتب التراجم مملوءة بلعنه و البراءة منه، قتله عيسى بن موسى صاحب المنصور بسبخة الكوفة هكذا مذكور في كتب الرجال و التراجم- راجع فرق الشيعة ص 42 و رجال الكشي ص 246- 260.

(2). رجال الكشي ص 247 و فيه" حتى تستبين النجوم" و مثله في الاستبصار ج 1 ص 292.