تاريخ بغداد - ج21

- الخطيب البغدادي المزيد...
205 /
3

الجزء الحادي و العشرون‏

(بسم اللّه الرّحمن الرّحيم)

مقدمة التحقيق‏

الحمد للّه رب العالمين الذي هدانا لهذا و ما كنا لنهتدي لو لا أن هدانا اللّه. و أشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له و أشهد أن محمد عبده و رسوله.

فإن كتاب «المستفاد من تاريخ بغداد» أحد ذيول «تاريخ بغداد» للخطيب و هو عدد من التراجم التي اختارها ابن الدمياطي من الأصل الذي لم يصل إلينا منه إلا القليل، و على الرغم من أن عمل ابن الدمياطي يعتبر سطحي إلا أن هذا العمل يعد أكثر منفعة و أهمية لطلاب الحديث و الأدب.

و لقد بلغت تراجم هذا المختصر مائتين و أحد عشر شخصا، ستة منهم نساء، و قد بدأ ابن الدمياطي كتابه بترجمة لابن النجار نقلا عن ابن الدبيثي، ثم دون التراجم بعد ذلك حسب الاسم ابتداء بمحمد بن أحمد الحسين، ثم إبراهيم، و انتهاء بيوسف. و بعد ذلك الكنى، ثم النساء.

و قد اهتم ابن الدمياطي في اختياره بالذين اشتهر عنهم السماع و التحديث.

صاحب المستفاد:

هو أبو الحسين أحمد بن أيبك بن عبد اللّه الحسامي، يعرف بابن الدمياطي. ولد بمصر سنة 700 ه بدمياط و نشأ بها ثم رحل إلى الشام سنة 740 ه ثم عاد إلى مصر إلى أن مات بالطاعون سنة 749 ه.

و ترك من المؤلفات ما لا بأس به منها:

1- ذيل على كتاب صلة التكملة لوفيات النقلة.

2- تخريج حديث الرافعي.

3- تخريج معاجم الدبوس و السبكي و غيرهما.

4

4- المستفاد من تاريخ بغداد [1].

الكتاب و منهج التحقيق:

الكتاب مخطوط بدار الكتب المصرية تحت رقم 1955 يقع في 168 صفحة المتوسط.

و قد قمنا بمراجعة المطبوعة على المخطوط و أثبتنا بعض ما ورد به من أغلاط مع تصحيحها و أغفلنا بعضها.

قمنا بتخريج ما ورد به من تراجم كلما أمكن، و علقنا على بعض المواضع و قدمنا الكتاب بمقدمة مبسطة.

و ندعو اللّه أن يجعله في صالح أعمالنا إنه قريب مجيب.

____________

[1] انظر ترجمته في: الدرر الكامنة 1/ 108. و كشف الظنون 2020. و الأعلام 1/ 102.

5

[الجزء الأول من المستفاد من ذيل تاريخ بغداد]

(بسم اللّه الرّحمن الرّحيم)

[المدخل‏]

رب يسر و أعن الحمد للّه رب العالمين، و الصلاة و السلام الأكملان الأتمان على سيدنا محمد و آله و صحبه أجمعين.

أما بعد! فإن علم الحديث من أشرف العلوم قدرا، و أكملها شرفا و ذخرا، لا سيما معرفة تراجم العلماء و أحوال الفضلاء. و هذه تراجم وقع الاختيار عليها من «ذيل تاريخ بغداد» للحافظ محب الدين أبي عبد اللّه محمد بن أبي الفضل محمود بن أبي محمد الحسن بن هبة اللّه بن محاسن بن هبة اللّه البغدادي المعروف بابن النجار.

كان مولده في سنة ثمان و سبعين و خمسمائة في ليلة الثالث و العشرين من ذي القعدة ببغداد، و توفي بها في بكرة الخامس من شعبان سنة ثلاث و أربعين و ستمائة، و دفن بمقابر الشهداء بباب حرب. و كان قد سمع ببغداد من أبي الفرج بن كليب و أبي حفص ابن طبرزد و أبي علي حنبل الرصافي و ذاكر بن كامل و المبارك بن المبارك بن المعطوش [1] و الحافظ أبي الفرج بن الجوزي في جماعة من أصحاب ابن الحصين [2] و القاضي أبي بكر الأنصاري. و حج و سمع بمكة و المدينة. و رحل إلى الشام، فسمع بدمشق من أبي اليمن الكندي و ابن الحرستاني [3]، و بحلب من الهاشمي. و دخل بغداد.

و رحل منها إلى أصبهان و خراسان. سمع بأصبهان من جماعة من أصحاب إسماعيل بن الفضل بن الإخشيد و زاهر الشحامي؛ و بنيسابور من المؤيد و زينب السعدية في آخرين؛ و بمرو من أبي المظفر بن السمعاني. و سمع ببسطام و دامغان و ساوه و همذان.

ثم رحل إلى ديار مصر، و سمع بمصر و الإسكندرية من جماعة من أصحاب الحافظ أحمد بن محمد السلفي، و كتب بخطه الكثير، و جمع و ألف. و كان حافظا متقنا، عمدة، حسن التصنيف، عالي الهمة في طلب الحديث. و من نظر في هذا التاريخ علم محله‏

____________

[1] في شذرات الذهب 4/ 343: «و أبو المعطوس».

[2] في كل المصادر: «ابن الحصن».

[3] في الأصل: «ابن الخزستاني». و التصحيح من طبقات الأسنوي 1/ 445.

6

و إتقانه و كثرة اطلاعه و سعة رحلته- (رحمه اللّه).

و قد أنبأني بجميع هذا التاريخ [1] الشيخ أبو محمد القاسم بن مظفر بن محمود بن عساكر الدمشقي و جماعة، و كان مولده في سنة تسع و عشرين [و ستمائة] [2] و توفي بدمشق في ذي الحجة سنة ثلاث و عشرين و سبعمائة- (رحمه اللّه). قال: كتب إلي الحافظ أبو عبد اللّه محمد بن محمود بن الحسن بن النجار البغدادي منها، (رحمه اللّه تعالى). يتلوه محمد بن أحمد الشاشي.

[حرف الميم‏]

1- محمد بن أحمد بن الحسين بن عمر الشاشي، أبو بكر [3]:

ولد بميافارقين، و تفقه بها على أبي عبد اللّه محمد بن بيان الكازروني و على القاضي أبي منصور الطوسي صاحب أبي محمد الجويني، و دخل بغداد و لازم أبا إسحاق الشيرازي و قرأ على أبي نصر بن الصباغ «كتاب الشامل». و سمع الحديث من أبي جعفر محمد بن أحمد بن المسلمة و أبي الغنائم عبد الصمد بن علي بن المأمون و القاضي أبي يعلى محمد بن الحسين بن الفراء و غيرهم، و سمع بميافارقين من شيخه الكازروني و حدث، سمع منه جماعة من الحفاظ.

و كان من الأئمة الأعلام و فقهاء الإسلام، مرجوعا إليه في الفتاوى و الأحكام و معرفة الحلال و الحرام. و قد صنف في المذهب عدة مصنفات مشهورة.

قال أبو بكر الشاشي: رأيت كأني أنشد هذه الأبيات في النوم من غير أن تكون على ذكرى:

قد نادت الدنيا على نفسها* * * لو كان في العالم من يسمع‏

كم واثق بالعمر أفنيته‏* * * و جامع بدّدت ما يجمع‏

و حدث محمد بن عبد اللّه القرطبي الفقيه قال: حضرت عند الإمام أبي بكر الشاشي و قد أغمى عليه في مرضه. فلما أفاق أحضروا له ماء ليشربه، قال: لا أحتاج مذ سقاني الآني ملك شربة أغنتني عن الطعام و الشراب ثم مات.

مولده في يوم الأحد سابع المحرم سنة سبع و عشرين و أربعمائة، و توفي ليلة السبت خامس عشري شوال سنة سبع و خمسمائة، و دفن يوم السبت في تربة الشيخ أبي‏

____________

[1] في الأصل: «هذه التاريخ».

[2] ما بين المعقوفتين زيادة ليست في الأصول.

[3] انظر: وفيات الأعيان 3/ 356. و الوافي بالوفيات 2/ 73. و معجم البلدان 5/ 212.

7

إسحاق الشيرازي، و صلى عليه ولده الأكبر بجامع القصر- (رحمه اللّه).

2- محمد بن أحمد بن عبد الباقي بن منصور بن إبراهيم الدقاق أبو بكر المعروف بابن الخاضبة [1]:

طلب الحديث و سمع الكثير من القاضي أبي الحسين محمد بن علي بن المهتدي و أبي الغنائم عبد الصمد بن علي بن المأمون و أبي جعفر محمد بن المسلمة و أبي الحسين بن أحمد و محمد بن النقور و أبي عبد اللّه محمد بن علي بن سكينة، و الحافظ أبي بكر أحمد ابن علي الخطيب، و ببيت المقدس أبا الحسين محمد بن بكر بن عثمان الأزدي و أبا زكريا عبد الرحيم بن أحمد البخاري.

و كتب بخطه كثيرا من الحديث و السير و الأدب لنفسه و توريقا للناس، و كان يكتب خطا حسنا و له معرفة بهذا الشأن. و يوصف بالحفظ و الصدقة و الثقة، و كان ورعا زاهدا محبوبا إلى الناس.

قال محمد بن طاهر المقدسي: ما كان في الدنيا أحسن قراءة للحديث من أبي بكر ابن الخاضبة في وقته؛ لو سمع بقراءته إنسان يومين لما ملّ قراءته.

قال أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي: سمعت أبا بكر بن الخاضبة يقول: لما كانت سنة الغرق وقعت داري على قماشي و كتبي، و لم يكن لي شي‏ء، و كان لي عائلة: الوالدة و الزوجة و البنات [2]، فكنت أورق الناس و أنفق على الأهل. فأعرف أني كتبت «صحيح مسلم» في تلك السنة بالوراقة سبع مرات، فلما كان ليلة من الليالي رأيت في المنام كأن القيامة قد قامت. و مناد ينادي: أين ابن الخاضبة؟

فأحضرت، فقيل لي: ادخل الجنة، فلما دخلت الباب و صرت من داخل استلقيت على قفاي و وضعت إحدى رجلي على الأخرى و قلت: آه، استرحت و اللّه من النسخ.

توفي أبو بكر بن الخاضبة في ليلة الجمعة ثاني عشر ربيع الأول من سنة تسع و ثمانين و أربعمائة، و صلي عليه بكرة يوم الجمعة في جامع القصر، و كان له يوم مشهود.

3- محمد بن أحمد بن محمد بن سعيد بن زيد المنقري التكريتي، أبو البركات بن أبي الفرج بن أبي نصر [3]:

____________

[1] انظر: العبر 3/ 325. و معجم الأدباء 17/ 226- 230. و المنتظم 17/ 35، 36.

[2] في معجم الأدباء 17/ 228: «الزوجة و البنت».

[3] انظر: الوافي بالوفيات 2/ 115. و المحمدون من الشعراء 1/ 43.

8

أصله من تكريت، و ولد ببغداد في سنة أربعين و خمسمائة و نشأ بها، و كان يسكن بدرب الخبازين، و كان يبيع البربحان الصفة [1] بسوق الثلاثاء؛ و كان كثير المخالطة لأهل الأدب و الفضل.

و من شعره:

تصدت لقتلي بعد طول صدودها* * * بنفسي أفدي من تصدّت و صدت‏

أماتت بذات الهجر مني مهجة* * * فلو أنها بالطيف حيث لأحيت‏

أطاعت هوى الواشين في قتل وامق‏* * * و ما استيقنت لكن تظنت و ظنت‏

أعالج فيها شقة و مشقة* * * فأهوى عذابي شقتي و مشقتي‏

طويت الهوى في القلب و البعد* * * فوا كبدي من طيتي و طويتي‏

نحوها و له:

في ذلتي في حبكم و خضوعي‏* * * عار و لا شغفي بكم ببديع‏

دين الهوى ذل و جسم ناحل‏* * * و سهاد أجفان و فيض دموع‏

كم قد لحاني في هواكم لائم‏* * * فثنيت عطفي عنه غير سميع‏

ما يحدث للقلب عندي سلوة* * * لكم و لو جئتم بكل قطيع‏

و إذا الحبيب أتى بذنب واحد* * * جاءت محاسنه بألف شفيع‏

توفي أبو البركات بن زيد في شهر ربيع الأول من سنة تسع و تسعين و خمسمائة بالموصل و دفن بها.

4- محمد بن الحسين بن الحسن بن الخليل بن الحسين أبو الفرح، الأديب [2]:

من أهل [هيت‏] [3] نزل بغداد، و كان يسكن باب البصرة، و [قرأ] الأدب على الشريف [4] أبي السعادات بن الشجري، و أنشأ الخطب و المقامات.

و من شعره:

____________

[1] هكذا في الأصول.

[2] انظر: المحمدون من الشعراء 1/ 261.

[3] ما بين المعقوفتين ليست في الأصول.

[4] في الأصل: «و على الأدب على الشريف».

9

أ مغرى بالدلال دع الملالا* * * فمن يدم السري يجد الكلالا [1]

و لا تنس الإخا و اذكر عهودا* * * عهدنا للسرور بها انقبالا [2]

و لو حملت ما حملت من ضنبا؟* * * من الهجران لم تطق احتمالا

و لست و إن حملت رسيس وجد* * * بهجرك مزمعا عنك احتمالا

فهب لمتيم يهواك قلبا* * * يحاذر من تقلبك اغتيالا

و إن تك غير منّان بوصل‏* * * فزر بخيالك الدنف الخيالا

مولده سنة سبع و تسعين بهيت- و قيل: سنة خمس و تسعين و أربعمائة تقريبا، و توفي يوم الأربعاء لسبع بقين من ربيع الأول سنة خمس و سبعين و خمسمائة، و دفن من الغد [عند قبر] [3] الإمام أحمد.

و ذكر أبو بكر بن مشّق: أنه توفي ليلة الخميس رابع عشر ربيع الآخر.

5- محمد بن الحسين بن عبد اللّه بن يوسف بن الشّبل بن أسامة، أبو علي الشاعر [4]:

من أهل الحريم الطاهري صاحب الديوان المشهور، و حدث عن أبي الحسن أحمد ابن علي بن الباذي و الأمير أبي محمد الحسن بن عيسى بن المقتدر باللّه، و كان أبو علي هذا إماما في النحو و اللغة و علم الأدب، و علق عنه الحافظ أبو بكر الخطيب شيئا من رسائله.

و من شعره:

يا قلب مالك لا تفيق و قد* * * رأت عيناك ذلّ مصارع العشاق‏

فبكت بك الحدق الحسان و لم تزل‏* * * تشكي [إليك‏] [5] جناية الأحداق‏

لو مس وجدي عين [6] عذبه‏* * * و النار أذهلها عن الإحراق‏

صروا على أبياتكم بلديغكم‏* * * يشفي و لا سعة هلاك الراقي‏

و استوهبوا لي نظرة تحيي بها* * * ما مات مني أن يموت الباقي‏

فوقى العقارب في السوالف رشفها* * * و السم ممتزج مع الترياق [7]

____________

[1] في المصدر السابق: «يجد الملالا».

[2] في الأصل: «أقفهالا».

[3] ما بين المعقوفتين زيادة ليست في الأصل.

[4] انظر: الوافي بالوفيات 3/ 11- 16. و فوات الوفيات 2/ 244.

[5] ما بين المعقوفتين زيادة ليست في الأصل.

[6] هكذا في الأصل.

[7] في الأصل: «التياقي».

10

مولده في سنة إحدى و أربعمائة، و توفي في الحادي و العشرين من المحرم سنة ثلاث و سبعين و أربعمائة، و دفن بباب حرب.

و كان سماعه من الباذي غريب الحديث. و هو أحد المجودين [1] من الشعراء- (رحمه اللّه تعالى).

6- محمد بن حماد بن المبارك بن محمد بن حيان الشيباني المحرزي أبو نزار [2] [3]:

من أهل باب الأزج، ذكره أبو عبد اللّه محمد بن محمد الأصبهاني في كتاب «الخريدة» الذي جمعه في شعراء العصر، و أجازني روايته عنه، قال: محمد بن حماد ابن المحرزي أديب فاضل من أهل [العلم‏] [4]، متطرف من كل فن، و كان مشغوفا بالجمع و التصنيف، توفي ستين و خمسمائة.

فمن شعره قوله:

فتنتني فتانة الألحاظ* * * صعبة الطوع سهلة الألفاظ

خدلة عبلة [5] كعوب لعوب‏* * * بعقول النّسّاك و الوعاظ

ريقها يبرد الغليل و يشفي [6]* * * سقم القلب من لهيب الشواظ [7]

لست آسي عليك وصلا و لكن‏* * * لذة الحب بعد لوك المظاظ

7- محمد بن محمد بن خلف بن الحسين بن المنى، أبو بكر البندنيجي المعروف بحنفش [8]:

أسمعه والده الحديث في صباه من أبي محمد الصريفيني و أبي الحسين بن النقور و أبي القاسم عبد اللّه بن الحسن الخلال و علي بن أحمد بن محمد بن البسري.

أخبرنا شهاب بن محمود المزكي بهراة قال: سمعت أبا سعد بن السمعاني يقول:

محمد بن أحمد بن خلف البندنيجي أبو بكر نزل بغداد، و سكن النظامية، و تفقه على‏

____________

[1] في الأصل: «الموحدين».

[2] انظر: المحمدون من الشعراء 1/ 302.

[3] في الأصل: «أبو مراد». و التصحيح من المصدر السابق.

[4] ما بين المعقوفتين زيادة من المصدر السابق.

[5] في الأصل: «جدلة عبدلة».

[6] في الأصل: «العليل و لسعي».

[7] في الأصل: «الشظا».

[8]- انظر: الأنساب للسمعاني 2/ 339. و الطبقات للسبكي 4/ 68.

11

أبي سعد المتولي، فكان يتكلم في المسائل، و كان عسرا في الرواية، سيئ الأخلاق، ضجورا، أدار إلى أصحاب الحديث يتبرم بهم، و سمعت غير واحد ممن أثق بهم إنه كلّ بالصلوات، و ليست له طريقة محمودة.

و سمعت أبا نصر الفتح بن أحمد بن عبد الباقي اليعقوبي بنيسابور يقول: قيل لحنفش إن ابن السمعاني ذكرك في «المذيل» و جرحك، فقال: ترى أخرج عني الدم؟.

سألته عن مولده، فقال: بعد قتل البساسيرى، و كان قتله في سنة اثنتين و خمسين و أربعمائة.

كتب إليّ أبو المعالي بن الصناع أن حنفش توفي يوم الخميس من شهر رمضان سنة ثمان و ثلاثين و خمسمائة، و دفن بالوردية و قيل: إنما لقب «حنفشا» لأنه كان حنبليّا ثم صار حنفيّا ثم صار شافعيّا.

8- محمد بن سعيد بن إبراهيم بن سعيد بن نبهان، أبو علي بن أبي الغنائم الكاتب [1]:

من أهل الكرخ أسمعه جده لأمه أبو الحسين هلال بن المحسن الصابئ من أبي علي الحسن بن أحمد بن أدهم بن شاذان و ابن الحسن بشرى بن عبد اللّه الفاتني و أبي علي الحسن بن الحسين بن دوما النعالي، و لم يبق على وجه الأرض من يروي عن هؤلاء الأربع غيره و [قرأت‏] [2] عنه بخط أبي بكر الخطيب.

أخبرنا أبو محمد بن الأخضر، قال: أنشدنا محمد بن ناصر من لفظه، قال: أنشدنا أبو علي بن نبهان لنفسه:

أسعدنا من وفّقه اللّه‏* * * لكل فعل منه يرضاه‏

و من رضى من رزقه بالذي‏* * * قدّره اللّه و أعطاه‏

و اطرح الحرص و أطماعه‏* * * في نيل ما لم يعطه مولاه‏

طوبى لمن فكر في بعثه‏* * * من قبل أن يدعو به اللّه‏

و استدرك الفارط فيما مضى‏* * * و ما نسى و اللّه أحصاه‏

فالموت حتم في جميع الورى‏* * * طوبى لمن تحمد عقباه‏

____________

[1] انظر: الوافي بالوفيات للصفدي. 3/ 104. و المحمدون من الشعراء 2/ 485.

[2] ما بين المعقوفتين كلمة مطموسة في الأصل.

12

و كل من عاش إلى غاية* * * في العمر فالموت قصاراه‏

يعلمه [1] حقا يقينا بلا* * * شك و لكن يتناساه [2]

كأنما خص به غيرنا* * * أو هو خطب نتوقاه [3]

قال أبو العلاء محمد بن جعفر بن عقيل البصري: كان شيخنا أبو علي بن نبهان إذا مكثوا أصحاب الحديث عنده زمانا فقال: قوموا و اخرجوا فإن عندي مريضا. بقي على هذا سنين، فكان الناس يقولون «مريض ابن نبهان قط لا يبرئ».

مولده سنة إحدى عشرة و أربعمائة، و توفي في ليلة الأحد السابع عشر من شوال سنة إحدى عشرة و خمسمائة، و دفن يوم الأحد في داره بالكرخ، و بلغ من العمر ستا و تسعين سنة.

قال الحافظ أبو الفضل محمد بن ناصر: و لم يكن من أهل الحديث، و كان رافضيا.

9- محمد بن سعيد بن يحيى بن علي بن الحجاج بن محمد بن الحجاج بن مهلهل بن مقلد، أبو عبد اللّه بن أبي المعالي بن أبي طالب الدّبيثي [4]:

من أهل واسط، ذكر أنه ولد بواسط في يوم الأحد بعد صلاة الظهر السادس و العشرين من رجب سنة ثمان و خمسين و خمسمائة.

و قرأ القرآن بالروايات السبع و العشر على أبي الحسن علي بن المظفر خطيب شافياء [5] و على أبي بكر الباقلاني، و هما من أصحاب القلانسي، و تفقه على المجير محمود بن المبارك البغدادي لما قدم عليهم واسط. قال: و علقت عنه الأصلين و الخلاف. و قرأ الأدب على شيخنا مصدق؛ و سمع الحديث بواسط من القاضي أبي طالب محمد بن علي بن الكتاني، و رحل إلى بغداد مرارا، و سمع بها من أبي العز محمد ابن محمد بن الخراساني و أبي الفتح بن شاتيل و أبي السعادات القزاز [6] و أبي العلاء بن عقيل و عبد الجبار بن الأعرابي، و ظاعن [7] بن محمود الخياط و أبي منصور البغدادي‏

____________

[1] في الأصل: «تعلمه».

[2] في الأصل: «تناساه».

[3] في الأصل: «نتناساه».

[4] انظر: طبقات الشافعية للسبكي 5/ 26. و تذكرة الحفاظ 4/ 199. و الوافي بالوفيات 3/ 102.

و وفيات الأعيان 4/ 28، 29.

[5] في الأصل: «سافياء».

[6] في الأصل: «القرار».

[7] هكذا في الأصل.

13

في آخرين، و كان حسن الصحبة و جميل الأخلاق و التودد و الديانة و حسن الطريقة.

أنشدني أبو عبد اللّه محمد بن سعيد بن يحيى الحافظ لنفسه:

مدارك أعلام الشريعة أصلها* * * حديث رسول اللّه إذ كان يشرع‏

فكن جامعا منه لما صح نقله‏* * * فقد فاز من أمسى لما قال يجمع‏

و لا تستمع من كان فيه مفندا* * * فلتدين [1] الحكماء عن الخير تدفع‏

توفي أبو عبد اللّه بن الدبيثي في يوم الاثنين ثمان خلون من شهر ربيع الآخر سنة سبع و ثلاثين و ستمائة، و دفن من الغد بالوردية. و كان قد أضر في آخر عمره.

10- محمد بن سليمان بن قترمش [2] بن تركانشاه السمرقندي أبو منصور [3]:

من أولاد الأمراء، و كان أديبا فاضلا، له النثر و النظم الجيد، يحفظ كثيرا من الحكايات و الأشعار و النوادر و يكتب خطا مليحا، و كان عارفا بالنحو و اللغة و الحساب و الفلسفة، و كان قليل الدين لا يعتقد شيئا.

أنشدنا أبو منصور محمد بن سليمان لنفسه بالمدرسة النظامية:

يبكي عليك و حقه يبكيكا* * * صب بمهجة نفسه يفديكا

ظمآن من شوق إليك و ربه‏* * * لو كنت تنقعه مراشف فيكا

يا مسلمي لصدوده و بعاده‏* * * رفقا سلمت فبعض ذا يكفيكا

زعموا بأنك في الجمال كيوسف‏* * * صدقوا فرفقا يوسف يأتيكا

مولده في شهر ربيع الأول سنة ثلاث و أربعين و خمسمائة، و توفي عشية الاثنين السادس و العشرين من ربيع الآخر سنة عشرين و ستمائة، و صلى عليه بالمدرسة النظامية، و دفن بالشونيزية.

____________

[1] هكذا في الأصل.

[2] هكذا في الأصل، و في معجم الأدباء: «قطرمش».

[3] انظر: معجم الأدباء 18/ 205. و المحمدون من الشعراء 2/ 487.

14

11- محمد بن عبد اللّه بن أحمد بن محمد بن عبد اللّه بن عبد الصمد بن المهتدي باللّه أبو الفضل [1]:

من أهل باب البصرة، كان خطيبا بجامع المنصور مدّة ثم تولى الخطابة بجامع القصر، و كان من أهل الديانة مديما للصيام، قرأ القرآن على أبي الخطاب أحمد بن علي بن عبد اللّه الصوفي، و سمع أباه و أبا القاسم عبد اللّه بن الحسن الخلال و أبا الحسين أحمد بن محمد بن النقور و أبا القاسم علي بن أحمد بن البسري.

مولده في العشر الأول من ذي الحجة سنة تسع و أربعين و أربعمائة، و توفي في يوم الجمعة العشرين من جمادى الأولى سنة سبع و ثلاثين و خمسمائة، و دفن يوم السبت في باب حرب على أبي الوفا بن القواس.

12- محمد بن عبد اللّه بن عمر بن محمد بن الحسين بن علي الظريف [2] بن محمد بن أبي بكر أحمد بن الحسن بن سهل بن عبد اللّه الفارسي، أبو الحياة بن أبي القاسم بن أبي الفتح بن أبي بكر الشاه بوري الواعظ [3]:

من أهل بلخ، سافر أبو الحياة في طلب العلم و جال في خراسان و ما وراء النهر؛ سمع ببلخ أباه و أبا حفص عمر بن علي المحمودي و أبا بكر محمد بن محمد الخلمي و أبا الشجاع عمر بن أبي الحسن بن عبد اللّه البسطامي؛ و بخوارزم محمود بن محمد بن عباس بن أرسلان و أبا حامد محمد بن إبراهيم بن أبي زكريا الفارابي، و بمصر أبو محمد عبد اللّه بن رفاعة بن غدير، و بالإسكندرية أبا طاهر السلفي و أقام عنده زمانا، و روى السلفي عنه، و كان يعظمه و يبجله و يعجب بكلامه؛ ثم قدم بغداد مرات، ثم استوطنها إلى حين وفاته.

و كان يعقد مجلس الوعظ بالنظامية، و كان فاضلا عالما مليح الوعظ، حسن الإيراد، حلو الاستشهاد، رشيق المعاني، لطيف الألفاظ، فصيح اللهجة؛ له يد باسطة في تنميق الكلام و تزويقه، و كان يرمي بأشياء منها شرب الخمر و شرى الجواري المغنيات و سماع الملاهي المحرمة، و أخرج عن بغداد مرارا لأجل ذلك.

سمعت عبد العظيم بن عبد القوي المنذري الحافظ بالقاهرة يقول: سمعت شيخنا

____________

[1] انظر: النجوم الزاهرة 5/ 273. و طبقات القراء 2/ 176.

[2] في الأصل: «الطريف».

[3] انظر: الوافي بالوفيات 3/ 343.

15

الحافظ أبا الحسن علي بن المفضل المقدسي يقول: كتب البلخي مرة رقعة إلى شيخنا الحافظ السلفي و كتب على رأسها «فراش لمعة و فراش سمعة» قال: فأعجب بها شيخنا كثيرا و كان يكررها.

و يقال إنه كان يسب الصحابة [1] كثيرا. مولده في أوائل سنة ثلاثين و خمسمائة في ربيع الأول منها، و توفي في يوم الجمعة التاسع عشر من صفر سنة ست و سبعين و خمسمائة- (رحمه اللّه).

13- محمد بن عبد اللّه بن محمد [بن‏] [2] أبي الفضل السّلميّ، أبو عبد اللّه [3]:

من أهل مرسية من بلاد الأندلس- قدم علينا بغداد شابا طالبا للعلم قافلا من مكة سنة خمس و ستمائة، و أقام يسمع من شيوخنا الحديث و يقرأ الفقه و الخلاف و الأصلين بالمدرسة النظامية، ثم إنه سافر إلى خراسان و سمع بنيسابور و هراة؛ و حدّث ببغداد بكتاب «السنن» لأبي بكر البيهقي [4] عن منصور بن عبد المنعم الفراوي.

و كان من الأئمة الفضلاء في جميع فنون علم [5] الحديث و علوم القرآن و الفقه و الخلاف و الأصلين و النحو و اللغة، و له قريحة حسنة، و فهم ثاقب، و تدقيق في المعاني، و له مصنفات في جميع ما ذكرناه من العلوم، و هو مشتغل بذلك في جميع أوقاته، و له النظم و النثر المليح، و مع ذلك فهو زاهد متورع، حسن الطريقة، متدين، كثير العبادة، متعفف، نزه النفس، قليل المخالطة للناس، ما رأيت في فنه مثله.

أنشدنا الإمام أبو عبد اللّه محمد بن عبد اللّه بن أبي الفضل السلمي لنفسه:

من كان يرغب في النجاة فما له‏* * * غير اتباع المصطفى فيما أتى‏

ذاك السبيل المستقيم و غيره‏* * * سبل الضلالة و الغواية و الردى‏

فاتبع كتاب اللّه و السنن التي‏* * * صحت فذاك إذا اتبعت هو الهدى‏

ودع السؤال بكم و كيف فإنه‏* * * باب يجر ذوي البصيرة للعمى‏

____________

[1] في الوافي: «يدس سب الصحابة».

[2] ما بين المعقوفتين زيادة من الوافي.

[3] انظر: الوافي بالوفيات 3/ 354. و شذرات الذهب 5/ 269. و معجم الأدباء 18/ 209- 213.

[4] في الوافي: «حدث بالسنن الكبير للبيهقي و بغريب الحديث للخطابي».

[5] في الأصل: «في جميع فنون العلم»

16

الدين ما قال الرسول و صحبه‏* * * و التابعون و من مناهجهم قفى‏

و له أيضا: قالوا فلان قد أزال بهاءه [1]* * * ذاك العذار و كان بدر تمام‏

فأجبتهم: بل زاد نور بهائه‏* * * و لذا تزايد فيه فرط [2] عرامي‏

استقصرت ألحاظه فنكأتها* * * فأتى العذار يمدها بسهام‏

مولده بمرسية في سنة سبعين و خمسمائة. قلت و توفي بين الزعقة و العريش من منازل الرمل و هو متوجه من مصر إلى دمشق في النصف من شهر ربيع الأول من سنة خمس و خمسين و ستمائة، و دفن في بقعة بتل الزعقة- (رحمه اللّه).

14- محمد بن عبد الباقي بن أحمد بن سلمان، أبو الفتح بن أبي القاسم الحاجب المعروف بابن البطي [3]:

من ساكني الصاغة من دار الخلافة، محدّث بغداد في وقته، [به‏] [4] ختم الإسناد، و كان أبواه صالحين، فعاد عليه بركتهما، سمع بإفادة أبي بكر بن الخاضبة، و أخذ له الإجازات من الشيوخ، و كان شيخا صالحا، حسن الطريقة، مليح الأخلاق، محبّا للتحديث، صدوقا، أمينا، سمع أبا عبد اللّه مالك بن أحمد بن علي البانياسي و أبا الخطاب نصر بن أحمد بن البطر و أبا عبد اللّه الحسين بن أحمد بن محمد النعالي و النقيب طراد [بن محمد] [5] الزينبي و أبا محمد عبد اللّه بن علي بن ذكري الدقاق و أبا محمد رزق اللّه التميمي و أبا عبد اللّه محمد بن أبي نصر الحميدي و أبا بكر أحمد بن عمر السّمرقندي. و روي عنه جماعة من الحفاظ الأكابر.

مولده في يوم السبت رابع عشري جمادى الأولى سنة سبع و سبعين و أربعمائة، و توفي في ليلة الجمعة، و دفن يوم الجمعة ثامن عشري جمادى الأولى سنة أربع و ستين و خمسمائة بباب أبرز [6].

____________

[1] في الأصل: «بهاده».

[2] في الأصل: «فرظ».

[3] انظر: شذرات الذهب 4/ 213. و الوافي بالوفيات 3/ 209. و العبر 4/ 188.

[4] ما بين المعقوفتين زيادة من الوافي.

[5] ما بين المعقوفتين زيادة من العبر.

[6] في الأصل: «ببابيرز».

17

15- محمد بن عبد الباقي بن محمد بن عبد اللّه بن محمد بن عبد الرحمن بن الربيع بن ثابت بن وهب بن مشجعة بن الحارث [1] بن عبد اللّه بن كعب بن مالك الأنصاري، أبو بكر بن أبي طاهر البزاز [2]:

من أهل النصرية، بكر به أبوه فأسمعه من أبي إسحاق إبراهيم البرمكي و القاضي أبي الطيب طاهر بن عبد اللّه الطبري و أبي الحسن محمد بن أحمد بن الآبنوسي، و أبي الحسن علي بن أبي طالب المكي و أبي الفضل هبة اللّه بن أحمد بن المأموني، فهؤلاء تفرد بالرواية عنهم. و سمع أيضا بنفسه القاضي أبا يعلى الفراء و عبد العزيز الأنماطي و عبد اللّه بن الحسن الخلال و القاضي أبا المظفر صاحب إبراهيم النسفي.

و قرأ بنفسه و كتب بخطه، و تفقه في صباه على القاضي أبي يعلى بن الفراء. و قرأ الفرائض و الحساب و الهندسة حتى برع في جميع ذلك، و له فيه مصنفات.

قرأت بخط أبي الفضل بن سامع: سمعت أبا محمد بن الخشاب يقول: سمعت قاضي المرستان- يعني محمد بن عبد الباقي- يقول: نظرت في كل علم و حصلت منه بعضه [3] أو كله إلا هذا النحو، فإني قليل البضاعة فيه.

أخبرني شهاب بن محمود المزكي بهراة قال: أنبأني أبو سعد بن السمعاني قال:

محمد بن عبد الباقي الأنصاري أسند شيخ بقي على وجه الأرض، و كانت إليه الرحلة من أقطار الأرض، عارف بالقوم، متدين، حسن الكلام، حلو المنطق، مليح المحاورة، ما رأيت أجمع للفنون منه، و كان سريع النسخ، حسن القراءة للحديث. سمعته يقول:

ما أعرف أني ضيعت ساعة من عمري في لهو أو لعب.

مولده في صفر سنة اثنتين و أربعين و أربعمائة، و توفي في رجب سنة خمس و ثلاثين و خمسمائة، و دفن بباب حرب قريبا من بشر الحافي؛ و أوصى أن يكتب على لوح قبره: قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ‏.

16- محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن أبي الحسن مسعود بن أحمد بن الحسين ابن محمد المسعودي، أبو عبد اللّه البنجديهي الصّوفي [4]:

____________

[1] في الأصل: «بن الحرب».

[2] انظر: شذرات الذهب 4/ 108. و العبر في خبر من غبر 4/ 96.

[3] في الشذرات: «كله أو بعضه».

[4] انظر: الأنساب، للسمعاني 2/ 333. و معجم الأدباء 18/ 215، 216.

18

هكذا رأيت نسبه بخطه- رحل في طلب الحديث و طاف الأقطار: خراسان و العراق و آذربيجان و الجزيرة و ديار مصر و الشام، و كان من الفضلاء في كل فن في الفقه و الحديث و الأدب، و له مصنفات: منها «شرح المقامات».

سمع ببلده أباه أبا السعادات عبد الرحمن و أبا الفضل عبد الرحمن بن الحسن بن علي بن شراف، و بسجستان أبا محمد عبد اللّه بن عمر بن أبي بكر السجزي، و ببلخ أبا شجاع عمر بن محمد بن عبد اللّه البسطامي و أبا الفتح حمزة بن محمد بن الحسون، و بنيسابور أبا بكر محمد بن علي الزاهد الطوسي و أبا المظفر محمد بن الحسن بن الحسين الزاهد، و بكرمان أبا المعالي إسماعيل بن الحسين المقرئ اللغوي، و بأصبهان أبا بكر محمد بن إبراهيم بن محمد الصالحاني، و بهمذان أبا الفرح ظهير بن زهير بن علي الرفاد، بتبريز أبا الصنوف إبراهيم بن الحسن بن إبراهيم الحريري، و ببغداد أبا المظفر محمد بن أحمد بن التريكي و أبا الفتح محمد بن عبد الباقي بن سلمان و أبا محمد عبد الواحد بن الحسين البارزي، و بالموصل أبا محمد عبد الرحمن بن أحمد الطوسي، و بديار بكر أبا عبد اللّه مروان بن علي بن سلامة الوزير، و بمصر أبا محمد عبد اللّه بن رفاعة ابن غالب و أبا محمد عبد اللّه بن برى [1]، و بالإسكندرية أبوي طاهر أحمد بن محمد السلفي و إسماعيل بن مكي بن عوف.

كتب إلى عبد الخالق بن صالح بن زيدان المكي و أنشدني عنه ياقوت الحموي بحلب، قال: أنشدني محمد بن عبد الرحمن بن محمد المسعودي لنفسه:

قالت عهدتك تبكي‏* * * دما حذار التنائي‏

فلم تعوضت عنها* * * بعد الدماء بماء؟

فقلت: ما ذاك مني‏* * * لسلوة أو عزاء [2]

لكن دموعي شابت‏* * * من طول عمر بكائي‏

توفي المسعودي في ليلة السبت التاسع و العشرين من شهر ربيع الأول، سنة أربع و ثمانين و خمسمائة بدمشق، و دفن بسفح قاسيون. و ذكر أن مولده في سنة إحدى و عشرين و خمسمائة.

____________

[1] في الأصل: «بن نرى».

[2] في الأصل: «لسلوة و عزاء».

19

17- محمد بن عبيد اللّه بن عبد اللّه، أبو الفتح الكاتب [1]:

سبط المبارك بن المبارك، المعروف بابن التعاويذي، من ساكني دار الخلافة، و كان شاعرا مجودا رشيق الألفاظ مليح المعاني رقيق الغزل حلو العبارة، أكثر القول في الغزل و حدّث بشعره.

أخبرنا أبو الحسين بن الوارث قال: أنشدنا ابن التعاويذي لنفسه:

أمط اللثام عن العذار السائل [2]* * * ليقوم عذري فيك عند عواذلي‏

و اغمد لحاظك قد فللت تجلدي‏* * * و اكفف سهامك قد أصبت مقاتلي‏

لا تجمع الشوق المبرح و القلى‏* * * و البين لي أحد [3] الثلاثة قاتلي‏

يكفيك ما تذكيه بين جوانحي‏* * * لهواك نار لواعجي و بلابلي‏

و هناك أني لا أدين صبابة* * * لهوى سواك و لا ألين لعاذلي‏

بت لاهيا جذلا بحسنك إنني‏* * * مذ بتّ في شغل بحزني شاغل‏

و اعطف على جلد كعهدك في الهوى‏* * * واه و جسم مثل خصرك ناحل‏

ويلاه من هيف بقدك ضامن‏* * * تلفي و من كفل بوجدي كافل‏

و بنفسي الغضبان لا يرضيه غي* * * ر دمي و ما في سفكه من طائل [4]

تصمي نبال جفونه قلبي فلا* * * شلت و إن أصمت يمين النابل‏

و يهز قدا كالقناة لحاظه‏* * * لمحبه منها مكان العامل‏

عانقته أبكي و يبسم‏* * * كالبرق أومض مض في غمام هاطل‏

فألين في الشكوى لفاس قلبه‏* * * و أجد في وصف الغرام الهازل‏

أخبرنا علي بن المبارك بن علي الحلاوي [5]، قال: أنشدنا ابن التعاويذي لنفسه:

تعشقته واهي المواثيق مذاقا* * * نرى كل يوم في الهوى منه أخلاقا

أشد نفارا من جفوني عن الكرى‏* * * و أضعف من عزمي على الصبر [6] سباقا

كثير التجني كما قل عطفه‏* * * على عاشقيه زاده اللّه عشاقا

____________

[1] انظر: العبر في خبر من غبر 4/ 253. و وفيات الأعيان 4/ 90. و الوافي بالوفيات 4/ 11.

و معجم الأدباء 18/ 235- 249.

[2] في الأصل: «السائلى».

[3] في الأصل: «و البين في أحد».

[4] في الأصل: «من كايل».

[5] هكذا في الأصل.

[6] في الأصل: «عيزى على الصب».

20

يجول [1] على متنيه سود غدائر* * * كما نفض الغصن المرنح أوراقا

و قالوا نجا من عقرب الصدغ خده‏* * * فقلت اعترفتم أن [في‏] [2] فيه درياقا

شكوت إليه ما أجن فقال لي‏* * * هل الوجد إلا أن تجن و تشتاقا

إذا ما تعشقت الحسان و لم تكن‏* * * صبورا على البلوى فلا تك عشاقا

مولده في يوم الجمعة عاشر رجب سنة تسع عشرة و خمسمائة، و توفي يوم السبت ثامن عشر شوال سنة أربع و ثمانين و خمسمائة، و كان قد أضر في آخر عمره.

18- محمد بن علي بن الحسن المؤذّن، أبو عبد اللّه الترمذي المعروف بالحكيم [3]:

كان إماما من أئمة المسلمين، له المصنفات الكبار في أصول الدين و معاني الأحاديث، و له كتاب «نوادر الأصول». حدث عن والده و عن قتيبة بن سعيد و إبراهيم بن يوسف الحضرمي و علي بن حجر و قبيصة بن عقبة السوائي و صالح بن محمد و محمد بن علي الشقيقي و محمد بن مؤيد الواسطي و عمر بن أبي عمر العبدي و محمد بن موسى الحرشي و محمد بن بشار و سفيان بن وكيع.

19- محمد بن علي بن الحسن بن صدقة الحراني البزّاز، أبو عبد اللّه التاجر، يعرف بابن الوحشي:

من أهل حران؛ سمع بنيسابور صحيح مسلم و غيره من أبي عبد اللّه الفراوي، و عاد إلى الشام، و استوطن بدمشق، و بنا بها مدرسة لأصحاب أحمد بن حنبل.

مولده سنة سبع و ثمانين و أربعمائة، و توفي ليلة الثلاثاء سادس عشر ربيع الآخر سنة أربع و ثمانين و خمسمائة.

20- محمد بن علي بن عبيد اللّه بن أحمد بن صالح بن سليمان بن ودعان، أبو نصر [4]:

من أهل الموصل؛ و كان يتولى القضاء بها. قدم بغداد مرارا. قال السلفي: ليس بثقة.

____________

[1] في الأصل: «يجيل».

[2] ما بين المعقوفتين زيادة من الديوان.

[3] انظر: «طبقات الشافعية» للسبكي 2/ 20. و الأعلام للزركلي 7/ 156.

[4] انظر: لسان الميزان 5/ 305. و اللبان 3/ 264. و الأعلام 6/ 277.

21

قرأت بخط أبي الفضل محمد بن ناصر قال: رأيت القاضي بن ودعان [1] لما دخل بغداد و حدث بها و لم أسمع منه شيئا لأنه كان متهما بالكذب. و كتابه في الأربعين سرقه من زيد بن رفاعة، و حذف منه الخطبة، و ركب على كل حديث منه رجلا أو رجلين إلى شيخ زيد بن رفاعة؛ و زيد بن رفاعة وضعه أيضا و كان كذّابا، و ألّف بين كلمات قد قالها النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و بين كلمات من كلام لقمان و الحكماء و غيرهم، و طول الأحاديث.

مولده سنة اثنتين و أربعمائة في شعبان بالموصل، و توفي في محرم سنة أربع و تسعين و أربعمائة.

21- محمد بن علي بن محمد بن العربي، أبو عبد اللّه الطائي [2]:

من أهل الأندلس؛ ولد بمرسية و نشأ بها و دخل بلاد الشرق و بلاد الشام و دخل بلاد الروم، و صنف كتبا في علم التصوف [3] و في أخبار المشايخ، و كان ورعا زاهدا.

أنشدني أبو عبد اللّه محمد بن العربي لنفسه بدمشق:

أيا حائرا ما بين علم و شهوة* * * ليتصلا ما بين ضدين من وصل‏

و من لم يكن يستنشق الريح لم يكن‏* * * يرى الفضل للمسك الفتيق على الزبل‏

مولده في الاثنين سابع عشر رمضان سنة ستين و خمسمائة بمرسية، و توفي ليلة الجمعة الثاني و العشرين من شهر ربيع الآخر سنة ثمان و ثلاثين و ستمائة بدمشق، و دفن بقاسيون.

22- محمد بن علي بن ميمون بن محمد، أبو الغنائم النّرسيّ، المعروف بأبي [4]:

من أهل الكوفة. كان من حفاظ الحديث، سمع بالكوفة أبا عبد اللّه محمد بن علي ابن الحسن العلوي و أبا الحسن محمد بن إسحاق بن فلويه و أبا المثنّى دارم، ثم قدم بغداد و سمع بها أبا الحسن أحمد بن محمد بن كامل و أبا نصر أحمد بن عبد اللّه الثابتي‏

____________

[1] في الأصل: «بن ردعان».

[2] انظر: فوات الوفيات 2/ 300. و الوافي بالوفيات 4/ 73- 178. و نفح الطيب 1/ 567.

[3] في الأصل: «علم القوم».

[4] انظر: النجوم الزاهرة 5/ 212. و العبر في خبر من غبر 3/ 22. و تذكرة الحفاظ 4/ 1260.

و الوافي بالوفيات 4/ 143، 144.

22

و أبا الفتح أحمد بن علي بن محمد الأيادي و أبا الحسين أحمد بن محمد بن قفرجل و أبا محمد الحسن بن عبد الواحد بن سهل الدياج و أبا عبد اللّه الحسين بن محمد بن طاهر و أبا إسحاق إبراهيم بن عمر بن أحمد البرمكي و أبا محمد الجوهري و القاضي أبا الطيب طاهر الطبري و آخرين، و كتب بخطه كثيرا لنفسه و توريقا للناس، و جمع مجموعات حسان في فنون و رواها.

قرأت بخط أبي الفضل محمد بن ناصر الحافظ السلامي و أنبأنيه عنه أبو محمد بن الأخضر قال: و في هذا الشهر يعني شعبان من سنة عشر و خمسمائة مات الشيخ العدل أبو الغنائم محمد بن علي بن النّرسيّ الكوفي المقرئ المحدّث بحلة بني مزيد، و كان قد خرج من بغداد مريضا ليذهب إلى الكوفة، فمات يوم السبت السادس عشر من شعبان، و حمل إلى الكوفة و دفن هناك، و كان شيخا ثقة مأمونا فهما للحديث، عارفا بالحديث كثير تلاوة القرآن بالليل، و كان مولده على ما أخبرنا بذلك في شوال سنة أربع و عشرين و أربعمائة، فرحمه [اللّه‏] فما رأينا مثله في وقته.

23- محمد بن عمر بن أحمد بن عمر بن محمد بن أبي عيسى المديني، أبو موسى بن أبي بكر الحافظ [1]:

من مدينة أصبهان، أحد الأئمة الحفاظ المشهورين، انتشر علمه في الآفاق. سمع منه أقرانه، و كثر عنه الحفاظ، و اجتمع له ما لم يجتمع لغيره. قرأ القرآن في صباه بالروايات؛ و تفقه على مذهب الشافعي على أبي عبد اللّه الحسن بن العباس الرستمي، و قرأ النحو و اللغة حتى مهر فيهما. و أسمعه والده في صباه من أبي سعد محمد بن علي ابن محمد الكاتب و أبي علي بن أحمد الحداد و أبي القاسم غانم بن محمد البرجي و أبي منصور محمد بن عبد اللّه بن مندويه [2].

و طلب هو بنفسه و قرأ على المشايخ، و كتب الكثير، و رحل إلى بغداد و دخلها في شوال سنة أربع و عشرين و خمسمائة، و حج و عاد، فأقام بها. فسمع من أبي القاسم ابن الحصين و أبي بكر محمد بن عبد الباقي الأنصاري و أبي العز بن كادش، و من جملة مصنفاته كتاب «تتمة معرفة الصحابة» و كتاب «تتمة الغريبين» و كتاب «الأخبار

____________

[1] انظر: تذكرة الحفاظ 4/ 1334. و الوافي بالوفيات 4/ 241- 247. و وفيات الأعيان 2/ 414.

[2] في الأصل: «بن منلو».

23

الطوالات» و كتاب «اللطائف في المعارف» و غير ذلك.

سمعت أبا عبيد اللّه محمد بن محمد بن غانم الحافظ بأصبهان يقول: سمعت محمد ابن الحسين بن علي يقول: مر الشيخ أحمد الخواص على باب الشيخ أبي بكر بن أبي موسى يوم ولد أبو موسى فقيل له: «ولد اليوم للشيخ أبي بكر ابن، فقال: هذا المولود يكون ركنا من أركان الدين».

مولده تاسع عشر ذي القعدة سنة إحدى و خمسمائة، و توفي يوم الأربعاء منتصف النهار التاسع من جمادى الأولى سنة إحدى و ثمانين و خمسمائة. و دفن بالمصلى خلف المحراب؛ و صنف الأئمة في مناقبه.

24- محمد بن طاهر بن أحمد بن علي الشيباني، أبو الفضل بن أبي بكر [1]:

من أهل بيت المقدس، يعرف بابن القيسراني، رحل في طلب الحديث إلى الأقطار، و صنف كثيرا، و كان حافظا متقنا متفننا حسن التصنيف. سمع ببيت المقدس أبا الفتح نصر [بن‏] إبراهيم النابلسي، و بمصر أبا إسحاق إبراهيم بن سعيد الحبال [2]، و بدمشق أبا القاسم علي بن محمد المصيصي، و بمكة أبا القاسم سعيد بن علي الزنجاني. و دخل بغداد، و سمع بها أبا الحسين أحمد [بن‏] [3] النقور و أبا محمد عبد اللّه الصريفيني، و سمع بأصبهان أبا عمرو عبد الوهاب بن مندة و أبا مسعود سليمان الحافظ، و بجرجان أبا القاسم إسماعيل بن مسعدة، و بهراة أبا إسماعيل عبد اللّه الأنصاري و خلقا كثيرا، و حدث باليسير لأنه لم يعمر؛ و روى عنه الحفاظ.

قرأت على أبي طالب بن أبي الفرج التاجر عن أبي زرعة طاهر بن حمد المقدسي قال: أنشدني والدي محمد بن طاهر لنفسه:

أضحى العذول يلومني في حبهم‏* * * فأجبته و النار حشو فؤادي‏

يا عاذلي لو بت محترق الحشا* * * لعرفت كيف تفتت الأكباد

صد الحبيب و غاب عن عيني الكرى‏* * * و كأنما كانا على ميعاد

أخبرني لامع بن أحمد في كتابه أن يحيى بن عبد الوهاب بن مندة أخبره قال: محمد

____________

[1] انظر: وفيات الأعيان 1/ 486. و الجمع 629. و ميزان الاعتدال 3/ 75. و لسان الميزان 5/ 207. و آداب اللغة 3/ 67. و الوافي بالوفيات 3/ 166. و الأعلام 6/ 171، 172.

[2] في الأصل: «الجمال».

[3] ما بين المعقوفتين ساقطة من الأصل.

24

ابن طاهر المقدسي أحد الحفاظ، حسن الاعتقاد، و جميل الطريقة، كان صدوقا، عالما بالصحيح و السقيم، كثير التصانيف، لازما للأثر.

قرأت على المرتضى بن حاتم بمصر عن أبي طاهر السلفي قال: سمعت الحافظ أبا الفضل محمد بن طاهر المقدسي يقول: كتبت صحيح البخاري و مسلم و أبي داود سبع مرات بالوراقة، و كتبت سنن ابن ماجة عشر مرات بالوراقة سوى التفاريق بالري.

قال الحافظ أبو الفضل بن ناصر: محمد بن طاهر ممن لا يحتج به، صنف كتابا في «جواز النظر إلى المرد» و أورد فيه حكاية عن ابن معين: رأيت جارية مليحة، صلى اللّه عليها، فقيل له: تصلي عليها؟ فقال: صلى اللّه عليها و على كل مليح؛ ثم قال: كان يذهب مذهب الإباحة.

مولده في شوال من سنة ثمان و أربعين و أربعمائة ببيت المقدس. قرأت في كتاب أبي الفضائل عبد اللّه بن أبي بكر بن الخاضبة بخطه: توفي الحافظ محمد بن طاهر المقدسي ببغداد في الجانب الغربي برباط البسطامي ضحى يوم الخميس عشرين [من‏] [1] شهر ربيع الأول سنة سبع و خمسمائة، و دفن في المقبرة وراء الرباط؛ و له حجات كثيرة على قدمه ذاهبا و جائيا، و راحلا و قافلا. و كان له معرفة بعلم التصوف و أنواعه متفننا فيه، ظريفا مطبوعا، و له تصانيف حسنة مفيدة في علم الحديث.

25- محمد بن عمر بن يوسف بن محمد الأرموي، أبو الفضل الفقيه الشافعي [2]:

بكر بن أبوه و أسمعه من القاضي أبي الخير محمد بن علي بن المهتدي باللّه و أبي الغنائم عبد الصمد بن علي بن المأمون و أبي جعفر محمد بن المسلمة و أبي بكر أحمد ابن علي بن ثابت.

أخبرنا شهاب الحاتمي بهراة قال: أخبرنا أبو سعيد بن السمعاني قال: محمد بن عمر ابن يوسف الأرموي أبو الفضل من أهل أرمية كان قاضي دير العاقول، و هو إمام متدين ثقة صدوق صالح، حسن الكلام في المسائل، كثير التلاوة للقرآن، سألته عن مولده، فقال: في سنة تسع و خمسين و أربعمائة.

____________

[1] ما بين المعقوفتين زيادة من وفيات الأعيان.

[2] انظر: الوافي بالوفيات 4/ 345. و طبقات الشافعية للسبكي 4/ 92.

25

و ذكر عن ابن السمعاني أن مولد الأرموي في صفر سنة تسع و خمسين، و توفي رابع رجب سنة سبع و أربعين و خمسمائة و دفن بباب أبرز [1] مقابل التاجية.

26- محمد بن فتوح بن عبد اللّه بن فتوح بن حميد بن يصل، أبو عبد اللّه بن أبي نصر الحميدي [2]:

سمع بالأندلس أبا القاسم أصبغ بن راشد بن أصبغ اللخمي و أبا محمد عبد اللّه بن عثمان القرشي و أبا العباس أحمد بن عمر بن أنس العذري و أبا عمر يوسف النمري و أبا محمد علي بن حزم الظاهري، و لازمه حتى قرأ عليه مصنفاته و أكثر عنه، و كان على مذهبه، إلا أنه لم يكن يتظاهر بذلك. ثم رحل إلى بلاد الشرق، فسمع بمصر أبا القاسم عبد العزيز بن الحسن الضراب و أبا زكريا عبد الرحيم بن أحمد بن نصر البخاري؛ و بدمياط أبا القاسم عبد البر بن عبد الوهاب بن برد الدمياطي؛ و بدمشق أبا محمد عبد العزيز بن أحمد الكتاني و أبا بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب، و كتب أكثر مصنفاته عنه؛ و بمكة أبا القاسم سعد بن علي الزنجاني. و دخل بغداد فسمع بها القاضي أبا الحسين محمد بن علي بن المهتدي باللّه و أبا جعفر محمد بن أحمد بن المسلمة. و انحدر إلى واسط و أقام بها مدة، و سمع بها من القاضي أبي تمام علي بن محمد بن الحسن. ثم إنه عاد إلى بغداد و استوطنها، و كتب بها الكثير عن أصحاب أبي علي بن شاذان و غيره، و صنف كثيرا في الحديث و غيره. روي عنه أبو بكر الخطيب و ابن ماكولا.

و من مصنفاته «تجريد الصحيحين للبخاري و مسلم و الجمع بينهما»، و «تاريخ الأندلس»، و كتاب «تسهيل السبيل إلى علم الترسيل»، و مولده قبل العشرين و أربعمائة.

و توفي في ليلة الثلاثاء السابع عشر من ذي الحجة سنة ثمان و ثمانين و أربعمائة، و دفن من الغد بمقبرة باب أبرز [3] بالقرب من قبر الشيخ أبي إسحاق الشيرازي، و صلى عليه الفقيه أبو بكر الشاشي في جامع القصر، ثم نقل بعد ذلك في صفر سنة إحدى و تسعين و أربعمائة إلى مقبرة باب حرب، و دفن عند قبر بشر الحافي.

____________

[1] في الأصل: «بباب برز».

[2] انظر: الوافي بالوفيات 4/ 317، 318. و معجم الأدباء 18/ 282- 286. و وفيات الأعيان 3/ 410.

[3] في الأصل: «باب برز».

26

27- محمد بن المبارك بن محمد بن عبد اللّه بن محمد بن الخل، أبو الحسن بن أبي البقاء، الفقيه الشافعي [1]:

أحد الأئمة من أصحاب الشافعي درس المذهب و الخلاف و الأصول على أبي بكر الشاشي، و كان إماما كبيرا في معرفة المذهب، و نقل نصوص الشافعي. و كان من الورع و الزهد و التقشف في غاية. و كان يصلي إماما بالإمام المقتفي لأمر اللّه، و صنف كتاب «التوجيه في شرح التنبيه» في مجلدين. و سمع الحديث من أبي الخطاب نصر بن أحمد بن البطر و أبي عبد اللّه الحسين بن أحمد بن محمد بن طلحة النعالي و أبي عبد اللّه الحسين بن علي بن البسري.

مولده يوم الأربعاء عاشر ربيع الآخر سنة خمس و سبعين و أربعمائة.

و توفي في يوم الأربعاء خامس عشر المحرم سنة اثنتين و خمسين و خمسمائة و دفن بالوردية. و له شعر لا بأس به، (رحمه اللّه تعالى) و إيانا.

28- محمد بن محمد بن عبد اللّه بن القاسم بن المظفّر بن الشهرزوري، أبو حامد بن أبي الفضل [2]:

و قد تقدم ذكر والده، ورد بغداد في صباه؛ كان عالما فاضلا متضلعا من علم الأدب، و له النظم المليح، و كان موصوفا بالبذل و العطاء و الجود و السخاء و التواضع.

و من شعره «في ساق أسود»:

و أسود معسول الشمائل ناعم ال* * * مفاصل مثل المسك في اللون و البشر

فبات يريني الشمس تطلع من دجى‏* * * إذا ضم يحسدها و تغرب في فجر

و له أيضا:

لا تحسبوا أني امتنعت من البكا* * * عند الوداع تجلدا و تصبرا

لكنني زودت عيني نظرة* * * و الدمع يمنع لحظها أن تنظرا

إن كان ما فاضت فقد ألزمتها* * * صلة السهاد و سمتها هجر الكرا

مولده في سنة سبع عشرة و خمسمائة، و توفي بالموصل في ثامن عشر جمادى الأولى سنة ست و ثمانين و خمسمائة- (رحمه اللّه تعالى).

____________

[1] انظر: وفيات الأعيان 1/ 467. و طبقات الشافعية 4/ 69. و الأعلام 7/ 17.

[2] انظر: شذرات الذهب 4/ 287. و العبر في خبر من غبر 4/ 259. و الوافي بالوفيات 1/ 210

27

29- محمد بن محمد بن محمد الغزالي، أبو حامد بن أبي عبد اللّه [1]:

من أهل طوس، إمام الفقهاء على الإطلاق، و رباني الأمة بالاتفاق، و مجتهد زمانه و عين وقته و أوانه، و من شاع ذكره في البلاد و اشتهر فضله بين العباد؛ قرأ في صباه طرفا من الفقه ببلده على أحمد الرادكاني [2]، ثم سافر إلى جرجان إلى أبي نصر الإسماعيلي، و علق عنه التعليق، و عاد إلى نيسابور فلازم الإمام أبا المعالي الجويني، وجد و اجتهد حتى برع في المذهب و الأصول و الخلاف و المنطق، و قرأ الحكمة و الفلسفة، و فهم كلام أرباب هذا العلم، و تصدى للرد عليهم و إبطال ما ادعوه، و صنف في كل فن من هذه العلوم كتبا أحسن تأليفها و أجاد ترتيبها و ترصيفها.

توفي في يوم الاثنين رابع عشر جمادى الآخرة سنة خمس و خمسمائة، و قبره بظاهر الطابران قصبة طوس.

30- محمد بن ناصر بن محمد بن علي بن عمر، أبو الفضل السلامي [3]:

كان والده من أولاد الترك، و قد رأيت بخطه في كتاب أشهد عليه فيه المعدلين محمود بن أبي منصور الناصر استوري [4]- و يعرف بمحمد- بن تكسين- و يعرف بعلي- المضافري التركي الحر، و لم يكتب لهم هذا النسب في سماع قط، توفي والده و هو صغير فكفله جده لأمه أبو حكيم الخبري الفرضي، و أسمعه في صباه شيئا من الحديث يسيرا، و أشغله بحفظ القرآن و التفقه على مذهب الشافعي؛ ثم إنه صحب أبا زكريا التبريزي و قرأ عليه الأدب، و جدّ في طلب الحديث، و صحب أبا منصور بن الجواليقي في قراءة الأدب و سماع الحديث، ثم إنه خالط الحنابلة و مال إليهم، و انتقل [5] عن مذهب الشافعي إلى مذهب ابن حنبل، و كان إماما حافظا صحيح النقل و الضبط؛ سمع أبا القاسم علي بن أحمد بن البسري و أبا طاهر محمد بن أبي الصقر الأنباري و أبا عبد اللّه مالك البانياسي و أبا محمد رزق اللّه التميمي و أبا الفوارس طراد الزينبي و أبا الخطاب نصر بن البطر و أبا محمد جعفر بن أحمد السراج. و كانت له إجازات قيمة

____________

[1] انظر: وفيات الأعيان 1/ 463. و طبقات الشافعية 4/ 101. و شذرات الذهب 4/ 10. و مفتاح السعادة 2/ 191- 210. و آداب اللغة 3/ 79. و اللباب 2/ 170. و الأعلام 7/ 22.

[2] في الأصل: «الداركاني».

[3] انظر: وفيات الأعيان 3/ 420.

[4] هكذا في الأصل.

[5] في الأصل: «فكفلته».

28

كابن النقور و الصريفيني و ابن ماكولا و غيرهم من الغرباء أخذها له ابن ماكولا في رحلته إلى البلاد.

أخبرنا شهاب بن محمود المزكي بهراة قال: حدثنا أبو سعد السمعاني قال: محمد ابن ناصر السلامي أبو الفضل سكن درب الشاكرية، حافظ ثقة ديّن خيّر متقن متثبت، له حظ كامل من اللغة و معرفة تامة بالمتون و الأسانيد، كثير الصّلاة، دائم التلاوة للقرآن، مواظب على صلاة الضحى، غير أنه يحب أن يقع في أعراض [الناس‏] [1] و يتكلم في حقهم. كان يطالع هذا الكتاب و يلحق على حواشيه بخطه ما يقع له من مثالبهم. سمعت جماعة من شيوخي يذكرون أن ابن ناصر و ابن الجواليقي كانا يقرءان الأدب على التبريزي و يسمعان الحديث على المشايخ، فكان الناس يقولون: يخرج ابن ناصر لغوي بغداد و ابن الجواليقي محدثها، فانعكس الأمر، فصار ابن ناصر محدث بغداد و ابن الجواليقي لغويها.

مولده في ليلة الخميس الخامس عشر من شعبان سنة سبع و ستين و أربعمائة.

و توفي ليلة الثلاثاء الثامن عشر من شعبان سنة خمسين و خمسمائة. و دفن من الغد بباب حرب- (رحمه اللّه تعالى).

آخر الجزء الأول من المستفاد

____________

[1] على هامش الأصل: «بئس ما فعل ... و اللّه ما يستحقه».

29

الجزء الثاني من المستفاد من ذيل تاريخ بغداد

انتقاه كاتبه أحمد بن أيبك بن عبد اللّه الحسامي عرف بابن الدمياطي لنفسه ثم لمن شاء اللّه من بعده عفا اللّه عنه.

للحافظ أبى عبد اللّه محمد بن النجار البغدادي‏

30

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

31

(سم اللّه الرّحمن الرّحيم) رب يسر و أعن‏

[حرف الألف‏]

31- إبراهيم بن أدهم بن منصور بن يزيد بن جابر بن ثعلبة بن سعد بن حلام ابن غزية بن أسامة بن ربيعة بن ضبيعة بن عجل بن نجم، أبو إسحاق الزاهد [1]:

من أهل بلخ، دخل بغداد مجتازا، و سكن الشام إلى حين وفاته، و قد طلب العلم و الحديث ثم استقل بالزهد، و حدث عن أبيه أدهم و عن محمد بن زياد صاحب أبي هريرة و الأعمش و محمد بن عجلان و منصور بن المعتمر و يحيى بن سعيد و سفيان الثوري و هشام بن حسان و الأوزاعي، روي عنه بقية بن الوليد و سفيان الثوري و شقيق البلخي و سهل بن هاشم.

قال النسائي: أبو إسحاق إبراهيم بن أدهم ثقة مأمون أحد الزهاد.

و روى المؤلف بسنده إلى عطاء بن مسلم قال: ضاعت نفقة إبراهيم بن أدهم بمكة [فبقي‏] [2] خمسة عشر يوما يستف الرمل.

و روى أيضا إلى عبد اللّه بن الفرج القنطري العابد قال: اطلعت على إبراهيم بن أدهم في بستان بالشام و هو مستلق و إذا حية في فهما طاقة نرجس فما زالت تذب عنه حتى انتبه.

و روى أيضا إلى المتوكل بن الحسين قال: قال إبراهيم بن أدهم: الزهد ثلاثة أصناف: فزهد فرض، و زهد فضل، و زهد سلامة؛ فالفرض الزهد في الحرام، و الفضل الزهد في الحلال، و السلامة الزهد في الشبهات.

قال محمد بن إسماعيل البخاري: مات إبراهيم بن أدهم سنة إحدى و ستين و مائة، و دفن بسوقين حصن ببلاد الروم.

____________

[1] انظر: تهذيب التهذيب 1/ 102. الوافي بالوفيات 5/ 318. و تهذيب ابن عساكر 2/ 167- 196.

[2] ما بين المعقوفتين أثبت على الهامش الأصل.

32

قال أبو داود سليمان بن الأشعث: سمعت أبا توبة الربيع بن نافع يقول: مات إبراهيم بن أدهم سنة اثنتين و ستين و مائة، و دفن على ساحل البحر.

32- إبراهيم بن علي بن يوسف بن عبد اللّه الفيروزآبادي الشيرازي [1]، أبو إسحاق [2]:

إمام أصحاب الشافعي و من انتشر فضله في البلاد، وفاق أهل زمانه بالعلم و الزهد و السداد، و أقر بعلمه و ورعه الموافق و المخالف و المعادي و المحالف، و حاز قصب السبق في جميع الفضائل و تعزى بالدين و النزاهة على كل الرذائل، و كان سخي النفس، شديد التواضع، طلق الوجه، لطيفا ظريفا، كريم العشرة، سهل الأخلاق، كثير المحفوظ للحكايات و الأشعار.

ولد بفيروزآباد بليدة بفارس، و نشأ بها، و دخل شيراز، و قرأ الفقه على أبي عبد اللّه الأنصاري، و قرأ على أبي القاسم الداركي، و قرأ الداركي على المروزي، و قرأ المروزي علي ابن سريج، و قرأ ابن سريج على ابن الأنماطي، و قرأ ابن الأنماطي على المزني و الربيع بن سليمان، و قرء على الشافعي، ثم دخل بغداد سنة خمس عشرة و أربعمائة و قرأ على القاضي أبي الطيب الطبري، و لازمه حتى برع في العلم و صار من أنظر أصحابه، و امتدت إليه الأعين و تقدم على أقرانه.

و كان يدرس بمسجده بباب المراتب إلى أن بنى له الوزير نظام الملك أبو علي المدرسة على شاطئ دجلة فانتقل إليها، و درّس بها بعد امتناع شديد، و لم يزل يدرّس بها إلى حين وفاته.

سمع ببغداد من أبي بكر أحمد بن محمد بن غالب البرقاني و أبي علي الحسن بن شاذان و أبي الطيب الطبري، روي عنه الخطيب الحافظ في بعض مصنفاته شيئا من شعره؛ و كان عارفا بالأدب.

و من شعره:

____________

[1] بهامش الأصل: «الإمام الشيخ أبو إسحاق رضي اللّه عنه».

[2] انظر: طبقات الشافعية للسبكي 3/ 88- 111. و وفيات الأعيان 1/ 9- 12. و العبر في خبر من غير 3/ 283. و طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة، ترجمة 200. الجدير بالذكر أن هذه الترجمة مكانها بالمخطوط بعد ترجمة: «أحمد بن إسماعيل بن يوسف ...». و استبدل مكانها نظرا للترتيب الهجائي.

33

لبست ثوب الرجا و الناس قد رقدوا* * * و قمت أشكو إلى مولاي ما أجد

و قلت يا عدتي [1] في كل نائبة* * * و من عليه لكشف الضر أعتمد

و قد مددت يدي و الضر مشتمل‏* * * إليك يا خير من مدت إليه يد

فلا تردنها يا رب خائبة* * * فبحر جودك يروي كل من يرد

أنشدني شهاب الحاتمي بهراة قال: أنشدنا أبو سعد بن السمعاني قال: أنشدنا أبو المظفر شبيب بن الحسين القاضي، أنشدني أبو إسحاق- يعني الشيرازي- لنفسه:

جاء الربيع و حسن ورده‏* * * و مضى الشتاء و قبح برده‏

فاشرب على وجه الحبيب‏* * * و وجنتيه و حسن خده‏

قال ابن السمعاني: قال لي شبيب: ثم جاء بعد [أن‏] [2] أنشدني هذين البيتين بمدة: كنت جالسا عند الشيخ، فذكر بين يديه أن هذين البيتين أنشدا عند القاضي يمين الدولة حاكم صور، بلدة على ساحل بحر الروم، فقال لغلامه: احضر ذاك الشأن- يعني الشراب- فقد أفتانا به الإمام أبو إسحاق، فبكى الإمام و دعا على نفسه، و قال: ليتني لم أقل هذين البيتين قط. ثم قال لي: كيف نردها من أفواه الناس؟ فقلت:

يا سيدي هيهات! قد سارت به الركبان. كان أبو إسحاق إذا بقي مدة لا يأكل شيئا صعد إلى النصرية في أعلى بغداد و كان له فيها صديق باقلاني، فكان يثرد له رغيفا و يشربه بماء الباقلاء فربما صعد إليه و كان قد فرغ من بيع الباقلاء و يغلق الباب، فيقف أبو إسحاق و يقرأ تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خاسِرَةٌ و يرجّع.

كان القاضي أبو الطيب يسمى الشيخ أبا إسحاق «حمامة المسجد» للزومه و اشتغاله بالعلم طول ليله و نهاره. كان الشيخ أبو إسحاق يمشي في الطريق و معه بعض أصحابه فعرض لهما كلب، فقال ذلك الفقيه للكلب: اخسأ! و زجره، فنهاه الشيخ أبو إسحاق عن ذلك و قال: لم طردته عن الطريق؟ أ ما عرفت أن الطريق بيني و بينه مشترك.

قال ابن الخاضبة: سمعت الشيخ أبا إسحاق يقول: لو عرض هذا الكتاب الذي صنفته- و هو المهذب- على النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) [لقال‏] هذا هو شريعتي [التي‏] [3] أمرت بها أمتي.

____________

[1] في الأصل: «يا عزتي».

[2] ما بين المعقوفتين زيادة من طبقات الشافعية.

[3] ما بين المعقوفتين زيادة من طبقات الشافعية.

34

قال الحافظ السلفي: سألت أبا غالب شجاع بن فارس الذهلي عن أبي إسحاق إبراهيم بن علي الشيرازي، فقال: إمام أصحاب الشافعي و المقدم عليهم في وقته ببغداد، كان ثقة ورعا صالحا عالما بمعرفة الخلاف علما لا يشاركه فيه أحد، سمعت منه شيئا من حديثه و مصنفاته.

مولده سنة ثلاث و تسعين و ثلاثمائة، و توفي ليلة الأحد. و دفن يوم الأحد الحادي و العشرين من جمادى الآخرة سنة ست و سبعين و أربعمائة، و قيل: إن مولده سنة خمس و تسعين.

33- أحمد [1] بن إسماعيل بن يوسف بن محمد بن العباس، أبو الخير القزويني الزاهد الرباني [2]:

رئيس أصحاب الشافعي. كان إماما في المذهب و الخلاف و التفسير و الحديث.

و رحل من بلدة قزوين إلى نيسابور، فأقام بها عند الفقيه محمد بن يحيى، و قرأ عليه و لازمه حتى برع في العلم. دخل بغداد و عقد بها مجلس الوعظ و سارت وجوه الدولة إليه ملتفة، و كثر التعصب له، و كان يجلس بالنظامية و بجامع القصر و يحضر مجلسه الخلق الكثير و الجم الغفير، ثم ولّى التدريس بالمدرسة النظامية في رجب سنة تسع و ستين و خمسمائة، و درّس بها، و عقد مجلس الوعظ إلى أوائل سنة ثمانين و خمسمائة، ثم إنه طلب العود إلى بلاده فأذن له في ذلك، فعاد إلى قزوين و أقام بها إلى حين وفاته.

سمع بقزوين أبا سعد إسماعيل، و بنيسابور أبا عبد اللّه الفراوي و أبا القاسم زاهرا، و أبا بكر وجيه بن طاهر الشحامي، و ببغداد أبا الفتح محمد بن عبد الباقي بن أحمد ابن سليمان.

و أملى بجامع القصر و بالنظامية عدة أمالي، و كان كثير العبادة، دائم الذكر، كثير الصّلاة و الصيام و التهجد و التقلل من الطعام، حتى ظهر ذلك على وجهه و غيّر لونه، و كان لا يفتر لسانه من التسبيح في جميع حركاته و سائر أحواله.

مولده سنة اثنتي عشرة و خمسمائة في رمضان.

____________

[1] في الأصل: «محمد»، و التصحيح من المصادر السابقة.

[2] انظر: العبر في خبر من غبر 4/ 271. و شذرات الذهب 4/ 300. و طبقات القراء 1/ 39.

35

سمعت أبا المناقب محمد بن أحمد بن القزويني يقول: ولد والدي في السابع و العشرين من رمضان سنة إحدى عشرة و خمسمائة بقزوين، و توفي بها في يوم الجمعة الحادي و العشرين من المحرم سنة تسع و ثمانين و خمسمائة، (رحمه اللّه تعالى).

34- أحمد بن شعيب بن علي بن سنان بن بحر، أبو عبد الرحمن النّسائي الحافظ [1]:

أحد الأئمة الأعلام. صنف «السنن» و غيرها من الأدب، و له الرحلة الواسعة. قدم بغداد، و كتب بها عن جماعة من الشيوخ، و دخل الشام و مصر و أقام هناك إلى حين وفاته، و حدث عن قتيبة بن سعيد و إسحاق بن راهويه و إسحاق بن شاهين و إبراهيم ابن سعيد الجوهري و أحمد بن بكار بن أبي ميمونة و أحمد بن جعفر بن عبد اللّه و أحمد ابن عبد اللّه بن الحكم و هناد بن السري و عيسى بن حماد زغبة و أحمد بن عيسى التستري و أحمد بن عبد الواحد بن عبود، روي عنه ابنه عبد الكريم و أبو بشر الدولابي.

قال الحاكم أبو عبد اللّه بن البيع الحافظ: حدثني علي بن عمر الحافظ أنه لما امتحن بدمشق- أعني النسائي- قال: احملوني إلى مكة! فحمل إلى مكة و توفي بها. و هو مدفون بين الصفا و المروة، و كانت وفاته في شعبان سنة ثلاث و ثلاثمائة.

قال أبو سعيد عبد الرحمن بن أحمد بن يونس الصدفي: أحمد بن شعيب بن علي بن سنان بن بحر النسائي يكنى أبا عبد الرحمن قدم مصر قديما، و كتب بها و كتب عنه، و كان إماما في الحديث، ثقة ثبتا حافظا، و كان خروجه من مصر في ذي القعدة سنة اثنتين و ثلاثمائة، و توفي بفلسطين يوم الاثنين لثلاث عشرة خلت من صفر سنة ثلاث و ثلاثمائة.

ذكر الحافظ أبو القاسم علي بن عساكر أن أبا عبد الرحمن النسائي سئل عن مولده، فقال: يشبه أن يكون سنة خمس عشرة و مائتين.

35- أحمد بن عبد اللّه بن أحمد بن إسحاق بن موسى بن مهران، أبو نعيم الحافظ [2]:

____________

[1] انظر: وفيات الأعيان 1/ 21. و البداية و النهاية 11/ 123. و طبقات الشافعية 2/ 83. و تذكرة الحفاظ 2/ 241. و خلاصة تهذيب الكمال 1/ 6. و شذرات الذهب 2/ 239. و الأعلام 1/ 171.

[2] انظر: وفيات الأعيان 1/ 26. و ميزان الاعتدال 1/ 52. و لسان الميزان 1/ 201. و طبقات الشافعية 3/ 7 و الأعلام 1/ 157.

36

سبط محمد بن يوسف البناء. الزاهد من أهل أصبهان، تاج المحدثين و أحد أعلام الدين و من جمع اللّه له في الرواية و الحفظ و الفهم و الدراية، فكانت تشد إليه الرحال و عاجز إلى بابه الرجال.

سمع بأصبهان أباه و أبا محمد عبد اللّه بن جعفر بن أحمد بن فارس، و أبا القاسم سليمان بن أحمد الطبراني و أبا بكر محمد بن إسحاق بن أيوب و أبا بكر محمد بن جعفر المغازلي و أبا عمر محمد بن أحمد بن إبراهيم العسال و أبا إسحاق إبراهيم بن محمد بن حمزة الحافظ و أبا إسحاق إبراهيم بن إسحاق الخشاب و أبا أحمد الحسن بن عبد اللّه بن سعيد العسكري، و بمكة أبا بكر محمد بن الحسين الآجري و أبا العباس أحمد بن إبراهيم بن علي الكندي و أبا الفضل العباس بن أحمد الجرجاني، و بواسط أبا عبد اللّه محمد بن أحمد بن محمد بن شعبان و أبا بكر محمد بن حبيش بن خلف الخطيب، و بالبصرة أبا بكر محمد بن علي بن مسلم، و بالأهواز القاضي أبا بكر محمد ابن إسحاق الأهوازي و أبا الحسين محمد بن أحمد بن إسحاق الدقيقي و أبا علي الحسين بن محمد بن أحمد بن يزيد الشافعي، و بالكوفة أبا الحسين محمد بن الطاهر بن الحسين بن محمد بن جعفر بن عبد اللّه و أبا عبد اللّه محمد بن محمد بن علي بن خلف ابن مطر، و بجرجان أبا أحمد محمد بن أحمد بن الغطريف، و بنيسابور أبا عمرو محمد ابن أحمد بن حمدان و الحاكم أبا أحمد محمد بن محمد بن أحمد الحافظ، و خلقا كثيرا.

و جمع معجما لشيوخه، و حدث بالكثير من مسموعاته و مصنفاته. و صنف كثيرا، منها: «حلية الأولياء» و «المستخرج على الصحيحين» ذكر فيها أحاديث ساوى فيها البخاري و مسلما، و أحاديث علا عليهما فيها [1] كأنهما سمعاها منه، أو ذكر فيها حديثا كأن البخاري و مسلما سمعاه ممن سمعه منه، أو بلغ في رئاسة علم الحديث ما لم يبلغه غيره.

قرأت على محمود بن الحداد عن أبي طاهر الحافظ، قال: سمعت السيد حمزة- يعني ابن العباس العلوي الأصبهاني بهمذان- يقول: كان أصحاب الحديث في مجلس أحمد ابن الفضل الباطرقاني يقولون و أنا أسمع.

بقي أبو نعيم أربع عشرة سنة بلا نظير، لا يوجد شرقا و غربا أعلى إسنادا و لا أحفظ منه. و كانوا يقولون: لما صنف كتاب «حلية الأولياء» حمل إلى نيسابور حالة حياته، فاشترى هناك بأربعمائة دينار.

____________

[1] في الأصل: «فيهما».

37

قال الحافظ أبو بكر الخطيب: و قد رأيت لأبي نعيم أشياء يتساهل فيها، منها أن يقول في الإجازة: أنا من غير أن يبين! و اللّه أعلم.

قال عبد العزيز النخشبي: لم يسمع أبو نعيم مسند الحارث بتمامه من أبي بكر بن خلاد، فحدث به كله!.

مولده في رجب سنة ست و ثلاثين و ثلاثمائة.

و توفي بكرة يوم الاثنين العشرين من المحرم سنة ثلاثين و أربعمائة، و دفن وقت الظهر بمردنان تحت قبر أبي القاسم السوذرجاني، و صلى عليه محمد بن عبد الواحد الفقيه.

و حكى بعضهم أنه رأى في المنام قائلا يقول له: من أحب أن يستجاب دعوته فليدع عن قبر أبي نعيم سبط محمد بن يوسف- (رحمه اللّه تعالى).

36- أحمد بن عثمان بن عبد الرحمن بن عبد اللّه بن الحسن بن أحمد بن عبد الواحد بن محمد بن أحمد بن عثمان بن أبي الحديد، أبو الحسن السلمي [1]:

من أهل دمشق من بيت مشهور بالحديث و الرواية. سمع الحديث بدمشق من أبي طاهر الخشوعي [2]، و سافر إلى مصر فسمع بها من أبي القاسم هبة اللّه التوحيدي و إسماعيل بن صالح بن ياسين.

و قدم علينا ببغداد طالبا للحديث و هو شاب في سنة سبع و تسعين و خمسمائة، و سمع معنا من جماعة من أصحاب ابن الحصين و أبي بكر بن عبد الباقي و عاد إلى دمشق، ثم إنه سافر إلى أصبهان و أقام بها مدة في سنة ثمان و ستمائة، و حصل من الكتب و الأجزاء [3] عدة أحمال. و عاد بها إلى بلاده، ثم إنه أقام بحران و سكن بعض قراها إلى حين وفاته، و حدث هناك و كتب عنه.

أنشدني أبو الحسن أحمد بن أبي الحديد السلمي من حفظه ببغداد قال: أنشدني أبو العباس أحمد بن ناصر قال: أنشدنا محمد بن الحراني [4] لنفسه في غلام اسمه سهم و قد التحى:

____________

[1] انظر: مرآة الزمان، لبسط ابن الجوزي، ص 211.

[2] في الأصل بدون نقط.

[3] في الأصل: «الأجرا».

[4] في الأصل: «البحراني».

38

قالوا التحى السهم قلت حصّن‏* * * حشاك فالآن لا تطيش‏

فالسهم لا ينفذ الرمايا* * * إلا إذا كان فيه ريش‏

مولده بدمشق في جمادى الآخرة سنة سبعين و خمسمائة.

و توفي في أحد الربيعين من سنة خمس و عشرين و ستمائة بالذهبانية من قرى حران، و دفن بها.

37- أحمد بن علي بن بختيار بن عبد اللّه، أبو القاسم الصوفي [1]:

كان والده أستاذ دار الخلافة. و نشأ أبو القاسم هذا متأدبا فاضلا، حسن الطريقة متدينا صالحا، له معرفة بالأدب، و هو مقيم برباط والده بباب الجعفرية.

أنشدني أحمد بن علي بن بختيار لنفسه:

أ عاذلتي في الحب هل غير ذلك‏* * * فإني لأسباب الهوى غير تارك‏

دعيني و أوصافي فلست بعاشق‏* * * إذا رمت ميلا عن طريق المهالك‏

أرى الحب أن ألقي المنية مسفرا* * * إذا شئت أن ألقي عذاب المضاحك‏

أيا ظبية الوعساء إن حال بيننا* * * سباسب تنضى ناجيات الرواتك‏

فلست بناس وقفة لم تزل بها* * * دماء المآقي سافحات المسافك‏

تربعت من دون الأراكة معهدا* * * و غادرت عهدي بين تلك الأرائك‏

فقلت [2] إلى الواشي و كنت غرية* * * إذا ما سعى الواشي بما غير ذلك‏

أ لم تعلمي أني ألم بعالج‏* * * و أشتاق آثارا حلت من جمالك‏

سألت أبا القاسم بن بختيار عن مولده، فقال: في أحد الربيعين سنة خمس و ستين و خمسمائة.

و توفي ليلة الخميس الثامن و العشرين من جمادى الآخرة من سنة اثنتين و أربعين و ستمائة، و دفن من الغد برباط والده (رحمه اللّه).

38- أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي الخطيب، أبو بكر الحافظ [3]:

____________

[1] انظر: مرأة الزمان، لبسط ابن الجوازي 8/ 250.

[2] هكذا في الأصل.

[3] انظر: مقدمة تاريخ بغداد الجزء الأول. و معجم الأدباء 1/ 248. و طبقات الشافعية 3/ 12.

و النجوم الزاهرة 5/ 87. و تاريخ ابن عساكر 1/ 398. و وفيات الأعيان 1/ 27. و الأعلام 1/ 172.

39

إمام هذه الصنعة [1] و من انتهت إليه الرئاسة في الحفظ و الإتقان و القيام بعلوم الحديث. نشأ ببغداد و قرأ القرآن بالروايات، و قرأ الفقه على القاضي أبي الطيب الطبري، و علق عنه شيئا من الخلاف، ثم إنه اشتغل بسماع الحديث من الشيوخ ببغداد، ثم رحل إلى البصرة.

سمع سنن أبي داود من القاضي أبي عمر الهاشمي، و توجه إلى خراسان فسمع بها من أصحاب الأصم، ثم إنه خرج إلى الشام حاجّا في سنة خمس و أربعين و أربعمائة، و سمع بدمشق و صور، و حج تلك السنة، و قرأ صحيح البخاري في خمسة أيام بمكة على كريمة المروزية.

و رجع إلى بغداد و صار له قرب من الوزير أبي القاسم بن المسلمة، فلما وقعت فتنة البساسيري ببغداد في سنة خمسين و أربعمائة و قبض على الوزير، استتر الخطيب و خرج إلى الشام، و كان يتردد ما بين صور و دمشق، ثم عاد إلى بغداد في آخر عمره.

سمع ببغداد أبا الحسن محمد بن أحمد بن رزقويه و أبا الحسن أحمد بن محمد بن الصلت و أبا عمر عبد الواحد بن عبد اللّه بن مهدي، و بالبصرة القاضي أبا عمر القاسم بن جعفر بن عبد الواحد الهاشمي، و بنيسابور القاضي أبا بكر أحمد الحرشي، و بأصبهان أبا نعيم أحمد بن عبد اللّه الحافظ، و بالري أبا محمد عبد الرحمن بن محمد بن فضالة، و بهمذان أبا منصور محمد بن عيسى بن عبد العزيز البزاز، و بدمشق أبا الحسين محمد بن عبد الرحمن بن عمر بن أبي نصر، و بصور أبا الفرج عبد الوهاب بن الحسين ابن الغزال، و بحلب أبا الفتح أحمد بن علي بن محمد النحاس.

و من شعره:

الشمس تشبهه و البدر يحكيه‏* * * و الدر يضحك و المرجان من فيه‏

و من سرى و ظلام الليل معتكر [2]* * * فوجهه عن ضياء البدر يغنيه [3]

زوى له الحسن حتى حاز أحسنه‏* * * لنفسه و بقي للناس باقيه‏

فالعقل يعجز عن تحديد غايته‏* * * و الوهم يقصر عن فحوى معانيه‏

يدعو القلوب فتأتيه مسارعة* * * مطيعة الأمر منه ليس تعصيه‏

____________

[1] أى كتابة التاريخ.

[2] في الأصل: «معتدل».

[3] في الأصل: «تفنيه»

40

سألته زروة يوما أفوز بها* * * فأظهر الغضب المقرون بالتّيه‏

و قال لي دون ما تبغي و تطلبه‏* * * تناول الفلك الأعلى و ما فيه‏

رضيت يا معشر العشاق منه‏* * * بأن أضحيت يعلم أني من محبيه‏

و أن يكون فؤادي في يديه لكي‏* * * يميته بالهوى منه و يحييه‏

و له:

لو قيل لي ما تمنى قلت في‏* * * عجل أخا صدوقا أمينا غير خوان‏

إذا فعلت جميلا ظل يشكرني‏* * * و إن أسأت تلقاني بغفران‏

و يستر العيب في سخط و حال رضى‏* * * و يحفظ الغيب في سر و إعلان‏

و أين في هذا الخلق عز مطلبه‏* * * فليس يوجد ما كر الجديدان‏

مولده في يوم الخميس لست بقين من جمادى الآخرة سنة اثنتين و تسعين و ثلاثمائة.

قال: فأول ما سمعت الحديث، و قد بلغت إحدى عشرة سنة في المحرم سنة ثلاث و أربعمائة.

قال الأمير أبو نصر علي بن هبة اللّه بن علي بن ماكولا الحافظ: و بعد فإن أبا بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي كان أحد الأعيان ممن شاهدناه معرفة و إتقانا و حفظا و ضبطا لحديث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و تفهما في علله و أسانيده و خبرة [1] برواته و ناقليه، و علما بصحيحه و غريبه و فرده و منكره و سقيمه و مطروحة، و لم يكن للبغداديين بعد أبي الحسن علي بن عمر الدارقطني من يجرى مجراه، و لا قام بعده مهتما بهذا الشأن سواه، فقد استفدنا كثيرا من هذا اليسير الذي نحسنه به و عنه، و تعلمنا شطرا من هذا القليل الذي نعرفه بتنبيهه و منه، فجزاه اللّه تعالى عنا الخير و لقّاه الحسنى، و لجميع مشايخنا و أئمتنا و لجميع المسلمين.

حضر أبو بكر الخطيب درس الشيخ أبي إسحاق الشيرازي، فروى الشيخ حديثا من رواية بحر بن كثير [2] السقائي، ثم قال للخطيب: ما تقول فيه؟ فقال الخطيب:

إن أذنت لي ذكرت حاله. فأسند الشيخ أبو إسحاق ظهره من الحائط قعد مثل ما يقعد التلميذ بين يدي الأستاذ يستمع كلام الخطيب، و شرع الخطيب في شرح أحواله و يقول: قال فيه فلان كذا، و قال فلان كذا و شرح أحواله شرحا حسنا و ما ذكر فيه‏

____________

[1] في الأصل: «خبرية»، و التصحيح من ابن عساكر.

[2] في الأصل: «كنيز».

41

الأئمة من الجرح و التعديل إلى أن فرغ منه، فأثنى الشيخ أبو إسحاق عليه ثناء حسنا و قال: هو دارقطني عهدنا.

لما رجع أبو بكر الخطيب من الشام كانت له ثروة من الثياب و العين، و ما كان له عقب. فكتب إلى القائم بأمر اللّه: إني إذا مت يكون ما لي لبيت المال فأذن لي حتى أفرق مالي على من شئت! فأذن له الخليفة في ذلك، ففرقها على أصحاب الحديث.

ذكر بعض مصنفاته: «تاريخ بغداد»، مائة و ستة أجزاء، «المؤتلف و المختلف» أربعة و عشرون جزءا، «المتفق و المفترق» ثمانية عشر جزء، «تلخيص المتشابه»، «الجامع لأخلاق الراوي و آداب السامع»، «الكفاية»، «رافع الارتياب في المقلوب من الأسماء و الأنساب»، «كتاب الفقيه و المتفقه»، «السابق و اللاحق»، «المكمل في بيان المهمل»، «تمييز المزيد [1] في متصل الأسانيد»، «التبيين لأسماء المدلسين»، «سهو أصحاب الحديث»، «من وافقت كنيته اسم أبيه»، «تقييد العلم»، «كتاب البخلاء»، «كتاب الطفيليين»، «كتاب القنوت»، «قبض العلم»، «الغسل للجمعة»، «الجهر بالتسمية»، «منهج سبيل [2] الصواب في أن التسمية آية في فاتحة الكتاب»، «من حدث و نسى»، «صلاة التسبيح»، «اقتضاء العلم العمل» [3].

أنشدني جعفر بن علي الهمذاني في الإسكندرية قال: أنشدني أبو طاهر السلفي الحافظ لنفسه من مصنفات الخطيب:

تصانيف ابن ثابت الخطيب‏* * * ألذ من الصبا الغض [4] الرطيب‏

تراها إذا رواها من حواها* * * رياضا للفتى اليقظ اللبيب‏

و يأخذ حسن ما قد ضاع منها* * * بقلب الحافظ الفطن الأريب‏

فأية راحة و نعيم عيش‏* * * يوازي كتبها بل أي طيب‏

قال الحافظ أبو بكر الخطيب: من صنف فقد جعل عقله على طبق يعرضه على الناس. تقدم رئيس الرؤساء إلى الخطباء و الوعاظ أن لا يرووا حديثا حتى يعرضوه على الخطيب، فما ذكر صحته أو ردوه، و ما رده لم يذكروه. و أظهر بعض اليهود كتابا و ادعى أنه كتاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بإسقاط الجزية عن أهل خيبر و فيه شهادات الصحابة

____________

[1] في الأصل: «تخير المريد».

[2] في الأصل: «منهج سبيل الصواب».

[3] في الأصل: «اقتضاء للعلم العمل».

[4] في الأصل: «الغد».

42

و ذكروا أن خط علي بن أبي طالب فيه، و حمل الكتاب إلى رئيس الرؤساء، فعرضه على الخطيب، فتأمله ثم قال: هذا مزور! قيل له: و من أين قلت ذلك؟ فقال: في الكتاب شهادة معاوية بن أبي سفيان، و معاوية أسلم عام الفتح سنة ثمان، و خيبر فتحت سنة سبع و لم يكن مسلما في ذلك الوقت و لا حضر ما جرى، و فيه شهادة سعد بن معاذ الأنصاري و مات يوم بني قريظة بسهم أصابه في أكحله [1] يوم الخندق، و ذلك قبل فتح خيبر بسنتين، فاستحسن ذلك منه و لم يجزهم على ما في الكتاب.

قال أبو الفضل أحمد بن الحسن بن خيرون: توفي الخطيب ضحوة نهار يوم الاثنين، و دفن يوم الثلاثاء ثامن ذي الحجة سنة ثلاث و ستين و أربعمائة، و دفن بباب حرب إلى جنب بشر بن الحارث، و صلي عليه في جامع المنصور، و تقدم عليه القاضي أبو الحسين محمد بن علي بن المهتدي باللّه و تصدق بجميع ماله و هو مائتا دينار، فرق ذلك على أصحاب الحديث و الفقهاء و الفقراء في مرضه، و وقف جميع كتبه على المسلمين و أخرجت من حجرة تلي النظامية في نهر مقلى، و تبعه الفقهاء و الخلق العظيم، و كان بين يدي الجنازة جماعة ينادون: هذا الذي كان يذب عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، هذا الذي كان يحفظ حديث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم). مولده سنة إحدى و تسعين و ثلاثمائة.

أخبرنا أبو البركات الأمين بدمشق، أنبأنا عمي أبو القاسم الحافظ قال: قرأت بخط غيث بن علي قال أبو القاسم مكي بن عبد السلام المقدسي: كنت جالسا في منزل الشيخ أبي الحسن الزعفراني ببغداد ليلة الأحد الثاني عشر من ربيع الأول سنة ثلاث و ستين و أربعمائة فرأيت في المنام عند السحر كأنا اجتمعنا عند الشيخ أبي بكر الخطيب في منزله بباب المراتب لقراءة التاريخ على العادة، فكان الشيخ الإمام جالسا و الشيخ الفقيه أبو الفتح نصر بن إبراهيم المقدسي عن يمينه و عن يمين الفقيه نصر رجل جالس لا أعرفه فسألت عنه، فقلت: من هذا الرجل الذي لم تجر عادته بالحضور معنا؟ فقيل لي: هذا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، جاء ليسمع التاريخ. فقلت في نفسي: هذه جلالة للشيخ أبي بكر إذ يحضر النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) مجلسه، فقلت في نفسي: و هذا أيضا رد لقول من يعيب التاريخ و يذكر أن فيه تحاملا على أقوام- (رحمه اللّه).

____________

[1] في الأصل: «كحله».

43

39- أحمد بن علي بن محمد بن برهان الوكيل، أبو الفتح الفقيه الشافعي [1]:

تفقه في صباه على مذهب أحمد بن حنبل على أبي الوفاء بن عقيل، ثم انتقل إلى مذهب الشافعي، و قرأ على أبي بكر الشاشي و أبي حامد الغزالي، و كان ذكيا، خارق الذهن، و لم يزل يبالغ في الطلب و الاشتغال و الحفظ و التحقيق و حل المشكلات و استخراج المعاني حتى صار يضرب به المثل. ولى التدريس بالنظامية، ثم عزل عنها.

سمع الحديث بنفسه من أبي طاهر أحمد بن الحسن الكرخي و أبي الخطاب نصر بن أحمد بن البطر و أبي عبد اللّه الحسين بن أحمد بن محمد بن طلحة النعال.

توفي يوم الأربعاء ثامن عشر جمادى [الأولى‏] [2] من سنة ثمان عشرة و خمسمائة، و صلّى عليه بجامع القصر و دفن بباب أبرز.

40- أحمد بن علي بن المعمر بن محمد بن المعمر بن أحمد بن محمد بن محمد بن عبيد اللّه العلوي الحسيني [3]:

نقيب الطالبيين ببغداد. ولى النقابة على الطالبيين بعد أبيه في سنة ثلاثين و خمسمائة، و لم يزل على ولايته إلى حين وفاته، و كان يسكن بالحريم الظاهري في دار له مشرفة على دجلة.

سمع أبا الحسن علي بن محمد بن علي بن العلاف و أبا الحسين المبارك بن عبد الجبار الصّيرفيّ، و كان مجدا في الرواية، و كان يشعر شعرا حسنا، و ينثر نثرا فائقا، فمن شعره:

دمع يخد و جنة تتخدد* * * و جوى يزيد و زفرة تتجدد

و صبابة ترمي و صبر نافر* * * و ضنى يجول و جور و جد يلبد

و هوى يشعب فكرتي و يذيبني‏* * * شوقا يقسمه كواعب خرد

و حنين قلب و اشتجار وساوس‏* * * و دوام تهيام و جفني يسهد

و أنين خلب محدق و غرام و وج* * * د معلق و جوارح تتلبد

و نحول جسم واضح و سقام ح* * * ب فاضح و حياد عقل يشرد

____________

[1] انظر: طبقات الشافعية 4/ 24. و الأعلام 1/ 167.

[2] ما بين المعقوفتين زيادة من طبقات الشافعية.

[2] انظر: معجم الأدباء 4/ 70- 72.

44

و غريم تذكار مقيم ساخط* * * أبدا على رسوله يتمرد

و تلفت نحو الديار و إنه‏* * * يحيى بها دمعي الذي لا يجمد

و تطلع نحو الغوير و لوعة* * * لسيارها شغفا يخب و يزيد

و تنسم الأنباء في رأد الضحى‏* * * و تنفس الصعداء إذ لا موعد

قرأت بخط النقيب أبي عبد اللّه: المولد في شوال سنة ثلاث و سبعين و أربعمائة.

و توفي يوم الأربعاء ثامن عشر جمادى الأولى سنة تسع و ستين و خمسمائة، و دفن من الغد.

41- أحمد بن عمر بن الأشعث- و يقال ابن أبي الأشعث، أبو بكر المقرئ [1]:

من أهل سمرقند. سافر إلى الشام و سكن دمشق مدة، و قرأ بها القرآن على أبي علي الحسن بن علي الأهوازي، و سمع منه الحديث و من أبي عبد اللّه الحسين بن محمد الحلبي، و أبي عمر إسماعيل الصابوني، ثم إنه قدم بغداد و استوطنها إلى حين وفاته، و أقرأ بها القرآن، و حدث، و كان مجوّدا متقنا عارفا بالروايات و اختلافها متحريا.

و يحكى أن أبا بكر السّمرقندي خرج [2] مع جماعة إلى ظاهر البلد في فرجة، فقدموه [3] يصلي بهم، و كان مزاحا، فلما سجد بهم تركهم في الصّلاة و صعد في شجرة، فلما طال عليهم انتظاره رفعوا رءوسهم فلم يجدوه في مصلاه، و إذا به في الشجرة يصيح صياح السنانير، فسقط من أعينهم، فخرج إلى بغداد و ترك أولاده بدمشق.

مولده سنة ثمان و أربعمائة، و توفي في سادس عشر رمضان سنة تسع و ثمانين و أربعمائة، و قيل مولده سنة ثمان و ثمانين و ثلاثمائة، و دفن بمقابر الشهداء.

42- أحمد بن أبي غالب بن أحمد بن عبد اللّه بن محمد الوراق، أبو العباس الزاهد المعروف بابن الطلاية [4]:

يقال إن والدته كانت تطلي الكاغذ عند عمله بالدقيق المعجون بالماء رقيقا قبل‏

____________

[1] انظر: طبقات القراء 1/ 92. و تهذيب ابن عساكر 1/ 415.

[2] في الأصل: «خارج».

[3] في الأصل: «فقلدوه».

[4] انظر: العبر في خبر من غبر 4/ 129.

45

صقله، فاشتهرت بذلك. كان أحمد هذا من عباد اللّه الصالحين، كثير العبادة مشهورا بالزهد.

كان يذكر أنه سمع في صباه من أبي القاسم عبد العزيز بن علي الأنماطي بن بنت السّكّري شيئا من الحديث، و لم يظهر له عنه شي‏ء.

توفي يوم الأحد ثاني عشر رمضان سنة ثمان و أربعين و خمسمائة، و دفن بمقبرة باب حرب، و كان من عباد اللّه الصالحين.

43- أحمد بن فارس بن زكريا بن محمد بن حبيب، أبو الحسين اللغوي [1]:

من أهل قزوين، سكن الري، فنسب إليها. سمع بقزوين أباه- و كان شافعيا لغويا، و أبا الحسن علي بن محمد بن مهرويه و أبا الحسين أحمد بن علان، و بأصبهان أبا القاسم سليمان الطبراني؛ و ببغداد محمد بن عبد اللّه الدوري. و قرأ عليه البديع أحمد ابن الحسين الهمذاني صاحب المقامات.

و كان مقيما بهمذان إلى أن حمل إلى الري ليقرأ عليه أبو طالب بن فخر الدولة علي بن ركن الدولة حسن بن بويه الديلمي، فسكنها. و كان فقيها شافعيا حاذقا، فانتقل إلى مذهب مالك في آخر عمره، و سئل عن ذلك فقال: داخلتني الحمية [2] لهذا الإمام المقبول [3] على جميع الألسنة أن يخلو مثل هذا البلد عن مذهبه. فإن الري أجمع البلاد للمقالات و الاختلاف. و قد حدث أبو الحسين ببغداد.

قال أبو الحسين بن فارس: دخلت بغداد طالبا للحديث، فحضرت مجلس بعض أصحاب الحديث، فرأيت شابا و عليه سمة جمال و ليست معي قارورة، فاستأذنته في كتب الحديث من قارورته، فقال: من انبسط إلى الإخوان بالاستئذان فقد استحق الحرمان.

و من شعره:

و قالوا كيف حالك قلت خير* * * تقضي حاجة و تفوت حاج‏

إذا ازدحمت هموم الصدر قلنا* * * عسى يوما يكون لها انفراج‏

____________

[1] انظر: وفيات الأعيان 1/ 100. و معجم الأدباء 4/ 80.

[2] على الهامش الأصل: «أعوذ باللّه من الحمية حمية الجاهلية».

[3] في الأصل: «المعقول».

46

نديمي هرّتي و شفاء قلبي‏* * * دفاتر لي و معشوقي السراج‏

قال: كان الصاحب بن عباد يقول: شيخنا أبو الحسين بن فارس رزق التصنيف و أمن من التصحيف.

و له من التصانيف: المجمل في اللغة- و كتاب متخير الألفاظ- و كتاب فقه اللغة- و كتاب غريب إعراب القرآن. يقال إن أبا الحسين بن فارس كان بقزوين يصنف في كل ليلة جمعة كتابا و يبيعه يوم الجمعة قبل الصّلاة و يتصدق بثمنه! فكان هذا دأبه.

توفي بالري في صفر سنة خمس و تسعين و ثلاثمائة، (رحمه اللّه تعالى).

44- أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن الحسن بن الحسين بن علي بن هارون البرداني، أبو علي بن أبي الحسن الحافظ [1]:

من ساكني الشذا من شارع دار الرقيق، سمع أباه و أبا طالب محمد بن محمد بن غيلان و إبراهيم و علي ابني عمر البرمكي و أبا محمد الجوهري و أبا القاسم عبد العزيز ابن علي الأزجي و أبا الحسن علي بن إبراهيم بن عيسى الباقلاني و أبا بكر محمد بن عبد الملك بن بشران و أبا طالب محمد بن علي العشاري و أبا القاسم منصور بن عمر ابن علي الكرخي.

و لم يزل يسمع و يكتب إلى حين وفاته. و كتب بخطه كثيرا، و جمع و خرّج و صنّف في عدة فنون، و حدّث بأكثرها، و كان موصوفا بالحفظ و المعرفة و الصدق و الثقة و الديانة.

مولده سنة ست و عشرين و أربعمائة في النصف من جمادى الأولى، و توفي في الليلة التي صبيحتها يوم الخميس الحادي و العشرين من شوال سنة ثمان و تسعين و أربعمائة، و دفن في هذا اليوم في مقبرة باب حرب. و كان عارفا بعلم الحديث.

45- أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن إبراهيم بن سلفة، أبو طاهر السلفي [2]:

من أهل أصبهان، محدّث وقته و شيخ زمانه. سمع بأصبهان الرئيس أبا عبد اللّه القاسم بن الفضل الثقفي و أبا الحسن مكي بن منصور الكرجي و أبا نصر عبد الرحمن‏

____________

[1] انظر: العبر 3/ 350. و تذكرة الحفاظ 4/ 1232.

[2] انظر: وفيات الأعيان 1/ 87- 90.

47

ابن محمد بن يوسف النضري و أبا العباس أحمد بن أشتة. و سافر إلى بغداد في شبابه و سمع بها أبا الخطاب نصر بن البطر القاري و أبا عبد اللّه الحسين بن علي بن البسري و أبا المعالي ثابت بن بندار، سافر إلى الحجاز [1]، و سمع بمكة و المدينة و الكوفة و واسط و البصرة و همذان و زنجان، و مضى إلى الشام، و دخل دمشق و سمع بها كثيرا، ثم إنه دخل ديار مصر و أحيا بها الحديث، و كان حافظا ثقة حجة نبيلا، ختم هذا العلم، و كانت الرحلة إليه من الأقطار، و عمّر حتى ألحق الصغار بالكبار.

و حدّث ببغداد و هو شاب، و سمع منه الحفاظ و الأكابر.

أنشدني عبد الرحيم بن يوسف الدمشقي بالقاهرة من ديار مصر، قال: أنشدنا أبو طاهر أحمد بن محمد السلفي لنفسه:

إذا بنى فرط تجافيه‏* * * و عذل عذالي معا فيه‏

دعوا ملامي و انظروا ظرفه‏* * * في طرفه و الدر في فيه‏

و لاحظوا الحسن بألبابكم‏* * * كي تعذروا قلب مصافيه‏

ثم اعذلوني بعد أن كان‏* * * ما أصابني العقل ينافيه‏

أنشدني أبو القاسم الصوفي بديار مصر، قال: أنشدنا السلفي لنفسه:

لم تذق عيني مذ أبصرته‏* * * من شقائي طول ليل و سنا

و لها في ذاك عذر واضح‏* * * فهو كالبدر سناء و سنا

أخبرني عبد القادر بن عبد اللّه الرهاوي الحافظ، فيما سألني به و أذن لي في روايته عنه بحرّان قال: شيخنا الحافظ الإمام أبو طاهر السلفي الأصبهاني سمع الحديث بأصبهان من سنة ثمان و ثمانين و أربعمائة إلى سنة ثلاث و تسعين، و حج و رجع إلى بغداد فأقام بها إلى سنة خمسمائة، فقرأ الحديث و الفقه و النحو و اللغة، سمع بقراءته الأئمة كالحافظ يحيى بن مندة و المؤتمن الساجي و محمد بن منصور السمعاني و أبي نصر الأصبهاني و غيرهم.

سمعته يقول: كنت بالكوفة مريضا، فكان يجعل لي مخادا أستند إليها و أكتب الحديث؛ ثم خرج من بغداد سنة خمسمائة إلى واسط و البصرة و دخل نهاوند و مضى إلى همذان و قزوين و زنجان و ساوة، و مضى إلى الري، ثم مضى إلى الدربند، و هو آخر

____________

[1] في الأصل: «سمع في الحجاز».

48

بلاد الإسلام، ثم صعد إلى دمشق و دخل ديار [1] مصر- كل هذه البلاد يكتب بها الحديث في إحدى عشرة سنة- فلما وصل إلى الإسكندرية رآه كبراؤها و فضلاؤها، فاستحسنوا علمه و أخلاقه و آدابه، فأكرموه، ثم بعث إلى أصبهان فجاء يكتبه إليه.

و سمعته يقول: كنت أسمع الحديث بالحريم، فسمعت ليلة ثم جئت إلى مسجد، فوضعت الكيس الذي فيه الأجزاء تحت رأسي، فوقع عليّ شي‏ء ثقيل يشبه الكابوس، فجعل يكبسني حتى ضاق نفسي، و قال: أ تدري أيش صنعت؟ تضع أحاديث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) تحت رأسك؟ قال: فقمت فنحيت الكيس، و وضعت تحت رأسي آجرة، و جعلت الكيس في حضني و نمت، و بلغني أنه في هذه المدة التي كان بالإسكندرية- و هي ستون سنة- ما خرج إلى بستان و لا فرجة غير مرة واحدة، بل كان عامة دهره لازما بيته و مدرسته، و ما كان ندخل عليه إلا نراه مطالعا في شي‏ء، و كان حليما متحملا لجفاء الغرباء.

سمعت أبا علي الأوقي بالقدس يقول: سمعت شيخنا أبا طاهر السلفي يقول: لي ستون سنة بالإسكندرية: ما رأيت منارتها إلا من هذه الطاقة- و أشار إلى طاقة في غرفة، و كان يجلس فيها.

قال الحافظ أبو الحسن علي بن المفضل المقدسي: مولده- شيخنا السلفي الحافظ- بعد السبعين و الأربعمائة، و وفاته في ليلة الجمعة الخامس من شهر ربيع الآخر سنة ست و سبعين و خمسمائة. و حدّث قبل بلوغ العشرين، و كان قدومه الإسكندرية في سنة إحدى عشرة و خمسمائة، و لم يزل مقصودا للسماع منه و الرواية عنه أكثر من ستين سنة، و كتب بخطه شيئا كثيرا، و كان أكثر أصوله بخطه.

سمعته يقول: متى لم يكن أصلي بخطي، لم أفرح به. و كان جيد الضبط، حسن الخط، كثير البحث عما يشكل عليه إلى أن يجرده على ما يصح لديه، رحمة اللّه عليه.

46- أحمد بن محمد بن إسماعيل النحاس، أبو جعفر النحوي [2]:

من أهل مصر، سمع بمصر جماعة منهم أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي و أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي و بكر بن سهل الدمياطي، و سمع‏

____________

[1] في الأصل: «دريا».

[2] انظر: وفيات الأعيان 1/ 29. و معجم الأدباء 4/ 224- 230.

49

بالرملة من عبيد اللّه بن إبراهيم البغدادي؛ و رحل إلى بغداد، سمع بها أبا بكر جعفر ابن محمد الفريابي و عمر بن إسماعيل بن أبي غيلان، و إبراهيم بن محمد بن عرفة نفطويه و أبا العباس محمد بن يزيد المبرد و غيرهم، و سمع بالكوفة محمد بن الحسن بن سماعة و قرأ كتاب سيبويه على الزجاج ببغداد.

ثم إنه عاد إلى مصر، و اشتغل بالتصنيف. فصنّف أكثر من خمسين مصنفا، منها:

«إعراب القرآن» و «الكافي في علم العربية»، و «معاني القرآن»، و «شرح المعلقات».

ذكر أبو عبد اللّه الزبيدي المغربي في كتابه «أخبار أهل الأدب» أن أبا جعفر النحاس لم يكن له مشاهدة، فإذا خلا بقلمه جوّد و أحسن، و كان لا ينكر أن يسأل أهل النظر و الفقه، و يناقشهم [1] عما أشكل عليه في تصانيفه.

قال: و كان لئيم النفس، شديد التقتير على نفسه. و حدث بمصنفاته توفي في ذي الحجة سنة ثمان و ثلاثين و ثلاثمائة، (رحمه اللّه تعالى).

47- أحمد بن محمد بن الحسين بن علي الشيرازي الحاجي، أبو بكر بن أبي عبد اللّه الأرجاني [2]:

قاضي تستر. كان أحد أفاضل الزمان، لطيف العبارة، مليح النثر، رشيق النظم، دقيق المعاني، كامل الأوصاف. ورد بغداد مرات و مدح بها المستنجد باللّه، و روى بها شيئا من الحديث و من شعره. سمع بأصبهان أبا بكر محمد بن أحمد بن ماجة، و بكرمان من الشريف أبي يعلى بن الهبارية، و روي عن والده بالإجازة، سمع منه ابن الخشاب.

و من شعره:

و مقسومة العينين من دهش النوى‏* * * و قد راعها بالعيس [3] رجع حداء

تجيب بإحدى مقلتيها تحيتي‏* * * و أخرى تراعي أعين الرقباء

رأت حولها الواشين طافوا فغيضت‏* * * لهم دمعها و استقصمت بحياء

فلما بكت عيني غداة وداعهم‏* * * و قد روعتني فرقة القرناء

____________

[1] في الأصل: «مفاتشتهم».

[2] انظر: طبقات الشافعية للأسنوي 1/ 110. و طبقات الشافعية للسبكي 4/ 51. و مرآة الجنان 3/ 281. و المنتظم 18/ 72- 74.

[3] في الأصل: «المعيش».

50

بدت في محياها خيالات أدمعي‏* * * فغاروا و ظنوا أن بكت لبكائي‏

و له:

و لما [1] بلوت الناس أطلب منهم‏* * * أخا ثقة عند اعتراض الشدائد

تطمعت في حالي رخاء و شدة* * * و ناديت في الأحياء هل من مساعد

فلم أر فيما ساءني غير شامت‏* * * و لم أر فيما سرني غير حاسد

و له:

حيث انتهيت من الهجران [لي‏] [2] فقف‏* * * و من وراء [3] دمي بيض الطبى فخف‏

يا عابثا [4] بعدات الوصل يخلفها* * * حتى إذا جاء ميعاد الفراق يفي‏

اعدل كفاتن قد منك معتدل‏* * * و اعطف كمائل غصن منك منعطف‏

و يا عذولي و من يصغى إلى عذلي‏* * * إذا رنا أحور العينين ذو هيف‏

تلوم قلبي أن أصماه ناظره‏* * * فيم اعتراضك بين السهم و الهدف‏

سلوا عقائل هذا الحي أي دم‏* * * للاعين النجل عند الأعين الذرف‏

يستوصفون لساني عن محبتهم‏* * * و أنت تصدق يا دمعي لهم فصف‏

ليست دموعي لنار الشوق مطفئة* * * و كيف و الماء بارد و الحريف خفي‏

لم أنس يوم رحيل الحي موقفنا* * * و العيس تطلع [5] أولاها على شرف‏

و العين من لفتة الغيران ما حظيت [6]* * * و الدمع من رقبة الواشين لم يكف‏

و في الحدوج الغوادي كل آنسة* * * إن ينكشف سجفها للشمس تنكسف‏

تبين عن معصم [7] بالوهم ملتزم‏* * * منها و عن مبسم باللحظ مرتشف‏

في ذمة اللّه ذاك الركب أنهم‏* * * ساروا و فيهم حياة المغرم الدنف‏

فإن أعش بعدهم فردا فيا عجبي‏* * * و إن أمت هكذا وجدا فيا أسفي‏

قل للذين رمت بي عن ديارهم‏* * * أيدي الخطوب إلى هذا الهوى انقذف‏

____________

[1] في الأصل: «و لو بلوت».

[2] ما بين المعقوفتين زيادة من الديوان.

[3] في الأصل: «ولاء».

[4] في الأصل: «غانيا».

[5] في الأصل: «مطلع».

[6] في الأصل: «ما خطبت».

[7] في الأصل: «مفصهم».

51

إن أبق أرجع إلى العهد القديم و إن‏* * * ألق الوزير من الأيام أنتصف‏

و له:

أهواكم و خيالكم يهواني‏* * * فلقد شجاه فراقكم و شجاني‏

أضحى أخا سفر فما ألقاكم‏* * * و أبيت ذا سهر فما يلقاني‏

توفي بتستر سنة أربع و أربعين و خمسمائة، و مولده في حدود سنة ستين و أربعمائة.

آخر الجزء الثاني من المستفاد من ذيل تاريخ بغداد

52

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}