البلدان لابن الفقيه‏

- أحمد بن محمد ابن الفقيه المزيد...
649 /
5

مقدمة كتاب البلدان لابن الفقيه الهمذاني‏

بسم الله الرحمن الرحيم

قال ياقوت الحموي و هو يردّ على من طلب إليه أن يختصر كتابه (معجم البلدان): «حكي عن الجاحظ أنه صنّف كتابا و بوّبه أبوابا. فأخذه بعض أهل عصره فحذف منه أشياء و جعله أشلاء. فأحضره و قال له: يا هذا! إنّ المصنّف كالمصوّر.

و قد صورت في تصنيفي صورة كانت لها عينان فعورتهما- أعمى اللّه عينيك- و كان لها أذنان فصلمتهما- صلم اللّه أذنيك- و كان لها يدان فقطعتهما- قطع اللّه يديك-.

حتى عدّ أعضاء الصورة. فاعتذر إليه الرجل بجهله هذا المقدار و تاب إليه عن المعاودة إلى مثله» (1).

و ينطبق ما قاله الجاحظ على من اختصر الكتاب الذي نضعه بين أيدي القراء الكرام، حيث بلغ اختصاره أحيانا حدا أدى إلى غموض الجمل و ضياع الأسانيد بما لها من خطورة و أهمية في تحديد أزمان الوقائع. فقد حذف مثلا اسم الرحالة تميم بن بحر المطوعي الذي قام برحلة إلى آسيا الوسطى و حدث بأخبارها ابن الفقيه، و حذف تبعا لذلك الرحلة بكاملها. و حذف المعلومات المهمة التي أوردها ابن الفقيه نقلا عن أبي العباس المروزي عن القبائل التركية و التي نقلها ياقوت فيما بعد عن النسخة الكاملة لكتاب ابن الفقيه. كما حذف أخطر فصول الكتاب على الإطلاق و نعني به الفصل المسمى ب (ذكر بعض مدن الأتراك و عجائبها) الذي نقله‏

____________

(1) معجم البلدان 1: 11.

6

ابن الفقيه عن سعيد بن الحسن السمرقندي الذي توغل في معلوماته إلى حدود القبائل الفينية حيث مدينة بسكوف (Pskov).- كما نرتأي أن تكون آخر المدن التي ذكرها السمرقندي-. ففي هذا الفصل. من المعلومات عن الحياة الاجتماعية لتلك القبائل ممّا لا نجده في أي مصدر آخر.

نشير أولا إلى أن المخطوطة التي عثر عليها في المكتبة الرضوية بمدينة مشهد الإيرانية في ربيع 1923 تمثل نصف الكتاب الأصل بعد أن احتمل في بداية الأمر أنها كاملة. و الدليل على ذلك ما ورد في الورقة الأولى منها بعد البسملة و الصلاة على النبي و آله و هو: «هذا بقية القول في العراق و البصرة و أخبار دار فتحها ...» أما مختصر الكتاب فقد حققه العلامة الهولندي دي خويه و طبعه عام 1885 ضمن مسلسل المكتبة الجغرافية الذي اعتمد على نسخة قال إنه تم اختصارها على يد أبي الحسن علي بن جعفر الشزري (أو الشيزري) عام 413 ه (1)، فهو يضم النصف الأول من الكتاب الأصل و لكن بصورة مختصرة، و يمكن القول بصورة عامة إنه إذا كان المختصر يضم النصف الأول من الكتاب، فإن مخطوطة المكتبة الرضوية تضم النصف الثاني. و عليه فإن كلا من المختصر و الأصل المخطوط يكمل بعضهما بعضا. و قد ارتأينا أن ننشرهما معا أي النصف الأول المختصر الذي نشره دي خويه ثم أتبعناه بالنصف الثاني الذي هو مخطوطة المكتبة الرضوية كما كتبها مؤلفها ابن الفقيه كاملة.

و لما كانت بعض أبواب النصف الثاني من المختصر تلتقي مع المخطوطة الأصل فقد أشير إلى مواضع الالتقاء تلك بطباعتها بالحرف المحقّق (الأسود).

و لكي يطلع القارئ الكريم بصورة دقيقة على ما ذكرناه آنفا نكتب هنا أبواب مختصر البلدان جنبا إلى جنب الأبواب الواردة في النسخة الأصل و نشير إلى ما هو

____________

(1) مختصر كتاب البلدان: المقدمة ص 2. و انظر: المخطوطات الجغرافية العربية في المتحف البريطاني ص 9.

7

موجود هنا أو مفقود هناك:

الأبواب الموجودة في نسخة الرضوية أي أصل الكتاب* الأبواب الموجودة في مختصر الكتاب المطبوع غير موجود القول في خلق الأرض.

غير موجود القول في البحار و إحاطتها بالأرض.

غير موجود القول في البحار و عجائب ما فيها.

غير موجود الفرق ما بين بلاد الصين و بلاد الهند.

غير موجود القول في مكة.

غير موجود القول في المدينة.

غير موجود الفرق بين تهامة و الحجاز.

غير موجود القول في اليمامة.

غير موجود القول في البحرين.

غير موجود القول في اليمن.

غير موجود باب تصريف الجد إلى الهزل و الهزل إلى الجد.

غير موجود باب في مدح الغربة و الاغتراب.

غير موجود القول في مصر و النيل.

غير موجود القول في المغرب.

غير موجود القول في الشام.

غير موجود القول في بيت المقدس.

غير موجود القول في دمشق.

غير موجود افتخار الشاميين على البصريين.

غير موجود القول في الجزيرة.

غير موجود القول في الروم.

غير موجود في مدح البناء. في ذم البناء.

غير موجود القول في العراق.

8

غير موجود القول في الكوفة.

غير موجود افتخار الكوفيين و البصريين عند السفّاح.

غير موجود ما جاء في مسجد الكوفة.

ما جاء في ذم الكوفة موجود بصورة مختصرة.

القول في البصرة موجود بصورة مختصرة.

ذم البصرة و فيه مناظرة بين الكوفيين و البصريين عند المأمون غير موجود القول في واسط غير موجود النبط و ما جاء فيهم غير موجود القول في مدينة السلام بغداد غير موجود القول في سرّ من رأى غير موجود القول في السواد و وصفته غير موجود القول في الأهواز غير موجود في أبنية البلدان و خواصها و عجائبها توجد بعض نصوصه هنا.

القول في فارس تلتقي أغلب نصوصه مع الأصل.

القول في كرمان توجد أغلب نصوصه هنا.

القول في الجبل و قرماسين و شبديز توجد أغلب نصوصه هنا.

القول في همدان تلتقي بعض نصوصه مع الأصل.

ذكر ما خصّ اللّه تعالى كل بلدة.

من الأمتعة دون غيرها* تلتقي أغلب نصوصه مع الأصل.

القول في نهاوند موجود بكامله تقريبا.

القول في إصبهان موجود بكامله تقريبا.

القول في قم موجود بكامله تقريبا.

القول في قزوين و زنجان و أبهر تلتقي أغلب نصوصه مع الأصل.

غير موجود القول في آذربيجان.

القول في أرمينية* تلتقي أغلب نصوصه مع الأصل.

القول في طبرستان تلتقي أغلب نصوصه مع الأصل.

9

القول في خراسان تلتقي بعض نصوصه مع الأصل القول في الترك غير موجود.

ابن الفقيه الهمذاني‏

ترجم له ابن النديم ترجمة موجزة جدا نقلها فيما بعد ياقوت الحموي في معجم الأدباء و أضاف إليها- لحسن الحظ- الترجمة التي كتبها له المواطن الهمذاني شيرويه بن شهردار الديلمي (445- 509 ه) مصنف كتاب تاريخ همذان بلده لمناسبة حديثه عن والد ابن الفقيه و هي:

«قال شيرويه: محمد بن إسحاق بن إبراهيم، الفقيه أبو أحمد، والد أبي عبيد الأخباري: روى عن إبراهيم بن حميد البصري و غيره. و روى عنه ابنه أبو عبد اللّه.

و قال شيرويه: أحمد بن محمد بن إسحاق بن إبراهيم الأخباري أبو عبد اللّه، يعرف بابن الفقيه و يلقّب بحالان، صاحب كتاب البلدان. روى عن أبيه، و إبراهيم بن الحسين بن ديزيل، و محمد بن أيوب الرازي، و أبي عبد اللّه الحسين بن أبي السرح الأخباري، و ذكر جماعة و قال: و روى عنه: أبو بكر بن لال، و أبو بكر بن روزنة. و لم يذكر وفاته» (1).

و بما أننا لا نعرف على وجه التحديد تاريخ ولادته و لا وفاته، فلا بدّ لنا من معرفة الذين روى عنهم أو رووا عنه ممن ذكر أعلاه على أن نبحث فيما بعد فيمن حدّث عنهم و لم يذكروا هنا، حيث رأينا ياقوتا قد اختصر ذلك بقوله «و ذكر جماعة»، إضافة إلى خطأ الناسخ في بعض تلك الأسماء كقوله عن ابن الفقيه أنه أحمد بن أحمد بن محمد بن إسحاق بإضافة (أحمد) ثانية إلى اسمه. و قوله (ابن روزنة) و الصواب (ابن روزبه) و قوله بن أبي السرح. و رجحنا أنه (ابن أبي السري).

أمّا أبوه فليس لدينا سوى ما ذكره شيرويه أعلاه من أنه حدّث عن إبراهيم بن‏

____________

(1) معجم الأدباء 4: 200، و يوجد بعض هذه الترجمة في التدوين 1: 31.

10

حميد البصري، و هو إبراهيم بن حميد بن تيرويه الطويل البصري المتوفى عام 219 ه (1).

و أمّا إبراهيم بن الحسين الكسائي الهمذاني المعروف بابن ديزيل فهو محدث همذان المشهور جدا توفي عام 281 ه- وصفه الذهبي بالرّحال‏ (2). و محمد بن أيوب الرازي: هو محمد بن أيوب بن ضريس البجلي الرازي شيخ الري و مسندها ولد في حدود 200 و توفي بالري سنة 294 ه (3).

أما أبو عبد اللّه الحسين بن أبي السرح: فنرجح أنه أبو عبد اللّه الحسين بن أبي السري العسقلاني- نسبة إلى عسقلان و هي محلة من محال بلخ‏ (4)- و اسم أبي السري هو المتوكل. فيكون اسمه الحسين بن المتوكل بن عبد الرحمن بن حسان المتوفى عام 240 ه (5).

أما الذين رووا عنه فهم:

أبو بكر بن لال و هو أحمد بن علي الهمذاني «ورد بغداد غير مرة و حدّث بها» (6). و قال الذهبي: «قال شيرويه: كان ثقة، أوحد زمانه، مفتي البلد- يعني همذان-، يحسن هذا الشأن. له مصنفات في علوم الحديث غير أنه كان مشهورا

____________

(1) تاريخ الإسلام 15: 53.

(2) تذكرة الحفاظ 2: 608. و انظر عنه تاريخ الإسلام 21: 106 و العبر 1: 403 و قال عنه: كان ثقة جوّالا صالحا.

(3) تاريخ الإسلام 22: 255 و قد ورد البصرة عدة مرات (تذكرة الحفاظ 2: 643) و سير أعلام النبلاء 13: 45.

(4) أنساب السمعاني 4: 190.

(5) تاريخ الإسلام 17: 141 و ميزان الاعتدال 1: 315 و تهذيب التهذيب 2: 314. و هو نفسه الذي ورد في تهذيب الأحكام 6: 384 و في فروع الكافي 5: 261 يروي عن الحسن بن إبراهيم. و كان السيد الخوئي (معجم رجال الحديث 2: 120) قد رجح أن يكون (الحسن بن السري) و علل ذلك بقوله (لعدم وجود الحسين بن أبي السري في كتب رجال الحديث) (1: 203). و انظر شواهد التنزيل 2: 293 حيث ورد بهذا الاسم: الحسين بن أبي السري.

(6) تاريخ بغداد 4: 318.

11

بالفقه. و رأيت له كتاب (السنن) و (معجم الصحابة) ما رأيت شيئا أحسن منه. ولد سنة ثمان و ثلاثمائة و توفي في سادس عشر ربيع الآخر سنة ثمان و تسعين» (1). و قد نصّ مترجموه على أن له رحلة لقي بها أبا سعيد أحمد بن محمد بن الأعرابي بمكة (2).

و ممن روى عن ابن الفقيه: أبو بكر بن روزبه. و هو عبد اللّه بن أحمد بن خالد بن روزبه، أبو بكر الفارسي الكسروي المتوفى عام (392 ه) (3).

و الذي يهمنا من جميع من ذكرنا أنه إذا كان قد سمع من ابن أبي السري في نفس السنة التي توفي فيها أي 240 ه على أضعف الاحتمالات و كان عمره آنذاك 10 سنوات و هو سن لا بأس به لتحمل الحديث. و كان أبو بكر أحمد بن علي بن لال قد سمع من ابن الفقيه و عمره- أي عمر بن لال- 10 سنوات أي في العام 318 ه، فيكون ابن الفقيه حياً في السنوات الواقعة بين 230 و 318 ه على الأقل. و عليه، فإن ما ذكره ياقوت من أن ابن الفقيه كان حيا في حدود عام 340 ه (4) يثير الشكوك. و قد يكون خلط بينه و بين أحمد بن محمد بن إسحاق الشاشي الفقيه الذي توفي عام 344 ه (5).

و يثار تساؤل آخر و هو: إذا كان ابن الفقيه قد بقي حيا إلى ما بعد العام‏

____________

(1) تاريخ الذهبي 27: 354. و قال في سير أعلام النبلاء 17: 76 أنه ولد عام 318 ه. و في تذكرة الحفاظ 3: 1027 أنه عمّر تسعين سنة. و في التعبر 2: 193 عاش تسعين سنة و توفي عام 398 ه.

و في تاريخ التراث العربي المجلد الأول، الجزء الأول ص 451 أنه يوجد له كتاب في الحديث بالمكتبة الظاهرية. و نرجح أن الصحيح في ولادته هو عام 308 لأنه عاش تسعين عاما كما قال مترجموه.

(2) تذكرة الحفاظ 3: 1027 و سير أعلام النبلاء 17: 76 و تاريخ الذهبي 27: 354.

(3) تاريخ الإسلام 27: 265.

(4) معجم البلدان 1: 787.

(5) تاريخ بغداد 4: 392.

12

290 ه- و هو مؤكد طبعا بدليل سماع ابن لال منه- فلما ذا لا نجد في كتابه (البلدان) ما يشير إلى زمن أبعد من عام 289 ه- و هو آخر عام من خلافة المعتضد العباسي حيث ذكره و لم يترحم عليه مما يدل على أن المعتضد كان حيا آنذاك؟

المعروف أن المعتضد قد توفي لثمان بقين من شهر ربيع الآخر سنة 289 و قيل لخمس خلون من جمادى الآخرة سنة 289 ه (1). و عليه فإن تاريخ الانتهاء من تأليف البلدان كان في أواخر ذلك العام و أوائل 290 ه.

نرجح أنه بعد أن انتهى من تأليف كتابه هذا انهمك في عمله العلمي بوصفه محدّثا و في تأليف أعمال أخرى التي ذكر منها ابن النديم (ص 171) كتابه: ذكر الشعراء المحدثين و البلغاء منهم و المفحمين.

اسم المؤلف و عنوان الكتاب‏

هو أحمد بن محمد بن إسحاق بن إبراهيم المعروف بابن الفقيه الهمذاني.

و قد و هم ياقوت في بعض مواضع من كتابه معجم البلدان فأسماه: محمد بن أحمد (2).

فاسمه هو أحمد بن محمد ... كما في آخر ورقة من مخطوطة المكتبة الرضوية التي ننشرها. و كما هو لدى ابن النديم الذي ألّف كتابه عام 377 ه.

ولدي حسن بن محمد القمي الذي ألّف كتابه عام 378 ه (3). و الرافعي القزويني من أعلام القرن السادس‏ (4). إلّا أن العجب كل العجب أن يخلط إدوارد فنديك بينه و بين جغرافي آخر هو أبو محمد الحسن بن حمد بن يعقوب الهمداني‏

____________

(1) الثقات لابن حيان 2: 333.

(2) انظر مثلا مادة (رومية) حيث قال «فهو من كتاب محمد بن أحمد الهمذاني المعروف بابن الفقيه» و كذلك المواد: زمزم. صنعاء. عانة. قصر شيرين. المحمدية. و في فهرست و ستنفلد لمعجم البلدان (ص 640) تنبيه إلى ذلك حيث قال إن الصحيح هو أحمد بن محمد.

(3) تاريخ قم ص 23

(4) التدوين 1: 31.

13

المعروف بابن الحائك و يعتبرهما شخصا واحدا رغم بعد الشقة في الأسماء و الكنى و الألقاب‏ (1).

أما الكتاب فهو: البلدان كما هو لدى ابن النديم (ص 171) و القمي (ص 23، 56، 90) و الرافعي القزويني (ص 31) رغم أننا نقرأ في الورقة الأخيرة من المخطوطة أنه كتاب (أخبار البلدان) و يبدو أن كلمة (أخبار) إضافة من ناسخ الكتاب، إذ أن مختصر الكتاب الذي اختصره فيما بعد سمّى مختصره ب (مختصر كتاب البلدان) و لم يقل (مختصر كتاب أخبار البلدان).

مصادر كتاب البلدان‏

أهملنا مصادره التي كان يشير فيها إلى الأسماء مجردة عن أسماء الكتب كقوله «قال المدائني» أو «قال أبو عبيدة معمر بن المثنى» إذ ليس بين أيدينا مؤلفاتهم الجغرافية، و لا ندري إن كان نقل عنها مباشرة أم بالواسطة. إلّا ما هو بين أيدينا من المصادر فقد راجعناه و ذكرنا مآخذه عنه. فقوله مثلًا «قال عمرو بن بحر» وجدناه في كتاب الحيوان الذي نقل منه مقاطع طويلة. كما أشار إشارة عابرة إلى البلاذري إلّا أنّ وجود كتابه فتوح البلدان بين أيدينا أتاح لنا معرفة النصوص التي نقلها ابن الفقيه عنه- و هي كثيرة- و كذلك الأمر بالنسبة لابن قتيبة الدينوري و غيره. و مما يعزز إهمالنا لبعض مصادره أنه كان يحوّر في ألفاظ أسانيد الروايات فيوهم قارئه. ففي حديثه عن (عين الجمل) قال: «و سألت بعض المشايخ عن عين جمل لم سميت بهذا الاسم؟ (ه أ)». و الحقيقة فإن هذا الكلام للبلاذري مع تحوير طفيف جدا. قال البلاذري: «و حدثني بعض المشايخ .....» (2).

أو أن يقول (87 ب): «و خبّر إبراهيم بن العباس ...» و حقيقة الأمر أن هذا الكلام منقول عن الجاحظ في الحيوان حيث قال الجاحظ: «و خبرني‏

____________

(1) اكتفاء القنوع ص 49 و 51.

(2) فتوح البلدان 296.

14

إبراهيم بن عباس ...» (1). و سوف نفصل ذلك لدى بحثنا في منقولاته عن البلاذري و الجاحظ و غيرهما.

و سنتناول الآن بالبحث مصادره بقسميها الكتابي و الروائي الذي سمعه و الذي يبدؤه عادة بقوله: (حدثني) أو (حدّث) أو (سألناه). و قد نسهب أحيانا في الحديث عن أحد الرواة لأهمية المعلومات التي رواها. فلنبدأ مع الكتب حسب تسلسل ورودها في الكتاب.

أخبار الصين و الهند

من تأليف سليمان التاجر الذي سافر إلى الهند و الصين أكثر من مرة بقصد التجارة «و قد اتفق الباحثون في أخبار الصين و الهند على أن هذه الروايات أو الأخبار جمعت حول سنة 237 ه أي 851 م. و يرى المستشرق فيران أن سليمان هو الذي دون الروايات بنفسه» (2).

و قد نقل ابن الفقيه عنه أخبارا تتعلق بالصين و الهند. و الكتاب مطبوع متداول بين أيدي القراء.

المسالك و الممالك‏

نقل عنه ابن الفقيه نصا يتعلق ببناء مسجد دمشق. فإن كان المقصود كتاب ابن خرداذبة فهذا النص ليس موجودا في كتاب المسالك و الممالك الذي بين أيدينا. علما بأن دي خويه يرى «أن النص الكامل لمصنف ابن خرداذبة لم يتم العثور عليه بعد» (3). كما أنه لا يمكن معرفة ما إذا كان المقصود كتاب المسالك و الممالك لجعفر بن أحمد المروزي الذي قال ابن النديم أنه أول من ألّف في المسالك و الممالك كتابا و لم يتمه. و توفي بالأهواز و حملت كتبه إلى بغداد و بيعت في طاق الحراني سنة 274 ه (4).

____________

(1) الحيوان 4: 143.

(2) ص 10 من مقدمة الدكتور نقولا زيادة لكتاب (من رحلات العرب).

(3) تركستان 75. و دائرة المعارف الإسلامية 7: 18 مادة (جغرافيا).

(4) ابن النديم 167.

15

كما نستبعد أن يكون الممالك و المسالك الذي ألّفه أبو عبد اللّه محمد بن أحمد بن نصر الجيهاني الذي عين وزيرا لنصر بن أحمد الساماني عام 301 ه و الذي وضع كتابه قريبا من عام 310 ه- بينما كتب ابن الفقيه كتابه عام 290 ه (1).

الحيوان للجاحظ

صرح ابن الفقيه باسم الجاحظ أكثر من مرة، و قد وجدناه ينقل مقاطع طويلة عن كتابه (الحيوان) الذي لم يشر إليه بالاسم. و قد أشرنا إلى النصوص المنقولة عنه في هوامش كتابنا هذا. و إن كان استخدم أسلوبا مجحفا بحق الجاحظ إذ كان ينقل عنه أحيانا من غير أن يذكره بالاسم، أو أن يحرّف كما في قوله (و خبّر إبراهيم بن العباس) و الحقيقة أن هذا كلام الجاحظ و لكن على الشكل التالي (و خبرني إبراهيم بن العباس) أو يختصر كما في النص المتعلق بالنار و هو طويل جدا و موجود في (الحيوان).

فتوح البلدان‏

أشار إلى اسم البلاذري ثلاث مرات، إلّا أنه نقل مقاطع طويلة عنه من كتابه (فتوح البلدان) دون أن يشير و لا مرة واحدة إلى اسم الكتاب. كما أن المعلومة المتعلقة بكور طبرستان التي صدّرها ب (قال البلاذري) لم نجدها في فتوح البلدان الذي بين أيدينا. و علينا هنا أن نذكّر بقول ابن النديم من أن للبلاذري كتابين باسم البلدان. أحدهما صغير و الآخر كبير و لم يتمه‏ (2).

و يكتفي أحيانا في نقله عن فتوح البلدان بذكر اسم الراوي من غير ذكر اسم الكتاب فهو يقول مثلا (138 ب) قال جعفر بن محمد الرازي. و الحقيقة هي أن هذا النص موجود في فتوح البلدان (ص 315) حيث نتبين منه أن جعفرا هذا هو أحد شيوخ البلاذري و النص يبدأ هكذا: «حدثني جعفر بن محمد الرازي ...»

____________

(1) تاريخ الأدب الجغرافي العربي 1: 221.

(2) ابن النديم 126.

16

و هو يحوّر في بعض كلمات البلاذري أحيانا و لا يكلف نفسه بالإشارة لا إلى (فتوح البلدان) و لا (البلاذري). ففي نص طويل متعلق بعيون الطف و القطقطانة و الرهيمة و عين حمل و قد نقله ابن الفقيه بأسره من البلاذري من غير أن يذكر ذلك. (4 أ) و (4 ب) و يمكن مقارنته بالمطبوع من فتوح البلدان ص 296، نجد ما يلي:

ابن الفقيه و سألت بعض المشايخ عن عين جمل لم سميت بهذا الاسم؟ فذكر أنّ جملا مات عندها فنسبت العين إليه.

و ذكر بعض أهل واسط أن المستخرج لهذه العين يسمى جملا.

قال: و سميت عين الصيد لأن السمك كان كثيرا جدا فيها فيصطاد فسميت بهذا الاسم.

البلاذري و حدثني بعض المشايخ: أن جملا مات عند عين الجمل فنسبت إليه.

و ذكر بعض أهل واسط أن المستخرج لها كان يسمى جملا.

قالوا: و سميت العين عين الصيد لأن السمك يجتمع فيها.

فضائل بغداد و صفتها

من تأليف يزدجرد بن مهبندان الكسروي. قال عنه ابن النديم إنه عاش في أيام المعتضد و له من الكتب: كتاب فضائل بغداد و صفتها. و كتاب الدلائل على التوحيد من كلام الفلاسفة و غيرهم. كبير، رأيته بخطه‏ (1).

و عن كتابه هذا قال القاضي التنوخي: «تجارينا عند القاضي أبي الحسن محمد بن صالح بن علي الهاشمي، ابن أم شيبان في سنة ستين و ثلاثمائة عظم بغداد و كثرة أهلها في أيام المقتدر .... و ذكرت أنا كتابا رأيته لرجل يعرف بيزدجرد بن مهبندان الكسروي كان على عهد المقتدر بحضرة أبي محمد المهلبي، كان سلّم إليّ و إلى جماعة ممن حضر، كراريس منه لننسخه و ننفده إلى الأمير ركن‏

____________

(1) نفس المصدر 142.

17

الدولة، لأنه التمس كتابا في وصف بغداد و إحصاء ما فيها من الحمامات و أنها كانت عشرة آلاف، ذكر في الكتاب مبلغها و عدد من يحتوي عليه البلد من الناس و السفن و الملاحين و ما يحتاج إليه في كل يوم من الحنطة و الشعير و الأقوات ....» (1).

و لا تعارض بين ما ذكره ابن النديم من أن الرجل عاش في زمن خلافة المعتضد (279- 289 ه) و قول التنوخي إنه كان في خلافة المقتدر (295- 320 ه) فمن الممكن أن يكون قد عاش في العهدين.

و يضيف رضي الدين علي بن موسى المعروف بابن طاووس (589- 664 ه-) معلومات مهمة عن يزدجرد هذا و علمه و أخيه بالنجوم فيقول نقلا عن التنوخي:

«و ممن وصف بعلم النجوم سهلون و يزدجرد من علماء الإسلام فيما ذكره التنوخي في أربع أجزاء النشوار فقال ما هذا لفظه: حدثني أبو عبد اللّه محمد الحارثي قال: كان ببغداد في أيام المقتدر إخوان كهلان فاضلان و عندهما من كل فن مليح، و هما من أحرار فارس. قد نشأ ببغداد و تأدبا بها و تعلما علوما كثيرة يقال لأحدهما سهلون و للآخر يزدجرد ابنا مهمندار الكسروي. و يعرفان بذلك لانتسابهما إلى الأكاسرة. و كانا ذوي نعمة قديمة و حالة ضخمة و كنت ألزمهما على طريق الأدب. و كان ليزدجرد منهما كتاب حسن ألّفه في صفة بغداد و عدد سككها و حماماتها ....» (2).

و عن كتابه هذا (فضائل بغداد) نقل ابن الفقيه مقاطع طويلة جدا في إحصائيات تتعلق بعدد الحمامات و المساجد و السكك و الشوارع و ما يدخلها من الأقوات يوميا و ما يباع فيها. و هذا الفصل مما حذفه مختصر كتاب البلدان فأتحفتنا به نسختنا الكاملة.

____________

(1) نشوار المحاضرة 7: 128.

(2) فرج المهموم 176.

18

عيون الأخبار

لعبد اللّه بن مسلم بن قتيبة الدينوري (213- 276 ه-). و قد نقل عنه نصا يتعلق بمدح أهل خراسان فقال: «و قال عبد اللّه بن مسلم بن قتيبة: أهل خراسان ...» (154 ب) من غير أن يذكر الكتاب الذي نقل عنه إذ إن مؤلفات ابن قتيبة كثيرة كما هو معلوم. و قد وجدنا النص بكامله في عيون الأخبار (1: 204- 205).

الأهوية و البلدان و المياه‏

من تأليف الطبيب و الحكيم اليوناني بقراط (460- 377 ق. م) الذي يشكك المؤرخون في كونه من تأليفه‏ (1). و مع ذلك فإن أول ترجمة لهذه الرسالة إلى العربية تمت على يد حنين بن إسحاق (194- 260 ه-) أو الفريق العامل معه‏ (2). و قد أولع الأطباء و الجغرافيون المسلمون بالنقل عن هذه الرسالة. فهناك الطبيب الطبرستاني: علي بن ربّن الطبري المتوفى عام 247 ه الذي كان أبوه مترجما (3) أيضا. و لدى مقارنة ما نقله ابن الفقيه عن رسالة (الأهوية و البلدان و المياه) التي أسماها ب (الأهوية و الأبدان)، و ما نقله علي بن ربّن عنها في كتابه (فردوس الحكمة) نجد تشابها واضحا بين الاثنين سوى أن ابن الفقيه اختصر قليلا

____________

(1) قصة الحضارة 7: 188. و ورد في 7: 188 منه:

«انعقد إجماع المؤرخين على أن أربعة كتب فقط هي من تأليفه و هي: (الحكم) و (الأدلة) و (تنظيم التغذية و العوائد في الأمراض الحادة) و رسالته (في جروح الرأس) أمّا ما عدا هذه الأربعة من المؤلفات المعزوة إلى أبقراط فمن وضع مؤلفين مختلفين عاشوا في أوقات مختلفة بين القرنين الخامس و الثاني قبل الميلاد.

(2) تاريخ طب در إيران 248.

(3) قال القفطي في أخبار العلماء 128: «ربّن الطبري الطبيب اليهودي المنجم: هذا رجل من أهل طبرستان كان حكيما عالما بالهندسة و أنواع الرياضة و حلّ كتبا حكمية من لغة إلى أخرى».

19

فيما طوّل فيه ابن ربّن‏ (1). و نحن نعرف من خلاف نقل ابن الفقيه الخبر بعثة جبل دماوند عن ابن ربّن أنه كان لديه نسخة من كتاب (فردوس الحكمة).

نشير أخيرا إلى أن المؤرخ و الجغرافي اليعقوبي الذي ألّف كتابه البلدان عام 278 ه قد نقل مقاطع طويلة من (الأهوية و المياه و البلدان) فيها كثير مما هو موجود لدى ابن ربّن و ابن الفقيه‏ (2). كما نجد مقاطع طويلة منها أيضا في كتاب (هداية المتعلمين في الطب) للأخويني البخاري الذي تحدث عن تأثير فصول السنة على الأمزجة و ختم بالقول «و يطول الحديث في هذا، فإن أردت أن تعلم هذه الحقيقة فعليك بقراءة كتاب (الأهوية و المياه و البلدان) لبقراط أو فصول بقراط» (3).

الفلاحة

نقل عنه ابن الفقيه بعد انتهائه من الاقتباس من كتاب بقراط فقال «و قال فسطوس في كتاب الفلاحة ...» (102 أ). و الصواب أنه قسطوس. يقول الأستاذ فؤاد سزكين أنه قد ترجم عن اليونانية إلى العربية مباشرة عام 212 ه- من قبل سرجيس بن هليبا الرومي، كما ترجم عن البهلوية بعنوان روزنامه. و قد استفاد العلماء العرب من الترجمتين. فعلي بن ربّن الطبري رجع على سبيل المثال إلى الرواية الفارسية. بينما رجع ابن قتيبة إلى الترجمة المباشرة عن اللغة اليونانية (4).

الطلسمات‏

قال ابن الفقيه «و في كتاب الطلسمات أن قباذ وجّه بليناس الرومي إلى الري فاتخذ طلسما ...» (142 ب).

يوجد كتاب في الطلاسم نقله حنين بن إسحاق إلى العربية اسمه: كتاب‏

____________

(1) انظر: فردوس الحكمة، الصفحات 501- 503.

(2) تاريخ اليعقوبي 1: 105- 113.

(3) هداية المتعلمين 150.

(4) تاريخ التراث العربي المجلد الرابع: 476.

20

المدخل الكبير لبليناس إلى رسالة الطلاسم. و يرى الأستاذ سزكين أن كتب أبو لونيوس التياني قد وصلت إلينا باللغة العربية تحت أسماء محرفة مثل: بليناس و بلينس و بولينياس و أبولون‏ (1).

و قد نقل ابن الفقيه كثيرا عن كتاب الطلسمات هذا مما أحدثه من طلسمات في البلدان التي ذهب إليها.

فردوس الحكمة

اكتفى ابن الفقيه بالقول: «و قال علي بن ربّن كاتب المازيار: وجّهنا جماعة من أهل طبرستان ...» (145 ب). و لم يذكر كتاب فردوس الحكمة و هو كتاب طبي معروف مؤلفه علي بن ربّن الطبري. و حكاية السفارة هذه إلى قمة جبل دماوند ذكرها فيه‏ (2). و قد نقلها عنه فيما بعد البيروني في الصيدنة و ابن إسفنديار في كتابه تاريخ طبرستان الذي ألّفه عام 613 ه.

المسالك و الممالك‏

من تأليف أبي القاسم عبيد اللّه بن عبد اللّه المعروف بابن خرداذبه المتوفى في حدود سنة 300 ه. و قد نقل عنه صفحات طويلة و إن لم يصرح بذلك و أشهر تلك النصوص خبر رحلة سلام الترجمان إلى سد يأجوج و مأجوج بأمر من الخليفة الواثق (227- 232 ه) التي تناقلها- رغم ما فيها من تفاصيل أسطورية- الجغرافيون و المؤرخون المسلمون و إن كان المحققون منهم قد شككوا فيها مثل ياقوت الذي كتب بعد نقله لعدة أخبار تتعلق بالسد و منها خبر سلّام الترجمان: «قد

____________

(1) نفس المصدر ص 112 و 119. و يقول ابن النديم 372 «و كتابه فيما عمله بمدينته و بممالك الملوك من الطلسمات، معروف مشهور».

(2) فردوس الحكمة 549 و فيه «فذكروا أنهم صعدوه في يومين و ليلتين و بعض اليوم الثالث».

و يتفق هذا الزمن عن صعود الجبل مع ما ذكره البيروني في الصيدنة (519) نقلا عن ابن ربن.

و في تاريخ طبرستان (83) ان المدة هي يومان و قال إنه قد نقل ذلك عن (فردوس الحكمة).

إلّا أن ابن الفقيه قال إنهم صعدوا إلى رأسه في خمسة أيام و خمس ليال.

21

كتبت من خبر السد ما وجدته في الكتب و لست أقطع بصحة ما أوردته لاختلاف الروايات فيه و اللّه أعلم بصحته» (1). و مثل الثعالبي المرغني (350- 429 ه) الذي قال «و الذي حكاه سلام الترجمان في ذكر السدّ من حديث الباب و العضادة و وصف القفل و المفتاح و الدندانجات كالأسطوانات، غير معتمد عليه لأنه غير موافق لما نطق به القرآن من وصفه ...» (2).

و يفهم من كلام المقدسي البشاري الذي ألف كتابه عام 375 ه أنه يعزو هذه الرحلة لابن خرداذبه حيث قال: «قرأت في كتاب ابن خرداذبه و غيره في قصة هذا السد على نسق واحد، و اللفظ و الإسناد لابن خرداذبه لأنه كان وزير الخليفة و أقدر على ودائع علوم خزانة أمير المؤمنين مع أنه يقول حدثني سلّام المترجم. إن الواثق بالله ....» (3) كما نقلها بصورة مختصرة مؤلف مجهول كتب كتابه عام 520 ه (4).

و مما يلفت النظر في كتاب ابن الفقيه التشابه الحرفي بين بعض نصوصه و نصوص المسالك و الممالك لابن خرداذبه. و ليس بإمكاننا أن نجزم هنا أنه قد نقلها عن ابن خرداذبه الذي ألّف كتابه عام 250 ه. لأن هناك تداخلا بين كتاب ابن خرداذبه و كتاب آخر للجيهاني الوزير مما سوف نفصله فيما بعد و نكتفي بنقل قول المقدسي- طبقا لأحد مسودات كتابه أحسن التقاسيم-: «و رأيت مختصرين بنيشابور مترجمين، أحدهما للجيهاني و الآخر لابن خرداذبه تتفق معانيهما غير أن الجيهاني قد زاد شيئا يسيرا» (5).

____________

(1) معجم البلدان 3: 58 (مادة: سدّ يأجوج و مأجوج).

(2) تاريخ غرر السير 440

(3) أحسن التقاسيم 277 (طبعة بيروت).

(4) مجمل التواريخ و القصص 490.

(5) تركستان 75.

22

حرب جوذرز و بيران‏

قال ابن الفقيه: «و قرأت في كتاب حرب جوذرز و بيران ....» (154 ب).

لا يمكننا معرفة ما إذا كان هذا كتابا مستقلا أم جزءا من كتاب قسّم على كتب؟ و الكتاب يتعلق بالتاريخ الأسطوري للفرس في الأعصار السحيقة و هي الفترة التي تمتاز كأمثالها من الفترات الزمنية لكل الأمم- بالغموض و التناقض و تضارب المعلومات حتى أن حمزة الأصفهاني المؤرخ المعروف شكا من ذلك فقال عن تواريخ الفرس: «و تواريخهم كلها مدخولة غير صحيحة لأنه نقلت بعد مائة و خمسين سنة من لسان إلى لسان، و من خط متشابه رقوم الأعداد إلى خط متشابه رقوم العقود فلم يكن لي في حكاية ما يقتضي هذا الباب ملجأ إلّا إلى جمع النسخ المختلفة النقل فاتفق لي ثماني نسخ و هي .... فلما اجتمعت هذه النسخ ضربت بعضها ببعض حتى استوفيت منها حق هذا الباب» (1).

و مع ذلك يذكر الشاعر الملحمي الإيراني أسدي طوسي المتوفى عام 465 ه- كتابا باسم كتاب بيران ويسه‏ (2).

الإنجيل‏

يقول ابن الفقيه: «و قرأت في الإنجيل أن المسيح (عليه السلام) قال: بحق أقول لكم، ليأتين قوم من المشرق ...» (158 أ).

أورد ذلك بعد ذكره لحديث ذوي الرايات السود القادمين من قبل المشرق المروي عن النبي (صلى اللّه عليه و سلم). و قد وجدنا في رؤيا يوحنا اللاهوتي من العهد الجديد (رؤيا 16: 12- 16) نصا يتعلق بمعركة هرمجدون التي قيل أنها ستقع في آخر

____________

(1) تاريخ سني ملوك الأرض و الأنبياء 9- 10.

(2) لغت فرس ص 46 و قال الباحث الإيراني ذبيح اللّه صفا إن هذه القصة هي من الملاحم البهلوية التي نجد لها أثرا في الآداب الإسلامية» انظر ص 45 من كتابه حماسه سرايي در إيران.

23

الزمان فلعله هو المقصود من خلال قرينة ما ذكر فيه و هو: (الملوك الذين من مشرق الشمس).

أما الحديث المتعلق بالرايات السود فقد وجدناه لدى نعيم بن حماد المتوفى عام 229 ه- و للمقارنة نذكره هنا، إذ يبدو أن ابن الفقيه قد اختصره.

قال نعيم:

«حدثنا محمد بن فضيل و عبد اللّه بن إدريس و جرير، عن يزيد عن (الصواب: بن) أبي زياد، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد اللّه رضي اللّه عنه قال: بينما نحن عند رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، إذ جاء فتية من بني هاشم فتغير لونه. فقلنا: يا رسول اللّه ما نزل؟ نرى في وجهك شيئا نكرهه. قال: إنّا أهل بيت اختار اللّه لنا الآخرة على الدنيا، و أن أهل بيتي هؤلاء سيقتلون (الصواب: سيلقون) بعدي بلاء و تطريدا و تشريدا حتى يأتي قوم من هاهنا من نحو المشرق، أصحاب رايات سود يسألون الحق فلا يعطونه- مرتين أو ثلاثا- فيقاتلون فينصرون فيعطون ما سألوا فلا يقبلوها (كذا) حتى يدفعوها إلى رجل من أهل بيتي فيملؤها عدلا كما ملؤوها ظلما. فمن أدرك ذلك منكم فليأتهم و لو حبوا على الثلج فإنه المهدي‏ (1).

و نفس الخبر موجود في دلائل الإمامة لمحمد بن جرير بن رستم الطبري الذي عاش في النصف الأول من القرن الخامس حيث نعلم منه سند الخبر بصورة أوضح و هو «عن صباح بن يحيى و مطر بن خليفة عن يزيد بن أبي زياد، عن إبراهيم النخعي، عن علقمة بن قيس، عن عبد اللّه بن مسعود ....»

(2).

و ذكر أبو أحمد عبد اللّه بن عدي الجرجاني (277- 365) في كتابه الكامل في ضعفاء المحدثين «و هذا الحديث لا أعلم من يرويه بهذا الإسناد عن إبراهيم [النخعي‏] غير يزيد بن أبي زياد و يرويه عنه يزيد بن فضيل» (3).

و إلى هنا ينتهي بنا المطاف- و بعد أن انتهينا من الكتب- إلى الحديث عن‏

____________

(1) كتاب الفتن. الورقة 83 ب.

(2) دلائل الإمامة 235 و يزيد بن أبي زياد (147- 136 ه-) له ترجمة في تهذيب التهذيب 11:

287 ذكر فيها شيوخه و من روى عنه. و انظر تاريخ الإسلام 8: 565.

(3) الكامل في ضعفاء المحدثين 7: 275.

24

شيوخه الذين روى عنهم ممن ذكرهم بكلمة (حدثني) أو (سألته) أو ممن يدل نوع المعلومات على نوع من الصلة له معهم.

أبو يوسف يعقوب بن إسحاق‏

قال ابن الفقيه: «و حدثني أبو يوسف يعقوب بن إسحاق قال حدثني إبراهيم بن الجنيد، عن إبراهيم بن رويم الخوارزمي قال: فيما بين خراسان و أرض الهند نمل أمثال الكلاب السلوقية ...» (163 أ).

و في الورقة (71 أ): «و قال يعقوب بن إسحاق: سمعت أبي يقول: سمعت يزيد بن هارون ...».

عند بحثنا عمن يكون إسحاق هذا الذي يروي عن يزيد بن هارون الواسطي (118- 206 ه-) فوجدناهم بالعشرات في كتب الرجال و الحديث. و عليه فلن نقطع بشي‏ء إلى حين ظهور مرجّح.

أبو إسحاق إبراهيم بن محمد البيهقي‏

له ترجمة مطولة في تاريخ بيهق و قال إن لقبه هو المغيثي نسبة إلى المغيثة و هي قرية من قرى بيهق. ثم ذكر شيوخه فقال إنهم المبرد و ثعلب. و إنه هجا البحتري، و إن ابن الرومي قال فيه ... و لكنه لم يذكر سنة وفاته‏ (1).

و قد روى عنه ابن الفقيه بقوله: «و حدثني أبو إسحاق إبراهيم بن محمد البيهقي قال أنشدني حماد بن إسحاق الموصلي لأبيه ....» (74 أ).

أبو عمرو عبد العزيز بن محمد بن الفضل‏

قال ابن الفقيه: «حدثنا أبو عمرو عبد العزيز بن محمد بن الفضل، حدثنا إبراهيم بن الجنيد، حدثنا بشر بن محمد بن أبان ...» (90 أ).

لم نعثر حتى الآن على ترجمة لأبي عمرو عبد العزيز. فأما إبراهيم بن‏

____________

(1) تاريخ بيهق 151- 154.

25

الجنيد، فهو إبراهيم بن عبد اللّه بن الجنيد أبو إسحاق قال الذهبي: «له تصانيف و تاريخ و رحلة لم أجد له وفاة» (1) و قال في تذكرة الحفاظ: «و كأن وفاته في حدود 260 ه-» (2) و في سير أعلام النبلاء «أنه بقي إلى قرب سنة سبعين و مائتين» (3).

و قال الخطيب البغدادي: «إبراهيم بن عبد اللّه بن الجنيد أبو إسحاق المعروف بالختّلي صاحب كتب الزهد و الرقائق. بغدادي سكن سر من رأى» (4).

و أما بشر بن محمد بن أبان. فقد وصفه الذهبي بالواسطي السكري أبو أحمد (5).

أبو علي محمد بن هارون بن زياد

قال ابن الفقيه: «و قال لي أبو علي محمد بن هارون بن زياد- و كان حكيما فيلسوفا- و قد تجارينا ذكر شبديز ....» (97 ب).

لا نعرف شيئا عن أبي علي هذا.

أبو حامد أحمد بن جعفر المستملي‏

قال ابن الفقيه: «و حدثني أبو حامد أحمد بن جعفر المستملي قال: حدثني عبد اللّه بن عمرو بن بشر البلخي قال: حدثني أبي ...» (148 ب). و لأبي حامد هذا ترجمة في تاريخ بغداد قال فيها إنه حدّث عن محمد بن يحيى الأزدي الذي توفي عام 252 ه. و روى عنه- عن أبي حامد- عبد الصمد بن علي بن محمد بن مكرم الوكيل المعروف بالطستي (266- 346 ه). و لم يذكر لأبي حامد تاريخا لوفاته‏ (6).

____________

(1) تاريخ الإسلام 2: 61.

(2) تذكرة الحفاظ 2: 586.

(3) سير أعلام النبلاء 12: 632.

(4) تاريخ بغداد 6: 120.

(5) ميزان الاعتدال 1: 324.

(6) تاريخ بغداد 4: 63 و 3: 414 و 11: 41. و في شواهد التنزيل رواية لأبي حامد المستملي‏

26

و قال ابن الفقيه أيضا: «و حدثني أحمد بن جعفر، حدثني أبو حفص عمر بن مدرك قال: كنت عند أبي إسحاق الطالقاني يوما بمرو على الرزيق في المسجد الجامع، فقال أبو إسحاق: كنا يوما عند ابن المبارك .....» (160 ب).

أما أبو حفص عمر بن مدرك، فهو- كما في تاريخ بغداد- «القاص الرازي و يقال البلخي. و أراه بلخيا سكن الري و قدم بغداد و حدّث بها ... مات سنة 270 ه» (1).

و في الخبر: إبراهيم بن إسحاق بن عيسى أبو إسحاق الطالقاني المتوفى عام 215 ه (2).

و فيه: عبد اللّه بن المبارك بن واضح الحنظلي التميمي مولاهم أبو عبد الرحمن المروزي (118- 181 ه) أحد الأئمة المعروفين‏ (3) و الغزاة المطوّعة كما كان شاعرا.

تميم بن بحر المطوعي‏

لو لم تقع مخطوطة المكتبة الرضوية الكاملة، ما عرفنا باسم تميم المطوعي هذا الذي قام برحلة إلى آسيا على بريد أنفذه إليه خاقان التغزغزي. و في أخباره من المعلومات كل ما هو مهم و خطير. حيث نجد هذا السؤال الموجّه إليه من ابن الفقيه الذي ورد بصيغة «و سألناه عن طريق كيماك من طراز، فذكر أن الطريق ...» الذي عرفنا منه أن ابن الفقيه التقى به. ثم إن خبر تميم قد نقله ياقوت باختصار دون أن يعزوه لأحد. فقد افتتح كلامه في مادة تركستان و أورد

____________

هذا عن إبراهيم بن الجنيد أي الختلي الذي ذكرناه آنفا.

(1) تاريخ بغداد 11: 211 و في الأصل: مات سنة سبعين من غير لفظة مائتين. و في الجرح و التعديل 6: 136 «إنه كان يحدث في الدور» و هو ما يؤكّد صفة (القاص) له.

(2) انظر عنه تاريخ الإسلام 15: 51 و قد ذكر محققه بهامشه الكثير من مصادر ترجمته.

(3) تهذيب التهذيب 5: 334- 338. و له ترجمة وافية في تاريخ الإسلام 12: 220- 248.

و تذكرة الحفاظ 1: 275. و في تاريخ بغداد 10: 152- 169.

27

خبر تميم فيها بصورة مختصرة عما هو عليه في أصل كتاب البلدان. و حين وصل إلى خبر (حجر المطر) الذي لدى الترك، ذكر اسم ابن الفقيه و نقل عنه الخبر الذي رواه عيسى بن محمد المروزي. فأوهم ياقوت قارئه أن خبر تميم منقول عن مصدر آخر. بينما الحقيقة غير ذلك و هو موجود لدى ابن الفقيه الذي التقى به و سأله تفصيلات عن رحلته تلك. و مهما يكن فليس لدينا أي معلومات عن تميم بن بحر المطوعي سوى كونه مطّوعا و هم طائفة من المتطوعين الذين كانوا يرابطون في ثغور البلاد الإسلامية لدفع هجمات الدول و القبائل التي كانت تجتاح بين الحين و الآخر حدود البلاد الإسلامية كالروم و الأتراك- قبل إسلامهم-. و يعرف المطّوعة هؤلاء أخبارا و وقائع مهمة عن البلاد غير الإسلامية حيث كان بعضهم يسافر إليها، و أشهر أولئك، إبراهيم بن شماس الذي كان يذهب بين الحين و الآخر إلى بلاد الغزية لشراء الأسرى و كان يلتقي بملكهم جبغويه‏ (1).

أبو عبد اللّه الحسين بن أستاذويه‏

قال ابن الفقيه: «و حدثني أبو عبد اللّه الحسين بن أستاذويه، حدثني أبو إسحاق إبراهيم بن الحسن، حدثنا هشام بن لهراسب السائب الكلبي ...» (170 أ).

لم نجد لابن أستاذويه ذكرا في كتب التراجم، اللهم إلّا أن يكون أبا عبد اللّه الحسين بن شاذويه الذي ترجم له النجاشي فقال: «الحسين بن شاذويه أبو عبد اللّه الصفار و كان صحافا فيقال الصحاف ...» (2) و قال: الرجالي ابن الغضائري إنه قمي زعم القميون أنه كان غاليا (3). و أما شيخه أبو إسحاق إبراهيم بن الحسن.

فنحتمله أنه الفنديني الرازي الذي يروي عن أحمد بن سيار المروزي‏ (4)

____________

(1) تاريخ الإسلام 18: 34.

(2) رجال النجاشي 65.

(3) الجامع في الرجال 604

(4) معجم البلدان 3: 620 و أنساب السمعاني 4: 403 و رجح آقا بزرگ أنه من أوائل المئة الرابعة بدلالة أن جعفر بن محمد بن قولويه المتوفى سنة 369 ه- يروي عنه. (الذريعة 2: 64).

28

(198- 268 ه-) و أحمد بن منصور الرمادي (المتوفى عام 265 ه-).

أبو العباس عيسى بن محمد بن عيسى المروزي‏

روى عنه ابن الفقيه بقوله: «و حدّث أبو العباس عيسى ....» (170 ب) و ليس واضحا ما إذا كان قد التقاه رغم أن المروزي كان معاصرا لابن الفقيه. و قد روى عنه أسطورة حجر المطر الذي لدى الترك و الذي يستجلبون به المطر إذا خافوا من الأعداء.

و قد أدى لقبه (المروزي) و كنيته (أبو العباس) إلى أن يسهو قلم العالم الحجة في الدراسات الجغرافية و نعني به أغناطيوس كراتشكوفسكي، فيرى فيه مروزيا آخر توفي قبل عام 274 ه- بقليل فقال:

«أبو عباس جعفر بن محمد بن أحمد المروزي. ابن النديم يذكر أنه أول من صنّف في المسالك و الممالك ... قد تنسب إليه حكايات من وقت لآخر عند الجغرافيين المتأخرين. فابن الفقيه يروي عنه أسطورة تتعلق بحجر المطر، كما ينقل عنه روايات عديدة عن القبائل التركية» (1).

و لأهمية شخصية هذا الرجل و لكونه رحالة في البلاد ذا علاقة بالأمراء و كبار الشخصيات و لأهمية المعلومات التي قدمها- إذا أسقطنا الجانب الأسطوري منها- فسنفصل القول فيه.

قال السمعاني: «أبو العباس عيسى بن محمد بن عيسى بن عبد الرحمن بن سليمان المروزي الكاتب المعروف بالطّهماني. أظن أنه من ولد إبراهيم بن طهمان. و هو إمام في اللغة و العلم و أحد أشراف خراسان بنفسه و آبائه و أسلافه» (2).

أما والده محمد بن عيسى بن عبد الرحمن بن سليمان المروزي الكاتب فقد

____________

(1) تاريخ الأدب الجغرافي العربي 1: 131. و انظر أيضا دائرة المعارف بزرگ إسلامي مادة (ابن فقيه) 4: 411.

(2) الأنساب 4: 88.

29

استوزره طاهر بن عبد اللّه بمدينة مرو عام 240 ه- (1) و يظهر اسمه في الحوادث الخطيرة و الشغب الذي حدث ببغداد خلال عام 255 ه- و ما بعده حيث كان مع الجيش القادم من خراسان مع سليمان بن عبد اللّه بن طاهر، و قبلها في أحداث عام 252 ه- (2). و نورد هنا ما تمكنا من جمعه من علماء هذه العائلة و شخصياتهم السياسية.

عيسى بن عبد الرحمن المروزي‏ (3) محمد بن عيسى بن عبد الرحمن بن سليمان المروزي الكاتب «وزر لطاهر عام 240 ه-».

عيسى بن محمد بن عيسى (المتوفى سنة 298 ه-) (كاتب الأمير إسماعيل بن أحمد الساماني) (4).

محمد بن عيسى بن محمد أبو صالح المروزي (العارض بجرجان) (5).

قال الذهبي عن عيسى بن محمد المروزي (الذي روى ابن الفقيه عنه) بعد أن‏

____________

(1) تاريخ طبرستان 222.

(2) تاريخ الطبري 9: 355 و 400 و 404.

(3) روى عنه الطبري 4: 532 خبرا واحدا رواه المروزي بدوره عن الحسن بن الحسين العربي (في ميزان الاعتدال 1: 483، العربي الكوفي. قال أبو حاتم: لم يكن بصدوق عندهم. كان من رؤساء الشيعة. و قال ابن عدي: لا يشبه حديثه حديث الثقات ...».

(4) هو الذي روى عنه ابن الفقيه أخبار بلاد الترك.

(5) له ترجمة في تاريخ الإسلام 13: 371. و ورد في كتاب القند (الورقة 64 أ) أنه كان عارضا بجرجان. و منصب العارض منصب خطير يشمل إدارة ديوان العرض، عرض الجيش و كتابة أسمائهم و تعيين رواتبهم و تحديد مراتبهم و يمكن مقارنتها بما نسميه اليوم وزارة الدفاع.

انظر: (اصطلاحات ديواني دوره غزنوي و سلجوقي ص 116- 120).

30

ذكر شيوخه في الحديث و من روى عنه: «كان رئيسا نبيلا كثير الفضائل ...

توفي عام 293 ه-» (1). كان كثير التنقل في البلاد الخراسانية و مدن الأتراك. و يبدو أنه كان يعنى بأخبار الخوارق و العجائب. فقد روى إضافة إلى ما نقله ابن الفقيه عنه من أخبار تدور حول حجر المطر- خبر المرأة التي عاشت نيفا و عشرين سنة لا تأكل و لا تشرب (!!!) حتى إنه ذكر خبرها لأبي العباس أحمد بن محمد بن طلحة بن طاهر والي خوارزم و ذلك في سنة 266 ه- و لما عجب الوالي من ذلك أمر بإحضارها و وكّل أمّه بمراعاتها و إنها بقيت عندها نحوا من شهرين في بيت لا تخرج منه فلم يروها تأكل و لا تشرب‏ (2).

كما رحل إلى جرجان و حدّث بها (3). و في رواية ابن الفقيه في البلدان أنه كان ببلاد الشاش حيث التقى هناك أحد شيوخ الكتاب القدماء المدعو حبيب بن عيسى الذي وصفه بأنه جمع في كتاب أخبار وقائع نوح بن أسد و حروبه مع الترك‏ (4).

و كانت صلته بأمير خراسان إسماعيل بن أحمد الذي حكم بين (287- 295 ه-) (5) قد أتاحت له معرفة الكثير مما يتعلق بالبلاد الخراسانية و ما وراء النهر.

____________

(1) تاريخ الإسلام 22: 217- 222. كان الرافعي قد روى ما يدل على أنه كان حيا عام 298 ه- قال في التدوين 3: 492: «رأيت بخط أبي الحسن القطان: حدثنا أبو العباس عيسى بن محمد بن عيسى المروزي بقزوين إملاء سنة ثمان و تسعين و مائتين ...»

(2) انظر الخبر كاملا في تاريخ الإسلام 22: 218- 221. و في سير أعلام النبلاء 13: 572 «إنها لا تأكل و لا تشرب و لا تروث» و في آثار البلاد (567) قال إنها ماتت عام 268 ه-.

(3) تاريخ جرجان 326.

(4) نحتمل أن يكون ابن عيسى هذا هو نفسه أبو النجم حبيب بن عيسى صاحب الإضافات على كتاب أمثال العرب للمفضل الضبي (الصفحات 74، 75، 111، 148).

(5) اعتمدنا في هذا على المؤرخ العتبي الذي قال: «استولى على الملك في الثلاثاء منتصف شهر ربيع الأول سنة 287 و حكم مدة ثماني سنوات و توفي في 14 صفر سنة 295 في بخارا».

ترجمة تاريخ يميني ص 200.

31

قدم إلى بغداد و حدث بها. و ذكر أبو سعيد أحمد بن محمد بن الأعرابي (246- 340 ه-) مؤلف طبقات النساك المعروف بشيخ الحرم أنه سمع منه ببغداد. كما سمع منه فيها عبد الباقي بن قانع (265- 351 ه-) (1) أما حجر المطر الذي يوجد لدى الترك و يقول ابن الفقيه إنهم «إذا أرادوا المطر حرّكوا منه شيئا يسيرا فينشأ الغيم فيوافي المطر. و إن هم أرادوا الثلج و البرد، زادوا فيه فيوافي الثلج و البرد. و يقال إنهم إذا أومأوا إلى جهة من الجهات، مطرت تلك الجهة و أبردت» (171 أ)، فأمره لا يخلو من طرافة في عالم الفولكلور الآسيوي. فقد قال أبو دلف (الرحلة 177 ب) إنه لدى الترك الكيماك.

و نقل البيروني عن كتاب النخب لجابر بن حيان (توفي عام 200 ه-) أنه «حجر اليشب و هو حجر الغلبة تستعمله الترك ليغلبوا» (2).

و يزيد الأمر وضوحا فيقول في الآثار الباقية: و هو يتحدث عن عدة ظواهر في الطبيعة: «و في الجبل الذي بأرض الترك، فإنه إذا اجتاز عليه الغنم شدّت أرجلها بالصوف لئلا تصطك حجارته فيعقبه المطر الغزير و قد يحمل منها الأتراك فيحتالون منها في دفع مضرة العدو إذا أحيط بهم فينسب من لا يعرف ذلك إلى السحر منهم» (3).

و نظرا للروح العلمية التي لدى البيروني فقد طلب إلى أحد الأتراك الذين حملوا إليه شيئا من تلك الأحجار أن يجلب بها المطر. فرماها إلى السماء مع همهمة و صياح فلم ينزل شي‏ء من المطر. و علّق على ذلك قائلا: «و أعجب من ذلك أن الحديث به يستفيض. و في طباع الخاصة فضلا عن العامة منطبع يلاحون فيه من غير تحقق» (4)

____________

(1) تاريخ بغداد 11: 170- 171

(2) الصيدنة 638. و الجماهر 219 تفصيل آخر عن النخب أيضا و حدد مكانه بأنه في مفازة وراء وادي الخرلخ أسود شرب قليل الحمرة».

(3) الآثار الباقية 246.

(4) الجماهر 219.

32

و يبدو من كلام الكاشغري الذي كتب كتابه عام 466 ه- أن استجلاب المطر كان من وظائف الكهان حيث قال: «إن الأمير أمر بالكاهن حتى تكهن و جاء بالريح و الأمطار. و ذلك معروف في ديار الترك يستجلب الريح و البرد و المطر بالحجر» (1) و بعد أن يورد شهمردان بن أبي الخير الذي ألّف كتابه بين 488 و 513 ه- أسطورة حجر المطر- يبدو أنها نقلها عن البيروني- يشير إلى حجر جالب للريح و الرعود و الأمطار في واد عظيم ببلاد الهند و ذلك إذا غنّى أحد في ذلك الوادي.

و لذا فإن الناس يجتازونه و لا يغنون إطلاقا كما لا يتكلمون مع بعضهم» (2).

و مهما يكن فقد ظلت هذه الأسطورة حية بعد ذلك حتى أن الدنيسري الذي ألّف كتابه عام 669 ه- نقلها و قال إن الحجر يوجد في تركستان من غير أن يحدد مكانا بعينه‏ (3). كما ذكرها القزويني (600- 682 ه-) و أضاف «و رأيت من شاهد هذا» (4).

محمد بن أبي مريم‏

ذكره ابن الفقيه- كما هو في 264 من مختصر البلدان المطبوع- و هو يتحدث عن مقدار خراج قم: «أخبرني محمد بن أبي مريم قال: مبلغ وظيفة الخراج بكورة قم ....».

و هو محمد بن إبراهيم عامل مدينة قم الذي نستخلص من خلال وصول لجنة برئاسة بشر بن فرج إلى قم في رجب عام 284 من قبل المعتضد للنظر في شكاوى أهلها من ثقل الضرائب، أن محمد بن أبي مريم و أخاه أحمد قد تولى كل منهما

____________

(1) ديوان لغات الترك 2: 285 و 3: 119.

(2) نزهت نامه علائي 284.

(3) نوادر التبادر 163.

(4) عجائب المخلوقات 147.

33

منصب عامل قم في الفترة الواقعة بين 282 و 284 ه- (1).

عمر بن الأزرق الكرماني‏

أورده ابن الفقيه بقوله: «قال عمر بن الأزرق الكرماني» (161 أ) حيث ذكر ابن الأزرق معلومات مهمة عن معبد النوبهار بمدينة بلخ الذي قيل أنه كان يوجد فيه بيت من أكبر بيوت المجوس‏ (2). و إن كان الأرجح أنه كان بيتا للأصنام، حيث يقول من يرى ذلك «إنّ كلمة (بهار) تأتي أيضا في الأدب الفارسي بمعنى معبد للأصنام» (3). و حتى بعد أن هدم هذا المعبد على يد قيس بن هيثم السلمي عام 41 ه-، ظل مكانه موثلا للكثير من الزائرين. يقول أبو بكر الواعظ الذي كان حيا عام 588 ه- في كتابه فضايل بلخ نقلا عن المحدث عبد اللّه بن شوذب البلخي (86- 156 ه-):

«روي عن ابن شوذب أنه حلول رأس السنة الشمسية كان الأكابر و الأشراف من بلاد طخارستان و الهند و تركستان و من بلاد العراق و الشام يأتون إلى هذه المدينة (بلخ) و يعيّدون سبعة أيام في موقع النوبهار» (4).

إن المعلومات التي قدمها ابن الأزرق عن النوبهار فريدة لا نراها في أي مصدر آخر. فمن يكون عمر بن الأزرق هذا؟ لم نجد له ذكرا في كتب الرجال و التاريخ. و هناك بصيص ضعيف من الأمل في أن يكون هو الذي روى عن المدعو ابن سيار معلومة طبية من بلاد الروم. ففي كتاب في الأدوية و منافعها ألّف على عهد منصور بن نوح الساماني أي بين 350 و 366 ه-، قال مؤلفه:

«روى ابن الأزرق عن ابن سيار أنه قال: رأيت في بلاد الروم أنه عند ظهور

____________

(1) تاريخ قم 130، 104، 105.

(2) بلدان الخلافة الشرقية 463.

(3) عبد الحي حبيبي: تاريخ أفغانستان 16. و كان قد قال قبل ذلك إن كلمة بهار أو و هارة تعني بالسنسكريتية المعبد أيضا.

(4) فضايل بلخ 46.

34

داء الخنازير لدى شخص ما، يؤتى به و يطرح أمام الخنازير كي تأخذ الغدد و تلعقها، فتذهب الغدد. و هذا من النوادر» (1).

فكون المعلومة الطبية من بلد خارج نطاق بلاد الإسلام تجعلنا نخمن أن ناقلها كان رحّالا زار تلك التخوم. و تجعلنا نحتمل أن يكون أحمد بن سيار بن أيوب المروزي (198- 268 ه-) الذي عرف بكثرة التجول و هو فقيه و محدث مشهور حيث رحل إلى بخارى مع وفد لزيارة الأمير إسماعيل بن أحمد الساماني، و إلى بغداد و هو في طريقة للحج عام 245 ه- و إلى الشام و مصر (2). و هو على أي حال من أهالي تلك التخوم المجاورة للثغور الإسلامية.

سعيد بن الحسن السمرقندي‏

تحت عنوان «ذكر بعض مدن الأتراك و عجائبها» (172 أ) كتب ابن الفقيه فصلًا بدأه ب (قال سعيد بن الحسن السمرقندي) هو أروع فصول الكتاب، الفصل الذي لا نجد له مثيلا في معلوماته الفريدة الغزيرة. و الحقيقة فإن السمرقندي قد تجاوز في أواخر كلامه بلاد الأتراك و توغل في الغابات المتشابكة الأشجار أي إلى الشمال من نهر الفولغا باتجاه قبائل (و يسو) الذين يقول عنهم أندريه ميكيل اعتمادا على كتاب حدود العالم، إنهم يقرنون مع الأقوام اليوغورية و هذا نص كلامه:

يقرنهم كتاب الحدود بالويسو الذين يحيلون إلى قوم فنيين: الفس النازلين في جنوب شرق بحيرة أونيغا» (3).

نقول هذا معتمدين على أن مدينة (سكوب) و هي آخر المدن التي ذكرها

____________

(1) الأبنية عن حقايق الأدوية 117. و الخنازير هو مرض‏Scrofula أوKing `sevil و هو الغداب أو الخنازيري، داء الملك: سل الغدد اللنفاوية و بخاصة في العنق (المورد للبعلبكي. قاموس إنكليزي- عربي).

(2) من ترجمته في تاريخ بغداد 4: 187- 189 و أضاف أن له كتابا في تاريخ مرو. و انظر (تهذيب الكمال للمزي 1: 323- 324).

(3) جغرافيا دار الإسلام البشرية ج 2 ق 2 ص 88. و كما في حدود العالم ص 86 فهم «يغسون ياسو» و قال أندريه ميكيل يجب أن نفهم أن يغسون هم: يوغره (يوره).

35

السمرقندي هي بسكوف (Pskov) و هي «ولاية غربية من روسيا أوربا مساحتها مع بحيراتها 067، 17 ميلا مربعا. و عدد سكانها 701، 775. و بها عدة بحيرات أهمها البحيرة المسماة باسمها. و في جهتها الجنوبية الشرقية مستنقعات كثيرة.

و قسم كبير منها تغشاه غابات من الصنوبر يستخرج منها كمية وافرة من القطران.

و سكانها على الأكثر من أصل روسي و لكن يوجد بينهم قبائل أخر و بعض من المسلمين.

قصبة الولاية المذكورة واقعة على الضفة اليسرى من قاليكايا على بعد نحو خمسة أميال من مصبه في بحيرة بسكوف على السكة الحديدية بين بطرسبرج و وارسو تبعد 165 ميلا عن بطرسبرج إلى جنوبي الجنوب الغربي. و عدد سكانها 981، 12. و يحيط بها سور محيطة خمسة أميال. و لها قلعة في وسطها» (1).

فالمدينة التي ذكرها السمرقندي تشترك مع (بسكوف) في عدة نقاط منها كثرة البحيرات حيث قال السمرقندي: «و لهذه المدينة حمة عجيبة النفع تخرج من كهف في جبل شاهق لا يصل إنسان إلى الكهف الذي هي فيه. و إنما تجري فيه إلى عشرة أبيات مبنية بالصخر: سبعة للرجال و ثلاثة للنساء. ماؤها في الشتاء شديد الحر و ينقص حرّه في الصيف». و يضيف إلى ذلك قوله: «و في هذا الجبل ثعالب سود و حمر و بلق قلما يصطاد شي‏ء منها لتغلغلها بين الشجر و قلة نزولها إلى السهل.

و هي أصبر الحيوان على الثلج و كذلك جميع ما في هذا الجبل، لأن الثلج يقع فيه أكثر السنة» (174 ب).

كما أن الحرية الجنسية التي لفتياتهم و نسائهم تجعلهم قريبين من الأقوام المجاورين للفينيين و نعني بهم البرطاس الذين «تختار الجارية عندهم من أرادت من الرجال بصرف النظر عن سلطة الأب» (2) و مع الصقالبة الذين «إذا أحبت إحدى الفتيات رجلا، ذهبت إليه و استسلمت تماما إلى ملذاته. و هذه الممارسة شائعة

____________

(1) دائرة معارف البستاني 5: 421 (بسكوف).

(2) جغرافيا دار الإسلام البشرية ج 2 ق 2 ص 37.

36

جدا حتى إن وصول الفتاة عذراء إلى الزواج يدفع إلى الشك بأنها مصابة بعاهة جسدية أو عقلية و تتعرض إلى الطلاق» (1).

و إن لغتهم غير لغة الأتراك لذلك ميزهم السمرقندي بأن قال «و أهلها يتكلمون بالسريانية». فهل هم يتكلمون السريانية حقا أم أن عدم تشابه لغتهم مع لغات سائر الأتراك الذين ذكر منهم الواحدة تلو الأخرى هو الذي دعاه إلى ذلك؟

و في هذه الحالة هل إن ذلك يجعلهم يقتربون من أمة البرطاس (البرداس) الذين يحتمل أندريه ميكيل أنهم «فنلنديون تفاوت تتريكهم و يتكلمون لغة خاصة بهم .... و هم مقيمون على طاعة ملك الخزر. و يغيرون على بلكار و البجناك و يغير هؤلاء عليهم و يسبونهم. و يقال لنا بأنهم ينتسبون بدينهم إلى عالم الترك و إلى الغز بوجه أدق» (2)؟

و وجود الثعالب بأنواعها في تلك المدينة (في غاباتها بطبيعة الحال) ألا يشير إلى تجارة جلود الثعالب السود و السمور لدى الويسو التي تجعل التجار البلغار يخرجون إلى أرضهم لشراء تلك الجلود، كما يقول ابن فضلان الذي أضاف أن بلاد الويسو تقع على مسافة مسيرة ثلاثة أشهر من بلاد البلغار (3)؟

إننا نقترب تدريجيا من روسيا البيضاءBielo Russe - طبقا لرأي المستشرق الألماني فرهن الذي يرى أن ويسوWisu تقع قرب موسكو غربي ورنك‏ (4)Varang . كما نقترب من أستونيا الواقعة إلى الشمال الغربي من بحيرة بسكوف-

____________

(1) جغرافيا دار الإسلام البشرية ج 2 ق 2 ص 80.

(2) نفس المصدر ص 37.

(3) رسالة ابن فضلان 135، 138.

(4) نفس المصدر 126. و قد قرأها فرهن هكذا أي (و يسو) كذلك قرأها محقق رسالة ابن فضلان إلى العربية الدكتور سامي الدهان. و قد قال في الهامش إن الناسخ كتبها في المخطوطة (ويسوا) بألف بعد الواو كما يفعل دائما بعض النساخ بواو الجمع. انتهى كلامه.

أما ناسخ مخطوطة التفهيم (ص 145) فقد كتبها: انسوا. و كتبها محقق الكتاب و مترجمه إلى الإنكليزية الأستاذ رمزى‏رايت:Ansu .

بعد كل هذا، لنا أن نفترض أنّ صواب الكلمة هو (ويسوا) أو (ايسوا).

37

حيث افترضنا أن السمرقندي كان يعني هذه المنطقة بحيرة و مدينة- أستونيا التي يرى الباحث‏Mikko Juva «- و طبقا للشواهد الأركيولوجية- أن أسلاف الفنلنديين كانوا يعيشون فيها منذ 3500 عام على الأقل» (1).

و على هذا فالسمرقندي هو أول جغرافي أو رحالة مسلم وصف تلك الأصقاع (أو رحل إليها؟).

أخيرا، لم نعثر على شخص يدعى سعيد بن الحسن السمرقندي فيما بين أيدينا من مصادر، سوى أن ابن شيخ الربوة قد وضع أحد عناوين فصول كتابه على الشكل التالي: في جزائر البحر الأخضر التي بالقرب من سواحله و منهن الجزائر الخالدات و ذكر الأعجوبة للسمرقندي». ثم فصّل ذلك داخل الكتاب بقوله: إن الإسكندر أراد أن يعلم ساحل المحيط الأقصى فجهز عدة مراكب ..... فساروا سنة كاملة لم يروا إلّا سطح الماء و ما يخرج من حيوان عظيم الخلقة كالمنارة المشهورة ....» (2).

مطاعن على كتاب البلدان‏

كان للتقييم الذي أطلقه ابن النديم (ألف كتابه عام 377 ه و ما تلاه)، أثره المدوي في الأوساط التي أصدرت أحكامها فيما بعد بحقه. قال ابن النديم:

«ابن الفقيه الهمداني و اسمه أحمد بن محمد. من أهل الأدب. لا نعرف من أمره أكثر من هذا. و له من الكتب: كتاب البلدان، نحو ألف ورقة، أخذه من كتب‏

____________

(1).FINLAND CREATION AND CONSTRUCTION .P .91 و يقول موريس لو مبارد الأستاذ في المدرسة العملية للدراسات العليا و في دار المعلمين العليا بباريس إنه في الفترة الواقعة بين القرنين الثامن و الحادي عشر الميلاديين كان ينتشر خلف بلاد السلافيين (الصقالبة)، باتجاه نهر البلطيق (هو بحر ورنك عند الجغرافيين العرب)، الأقوام الفينية التي يدمجها الجغرافيون العرب مع الصقالبة. انظر ص 260 من كتابه الجغرافية التاريخية للعالم الإسلامي.

(2) نخبة الدهر 344.

38

الناس و سلخ كتاب الجيهاني. و كتاب ذكر الشعراء المحدثين و البلغاء منهم و المفحمين» (1).

لقد لاحظ العالم كراتشكو فسكي منذ وقت مبكر تهافت قول ابن النديم بأن ابن الفقيه سلخ كتاب الجيهاني المعروف بالمسالك و الممالك فقال:

«يجب أن نأخذ بعين الحذر و الارتياب قول صاحب (الفهرست) أن ابن الفقيه قد (سلخ) كتاب الجيهاني. حقا إن الطابع النقلي لكتاب ابن الفقيه ليس في الوسع إنكاره، و لكن كتابه يرجع تأليفه إلى ما قبل عام 290 ه أي قبل أن يخرج الجيهاني إلى عالم الوجود» (2).

و مع ذلك تواصلت الهجمات على ابن الفقيه و اتهامه بسلخ كتاب الجيهاني.

فنقل ياقوت نفس ما قاله ابن النديم‏ (3). و قفى على آثاره المستشرق رينو فادعى أن ابن الفقيه قد اختصر كتاب الجيهاني و أضاف «إن اختصار الكتاب ربما كان هو السبب في إهمال شأنه» (4) و استخدم المرحوم العلامة مصطفى جواد ألفاظا أقسى حين ذكر كتاب الجيهاني المسالك و الممالك و قال «و هو الكتاب الذي سلبه ابن الفقيه الهمداني و سرقه» (5).

____________

(1) الفهرست 171. و لابن الفقيه كتاب آخر ذكره هو في كتابه البلدان فقال بعد أن انتهى من أخبار خالد بن سنان: «و قد ذكرنا أخباره في كتاب العجائب» (129 ب).

(2) تاريخ الأدب الجغرافي العربي 1: 222. و لقد كان الجيهاني في الوجود آنذاك و يبدو أن كراتشكو فسكي قد التبس عليه الأمر فخلط بينه و بين جيهاني آخر. فالمعروف أن الجيهاني و هو أبو عبد اللّه محمد بن أحمد قد تولى الوزارة لنصر بن أحمد الساماني منذ عام 301 ه. أما الأستاذ بروكلمان (4: 244) فقد ذهب إلى أنه «أحمد بن محمد بن نصر الجيهاني وزير نصر بن أحمد بن نصر الساماني (261- 279 ه-) و أن الكتاب كتب في بخارى بين سنتي 279 و 295 ه-.

(3) معجم الأدباء 4: 200.

(4) الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري 2: 9 تعليق للأستاذ خدابخش.

(5) محاضرة في المهرجان الألفي لابن سينا. (كتاب المهرجان ص 256). و قال إن مؤلف الكتاب هو أبو عبد اللّه أحمد بن محمد الجيهاني وزير الأمير السديد منصور بن نوح ثم وزير

39

و حقيقة الأمر ما قاله المقدسي البشاري و هو وجود تشابه بين مؤلّف الجيهاني و مؤلّف ابن خرداذبه. حيث تقول إحدى مسودات كتاب المقدسي المسمى أحسن التقاسيم: «و رأيت كتابه- أي كتاب الجيهاني- في خزائن عضد الدولة غير مترجم. و قبل بل هو لابن خرداذبه. و رأيت مختصرين بنيشابور غير مترجمين، أحدهما للجيهاني و الآخر لابن خرداذبه تتفق معانيهما غير أن الجيهاني قد زاد شيئا يسيرا» (1).

و مع ذلك تظل المسألة غامضة بعض الشي‏ء. إذ المعروف أن ابن خرداذبه قد كتب كتابه المسالك و الممالك عام 250 ه- و رأينا تشابها في نصوصه في كثير من نصوص ابن الفقيه الذي كتب كتابه أواخر عام 289 أو أوائل 290 ه- و أن ابن الفقيه قد ذكره و كتابه بقوله (قال صاحب كتاب المسالك و الممالك و هو عبد اللّه بن محمد بن خرداذبه ...» (ص 203 من مختصر البلدان) كما نقل عنه رحلة سلام الترجمان. ترى هل أن الجيهاني الذي ألّف كتابه فيما بعد قد أفاد من ابن خرداذبه‏

____________

الأمير الرضي نوح بن منصور. انتهى كلامه.

و الحقيقة هي أن مؤلف المسالك هو أبو عبد اللّه محمد بن أحمد وزير نصر بن أحمد. و أن الذي ذكره الدكتور جواد هو حفيد الوزير المذكور آنفا. و كان المحقق الإيراني قزويني المتوفى عام 1949 كتب بحثا ذكر فيه مجموعة من آل الجيهاني و منهم الوزراء و قال إن الأول منهم و هو أبو عبد اللّه محمد بن أحمد هو صاحب المسالك (ياد داشتهاي قزويني 2: 394- 401) و قد فصل شيئا من حياته و علمه و إرساله المبعوثين إلى البلدان، المؤرخ گرديزي في تاريخه ص 330. و انظر أيضا تركستان لبارتولد 74، 204. و نقرأ أيضا لدى المسعودي: «أبو عبد اللّه محمد بن أحمد الجيهاني وزير نصر بن أحمد بن إسماعيل بن أحمد بن أسد صاحب خراسان. ألف كتابا في صفة العالم و أخباره و ما فيه من العجائب و المدن و الأمصار و البحار و الأنهار و الأمم و مساكنهم و غير ذلك من الأخبار العجيبة و القصص الظريفة». التنبيه و الإشراف 65.

أخيرا لا تثريب على من يخطئ في من يكون الجيهاني صاحب المسالك. فابن النديم قد التبس عليه الأمر (انظر ص 153 و 401). و تابعه على ذلك ياقوت في معجم الأدباء (انظر 4: 190) اعتمادا على ابن النديم.

(1) تركستان 74- 75.

40

بحيث التبس الأمر على ابن النديم فقال إن ابن الفقيه سلخ كتابه؟ إن قول المقدسي آنفا يساعدنا على احتمال صحة هذا الرأي.

أما الطعن الثاني فقد وجهه المقدسي الذي كتب كتابه عام 375 ه- فقال:

«و رأيت كتابا صنفه ابن الفقيه الهمداني في خمس مجلدات، سلك طريقة أخرى و لم يذكر غير المدائن العظمى و أدخل فيه فنونا من العلوم. مرة يزهد في الدنيا و دفعة يرغب فيها، و وقتا يبكي و ساعة يضحك و يلهي.

و أما كتاب الجاحظ فصغير. و كتاب ابن الفقيه في معناه غير أنه أكثر حشوا و حكايات و احتجّا بأنّا إنّما أدخلنا خلال كتبنا ما أدخلنا ليتفرج فيها الناظر إذا ملّ.

و ربما كنت أنظر في كتاب ابن الفقيه فأقع في حكايات و فنون» (1).

إن الانتقال من موضوع لآخر مخافة أن يملّ القارئ هو أسلوب جاحظي.

و لا شك أن ابن الفقيه متأثر بأسلوبه- و ينبغي عدم المبالغة في هذا التأثر-. إلّا أن ابن الفقيه نفسه قد توخّى هذا الهدف منذ البداية أي أنه جعله من أهداف الكتاب، بل جعل عنوان أحد فصوله: (باب في تصريف الجد إلى الهزل و الهزل إلى الجد).

و قال في مطلع كتابه: «فكتابي هذا يشتمل على ضروب من أخبار البلدان و عجائب الكور و البنيان. فمن نظر فيه من أهل الأدب و المعرفة فليتأمله بعين الإنصاف، و ليعرنا فيه حسن محضره و جميل رأيه، فإن الأجدي في المذهب شأوك و قرابة دانية و رحم ماسّة و وصلة واشجة، و يهب زللي لاعترافي و اغفالي لإقراري. فإني إنما ألحقت في هذا الكتاب ما أدركه حفظي و حضره سماعي من الأخبار و الأشعار و الشواهد و الأمثال» (2).

بل إنه يباهي بهذا التنوع الذي ضمنه كتابه فهو يعقب بعد أن ذكر جملة من‏

____________

(1) أحسن التقاسيم (طبعة دي خويه) ص 5 هامش. و هو منقول عن أحد مسودات الكتاب. و قد قال في ص 4 منه: «و أمّا الجاحظ و ابن خرداذبه فإن كتابيهما مختصران جدا لا يحصل منهما كثير فائدة».

(2) مختصر كتاب البلدان 2.

41

المواعظ و الأشعار الوعظية: «و لو لم يفدك هذا الكتاب من الأخبار العجيبة و الأشعار الظريفة و الأمور الغريبة، لكان فيما يفيدك من أخبار البلدان و عجائب الكور و الأمصار بلاغا و مقنعا. فكيف و قد أفادك علم الماضين و أخبار الأولين.

و ذلك علم المعنيين. و وقفك على الطريقين، و أرشدك إلى الأمرين جميعا: حكمة بالغة و موعظة موجزة. تعرفت منه أخبار الماضين و أبنية من قد سلف من الأولين.

و في هذا الخبر الذي أثبته هاهنا عبرة لمن اعتبر و فكرة لمن تفكر، و دليل على وحدانية اللّه تعالى، و مخبر عن آياته و قدرته. فصفّ ذهنك و فرّغ قلبك، و أقبل عليه بسمعك و تفكر فيه و فيما تضمنته من الأعجوبة. فإن فيه عبرة لأولي الألباب» (109 ب) ثم أورد بعد ذلك قصة عجيبة عن الخضر و ملك بني إسرائيل.

نقول عن كتاب البلدان‏

أول من نقل عنه، حسن بن محمد القمي الذي ألّف كتابه تاريخ قم عام 378 ه- الذي نقل عنه في اثنى عشر موضعا.

و الثاني هو المقدسي البشاري (335- 390 ه-) الذي كان ازدراؤه لكتاب ابن الفقيه- كما مرّ بنا فيما مضى- مانعا له عن النقل عنه، فلم ينقل إلّا في موضع واحد (ص 27 من طبعة بيروت).

و يأتي بعد ذلك محمد بن محمود بن أحمد طوسي مؤلف كتاب عجائب المخلوقات الذي قال حاجي خليفة (2: 1127) أنه ألّفه عام 555 ه- إلّا أن محقق الكتاب لاحظ فيه تاريخ 562 ه- و أضاف: «على الرغم من كون اسمه: الطوسي.

إلّا أنه إمّا أن يكون من أهل همدان أو عاش ردحا من الزمن فيها، كما يستفاد من الكتاب. و هو لم يشر إلى مصادره إلّا فيما ندر، و لم يشر إلى ابن الفقيه و لا مرة واحدة» (1).

و من خلال مطالعتنا لعجائب الطوسي رأينا العجب العجاب. فالرجل قد نقل أكثر من ثلثي كتابه عن ابن الفقيه و لم يشر إليه و لا مرة واحدة. و لم يكن له من‏

____________

(1) مقدمة منوجهر ستوده للكتاب 18 و 21.

42

جهد في ذلك النقل سوى ترجمته النصوص إلى الفارسية.

أما أكثرهم نقلا مع التنويه بأنه ينقل عن ابن الفقيه- بصورة عامة- فهو ياقوت الحموي الذي نقل عنه في مائة و ثلاثة مواضع من كتابه معجم البلدان‏ (1).

و قد كان قلمه يزل أحيانا فيكتب: محمد بن أحمد بدلا من الصواب: أحمد بن محمد و هو الغالب في كتابه. و قد ذكرنا فيما مضى من المقدمة الموارد التي زلّ فيها قلمه.

و لقد دلتنا نقوله أنه كان ينقل عن المخطوطة الأصل و ليس المختصرة كما أشرنا إلى ذلك في هوامش الكتاب. و نعتقد أنه كان ينقل عن نسخة من كتاب البلدان أكمل من هذه التي يوجد نصفها تقريبا بين أيدينا. ففي مادة (شبداز) لدى ابن الفقيه و في النسخة الأصل لم نجد بضعة أسطر كان ياقوت قد قال صراحة أنه نقلها عن ابن الفقيه (انظر مادة شبداز 3: 250). و كان يجري تغييرا طفيفا على العبارة. فمثلا نقرأ في فصل همذان لدى ابن الفقيه: «و قرأ عليّ بعض النصارى كتابا بالسريانية» (111 أ) و نجد ياقوت كتبه هكذا: «و وجد في بعض كتب السريانيين» (همذان 4: 981). أو قول ابن الفقيه (111 ب): «فأجمعوا على أن تسدّ عيونها حولا ثم يفتح السد و يرسل على المدينة فإنها تغرق». نجده لدى ياقوت: «فأجمعوا على أن مياه عيونها تحبس حولا ثم تفتر و ترسل على المدينة فإنها تغرق» (مادة همذان 4: 982).

و يبدو أن كثرة نقول ياقوت عن ابن الفقيه كانت تدعوه إلى أن ينقل عنه من غير أن يذكر اسمه. فنحن نعرف بشكل أكيد أن المناظرة بين الواسطي و ابن أبي السرح- قلنا إننا نرجح أن يكون ابن أبي السري- قد جرت في منزل محمد بن إسحاق بهمذان، و هو والد أحمد بن محمد بن إسحاق مؤلف كتاب البلدان (117 ب و ما يليها) و مع ذلك فقد نقلها ياقوت (مادة همذان 4: 984) بطولها

____________

(1) انظر ص 300 من فهرست فرديناند و ستنفلد محقق أفضل طبعة للكتاب ظهرت حتى الآن.

حيث ذكر 98 موضعا و أضفنا خمسة مواضع سها عنها قلمه.

43

و نقل بقية المعلومات المتعلقة بهمذان الموجودة لدى ابن الفقيه من غير أن يذكره و لا مرة واحدة في هذه المادة.

أخيرا جاء زكريا القزويني الذي كتب كتابه آثار البلاد عام 674 ه. و نرجح أنه قد أخذ عن ياقوت نقوله عن ابن الفقيه و أودعها كتابه، بحيث يمكننا القول بما يشبه اليقين أنه لم ير كتاب ابن الفقيه. دليلنا على ذلك أنه حيثما أخطأ ياقوت في اسم ابن الفقيه، كان هذا الخطأ يتكرر في نفس المادة لدى القزويني. فقد كنا أشرنا إلى أن ياقوتا كان يسهو أحيانا فيكتب اسم ابن الفقيه هكذا: محمد بن أحمد الهمذاني. و نصادف هذا الخطأ لدى القزويني. فحين يقول ياقوت (مادة: رومية 2: 872) «فجميع ما ذكرته هاهنا من صفة هذه المدينة فهو من كتاب محمد بن أحمد الهمذاني المعروف بابن الفقيه». نجد القزويني (ص 594 مادة رومية أيضا) يكرر نفس الخطأ فيقول: «و هذه كلها منقولة من كتاب ابن الفقيه و هو محمد بن أحمد الهمذاني» (1).

وصف مخطوطة الكتاب‏

ضمت المجموعة الخطية التي كشف النقاب عنها في المكتبة التابعة لحضرة الإمام علي بن موسى الرضا (ع) بمدينة مشهد الإيرانية المخطوطات التالية:

1- نصف كتاب البلدان لابن الفقيه و هو الذي نقدمه بين أيدي القراء الأفاضل.

____________

(1) انظر نماذج أخرى باسم محمد بن أحمد و في نفس المادة يحذو فيها القزويني حذو ياقوت فيما يلي: صنعاء (ياقوت 3: 421) و القزويني (50) سوى أن القزويني اختصر المادة قليلا. زمزم (ياقوت 2: 942) و القزويني (120). قصر شيرين (ياقوت 4: 113) و القزويني (441).

و يقتضي الإنصاف أن نقول إنه كان يحدث أن يكون الاسم صحيحا لدى ياقوت لكنه مكتوب بصورة مغلوطة لدى القزويني. ففي مادة جبل شبام نجد ياقوتا يقول (3: 248)، قال أحمد بن محمد بن إسحاق الهمذاني ...... بينما نجد القزويني (116) يقول في نفس المادة: قال محمد بن أحمد بن إسحاق الهمذاني. و قد كرر هذا الغلط في مادة طرسوس لدى القزويني (219) بينما كان ياقوت قد نقل نفس المادة عن ابن الفقيه مع ذكر اسمه الصحيح و هو أحمد بن محمد (3: 526).

44

2- الرسالتين الأولى و الثانية اللتين دون فيهما أبو دلف مسعر بن المهلهل رحلاته.

3- النص الكامل لرسالة ابن فضلان التي دون فيها مذاكرته عن رحلته التي قام بها عام 310 ه- لمناطق بلغار الفولغا و بلاد الخزر و الروس و الصقالبة. و قد طبعت رسالتا أبي دلف، كما طبعت رحلة ابن فضلان بينما بقيت مخطوطة بلدان ابن الفقيه حتى يومنا هذا على رف الانتظار.

يقول فلاديمير مينورسكي الأستاذ بجامعة لندن: «إن كاتب المجموعة الخطية هو شخص واحد قد كتبها على التوالي. و من الممكن أن يعود تاريخ كتابتها إلى زمن يرقى إلى ما قبل الهجوم المغولي هو القرن السابع الهجري على أوجه التقريب. خطها ليس عسيرا على القراءة .... و تظهر ملاحظة بعض خصائص الإملاء أن كاتبها شخص إيراني، من قبيل استخدام (ژ) الفارسية أي ذات الثلاث نقاط. و كذلك كتابته لبعض التراكيب العربية التي لا معنى لها مثل كتابته (184 أ) (هي مدينة الإسلام وراها) بدلا من الصواب (لا إسلام وراءها). أو كتابته (185 أ) (و به بنو معون المهدي) بدلا من الصواب و هو (و به يتوقعون المهدي) (1)».

و من خلال المطالعة الدقيقة لمخطوطة البلدان نرى ما يلي: إن المخطوطة عرّضت لتشويهين: أولهما أنها كانت تملى على شخص كان يسمع فيكتب. و دليلنا

____________

(1) سفر نامه أبو دلف در إيران. المقدمة ص 20 و 34- 35 و قد ذكر أمثلة أخرى من خصائص المخطوطة مثل خلطه في الضمائر و الصفات في التذكير و التأنيث أو تمييز الأعداد. أو التاء الطويلة بدلا من القصيرة و غير ذلك.

كما نبّه إلى كتابته الأسماء التي فيها حرف الدال، بحرف الذال، فهو يكتب بغداد بالذال فيقول بغداد. و يرى مينورسكي أن تلك كانت طريقة سائدة في الكتابة العربية و الفارسية. و قد أهملت الكتابة بالذال في بداية القرن السابع الهجري.

و بدورنا فقد كتبنا كلمة (بغداد) التي وردت في كافة أرجاء الكتاب و خاصة الفصل الخاص بمدينة السلام بغداد- بصورة عامة- كتبناها بالدال.

45

على ذلك وجود تحريف في الكلمات لا يمكن تصحيفها بالنقل من كتاب مدوّن.

فيستحيل مثلًا أن يصحف كاتب ما كلمة (سهم) إلى (صهم) إذا كانت كلمة (سهم) مكتوبة أمامه و هو يقوم بنقلها. من الممكن أن تصحف إلى (شهم) أو (بهم) أو (نهم) أو (بينهم) أو أي شي‏ء قريب. لكن أن تصحف إلى (سهم)- بالصاد- فإن ذلك يعني أن المملي- و هو غير عربي- قد قرأها مضخّمة فكتبها السامع بالصاد.

و سنقدم أمثلة أخرى على ذلك.

أما التشويه الثاني فقد حدث على ناسخ استنسخ المخطوطة فارتكب أخطاء في الكتابة مما يمكن صدوره عمن ينقل من كتاب مدوّن أمامه مثل كتابة (و نموق قريبا) بدلا من (و تموت) و هو الصواب.

أخطأ سببها السماع المغلوط:

الخطأ الصواب [111 ب‏] فأصيبت عينه بصهم لذهبت بسهم فذهبت [114 أ] فالماء يشرب كرفا و ممزوجا صرفا [114 أ] الماء الذي يطرب كل شي‏ء و لا ينجسه شي‏ء يطهّر كل شي‏ء.

[119 ب‏] و ليس فينا دقة النظر أهل البصرة نظر [110 ب‏] فلم يجبه بحرفه بحرف أما تصحيفات النوع الثاني و هو الكتابي الممكن حدوثه أثناء النقل من نص مكتوب يقرؤه الناسخ نفسه. فمثل (97 ب) و إذا فكرت في أمر صورة شبديز هذه و حدثها كما ذكر المعتزلي. و الصواب (وجدتها). و قوله (103 أ) فأحجج الناس جميعا. و الصواب (فأحجم). و قوله (103 أ) إن أمر نسائه سيعلموا على أمور

46

الرجال. و الصواب (سيعلو). (103 أ) إن حق صحن الدار أن يعمر بالجزم و الحاشية. و الصواب (بالخدم). و (105 أ) بنيت شديدا و تأمل بعيدا و نموق قريبا. و الصواب (و تموت). و (107 ب) فحفروا و انتطوا الماء. و الصواب (و أنبطوا).

عملنا في الكتاب‏

لما كانت المخطوطة الرضوية تمثل النصف الثاني لكتاب البلدان فقط. فقد اضطررنا إلى الاستعانة بمختصر الكتاب الذي طبعه دي خويه فوضعنا نصفه الأول في أول الكتاب ثم ألحقنا به النصف الثاني المخطوط (مخطوطة الرضوية) تجنبا لأن يكون في المكتبات كتابان أحدهما (مختصر كتاب البلدان) و الثاني (النصف الثاني من مخطوطة البلدان الكاملة). هذا أولا.

ثانيا: الأبواب التي هي موجودة في المختصر و المخطوط الأصل، اخترنا إثبات ما هو في المخطوطة الأصل الكاملة. إذ لا يعقل أن نثبت ما كتب عن الترك في المختصر و مقداره صفحة واحدة و نهمل ما هو في المخطوطة الكاملة و مقداره يزيد على عشر صفحات. أو نهمل مادة طبرستان الموسعة في المخطوطة لنثبت المختصر الذي هو في المطبوع.

و مع ذلك، و من أجل فائدة من يرغب في المزيد من الدقة. فقد ارتأينا أن تطبع المواد المشتركة بين المختصر و المخطوطة الكاملة، أن تطبع بالحرف الأسود (المحقّق) ليرى القارئ مقدار الإساءة التي أساءها مختصر الكتاب حين حذف أسانيد الكتاب أو أسطرا من منتصف المواد حيث كنا نرى الجمل معلّقة أحيانا لا تعطي معنى، إضافة إلى اختصاره القطع الشعرية. و كل ذلك يتضح للقارئ من خلال ملاحظته السطور المطبوعة بالحرف الأبيض عن تلك المطبوعة بالأسود.

و يكفي اختصار الكتاب نقصا أنه حذفت منه أغلب الأسانيد. كما حذف منه أهم فصول الكتاب و نعني بها تلك المتعلقة بالترك و البلغار و الصقالبة.

أخيرا، أرجو من السادة المحققين و الأساتذة و النقاد، أن يتكرموا عليّ و هم‏

47

المتفضلون، إن كانت لديهم ملاحظات على الكتاب- سواء نشرت في الصحف و المجلات أم لم تنشر- بإرسال نسخة من تلك الملاحظات إلى دار عالم الكتب، لتتفضل مشكورة بإرسالها لي حيث أعيش الألف عام الأولى من العزلة بلا وطن و لا هوية، خارج الجغرافيا و التاريخ.

و اللّه وليّ التوفيق.

الأول من فبراير 1995 يوسف الهادي‏

48

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

49

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

50

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

51

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

52

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

53

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

54

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}