الأزهر في ألف عام‏ - ج3

- د. محمد عبد المنعم الخفاجي المزيد...
567 /
5

[الجزء الثالث‏]

الباب السابع‏

حول الأزهر و رسالته‏

- 1-

كانت الغفوة الكبرى التي أصابت العالم الإسلامي في القرون الوسطى ذات أثر بعيد في حياته السياسية و العقلية و الاجتماعية في القرن التاسع عشر.

لم يبعد المسلمون هذه الحقبة الطويلة كثيرا عن تقاليد الشرق، و إنما جافوا روح الإسلام، و جهلوا مبادئه و أهدافه، و وقفوا أمام تيار النهضة الغريبة جاهلين عاجزين أذلاء. و بادرهم المستعمرون بتحطيم ما بقي في أجسامهم من منعة، و في قلوبهم من إيمان، و في أرواحهم من عزة و مثل عليا ... و كانت الأحداث الكبرى التي هزت العالم الإسلامي هزا عنيفا داعية للمفكرين و المصلحين أن يجاهدوا في سبيل البعث و الإحياء و تجديد الحياة و الأمل في نفوس المسلمين. و اقترن ذلك بدعوات جريئة للإصلاح، انبعثت من رجال الدين حينا، و من غيرهم حينا آخر. من أمثال محمد بن عبد الوهاب م 1206 ه، و السيد أحمد خان الهندي 1898 م، و السيد أمير علي، و الكواكبي 1902 م، و جمال الدين الأفغاني 1897 م، و محمد عبده 1905 م، و سواهم من دعاة الإصلاح، و حملة رسالته.

كان السيد جمال الدين الأفغاني يريد تحرير الشعوب الإسلامية من‏

6

العبودية و الاستعمار، و تكوين حكومة إسلامية موحدة تهتدي بهدى الإسلام، و بعث الروح القومي في الشرق عن طريق الإصلاح الديني العام .. و كان محمد عبده يريد النهوض بالشرق الإسلامي سياسيا عن طريق النهضة الثقافية به، و يرى أن الإسلام هو السبيل لتمهيد حركة الإصلاح و تغذيتها، و أنه هو و العقل و العلم إخوة، و لذلك دأب على الدعوة إلى تصحيح العقيدة، و إذاعة رسالة الإسلام، و إيقاظ الشعور العام بإيقاظ الروح الديني .. و خفتت بعد محمد عبده دعوة الإصلاح في الشرق، و إن لمعت جذوتها حينا في أفكار الشيخ مصطفى المراغي، (رحمه اللّه)، الذي كان يعمل للنهوض بالأزهر الحديث حتى يصل إلى مستوى الجامعات الكبرى في الشرق و الغرب .. كما أضاءت الشعلة حينا آخر في آراء الشيخ مصطفى عبد الرازق و حمروش و عبد المجيد سليم، الذين كانوا يحرصون على إحياء التعارف و التعاون بين المسلمين عامة. و لكن هذه الآثار لم تكن على جانب خطير من الأهمية في الإصلاح الديني في الشعوب الإسلامية في القرن العشرين.

- 2- رسالة الأزهر في رأي المراغي:

رسالة الأزهر عنده هي حمل رسالة الإسلام .. و متى عرفت رسالته عرفت رسالة الأزهر. و الإسلام دين جاء لتهذيب البشر و رفع مستوى الإنسانية و السمو بالنفوس إلى أرفع درجات العزة و الكرامة، طوح الإسلام بالوسطاء بين الناس و ربهم، و وصل بين العبد و ربه، و لم يجعل لأحد فضلا على أحد إلا بالتقوى، و قد العلم و العلماء، و قرر في غير لبس ما يليق بذات الخالق من الصفات، و ما قرره في ذلك هو منتهى ما سمت إليه الحكمة، و وصل إليه العقل، و فرض عبادات كلها ترجع إلى تهذيب النفس‏

7

و تلطيف الوجدان، و إبان أصول الأخلاق، و قرر التمتع بالطيبات و لم يحرم إلا الخبائث، و وضع حدودا تحد من طغيان النفوس و نزوات الشهوات، و وضع أصول النظم الاجتماعية و أصول القوانين: قواعد كلها لخير البشر و سعادة المجتمع الإنساني .. هذه صورة مصغرة جدا للدين الإسلامي، و شرح قواعده و أسراره، و متى أدى الأزهر هذه الرسالة على وجهها فقد أدى نصيبا عظيما من السعادة و الخير للجمعية الإنسانية. و في القرآن الكريم حث شديد على العلم، و على معرفة اللّه و على تدبر ما في الكون، و ليس هناك علم يخرج موضوعه عن الخالق و المخلوق. فالدين الإسلامي يحث على تعلم جميع المعارف الحقة. و ليس في المعارف الصحيحة المستقرة شي‏ء يمكن أن يناقض أصول الدين و يهدمها، نعم قد توجد معارف تناقض ما وضعه العلماء في شرح القرآن و الحديث و الفقه و غير ذلك، و لكنا لا نهتم لهذا. فليسر العلم في طريقه، و لنصحح معارف الماضين، و لكن على شريطة أن يكون ما يخالف معارفنا من العلم البرهاني المستقر، و لم يقصد من هذا أن يكون الأزهر مدرسة طب أو هندسة، أو كلية للكيمياء أو ما يشبه هذا: و لكنه يعني أن هناك علوما و معارف لها صلة وثيقة بالدين، تعين على فهمه، و تبرهن على صحته، و يدفع بها عنه الشبهات. فهذه العلوم يجب أن يتعلمها العالم الديني أو يتعلم منها القدر الضروري لما يوجه إليه.

و قد تغيرت في العالم طرق عرض السلع التجارية، و أصبح الإعلان عنها ضروريا لنشرها و ترغيب الناس فيها. و لديكم الحوانيت القديمة و مخازن التجارة الحديثة، فقارنوا بينها تدركوا ما في طريقة العرض الحديثة من جمال يجذب النفوس إليها، و ما في طريقة العرض القديمة من تشويه ينفر النفس منها. و قد توجد في الحوانيت القديمة سلع أحسن صنفا و أكثر قيمة و أمتن مادة، و مع ذلك فهي في كساد، و كما تغيرت طريقة عرض السلع تغيرت طريقة عرض العلم، و أحدث العلماء طرائق تبعث الرغبة الملحة في العلم، و تنفي عنه الملل و السأم، حدثت هذه الطرق في إلقاء

8

الدروس و المحاضرات، و حدثت في تأليف الكتب أيضا، و هذا المثل ينطبق علينا، ففي جميع الكتب التي تدرس في الأزهر، و في جميع العلوم التي تدرس في الأزهر، أعلاق نفيسة لا تحتاج إلا إلى تغيير طريقة العرض في الدرس و التأليف، و في الفقه الإسلامي نظريات تعد الآن أحدث النظريات عند رجال القانون، و في الفقه الإسلامي آراء يمكن أن يسير عليها الناس الآن من غير حرج، و هي تحقق العدالة في أكمل صورها. و لكن هذه النظريات البالغة منتهى الجمال و الحكمة يحجبها عن الناس أسلوب التأليف القديم.

على الأزهر أن يسهل فهم علومه على الناس، و أن ييسر لهم هذه المعارف، و أن يعرضها عرضا حديثا جذابا مشوقا، و مسألة أخرى يجب أن يعني الأزهر بها: هي تطهير الدين الإسلامي من البدع، و ما أضيف إليه بسبب الجهل بأسراره و مقاصده، فهناك آراء منثورة في كتب المذاهب و في غير كتب المذاهب يحسن سترها ضنا بكرامة الفقه و الدين.

من الواجب أن يعترف بأن المذاهب الإسلامية جملة تغني عن الاجتهاد في المسائل التي عرضت من قبل متى تخير العلماء منها، و أذكر قصة طريفة تجدونها في كتاب الولاة و القضاة للكندي: «كان في مصر قاض شافعي المذهب في عصر الإمام الطحاوي. و كان يتخير لأحكامه ما يرى أنه محقق للعدل من آراء الأئمة و لا يتقيد بمذهب. و كان مرضى الأحكام لم يستطع أحد أن يطعن عليه في دينه و خلقه، سأل ذلك القاضي الإمام الطحاوي عن رأيه في واقعة من الوقعات. فقال الطحاوي: أتسألني عن رأيي أم عن رأي أبي حنيفة؟ قال القاضي: و لم هذا السؤال؟ قال الطحاوي: ظننتك تحسبني مقلدا. فقال القاضي: ما يقلد إلا عصبي أو غبي؟»، فتخير الأحكام نوع من الاجتهاد، و لكنه الاجتهاد الذي لم يغلق الناس أبوابه، فإصلاح التعليم في الأزهر واجب اجتماعي لإصلاح الأمم‏

9

الإسلامية على مختلف أقطارها و أجناسها، و على كل مسلم أن يساهم فيه إذا استطاع إلى ذلك سبيلا، و أن نرجو اللّه سبحانه أن يوفق العلماء و طلاب العلم إلى الإخلاص في ذلك إخلاصا للّه و لرسوله و للمؤمنين و للدين الحق الذي وعد اللّه أن يظهره على الدين كله، و جعله هداية عامة لجميع البشر .. و نصيحة أقدمها إلى العلماء و طلاب العلم في الأزهر راجيا تدبرها، و هي احترام حرية الرأي، و التحرج من الاتهام بالزندقة و الكفر، و لا نطالب بشي‏ء يعد بدعة، و لا نحدث في الدين حدثا بهذه النصيحة، فهي موافقة للقواعد التي وضعها سلف الأمة رضى اللّه عنهم. و ترونها مبسوطة واضحة في كتب الأصول و في جميع كتب الإمام الغزالي، و حاصلها- على ما أذكر- أن المسائل الفقهية يكفر منكر الضروري منها كالصلاة و الزكاة و حرمة الزنا و شرب الخمر و قتل النفس و الربا، أما إنكار أن الإجماع حجة، و خبر الواحد حجة، و القياس حجة، فلا يوجب الكفر، و ما عدا ذلك من المسائل الفقهية لا إثم في إنكاره مطلقا، على شرط أن يكون الإنكار غير مصادم لنص أو إجماع.

على هذا أجمع الصحابة رضي اللّه عنهم، و أجمع عليه الأئمة، و لم يعرف أن بعضهم أثم بعضا، و على الجملة فما دام المسلم في دائرة القرآن لا يكذب شيئا منه، و لا يكذب ما صح عن رسوله (صلى اللّه عليه و سلّم) بطريق قاطعة، فهو مسلم لا يحل لأحد أن يتهمه بالكفر .. عرضنا لهذه النصيحة لأنها تسهل على أهل الأزهر معاشرة الناس، و العمل بها يمّكن من نشر الدعوة و من الجدل بطرقه المقبولة، و العمل على خلافها منفر يحدث الشقاق و يورث العداوة.

و إذا كانت مهمة الأزهر حمل رسالة الإسلام للعالم، فمن أول واجب على أهله أن يعدوا أنفسهم لتعلم اللغات، لغات الأمم الإسلامية و غير الأمم الإسلامية، و اللّه لم يرسل رسولا إلا بلسان قومه ليبين لهم، فليحقق الأزهر القدوة، و ليرسل إلى الناس رسلا يفقهونهم في دينهم بلسانهم .. و قد عنى‏

10

المراغي بهذه المسألة كما عنى بتثقيف إخواننا الذين أسماهم القانون «أغرابا»، فإن لهم من الحقوق و الحرية في هذا الوطن ما لكل فرد من أهل البلاد، و نرجو أن يفكروا طويلا فيما يفرضه عليهم دينهم من الهداية و الإرشاد و إسعاد المجتمع.

- 3-

و كان الشيخ عبد المجيد سليم يرى و هو في أول مشيخته الأولى اقتران الإصلاح الديني في العالم الإسلامي بإصلاح الأزهر الشريف.

و مهمة الأزهر في رأيه جد خطيرة، فهي تشتمل: «تعليم أبناء الأمة الإسلامية دينهم و لغة كتابهم، تعليما قويا مثمرا، يجعلهم حملة للشريعة، أئمة في الدين و اللغة، حفّاظا حرّاسا لكتاب اللّه و سنة رسوله و تراث السلف الصالح و القيام بما أوجبه اللّه على الأمة من تبليغ دعوته، و إقامة حجته، و نشر دينه ... فعلى رعاية هذين الجانبين يجب أن تقوم خطة الإصلاح في الأزهر، و أن يعمل العاملون على تحقيق آمال الأمة فيه‏ (1)».

و وسائل إصلاح هذه الجامعة الإسلامية العتيدة تتلخص في رأيه فيما يلي:

1- مراجعة الكتب الدراسية، و إبقاء الصالح منها، و اختيار لون جديد يوجه الطلاب توجيها حسنا إلى العلم النافع من أقرب طريق و أيسره.

2- تشجيع حركة التأليف و التجديد عن طريق الجوائز العلمية و غيرها حتى يتصل حبل العلم ... و توجيه العلماء إلى وضع بحوث في الفقه و التشريع تساير الروح العلمي الحاضر.

3- إعداد جيل قوي من أبناء الأزهر يستطيع أن يحمل الرسالة، فإن‏

____________

(1) من حديث له في المؤتمر الصحفي بإدارة الأزهر في أول نوفمبر عام 1950.

11

الأمة تريد من الأزهر أن يخرج لها علماء في الدين و الشريعة و اللغة و سائر العلوم العقلية و الاجتماعية المتصلة بها، على أن يكون هؤلاء العلماء مزودين مع هذا بقدر صالح من العلوم الأخرى التي تفيدهم في مجتمعهم ثقافة عامة، و في هذا يقول أيضا موجها كلمته إلى الأزهريين: نصيحتي إليكم أن تعلموا أنكم مجندون في سبيل اللّه، فأقبلوا على دراستكم، و تجملوا بالفضيلة بينكم و بين الناس، لتحقيق آمال الأمة فيكم، و إعلاء كلمة الدين و العلم بكم‏ (1).

4- تشجيع حركة البعوث العلمية التي يرسلها الأزهر إلى جامعات أوروبا للتزود من شتى الثقات .. و لا بدع فإن العلم رحم «بين الناس كافة» كما يقول الأستاذ سليم لعلماء جامعات أوروبا الذين زاروا مكتبه في زيارتهم للأزهر الشريف.

5- تنظيم هذه الجامعة الكبرى تنظيما يتفق مع خطر رسالتها، و يساعدها على أداء هذه الرسالة، بإنشاء مكتبة كبرى، و دار كبيرة للطباعة، و إكمال مباني الأزهر الجامعي، تمهيدا للاحتفال بعيده الألفي، إلى غير ذلك من وسائل الإصلاح:

أما مهمة الأزهر في سبيل الإصلاح الديني في مصر و الشرق الإسلامي فتتلخص فيما يلي:

1- العناية بإصلاح حالة الأسر بإصلاح شئونها، و دعم كيانها، عن طريق بحث التشريعات اللازمة لها: في الزواج، و الطلاق، و النفقة، و الحضانة، و الولاية، و ما إليها (2).

2- نشر الدين و الثقافة في كل ناحية.

____________

(1) من كلمة أذاعها في أول العام الهجري 1370 ه.

(2) من حديث له نشر في الأهرام في 28- 10- 1950.

12

3- إرسال البعوث الأزهرية إلى شتى أرجاء البلاد الإسلامية لدراسة أحوالها و تهذيب أبنائها.

4- تشجيع البعوث الوافدة على الأزهر، و بناء دار كبرى لإقامتهم، و رعاية شئونهم العلمية و الخلقية و الدينية.

5- ربط الأزهر بشتى الجامعات الشرقية، و إنشاء مراكز ثقافية له في عواصم البلاد الإسلامية.

و أما مهمة الأزهر في الدعوة إلى الدين في العالم، فهي كما يرى تشمل ما يأتي:

1- توجيه العلماء إلى وضع مؤلفات باللغات الأجنبية، لبيان حقيقة الإسلام و مزاياه.

2- إنشاء إدارة للدعاية الإسلامية، تتولى توجيه الناس إلى الإسلام و مبادئه الخالدة.

3- ترجمة تفسير القرآن الكريم إلى اللغات الأجنبية.

- 4-

و يرى الأستاذ الأكبر الشيخ إبراهيم حمروش أن رسالة الأزهر تقوم على دعامة التوجيه العلمي لنظم الدراسة فيه، لتكوين جيل قوي كف‏ء من أبنائه يتحلى بصفات العلماء، و مواهب و أخلاق رجال الدين، دون نظرة إلى الكثرة و العدد، و أن هذا الجيل القوي يستطيع أن يؤدي رسالة الأزهر العلمية و الدينية في مصر و الشرق الإسلامي، و قد بدأ الشيخ في مشيخته بالتفكير في طبع رسائل للتعريف بالدين بشتى اللغات، و بفتح القاعة الكبرى للأزهر لمحاضرات علمية و توجيهية يلقيها كبار شيوخ الأزهر.

13

و قد نشر الأستاذ الكبير الشيخ محمد عرفة عضو جماعة كبار العلماء كتابا عنوانه «رسالة الأزهر في القرن العشرين»، ذهب فيه إلى أن رسالة الأزهر هي أن يفهم الناس الدين على وجهه و أن ننقيه من التفسيرات الخاطئة التي دخلت عليه، و فوق ذلك عليه أن يعني بأخلاق الأمة و تقاليدها.

و قد أخذ الأستاذ على الأزهر أن التعليم في الأزهر لم يعن بالخلق كما يجب، و أن الإقبال على العلم بين جدرانه أصبح ضعيفا، و أن المادية قد دخلت فيه و أفسدت الكثير من حياته.

و إبان أن ثقة الأمة في الأزهر تضعف شيئا لعوامل كثيرة: منها قلة الإنتاج العلمي في محيطه، و انقلاب الأزهريين إلى موظفين لا غير، و ضعف نفسية الأزهري و ثقافته و أفق تفكيره، و عدم وجود بيئة صالحة في وسط الأزهر.

كما ترجع إلى الفساد الذي استشرى في الأزهر من الناحية الإدارية و غيرها، و إلى بعد الأزهر عن الحياة العامة، و إلى عدم انتظام الأمور فيه في الكثير، و انعدام تنفيذ قوانين الأزهر، و عدم أخذ الأمور بالحزم، و السياسة الحزبية التي تفسد على الأزهر كل شي‏ء، و تدخل في وسطه للهدم و التدمير.

- 6-

و في عام 1362 ه- 1944 ألقى الأستاذ محمود شلتوت عضو جماعة كبار العلماء محاضرة في دار كلية الشريعة عنوانها «السياسة التوجيهية العلمية في الأزهر» تتصل برسالة الأزهر، و جاء فيها:

الغرض من الجامع الأزهر، كما جاء في المادة الأولى من القانون‏

14

رقم 26 لسنة 1936 بإعادة تنظيم الجامع الأزهر، و هو آخر تعديل لهذا التنظيم:-

1- القيام على حفظ الشريعة الغراء: أصولها، و فروعها، و اللغة العربية، و على نشرهما.

2- تخريج علماء يوكل إليهم تعليم علوم الدين و اللغة في مختلف المعاهد و المدارس و يلون الوظائف الشرعية في الدولة.

و هذا هو الغرض من الجامع الأزهر، لا من تاريخ هذا القانون فقط، و لا من تاريخ أول قانون وضع لتنظيم الأزهر، و لكنه غرضه من يوم أن انسلخت عن الأزهر الصبغة الشيعية التي أنشى‏ء لتركيزها و تنميتها و القضاء بها على المذاهب الأخرى. من يوم أن تولى الظاهر بيبرس ملك مصر سنة 658 هجرية، و أعاد إلى الأزهر حياته العلمية التي أبطلها صلاح الدين الأيوبي عملا منه على إزالة كل أثر للفاطميين، فمن ذلك الحين- فقط- تبتدى‏ء حياة الأزهر العلمية التي لا تتقيد برأي و لا مذهب، و لا تقتصر على علم من العلوم، فقد درست فيه جميع العلوم الشرعية على اختلاف المذاهب و الأصول، و درست فيه علوم اللغة العربية بجميع مذاهبها و آرائها، و درست فيه آراء علماء العقيدة لا فرق بين فرقة و فرقة، كما درس فيه كثير من العلوم الرياضية و العقلية، مما رأى سلفنا أن له نفعا في تكوين الفكرة الإسلامية، و خدمة الشريعة و العقلية، مما رأى سلفنا أن له نفعا في تكوين الفكرة الإسلامية، و خدمة الشريعة و اللغة، كان هذا هو الغرض من الجامع الأزهر منذ ذلك الحين، و لم يكن موزعا على طلاب العلم بحيث يختص كل فريق منهم بناحية معينة على نحو ما نرى اليوم، بل كان جميع طلابه ينهلون من جميع علومه، لا اختصاص لأحد بعلم، إلا ما كان عن طريق الاستعداد الفطري، و الميل النفسي، و قد مرت بالأزهر أطوار مختلفة، كان فيها بين الصحة و المرض، و التقدم و التأخر، و النهوض‏

15

و التقاعد، و الإنتاج و العقم، و لسنا بصدد الكلام عن هذه الأطوار التي طواها التاريخ بما لها أو عليها، و لكن مما يهمنا في هذا الحديث، أن نعرف أن هذه الأطوار ختمت بعهد تجمعت فيه علل ماض طويل، و أخذت تعمل عملها في صرف الأزهر عن التفكير و الإنتاج، و عن كل نافع من العلوم العقلية و الكونية، و انتهت مظاهر العلم و التفكير فيه إلى أن تغلبت المبادى‏ء الآتية:

1- تغلبت العناية بالمناقشات اللفظية، و تتبع كلمات المؤلفين في المصنفات و الشروح و الحواشي و التقارير على الروح العلمية الموضوعية التي من شأنها أن تخدم الفكرة، بقطع النظر عما يتصل بها من لفظ و عبارات.

2- تغلبت روح التقديس للآراء و الأفهام التي دونها السابقون، و السمو بها على مستوى النقد، و عدم الاكتراث بما قد يظهر من آراء جديدة، و لو كان لها من السداد و القوة ما لها.

3- تغلبت نزعة الإشتغال بالفروض و الاحتمالات العقلية التي لا تقع و ما يتصل بها من أحكام، فتراهم يقولون: لو طلقها نصف تطليقة أو ربع تطليقة، و لو قال لها أنت طالق إن شئت، فقالت له: شئت إن شئت، و تراهم يقولون: لو تزوج جنية، فالحكم في النسب و الميراث كذا ...

و لقد أكثروا من هذا في العبادات و المعاملات، و أنفقوا فيه من الوقت و التفكير ما كان جديرا بهم أن يدخروه للنافع المفيد، و وصل الأمر في ذلك إلى أن الكمال بن الهمام و هو من أفذاذ علماء القرن التاسع يقول: و من مسائل قبل و بعد ما قيل منظوما.

رجل علق الطلاق بشهر* * * قبل ما بعد قبله رمضان‏

ثم يندفع في تخريج هذا الفرض و بيان حكمه، ثم يأتي بعده ابن نجيم الحنفي- صاحب البحر و الأشباه- فيتولى الشرح و البيان و التكميل‏

16

و يقول: «إن هذا البيت يمكن إنشاده على ثمانية أوجه، الخ.

و يشاركه في ذلك علماء عصره ثم يأتي من بعدهم ابن عابدين من علماء القرن الثالث عشر فيضع رسالة في هذا الفرض تحت عنوان «إتحاف الذكي النبيه، بجواب ما يقول الفقيه»، يشرح فيها أبياتا أولها:

ما يقول الفقيه أيده الل* * * ه ما و لا زال عنده الاحسان‏

في فتى علق الطلاق بشهر* * * قبل ما بعده قبله رمضان‏

و يورد في الرسالة آراء جميع من تقدمه من العلماء في الشرح و الحكم، و لا بد أن يجعل الجواب نظما كالسؤال، و هكذا اشتغل المتأخرون بمثل هذه الفروض و أعرضوا بها عن تنمية الفقه العملي الذي يحتاج إليه الناس في معاملاتهم و قضيتهم.

4- تغلبت نزعة الاشتغال باختراع الحيل التي يتخلص بها من الحكم الشرعي، و لقد تناولت هذه الحيل كثيرا من أبواب الفقه، و لم تقف عند الحد الذي أثر عن الأئمة من جعلها وسيلة للتخلص من ضرر أو مكروه، بل افترضوا حيلا يسقطون بها الواجبات، و يفسدون بها الالتزامات، فتجد حيلا لإسقاط الزكاة و حيلا لإسقاط حق الشفعة، و حيلا لإسقاط عدة المطلقة، و حيلا لإسقاط الحدود .. و هكذا مما لا يتفق و مقاصد الشريعة- و لقد أطنب ابن القيم أحد أفذاذ علماء القرن الثامن في كتابيه «أعلام الموقعين، و إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان» في الرد على فكرة الاحتيال على هذا النحو، و بين أنها مضادة لروح التشريع، و قال: «إن المتأخرين أحدثوا حيلا لم يصح القول بها عن أحد من الأئمة، و نسبوها إليهم و هم مخطئون»، و إذا علمنا أن العناية بالاحتيال الفقهي وصل أمرها إلى أن جعلوه فنا من كتبهم، و بابا من أبوابها، لأخذ منا العجب مأخذه، فهذا ابن نجيم من علماء القرن العاشر يضع عنوانا في كتابه (الأشباه و النظائر) فيقول «الفن الخامس من الأشباه و النظائر و هو فن الجبل».

17

5- تغلبت روح التعصب المذهبي الشديد، حتى وصل الأمر في ذلك بين أتباع الأئمة إلى المناقشة في صحة الاقتداء بالمخالف في المذهب، و أخذت هذه المسألة في كل مذهب مجالا واسعا في البحث و التفريع، و وصل الأمر أيضا إلى البحث عن حكم التزوج من الشافعية، فترى الكمال بن الهمام و هو في الكلام على حكم التزوج بالوثنيات ينقل عن أحد علماء الحنفية: أنه لا تجوز المناكحة بين أهل السنة و الاعتزال، ثم يقول بعد هذا النقل: «و مقتضاه منع مناكحة الشافعية»، و اختلف فيها هكذا: قيل يجوز، و قيل يتزوج بنتهم و لا يزوجهم بنته». و ترى أثر هذه النزعة في حكم الحاكم بحل متروك التسمية عمدا، و في حكم العقد الذي يشترط فيه بعض المذاهب ما لا يشترط البعض الآخر .. و هكذا وصل التعصب المذهبي إلى مثل هذا الحد، و صارت المذاهب بين المسلمين- و بين أبناء الأزهر- أديانا يتقاتل أهلها، و يضلل بعضهم بعضا، و هي لا تخرج عن أنها آراء و أفهام حذر أئمتها الأولون من تقليدها و العمل بها دون الاطمئنان إليها بمعرفة الحجة و البرهان.

6- تغلبت الفكرة القائلة بتحريم تقليد غير المذاهب الأربعة، فحجروا واسعا، و منعوا رحمة اختص اللّه بها هذه الأمة، و لقد ظهرت هذه الفكرة على وجه أوضح منذ عهد قريب، يوم وضع الأستاذ الشيخ المراغي، مشروع الزواج و الطلاق، فقام ثلاثة من علماء الأزهر بعمل مذكرة تناهض هذا المشروع، و تبني مناهضتها على أنه لا يجوز تقليد غير المذاهب الأربعة فكتب المراغي مذكرة قيمة، لها خطرها في التوجيه الفقهي و التشريعي، بين فيها كثيرا من مسائل الاجتهاد و التقليد، كما بين آراء العلماء في تأثر الفقه بالعرف و العادة، و يجدر بنا في هذا المقام أن نعلم أن العلماء الذين تناولوا هذه المسألة قديما و استساغوا أن يحكموا بمنع تقليد غير الأربعة لم ينظروا إلى خصوصية في ذات المذاهب الاربعة، و إنما جعلوا مناط التقليد على وجه العموم الثقة بالمذهب الذي يقلد، و اطمئنان النفس إلى صحة النقل‏

18

عنه، فمن ثبت عنده رأي من آراء الأئمة أو الصحابة جاز له تقليده و العمل بمقتضاه، لا فرق بين إمام و إمام، و لا بين الأربعة و غيرهم، و لهذا يقول الشيخ عز الدين بن عبد السلام «لا خلاف بين الفريقين في الحقيقة، بل إن تحقق ثبوت مذهب عن واحد منهم جاز تقليده، وفاقا، و إلا فلا»، و يقول أيضا «إذا صح عن بعض الصحابة مذهب في حكم من الأحكام لم تجز مخالفته إلا بدليل أوضح من دليله»، و من هنا يقول القرافي: «انعقد الإجماع على أن من أسلم فله أن يقلد من شاء من العلماء بغير حجر، و أجمع الصحابة على أن من استفتى أبا بكر و عمر فله أن يستفتي أبا هريرة و معاذ بن جبل و غيرهما، و يعمل بقولهما من غير نكير، فمن ادعى دفع هذين الإجماعين فعليه الدليل» أه، هذا هو أصل الفكرة فانظروا كيف حرفت و جعل التقليد خاصا بالمذاهب الأربعة، بل جعل واجبا يذكر تبيين ما يجب على المكلف أن يدين به و يعتقده، فيقول بعض المؤلفين في منظومته: «و واجب تقليد حبر منهم».

ورث الأزهر أيضا فكرة أن من قلد إماما من الأئمة الأربعة فليس له أن يحيد عنه، بل يجب عليه أن يلتزمه بدون حجة و لا بحث وراء دليل، و لا يصح أن يقلد غيره و لو في غير ما قلده فيه، و مذكرة الثلاثة التي أشرنا إليها قد تأثرت بهذه الفكرة أيضا؛ فأوجبت على القاضي أن يحكم بمذهبه، و حظرت عليه أن يحكم بغيره، و ذلك على الرغم من أن علماء الأصول يقولون في هذه المسألة «و الأصح أنه لا يلزم، إذ لا واجب إلا ما أوجبه اللّه و رسوله، و لم يوجب اللّه و لا رسوله على أحد من الناس أن يتمذهب بمذهب رجل من الأئمة فيقلده في دينه و في كل ما يأتي و يذر دون غيره».

ورث الأزهر أيضا القول بحرمة تتبع رخص المذاهب حتى جعلوا عدم تتبع ذلك شرطا في صحة تقليد غير الإمام، و صاحب التحرير يقول أيضا في هذه المسألة: «و لا يمنع منه مانع شرعي» إذ للإنسان أن يسلك الأخف‏

19

عليه إذا كان له إليه سبيل، و لا أدري ما يمنع هذا من العقل و السمع، و كون الإنسان يتبع ما هو أخف على نفسه من قول مجتهد مسوغ له الاجتهاد، ما علمت من الشرع ذمه عليه، و كان (صلى اللّه عليه و سلّم) يحب ما يخف على أمته».

و ورث الأزهر فكرة كان لها أثر خطير في انحرافه عن سبيل التفكير الصحيح و تقدير الآراء بقيمتها العلمية: هي خطة المعاداة لطائفة من العلماء نضجت عقولهم و أدركوا أسرار الشريعة، و خالفوا الناس في كثير مما درجوا عليه، و تحرروا من الإغلال التي قيد المقلدون بها أنفسهم، حكم الأزهر عليهم بأحكام جائرة، و شكك في تدينهم و إخلاصهم و آرائهم، و شوهوا في الكتب و على ألسنة الدعاة بغير حق، و جعل ذلك سبيلا إلى رفض العمل بآرائهم، و عدم الاعتداد بأفكارهم فصرفت الأنظار عنهم، و صرنا نسمع من أسباب رفض الرأي: هذا رأي ابن تيمية، و ابن تيمية ضال مضل، و هذا قول ابن القيم تلميذه، كما يقال: هذا رأي الزمخشري و هو معتزلي، أو ابن رشد و هو فيلسوف ... و هكذا، كأن هؤلاء ليسوا من أهل العلم، و لا من رجال البحث أو كأن الحق وقف على طائفة من الناس لا يعدوها ..

و أخيرا ورث الأزهر في ذلك العهد: القول بتحريم الاشتغال بالعلوم العقلية و الرياضية و أخذ يحارب المشتغلين بها جيلا من الزمن، و لعل من الطريق في ذلك أن نشير إلى الاستفتاء الذي تقدم به بعض الناس إلى الشيخ الانبابي شيخ الجامع الأزهر، و إلى مفتي الديار المصرية الشيخ محمد البنا سنة 1305 ه يسألون فيه: هل يجوز تعلم المسلمين للعلوم الرياضية، مثل الهندسة و الحساب و الهيئة و الطبيعيات و غيرها من سائر المعارف؟ و هل يجوز قراءتها كما تقرأ العلوم الآلية من نحو و غيره في الجامع الأزهر؟

هذه هي التركة المثقلة التي خلقتها العصور المظلمة، و احتملها الأزهر في طور مرضه الشديد كعقائد دينية، و واجبات يرى أن يتمسك بها

20

و أن يذود عنها، و أن يرمي خارج محيطه بمن يفكر في التحلل منها، و لقد كانت النتيجة الحتمية لهذا الميراث الثقيل أن وقفت حركة التفكير العلمي في الأزهر، و حرم نفسه لذة البحث و النقد، و انحصرت مظاهر التبريز و النبوغ فيه في القدرة على حل المشاكل اللفظية في المتون و الشروح و الحواشي- التي تعود على العلم بكبير فائدة، و بهذا انقطعت علاقة الأزهر بالأمة في تفكيره و علومه و تشريعه، و أصبحت النظرات المتبادلة بينهما كالنظرات المتبادلة بين طائفتين ضاقت كل منهما ذرعا بصاحبتها، و أخذت تتربص بها الأحداث و الدوائر.

ظل الأزهر كذلك حتى هيأ اللّه له- على سنة اللّه سبحانه: من عدم إخلاء الأمم ممن يعرف الحق و يدعو إليه- واحدا من أبنائه لا ينسى التاريخ فضله، هو الاستاذ الإمام المصلح له الشيخ محمد عبده (رحمه اللّه) و رضي عنه. صاح بالأزهر صيحة أيقظته من نومه، و نبهته بعض الشي‏ء إلى واجبه، و كانت مبادئه و أفكاره بمثابة شعاع انبثق في أفق الأزهر، انتفع به من انتفع، و أزور عنه من أزور، و لكنه مع ما قوبل به من محاولات متعددة لإطفائه، ظل قويا وهاجا يجذب إليه أنظار المؤمنين، و ينفذ إلى بصائر المخلصين، و يعلو و يتسع أنفه شيئا بعد شي‏ء. و منذ ذلك الحين اتجهت الأنظار إلى وضع نظم من شأنها أن تمكن الأزهر من الانتفاع بهذا النور، و السير على هداه حتى يقوم برسالته، و يصل إلى غرضه المنشود، فوضعت نظم متلاحقة متشابهة ضمت إلى العلوم الشرعية و العربية كثيرا من العلوم العقلية و الرياضية فاتسع لها صدر الأزهر، و هضمتها عقليته الجديدة.

و الأزهر الآن في كلياته و معاهدة و القضاء الشرعي و الإفتاء، و الوعظ و الإرشاد في المساجد و غيرها، كل أولئك ينتفعون بطائفة كبيرة من العلماء الذين تخرجوا في ظلال هذه النظم، لهم أثر واضح في حياة الأمة من جميع نواحيها، و استمر الأزهر كذلك إلى أن تولى مشيخة الأزهر للمرة الأولى الشيخ محمد مصطفى المراغي، و هو من أبناء الأزهر الذين عرفوا تاريخه‏

21

و أدركوا علله و أمراضه، و هو إلى جانب ذلك تلميذ بروحه و علمه و عقله و تفكيره للأستاذ الإمام عبده، فوضع مذكرته التي تصف علل الأزهر و أداواءه و تصف الدواء الناجح لهذه العلل.

«و لكن العلماء في القرون الأخيرة استكانوا إلى الراحة، و ظنوا أن لا مطمع لهم في الاجتهاد، فأقفلوا أبوابه، و رضوا بالتقليد، و عكفوا على كتب لا يوجد فيها روح العلم، و ابتعدوا عن الناس فجهلوا الحياة و جهلهم الناس، و جهلوا طرق التفكير الحديثة، و طرق البحث الحديث، و جهلوا ما جد في الحياة من علم و ما جد فيها من مذاهب و آراء، فأعرض الناس عنهم، و نقموا هم على الناس، فلم يؤدوا الواجب الديني الذي خصصوا أنفسهم له، و أصبح الإسلام بلا حملة، و بلا دعاة بالمعنى الذي يتطلبه الدين». و يقول في شأن النظم المتقدمة: «و إني أقرر مع الأسف أن كل الجهود التي بذلت لإصلاح المعاهد منذ عشرين سنة لم تعد بفائدة تذكر في إصلاح التعليم، و أقرر أن نتائج الأزهر و المعاهد تؤلم كل غيور على أمته و على دينه، و قد صار من الحتم لحماية الدين، لا لحماية الأزهر، أن يغير التعليم في المعاهد، و أن تكون الخطوة إلى هذا جريئة، يقصد بها وجه اللّه تعالى، فلا يبالي بما تحدثه من ضجة و صراخ، فقد قرنت كل الإصلاحات العظيمة في العالم بمثل هذه الضجة».

و يقول في وصف الكتب: «هي كتب معقدة لها طريقة خاصة في التأليف، لا يفهمها كل من يعرف اللغة العربية، و إنما يفهمها من مارسها و مرن على فهمها، و عرف إصلاح مؤلفتها». و يقول فيما يختص بدراسة الفقه:

«يجب أن يدرس الفقه الإسلامي دراسة حرة خالية من التعصب لمذهب، و أن تدرس قواعده مرتبطة بأصولها من الأدلة، و أن تكون الغاية من هذه الدراسة عدم المساس بالأحكام المنصوص عليها في الكتاب و السنة، و الأحكام المجمع عليها، و النظر في الأحكام الاجتهادية لجعلها

22

ملائمة للعصور و الأمكنة و العرف و أمزجة الأمم المختلفة، كما كان يفعل السلف من الفقهاء». و يقول فيما يختص بدراسة التفسير و الحديث:

«يجب أن يدرس القرآن دراسة جيدة، و أن تدرس السنة دراسة جيدة، و أن يفهمها على وفق ما تتطلبه اللغة العربية، و على وفق قواعد العلم الصحيحة، و أن يبتعد في تفسيرهما عن كل ما أظهر العلم بطلانه، و عن كل ما لا يتفق و قواعد اللغة العربية».

هذه هي مذكرة المراغي التي جعلها دستوره في الإصلاح، و التي علقت عليه الأمة من أجلها آمالها في إعلاء شأن الدين و انهاض أهله، و قد رأى تنفيذا لأغراض هذه المذكرة الإصلاحية، توزيع التعليم العالي في الأزهر على شعب ثلاث: شعبة للتفسير و التوحيد و تعرف باسم كلية أصول الدين، و شعبة للغة العربية و تعرف باسم كلية اللغة العربية، و شعبة للفقه و الأصول و تعرف باسم كلية الشريعة. تنوع التعليم العالي إلى هذه الكليات الثلاث، و وضعت مناهج لكل كلية تبين علومها الأساسية و الإضافية، و جعل وراء ذلك تخصصات «و إجازات» موزعة على هذه الكليات الثلاث.

- 7-

و يرى الدكتور محمد عبد الله دراز: أن أبدع طابع تمتاز به الجامعة الأزهرية، ليس هو أنها قد جمعت في تعليمها بين هذين العنصرين الروحي و الزمني، اللذين نراهما منفصلين في سائر الجامعات، بل ميزتها الكبرى هي أن الميدان الذي تتدفق فيه حيوتها يتجاوز كل حدود التعليم و التثقيف، و يرتقي إلى دور من أهم الأدوار في توجيه حياة الجماعة. إن رسالة الأزهر على الجملة، إنما هي امتداد لرسالة الإسلام، ألا و إن الإسلام ليس مجموعة مبادى‏ء نظرية تغرس في الأذهان فحسب، و إنما هو قوة دافعة خلاقة، غايتها أن تنظم السلوك الإنساني تنظيما فعليا، طبقا لاسمي المثل و أسلسها قيادا على التنفيذ العملي. فليس يكفيه إذا أن يبين هذه المبادى‏ء

23

دون أن يسهر على تطبيقها ... و هذا التطبيق لا يخص سلوك الفرد في نفسه، أو في أماكن عبادته و كفى، لأن قانون الإسلام، الذي هو موضوع التطبيق، لا يعرف هذا الفصل بين الدين و شئون الحياة، بل إن قواعده العملية تمتد إلى جميع ميادين النشاط الاقتصادي و الأخلاقي، في حياة الفرد، و الأسرة. و الأمة، بل في حياة الجماعة الإنسانية كلها.

و قد عنى الأزهر- إلى جانب تكوينه لأسرة التدريس- بتخريج جماعة من المصلحين الاجتماعيين، ليكونوا في صلة دائمة بالشعب، و يتجهوا إليه بإرشاداتهم في كل مناسبة. و لدى الأزهر منهم الآن أكثر من 250 واعظا، موزعون توزيعا متناسبا بين العاصمة و سائر الأقاليم، و إن «العدالة» و «الأمن» لمدينان أعظم الدين لجميل نصائحهم التي يوجهونها إلى الجماهير، و إلى الأسوة الحسنة التي يقدمونها لهم في سيرتهم الشخصية، و إلى طرق الإصلاح التي يمهدونها لهم في المنازعات، كما تشهد بذلك السجلات الرسمية. و في الوقت نفسه نجد في الأزهر لجنة دائمة من العلماء تتلقى المكاتبات من كل سائل، عما أشكل عليه من أحوال السلوك و شئون المعاملات، و تجيبه بما يزل شبهته، و ينير له السبيل السوي.

و من وراء ذلك كله- و فوق كل هذه الخدمات الجليلة- يتمتع الأزهر بسلطة معنوية أكثر عمقا، و أبعد حدودا، يستعملها في توجيه المجتمع الإسلامي، لا في مصر وحدها، بل في سائر البلاد الإسلامية. و هاهنا أيضا لا تعوزنا الشواهد لإبراز هذه الحقيقة. فلقد أتى على عرش مصر لحظة من الزمن، في سنة 1805 م، كان فيها يبدو مترددا بين «خورشيد» و «محمد علي». فكان الثقل الذي وضعه نفوذ الأزهر هو الذي رجح كفة الميزان في جانب محمد علي، و وضع الباب العالي أمام الأمر الواقع في اختياره واليا على مصر. و في سنة 1919 كان الأزهر هو المنبر الذي ارتفع منه أقوى صوت في المطالبة بإلغاء الحماية الانجليزية، و كان حرم الأزهر هو المهد الذي ولدت فيه الوحدة التي لا تنفصم عراها بين أقباط مصر

24

و مسلميها، لاحباط الدسائس البريطانية التي حيكت للتفريق بين العنصرين: أما نفوذ الأزهر في الأقطار الإسلامية فليس من نوع ذلك النفوذ الغامض البعيد، الذي يتمتع به الأزهر بفضل مهابة اسمه و جلال مركزه فحسب، بل إن له في تحقيقه وسائل حية، و أدوات ناطقة. نعم، أليس للأزهر ممثلوه في أقطار الإسلام، و لتلك الأقطار ممثلوها فيه؟ أو ليس هؤلاء الممثلون من الجانبين هم حلقة الاتصال المتبادل الذي يحفظ و ينمي هذه العلاقات الوثيقة بين الطرفين في مختلف النواحي الثقافية و الأدبية و الروحية؟

فأما من أحد الجانبين، فإن الدولة الإسلامية لا تفتأ تلتمس من الأزهر في كل عام، عددا من علمائه ليبصروا شعوبها بحقائق الإسلام، أو ليكونوا أعضاء في هيئات التدريس في جامعاتها و معاهدها، و لا يسع الأزهر إلا أن يرحب دائما بندائهم فلا يرد لهم ملتمسا. و قد بلغ الآن عدد المندوبين من علماء الأزهر في خارج القطر 125 مدرسا في الأقطار الممتدة من جزائر الفيليبين إلى مملكة ليبيا. بل إن الدول الغربية قد أفادت من نظام الانتداب المذكور، سواء لتغذية جامعاتها، أو لإدارة مراكز الإسلام الثقافية فيها. و ما نحن أولاء نرى من أساتذة الأزهر مندوبين بالفعل في «لوندره» و «واشنطن» و «سان فرانسيسكو» و قد نرى قريبا وصول هذا المدد إلى «باريس» أيضا ...

و نعود إلى الأقطار الإسلامية فنقول: إن صلتها الوثيقة بالأزهر تقوم- من جهة أخرى- على تلك الألوف من شباب المتعلمين الوافدين منها، و الذين يتبناهم الأزهر فيطبعهم بطابعه، و يصنعهم على طرازه. و إن الحفاوة التي يقدمها لهم لمفعمة بأنواع الكرم و الضيافة. فهو يؤويهم بالمجان، و يمنح كلا منهم شهريا مقدارا من المال كافيا لمعيشته، و على الرغم من زيادة عددهم عاما بعد عام، فإن هذه المرتبات يجدونها مكفولة لهم على الدوام، كما أن الجامعة تهي‏ء لهم في أثناء العام رحلات مدرسية بالمجان‏

25

إلى الأماكن الأثرية و معالم السياحة، و تعد لهم في الصيف مقاما هادئا على شواطى‏ء البحر في الأسكندرية. و في نهاية دراستهم تمنحهم شهادات ينتفعون بها عند عودتهم، لا في التدريس فحسب، بل في مختلف المناصب في بلادهم. و لقد بلغ عدد هؤلاء الضيوف في هذا العام اكثر من ثلاثة آلاف طالب، هم سفراء الأزهر غدا إلى بلادهم. فإذا سارت الأمور على هذا المنوال لم تمض بضع عشرات من السنين حتى يكون الأزهر قد جعل من جميع الشعوب الإسلامية أمة واحدة متجانسة في ثقافتها، كما هي متجانسة في عقيدتها و آدابها.

على أن الرسالة الحقيقة للأزهر لن تتحقق على وجهها الأكمل إلا إذا تجاوزت حدودها الإقليمية في الشرق الإسلامي، و أسمعت صوتها من وراء تلك الحدود.

نعم إننا اليوم- و قد تنازعت العالم قوى متناحرة، و آراء متنافرة، قد عجزت أطرافها أن تلتقي عند حد وسط يوفق بينها. و قد أخذت في صراعها تسرع بنا الخطا نحو الكارثة الكبرى- أقول إننا اليوم لفي أمس الحاجة إلى قوة ثالثة تتسم بطابع التعادل و التوازن، لا عن طريق التلفيق بين عناصر متناكرة، بل عن طريق وحدة طبيعية متماسكة يتألف فيها عنصر المادة و الروح، و تتساند فيها مطامح المنفعة و عواطف الإيثار، و تتعانق فيها حرية الفرد و سلطان الدولة، و تندرج بها المصالح القومية في نطاق الرحمة الإنسانية العالمية، و بالجملة فإننا اليوم في أشد الحاجة إلى تلك الحكمة الشرقية الإسلامية التي يعد الأزهر خير ممثل لآدابها، و يوم يتمكن الأزهر من أن يصوغ هذه السياسة الرشيدة في أسلوب واضح سائغ محدد، و يتيسر له من الوسائل ما ينشر به هذه المبادى‏ء في الميدان العالمي، و يبدي فيه المعسكران المتصارعان في الوقت نفسه من حسن النية و قوة العزيمة ما يجعلهما يصغيان إلى ندائه الحكيم، يومئذ يكون لنا أن نتحدث بحق و صدق‏

26

عن «السلام الشامل» و «الأمن العالمي الكامل» لا حلما من نسيج الأوهام، و لكن حقيقة حية صالحة للبقاء.

- 8-

و يرى مصطفى صادق الرافعي أن أول شي‏ء في رسالة الأزهر في القرن العشرين عنده، أن يكون أهله قوة إلهية معدة للنصر، مهيأة للنضال، مسددة للإصابة، مقدرة في طبيعتها أحسن تقدير، تشعر الناس بالاطمئنان إلى عملها، و توحي إلى كل من يراها الإيمان الثابت بمعناها، و لن يأتى لهم هذا إلا إذا انقلبوا إلى طبيعتهم الصحية، فلا يكون العلم تحرفا و لا مهنة، و لا يكون في أوراق الكتب خيال ... بل تظهر فيهم العظمة الروحانية آمرة ناهية في المادة لا مأمورة منهية بها و يرتفع كل منهم بنفسه، فيكون مقرر خلق في الحياة قبل أن يكون معلم علم، لينبث منهم مغناطيس النبوة يجذب النفوس بهم أقوى مما يجذبها ضلالات العصر، فما يحتاج الناس في هذا الزمن إلى العالم- و إن الكتب و العلوم لتملأ الدنيا- و إنما يحتاجون إلى ضمير العالم، و قد عجزت المدنية أن توجد هذا الضمير، مع أن الإسلام في حقيقته ليس شيئا إلا قانون هذا الضمير، إذ هو دين قائم على أن اللّه لا ينظر من الإنسان إلى صورته و لكن إلى عمله، فأول ما ينبغي أن يحمله الأزهر من رسالته ضمائر أهله.

و الناس خاضعون للمادة بقانون حياتهم، و بقانون آخر هو قانون القرن العشرين ... فهم من ثم في أشد الحاجة إلى أن يجدوا بينهم المتسلط على المادة بقانون حياته ليروا بأعينهم القوى الدنيئة مغلوبة، ثم ليجدوا في هذا الإنسان أساس القدوة و الاحتذاء فيتصلوا منه بقوتين: قوة التعليم و قوة التحويل .. هذا هو سر الإسلام الأول الذي نفذ به من أمة إلى أمة و لم يقم له شي‏ء يصده إذ كان ينفذ في الطبيعة الإنسانية نفسها.

و من أخص واجبات الأزهر في هذا القرن العشرين أن يعمل أول شي‏ء

27

لإقرار معنى الإسلام الصحيح في المسلمين أنفسهم، فإن أكثرهم اليوم قد أصبحوا مسلمين بالنسب لا غير ... و ما منهم إلا من هو في حاجة إلى تجديد الإسلام. و الحكومات الإسلامية عاجزة في هذا، بل هي من أسباب هذا الشر لأن لها وجودا سياسيا و وجودا مدنيا، أما الأزهر فهو وحده الذي يصلح لإتمام نقص الحكومة في هذا الباب، و هو وحده الذي يسعه ما تعجز عنه، و أسباب نجاحه مهيأة ثابتة إذ كان له بقوة التاريخ حكم الزعامة الإسلامية، و كانت فيه عند المسلمين بقية الوحي على الأرض، ثم كان هو صورة المزاج النفسي الإسلامي المحض، بيد أنه فرط في واجب هذه الزعامة و فقد القوة التي كان يحكم بها و هي قوة المثل لأعلى التي كانت تجعل الرجل من علمائه كما قلنا مرة، إنسانا تتخيره المعاني الإنسانية تظهر فيه بأسلوب عملي فيكون في قومه ضربا من التربية و التعليم بقاعدة منتزعة من مثالها مشروحة بهذا المثال نفسه، و العقيدة في سواد الناس بغير هذا المثل الأعلى هي أول مغلوب في صراع قوة الحياة .. لقد اعتاد المسلمون من قديم أن يجعلوا أبصارهم إلى علماء الأزهر، و لذلك فهم يتبعونهم و يتأنسون بهم و يمنحونهم الطاعة و ينزلون على حكمهم و يلتمسون في سيرتهم التفسير لمشكلات النفس و يعرفون بهم معنى صغر الدنيا و معنى كبر الأعمال العظيمة، و كان غنى العالم الديني شيئا غير المال بل شيئا أعظم من المال إذ كان يجد حقيقة الغنى في إجلال الناس لفقره كأنه ملك لا فقير، و كان زهده قوة حاكمة فيها الصلابة و الشدة و الهيبة و السمو و فيها كل سلطان الخير و الشر لأن فيها كل النزعات الاستقلالية، و يكاد الزهد الصحيح يكون هو وحده القوة التي تجعل علماء الدين حقائق مؤثرة عاملة في حياة الناس أغنيائهم و فقرائهم، لا حقائق متروكة لنفسها يوحش الناس منها أنها متروكة لنفسها، و علماء الأزهر في الحقيقة هم قوانين نفسية نافذة على الشعب، و عملهم أرد على الناس من قوانين الحكومة، بل هم التصحيح لهذه القوانين إذا جرت الأمور على عللها و أسبابها، فيجب عليهم أن يحققوا

28

وجودهم و أن يتناولوا الأمة من ناحية قلوبها و أرواحها، و أن يعدوا تلاميذهم في الأزهر كما يعدون القوانين الدقيقة لا طلابا يرتزقون بالعلم. أين صوت الأزهر و عمله في هذه الحياة المائجة بما في السطح و ما في القاع ... و أين وحي هذه القوة التي ميثاقها أن تجعل النبوة كأنها شي‏ء واقع في الحياة العصرية لا خبر تاريخي فيها.؟ لقد أصبح إيمان المسلمين كأنه عادة الإيمان لا الإيمان نفسه، و رجع الإسلام في كتبه الفقهية و كأنه أديان مختلفة متناقضة لا دين واحد. فرسالة الأزهر أن يجدد عمل النبوة في الشعب، و ان ينقى عمل التاريخ في الكتب، و أن يبطل عمل الوثنية في العادات، و أن يعطي الأمة دينها الواضح السمح الميسر و قانونها العملي الذي فيه سعادتها و قوتها، و لا وسيلة إلى ذلك إلا أن يكون الأزهر جريئا في قيادة الحركة الروحية الإسلامية، جريئا في عمله لهذه القيادة، آخذا بأسباب هذا العمل، ملحا في طلب هذه الأسباب. مصرا على هذا الطلب. و كل هذا يكون عبثا إن لم يكن رجال الأزهر و طلبته أمثلة من الأمثلة القوية في الدين و الخلق و الصلابة لتبدأ الحالة النفسية فيهم، فإنها إن بدأت لا تقف، و المثل الأعلى حاكم بطبيعته على الإنسانية مطاع بحكمه فيها. محبوب بطاعتها له. و المادة المطهرة للدين و الأخلاق لا تجدها الأمة إلا في الأزهر، فعلى الأزهر أن يثبت أن فيه تلك المادة بإظهار عملها لا بإلصاق الورقة المكتوب فيها الاسم على الزجاجة .. و من ثم يكون واجب الأزهر أن يطلب الإشراف على التعليم الإسلامي في المدارس و أن يدفع الحركة الدينية دفعا بوسائل مختلفة: أولها أن يحمل وزارة المعارف على إقامة فرض الصلاة في جميع مدارسها، و أن يقود مدرسة حرية الفكر .. و الأمة الإسلامية كلها تشد رأي الأزهر في هذا. و إذا نحن استخرجنا التفسير العملي لهذه الآية الكريمة: «ادْعُ إِلى‏ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَ الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ» دلتنا الآية بنفسها على كل تلك الوسائل، فما الحكمة هنا إلا السياسة الاجتماعية في العمل. و ليست الموعظة الحسنة إلا الطريقة النفسية

29

في الدعوة، العلماء ورثة الأنبياء. و ليس النبي من الأنبياء إلا تاريخ شدائد و محن، و مجاهدة في هداية الناس، و مراغمة للوجود الفاسد، و مكابدة التصحيح للحالة النفسية للأمة. فهذا كله هو الذي يورث عن الأنبياء لا العلم و تعليمه فقط.

و إذا قامت رسالة الأزهر على هذه الحقائق، و أصبح وجوده هو المعنى المتمم للحكومة المعاون لها في ضبط الحياة النفسية للشعب و حياطتها و أمنها و رفاهتها و استقرارها- اتجهت طبيعته إلى أداء رسالته الكبرى للقرن العشرين بعد أن يكون قد حقق الذرائع إلى هذه الرسالة من فتح باب الاجتهاد و تنقية التاريخ الفقهي و تهذيب الروح الإسلامي و السمو به عن المعاني الكلامية الجدلية السخيفة، ثم استخرج أسرار القرآن الكريم المكتنة فيه لهذه العصور العلمية الأخيرة، و بعد أن يكون قد اجتمعت فيه القوة التي تمسك الإسلام على سنته بين القديم و الجديد، لا ينكره هذا و لا بغيره ذاك، و بعد أن يكون الأزهر قد استفاض على العالم العربي بكتبه و دعاته و مبعوثيه من حاملي علمه و رسل إلهامه.

أما تلك الرسالة الكبرى فهي بث الدعوة الإسلامية في أوروبا و أمريكا و اليابان، بلغات الأوروبيين و الأمريكيين و اليابانيين في ألسنة أزهرية مرهفة مصقولة لها بيان الأدب و دقة العلم و إحاطة الفلسفة، و إلهام الشعر، و بصيرة الحكمة، و قدرة السياسة، ألسنة أزهرية لا يوجد الآن منها لسان واحد في الأزهر، و لكنها لن توجد إلا في الأزهر، و لا قيمة لرسالته في القرن العشرين إذا هو لم يوجدها فتكون المتكلمة عنه و الحاملة لرسالته، و ما هذه البعثات التي قرر الأزهر ابتعاثها إلى أوروبا إلا أول تاريخ تلك الألسنة.

أنا مستيقن أن فيلسوف الإسلام الذي سينتشر الدين على يده في أوروبا و أمريكا لن يخرج إلا من الأزهر، و ما كان الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده (رحمه اللّه) إلا أول التطور المنتهي إلى هذه الغاية، و سيكون‏

30

عمل فلاسفة الأزهر استخراج قانون السعادة لتلك الأمم من آداب الإسلام و أعماله ثم مخاطبة الأمم بأفكارها و عواطفها و الإفضاء من ذلك إلى ضميرها الاجتماعي فإن أول الدين هناك أسلوبه الذي يظهر به.

هذه هي رسالة الأزهر في القرن العشرين يتحقق بوسائلها من الآن، و من وسائلها أن يعالن بها لتكون موثقا عليه، و يحسن بالأزهر في سبيل ذلك أن يضم إليه كل مفكر إسلامي ذي إلهام أو بحث دقيق أو إحاطة شاملة، فتكون له ألقاب علمية يمنحهم إياها و إن لم يتخرجوا فيه، ثم يستعين بعلمهم و إلهامهم و آرائهم، و بهذه الالقاب يمتد الأزهر إلى حدود فكرية بعيدة و يصبح أوسع في أثره على الحياة الإسلامية و يحقق لنفسه المعنى الجامعي، و في تلك السبيل يجب على الأزهر أن يختار أياما في كل سنة يجمع فيها من المسلمين (قرش الإسلام) ليجد مادة النفقة الواسعة في نشر دين اللّه. و ليس على الأرض مسلم و لا مسلمة لا يبسط يده، فما يحتاج هذا التدبير لأكثر من إقراره و تنظيمه و إعلانه في الأمم الإسلامية و مواسمها الكبرى و خاصة موسم الحج.

- 9-

و نشر العقاد كلمة عام 1947 عن الأزهر و إصلاح و رسالته قال فيها:

خير ما يطلب للأزهر هو أن يزداد نصيبه من الجامعية العلمية، و أن يزدان نصيبه من المشاركة في الأعمال الدنيوية، و أن يحال بينه و بين العزلة و الانقطاع، و نحن من المؤمنين بماضي الأزهر العظيم، و لكننا أشد إيمانا بمستقبله بنا بماضيه، لأن وظيفته في الماضي كانت وظيفة واحدة لا منازع فيها، أما وظيفته في المستقبل فوظيفتان ينهض بهما فيكون له شأنان متعادلان في حكمة الإسلام و حكمة العلم الذي يعمل به المسلمون و غير المسلمين، فالجامع الأزهر أحق مكان بأن يحيي الفلسفة القديمة التي عاشت فيه وحده يوم ماتت في جوانب الدنيا بأسرها، و من إحياء هذه‏

31

الفلسفة أن يزاوج بينها و بين مستحدثات التفكير في كل عصر و بين كل قبيل، و الجامع الأزهر أحق مكان بتوسيع المنطق الذي تمكنت فيه أسسه و تهيأت لما يضاف إلى هذه الأسس من أركان جديدة، في مذاهب المناطقة المحدثين، و الجامع الأزهر أحق مكان بأن يعرض العقيدة الإسلامية المستنيرة على أهل المشرق و المغرب لأنه أقدر على هذه الرسالة من الآحاد أو الجماعات التي تصدت لها في غير مصر من الأقطار الإسلامية، و الجامع الأزهر أحق مكان بأن يقصده الصيني من أقصى الشرق كما يقصده «الفندلاندي» من أقصى الشمال، أو يقصده الزنجباري من أقصى الجنوب لأنهم يتعلمون فيه ما لا يجدونه في غيره من الجامعات المعصورة على العلوم الطبيعية. و الجامع الأزهر أحق مكان بأن يتدارك عيب العصر الحاضر و هو العيب الجسام الذي يتمثل في العزل بين عالم العقل و عالم الروح.

فيتعلم فيه الرجل و هو مؤمن و يؤمن فيه و هو عالم، و يحسن قيادة المتدينين المتعلمين، و نحن كبير و الرجاء في إنجاز هذه المهمة العظمى بعد أن صارت مشيخة الأزهر إلى أستاذ الفلسفة الإسلامية على أحدث المناهج العصرية، فإنه أقدر الناس على أن يحقق للجامع الأزهر وظيفتيه في ثقافة العقل و ثقافة الروح، و أعوانه من الأزهريين غير قليلين.

- 10-

و يقول الاستاذ مصطفى حبيب من كلمة له ألقاها في المؤتمر الثقافي العربي عام 1950، و قد كان من المندوبين فيه عن الأزهر: الاتجاهات التعليمية السائدة في الأزهر الآن هي:

1- العمل على تعميم التعليم الديني في البلاد بافتتاح المعاهد الدينية في جميع العواصم و المراكز الكبيرة، و تيسير هذا التعليم على الناس بمتابعة ما جرى عليه عرف الأزهر من قديم، من مجانية التعليم الديني، و تشجيع الطلاب بتقرير مكافآت مادية تعينهم على مواصلة الدرس، و قد قطع الأزهر في هذا الاتجاه شوطا بعيدا فافتتح في السنوات الأخيرة خمسة معاهد،

32

هي: قنا و سوهاج و المنيا و المنصورة و سمنود، و أعان على أن تنشر المعاهد الحرة في البلاد بما قدمه لها من العون العلمي و المادي. فقد تعهد الأزهر بتزويد كل معهد حر بالمدرسين على حساب ميزانيته فضلا عن تقرير إعانة استيفاء لكل معهد، مما حفز على انتشار التعليم الديني في البلاد و إنشاء المعاهد الحرة.

2- تشجيع التعاون الثقافي بين الأزهر و المعاهد الإسلامية في البلاد الإسلامية جميعها، ليوحد بين ثقافة أبناء هذه الشعوب و ثقافة الأزهر، و ليعاون على إيجاد رأى عام إسلامي موحد، و ليدخل على هذه المدارس الأنظمة الإصلاحية التي قام بتجربتها الأزهر، ليساهم بنصيب في الرقي الفكري و العلمي للشعوب العربية و الإسلامية، و للأزهر الآن في جميع البلاد الإسلامية و العربية مدرسون من خيرة أبنائه المتأثرين بالأفكار الحديثة يبثون تعاليم الأزهر و رسالته الإصلاحية في نجد و الحجاز و سوريا و لبنان و العراق و الكويت و أسمرة، و يساهم الأزهر بنصيب كبير في تمويل هذه الحركة العلمية، إيمانا منه بفائدتها لمصر و العالم الإسلامي كله.

3- نشر الثقافة الإسلامية في البلاد المتخلفة علميا و التي هي في مسيس الحاجة إلى التنوير في شئون دينها، و الأزهر معنى بهذه الناحية أشد العناية، و قد وجه مبعوثين من رجاله لدراسة أحوال المناطق الأفريقية في جنوب السودان و أوغندة و أرتيريا و شرق أفريقيا، و قد وضعت تقارير مفصلة عن أوجه المساعدة المثمرة لهذه الجهات، و أرسل الأزهر فعلا بعثة علمية إلى أرتيريا وجوبا، و هو بسبيله إلى إرسال بعثات جديدة إلى الصومال و نيجيريا و أوغندة و شرق أفريقيا.

4- العناية بنشر الإسلام و تعاليمه الصحيحة في جميع البلاد، و إيجاد صلة قوية و رابطة متينة بين المسلمين في كافة أقطار الأرض عن طريق التبادل الثقافي، و إنشاء مراكز إسلامية تزود بالمكتبات و العلماء الباحثين و الوعاظ

33

لسد حاجات الناس في هذه البلاد الى الثقافة الإسلامية، و يسير الأزهر في هذا الاتجاه بخطى حثيثة، و أستطيع القول بأن الأزهر اليوم متصل بجميع الهيئات العلمية و الإسلامية في أوروبا و أمريكا و آسيا، و له مكتب ثقافي في لندن، و آخر في الباكستان، و ثالث في الفلبين، و هو يدرس اليوم مشروعات متعددة لإنشاء مكاتب أخرى في الولايات المتحدة و الأرجنتين و الملايو و أندونيسيا، و لكنه على أية حال لم يحقق بعد كل ما يرجوه من التوسع في هذه الناحية لأنها تحتاج إلى المال و الرجال:

5- العناية بالبعوث الإسلامية الوافدة الى الأزهر من كل بقاع الأرض و تعليمها و تثقيفا دينيا و علميا، ليكونوا هذاة لقومهم يرشدونهم إذا رجعوا إليهم، و لا يدخر الأزهر وسعا في هذا السبيل، فهو يشجع الطلاب الراغبين على الوفود، كما يحض الهيئات الإسلامية و الحكومات الإسلامية على إرسال أبنائها إلى الأزهر، و هو يعد لهؤلاء الطلاب أماكن صحية للسكن، و يمدهم بمعونة مادية تيسر لهم طلب العلم و تعينهم على الحياة في مصر. و في الأزهر الآن ألفان من طلاب البعوث الإسلامية يمثلون كافة البلاد الإسلامية. و قد أعد لهم الأزهر دراسات خاصة تعينهم على معرفة اللغة العربية معرفة تؤهلهم للاندماج في سلك الدراسة مع إخوانهم المصريين.

و قد بلغت البعوث الإسلامية اليوم حدا لم تبلغه في عصور الأزهر الذهبية في القرن الثامن الهجري حين سقطت بغداد و فر أبناء المسلمين إلى الأزهر بدينهم. فقد كان تعدادهم حينذاك كما روى المقريزي 750 طالبا. و كان هذا يعتبر رقما قياسيا، أما اليوم فهم يربون على الألفين، و الباب ما يزال مفتوحا على مصاريعه لتقبل كل من يريد العلم و التفقه فيه. فالأزهر لا يرد عن رحابة طالب علم.

6- إعداد بيئة من العلماء النابغين في علوم الدين إعدادا يؤهلهم لنشر الدعوة الإسلامية و الثقافة الإسلامية في البلاد التي تتكلم باللغات الأجنبية بتمكينهم من الدراسة في الجامعات الأوروبية، ليتصلوا بالحياة العقلية في‏

34

الغرب، و يجيدوا اللغات الأجنبية كتابة و خطابة، و يكونوا مزاجا جديدا من الدراسة يلائم، حاجة العصر، و يسد حاجات البلاد الإسلامية الناطقة باللغات الأجنبية الى مدرسين و أساتذة. و قد أدرك الأزهر قيمة هذا العمل العظيم فأرسل بعثة مكونة من عشرة من خيرة أبنائه إلى بريطانيا ليدرسوا في جامعاتها، و ما يزال الأزهر في حاجة إلى المزيد من هذه البعثات ليكثر بين أساتذته و مدرسيه من يجمعون بين الثقافتين الأزهرية و الغربية، ليكونوا في المستقبل القريب نواة لهيئة التدريس الجامعية.

7- يتجه الأزهر منذ سنوات إلى التخلص من الكتب التقليدية القديمة في الدراسة، و تشجيع الأساتذة على تأليف كتب جديدة تتناسب مع العصر الحديث في حسن العرض و التبويب، ليسهل على الناس الاطلاع عليها، لأن الكتب القديمة على وضعها الحالي كتب معقدة لها طريقة خاصة في التأليف لا يفهمها إلا من مارسها و مرن على فهمها ... و قد بدأ الأزهريون يكتبون و يؤلفون، و لكنهم لم يحققوا بعد الآمال المعقودة عليهم، إذ لا يزال في أعناقهم للعالم الإسلامي و أبناء هذا الجيل دين يجب أن يوفوه: هو تبسيط الحقائق العلمية و تقريبها إلى الأذهان، و تشويق الناس للاطلاع على ما في الدين الإسلامي و التشريع الإسلامي من كنوز في المعرفة.

8- يدرس الأزهر الآن الفقه الإسلامي دراسة خالية من التعصب لمذهب بعينه، بل و يدرس المقارنات بين المذاهب، و قد أتاحت هذه الروح التي تسود الأزهر الآن النظر في الأحكام الاجتهادية لجعلها ملائمة للعصر و العرف و تطور الأمم و الشعوب، و استنباط الأحكام التي تتمشى مع سير الزمن. و قد أصبح بفضل هذه الروح في الأزهر جماعة من أفاضل العلماء تعمل على تزويد رجال التشريع بالأحكام الاجتهادية من كافة الأئمة غير مقيدين بمذهب بعينه أو إمام بعينه. و قد صدرت القوانين الأخيرة في أحكام الوقف و الوصية بعد دراسة حرة لجميع الآراء، و أخذت الأحكام من جميع المذاهب و من آراء الأئمة و المجتهدين بما يلائم مصلحة الأئمة و يسد

35

حاجات الجيل. و تلك خطوة جريئة إن أغضبت المتزمتين، فقد أرضت اللّه و رسوله. و يتجه الأزهر في هذه الأيام إلى إنشاء معهد للفقه المقارن يقوم على هذه الدراسات الحرة و ينميها، لينتفع العالم بآثار الاجتهاد، مما يحفز العقل البشري على التقدم لخدمة الإنسانية.

9- يعني الأزهر بإحياء كتب السنة و جمعها في كتاب واحد حسن التبويب، تيسيرا للسنة على الراغبين في الاطلاع عليها. و تقوم بالأزهر الآن لجنة برئاسة الأستاذ الأكبر شيخ الجامع الأزهر للعمل على إخراج هذا المشروع.

10- يعني الأزهر أشد العناية بدراسة اللغة العربية و النهوض بأساليبها التعليمية و إبراز كنوزها للناس. و قد نهض بكلية اللغة العربية نهضة كبيرة أصبحت بفضلها تنافس معاهد اللغة العربية في مصر منافسة قوية، أفادت العلم و اللغة في مصر و الشرق. و ها هم أولاء أبناء كلية اللغة العربية منبثون في جميع المدارس و المعاهد الأزهرية و الحكومية يؤدون رسالة الأزهر في خدمة اللغة و النهوض بها على نمط يثير الإعجاب و التقدير من الجميع.

11- عمل الأزهر جادا على تقرير تعليم الدين في المدارس الحكومية و جعله مادة أساسية، لينشأ ناشي‏ء الفتيان منا على التمسك بأحكام الدين و الرعاية لفضائله، إيمانا منه بأن ما ينطبع في نفس الطفل منذ نعومة أظافره من إيمان و تدين، لا يمكن أن تؤثر فيه الأيام، بل يظل أساسا صالحا يوجه رجال المستقبل الى الخير، و يحفزهم على البر بأنفسهم و أهليهم و أوطانهم. و قد نجح الأزهر بتقرير دراسة الدين بالمدارس.

12- يعني الأزهر بإحياء الشعور الديني، و تنمية روح التدين بين الطبقات الكادحة من العمال و الفلاحين، و تنويرهم في شئون دينهم، و تعريفهم بفضائله، لتتقوى فيهم روح المحبة و التآلف و يبعد عن صفوفهم المبادى‏ء المنحرفة التي تتنافى مع الدين و الخلق. و ينبث اليوم عشرات‏

36

الوعاظ من أبنائه في صفوف الشعب يخاطبونه بالأسلوب القريب إلى نفسه، و يعالجونه علاجا نفسيا يقوي عزائمه و يثبت إيمانه.

13- يعني الأزهر عناية جدية بوعظ السيدات و تعليمهن شئون دينهن، ليكن خير مربيات لأبنائهن، و ليغرس في نفوسهن منذ الحداثة الإيمان باللّه و حب الوطن، و هو يعقد لذلك مئات الدروس كل يوم من أقصى الصعيد إلى القاهرة، و من القاهرة إلى البحر الأبيض المتوسط، للوعظ و الإرشاد و التعليم.

و في نفوس رجال الأزهر مشروع لإنشاء معهد لتعليم البنات و السيدات العلوم الدينية و العربية، إحياء لسنن السلف الصالح من العناية بتثقيف السيدات و إتاحة الفرصة لهن ليتفقهن في الدين، نرجو أن يتحقق في القريب العاجل. و ليس تعليم السيدات بالأزهر بجديد، فقد سبق الأزهر العالم كله منذ إنشائه حين كانت تعقد فيه دروس خاصة للسيدات، و كان بعضهن يحضرن الدروس العامة ليتفقهن في الدين كالرجال سواء بسواء.

هذه بعض جهود الأزهر في ربع قرن، و هذه هي خطواته بعد الإصلاح، و هي إن لم تكن أوفت على الغاية فقد جاوزت البداية القلقة، و ثبتت أقدام الإصلاح. و الأزهر بعد يسير بخطى جبارة، و ما هي إلا عشية أو ضحاها حتى يجمع فيها أنفاسه بعد هذا الجهد الشاق إلا و يستبق الزمن و يفقز إلى الطليعة يقود البلاد كعهده في الثقافة و اللغة و علوم الدين، و يهي‏ء للمجتمع الإسلامي كله حياة طيبة نافعة تسلكه مع أمم الأرض في الرقي و الحضارة.

- 11-

و قد ألقى الشيخ عباس الجمل في أبريل عام 1936 محاضرة موضوعها رسالة الأزهر، كان خلاصتها أن الأزهر إنما قام لنشر فقه الشيعة و عقائدهم و مبادئهم الدينية و السياسية. و أن الفرنسيين حين دخلوا مصر

37

اتخذوا شيوخ الأزهر صنائع للدعاية لهم، و لكن الذي جنى ثمرة ذلك هو محمد علي لا الفرنسيون. ثم ذكر أن الأزهر أدى رسالته العلمية في القرن التاسع عشر أداء مناسبا، و كانت زعامة الأدب العربي في الكتابة و الخطابة إلى ابن من أبنائه هو محمد عبده، ثم سعد زغلول .. و لكن الأزهر لم يظفر بأن ينال من زعامة الشعر شيئا .. و قد رفض الأزهر ما طلبه منه الخديوي إسماعيل من تشريع قوانين مستمدة من الشريعة الإسلامية لتكون قوانين للمحاكم الأهلية، فرجع الخديوي و حكومته الى القوانين الفرنسية تأخذ منها ما تشاء، و بذلك تحمل الأزهر هذا الإثم الشديد، و لكنه عاد فقدم للمحاكم الشرعية قوانين و قضاة.

و في قوانين الأزهر الأخيرة ما يرشد إلى رسالة الأزهر، فهو المعهد الديني العلمي الإسلامي الأكبر، و الغرض منه القيام على حفظ الشريعة الإسلامية الغراء و أصولها و فروعها و اللغة العربية، و على نشرها تخريج من يوكل إليهم تعليم علوم الدين و اللغة و يلون وظائف الدولة الشرعية ..

و استطرد من ذلك إلى أن الأزهر أمامه طريق شائك و ليل مظلم، و أنه لا يستطيع بحالته أن يسير لأداء رسالته، و طلب أن يرتفع الأزهر بأئمته و علمائه و مفتيه، و أن يجتهد الأزهر فيصلح ما فسد فيه، و يسير لأداء رسالته الصحيحة، رسالة الهدى و الإصلاح.

- 12-

و في عام 1936 أعلن علي ماهر عن عدة مسابقات تمنح الحكومة فيها مكافات سخية للفائزين، و كان من موضوعات هذه المسابقة «رسالة الأزهر في القرن العشرين» و قد فاز بالجائزة الأولى فيها الأستاذ أحمد خاكي. و قد ذهب هذا الباحث فيما ذهب إليه إلى أن تاريخ الأزهر يتصل اتصالا وثيقا بالحركات الفكرية التي قامت في مصر منذ السنة التي أنشي‏ء فيها، و يتمثل فيه من ناحية أخرى مبادى‏ء الإسلام و ما كان لها من سلطان، لأن الأزهر

38

معهد ديني كانت رسالته دائما رسالة الإسلام، و كانت لشيوخه الزعامة الفكرية في القديم، حتى أن بونابرت لما دخل مصر و وجد للأزهر الزعامة الدينية و الاجتماعية و السياسية تقرب إلى شيوخه، و جعل أعضاء «الديوان» الذي أنشأه منه، و هذا اعتراف بسلطان الأزهر على الشعب.

و وسط الزوابع السياسية التي تلت عصر نابليون و سبقت ولاية محمد علي قام الأزهريون يثبتون حق الشعب و يؤيدون ما يذهبون إليه بنصوص من الدين الحنيف، و لقد كان للسيد عمر مكرم نقيب الأشراف حينئذ المكانة الأولى بين ممثلي الشعب، و كان الشعب غاضبا على خورشيد باشا راغبا في تولية محمد علي، و في تاريخ الجبرتي نقاش بين السيد عمر مكرم و بين عمر بك أحد أنصار خورشيد، فقد كان عمر يذكره بالآية الكريمة أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ‏ فلم يكن من السيد عمر إلا أن قال: «أولو الأمر العلماء و حملة الشريعة و السلطان العادل»، ألسنا نحس في ذلك الرد وحده تلك القوة الوليدة التي شعر بها زعماء الأزهر و ألسنا نستطيع أن ندرك دهاء محمد علي حينما اجتذب الشيوخ إلى جانبه فتغلب على القوى التي كانت تنافسه؟ و سلطان هؤلاء الأزهريين هو الذي ظاهره على المماليك و هو الذي أرغم الخليفة على أن يعترف بولايته، كانت هذه إذن سابقة للأزهر أعلنت من مكانه فظل زعيما للجماعة المصرية بعد ذلك. و ما برح الأزهر يساير الحركة الفكرية في مصر حتى تمخض في أواخر القرن التاسع عشر عن حركة شاملة من حركات الإصلاح توجهت ضد العناصر الدخيلة التي مشت بالسوء في أمم الشرق، و قد رفع هذه الحركة جمال الدين الأفغاني و الشيخ محمد عبده، و لعل خير ما يذكر من أيادي الاستاذ الإمام أنه خرج الى فلاسفة الغرب يرد الحجة بالحجة و يقرع البرهان بالبرهان، و لم يكن الجدل الذي نشب بينه و بين هانوتو إلا ناحية من الصراع الفكري بين الشرق و الغرب، و كان المؤرخ الفرنسي يفتعل الذرائع و المسوغات التي تحلل ما اقترفته السياسة المادية التي استحلت لنفسها كل‏

39

ما تحرمه الشرائع و القوانين، و لم يكن الإمام المصري في ردوده إلا مدافعا عن أصول الإسلام الأولى يلحق البينة بالبينة يميز بين ما هو من صلب الدين و بين ما هو دخيل على الدين على أن ذلك الكفاح الذي تولاه الأستاذ الإمام و الذي خلق بعد ذلك مدرسة بأسرها من مدارس الفكر لم يزل حتى أصاب ساعدا قويا في أفراد من المتخرجين في الأزهر ثاروا على حكومة الدخلاء، و اتصلوا بالجيش آملين أن يحققوا بعض مثلهم العليا، فكانت الثورة التي اتصلت باسم عرابي باشا، و قد نجح التفكير الأزهري في هذه المرة إلى ثورة عسكرية لم تكن موفقة لأنها لم تكن من طبيعة الأزهر، و عرابي نفسه كان أزهريا لكنه لم يكن بالأزهري الرشيد، و قد جمعت هذه الثورة العسكرية إلى العناصر الواهية التي أنهكتها كثيرا من العناصر السامية التي خلقت في مصر أثرا بليغا، و كانت على الرغم مما انتابها من وهن نهضة قومية ما زالت تنمو حتى كانت شاملة بعد الحرب الكبرى، و لسنا ننسى أن الأزهر كان محطا لركاب هذه النهضة، فالأزهر كان مركزا للزعامة في أوائل القرن التاسع عشر و قد ظل مصدر للزعماء حتى بداية القرن العشرين، و قد ظهرت قوة الأزهر في الحالات التي احتكت بها مصر بالدخلاء الأجانب، ظهرت تلك القوة أمام الفرنسيين بزعامة السيد عمر مكرم، ثم انتظمت في جسم الأمة حتى وضحت مرة أخرى بزعامة الشيخ محمد عبده، و كانت موجهة في هذه المرة إلى الذين بسطوا أقلامهم في الدين من الفلاسفة و المؤرخين الأجانب، ثم كان لها بعد ذلك وجه قومي بدأ بقيادة عرابي و انتهى سلميا بزعامة سعد زغلول، و قد حاولت الحركة الأولى أن تتخلص من دخلاء الشركس، و حاولت الثانية أن تستقل عن كل أجنبي:

لقد رأينا كيف كان الأزهر مصدرا للزعامة و الكفاح، و قد رأينا كيف استعان الفكر المصري في كفاحه السياسي و الديني و الاجتماعي بسلطان الأزهر فقضى على المبادى‏ء الخربة التي تربصت بالشرق الدوائر، و قد تزعم شيوخ الأزهر المصريين لأن هؤلاء كانوا يستوحونهم الشعور الديني و كان‏

40

يتمثل في خلقهم و إرشادهم تلك القوى الحية التي نماها الإسلام و قواها فإن نحن أردنا أن نضرب بسهم في سبيل التقدم وجب علينا أن نرجع إلى أصول الإسلام الأولى فنحي تراثه و تلك الرجعة إلى ديننا الحنيف هي من رسالة الأزهر لحمتها و سداها، و جدير بالأزهر إذا أراد إحياء لذلك المجد الأثيل أن يعود سيرته الأولى من حيث الكفاح و الزعامة و أن تتمثل فيه كل المثل العليا التي بسطنا القليل منها فيما تقدم، و بذلك يستطيع أن يلهم الناس دينهم خالصا نقيا، بل خليق به بعد ذلك- إذا أراد أن يكون في الرأس- أن يتصل أتصالا وثيقا بالحركات الاجتماعية التي تدب بين المصريين و قد بينا كيف كانت رسالة الأزهر دائما مزدوجة، فهي دينية من ناحية و اجتماعية من ناحية أخرى ذلك بأن الإسلام كما أسلفنا دين يجمع بين العقائد و الشرائع يسعى لخير الجماعة في شتى الصور و يؤلف بين خلق الفرد خاصة و بين الأمة بوجه عام، لقد كان اهتمام الأزهر بالحركات الاجتماعية في مصر وحد به عليها أساسا لزعامته التي ظل الجميع يعترفون بها حتى أواخر القرن التاسع عشر و في اليوم الذي يعتزل الأزهر فيه الحياة العامة يضحي من سلطانه الذي كفله الدين نفسه و الذي عنا له المصريون خلال الأحداث التي اكتظ بها تاريخهم الطويل الحافل، و يعتزل الأزهر الحياة العامة إذا هو اطمأن إلى القيود التي تعوق التقدم فإن ذلك لا يتفق مع روح الإسلام نفسه و مصر- ككل جزء من أجزاء الأرض- ما زالت تنشد الإيمان و الخير و الحرية لكل المصريين إذ يتشبثون بتلك المبادى‏ء يتلفتون ذات اليمين و ذات اليسار يريدون أن يجدوا ملجأ فيطمئنوا إليه و يعتصموا به.

فجدير بالأزهر إذا أن يساهم في كل نواحي الحياة المصرية و أن يكون- كما كان في القرن التاسع عشر- قوة دافعة تستمد من قوة الدين و الحق، إن زعامة الأزهر لنواحي النشاط في مصر سوف تنتج خيرا شاملا، ذلك لأن التقدم المادي ينتهي دائما بكفاح يخلو من المثل الأعلى، و كل كفاح يخلو من المثل الأعلى يؤدي حتما إلى الفناء كالنار تأكل نفسها، و قد

41

تقنعنا نظرة عجلى إلى تاريخ أوروبا بكل ذلك فقد تناست ممالكها في تنازعها كل المثل العليا التي جاء بها دينها و هي لا تزال تتناساها إلى اليوم في نزاعها مع القارات الأخرى.

و قد كفل الإسلام الحرية بما رفع من مقام الإنسان و النظام بما أتى من أحكام الشرع و جعل طاعة اللّه و رسوله و أولى الأمر واجبات نقوم بها و نحن راضون، و بذل النصح لأولي الأمر بأن يترفقوا بالناس، ثم أنه قد جعل الناس كلهم إخوة فكان خير الناس عند اللّه أتقاهم فضمن بذلك حق العامة أمام الخاصة، كل هذا أتى به الإسلام و نزله مبادى‏ء دستورية يستطيع الفقهاء أن يلائموا بينها في بيئاتهم و بذلك كفل للإنسان أن يتقدم دائما. و لسنا نرى تقدما أرشد من هذا الذي يقوم على مثل المبادى‏ء، على أن التوفيق بينها أجمعين كان دائما أس التقدم عند دول الإسلام. يقول النفسيون: إن الإنسان لا يبلغ حدا من الكمال إلا إذا وازن بين القوى و الملكات التي يكسبها، و قد ذهب الى ذلك أفلاطون و قال مثل ذلك قوم آخرون قبل أن يدرس علم النفس، لكن التوازن بين قوى الإنسان و ملكاته أصبح حقيقة علمية في العصر الحديث و ينشأ كثير من أنواع الجنون إذا اختل هذا التوازن بل نحسب أن الانسجام محبب إلى النفس من الوجهة الجمالية و قد حاول كثير من الفلاسفة- و قد كانوا موفقين- أن يبحثوا في مثل هذا التوازن في المجتمع و يحدث جنون الفرد إذا هو أفرط في الأخذ بفكرة من الأفكار أو خيال من الخيالات و كذلك يحدث جنون الجماعة إذا هي أخذت بمبدأ واحد تمادت فيه- مهما كان هذا المبدأ سليما، و ما نظن إلا أن الإسلام كفيل بأن يؤلف بين كل تلك المبادى‏ء فيرسل الانسجام فيها إرسالا.

ثم خلص من تلك الى أن رسالة الأزهر هي نشر رسالة التقدم الروحي و الفكري و الاجتماعي في البلاد الإسلامية.

42

- 13-

و يقول الدكتور حسين الهمداني الباكستاني حول رسالة الأزهر:

حفلت البلاد الإسلامية منذ انبثق فجر الإسلام بدور العلم و معاهد العرفان في وقت كانت ظلمات الجهل تجثم فيه فوق ربوع العالم العربي، و مع أن هذه الدرر كانت تتسم بطابع خاص هو الطابع الإسلامي فإنها كانت تتوسم في نظامها و اتجاهاتها الحرص على توفير أسباب الطمأنينة في نفوس طلاب العلم و توثيق الصلة بينهم و بين أساتذتهم و إشاعة تلك الروح الجامعية التي يجب توافرها في معاهد العلم العليا مثل ما يشاهده المرء الآن في أعرق الجامعات العربية. و يلوح أنه لم يكن ثمة مناص من أن تغدوا المساجد و الجوامع مقرا لنشر المعرفة كما كانت و ما زالت مصدرا لبث الهداية و الرشد في نفوس الناس في الوقت ذاته. و لم يكن هناك تعارض في اضطلاعها بالمهمتين، فإن الدين الإسلامي الذي يأمر بالتسامح و المساواة و يحث على طلب المعرفة و لو اقتضى الأمر الاغتراب في مشارق الأرض و مغاربها ما كان ليجد خيرا من المساجد بجوها القدسي لغرس العلم و المعرفة في نفوس المسلمين، بل إن اختيار المساجد لهذا الغرض يحمل في طياته الإقرار بقداسة العلم و وجوب تطهيره من حمأة الأغراض الدنيوية و البعد به عن كل جو ينحرف به عن قدسيته. و قد ظهر في الإسلام معاهد علمية عظيمة القدر رفيعة الاسم، و كان الحكام يتنافسون في إنشائها، فأنشى‏ء الأزهر في عام 361 ه (971 م) و أنشئت الكلية النظامية في عام 459 ه (1066 م)، و أنشئت الصالحية في القدس عام 583 ه (1187 م). و كان الغرض من إنشاء هذه المعاهد هي و غيرها بادى‏ء الأمر- و باستثناء المستنصرية- هو تدريس المذاهب الدينية و الدعوة لها، فأنشى‏ء الأزهر لتدعيم المذهب الشيعي في مصر بعد فتحها على يد الفاطميين.

و أنشئت النظامية هي و الصلاحية لدعم المذهب الشافعي بينما أنشئت المستنصرية لتدريس المذاهب الأربعة و كان بها كلية لتدريس الطب و أخرى‏

43

لتدريس الرياضيات و اللغات و قد اختفت هذه المعاهد العظيمة و اندثرت و عفا عليها الدهر فيما عدا الأزهر الذي ظل راسخا كالطود بالرغم مما مر به من أحداث بل و اضطهاد في بعض العصور. و لعمري أن المرء ليتساءل ماذا كان يصيب اللغة العربية و آدابها و ما يتصل بهما من علوم و معرفة لو أن الأزهر أصابه ما أصاب غيره من معاهد و لم يصمد للحوادث طيلة هذه الأجيال؟

لقد كان هذا الأزهر و لا يزال- و أرجو أن يظل على ذلك أبد الدهر- دعاية العلوم و المعارف في العالم الإسلامي. و قد أراد اللّه بالأمم الإسلامية خيرا حين كلأ هذا الجامع بعنايته و رعايته و صانه من غوائل الدهر و من الانهيار.

و لم يكن الأزهر بناء أو جدرانا لا حياة فيها. بل كان على الدوام فكرة نابضة و روحا متسامية و حياة فكرية و مبادى‏ء حية. بدأ جامعا فانقلب جامعة لها خصائصها و تقاليدها و سمتها و طابعها. و قد ظلت هذه التقاليد و الخصائص و الطابع و السمة تلازمه على مر العصور. و كان من خير هذه التقاليد أن الطالب يظل يتلقى العلم حتى إذا/ آنس في نفسه القدرة على التصدر للعلم أذاع ذلك بين زملائه و شيوخه فتعقد في ديوان الأزهر حلقة من العلماء النابهين يجلس الطالب في صدرها و يناقش نقاشا حادا في المادة التي تدرسها و في جميع المواد المتصلة بها، فإذا أثبت الطالب كفاءة ممتازة منح حق التدريس. و هذا التقليد يذكرنا بما هو متبع في الجامعات العريقة و في مناقشة رسالات الدكتوراه فيها في عصرنا الحديث. و إذا كان الأزهر قد صعد نيفا و ألف عام للأحداث و ظل راسخا في أداء رسالته في دعم أركان الدين الإسلامي و نشر العلوم الإسلامية، و استطاع أن يحتفظ بمكانته المرموقة كدعامة قوية للإسلام و منارة لنشر العلم و العرفان، فإن منهجه يجب أن يحتذى في كافة الأمصار الإسلامية فليس في وسع سكان الباكستان أو غيرها من البلاد الإسلامية أن يفدوا بقضهم و قضيضهم ليتزودوا من منهل الأزهر الذي لا ينضب و ينهلوا من مورده العذب، عل أن الباكستان و غيرها من البلاد الإسلامية لا تستطيع أن تترسم الروح الأزهرية الفذة دون أن تنوه‏

44

ببعض ما يجول في نفوس بعض العلماء من مخاوف بشأن اضمحلال هذه الروح بسبب تلك النظم الحديثة التي أدخلت في الأزهر مثل نظام الامتحانات و تحديد المقررات و كثرة المواد الدراسية التي لا تتصل بالدراسات الإسلامية- حتى أن البعض يعتقد أن مستوى التحصيل في الأزهر قد اخفض انخفاضا ملموسا بسبب انصراف الطلبة إلى إحراز الإجازات التي تعتبر سلاحا للتوظف دون الرغبة في التزود بالعلم لذاته و التعمق في المعرفة. و قد كان النظام الذي سلكه الأزهر خلال القرون الماضية نظاما جامعيا بحتا و كانت الروح العلمية تسيطر على جوه، فكانت صلة الطالب بمدرسته صلة وثيقة دعامتها العلم و الرغبة في اعتراف مناهله ... و حسبك أن تعلم أن الجامعات الغربية تتهيأ الآن هذا التهيؤ لتأدية رسالتها.

و لكن ما لبث النظام «المدرسي» الجديد الذي أدخل على الأزهر أن أضعف من هذه الرابطة العلمية بين الطالب و أستاذه. ثم إن النظام يعمل على شحن ذهن الطالب بعلوم لا طائل تحتها و لا يدع له وقتا و لا ميلا للتعمق في نوع عين من المعرفة الإسلامية تعمق من شأنه أن يخلق لنا علماء من طراز الشيخ محمد عبده و الشيخ مصطفى عبد الرزاق و الشيخ المراغي و إضرابهم من جهابذة العلماء الذين يفخر العالم الإسلامي بهم. و الحق أن النواة لأمثال هؤلاء العلماء موجودة فإن الطلبة الأزهريين ما زالوا يتسمون بالروح العلمية، و قد علمت من أحد القائمين على إدارة المعهد البريطاني في القاهرة أنه وجد في الطلبة الأزهريين الذين يتلقون اللغة الانجليزية في المعهد المذكور استعدادا و إدراكا و تعمقا و غيرة و إقبالا على العلم بما هو جدير بطلبة هذه الجامعة العريقة، و نعتقد أن خير ما يمكن أن يفعله الأزهر هو أن يعمل جاهدا للعودة لذلك الجو العلمي البحث الذي عرف به و أن يقضي على نظام الامتحانات أو يعد له، بحيث ينصرف الطلاب للعلم وحده دون النظر للإجازات العلمية كهدف يتعين عليهم تحقيقه للحصول على الوظائف.

45

و بودنا لو عنى رجال الأزهر الأعلام الألمعيون بأمر جدير بعنايتهم و هو تعليم الفتيات، فالشاهد أن الأسر الإسلامية كثيرا ما تدخل فتياتها في المعاهد الأجنبية التبشيرية، و لسنا نجد مبررا لحرمان الفتيات المسلمات من الثقافة الدينية الإسلامية ما لم يمد يده لمعونتها. و الواقع أن رسالة الأزهر لا تقتصر و لا يجب أن تقتصر على مصر وحدها بل رسالته أعم و أشمل. و من حق البلاد الإسلامية أن تطالبه بأن يمد رسالته عبر البحار لا إلى البلاد الإسلامية فحسب بل و للبلاد غير الإسلامية أيضا. و من حسن الطالع ألا يكون هذا هو رأينا وحدنا بل هو رأي الحكومة المصرية نفسها بدليل ما وافق عليه مجلس الوزراء في إحدى جلساته الأخيرة من فتح الاعتمادات لإنشاء معهدين إسلاميين في مدريد و طنجة. و في وسع الأزهر أن يساهم مساهمة أدبية و مادية في إنشاء معاهد العلوم الإسلامية و الدينية في البلاد الإسلامية فيبعث بعلمائه إلى هذه الأمصار التي ستلقاهم بصدر رحب و تحلهم منها مكانة الصدر و الأعزاز، يبثون فيها تلك الروح الفقهية و العلمية العميقة التي انفرد الأزهر بها منذ حوالي عشرة قرون و يضعون برامج الدراسة في هذه المعاهد وفق النهج الذي مارسه الأزهر منذ إنشائه و يعملون على نشر اللغة العربية و دعمها في البلاد الإسلامية غير العربية. و لسعادة علوبة باشا مشروع في هذا الشأن يستطيع علماء الأزهر دراسته و تنفيذه كله او بعضه. أما بالنسبة للبلاد غير الإسلامية فإن واجب الأزهر يقتضيه- بوصفه دعامة العلوم الإسلامية و منارة الدين و الهدى- أن ينشى‏ء المعاهد الإسلامية في عواصمها و مدنها الكبرى و أن يزودها ببعض زملائه الذين يتقنون اللغات حتى يكون في مقدورهم نشر العلوم الإسلامية في هذه البلاد. و إذا كانت بعض الجميعات الإسلامية قد أحرزت توفيقا في هذا المضمار فأحرى بالأزهر و هو المؤسسة التليدة العريقة أن يصيب نجاحا عظيما بما يتوافر لديه من اعتبارات و عوامل تكفل له التوفيق و النجاح في القيام برسالته. و يستطيع الأزهر مثلا أن ينشى‏ء معاهد في لندن و برلين و باريس و روما و واشنطون و غيرها من المدن الكبرى‏

46

على غرار ما نراه من المعاهد الأجنبية التي تنشئها الدول الغربية بين ظهرانينا و نعتقد أن مثل هذا العمل يستدعي إنشاء معهد خاص للغات الأجنبية في الأزهر نفسه يدرس فيه العلماء و الطلاب تلك اللغات بتوسيع و تعمق في وسط ازهري يكفل لهم تغلغل الروح الأزهرية العالية في نفوسهم.

- 14-

و في عام 1952 نشر الأستاذ أمين الخولي في جريدة المصري مقالات متعددة عن «الدين و الحياة» عرض فيها للأزهر بالتحليل و النقد، و ندد بحيرته في أداء رسالته، فقال في المقال الأول الذي نشره له المصري في 28 من أبريل من هذا العام:

هل أدى الأزهر رسالته، بما هو بيئة التربية الدينية و التوجيه الديني؟

أن ذلك ليقتضيني أن أرجع بالذاكرة إلى ما قبل اثنين و أربعين عاما، إذ أعود إلى عهد من النشاط دخلت فيه «مدرسة القضاء الشرعي، لا تلقي تلك التجربة، السياسية و العلمية، و الاجتماعية، التي أرادتها مدرسة الإصلاح الديني الحديث، من شيعة «محمد عبده» و على رأسهم، سعد زغلول باشا، فأرادوا في السياسة تجربة استقلالية مصرية، في معهد لا تمتد إليه يد أجنبية و يتولى أمر نفسه، في استقلال إداري و ثقافي، لا صلة له بوزارة المعارف، و مستشارها العتيد إذ ذاك كما أرادوا تجربة علمية تلتقي فيها الثقافتان: القديمة و الحديثة، و الشرقية و الغربية، إلتقاء معتدلا رزينا، لا تجوز فيه واحدة على صاحبتها، و لا تنكر واحدة منهما أختها .. و أرادوا مع ذلك كله تجربة اجتماعية، في الإصلاح بالقدوة و المثل، يشهدهما المجتمع، فيرى مبصر، و يسمع واع .. فعانيت في دار تلك التجربة ما عانيت أعواما .. دارسا و مدرسا، و رئيس تحرير مجلة القضاء الشرعي، أعود بالذاكرة إلى سنة 1342 ه- 1923 م- حين انطلقت أرقب الحياة الدينية، و التعليم الديني في أوروبا، و أرصد شئونها، لأقيد نتائج مقابلة

47

ذلك كله بما في مصر، متتبعا ذلك، في إيطاليا مقر البابوية، بمعاهدها الدينية و في المانيا و غيرها، بالجامعات المدنية. ثم أعود بالذاكرة إلا ما بعد ذلك، إذ أرجع إلى مصر فأشارك في هذه الشئون بها، مشاركة مفكرة منظمة، مشرعة معلمة إلى حوالي سنة 1940 م- نحو سنة 1360 ه- ثم إلى ما بعد ذلك في تجربة معانية، مراقبة، عنيفة ...

أعود بالذاكرة إلى ذلك كله، لأرقب سير التطور في هذه الناحية من صلة الدين بالحياة، و إصلاح الدين، و الإصلاح به فأجيب عن أسئلتك، بما يحدث به اتجاه ذلك التطور، و دلالة سيره، على هذه الرسالة الأزهرية و أدائها و على غير ذلك من الشئون الدينية الحيوية .. و إذ أعود إلى هذه المذكرات المحفوظة أو المكتوبة؛ أذكر سنة 1355 ه- 1936 م إذ التقى ثلاثة من جلة الأشياخ، و منهم رابع و آخر جامعي لتقدير ما كتب من أبحاث، في مسابقة من تلك المسابقات التي أثارها على ماهر، و من بينها مسابقة عن رسالة الأزهر في القرن العشرين .. اجتمع هؤلاء المجتمعون ليروا كيف يقدرون ما كتب عن هذه الرسالة و بأي ميزان يزنونه .. فانتهى الأمر بعد لأي إلى أن للأزهر رسالات ثلاثا: رسالة اجتماعية و أخرى دينية و ثالثة علمية .. و قبل الانتهاء إلى هذه الرسالات الثلاث كانت الرسالة الاجتماعية من بين هذه الثلاث موضع اعتراضات و مناقشات حادة طويلة من أحد أولئك الذين عهد إليهم الدهر بعد بالإشراف على أدائها .. فقيل: ما ذا تكون الرسالة الاجتماعية إلى جانب الدينية؟ و كيف تتغايران؟ و بم تختلفان؟ و هل للأزهر رسالة وراء وجوده الديني الإسلامي؟! و قيل في ذلك شي‏ء كثير، سجل بعضه بحث عن تلك الرسالة الأزهرية لصاحب هذه الكلمات، بيانا لما كان من أمر الأزهر أول إنشائه دعاية لسياسة معينة و عقيدة معينة، فعرف بذلك التوجيه الاجتماعي في نشأته، فكيف به الآن، و قد عمر في قومه أكثر من عمر نوح بخمسين سنة و أكثر .. ثم هذا الأزهر بعد ذلك و غير بيئة دينية قد تهيأ لها من أسباب المناعة و الصيانة ما تستطيع به‏

48

حماية الشخصية المصرية خاصة و الشرقية عامة و الإسلامية جملة .. و قد كتب حول هذه المعاني و ما إليها ما دفعته مطبعة الأزهر نفسه، في ذلك الحين، إلى أيدي القراء و خزائن الكتب تحت عنوان: رسالة الأزهر في القرن العشرين، و فيه أن رسالة الأزهر الاجتماعية إنما هي: حماية الروح القومية لمصر و الشرق الإسلامي. جماعة عاقلة. متبصرة متدينة لا تقف عند القشور و لا تعني بالتافه. و في سبيل هذه الحماية يحتفظ هو لنفسه بالطابع المصري الإسلامي. ثم الشرقي. النافع، الذي لا يعوق الحياة في تجددها و نشاطها العمل. مقدرا نواميس الاجتماع. و قوانين الحياة غير واقف في طريق شي‏ء من ذلك. أو معارض إلا على أساس من النظر البعيد. و الوزن الدقيق. أذاع الأزهر الحديث هذه الرسالة الاجتماعية على الناس شرقا و غربا. و الأزهريون بالأمس. يعرفون العالم بأنه: العاكف على دينه العارف بحال قومه .. و للأزهر صحافة غنية راتبة. فما الذي كان من بحث تفاصيل هذه الرسالة الاجتماعية؟ و ما الذي درس من اتجاه التطور الاجتماعي. و التجدد الدائم للحياة المصرية. و النشاط العملي لها؟ أما أنا فلا أعرف من ذلك شيئا. و لعل غيري يهديني إلى شي‏ء من هذا التعرف للواجب الاجتماعي على الأزهر لحياة الأمة التي ساير حياتها ألف عام.

و في المقالة الثانية التي نشرت في أول مايو 1952 عن «الأزهر في حياة مصر الدينية» ذكر أن الأزهر هو الذي يحمي إحساس مصر، و الشرق الإسلامي بذاتهما إحساسا قويا واضحا، و هو الذي يحمي روح مصر و الشرق الإسلامي الخاصة، و هو الذي يحمي الذوق المصري الشرقي، الصالح، و يحييه. و هو الذي يحمي الفضائل العملية المصرية و الشرقية، و يغري الناس بها، و هو الذي يحمي العادات المصرية الشرقية الصالحة للبقاء، و يقف بها في وجه العادات الغربية التي لا تلائم البيئة المصرية و الشرقية، و هو الذي ينظلأ فيما تقتبسه الحياة من جديد، و يتدخل في هذا الاقتباس، بتعقل و لباقة، ليقاوم الضار منه، على ضوء الهدى الإسلامي،

49

و الخبرة الاجتماعية و الفهم الجيد لشئون الحياة .. فكل هذا و ما إليه هو ما دعته تلك الهيئة الأزهرية رسالة الأزهر الاجتماعية، و بالنظر في هذه الرسالة، وجدناها حينا غير واضحة في أذهان رجال هذه البيئة، و حينا ير معتنى بتعرفها، و فهمها الفهم الصحيح، و آنا قد غلبت البيئة الأزهرية غير شخصيتها ذاتها فاندمجت في التيار الغالب بغربيته .. و طورا يعوز هذه البيئة الاتصال بالحياة، اتصالا قويا فعالا، مؤثرا في سيرها و توجيهها.

و قد تألفت لجنة بحث المسابقة عن رسالة الأزهر في القرن العشرين، من الشيخ محمد مصطفى المراغي و الشيخ مصطفى عبد الرازق و الشيخ عبد المجيد سليم، و المرحوم عبد العزيز فهمي، و معهم كاتب هذه الكلمات، الذي عرض عليهم بعد الحكم في المسابقة، ما كتبه قبلها و لم يدخل التحكيم، و قررت اللجنة أنه الصورة المطلوبة في ذلك، و نشره الأزهر مطبوعا ... و في الناحية الدينية، من رسالة الأزهر، أقرت اللجنة من هذا المكتوب نواحي ثلاثا:

1- بيان التدين الإسلامي المرجو اليوم.

2- الهيئة الدينية التي تقوم به و تحققه في هذا العصر.

3- الهدف الذي تعمل لتحقيقه، أو الرسالة الدينية للأزهر.

و من الحق أن أعتمد على ما أقرته اللجنة من ذلك، فيما أحدث عنه، من أمر الأزهر في حياة مصر الدينية الآن، و أول ذلك أن تعرف الرأي في التدين الإسلامي المرجو اليوم، كما اطمأنت إليه تلك الهيئة الأزهرية، منذ ذلك الزمن غير القريب، فهل ترى، أنه تدين إنساني القلب، نبيل العاطفة، يؤيد التعاون البشري، و لا يعوق الإخاء الإنساني، و أنه ليس العصبية المقيتة، المتعمقة الأفق التي تحتقر الآخرين و تنزلهم من مرتبة الإنسانية، و تنكر صفتهم البشرية، و أنه تدين لا يعرف تلك السلطة الغاشمة التي ترهب العقل الطليق، و تفت في العزم الوثيق، و تفسد الذوق الدقيق.

50

و تحتكم بجبروت لاهوتي في حياة الدنيا، و تسد الطريق إلى الآخرة، و إنه تدين لا يخلق تلك الطبقة التي تحتكر الدين، و تسد المسالك إلى اللّه و لا يعترف بتلك الطبقة أن خلقتها الظروف، لأنه لا رياسة في الإسلام، و كلهم قريب إلى اللّه سبحانه و تعالى، و من التدين على هذا الوجه، ترى الهيئة الجليلة أن يشتق الأزهر صنعته الدينية، و من التدين على هذا الوجه يتبين الأزهر رسالته الدينية، و ما أخال مفكرا يشك، في أن هذا التدين هو أولا، أقرب ما يكون من حقيقة الإسلام، و جوهره، ثم هو ثانيا ما تتطلع إليه الروح الصافية، الطامحة المخلصة، البارئة من كل وهم، أو جهل، أو تعصب أو جحود أو حمق يسي‏ء إلى الحياة، و أعود بالذاكرة إلى سنة 1355 ه- 1936 م، فأرى مؤتمر الأديان العالمي يعقد في 3 يوليو من سنة 1936 نفسها، و يدعى إليه الأزهر، فيبعث إليه حضرة صاحب الفضيلة المرحوم الشيخ محمد مصطفى المراغي شيخ الأزهر برسالة. في موضوع الزمالة الإنسانية، تنشر بمصر في شهر يوليو من السنة ذاتها.

و ترى في هذه الرسالة أنوار من آفاق التدين الإسلامي الوضي‏ء، الذي قرأت آنفا وصفه، فهي تحدثك عن زمالة عالمية يتعاون فيها أصحاب الأديان جميعا، تعاونا حقا جادا على تحقيق أغراض معنوية، و أغراض عملية جليلة مسعدة للإنسانية المعناة بالبغضاء و الجهل و البؤس،. فأما الأغراض المعنوية التي تسعى هذه الزمالة الإنسانية لتحقيقها فهي في إجمال إزاحة العلل التي حالت دون تأثير الشعور الديني، في تقريب ما بين الناس .. و أما الأغراض العملية فهي- على الإجمال- جعل التدين أداة فعالة في تهذيب الجماعة و تمكين العوامل المعنوية، التي تشترك فيها الأديان، من التأثير في الحياة الإنسانية الواقعية، و تصيير الفضائل العملية التي تدعو إليها الأديان كلها نظما عملية ... كما أنها تعد الوسائل المختلفة لتحقيق تلك الأغراض النظرية و العملية من الدرس و التوجيه، و إيجاد الهيئات و .. و ... مما تجده واضحا في تلك الرسالة التي نشرها الأزهر

51

نفسه، بالعربية و الانجليزية في يولية سنة 1936 م- و التي نشر في أبريل منها ما كتبه عن رسالة الأزهر.

و في مقالة أخرى نشرت بعنوان «الأزهر و العمل الديني» ذكر فيها فيما ذكره أن الأزهر هو هذه البيئة الدينية الأولى و الكبرى، في مصر و الشرق ..

هذه البيئة التي لبثت كثيرا، تؤدي في مصر و الشرق رسالة دينية، هذه البيئة التي ستظل دهرا طويلا تؤدي في مصر و الشرق رسالة دينية و للدين عمله في الحياة، منذ دبت الحياة على ظهر الأرض .. و سيكون للدين أثره على الحياة، حتى يرث اللّه الأرض و من عليها.

في هذه البيئة آلاف مؤلفة- كما تعرف- ما بين طلبة دراسين و أساتذة مدرسين، و علماء منقطعين للبحث، و رجال إدارة في مراكز مختلفة، بالأزهر، و موظفين موكلين بأعمال دينية لمصر كالواعظ و نحوهم ... و كل أولئك أهل للنشاط العملي، و التدبير الديني لحياة مصر، بل هم أحق بالتدبير العامل لحياة مصر، من أهل أية بيئة أخرى؛ علمية أو عملية بها .. و ذلك أن ما يقوم به الآخرون، غير الأزهريين إنما يدفعهم إليه شعور الوحدة الاجتماعية، التي تربطهم بقومهم، و يحتاجون في إثارة هذا الشعور بتلك الوحدة، إلى معان بعيدة، لإدراك أنهم بإصلاح حال قومهم إنما يهيئون المجال الحيوي، الذي يجدون فيه فرصة تكميل أنفسهم و ترقية وجودهم، و الحياة السعيدة الكريمة التي يطمعون فيها، و بدون هذا المجال الحيوي، من المجتمع الصالح الخير، يستحيل على الفرد أن يجد فرصة لكمال نفسه هو، و تحقيق وجوده الصالح السعيد، و حين يتنادى أهل البيئات غير الدينية بهذه المعاني الاجتماعية، و يجهدون في العمل لتقوية الشعور بها، تجد أهل الدين يشعرون بمثل تلك الحقائق شعورا قويا، تمده عقيدة وجدانية، أصيلة بأن الأمر بالمعروف، و النهي عن المنكر هو ما به دون غيره، تكون الأمة خير الأمم، و بدونه تكون الأمة ملعونة و هذا هو ما يتعبدون بتلاوته، و يتفقهون بدرسه، و يتواصون باتباعه، و الأمر بالمعروف‏

52

الزام بكل خير، و النهي عن المنكر تجنيب لكل شر، و عمل الفرد فيه يفيد الناس جميعا. و إهمال الفرد له يضر الناس جميعا و من هنا تكون تلك الآلاف المؤلفة بالأزهر، إذا سلمت فطرتها، و صحت عقيدتها، مصدر قوة كبرى في الشعور بوحدة الجماعة، و مبعث نشاط عامل للمعروف، مانع من المنكر، يتوارثون ذلك كابرا عن كابر، و يقلد فيهم لاحق سابقا، و يفتدى آخر بأول فهم جميعا يتنفسون في الجو الديني، و هم إما معلمون يقررون هذه الأسس الدينية، أو متعلمون يستمعون لهذا التقرير، أو مديرون قوامون على توجيه هذه البيئة نحو غايتها، و الإشراف على خطوات سيرها إلى تلك الغاية ..

و قد رد على الأستاذ أمين الخولي و آرائه الأستاذ الكبير الشيخ محمد عرفة عضو جماعة كبار العلماء في سلسلة طويلة من المقالات الممتعة، كما رد عليه الأستاذ الشيخ محمد الشربيني عضو الجماعة و رئيس جبهة علماء الأزهر في مقالة واحدة.

و يقول الأستاذ الجليل الشيخ محمد كامل حسن وكيل كلية اللغة العربية معبرا عن رأية في رسالة الأزهر:

رسالة الأزهر هي رسالة نبي الإسلام و إنما ينجح العلماء في أداء هذه الرسالة بما نجح به نبي الإسلام على عاملين لا ينفك أحدهما عن الآخر عامل البيان و عامل السلطان فقد بدأ الرسول (صلوات اللّه و سلامه عليه) الدعوة إلى سبيل ربه بالحكمة و الموعظة الحسنة و لم يزل يتنقل بالعقول التي خضعت للوثنية، و يذلل لها طريق الهداية إلى المبادى‏ء الإسلامية و يوجهها إلى النظر في الآفاق و الاعتبار بالآيات و يتعدها بالأدلة المقنعة في أسلوب الحكيم الماهر حتى استطاع بحكمته السامية و حجته الباهرة أن يقنع الناس بصدق الوحدانية و أن يبين لهم أمر دينهم و دنياهم معا، حتى وضح لهم ما أحل اللّه لهم و ما حرم عليهم و دخلوا في دين اللّه أفواجا عن بينة و اختيار «لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ». و من طريق هذا البيان أصبح‏

53

الحلال بينا و الحرام بينا كما قال عليه الصلاة و السلام و مع ما قام به الرسول من بيان أوضح معالم الحلال و الحرام فقد اعترضه في سبيل الدعوة إلى اللّه صناديد قومه الذين أكل الحقد قلوبهم فعز عليهم أن يتركوا ما كان يعبد آباؤهم برغم ما لمسوه من أنه نبي حقا و أن ما دعا إليه هو الحق و عرفوه كما يعرفون أبناءهم. وقف هؤلاء في سبيل دعوته و حرضوا على قتله و أذوا أصحابه بأنواع الأذى و كادت هذه الفتنة تزلزل أثر الدعوة التي قامت على الحجة و البيان لو لا أن تداركه مولاه بالعناية و أمره بالجهاد و أمده بالعامل الثاني عامل القوة و السلطان فأعطاه السيف لا حبا في إراقة الدماء و لكن ليزيل من طريق الدعوة هذه العقبات و ليسعد العالم بالإسلام رغم أنوف هؤلاء المعاندين المعترضين سبيل الدعوة إلى اللّه، فلما وضع السيف في أعناقهم محا اللّه صولة الكفر و الكافرين و رسخت دعوته التي قامت على الحجة و البيان بعد أن عززه اللّه بالقوة و السلطان لذلك يقول سيدنا عثمان بن عفان: «إن اللّه ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن» إنه لقول حق و فيه الموقف الفصل و منه يتبين للمنصفين أن رسالة الإسلام إذا قامت على البيان فإنها لا تكمل و لا تتم إلا بالعامل الثاني عامل السلطان الذي غير معالم ظلم الظالمين و أزال صولة الكافرين و المعاندين و مهد للإسلام و المسلمين نعمة التمام و الكمال في قول اللّه عز و جل: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً.

فتعالوا أيها السائلون عن رسالة الأزهر، و هل أدى العلماء رسالتهم أو لا؟ تعالوا لنقول لكم كلمة الحق و الحق أحق أن يتبع. لقد قام العلماء بواجبهم بالنسبة للعامل الأول عامل البيان و تذكير الناس بمواطن الحلال و الحرام ففريق منهم يعلم أبناء المسلمين أحكام دينهم في كلياتهم و معاهدهم ليتخرجوا للناس دعاة إلى اللّه ينذرون قومهم إذا رجعوا إليهم- و فريق منهم يقوم بالوعظ و الإرشاد و إصلاح ذات البين و ما شجر بين الناس في البلاد و ما زالوا يجاهدون و يتنقلون لهذا في كل وادّ.

54

و فريق من العلماء يقوم بتعليم العامة في بيوت اللّه تعالى حين يجتمعون للصلاة و إذا كان في كل مسجد عالم يدعو إلى دين اللّه فكثير ما هم. و إذا أردت أن تعرف صدق القول في ذلك فاسأل أي رجل في عرض الطريق عما يعرف من واجبات دينه فيقول لك مثلا الصلاة الزكاة الحج الصوم صلة الأرحام و كل ما يعز دين اللّه و يسعد الأوطان ثم سله عما حرم اللّه فيقول لك: الربا الزنى الخمر الغيبة و التميمة و كل سعى بالفساد بين الناس و هكذا و العامي الذي يجيبك بهذا لم يولد من بطن أمه عالما بهذه الأحكام و لكنه مدين في علمه بذلك لبيان العلماء الذين هم ورثة الأنبياء.

بعد هذا اعترف للسائل بأن العلماء و إن أدوا رسالتهم بالنسبة لعامل البيان و عليه تقوم نصف الرسالة فإنهم لم يقوموا بتنفيذ ما بينوا للناس من معالم الحلال و الحرام، فهم يرون شارب الخمر يشربها و لا يكسرون كأسه و يرون الربا قد فشا التعامل به، و لم يقضوا على آثاره و يرون النساء العاريات متبذلات و لا يتعرضون للقضاء على هذه المظاهر الخلقية بالقوة و السلطان.

و يرون كثيرا من النكرات يقوم بها العام و الخاص و لا يستطيعون تغيير هذه المنكرات إلا بقلوبهم و ذلك أضعف الإيمان. أتدري أيها المنصف لما ذا؟ لما ذا ضعف العلماء عن تغيير هذه المنكرات؟ لأن زمام الأمور لما تولاه في الماضي قوم وهنوا في أمر دينهم استطاع المستعمرون أن يستخدموهم في نزع السلطة الدينية من العلماء و مكنوا لهم حتى شرعوا للناس قوانين وقفت عقبة في سبيل الدعوة إلى اللّه، و حالت دون تغيير ما حرم اللّه فالعالم إذا تعرض مثلا لكسر الكأس الذي بيد شارب الخمر أدين في القانون الذي رخص بشرائها و شربها و التجارة فيها و إذا تعرض لبيان قوله تعالى: وَ أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَ حَرَّمَ الرِّبا اعترضه المشروع الذي أحل الربا و رخص للقضاء أن يحكم به.

و إذا نهى العالم عن مظاهر الفتنة التي يتسابق فيها النساء الفاجرات رموه بالرجعية و أنه عدو الحرية و إذا أبان للناس ما كرم اللّه به المرأة من قوامة