الأزهر في ألف عام‏ - ج2

- د. محمد عبد المنعم الخفاجي المزيد...
432 /
5

[الجزء الثانى‏]

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

إن للعلم أزهرا يتسامى‏* * * كسماء ما طاولتها سماء

حين وافاه ذو البناء، و لو لا* * * منّة اللّه ما أقيم البناء

رب إن الهدى هداك و آيا* * * بك نور تهدى به من تشاء

مذ تناهى أرخت باب علوم‏* * * و فخار به يجاب الدعاء

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

[ادامه باب الثالث‏]

[تتمه فصل الثانى تراجم لبعض شيوخ الازهر]

الأزهر للشاعر عزيز أباظة

منبر في ثرى الكنانة قدسي‏* * * تتمنى لو قد حوته الثريا

ما ارتقى الانبياء أعرق منه‏* * * شرفا سامقا و عتقا سنيا

إنه الأزهر الشريف أجد (1) اللّه‏* * * في صحنه السنا العربيا

و اجتباه مجاهدا خاشى اللّه‏* * * مقيما حدوده مخشيا

درجت حوله القرون فلم‏* * * تعرفه تحت الأحداث إلا جريا

سل طواغيت كل عصر بمصر* * * كيف هابوا المعمم الأزهريا

آنسوا فيه مغاوير عمرو (2)* * * شبها واضح السمات جليا

____________

(1) جدد

(2) عمرو بن العاص‏

8

عزة عفة و أنفا حميا* * * و إباء على الهنات عصيا

فإذا ما دعاه للحق داع‏* * * لم يبت ناكلا و لا قعديا (1)

في حمى الأزهر الرحيب و في‏* * * افنائه الحانيات عشنا مليا

يوم هبت تذود عن عرضها* * * مصر كمى منها يبارى كميا

و المنايا من حولهم حاشدات‏* * * يتخطفن رائحات غديا (2)

نبذ الأزهر المتون و ألقى‏* * * بالحواشي و انقض ليثا عتيا

سل أبناؤه إلى النصر عزما* * * حيدريا (3) و صارما خالديا (4)

يا أبا الجامعات في الشرق و الغرب‏* * * و يا شيخها الوقور الفتيا

كم بنيت الأفذاذ فكرا و علما* * * عبقري منهم يلي عبقريا

الأشداء في يقين و دين‏* * * و الارقاء في السجود البكيا

النواوى و المراغى و العدوى‏* * * و الرازقي و البشريا (5)

____________

(1) القاعدة عن الخروج للانتصار لرأي يراه حقا و وصف بها بعض الخوارج.

(2) السريع‏

(3) علي بن أبي طالب‏

(4) خالد بن الوليد* من قصيدة مطولة ألقيت في رثاء الشيخ محمد علي النجار عضو مجمع اللغة بقاعة الشيخ محمد عبده بالأزهر.

(5) الشيخ حسونة النواوي و الشيخ محمد مصطفى المراغى و الشيخ مصطفى عبد الرازق و الشيخ سليم البشري.

9

و البحيري من محلة نصر* * * مالى‏ء العصر كابن رشد دويا (1)

مصلحا مخضعا فتاواه للفكر* * * و حبرا مجددا سلفيا

يتحرى النقلى في العلم بالبحث‏* * * و يغزو بعقله العقليا

صفوة من بنيك عزت بهم مصر* * * و كادت علوا تشق السميا (2)

لست أحصى و لا أخصص بل‏* * * أجنيت من زحمة الحلى حليا

من رسول الأزهريين شيخا* * * و فتيا و دانيا و قصيا

أدركوا الصدع قبل أن يصبح‏* * * الصدع على الرائبين صعبا عصيا

و شباب يستمرئون ذليل العجز* * * وردا رنقا و مرعى و بيا

ركبوا الجهل و السهولة و الوشك‏ (3)* * * و ليست للراشدين مطيا

أرسلوا الشعر طمطمات فلا غربي‏* * * نسج سدوا (4) و لا شرقيا

و انتحوه كأنما هو ثأر حين‏* * * رضوا وزنا و هضوا رويا

مذهب من مذهب السوء يطوي‏* * * بجلال الفصحى العداء الضريا

____________

(1) الشيخ الإمام محمد عبده و ابن رشد الفيلسوف الفقيه الطبيب الأندلسي.

(2) جمع سماء

(3) الوشك: السرعة

(4) سدى الثوب أقام سداه و هو ما مد من خيوط.

10

يتعدى بهدمها فض شمل العرب‏* * * فضا كما نثرت العصيا

يتعدى بهدمها أن يبيت‏* * * الدين لا راعيا و لا مرعيا

و استباحوا كرامة الحق و الفن‏* * * دعى منهم يمالي دعيا

هاتكا حرمة المعايير و الأخطار* * * حتى عدوا الفصاحة عيا

فغدا الذم عندهم أن يقولوا* * * شاعر يؤثر البيان السريا

أو يقولوا أسف و اعتاقه العجز* * * فجارى الشريف و البحتريا

أو يقولوا عن كاتب ما له هان‏* * * فأمسى أسلوبه جاحظيا

أنه الزيع فاضربوا حوله الايمان سدا يوأد دنيا شقيا* * * لا و من أنزل القرآن على المبعوث الحق مرسلا و نبيا

لن تضام الفصحى و فينا كتاب اللّه يتلى صبيحة و عشيا وعد اللّه أن يصون حماها* * * إنه كان وعده مقضيا

11

الباب الرابع أعلام من الأزهر في العصر الحديث‏

12

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

13

الشيخ محمّد عبده و أثره في الإصلاح الديني 1266 ه- 1905 م‏

ولد الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده، في إحدى قرى مديرية البحيرة. و في مكتب القرية حفظ القرآن و تعلم القراءة و الكتابة، ثم انتقل إلى الجامع الأحمدي في طنطا، فإلى الجامع الأزهر بالقاهرة، لتلقي العلم، على أن طرق التدريس التي كانت متبعة حينذاك في الأزهر لم ترقه. حتى إذا جاء السيد جمال الدين الأفغاني إلى مصر، اختلط به، و أخذ عنه كثيرا من مبادى‏ء الفلسفة و المنطق، و تدرب على الكتابة في الصحف السياسية.

فلما نفي السيد الأفغاني بعد ذلك من البلاد، كان مما قال لمريديه: «قد تركت لكم الشيخ محمد عبده، و كفى به لمصر عالما».

و عمل الأستاذ الإمام مدرسا في المدارس الأميرية، و محررا في «الوقائع المصرية». و تولى الكتابة في بعض دواوين الحكومة. حتى قامت ثورة العرابيين فاتهم بممالأتهم و نفي من مصر، فأقام بسوريا ست سنين ألقى خلالها كثيرا من الدروس. ثم نزح إلى باريس حيث أصدر مع السيد جمال الدين جريدة «العروة الوثقى». و بعد العفو عنه و عودته إلى مصر عين مستشارا في محكمة الاستئناف الأهلية، و عضوا في مجلس إدارة الأزهر، ثم أسند إليه منصب مفتي الديار المصرية.

و يعد الشيخ محمد عبده حامل لواء الإصلاح الديني في العالم‏

14

الإسلامي في العصر الحديث، فقد قضى حياته في تنقية الدين من الشوائب التي طرأت عليه، و تقريب المسلمين من أهل التمدن الحديث ليفيدوا من ثمار مدنيتهم، و كذلك اشتهر بصراحته في فتاواه الدينية، و تفسيره القرآن بما يطابق أحكام العقل، و يحل الإسلام من قيود التقليد، و قد طالما هاج عليه جماعة الجامدين و أنصار بقاء القديم على قدمه، و لكنه لم يعبأ بهم، و مضى في سبيله قدما لتحقيق برنامجه الإصلاحي العظيم.

تولى الأستاذ الإمام منصب القضاء فعين في 7 يونية 1888 نائب قاض بمحكمة بنها، ثم رقي قاضيا من الدرجة الثانية بمحكمة المنصورة، فقاضيا من الدرجة الأولى بمحكمة مصر من 7 يناير 1892، و في 21 نوفمبر 1895 رقي نائب مستشار بمحكمة الاستئناف،- و لم يكن يوجد غيرها- و ظل بها إلى أن وقع عليه الاختيار مفتيا للديار المصرية في 5 يونية 1899.

كان الأستاذ الامام قاضيا بمحكمة عابدين- و كانت أهم محاكم العاصمة في ذلك الحين- فاطمأن الكافة إلى قضائه، و قال فيه ذوو الرأي من أهل عصره: «إنهم لا يذكرون إن كرسي القضاء في تلك المحكمة قد ازدان بمثله و أن الوقار و الهيبة و الجلال كانت تفيض في أفقها» و قال فيه أحد شيوخ المحامين رحمة اللّه عليه: «كان محمد عبده يصدر الحكم و يشفعه أو يسبقه بدروس و مواعظ يلقيها على المحكوم عليه أمام الجمهور إلقاء يشعر الجماهير و المحكوم على نفسه أنهم في حضرة أب و مصلح كبير.

و ترجع صلة محمد عبده بجمال الدين الأفغاني (1254 ه- 1839 م- 1314 ه- 9 مارس 1897 م)- إلى شهر المحرم عام 1288 ه- 22 مارس 1871 م، حين نزل جمال الدين مصر، و كان يعرفها من قبل قليلا، و لكنه في هذه المرة اندمج في حياتها الأدبية و الاجتماعية، و تردد على دار إبراهيم بك المويلحي، و كانت قائمة في حارة الأمير حسين بشارع محمد علي، و هي في ذلك الوقت ندوة المفكرين و العظماء و القادة، فلما

15

أجرى عليه رياض باشا رزقا شهريا قدره عشرة جنيهات مقابل بقائه في مصر و لو لم يؤد عملا، استأجر منزلا في حارة اليهود، و يقول الشيخ محمد عبده:

إن طلاب العلم عرفوا الأفغاني عند ذلك و «اهتدوا إليه و استوروا زنده فأوري، و استفاضوا بحره ففاض درّا، و حملوه على تدريس الكتب فقرأ من الكتب العالية في فنون الكلام الأعلى و الحكمة النظرية طبيعة و عقلية، و في علم الهيئة الفلكية و علم التصوف و علم أصول الفقه الإسلامي، و كانت مدرسته بيته من أول ما ابتدأ إلى آخر ما اختتم».

و في هذه المرة بقي جمال الدين في القاهرة فترة أطول، و هي الفترة التي كون فيها مدرسته و بث فيها رسالته، و اتصل بتلميذه و صفيه الشيخ محمد عبده.

بقي الشيخ جمال الدين يدرس و يدعو دعوته الإصلاحية، و يشارك في كل أمر ذي خطر من حياة مصر في ذلك العهد أكثر من ثماني سنين حتى نفي الشيخ من مصر ف سنة 1296 ه إلى الهند مرة اخرى.

و يقول الشيخ الباقوري:

إن أحدا لا يستطيع إلا أن يرى في الأستاذ الإمام قائدا زعيما يحرص أشد الحرص على إيقاظ الرأي العام و تنبيهه من غفوته بشتى الأساليب و مختلف الوسائل، حتى يكون له أن يميز ما للحاكم من حق الطاعة على الشعب و ما للشعب من حق العدل على الحاكم، لأن الحاكم بشر يصيب و يخطى‏ء.

و يقظة الرأي العام من طريق الصحافة النزيهة و التربية الاجتماعية السليمة و إعداد القادة المستنيرين الغيارى على صالح الأمة، هي الوسيلة القادرة بالقدرة على تقصي الحقائق و درس المسائل درسا وافيا و إبداء الرأي في أمانة و إخلاص.

و لئن كان الأستاذ الإمام قد سلك في بيروت عاصمة لبنان الشقيق مسلكا قرب فيه بين مختلف المذاهب و الأفكار و الطوائف، فإن عمله في‏

16

مصر بعد أن عاد من المنفى لم يكن أقل قدرا من عمله في لبنان، فقد عمل على دعم الوحدة الوطنية في لبنان، و كان كثير من شيوخ الأمة في ذلك الوقت على مثل رأيه السياسي كسعد زغلول، و حسن عاصم، و محمود سليمان و غيرهم من رجال حزب الأمة، و لكنه هو جم من هذه الناحية أكثر مما هو جم أصدقاؤه الذين كانوا على مثل رأيه، لأن الخديو عباس كان يؤلب عليه أكثر مما يؤلب عليهم، ثم لأن الناس اعتادوا أن يروا علماء الدين بعيدا عن السياسة.

لقد كان الشيخ محمد عبده- بما وهبه اللّه من غزارة علم و بعد نظر و قوة نفس و رحابة صدر- شيئا كبيرا لا يقدره حق قدره إلا أولئك الذين يتخلصون من كبرياء الغرور، و تسلط النزوات فيحكمون عليه بأنه إن لم يكن أفضل زعيم حكيم فإنه في الصدارة من حكماء الزعماء الذين تحتاج إليهم الأمم إبان نهضتها و على طول تاريخها، بحيث تخسر الإنسانية كثيرا بالتجهم لهم و التهجم عليهم في حياتهم و بعد مماتهم.

و ليس يخفى ما كان الشيخ قد لقي من العنت و دناءة الخصومة و عقوق قومه له و جحود فضله عليهم، فكانت حربهم له من جهات متعددة، فالخديوي عباس يتخذ السيد توفيق البكري و غيره وسيلة للإفساد بينه و بين رجال الأزهر و تحريض أعضاء مجلس الإدارة على الاستقالة حتى يحل محلهم من يكرهون الشيخ لكي يقفوا في سبيله. و كثير من شيوخ الأزهر يخاصمونه لانه كان لا يكف عن الدعوة إلى تحرير الأفكار من قيود التقليد حتى يكون للمفكرين أن يفهموا الدين على طريق سلف الأمة قبل ظهور الخلافات المذهبية.

و لا ريب في أنه أيقظ الشعور الديني و أشعر المسلمين بأن عليهم أن يهبوا من رقدتهم لإصلاح نفوسهم و إكمال نقصهم غير معتمدين على الفخر

17

بماضي أسلافهم، بل ساعين إلى أن يبنوا من جديد لحاضرهم و مستقبلهم في حياتهم كما بنى أسلافهم.

فهو أبدا داع إلى أن العقل يجب أن يحكم كما يحكم الدين، فالدين عرف بالعقل و لا بد من اجتهاد يعتمد على الدين و على العقل معا حتى يستطيع المسلمون أن يواجهوا الاوضاع الجديدة في المدينة الجديدة مقتبسين منها ما يفيد و ينفع، و إذا كان المسلمون لا يستطيعون ان يعيشوا في عزلة فلا بد لهم من أن يتسلحوا بما يتسلح به غيرهم، و اكبر سلاح في الدنيا هو العلم. و اكبر عمدة في الأخلاق، هو الدين و من حسن حظ المسلمين إن دينهم يشرح للعلم صدره حاضا عليه غير ضائق بالأخلاق الفاضلة التي تدعو إليها المدنية الحاضرة.

ان الشيخ- مع هيبته وحدته- كان طيب القلب سليم الصدر وفيا لأصدقائه لطيف الحديث سمح النفس ينصف الناس في الحق حتى من نفسه.

و من أعجب ما يعجب له الذين يحبون أن يعرفوه على حقيقته أن يطلب إلى فاضل من فضلاء علماء المسلمين النيل منه حتى يتخذ من ذلك ذريعة إلى تعيينه شيخا لعلماء مدينة الاسكندرية فتتهيأ بذلك له السبيل إلى إصلاح الأزهر من مدينة الاسكندرية و قد عجز عن ذلك الإصلاح في مدينة القاهرة و ذلك- على ما يروى السيد رشيد رضا- أن الإمام أشار على الأستاذ الشيخ محمد شاكر قاضي قضاة السودان أن يظهر السخط عليه لاستمالة الخديو تمهيدا لتعيينه شيخا لعلماء مدينة الإسكندرية، إذ كان من المعروف لدى الخديو أن الشيخ محمد شاكر هو من حزب الشيخ محمد عبده و من رجاله و أنه هو الذي اختاره للسودان و سعى لجعله قاضي القضاة فيه، و بهذه الحيلة من الرجلين الكبيرين محمد عبده و محمد شاكر لطف اللّه بعباده العلماء و أراد ألا يبقى حالة الإسكندرية على ما كانت عليه من الخلف و تعطيل الأعمال فتقرر انتخاب الشيخ شاكر شيخا لعلماء الإسكندرية و صدر الأمر العالي بذلك في 26 إبريل سنة 1904.

18

و لا يجهل الناس أن هذه منقبة للأستاذ الإمام تذكر في تاريخه كما تذكر كبار المناقب لكبار المصلحين‏ (1).

و يقول الشيخ مصطفى عبد الرازق: لم يكن الإمام أول من أحدث في الأزهر حركة تجديد، فإن حركة التجديد الأولى ترجع إلى عهد قبل ذلك، و من مظاهر هذه الحركة اختيار شيوخ الأزهر من الأذكياء ذوي الوجاهة و حسن السياسة من غير مراعاة لما كانت تجري به التقاليد في هذا الباب، فإن الشيخ مصطفى العروسي الذي ولي مشيخة الأزهر من سنة 1281 ه إلى 1287 ه- 1864 م- 1869 م و الشيخ محمد العباسي المهدي الذي اختير على أثره شيخا للأزهر سنة 1287 ه 1870 م لم يكونا من أسن شيوخ عصرهما، و لا من أوفرهم شهرة بالتدريس و العلم.

و قد أبطل الشيخ العروسي كثيرا من البدع الدينية و أقال جماعة ممن يدرسون في الأزهر بلا استحقاق و عزم على عمل امتحان لمن يريد التدريس ففاجأه العزل من منصبه، و جاء من بعده الشيخ المهدي فوضع سنة 1288 ه- 1871 م أول قانون للأزهر يحصر مواد الدروس و يبين طريقة الامتحان، و في عهده عني بإصلاح الأزهر ليصل بذلك إلى إصلاح المحاكم الشرعية .. فالغرض من هذا الإصلاح كان تخريج قضاة المحاكم الشرعية تخريجا نظاميا تتم به المشاكلة مع صورة التخريج لقضاة المحاكم المدنية.

و هذا الاتجاه في إصلاح الأزهر هو بعينه ما أعرب عنه الخديوي عباس في خطبته بقصر عابدين في حفلة الإنعام بالخلعة على الشيخ عبد الرحمن الشربيني شيخ الأزهر سنة 1323 ه- 1905 م و هي الخطبة التي استقال على أثرها الشيخ محمد عبده و صديقه الشيخ عبد الكريم سلمان من مجلس إدارة الأزهر. قال الأمير- على ما جاء في الجزء الأول من تاريخ الأستاذ الإمام-:

إن كل ما يهم الحكومة من الأزهر شيئان: الأول استتباب الأمن فيه و هو ما

____________

(1) الاخبار 27- 7- 1973.

19

أوصى به دائما، و الثاني تخريج القضاة الشرعيين‏ (1) .. و يوشك أن يكون كل تغيير في الأزهر توجهه الحكومات قائما على مثل هذا الأساس. أما الشيخ محمد عبده فقد أراد بنهضة الأزهر غاية هي الجديرة بأن تسمى إصلاحا.

كان الشيخ محمد عبده يرى أن إصلاح الأمة لا يكون إلا بإصلاح عقولها و قلوبها بالعلم الصحيح و الدين الصحيح و السبيل إلى ذلك إحداث نهضة دينية و علمية معا، و الأزهر هو أخصب مكان لهذه النهضة فإن الحياة إذا انبعثت فيه سرت مسرعة في جسم الأمة و في الشرق الإسلامي كله، و قد اتصل الشيخ محمد عبده بالخديوي عباس الثاني و أوحى إليه أن ينهض لإصلاح الأزهر نهضة قوية تحيي الشرق الإسلامي لأن الأزهر قبلة المسلمين في أقطار الشرق المختلفة و أقنعه بأن ذلك يرفع شأن مصر في الشرق كله و يجمعه حول الشعب المصري و يخلد له في المصلحين ذكرا.

و استمع عباس لنصح الناصح فتوجه بكل عزمه لإصلاح الأزهر على مبادى‏ء الشيخ محمد عبده، و في 7 رجب سنة 1312 ه- 1895 م صدر أمر عال بتشكيل مجلس إدارة للأزهر من أعضائه اثنان من موظفي الحكومة هما الشيخ محمد عبده و الشيخ عبد الكريم سلمان.

و أخذ مجلس الإدارة في وضع ما لا بد منه من نظم تقر العدل و تمحو ما كان سائدا من الفوضى، و تبعث على الجد في تحصيل العلم النافع و ترشد الى أساليب الدرس القويمة. كل ذلك في غير مساس بحرية التعليم، و بلا إسراف في العناية بالأشكال و الصور. و يقول الشيخ عبد الكريم سلمان في كتاب أعمال مجلس إدارة الأزهر عند الكلام على مشروع نظام التدريس و الامتحان الذي وضعه المجلس: «و في كل باب من هذه أحكام فسيحة تتوجه كلها إلى مقصد واحد هو تحصيل جواهر العلوم الدينية في زمن‏

____________

(1) من كتاب تاريخ الإمام محمد عبده للشيخ رشيد رضا، حديث طويل عن المحاكم الشرعية (608- 629/ 1 تاريخ الإمام)، و للامام رأي في الحاجة الى المحاكم الشرعية (608- 611/ 1)، و كذلك لرشيد رضا رأيه في ذلك 611- 617/ 1.

20

محدود بطريقة سهلة التناول و التحلي بثمرة تلك العلوم و هي محاسن الاخلاق و الأعمال».

و كتاب الشيخ عبد الكريم سجل مفصل لأعمال مجلس الإدارة يهدي القارى‏ء الى الفرق بين وجهة الإصلاح في عهد الشيخ عبده التي كانت ترمي إلى احداث نهضة علمية دينية يكون الأزهر حامل لوائها، و بين الإتجاهات الأخرى.

و من حضر بعض عهد الإمام في الأزهر شهد ذلك المعهد العتيق يبعث من مرقده حيا يضطرم بالشباب و الأمل و رأى نهضة صحيحة في الدراسات الأدبية و دراسة العلوم العقلية و علوم الدين و العلوم الحديثة ..

نهضة تحتفظ بأحسن ما في معارف الأزهر و تقاليده التعليمية و تقتبس خير ما في النظم و المعارف الحديثة و أخذ الشيخ محمد عبده يبث في العقول مذاهبه و آراءه في كتبه و رسائله، و في دروسه و محاضراته التي كانت تجتذب بطرافتها و سمو أفكارها و خلابة بيانها كل الطبقات المثقفة من أزهريين و غير أزهريين. و جملة مذهبه الديني أن الاسلام دين بساطة و يسر يلائم الفطرة و يوافق العقل، و أنه قد جاء بعقائد سليمة لا تعلو على متناول الفكر الانساني و جاء بأصول للفضيلة و الخير تغري بالصالحات و توفر للإنسان حريته و كرامته و تبعثه للنشاط و الكمال في كل نواحي الحياة.

«فهل رأيت تسامحا مع الفلاسفة و الحكماء أوسع من هذا؟ و هل يليق بالحكيم أن يكون من الحمق بحيث يقول قولا لا يحتمل الإيمان من وجه واحد من مائة وجه؟».

كانت العقول المتعطشة الى الحرية تتهافت على هذا الداعي إلى حرية العقول، و تثور على قيودها و أغلالها، لكن أكثر العقول قد ألفت سجنها و اطمأنت إليه، فهي تنزعج لهذه الصيحة الجديدة و تدفعها بكلتا اليدين. و أصبح الأزهر ميدانا لصراع محتوم بين مذهب الشيخ محمد عبده‏

21

و مذهب الشيوخ الجامدين، و كان هذا الصراع نفسه آية حياة و انتعاش و تنبه فكري.

و أنشأ الشيخ عبده في بضع سنين جيلا طموحا للفهم المستقل، عزوفا عن التقليد يشعر بالكرامة الإنسانية، و يلتمس المثل العليا في الحياة الدنيا و في الآخرة. و كان ذكر الشيخ عبده يطير في الآفاق مقرونا بذكر النهضة الإصلاحية التي استرعت الأنظار، و قد تحركت نوازع الحقد و الحسد في أنفس لا ترضى عن الشيخ و لا عن دعوته، فكادوا له من كل سبيل، حتى اضطر إلى الاستقالة من منصبه في الأزهر في مارس سنة 1905 م- المحرم سنة 1323 ه.

و توفي الشيخ في الحادي عشر من يوليو عام 1905- 7 جمادى الأولى 1323 ه بعد جهاد طويل في سبيل إصلاح الأزهر، و في سبيل الاصلاح الديني و الإسلامي في كل وطن عربي و لا سيما في مصر قلب الإسلام الخافق.

بين جمال الدين و محمد عبده‏

(1)

كان الأفغاني و محمد عبده أعظم مصلحين ظهرا في القرن التاسع عشر الميلادي، حملا رسالة الإصلاح الديني و الفكري و كونا مدرسة أدبية و سياسية كان لها أعظم الأثر في تاريخ الشرق الإسلامي.

و عن هذه المدرسة انبعثت روح التحرر و الرغبة في التقدم و نضال الاستعمار في جميع البلاد الشرقية و العربية.

و ترجع صلة محمد عبده بجمال الدين الأفغاني إلى أول المحرم عام 1270 ه، حيث كان الأفغاني في زيارة قصيرة للقاهرة في طريقه إلى الآستانة منفيا بيد الإنجليز من الهند، و كان محمد عبده إذ ذاك طالبا بالأزهر.

22

و تردد محمد عبده على بيت جمال الدين، و تتلمذ عليه و على مائدة علمه و فضله؛ و بعد أيام قصيرة سافر جمال الدين إلى الآستانة، و ودعه محمد عبده و داعا حارا، و في الآستانة نال جمال الدين تقديرا كبيرا، و عين عضوا في مجلس المعارف هناك، و لكنه شعر بالدسائس و الوشايات تحاك من حوله فعاد إلى القاهرة مرة أخرى في أول المحرم 1288 م، فعاد محمد عبده إلى التلمذة عليه و الإفادة من ثقافته.

و عرف محمد عبده من أستاذه جمال الدين أن الاستعمار الغربي و بال على الإسلام و المسلمين، و أنه يجب محاربة الديكتاتورية الملكية، و الفساد السياسي؛ و عن طريقه علم أن الأدب يجب أن يكون في خدمة الشعب و تحريره، و أنه يجب أن يتحرر من قيود الصناعة اللفظية، و أن المعنى لا اللفظ هو سر كل بلاغة، و تعود الكتابة الدينية و الوطنية في الصحف و المجلات، و بدأ يهتم بمطالعة مصادر الثقافة الإسلامية و الأدبية، و يطالع الكتب المترجمة، و يسعى مع إخوانه من تلامذة جمال الدين في إصلاح الأزهر الشريف و في الإلحاح في طلب الحكم النيابي و الديمقراطية السياسية.

و ظفر محمد عبده بشهادة العالمية عام 1294 ه 1877 م و أصبح مدرسا بالأزهر و دار العلوم و مدرسة الألسن، و بدأ يكون جيلا جديدا من تلامذته، ينفخ فيهم روح أستاذه جمال الدين.

(2)

و في الخامس و العشرين من يونيو عام 1879 م عزل إسماعيل و تولى مكانه ابنه توفيق، و قد بدأ حكمه بنفي جمال الدين من مصر، و إقالة محمد عبده من وظائفه العلمية، و تحديد إقامته في قريته «محلة نصر»، و ذلك في الرابع و العشرين من أغسطس عام 1879 م- أواسط رمضان عام 1296 ه، خوفا من النهضة الوطنية التي يتزعمانها، و يدعوان إليها، و قبل‏

23

أن يغادر الأفغاني أرض مصر قال: «إني تركت في أرض مصر الشيخ محمد عبده يتم ما بدأت به».

و بعد شهور عفا توفيق عن محمد عبده، و أسند إليه رياض باشا التحرير في الوقائع، فاختار معه سعد زغلول و جماعة من زملائه من تلامذة جمال الدين؛ و كون محمد عبده عن طريق الوقائع مدرسة صحفية نزيهة غايتها خدمة الشعب، و تحريره فكريا و قوميا من قيود الاستعباد و الاستبداد و الرجعية و الجهل و الجمود و التأخر.

و قامت الثورة العرابية، و كان محمد عبده من أبرز زعمائها، و كان جمال الدين آنذاك في الهند، فاعتقلته بريطانيا حتى لا يتصل بزعماء الثورة، و انتهت الحركة العرابية بالفشل و الاحتلال البريطاني لمصر، و قبض على محمد عبده و سجن و حوكم، و حكم عليه بالنفي ثلاث سنوات، فاختار سوريا منفى له. و أفرجت بريطانيا عن جمال الدين. و سافر من الهند إلى لندن فباريس. و هناك استدعي جمال الدين محمد عبده من بيروت ليقيم معه في عاصمة فرنسا.

3

و في باريس أخذ الإمامان يجاهدان من أجل الشرق الإسلامي و تحرره، و يعملان ليعود للإسلام مجده و ألفا جمعية «العروة الوثقى» عام 1884 م، ثم أصدرا صحيفة باسم «العروة الوثقى» للجهاد في سبيل الشرق و الإسلام. و خلق الوعي السياسي المستنير في الشعوب الإسلامية «و مناهضة الحكم الديكتاتوري» و العمل على إحياء الأخوة الإسلامية، و على قيام حكم ديمقراطي شورى بين الناس.

و صدر العدد الأول من العروة الوثقى في 5 جمادى الأولى 1301 ه- 13 مارس 1884 م، و كله حرب على الاستعمار الغربي في بلاد المسلمين، و دعوة إلى حكومة إسلامية موحدة أو حكومات إسلامية

24

متآخية متحدة المناهج و الأهداف و الأفكار يرتبط بعضها ببعض بروابط الود و الإخاء وحب السلام.

و في يوليو عام 1884 م أوفد جمال الدين الأستاذ الإمام محمد عبده إلى لندن لمفاوضة السادة الإنجليز في القضية المصرية، و دعوة إنجلترا إلى الجلاء عن مصر، و ترك السودان للسودان، و أدى محمد عبده مهمته خير أداء، و أعلن في عزم و قوة أن مصر ستحارب الإستعمار الإنجليزي بكل ما أوتيت من قوة.

و عاد الإمام إلى باريس ليشهد توقف مجلة العروة الوثقى التي حاربها الاستعمار و الانجليز حربا لا هوادة فيها، و ذلك بعد العدد الثامن عشر الصادر في 26 من ذي الحجة عام 1301 ه- 16 أكتوبر عام 1884 م.

و عاد جمال الدين فأوفد الإمام إلى السودان لتغذية الثورة المهدية و الإفادة منها في تحرير مصر من الاحتلال، فسافر محمد عبده سرا إلى تونس و منها إلى مصر، و أراد السفر إلى السودان و لكنه فوجى‏ء بوفاة المهدي في الحادي و العشرين من يونيو عام 1885، و تسليم التعايشي، فسافر سرا إلى بيروت و أقام فيها، و بقي أستاذه جمال الدين في باريس، و أخذ كل منهما يجاهد في سبيل منهجه الإصلاحي المرسوم.

و في بيروت ألف محمد عبده جمعية التأليف و التقريب هو و صديقه تلميذ جمال الدين «ميرزا محمد باقر» للدعوة إلى الإسلام في جميع أنحاء العالم؛ و تعريف الغرب بحقائق الإسلام و التعاون على إزالة اضطهاد أوروبا للشرق أو المسلمين.

و كان قيام هذه الجمعية تطبيقا رائعا لأفكار جمال الدين و نزعاته و تعاليمه.

4

و في أواخر عام 1888 م عاد محمد عبده إلى وطنه بعد أن ظل في المنفى ست سنوات «و أخذ يكون مدرسة فكرية متحررة لتثقيف الشعب‏

25

و تربيته و تحريره من الجهل و الخوف و الجمود، و إعداده لحياة ديمقراطية صالحة، و كان من تلاميذه سعد زغلول و المنفلوطي و لطفي السيد و الهلباوي و مصطفى عبد الرازق و الأحمدي الظواهري و محمد مصطفى المراغي و الزنكلوني و رشيد رضا و سواهم.

و عاد جمال الدين إلى الآستانة يقيم فيها في ظلال السلطان عبد الحميد، و أخذت دعوة جمال و محمد عبده إلى التحرر الفكري و الإصلاح الديني تنتشر في صفوف الشباب في مصر و العالمين العربي و الإسلامي انتشارا كبيرا.

و سعى محمد عبده في إصلاح الأزهر و المحاكم الشرعية و القضاء و المساجد و الإفتاء ذائع معروف، و ساح محمد عبده في الأقطار الإسلامية فقام برحلات إلى تونس و الجزائر و الشام و الآستانة و أوروبا و السودان، و هو أينما نزل، و حيثما رحل، ينشر رسالته، و يدعو إلى الإصلاح و التجديد.

و مات جمال الدين في الآستانة في صباح الثلاثاء الخامس من شوال عام 1314 ه- التاسع من مارس عام 1897 م و دفن فيها، و بعد سنوات ثمان مات محمد عبده في الثامن من جمادى الأولى عام 1323 ه- 21 يوليو عام 1905، و ذهب الإمامان إلى ربهما راضيين مرضيين بعد أن أديا رسالتيهما على خير الوجوه، و جاهدا في سبيل الإسلام و المسلمين جهاد الأبطال و أسهما في خلق الوعي السياسي و تأجيج الشعور الوطني، و إحياء العزة القومية في نفوس المسلمين عامة.

و كان نضال الإمامين و كفاحهما مضرب الأمثال، لأنه كان نضالا صادقا خالصا لوجه اللّه و الإسلام.

مات الإمامان و لكن تلاميذهما كانوا هم محور النهضة السياسية و الوطنية في تاريخ العالمين العربي و الإسلامي بعد وفاتهما، و ظلت مبادى‏ء جمال الدين الأفغاني و الإمام محمد عبده حية في النفوس مشتعلة في القلوب، مسجلة في أنصع صفحات التاريخ الحديث.

26

إن هذين الإمامين الجليلين و الحكيمين الرائدين، و العبقريين المصلحين، لهما سبب كل تقدم أحرزناه خلال الخمسين سنة الماضية، و من أفكارهما و آرائهما و دعوتهما انبعثت شعلة الثورة و التحرر و الإصلاح في كل مكان ..

سعد زغلول في الأزهر

جاور سعد في الأزهر عام 1875 و هو في سن الخامسة عشرة و حضر الأزهر يصحبه شقيقه الشناوي سعد زغلول الذي تولى أمره بعد وفاة أبيه، و أوصى به طالبين يكبرانه سنا و هما: الشيخ حسن البليهي و الشيخ محمد أبو رأس الذي وصل فيما بعد إلى شيخ معهد دسوق، و توطدت الصلة بينه و بين الهلباوي الأزهري الذي كان يسبقه في الدراسة و كان يسكن معه في منزل واحد في غرفة أمام غرفته. حضر سعد دروس محمد عبده و بواسطته اتصل بجمال الدين الأفغاني، و قضى سعد في الأزهر خمس سنوات نبغ فيها، ثم عين محررا بالوقائع سنة 1880 م.

و يقول زميله الهلباوي عنه: اشتهر سعد بين زملائه طلبة الأزهر باليسر و سعة اليد. فقد كانت عائلته أكبر العائلات في الريف المصري و من أعظمها جاها و سلطانا في موطنها. و قد كان سعد هو الطالب الوحيد الذي يلبس الجبة و القفطان في (شلتنا)، فكنا نفتخر به و بجبته و قفطانه و نتباهى بملبسه أمام الطلبة الآخرين .. و لا عجب في ذلك فقد كنت أنا مثلا ألبس (الزعبوط) الذي لازمني طول مدة دراستي حتى تخرجت في الأزهر فتوظفت و أنا ألبس (الزعبوط) ..

و كان سعد يعير دروسه الاهتمام الأول، و لم يكن له دراية بشئون المنزل- شأن طلبة الأزهر- فأهمل مأكله و ملبسه رغم النقود و الملابس لديه، و لاحظ ذلك شقيقه الشناوي أفندي فخصص له زميلين من زملائه عهد إليهما في إعداد طعامه و قضاء لوازمه. و كان يعطيهما أجرا خاصا نظير هذه المهمة، فإذا تصادف يوما أن شغلهما شاغل عن القيام بخدمته حار

27

سعد و أسقط في يده .. فكنت أتطوع لخدمته شفقة و عطفا عليه، إذ كان قاصرا صغير السن.

و قد يعرف أن المغفور له سعد زغلول درس في الأزهر، و لكن كثيرين منا لا يعرفون إلى أي مدى وصل في دراسته، و لا كيف تلقى علومه و دروسه.

لقد زامل سعد زغلول في الأزهر فرقة كان في طليعتها، و لم يبق من زملائه في هذه الفرقة على قيد الحياة إلا فضيلة الشيخ عبد المعطي الشرشيمي العضو السابق في جماعة كبار العلماء، و هو العضو الوحيد الذي استقال من الجماعة منذ انشائها إلى الآن، لأن جماعة كبار العلماء لم يكن من قبل يشترط فيها مدة قانونية يحال بعدها العضو إلى المعاش.

و قد تلقى سعد و عبد المعطى و زملاؤهما الفقه على مذهب الإمام الشافعي في أوائل حياتهم الدراسية في زاوية العدوى بالقرب من الجامع الأزهر، ثم انتقلوا إلى الجامع الأزهر لاستيفاء دراستهم فيه.

و قد أوغل سعد في علوم الأزهر و دراساته، و ضرب فيها بسهم وافر، و لم يبق بينه و بين أداء امتحان الشهادة العالمية إلا أن يتقدم لهذا الامتحان.

و لكنه لم يتقدم لهذا الامتحان مكتفيا بما أحرز من ثقافة و ما حصل من علوم، و انصرف إلى التحرير في الوقائع المصرية مع أستاذه الإمام محمد عبده ثم إلى ميدان المحاماة بعد ذلك، و عكف سعد على دراسة اللغة الفرنسية و هو في سن متقدمة و حصل على إجازة الحقوق.

و قد كانت دراسة سعد في الأزهر خير معوان له في حياته، خصوصا بعد اتصاله بالإمام محمد عبده، و توجيهه وجهة أخرى تختلف في ذلك الوقت عما درج عليه الأزهريون في حياتهم الدراسية.

و قد بلغ من شغف الطالب سعد زغلول بعلوم الأزهر أن ألف كتابا في‏

28

الفقه، قدره أساتذة الأزهر و أثنوا على كفايته و صفاء ذهنه، و قد طبع هذا الكتاب و نشر و نفد بعد طبعه.

و كان المغفور له الشيخ المراغى شيخ الأزهر الأسبق يحتفظ في مكتبه بنسخة منه.

و ذات يوم كان لطفي السيد باشا يزور صديقه المرحوم الشيخ المراغى في داره بحلوان، و جرى الحديث في شئون العلم و الفلسفة على دأبهما في ذلك.

و تناول الحديث الزعماء و العلم فقال لطفي باشا: إن بين الزعماء السياسيين نوابغ لو تفرغوا بعض الوقت للتأليف و الانتاج لأفادوا فائدة عظيمة.

و هنا ابتسم المرحوم الشيخ المراغى و قال لصديقه: هل تعلم أن المرحوم سعد زغلول باشا ألف كتابا في الفقه؟

و شغف لطفي بالاطلاع على هذا الكتاب، فقام الشيخ المراغى إلى مكتبته و جاء بهذا الكتاب إلى لطفي باشا الذي تناوله كما يتناول المنهوم الطعام، و قلب صفحاته و قلب الكتاب و هو يقول: عجيبة.

و أزاح لطفي باشا غلاف الكتاب و قرأ اسمه، و قد كتب الناشر تحت عنوان الكتاب ما يلي: ألفه الفقير إلى اللّه تعالى الشيخ سعد زغلول الشافعي المذهب من طلاب الأزهر الشريف.

ثم قضى لطفي باشا و صديقه الشيخ المراغى بعض الوقت في دراسة فصول الكتاب، و في ذكريات طريفة عن صديقهما المغفور له الشيخ سعد زغلول باشا.

و لسعد في الأزهر ذكريات كثيرة شهد بعضها المنزل رقم 20 في درب الأتراك بحي الأزهر المتداعي للسقوط اليوم.

و في الدور الأرضي من هذا المنزل وقف سعد زغلول يترافع ذات‏

29

ليلة .. و لعلها كانت المرافعة الأولى في حياته، و من أجل غرامة قدرها مليمان! و قد تحمس في دفاعه؛ و حمى وطيس المناقشة بينه و بين ممثل الاتهام إبراهيم الهلباوي، فلم تنته الجلسة إلا في الخامسة صباحا! أما المرافعة فهي أن سعد زغلول كان خامس خمسة يسكنون غرفة واحدة، و يطلبون العلم في الأزهر، و كانوا يضيئون غرفتهم بقنديل يشعل بالزيت و يكلفهم طول الشهر عشرة مليمات، يدفع كل منهم نصيبه فيها. و لكن إبراهيم الهلباوي رأى أن يضايق (سعدا) من باب المداعبة فحرض بقية المشايخ ضده متهما إياه بأنه أكثرهم انتفاعا بالقنديل، لأنه أكثرهم قراءة بالليل و لذا حق عليه أن يدفع أربعة مليمات!

و في آخر الشهر فوجى‏ء سعد بالثورة ضده و مطالبته بالغرامة، و ظن الهلباوي أنه ربح المداعبة، و لكن سعد المحاور المداور، شرع يدافع عن نفسه، و ضرب لهم مثلا غاية في الطرافة إذ قال: لو أن رجلا علق على باب بيته فانوسا ليضي‏ء له، فانتفعت بهذا الضوء غازلة أو ناسجة و هي في منزلها، و زاد انتاجها، فهل يعني هذا أن للرجل الحق في مقاسمتها انتاجها الذي زاد؟ كلا بالطبع! و هكذا حالكم معي فقنديلكم مشعل طول الليل، قرأت عليه أم لم أقرأ ... و ليس لكم أن تطالبوني بأكثر مما يدفعه أي واحد منكم!.

و أفحم الجميع. ثم جاءت القوانين الحديثة فأيدت مبدأه بحق الارتفاق و هو حق قانوني معروف!.

و في حارة (القرد) المتفرعة من شارع (المقريزي) خلف الأزهر منزل متهدم تنام تحت أنقاضه قصة طريفة من قصص سعد زغلول و الهلباوي و ثالث (من بلدياتهم) كان اسمه الشيخ (بسطاويسي) لم يقدر له من الشهرة و المجد ما قدر لزميله، فقد كان الفرسان الثلاثة، يسكنون غرفة أجرتها ستة قروش و لكنهم عجزوا في شهر ما لأزمة طارئة عن سدادها ... و فشلت كل المفاوضات التي حالوا أن يقنعوا بها صاحبة المنزل لتأخير الدفع، فأنذرتهم‏

30

بأنها سوف تلقي في الصباح بكل متاعهم و كتبهم في عرض الحارة الضيقة!. و اجتمع الفرسان تحت القنديل للتداول و خطرت لسعد زغلول فكرة بسطها عليهم، فصفقوا لها ثم ناموا دون تفكير في كارثة الصباح!.

و دخلت صاحبة المنزل في الصباح تهدد و تتوعد و مدت يدها تنفذ وعيدها و لكنها لم تلبث أن هدأت ثورتها و خفت حدتها و اغرورقت عيناها بالدموع. لقد كان (الشيخ بسطاويسي) يتأوه من الحمى في فراشه ...

و كانت صاحبة البيت لا تطيق أن ترى غريبا مريضا، فقد توفي لها ابن في بلاد الغربة!.

و نجحت الحيلة، لكنها كانت بالنسبة للشيخ (بسطاويسي) مقلبا ...

فقد أصرت المرأة على أن تعالجه بنفسها، و راحت تسقيه ألوانا من الوصفات البلدية، كالحنظل المنقوع و الخل و غيره!

و بعد أيام وصلتهم النقود و حاول (بسطاويسي) أن يغادر الفراش و لكن الفراش رفض أن يتركه فقد مرض بالحمى فعلا!

و قد ظل (الشيخ بسطاويسي) يتندر بهذه القصة حتى توفي سنة 1945!.

و يتلخص تاريخ سعد زغلول الأزهري فيما يلي:

ولد سنة 1859، و في 5 أكتوبر سنة 1880 عين الشيخ سعد زغلول الطالب بالأزهر الشريف محررا بقلم الوقائع المصرية بمرتب قدره 800 قرش في الشهر (و هو حسن السير و السلوك بمقتضى شهادة للمرحوم الشيخ محمد عبده).

و في أول فبراير سنة 1882 منح 133 قرشا علاوة شهرية فصار راتبه الشهري 933 قرشا.

و في 3 مايو سنة 1882 صدر الأمر بنقل سعد زغلول إلى وظيفة

31

معاون بنظارة الداخلية، و منح 567 قرشا علاوة لابلاغ ماهيته (15) جنيها في الشهر اعتبارا من 26 إبريل سنة 1882.

و في 6 سبتمبر سنة 1882 فصل سعد زغلول من وظيفة التحرير بالوقائع المصرية لأنه عين ناظرا لقلم القضايا بمديرية الجيزة ابتداء من 7 سبتمبر سنة 1882.

و في 27 يوليو سنة 1892 عين نائب قاض بمحكمة استئناف مصر الأهلية براتب قدره 45 جنيها في الشهر.

و في أول فبراير سنة 1894 صدر الأمر بمنحه 15 جنيها علاوة شهرية لإبلاغ ماهيته 6 جنيهات.

و في أول يناير سنة 1897 منح خمسة جنيهات علاوة شهرية.

و في 8 ابريل 1899 أنعم عليه برتبة (المتمايز).

و في 12 يونيو سنة 1904 أنعم عليه بالنيشان المجيدي الثالث.

و في أول يناير سنة 1906 عدلت درجته و جعل راتبه 1000 جنيه في السنة.

و في 28 أكتوبر سنة 1906 عين سعد زغلول (بك) المستشار بمحكمة الاستئناف الأهلية ناظرا للمعارف العمومية بدلا من حسين فخري باشا.

و في 12 نوفمبر سنة 1906 أنعم عليه برتبة (الميرمران) الرفيعة.

و في 18 يناير سنة 1908 أنعم على سعد زغلول باشا وزير المعارف العمومية بالنيشان المجيدي الأول.

و في 23 فبراير سنة 1910 عين سعد زغلول باشا ناظرا للحقانية.

و في 27 يناير سنة 1924 عين رئيسا لمجلس الوزراء و أنعم عليه برتبة الرياسة الجليلة.

32

و في 23 مارس سنة 1925 انتخب رئيسا لمجلس النواب.

و في 10 يونيو سنة 1926 عين رئيسا لمجلس النواب للمرة الثانية.

و في 23 أغسطس سنة 1927 توفي إلى رحمة اللّه.

أزهريون نابهون‏

و من الذين حضروا في الأزهر أو تتلمذوا على شيوخه، من الجيل الماضي:

الشيخ زين المرصفي الشافعي توفي عام 1200 ه و كان من علماء الأزهر و تولى منصب كبير المفتشين بوزارة المعارف (86- 87 أعيان القرن 13 لأحمد تيمور).

الشيخ مصطفى السفطي الأزهري عين في وظائف التدريس بالمعارف و توفي عام 1327 ه (98- 102 المرجع).

أحمد تيمور باشا (1288- 1871- 1348 ه- 1930)، و كان عالما حجة بحاثة في شتى العلوم. و من أساتذته الطويل و الشنقيطي و سواهم‏ (1).

الشيخ أحمد مفتاح (1274- 1329 ه)

طلب العلم بالأزهر، ثم التحق بدار العلوم و عين مدرسا فيها. و مرت عليه أحداث كثيرة (2).

و من علماء الأزهر الشيخ محمد البسيوني البيباني، و قد اختير إماما للمعية، ثم مدرسا للغة العربية بمدرسة الإدارة- الحقوق- و قد كان أستاذ شوقي في اللغة و الأدب، و توفي في 13 ربيع الآخر 1310 ه 3 نوفمبر

____________

(1) 157- 163 تراجم أعيان القرن 13 لأحمد تيمور.

(2) 145- 154 أعيان القرن 13 لأحمد تيمور.

33

1892، و له كتاب «حسن الصنيع في المعاني و البيان و البديع، و كان من تلاميذه كذلك أحمد زكي (باشا).

و منهم الشيخ حسين المرصفي المتوفى سنة 1307 ه- 1889 م و هو أستاذ البارودي في الأدب و الشعر و اللغة، و كذلك تتلمذ عليه عبد اللّه فكري باشا ... و أشهر مؤلفاته «الوسيلة الأدبية للعلوم العربية، و قد طبع في جزءين و شهرته ذائعة، و له كتاب «الكلمات الثماني»، و كتاب «دليل المسترشد في الإنشاء».

و من الذين درسوا في الأزهر الشيخ على الليثي شاعر إسماعيل المتوفى 1313 ه- 1896 م، و كان مولده في بولاق مصر سنة 1236 ه، و تعلم بالأزهر.

و من الذين درسوا في الأزهر كذلك المرحوم مصطفى لطفي المنفلوطي الأديب الكبير (1876- 1924) صاحب الكتب المشهورة الذائعة بين الأدباء و المتأدبين و من أشهرها: النظرات، العبرات، الشاعر، ماجدولين، الانتقام، في سبيل التاج، الفضيلة.

و منهم كذلك عميد المحاماة إبراهيم الهلباوي، و كان من أشهر الخطباء في العصر الحديث، و توفي عام 1359 ه- 1940 م.

و منهم الشيخ عبد العزيز البشرى نجل الشيخ البشرى شيخ الأزهر السالف، و كان أدبيا كاتبا ناقدا متذوقا، و له كتاب «المرآة»، و مختارات البشرى و غيرهما، و كان من أعلام القضاء الشرعي. و توفي نحو عام 1940.

و من الأزهريين في النشأة العلمية ممن يعاصروننا أو كانوا يعاصروننا إلى عهد قريب: الدكتور طه حسين، و أحمد أمين، و زكي مبارك، و عبد الوهاب عزام، و الشيخ محمد أبو زهرة، و أحمد حسن الزيات، و الدكتور أمين الخولي، و الشيخ عبد الوهاب خلاف، و الشيخ مصطفى خفاجي، و سواهم من الشخصيات المعاصرة المعروفة في مصر و العالم الإسلامي.

34

الشيخ محمد رشيد رضا

في 23 جمادى الأولى 1354 ه- 22 أغسطس عام 1935 م توفي الشيخ محمد رشيد رضا (1)، و كان الشيخ قد تجرد (رحمه اللّه) لخدمة الإسلام، و وقف له كل ما وهبه اللّه من علم و قوة و صبر و مثابرة، و ليس يؤسف الناس من وفاته خفوت صوت من أرفع الأصوات في الدفاع عن الإسلام فحسب، و لكن من خلو مكان رفيع كان يشغله أيضا بين العاملين على تطهير عقول المسلمين من البدع التي اعتبرها عامتهم من الدين و ليست منه في شي‏ء.

نعم إن ثورة المرحوم السيد رشيد على البدع لا يوجد لها نظير إلا في أفراد من السلف الصالح، فقد صمد لها صمودا أشفق عليه منه حتى الذين كانوا يشاطرونه رأيه من العارفين، و لكنهم لم يؤتوا الشجاعة التي أوتيها، فباتوا يتوقعون له الشر المستطير، و قد لقي منه ما لو لقيه سواه لصده عن السبيل، و لكنه ثبت للمعارضين، و استبسل في الكفاح أيما استبسال، حتى استطاع بفضل إخلاصه و صبره أن يحدث في الصفوف المتراصة حياله ثغرة اقتحمها على مناوئيه و في أثره جمهور غفير ممن كانوا لا يجرءون على مواجهتهم مجتمعين، فأصبحنا و للسنة الصحيحة أنصار مجاهرون، و حيال البدع خصوم مجاهدون.

فلو لم يكن لفقيد العلم السيد رشيد غير هذا الموقف لخلد ذكره في تاريخ المسلمين، فما ظنك به و قد أسقط دولة التقليد، تلك الدولة التي قضت على المسلمين بأن ينقسموا شطرين شطرا جمدوا على ما هم عليه من التقاليد المنافية لروح الدين، و قوما مرقوا من الإسلام و اتخذوا لهم طريقا غير طريق المؤمنين، فلو كان دام سلطان التقليد لقضي على كل مفكر أن يفني في حزب المقلدين، و هي كارثة جدير بكل من يعرف حقيقة الإسلام ان يذوب قلبه أسفا منها.

____________

(1) في مقتطف عدد أكتوبر عام 1935 كلمة عن رشيد رضا بقلم الشيخ محمد شاكر.

35

فكان السيد رشيد البطل المعلم في هذا الموطن الشريف، تلقي فيه بصدره كل ما يتلقاه المصلحون من الجامدين، و كان لجهاده أثر بعيد في تبصير المسلمين بسماحة دينهم، و ببقاء باب الاجتهاد فيه مفتوحا إلى يوم يبعثون.

و كان تلميذ الأستاذ محمد عبده، و حامل لواء الإصلاح الديني من بعده، و لا بدع فإن أربعين سنة قضاها الفقيد الكريم في تحرير المنار يفسر كتاب اللّه على طريقة الإمام و يبسط أحاديث الرسول على نهج السلف، و يحرر الفتاوى في المسائل الدينية المختلفة، و يقطع ألسنة المبشرين و الملحدين بالأدلة النواهض، و يجلو عن الشريعة ظلام الشبه بالعقل المنير، و يزيد في ثروة الأدب الإسلامي بالمصنفات القيمة، حرية أن تحله من قلوب المؤمنين موضع التجلة، و تبوئه من صفحات التاريخ مكان الأئمة.

ولد الفقيد في قرية (القلمون) إحدى قرى لبنان القريبة من طرابلس، فتلقى العلم طفلا و يافعا في هذه المدينة، ثم هاجر إلى مصر، فدخل الأزهر و اتصل بالإمام محمد عبده اتصالا وثيقا، فأشار عليه أن يصدر (المنار) فكانت سجلا لآراء الأستاذ الاجتهادية في حياته، و استمرارا لدعوته الإصلاحية بعد مماته. ثم أسهم في النهضة العربية و اتصل بجمعياتها السرية في أطوارها المختلفة من سنة 1908 إلى قيام الحرب الكبرى. فلما أعلنت الهدنة عاد إلى سورية فانتخب رئيسا للمؤتمر السوري الذي نادى بالأمير فيصل ملكا، ثم ظل في خدمة هذه الدولة العربية الجديدة حتى ثل عرشها الفرنسيون سنة 1920، فارتد إلى القاهرة يحرر المنار و يعالج التأليف، فأصدر طائفة من الكتب القيمة أشهرها تكملة تفسير الإمام على هديه و وحيه، ثم الجزء الأول من تاريخ الإمام و كان قد أصدر منه جزءه الثاني فيما قاله، و الثالث فيما قيل فيه، ثم كتابه «الوحي المحمدي».

و كان علما من أعلام الدين و العلم، و تلميذ محمد عبده الوفي،

36

و الرجل الذي قضى حياته في خدمة الاسلام و تراثه إلى أن توفي في 22 أغسطس 1935- 23 جمادى الأولى عام 1354 ه.

مات فبكته مصر و العروبة و الإسلام و الشرق، و أقيمت بجمعية الشبان المسلمين حفلة تأبين له في أبريل 1936، خطب فيها جمهور من العلماء و الأدباء.

و قال فيه العالم العلامة الشيخ علي سرور الزنكلوني في حفلة تأبينه:

كان لصاحب المنار منذ عرفته مصر وجود قوي، و شخصية بارزة، امتد صوتها إلى الأقطار العربية و الأقطار الشرقية، بل كان لهذا الصوت أثر في بعض الأمم التي ليست شرقية و لا إسلامية، لأن الأبحاث التي تعرض لها صاحب المنار و أن اتصلت بالشرق و بالإسلام اتصالا قويا، فانها متصلة بالغرب أيضا، لأن عيون الغرب لا تنام عن المسلمين و لا عن الشرقيين.

اشتغل صاحب المنار طوال حياته بقضية الاسلام و قضية العرب، و بما يتصل بالاسلام من أمر الخلافة، و ما يتصل بالعرب من هجمات الاستعمار، و لم تحرم مصر من نزعاته السياسية في ظروفها المختلفة، فكان بهذا كله لمصر، و للشرق و للاسلام و المسلمين.

و ليس في وسعي أن أوفي صاحب المنار حقه في مثل هذا الموقف، و لكني أردت ان أساهم مع المساهمين، وفاء لحق الصداقة، و تقديرا لتلك الشخصية النادرة.

عرفت المغفور له صاحب المنار منذ ابتداء الأستاذ الإمام- (رضوان اللّه عليه)- دروسه في الأزهر، و لم يكن صاحب المنار في ذلك العهد يدهشنا وجوده العلمي، لأن طلاب الشيخ جميعا كانوا يغترفون من بحر واحد، و إن تفاوتت مراتب جهودهم و استعدادهم. و لم يكن لصاحب المنار ميزة في ذلك الوقت سوى أنه كان يكتب ما يلقنه أستاذنا علينا، و قد كان مثل هذا العمل في نظر الأزهريين عملا عاديا لا أثرا لموهبة خاصة، و لا لنبوغ ممتاز، تآخينا

37

و تآخى معنا السيد رشيد بحكم صلة الدرس العامة، و بقدرها، و كان هذا لا يمنع بعضنا من توجيه النفس إلى السيد رشيد، توجيها خاصا كلما ظهر السيد رشيد بمواهب ممتازة، قد يطول الحديث عنها، حتى هوجم الأستاذ الإمام في آرائه الدينية و الاصلاحية، مهاجمة عنيفة، من كل القوى التي توفرت لها عوامل الكيد و الاستبداد، و إذا بالسيد رشيد يبرز في وجوده القوي لمناصرة الحق، و الوقوف في وجه هذه الجيوش الحاشدة، فأخذ السيد رشيد يواجه خصوم الشيخ بقلمه و لسانه، و ينشر في مجلة المنار آراء أستاذه و اتجاهاته، و كان يتلقاه من دروس شيخه، و ما كان يعلق عليها بعبارات من عنده تدل على كمال الفهم و استقلال الفكر، و كذلك كان أمر السيد رشيد في كل ما كان يكتب من مقالات، و ما يدون من أبحاث! لأن أسلوب الأستاذ الإمام خلق ممتاز، و سيبقى ممتازا. مات الأستاذ الإمام، و للسيد رشيد في نفوس إخوان الشيخ و ابنائه منزلة سامية، و مع سمو هذه المنزلة لم يخطر ببال أحد أن السيد رشيد سيرث الشيخ فيما كان يدعو إليه، و أنه سيرتفع صوته في بلاد الإسلام النائية؛ و لكن أبى اللّه سبحانه إلا أن يسير السيد رشيد بخطى واسعة الى الامام، و قدر اللّه لصوته و هو على منبر منارة ان يدوي في بلاد الاسلام و الشرق، و لم يصب جهاده في سبيل العلم و الدين بعد وفاة شيخه مع كثر المخاطر شي‏ء من الوهن و الفتور، و لا جرم ان هذه الميزة هبة الهية لا تمنح الا للقليل من أفذاذ الرجال، لأن حياة الأستاذ الإمام كانت قوية في مصر و في غير مصر. لهذا كان بقاء صاحب المنار أكثر من ثلاثين عاما بعد وفاة شيخه في وجوده القوي، يصد عادية جيوش الباطل التي لم تفتر و لم تنم، دليلا ملموسا على أنه من الأفذاذ الذين بخل التاريخ بالكثير من أمثالهم، و لعل أكبر شاهد على ذلك ان مهمة السيد رشيد العلمية لم يستطع إلى الآن أن يقوم بها فرد او جماعة على كثرة العلماء و الكاتبين. ان لصاحب المنار- رحمة اللّه عليه- من حياته العلمية آثارا كثيرة، و جوانب قوية لا أستطيع أن أوفيها حقها. و قد أردت أن تكون كلمتي فيه الآن مقصورة على علمه بالقرآن و بأسرار القرآن، لأن صلتي به‏

38

لم تتأكد إلا من درس التفسير على الأستاذ الإمام، و لأن آثاره في تفسير القرآن هي أقوى الآثار و أظهرها في الإقناع و الإلزام، و لأن مفسر القرآن إذا أخلص و صدق! استحق الثناء الخالد، لأنه بصدقه و إخلاصه يشرف عقله على الوجود، و على ما وراء الوجود، و قد تحقق ذلك للسيد رشيد رحمة اللّه عليه، فالقرآن كتاب الوجود، و كتاب ما وراء الوجود، و كل من جهله، و اتجه إلى غيره مهما كان قويا في نظر نفسه، و في نظر أمثاله، فحياته غير صادقة، و سعادته لا ضمان لها، و لا استقرار، بل المسلمون إذا أخلصوا للقرآن فهما و عملا، و عرضوا جواهره السماوية على عقول البشر، فقد ملكوا كل شي‏ء، لأن العقول من مادة السماء، و مادة السماء إذا تركزت في الأرض محال أن يطغى عليها شهوات النفس الترابية، و الانسان إذا أهمل فهم القرآن و التبصر فيه، و قد أحاط بما في الأرض علما، فليس من اللّه و لا من الوجود الحق في شي‏ء، فحصر العقل في جزء صغير من الوجود يستخدمه في حياته المادية لا يصور الحقيقة، و لا يحقق معنى الحياة و السعادة إذ الحياة الانسانية مسبوقة بوجود لانهائي و بعدها وجود لانهائي، و من حق العقل ان يفكر طويلا في ذلك لوجود اللانهائي، و هذا لا يتم إلا بفهم القرآن. و من أجل ذلك يقول اللّه تعالى: يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَ هُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ‏ و يقول: وَ إِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ. إن لأهل القرآن و أنصاره مرتبتين. المرتبة الأولى- هي فهم معانيه الصحيحة و امتزاجها بالعقل و الروح و النفس، فيشع منها النور و القوة بحيث يعملان عملهما في الوجود بقدر الطاقة البشرية، و هذه هي مرتبة النبي (صلى اللّه عليه و سلّم)، و مرتبة الصديقين من أصحابه و أمته إلى يوم الدين.

و المرتبة الثانية هي فهم معانيه فهما صحيحا، و امتزاجها بالعقل، و بالنفس في أغلب أحوالها، و هذه هي مرتبة كبار العلماء و الصالحين مع ما في كل من المرتبتين من المنازل المتفاوتة بتفاوت الاستعداد، و صفاء الجوهر. و اني أو من إيمانا قويا بأن السيد رشيد قد تمت له المرتبة الثانية في أرقى منازلها، و أرجو أن يكون له نصيب من المرتبة الأولى. و إذا علمتم‏

39

أن القرآن هو كلام اللّه، و أنه كتاب الوجود. تعلمون مقدار ما بذلته و تبذله العقول في استخراج جواهره منذ أنزل إلى اليوم، و لا يتم للعقل استقصاء كل ما فيه و تحديده بالدقة ما دام الوجود قائما، و لكن العقل يأخذ منه ما استكمل به وجوده، و طمأنينته في الدنيا و الآخرة على قدر فهمه. و من هنا تعددت آراء المفسرين لاختلاف وجوه النظر، و لذلك كان تفسير القرآن في أكثر العصور فن علم و جدل، مع أن التفسير يجب ان يكون زبدا مستخلصا بالمقاييس العلمية الصحيحة المستمدة من الفن و البحث، كما أن التفسير الذي لا يعتمد على مقاييس العلم و العقل، لا يسمى على الحقيقة تفسيرا للقرآن الكريم. و يجب أن يدخل في مقاييس العلم ما يستظهره العقل من أسرار الوجود بالدلائل القاطعة، و ليس من التفسير مظاهر الحياة التي تعتمد على نزعات النفس في إنسانيتها الضعيفة المضطربة. و هذا هو ما وفق إليه الراحل الكريم في تفسيره للقرآن، و في علاجه للأبحاث الدينية، فقلما كان يتعرض السيد رشيد لبحث ما يتصل بالقرآن اتصالا جوهريا إلا بقدر ما تمس له الحاجة. و كثيرا ما كان يتعرض لأقوال المفسرين، و ما يستدلون به و لكنه لم يترك القرآن في المكان الذي تتجاذبه فيه الآراء كما فعل أكثر المفسرين، بل كان في تفسيره يستخلص القرآن للعقل مؤيدا باللغة و بالشواهد و الأدلة من ظواهر الوجود. و أول من فتح هذا الطريق و عبده الأستاذ الإمام رضي اللّه عنه، و قد سار فيه تلميذه صاحب الذكرى شوطا بعيدا انتهى فيه إلى آخر سورة يوسف عليه الصلاة و السلام، و قد فسر من القرآن على هذا المنوال الحكيم اثني عشر جزءا، و هي أصعب أجزاء القرآن فهما و استنباطا، و كان آخر آية فسرها من سورة يوسف و مات على أثر تفسيره لها قوله تعالى: رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ‏ وَ عَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ‏ فاطِرَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ‏ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَ أَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ.

و قال في رثائه الشاعر الحاج محمد الهراوي:

أي صرح هوى و حصن حصين‏* * * و لواء طوته أيدي المنون‏

40

و كتاب في الرشد يهدي إلى‏* * * الرشد و سيف مهند مسنون‏

مات رب المنار و الأمر للّه‏* * * و ما مات غير داع أمين‏

عاش للّه مخلصا في جهاد* * * نصف قرن مبارك في القرون‏

و مضى باليراع يدعو الى الحق‏* * * و بالقلب و اللسان المبين‏

لا يطيق السكون في جرح الد* * * ين و يمضي يرج اهل السكون‏

لم يدع راحة له أي حين‏* * * و هو في حاجة لها كل حين‏

طاح بالقلب حين أودى به الجه* * * د و جهد الغيور نار أتون‏

فقد العلم منه أي كتاب‏* * * فقد الدين منه أي معين‏

شعر الناس باحتياج اليه‏* * * بعد ان لم يروا له من قرين‏

عز عن صاحب المنار حمى الش* * * ام و عز الأحباب في «قلمون»

بلدة في ذرى طرابلس قرت‏* * * من طرابلس غرة في الحبين‏

بلدة انجبت الى الشرق قوما* * * هم نجوى الهدي و أسد العرين‏

غاب عنها منارها فتوارت‏* * * من جوى الحزن بالسحاب الجون‏

بعثتني جماعة الفضل في مصر

41

رسول القريض في التأبين‏* * * بعثتني لأندب العلم و الدين‏

و أبكيهما بدمع سخين‏* * * بعثتني و ساقها حسن ظن‏

في ضعيف ينوء تحت الظنون‏* * * و لعمري لو لم تكن بعثتني‏

لرأتني بالدمع غير ضنين‏* * * فلقد كان بي حقيقا و كانت‏

بيننا عروة الود المتين‏* * * عقدت بيننا المودة قربي‏

زاد توثيقها توالى السنين‏* * * شيبتني مواقف الحزن تترى‏

و رثاء الخدن أثر الخدين‏* * * و وقوفي على الربوع الخوالي‏

و بكائي المكان بعد المكين‏* * * و التياعي على أيامي تخلت‏

عن حماها يد الكفيل المعين‏* * * و يتامى تذوق في العيش بؤسا

بعد خفض من الزمان و لين‏* * * برح الحزن و الجوى بفؤادي‏

قرح الدمع و البكا من جفوني‏* * * من مجيري من بعدها و مقيلي‏

من وقوفي بطرف باك حزين؟* * * يا غريب الديار لم تفقد الأهل‏

فما مصر غير ام حنون‏* * * جئتها عالما و طالب علم‏

42

فتلقتك في الحشى و العيون‏* * * يا ربيب الامام في مجلس العلم‏

و في موطن الهدى و اليقين‏* * * كنت أو في بنيه حفظا لذكراه‏

و أبقى على الوفاء المصون‏

الشيخ محمد شاكر 1282 ه- 1866 م- 1358 ه- 1939 م‏

تعلم الشيخ محمد شاكر بن أحمد بن عبد القادر في الأزهر، و كان من أسرة ابي علياء من أشراف الصعيد. و ولد بمدينة «جرجا» في منتصف شوال من سنة 1282 ه- مارس سنة 1866، (1) و قد تخرج من الأزهر. و في منتصف رجب سنة 1307 ه- 4 من مارس سنة 1890 عين أمينا للفتوى مع مفتي الديار المصرية أستاذه الشيخ محمد العباسي المهدي. و في السابع من شعبان سنة 1311 ه- 13 من فبراير سنة 1894 ولي منصب نائب محكمة مديرية القليوبية، ثم عين في منصب قاضي قضاة السودان في 10 من ذي القعدة سنة 1317 ه- 11 من مارس سنة 1900، ثم عاد شيخا لمعهد اسكندرية في أبريل 1904، و في أواخر سنة 1324 ه ندب للقيام بأعباء مشيخة الأزهر نيابة عن الشيخ عبد الرحمن الشربيني شيخ الأزهر إذ ذاك، فجمع بين ذلك و بين مشيخة المعهد الاسكندري، حتى كان التاسع من ربيع الاخر سنة 1327 ه- 29 من أبريل سنة 1909 م، حيث صدر أمر بتعيينه وكيلا للجامع الأزهر، و في عهد وكالته صدر قانون النظام في الأزهر سنة 1911 م الذي قسمت بمقتضاه الدراسة إلى مراحل لكل منها نظام و مواد خاصة، و عهد إليه بتطبيق القانون الجديد، فأنشى‏ء القسم الأول و عين شيخا له مع بقائه وكيلا للجامع الأزهر. و قد أنشأ معهدين في أسيوط و قنا. و اختير

____________

(1) راجع مجلة الأزهر في بحث للأستاذ محمد كامل الفقي عن الشيخ.

43

عضوا في جماعة كبار العلماء، و في سنة 1913 عين عضوا في الجمعية التشريعية، و لما اشتعلت الثورة المصرية سنة 1919 م صال فيها و جال، و أذكاها بقلمه و لسانه و رأيه، حتى إذا وافت سنة 1931 أعرض عن الدنيا و لزم داره لمرض الفالج الذي أصابه، و ظل ينتظر المنون حتى دعاه مولاه، فلباه في صباح الخميس الحادي عشر من جمادى الأولى سنة 1358، التاسع و العشرين من يونيه سنة 1939.

مشايخ السادة المالكية

كانت العادة بالأزهر الشريف أن للسادة المالكية شيخا عليهم، و درجته قريبة من درجة شيخ الجامع، و أما السادة الحنفية و السادة الشافعية و السادة الحنبلية، فكان شيخهم هو شيخ العموم، و من عهد قريب صار للسادة الحنفية شيخ، و صار للحنابلة شيخ كذلك، و لنأت بذكر مشايخ السادة المالكية، فمن تولى مشيخة السادة المالكية إمام المحققين، و عمدة المدققين، العلامة الشيخ علي العدوي المنسفيسي الصعيدي المالكي، ولد ببنى عدي سنة 1112 ه و قدم إلى مصر و حضر دروس مشايخ عصره كالشيخ الحفني و اضرابه و كان له كرامات عجيبة و له مؤلفات مفيدة و هو أول من خدم كتب مذهب المالكية بالحواشي و أول من درس بمسجد محمد بك ابي المذهب و كان يدرس بالأزهر و بمسجد الغريب و يوم الجمعة بمسجد مرزه ببولاق، و كان على قدم السلف في التقوى و الاشتغال بالعلوم .. و توفي سنة 1189 و دفن بالبستان.

ثم تولاها أبو البركات سيدي أحمد الدردير العدوى المالكي الأزهري الخلوتي، و ولد ببني عدي سنة 1127 و حفظ القرآن الشريف و قدم الى الأزهر و حضر دروس مشايخ عصره كالشيخ علي الصعيدي و الشيخ الحفني و اضرابهما و ألف و أفاد و تآليفه أشهر من ان تذكر، و كان شيخا لرواق الصعايدة و توفي سنة 1201 ه و دفن بزاويته التي أنشأها بخط الكعكيين و هو مشهور يزار.

44

ثم تولاها عالم عصره، و وحيد دهره بلا خلاف سيدي محمد الأمير الكبير صاحب التآليف العديدة في كل فن معقول و منقول، ولد سنة 1154 بسنبو و هي بلد من قسم ديروط بمديرية أسيوط، و ختم القرآن الشريف و هو ابن تسع سنين، ثم التحق بالأزهر و حصل و درس و لم يدع فنا الا اتقنه و درسه حتى فقه الحنفي و الشافعي، و له تآليف جمة في فنون كثيرة و هي كجوامع الكلم، و كان توجه في بعض المقتضيات إلى دار السلطنة و ألقى هناك دروسا حضره فيها العلماء و شهدوا بفضله و استجازوه و رجع الى مصر معظما مبجلا و معه كتب توصية للباشا و الأمراء و قد أنعم عليه من الدولة و كانت تأتيه الصلات من سلطان المغرب و تلك النواحي و كان كلامه حكما، و من كلامه:

دع الدنيا فليس بها سرور* * * يتم و لا من الأحزان تسلم‏

و نفرض أنه قم تم فرضا* * * فان زواله أمر محتم‏

و كن فيها غريبا ثم هي‏ء* * * الى دار البقا ما فيه مغنم‏

و إن لا بد من لهو فلهو* * * بشي‏ء نافع و اللّه أعلم‏

و سبب تلقيبه بالأمير أن جده الأقرب أحمد بن عبد القادر كان له إمارة حكم في بلاد الصعيد و أصله من المغرب و توفي عليه سحائب الرحمن و الرضوان يوم الاثنين العاشر من ذي القعدة سنة 1232 ه، و دفن أمام ضريح الشيخ العفيفي، و مما قيل في رثائه تمثلا:

حلف الزمان ليأتين بمثله‏* * * حنثت يمينك يا زمان فكفر

ثم تولاها ابنه الشيخ محمد الأمير الصغير، ثم تولاها الشيخ ابراهيم الملواني، ثم تولاها الشيخ عبد اللّه القاضي، ثم تولاها شيخ الشيوخ‏

45

الجامع بين العلم و التقوى فرع الشجرة النبوية و خلاصة السلسلة الهاشمية الشيخ عليش، و قد ولد (رحمه اللّه) بالقاهرة بحارة الجوار بجوار الجامع الأزهر في شهر رجب سنة 1217 ه، و حفظ القرآن و اشتغل بالعلم بالأزهر و أدرك الجهابذة كالشيخ الأمير الصغير و أضرابه و الشيخ مصطفى البولاقي و الشيخ البناني صاحب التجريد و كثير من كبار العلماء و درس سنة 1232 و لم يدع فنا إلا درسه و تخرج من درسه جل أهل الأزهر أو كلهم و توفي عام 1299 ه و توفي ابنه الشيخ عبد اللّه عليش عام 1294 ه .. ثم ألغيت مشيخة المالكية بعده خمس سنوات حتى تولاها الشيخ سليم البشرى.

الشيخ البحراوي‏

هو الشيخ عبد الرحمن البحراوي الحنفي الأزهري، ولد بكفر العيص قرية على شط النيل بمديرية البحيرة، و كانت ولادته سنة 1235 ه، و قدم لمصر و قرأ القرآن بالأزهر وجود فيه، و في سنة 1249 شرع في حفظ المتداول من المتون، و في سنة 1251 حضر دروس المشايخ فتلقى الفقه و التفسير و الحديث عن الشيخ محمد الكتبي و أهل طبقته و تلقى علوم الأدب و المنطق و التوحيد عن الشيخ إبراهيم السقا و الشيخ مصطفى البولاقي و الشيخ إبراهيم البيجوري و اضرابهم. و كتب بيده كل كتاب حضره فضلا عما كان يكتبه للاقتيات بثمنه لأنه كان قد قل من العيش و قد اجتهد في التحصيل و سهر الليالي مع جودة قريحته حتى تأهل للتصدر للتدريس في سنة 1264 و شهد بفضله أعيان الأزهر و لم يزل متصدرا للتدريس مع حسن القائه و عذوبة ملحه و كان محترما عند أولي الأمر، و في سنة 1271 نيط به تصحيح الفتاوى الهندية بالمطبعة الكبرى ببولاق مصر، و بعد تمام الطبع تولى قضاء اسكندرية سنة 1277 ثم رفع من قضائها سنة 1282 فعاد للتدريس بالأزهر و في سنة 1289 عين للفتوى بالمجلس الخصوصي، و في سنة 1293 عين رئيس المجلس الأول بالمحكمة الشرعية المصرية الكبرى، ثم بعد ذلك تولى افتاء الحقانية، ثم رفع و عاد للتدريس بالأزهر، و له من التآليف تقرير

46

على شرح العيني و حاشية على شرح الطائي، و له كتابات على أغلب كتب المذهب الحنفي، و تخرج من درسه كثير ممن تولى القضاء و ممن درس بالأزهر، و من أجلهم الأستاذ الفاضل الشيخ محمد بخيث المطيعي.

الشيخ محمد بخيت المطيعي‏

في اليوم الحادي و العشرين من شهر رجب 1354 ه- الثامن عشر من شهر أكتوبر 1935 استأثرت رحمة اللّه بالعلامة، الشيخ محمد بخيت المطيعي، فقضى مبكيا عليه من مئات الألوف من العلماء و الطلاب في جميع بلاد المسلمين، الذين كانوا يرون فيه المثل الأعلى للاطلاع الواسع و الإفادة و الفتيا .. ولد (رحمه اللّه) في بلدة المطيعة من أعمال أسيوط سنة 1271 ه- 1856 م، و حفظ القرآن و حصل (رحمه اللّه) العلم بالأزهر فتخرج في علوم الشريعة و العربية، و نال فيها شهادة من الدرجة الأولى سنة 1294 للهجرة أي منذ نحو اثنتين و ثمانين سنة، و أكب من ذلك العهد على التدريس و الافادة بهمة يندر أن يصادف لها مثيل في حياة العلماء العاملين، ثم ندب للاشتغال في القضاء عام 1297 ه فتنقل في وظائفه حتى بلغ أعلى درجاته، مظهرا في كل منها من الكفاية ما لا يكون إلا للعلماء الراسخين .. و من المناصب التي شغلها قضاء مصر نيابة عن القاضي التركي، و في عام 1914 عين مفتيا للديار المصرية، و بعد سبع سنوات بلغ السن القانونية لوظائف الحكومة، فترك الاشتغال بالقضاء، و عكف على الدرس و التدريس و الافتاء. فكانت داره مثابة للمستفتين و المستفيدين، و كان لا يبخل على أحد بفتيا، حتى إذا كان بعيدا عنه تكلف له كتابة الفتوى و أرسلها إليه بالبريد.

و كان شهرته قد تجاوزت مصر الى العالم الإسلامي كله، فكانت ترد اليه الاستفتاءات تترى في مختلف المسائل، و منها مسائل تحتاج الى مراجعات كثيرة مضنية، فكان لا يضن بنفسه عن القيام بها فيحررها و يرسل بها للمستفتين.

47

و مما انفرد به أنه كان قد استخدم كتابا لنقل فتاواه و تولى إرسالها إلى طلابها في مختلف الأقطار، متحملا مكافآتهم شهريا و أجر ما يرسله بالبريد من الكتب و الرسائل.

و قد عرف (رحمه اللّه) بالزعامة في علم الأصول، فكان يرجع إليه جلة العلماء فيما يشكل من مسائله، و يصادفون لديه لكل مشكلة حلا، كأنها مرت به من قبل فعالجها و انتهى الى ما يحسن السكوت عليه من أمرها .. و كان خاتم طبقة من العلماء المحققين الذين تميزوا في حياة الأزهر بالتبسط في العقائد، و التعمق في الفقه، فانتهت إليه الامانة فيهما حينا من الدهر. كما كان- غفر اللّه له- من أشد المعارضين لحركة الإصلاح التي قام بها الامام محمد عبده. دفعه الى تلك المعارضة الثائرة دوافع المنافسة من جهة، و تحريض أولى السلطان من جهة أخرى، و كان في الشيخ زكاته شاهدة و دعابة لطيفة، و طموح إلى مساماة الامام في منصبه و نفوذه و شهرته، حرك فيه الأخذ بنصيب من الادب و الثقافة العامة. و لعله كان أعلم أهل جيله بدقائق الفقه الحنفي، و أبسطهم لسانا في وجوه الخلاف بين أصحاب الشافعي و أصحاب أبي حنيفة.

و كان ميلاده في المطيعة من أعمال أسيوط في 10 محرم عام 1271 ه، و شب على الذكاء و العقل و حفظ القرآن المجيد، ثم حفظ متن الإجرومية في النحو و متن العشماوية في فقه المالكي و حضرهما على حضرة الأستاذ الشيخ محمد عنتر الكبير والد الشيخ محمد عنتر أحد علماء الأزهر، ثم طلبت نفسه الشريفة التوجه الى الأزهر لتحصيل العلوم من معدنها فقدم لمصر في أوائل سنة 1281 و اشتغل بالتحصيل مقلدا مذهب أبي حنيفة النعمان، فحضر على مشاهير الأزهر كالشيخ الدرستاوي، و الشيخ عبد الغني الملواني، و الشيخ عبد الرحمن البحراوي، و الشيخ حسن الطويل، و الشيخ الدمنهوري، و الشيخ المهدي، و الشيخ عبد الرحمن الشربيني، و الشيخ جمال الدين الافغاني حتى حضر غالب الكتب المعتاد قراءتها بالأزهر من فقه و نحو

48

و حديث و أصول و تفسير و بلاغة و منطق و حكمة و غير ذلك على المشايخ المذكورين و غيرهم من كبار الأزهر و لازم الاجتهاد الى ان مهر و امتحن للتدريس و حاز الدرجة الأولى و درس سنة 1292 و لازم تدريس كتب المنطق و الحكمة و التوحيد الى سنة 1295 ثم درس الفقه و النحو الى سنة 1297 و فيها تولى قضاء مديرية القليوبية ثم قضاء مديرية المنيا ثم قضاء محافظة بور سعيد ثم قضاء محافظة السويس ثم قضاء مديرية أسيوط ثم تولى تفتيش نظارة الحقانية ثم قضاء اسكندرية ثم تولى رياسة المجلس الشرعي بمحكمة مصر الكبرى ثم عضوية المحكمة العليا بها، و مع ذلك كان حفظه اللّه ملازما لتدريس العلوم في كل جهة تولى بها مع همة و نشاط، و لم يزل يدرس الكتب العالية مع القيام بكامل شئونه و أعماله، و له تآليف عديدة، منها حواشي الخريدة، و حواش على شرح العقائد العضدية، و ارشاد الأمة في أحكام اهل الذمة، و حسن البيان في ازالة بعض شبه وردت على القرآن، و الدرر البهية في الصلاة الكمالية لدفع شبه وردت على تلك الصيغة، و مقدمة شفاء السقام المسماة بتطهير الفؤاد من دنس الاعتقاد و سواها.

الشيخ حسين والي‏

كان مقررا ان تنعقد لجنة الفتوى بالأزهر في الساعة الرابعة من مساء يوم السبت 6 من ذي الحجة سنة 1354 الموافق 29 من فبراير سنة 1936 برياسة فضيلة رئيسها المغفور له الشيخ حسين والي، و ما كادت تبزغ شمس ذلك اليوم حتى فوجى‏ء أعضاؤها، كما فوجى‏ء الناس عامة بنعي رئيسها العظيم، و ما كادت تحين الساعة المحدودة لانعقاد اللجنة، حتى كان شيخها الجليل يعبر الطريق من منزله الى الأزهر الشريف محموة فوق الأعناق، مشيعا بقلوب مكلومة، و زفرات حارة، و دموع منهمرة، فذاق اعضاء لجنة الفتوى الذي خبروا الفقيد عن كثب، فعرفوا فيه العلم الغزير، و الخلق الكريم، و العقل الراجح، و الفكر الثاقب، و الجلد على البحث، و الشغف‏

49

بالاطلاع، و الدقة في تلمس الحق، ذاقوا آلام الحزن العميق على هذا المصاب الجلل .. و يقول عنه الشيخ عبد الجواد رمضان: هو السيد حسين والي بن العلامة السيد حسين والي بن السيد إبراهيم والي، ينتهي نسبه الى الإمام أبي عبد اللّه الحسين بن علي، رضي اللّه عنهما، ولد في منية ابو علي من اعمال مركز الزقازيق في مديرية الشرقية، في رجب الفرد سنة 1285 نوفمبر سنة 1868، و طلب العلم في الأزهر، منتسبا الى رواق معمر، إلى ان نال شهادة العالمية سنة 1317 ه- 1899 م. و أذن له بالتدريس في الأزهر سنة 1900، ثم ندب للتدريس في مدرسة القضاء الشرعي سنة 1907. ثم عين مفتشا في الأزهر و المعاهد الدينية سنة 1911، ثم وكيلا لمعهد طنطا سنة 1914، ثم سكرتيرا عاما للمجلس الأعلى بالأزهر سنة 1920، و بقي في هذا المنصب الى أن ألغي في ديسمبر سنة 1926، و في 7 من شهر ربيع الأول سنة 1343 (6 من أكتوبر سنة 1924) عين في هيئة كبار العلماء بمرسوم جاء فيه: «عين في هيئة كبار العلماء كل من حضرات.

الشيخ محمد مصطفى المراغى الحنفي المذهب رئيس المحكمة العليا الشرعية، و الشيخ حسين والي السكرتير العام لمجلس الأزهر الأعلى و المعاهد الدينية، و الشيخ محمد الحلبي، و الشيخ سيد علي المرصفي، الشافعي المذهب». و توفي- طيب اللّه ثراه- في 28 من فبراير سنة 1936، و هو عضو في مجلس الشيوخ، و في المجمع اللغوي. و ما تزال أصداء جولاته تدوي في قبابهما فيتجاوب بها آفاق العروبة في مشارق الأرض و مغاربها إلى اليوم.

و السيد حسين والي، أحد الأقطاب الذين سما حظهم من التبحر في علوم اللغة العربية و آدابها، و أخذوا بآفاقها و شعابها، على جميع الباحثين و المتأدبين، في عصر النهضة، فلا يسبقهم سابق، و إن ناصاهم شواذهم في أقطار الشرق العربي معدودون معروفون. هم الأئمة «و سائر الناس على آثارهم مهتدون».

لا جرم ان مواهب السيد حسين والي، جديرة بأن تبوئه هذه المنزلة

50

الرفيعة التي لا ترام، فلقد كان- إلى تبحره في علوم الأزهر- كاتبا قديرا، و شاعرا فحلا. يكتب كما يكتب حمزة فتح اللّه، و السيد توفيق البكري، و الشدياق الخ، و يشعر كما يشعر حمزة فتح اللّه، و السيد توفيق البكري، و آل اليازجي، و غيرهم من كبار الكتاب و فحول الشعراء، في مصر و الشام و العراق، و يصاول المؤلفين و الباحثين في وزارة المعارف و غيرها، و ينقدهم، و ينال منهم و يوجههم فيتجهون، و يفتي في اللغة و الأدب، فينقطع كل قول، و يخفت كل صوت. ذلك بأنه كان مطلعا فقيها لغويا، ذواقة، هاضما لما علم، واثقا مما يقول .. و الإيمان بالرأي أقوى أسلحة الشجاع.

و كان من الطبيعي أن ينال السيد حسين والي من الشهرة عند الخاصة و العامة كفاء هذه المواهب المتوافرة، بيد أنه عض من شهرته شمائل، هي في شرفها و عنصرها أنفس جوهرا، و أعز قيمة، و أرفع جمالا من كل شهرة.

و كان السيد حسين والي غاليا في التعصب للقديم، يعتز به، و يحافظ عليه، و يرعاه في دينه، و في سمته، و في لغته، و في كل ما يحيط به، حتى لقد سمي أولاده: أسامة، و لؤي، و نزار، و الفرات. يحدوه إلى ذلك نسبه الشريف، و نشأته الأزهري، و وقار ألبسة اللّه منه رداء فضفاضا، ثم نزعة صوفية عميقة ظهرت فيه طول حياته.

الشيخ محمد الفحام‏

تخرج الأستاذ (رحمه اللّه) في الأزهر، و بعد نيله شهادة العالمية التحق بخدمة القضاء الشرعي، و تقلب في وظائفه سنين كثيرة عرف فيها بسداد الرأي و الحزم، ثم نقل من القضاء إلى الإمامة الخاصة للملك، ثم خرج منها إلى مشيخة معهد الاسكندرية، فكانت له فيها آثار ظاهرة، و نظم مفيدة، و سمعة بين الناس طيبة رشحته إلى تقليد وكالة الجامع الأزهر، و كان قد تملأ خبرة بادارة الاعمال، و بالزمان و أهله، و بقيادة الموظفين، فكان يخوض معهم في الادارة العامة عباب الأعمال المختلفة، و يمضي معهم الساعات الطويلة مناقشة و بحثا و تحقيقا و تثبتا، و يقابل في أثناء ذلك الوافدين‏

51

عليه فيسعهم بتلطفه و طلاقة وجهه، لا يكاد يفرغ من هذا العمل المتواصل آنا يسترد فيه ما فقده من قواه حتى موعد الانصراف.

لبث على ذلك بضع عشرة سنة، و لو لا صفات متأصلة فيه من المضاء و المرونة المستندة إلى اللباقة، لاصطدم طوال هذه المدة التي اجتاز الأزهر فيها أزمات خطيرة، و عقبات كأداء، بعواثير لا تذلل، و لكنه (رحمه اللّه) عالجها على أسلوبه بالموازنة و المياسرة، و تمكن بذلك أن يستبقي الادارة العامة قائمة تؤدي واجباتها الديوانية خلال هذه الأزمات الشديدة.

أصابه (رحمه اللّه) قبل نحو شهرين من وفاته، مرض عضال أصاب الطحال و القلب، بذل كثير من الأطباء جهد العلم في معالجته فاستعصى، و ما زال (رحمه اللّه) يضعف حتى أسلم الروح في مساء السبت 18 من جمادى الأولى سنة 1362 (الموافق 22 من مايو سنة 1943).

الشيخ يوسف الدجوي‏

في مساء الثلاثاء 4 صفر سنة 1365 ه- 8 يناير سنة 1946 م، توفي الشيخ العلامة، يوسف الدجوي الأزهري النابغة الكفيف البصر، و عضو جماعة كبار العلماء.

و كان الأستاذ الدجوي من العلماء الراسخين في العلوم التي تدرس في الأزهر أخذها عن أئمتها مثل الشيخ هارون عبد الرازق و الشيخ احمد الرفاعي الفيومي و الشيخ محمد طموم و الشيخ احمد فايد الزرقاني، و الشيخ رزق البرقامي، و الشيخ سليم البشرى، و الشيخ البحيري، و الشيخ العدوى، و كلهم من أقطاب الجامعة الأزهرية الذين صانوا رسالتها الى هذا العصر الحديث.

ولد الدجوي في قرية دجوة التابعة لمركز قليوب في سنة (1287) من أب عربي، و أدخله والده الأزهر في سنة (1301 ه) و نال الشهادة العالمية في سنة (1317) بنجاح عظيم كان مدعاة لأن يزوره في دارة الشيخ راضي‏

52

الحنفي من كبار العلماء و هنأه على ما أصاب من توفيق. و ما فعل ذلك إلا من شدة إعجابه به، و إكباره لشأنه، و توقعه له حياة علمية تشرف الأزهر و الأزهريين، و قد صدق حدسه، فإن الأستاذ الدجوي لم يلبث أن ظهرت مواهبه، و تجلت خصائصه، فصار مرجعا للمستهدين و المستفتين في جميع البلاد الإسلامية.

و لما أسست المشيخة الأزهرية مجلة الأزهر كان من أول من وقع اختيارها عليهم ليحرروها الشيخ الدجوي (رحمه اللّه)، فكتب فيها البحوث الممتعة في الدين و التفسير و الحكمة، و بقي على موافاتها ببحوثه الى عهده الأخير.

و من مميزات الشيخ رضي اللّه عنه أنه كان يأنس الى البحوث النفسية الحديثة في اوروبا و يراها خير أداة لكسر شوكة الماديين، و قد اعتمد في كتاباته على ما حققوه منها و كان لا يخشى في مجاهرته بذلك لومة لائم.

و قد ترجم له قلم ترجمة مجلة الأزهر كتابه القيم (رسائل السلام) الى اللغة الانجليزية، فطبعت المشيخة الأزهرية منه عشرة آلاف نسخة بعث كثيرا منها لمن لا يستطيعون فهم العربية و للأجانب الراغبين.

كان مفسر الأزهر و محدثه، بل فيلسوفه و كاتبه، و خطيبه، كما كان موضع ثقة الجماهير الاسلامية في شتى الأقطار، تتوارد اليه استفتاءاتهم من جميع الجهات، و تصلهم مقالاته النافعة بمجلة الأزهر و غيرها من المجلات و الصحف العربية و الافرنجية و مؤلفاته الممتعة (1).

و منها كتاب سبيل السعادة الذي ألفه عام 1912 م في فلسفة الاخلاق الدينية و أسرار الشريعة الاسلامية، و الرد على الطبيعيين، و قد قرظه امام اللغة المرحوم الشيخ حمزة فتح اللّه بكلمة طويلة منها: «أحسنت يا شيخ‏

____________

(1) من كلمة لنجل الشيخ- الشيخ احمد يوسف الدجوي الأستاذ بمعهد القاهرة- نشرت في مجلة الأزهر.

53

الدين، و أديت فرض الكفاية عن علماء المسلمين، و شفيت السقام، و رويت الاوام».

و من مؤلفاته (رحمه اللّه): الجواب المنيف في الرد على مدعي التحريف في الكتاب الشريف، اخرجه عام 1913 م، رد فيه على القس الانجليزي (كولدساك) الذي طعن القرآن الكريم و نقص من شأن الاسلام، فأتى الشيخ على مزاعمه فهدمها من أساسها، و ظل يتابع حملاته على كتاب هذا القس حتى صودر. و من مؤلفاته النادرة رسالة في تفسير قوله تعالى:

«لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَ هُمْ يُسْئَلُونَ» لم يتقيد فيها بما قاله المفسرون، بل ذهب فيها كل مذهب، و تصرف فيها كل متصرف، و دعا فيها علماء المسلمين شرقا و غربا للاجتماع و التشاور لاستنباط أسرار القرآن قبل ان يتهددهم الخطر ... و منها رسالة في علم الوضع، اخرجها عام 1917 م و قد نالت الجائزة الاولى من لجنة فحص الكتب العلمية ... و منها مذكراته في الرد على كتاب الإسلام و أصول الحكم، و كلماته في السلفيات الحاضرة، و قد طبع هذه الكلمات علماء دمشق و نشرت هناك ... و منها صواعق من نار في الرد على صاحب المنار. و منها هداية العباد الى طريق الرشاد. جمع فيه من محاسن الدين الإسلامي الشي‏ء الكثير، و قد انفرد فيه بأشياء لم يسبقه بها غيره. و منها كتاب رسائل السلام و رسل الإسلام، انتهى من تأليفه عام 1922 م على أثر تكليف مشيخة الأزهر له بإخراجه بمناسبة اعتناق الألوف المؤلفة من أهل أوروبا و أمريكا، الدين الإسلامي، و قد ترجمته مشيخة الأزهر باللغة الإنجليزية و طبع بالمطبعة الاميرية، و أرسل الى الجهات النائية.

و قد وجهت صحيفة الاهرام الغراء في نهاية عام 1939 م نصحها و ارشادها الى زعيمي دول المحور الهر هتلر و السونيور موسوليني باتباع ما جاء بهذا الكتاب و العمل بالتعاليم الموجودة بين دفتيه، إذ انها تدعو للوئام و السلام. و لا يفوتنا أن نذكر في هذه الكلمة ما كان يقوم به من المحاضرات‏

54

العلمية في تفسر آي الذكر الحكيم، و حديث النبي الكريم، عقب صلاة الفجر بالرواق العباسي بالأزهر، و كان جلة العلماء، و مثقفو الطلبة حريصين على تلقي هذه المحاضرات، للارتشاف من منهل الامام الكوثر العذب، يبادرهم اليها، سيادة السيد المجددي، وزير الافغان المفوض بمصر سابقا، و قد كتب بعض المستشرقين؛ عند استماعه هذه المحاضرات، مقالات ممتعة، نشرتها صحف فرنسا بعنوان (سبنسر و باكون، في الأزهر الشريف) الخ.

أما ناحيته العملية، فتتمثل فيما قام به من تأليف الجمعيات الإصلاحية الدينية، التي منها جمعية النهضة الإسلامية لمناهضة المبشرين الذين استشرى فسادهم، و عم ضررهم حتى ضجت البلاد من شرهم، فكانت جمعية موفقة أدت واجبها خير أداء، و انتشرت فروعها في جميع الانحاء، فوقفت هذا التيار الجارف. و منها الجمعية العظمى لمساعدة منكوبي حرب الأناضول، بمناسبة الحرب التركية اليونانية، و أسندت رئاستها إليه اول مرة، و بمناسبة تأسيسه لها أرسل إليه الخليفة عبد المجيد كتاب شكر و ثناء و تقدير. و لم يقتصر نشاط الشيخ على ما تقدم، بل لم يلهه الجهاد العلمي عن الجهاد الوطني، فكانت له مواقفه المشهودة في خدمة أهداف البلاد الوطنية، و من تلك المواقف احتجاجه لدى العميد الإنجليزي على اعتقال المرحوم الزعيم الخالد سعد زغلول و صحبه المجاهدين المخلصين، اذ قال: «عجبا لسياستكم العتيقة كيف يفوتها أن شدة الضغط تولد الانفجار، و أن تقليم الأشجار لا يزيدها إلا تهيجا و نماء، و أن النفوس الانسانية متى امتلأت بشي‏ء استعذبت الموت في سبيله، و لا تظنوا يا جناب اللورد ان هذه احتجاجات تفوه بها الألسن. و إنما هي قلوب متأججة و أرواح مشتعلة و أعصاب متنبهة، فاعملوا إنا عاملون، و لا ييأس من روح اللّه إلا القوم الكافرون». و قد نشرته الصحف في حينه. و من مواقفه التي تشهد له بالفخر و الاريحية و الاقدام و الشجاعة، ذلك الكتاب الذي رفعه الى ملك الانجليز طالبا به تخفيف حكم الإعدام الذي صدر على شاب من شباب الأزهر و هو-