تاريخ بغداد - ج22

- الخطيب البغدادي المزيد...
148 /
3

الجزء الثاني و العشرون‏

كتاب الرّد على أبي بكر الخطيب البغدادي‏

تأليف الإمام الحافظ محبّ الدّين أبي عبد اللّه محمّد بن محمود ابن الحسن بن هبة اللّه بن محاسن المعروف بابن النجّار البغدادي المتوفى سنة 643 ه دراسة و تحقيق مصطفى عبد القادر عطا الجزء الثاني و العشرون دار الكتب العلمية بيروت- لبنان‏

4

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

5

(بسم اللّه الرّحمن الرّحيم)

[المدخل‏]

قال الخطيب أبو بكر أحمد بن على بن ثابت البغدادي، صاحب التاريخ في تاريخه: أخبرنا العتيقى أنبأنا محمد بن العباس أنبأنا أبو أيوب سليمان بن إسحاق الجلاب قال: سمعت إبراهيم الحربي يقول: كان أبو حنيفة طلب النحو في أول أمره فذهب يقيس فلم يجي‏ء، و أراد أن يكون فيه أستاذا قال: قلب و قلوب. و كلب و كلوب. فقيل له كلب و كلاب و وقع في الفقه، فكان يقيس و لم يكن له علم بالنحو؟ فسأله رجل بمكة. فقال له: رجل شجّ رجلا بحجر. فقال: هذا خطأ ليس عليه شي‏ء لو أنه حتى يرميه بأبا قبيس لم يكن عليه شي‏ء.

فأقول و باللّه التوفيق.

هذا من يكون عالما بالعربية. لأن الشرع مردود إلى ما ورد عن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم). و العربية مردودة إلى العرب. فما جاء عنهم أخذنا به. فإن كان كثيرا جوزناه و إن كان قليلا جدا. قال سيبويه في مثل هذا: سمعنا من العرب من يقول ذاك، فإن كان قد سمعه من فصيح أو موثوق به نبه عليه. فقال سمعناه ممن يوثق بعربيته، و قوله: بأبا قبيس. قد جاء مثله للعرب و هو قولهم:

إن أباها و أبا أباها* * * قد بلغا في المجد غايتاها

فهذا منقول عن العرب. و قد قرئ في قوله تعالى: إِنْ هذانِ لَساحِرانِ‏ [طه 63] و لم يقرأ إن هذين غير أبى عمرو. فكان بعض العرب يجعل التثنية مبنية على هذا الوجه. أ لا ترى إلى اسم إن لم يتغير بدخول إنّ عليه معما أنهم لم يدخلوا في كلامهم إن إلا للتأكيد. و الحروف الستة عند بعض العرب مبنية إذا كانت مضافة تقول: رأيت أباك، و مررت بأباك. و قد جاء في قول الشاعر:

إذا ابن أبى موسى بلالا بلغته‏* * * و قام بفأس بين وصلاك جازر

و أكثر الرواية فيها على الوجه الأصلى و هو: بين وصليك. قال سيبويه: و اعلم‏

6

أنهم لا يغيرون كلامهم إلا و هم يحاولون بذلك وجها لعلمه بأن إن مؤكدة لما كانت داخلة على مبتدإ و خبر و فيه معنى لا يحتاج إلى دخولها أ لا ترى إلى قولهم زيد منطق أنه كلام تام مبتدأ و خبره. و إنما أدخلوا إن لتؤكد هذا المعنى الذي في المبتدأ و الخبر من غير إخلال. و لما كانت إن جامدة جمود الاسم كان عملها فيه- أعنى النصب- بخلاف كان. لأنها منصرفة تقول: كأن يكون كونا فلما دخلت على الماضي و المستقبل و الحال أشبهت الأفعال. فكان عملها فيها تقول: كان زيد منطلقا. ترفع الاسم و تنصب الخبر بخلاف إن. فإذا كانت إن مزادة للتأكيد لم تغير إن عن عملها في التثنية. كيف تغيرها الباء الزائدة مع أنها تحذف و لا تعمل. و كونها زائدة يكفى فيما ذكرت.

و أما كلام أبى حنيفة رضى اللّه عنه في العربية غير مخفي و هو ما حكى عنه محمد ابن الحسن رضى اللّه عنه و سأذكر بعض ذلك لتقف عليه إن شاء اللّه تعالى.

[باب ما جاء من المسائل الفقهية]

مسألة

رجل قال لامرأته: أنت طالق إن دخلت الدار. لا تطلق حتى تدخل الدار و لو فتح «أن» طلقت للوقت. و الفرق بينهما أنه إذا كسر إن كانت للشرط و إذا فتحها كانت بتقدير اللام. فكأنه قال لدخولك الدار. فلم يصر هذا الكلام من صفة الطلاق و لا من الشرط. فصار كأنه قال مبتدأ: أنت طالق. فطلقت في الوقت. قال سيبويه في باب من أبواب أن التي تكون و الفعل بمنزلة مصدر تقول: أن تأتنى خير لك كأنك قلت الإتيان خير لك. و مثل ذلك قوله تعالى: وَ أَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ‏ [البقرة 184] يعنى الصوم خير لكم. قال عبد الرحمن بن حسان:

إنى رأيت من المكارم حسبكم‏* * * أن تلبسوا خز الثياب و تشبعوا

كأنه قال: رأيت حسبكم لبث الثياب.

و اعلم أن اللام و نحوها من حروف الجر قد تحذف من أن، كما حذفت من إن، جعلوها بمنزلة المصدر حين قلت فعلت ذاك حذر الشر، أى لحذر الشر.

و يكون مجرورا على التفسير الآخر. يعنى حين قدرها باللام التي تجر. و مثل ذلك قولك: إنما انقطع إليك أن تكرمه أى لأن تكرمه قال اللّه تعالى:

7

أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ [البقرة 282] أى لأن تضل: و قال: أَنْ كانَ ذا مالٍ وَ بَنِينَ‏ [القلم 14] أى لأن كان ذا مال. قال الأعشى:

أ أن رأت رجلا أعشى أضربه‏* * * ريب المنون و دهر تابل خبل‏

فإن المخففة هنا حالها في حذف حرف الجر كحال إنّ المثقلة. و تفسيرها كتفسيرها و هي و تفسيرها بمنزلة المصدر. أ لا ترى أنك لو قلت: لم يك و لم أبل. لم يتغير عملها بالحذف لأن أصل أك أكن حذفت النون لكثرة الاستعمال. و كذلك أبل أصلها أبالى فلما حذف منها ما حذف لم يتغير عملها كذلك أن لما خففت نفى عملها إلا ان الفرق بين المكسورة و المفتوحة ما ذكرت.

مسألة

رجل قال لامرأته:- و هي غير مدخول بها- إن كلمتك فأنت طالق إن كلمتك فأنت طالق. إن كلمتك فأنت طالق. طلقت واحدة لأنه في المرة الأولى حلف بطلاقها أن لا يكلمها فإذا قال لها في المرة الثانية: إن كلمتك فأنت طالق وجد شرط انحلال اليمين الأولى، و وقعت تطليقة يعنى أنه إذا قال إن كلمتك فقد جاء بالشرط و الجزاء و الشرط و الجزاء كلام تام. لأنه مثل المبتدإ و الخبر. ففيه فائدة تامة. فإذا كان كذلك صار كلام تاما فوقع به الطلاق و إن كان قد أوجب شرطا آخر فلما قال في المرة الثالثة وجد منه الكلام و لم يصادف الشرط ما يمكن أن يكون جزاء فلغا أ لا ترى إلى قوله: إن كلمتك فأنت طالق يقتضى كلام تاما مفهما للمعنى و إنما يتم بقوله فأنت طالق فوجب أن لا يحنث في الأولى إلا بعد الفراغ من الثانية و لما فرغ من الثانية كانت في ملكه، فصح إدخالها في الجزاء فانعقدت اليمين الثانية فإذا قال في المرة الثالثة حنث في اليمين الثانية لكن لم تصادف الملك فلغا فلا تنعقد اليمين الثالثة لأنها كانت خارجة عن ملكه فإن تزوجها بعد ذلك و كلها لا يحنث، لأن اليمين الثالثة لم تنعقد و لو كانت المرأة مدخولا بها تقع تطبيقات لأن الأولى انحلت بالثانية و الثالثة و بقيت الثالثة منعقدة فإذا كلمها و هي في العدة تقع أخرى لوجود الشرط في علقة الملك. و لو قال لامرأته- و لم يدخل بها-: أن حلفت بطلاقك فأنت طالق، قالها ثلاث مرات وقعت تطبيقه واحدة، لأنه في المرة الأولى حلف بطلاقها أن لا يحلف بطلاقها فإذا قال لها في المرة الثانية: أن حلفت بطلاقك فأنت طالق فقد

8

حلف بطلاقها و وجد الشرط، فانحلت اليمين الأولى و طلقت واحدة، و اليمين الثانية منعقدة لأنه إنما حنث في اليمين الأولى بعد الفراغ من اليمين الثانية لأن اليمين إنما تصح بالجزاء و حينما تكلم بالجزاء كانت في ملكه فلما كررها في المرة الثالثة لم تنحل اليمين الثانية، لأن المرأة بانت بلا عدة، فلم يصح في المرة الثالثة إدخالها تحت الجزاء فوجد شرط حنثه و هو الحلف بطلاقها، بخلاف المسألة الأولى ففرق بين قوله:

إن كلمتك و إن حلفت بطلاقك، لأن شرط الحنث هناك هو الكلام، و الكلام يصح إن كانت المرأة في ملكه أو لم تكن و اليمين بالطلاق لا يصح إلا في ملك، أو في علقة من علائق الملك، أو في مضاف إلى الملك.

الأصل في مسائل الأيمان‏

إن اليمين على ضربين: يمين يراد بها تعظيم المقسم به و هو الحلف باللّه تعالى و يمين هي شرط و جزاء. قال سيبويه: اليمين جملة يؤكد بها الكلام.

قوله جملة، يعنى من فعل و فاعل، أو من مبتدأ و خبر، أو شرط و جزاء: أما المبتدأ و الخبر قولك: و اللّه لا كلمت زيدا، و الجملة التي من فعل و فاعل: و اللّه خالق السموات لا كلمت زيدا، و الشرط و الجزاء كقولك: إن دخلت الدار فو اللّه لا كلمتك و هنا لا يصح إلا في الملك أو مضافا إلى الملك أو في علقة من علائق الملك، و أما الشرط فيصح في الملك و غيره. و المحلوف عليه من دخل تحت الجزاء لا من دخل تحت الشرط لأن الجزاء قوله أنت كذا و كان هو الداخل تحت اليمين و إنما لا يحتاج الشرط أن يكون في الملك لأن ذكر الشرط ليس بتصرف في الملك و الجزاء إنما يجازى بما في ملكه فلذلك سمى جزاء لأن المجازاة هي أن يكون منك فعل قبالة فعل غيرك أو فعل غيرك قبالة فعلك إن خيرا فخير و إن شرا فشر قال اللّه تعالى: وَ جَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها و قال الشاعر:

جزى اللّه عنا ذات بعل تصدقت‏* * * على عزب حتى يكون له أهل‏

فإنا سنجزيها كما فعلت بنا* * * إذا ما تزوجنا و ليس لها بعل‏

أ لا ترى إلى قوله: نجزيها كما فعلت و جزى اللّه و المعلق بالشرط لا ينزل إلا عند وجوده و النكرة في النفي تعم. تقول: ما رأيت اليوم رجلا تقديره ما رأيت اليوم‏

9

أحدا من الرجال، و في الإثبات تخص، لأنك لو قلت رأيت اليوم رجلا اقتضى كلامك رؤية رجل واحد.

مسألة

و قال: رجل قال لامرأته- و لم يدخل بها- إن حلفت بطلاقك فأنت طالق قالها ثلاث مرات وقعت تطليقة واحدة. لأن في المرة الأولى حلف بطلاقها أن لا يحلف بطلاقها فإذا قال لها في المرة الثانية: إن حلفت بطلاقك فأنت طالق فقد حلف بطلاقها و وجد الشرط فانحلت اليمين الأولى و طلقت واحدة، و اليمين الثانية منعقدة لأنه إنما حنث في اليمين الأولى بعد الفراغ من الثانية، لأن اليمين إنما تصح بالجزاء، و حينما تكلم بالجزاء كانت في ملكه، فلما كررها في المرة الثالثة لم تنحل اليمين الثانية: لأن المرأة بانت بلا عدة، فلم يصح في المرة الثالثة إدخالها تحت الجزاء، فوجد شرط حنثه. و هو الحلف بطلاقها، بخلاف المسألة الأولى، لأنه لم تنحل اليمين الثانية، لأن شرط الحنث هناك هو الكلام. و الكلام يصح و إن لم تكن امرأته و هاهنا شرط الحنث الحلف بطلاقها و ذلك لا يصح إلا في الملك. ثم إذا تزوجها و قال لها إن دخلت الدار فأنت طالق طلقت باليمين الثانية لوجود الشرط، و هو الحلف بطلاقها و إن لم يتزوجها و لكن قال لها إن تزوجتك و دخلت الدار فأنت طالق، حنث في اليمين الثالثة أيضا لأنه أضافها إلى الملك فصحت اليمين و انحلت اليمين الثانية و وقع الطلاق، إلا أنه لم يصادف الملك فلغا. و اليمين التي أضافها إلى الملك صحيحة، فلو تزوجها و دخلت الدار و طلقت باليمين الثالثة و لو كانت مدخولا بها يقع تطليقان لأن اليمين الأولى انحلت بالثانية و الثانية انحلت بالثالثة لأنها وجدت في علقة من علائق الملك و هي العدة و بقيت الثالثة منعقدة. فإذا قال لها و هي في العدة: إذا دخلت الدار فأنت طالقا انحلت الثالثة أيضا و وقع عليها أخرى.

مسألة

و قال رجل: قال امرأته طالق إن تزوج النساء أو اشترى العبيد، أو كلم الناس.

فتزوج امرأة واحدة، أو اشترى عبدا واحدا، أو كلم رجلا واحدا حنث لأن الألف و اللام إنما يدخلان على السابق المعهود. كقوله تعالى: كَما أَرْسَلْنا إِلى‏ فِرْعَوْنَ‏

10

رَسُولًا فَعَصى‏ فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ‏ أ لا ترى أنه ذلك الرسول الأول. و إنما لما كان تقدم أمره و جرى ذكره ثانيا وقعت الدلالة أن الألف و اللام تكون للسابق المعهود، أو للجنس و الجنس يقتضى الواحد فصاعدا. قال اللّه تعالى: وَ السَّارِقُ وَ السَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما و ذلك أنه لم يرد سارقا بعينه فكأنه قال: اقطعوا هذا الجنس و الأصل فيما ذكرت أن اسم الجنس لا يقتضى عددا محصورا بل الواحد فصاعدا و اسم الجمع يقتضى عددا محصورا. كما قال في رجل قال: امرأته طالق أن تزوج نساء أو اشترى عبيدا. فإن لم يتزوج ثلاثا أو يشترى ثلاثا لا تطلق لأنه أخرج الكلام مخرج الجمع. أو قل الجمع الصحيح ثلاثة. و ذلك أن العرب فرقت بين الواحد و الاثنتين و الثلاثة. فالواحد جاء عددا و صفة. أما الواحد العدد كما تقول واحد اثنان.

و أما الصفة فكما تقول جاء زيد وحده. و أما الاثنان فعدد له صيغة يتميز بها عن الآحاد و المجموع. فإذا أرادوا أن يصفوهما قالوا جاء الرجلان كلاهما قال الشاعر:

يا رب حىّ الزائرين كليهما* * * و حىّ دليلا بالفلاة هداهما

أ لا ترى أنه لما وصف الزائرين و هما مفعولان قال كليهما فنصب كما نصب الزائرين، و أما فجعلوهم صيغة واحدة لأن أكثر العدد لا يتناهى. فلو جاءوا يعلمون لكل عدد صيغة لطال عليهم، فوحدوا و ثنوا و جمعوا. أما التوحيد فكما علمت للفرد. و أما التثنية فلأنه أضاف واحدا إلى واحد و كذلك الجمع. فإنه أضاف واحدا إلى واحد و أما من قال أن التثنية جمع فهو على ما ذكرت من أنه جمع واحد. فهو على الحقيقة جمع بالنسبة إلى الفرد. و على هذا جاء قوله تعالى: فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ‏ و إجماع الناس على أنه إذا كان له أخوان كان لأمه السدس. و قد جاءت التثنية بلفظ الجمع و ليس ذلك إلا نظرا للجمع على الحقيقة إذ كان ذلك جمع واحد إلى واحد فعلى هذا ساغ أن تكون التثنية جمعا. قال اللّه تعالى: هَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ إِذْ دَخَلُوا عَلى‏ داوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قالُوا لا تَخَفْ خَصْمانِ بَغى‏ بَعْضُنا عَلى‏ بَعْضٍ‏ قال اللّه تعالى تسوروا و دخلوا، و هذا لا يكون إلا على الجمع لأنه بين بعد ذلك و قال خصمان قال الخليل: فهذا على إن الاثنين عندهم جمع أيضا و صار بمنزلة قول الاثنين نحن فعلنا. قال الشاعر:

ظهراها مثل ظهور الترسين‏

11

و إلا فصيغة كل جزء مما ذكرت مختصة على حدة. و أكثر الجمع عندهم تسعة و أقلهم ثلاثة، لأنه بعد التسعة يكرر لفظ الآحاد و الجموع. فلو قال قائل إنكم إنما تجعلون الربع يقوم مقام الكل فلم جعلتم هنا الثلاث أعنى صيغة لفظ الجمع قلنا: إن ربع التسعة اثنان و ربع و لما كانت الأعداد من شأنها الصحة لا الكسور و كان الرابع داخلا في الجزء و الثلث غير منفصل عنه و ليس فصله ممكن، ساغ أن يكون صيغة لفظ الجمع منطلقة على الثلاث إذا لا يمكن أقل من ذلك قال اللّه تعالى: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ‏ و هي شهران و عشرة أيام فلما دخل بعض الثالث في الكلام اقتضى النطق به بلفظ الجمع.

مسألة

رجل قال: و اللّه لا أشرب من الفرات. إن شرب كرعا حنث، و إن شرب بآناء لم يحنث و ذلك أنه إذا قال من فمن هنا لابتداء الغاية و لا يكون للتبعيض فلو أنها للتبعيض كان لا يحنث أبدا لأن الفرات اسم للأرض و ليست باسم للماء فلو كان الفرات اسم الماء لكان المسمى ذهب و ما أتى لم يسم و أنت إذا قلت أتيت الفرات لم ترد أنك أتيت الماء و لكنك تريد أنك أتيت البلاد التي على النهر فالنهر اسمه الفرات لا الماء فكأنك قلت و اللّه لا أشرب من هذا الكوز و لو قلت هكذا لكانت يمينك على الشرب من الكوز لا على ما في الكوز فلو صب ما في الكوز في كوز آخر و شرب منه لم يحنث و النهر كما علمت اسم للحفرة المستطيلة كما قيل سيف منهر لم يرد أن الماء يجرى فيه و لكنه أراد المفقر و منه سمى سيف النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) ذا الفقار و لو كان قال لا أشرب من ماء الفرات فإن شرب منه أو من إناء نقل من الفرات أو شرب بكفه حنث لأنه أضاف الماء إلى نهر مخصص لأنه لو كان اسما للماء لم يجز إضافته إليه كما تقول ماء الفرات فلو كان الماء اسمه الفرات لما قلت هذا ماء الفرات و إنما كنت تقول الفرات لأن الشي‏ء عندهم لا يضاف إلى نفسه كما لا تقول هذا غلام غلام و لكنك تقول هذا غلام زيد فيضيف الغلام إلى زيد كأنه قال لا أشرب من هذه الماء الذي في هذا الكوز فسواء شرب منه أو من إناء آخر نقل إليه منه حنث و لو قال لا أشرب من هذا البئر يحنث إذا شرب بإناء. الفرق بينهما أن البئر غير مقدور على الشرب منها على الحقيقة فصار كأنه حلف مجازا كما لو قال: و اللّه لا آكل من هذه الشاة فاليمين على لحمها لأنه يقدر على أكلها حقيقة و لو قال لا آكل‏

12

من هذه النخلة، فاليمين على ثمرتها لأنه لم يقدر على أكل عينها حقيقة، فحمل على المجاز فكذلك الفرق بين الفرات و البئر.

و اعلم أن العرب إذا وجدت الحقيقة في كلامهما لا يعدلون عنه و إذا لم يجدوا الحقيقة حملوا كلامهم على المجاز المتعارف فإذا لم يجدوا حملوا على المجاز فأما الحقيقة إذا قال رجل هذا أسد لا يشكون أنه رأى عرباضا و لو قال زيد الأسد حمل على المجاز إذ كان الحمل على الحقيقة متعذرا قال اللّه تعالى: وَ أَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ‏ فلم يرد أنهن أمهاتنا لكنه حمله على المجاز فلما جاء إلى الحقيقة قال: إِنْ أُمَّهاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَ إِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَ زُوراً و أما المجاز المتعارف فقوله تعالى: أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ* فإن أحدنا لو جاء الغائط ألف مرة لا ينتقض وضوءه و إنما جعل الغائط كناية عن الحدث و إن كان الحدث أيضا مجازا إلا أننى استقبحت أن أذكر الحقيقة إذ لم أجد له في العربية اسما حقيقيا إلا اسما واحدا و أما المجاز غير المتعارف فقولهم الوطء يكون على الوطء بالقدم على الحقيقة و كناية عن الجماع قال اللّه تعالى: وَ أَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَ دِيارَهُمْ وَ أَمْوالَهُمْ وَ أَرْضاً لَمْ تَطَؤُها و المراد منه الجماع لأنه لما قال أرضهم و ديارهم كفى في البلاد و أرضا لم تطؤها يعنى النساء.

مسألة

رجل قال: أن خرج فلان من هذه الدار حتى آذن له فعبدي حر. فأذن له مرة ثم خرج بغير أمره لا يحنث لأن حتى تكون للغاية فإذا قال حتى آذن له فكأنه قال غاية ذاك إذني له قال اللّه تعالى: فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي‏ فلو كان أبوه أذن له مرة لم يحتج إلى إذن ثان. و لو كان قال إلا بإذنى احتاج إلى الإذن في كل مرة. أ لا ترى إلى قوله تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ‏ فيحتاج إلى الاستئذان في كل مرة.

و الفرق بينهما أن المسألة الأولى جعل لها غاية بقوله حتى. فإذا انتهت غايتها سقطت كأنه قال لا أكلمك حتى يدخل رمضان فإذا دخل رمضان جاز له الكلام من غير حنث لأنه جعل رمضان غاية ليمينه. و أما الإذن فقال تعالى: آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ* أى قبل إذنى لكم. فهذا محتاج إلى الإذن كل مرة، كأنه قال: إلا

13

و قد بين أبو حنيفة رضى اللّه عنه حكم الحرف الوعائى ما لم يبينه أحد. و ذلك في قوله رجل قال لآخر: إن شتمتك في المسجد فعبدي حر و قال إن ضربتك في المسجد فعبدي حر. فأما الشتيمة و نحوها مما يجرى من أحدهما فجعله كون الفاعل في المسجد. و أما ما لم يعم الفاعل بنفسه جعل الفعل أن يقع على المفعول فقال إن شتمتك في المسجد. و أما ما لم يعم الفاعل بنفسه جعل الفعل أن يقع على المفعول فقال إن شتمتك في المسجد يحتاج إلى أن يكون الشاتم في المسجد إلا ترى أن الرائي لو رأى رجلا يشتم رجلا أو يكفر، و يقول: لا تشتم في المسجد أو لا تكفر في المسجد و أما الذي لم يقم بالفعل وحده فلا يحنث ما لم يكن المفعول في المسجد. أ لا ترى أن رجلا لو رأى رجلا يذبح شاة و الذابح بالمسجد و الشاة خارج المسجد يقول لا تذبح عند باب المسجد و لو كانت الشاة بالمسجد و الذابح خارج المسجد يقول لا تذبح في المسجد و كذلك لو قال إن قتلتك يوم الجمعة فضربه في غير يوم الجمعة لكنه مات يوم الجمعة حنث، و لو ضربه يوم الجمعة فمات في غير يوم الجمعة لا يحنث، لأن القتل لا يكون إلا بزهوق الروح. و قيل زهوق الروح لا يكون قاتلا. و إنما يكون ضاربا.

مسألة

رجل قال: كل امرأة أتزوجها فهي طالق، إن كلمت فلانا. فتزوج امرأة قبل الكلام و امرأة بعد الكلام. فالتي تزوجها قبل الكلام طلقت و لا تطلق التي تزوجها بعد الكلام. لأنه أوجب الكلام من ساعته و جعل كلام فلان غاية ليمينه و اليمين إذا انتهت غايتها سقطت فيكون كلام فلان غاية ليمينه و صار شرطا لانحلال اليمين و لم يكن شرطا لانعقاده لأنه أخر الشرط فصار شرطا لانحلال اليمين فدخلت المزوجة قبل الشرط تحت اليمين، و أما إذا قدم الشرط فقال إن كلمت فلانا فكل امرأة أتزوجها فهي طالق فتزوج امرأة بعد الكلام و امرأة قبل الكلام فالتي تزوجها قبل الكلام لا تطلق، لأنه تزوجها قبل اليمين، و التي تزوجها بعد الكلام تطلق لأنه تزوجها بعد انعقاد اليمين. و هذا لأنه جعل كلام فلان شرط لانعقاد اليمين فصار كأنه قال عند كلام فلان كل امرأة أتزوجها فهي طالق، لأنه إذا علق الطلاق بالشرط يكون شرطا لانعقاد اليمين و الداخلة تحت اليمين المزوجة بعد الشرط و إن أخر الشرط يكون شرطا لانحلال اليمين و الداخلة تحت اليمين المزوجة قبل الشرط،

14

أما إذا وسط الشرط فقال: كل امرأة أتزوجها أن كلمت فلانا فهي طالق صار كما إذا قدم الشرط لأن كلمة هي لا تستبد بنفسها، فصار كما إذا قال كل امرأة أتزوجها إن كلمت فلانا فالمرأة التي أتزوجها إن كلمت فلانا فالمرأة التي أتزوجها طالق و لو قال إن كلمت فلانا كل امرأة أتزوجها طالق صار الشرط مقدما كذلك هاهنا. و أما إذا وقت و أخر الشرط فقال كل امرأة أتزوجها فهي طالق إلى ثلاثين سنة إن كلمت فلانا. فتزوج امرأة بعد الكلام و امرأة قبل الكلام طلقتا لأنا إنما جعلنا كلام فلان غاية ليمينه من طريق الدلالة. فإذا وقت صريحا خرجت الدلالة من أن تكون للغاية لأن الصريح أقوى منها. و لو قدم الشرط فقال: إن كلمت فلانا فكل امرأة أتزوجها إلى ثلاثين سنة فهي طالق. فالتي تزوج قبل الكلام لا تطلق، لأن الكلام صار شرطا، لانعقاد اليمين على ما ذكت و من تزوجها بعد الكلام تطلق. و لو وسط فهو كما لو قدم ثم إذا أخر الشرط يعتبر من وقت اليمين، لأنه أوجب اليمين من ساعته. و لو أخر الشرط يعتبر من وقت الكرم لأن اليمين انعقدت عند الكلام، و كذلك الجواب في الفصول كلها إذا جعل غاية ليمينه و شرطا لحنثه.

و حروف الشرط إن المكسورة الهمزة المخففة تقول إن تأتنى آتك «و من» يقول من يمرر أمرر به فقولك إن تذهب و ما أشبهه من الفعل الذي يلي إن شرط و الجزاء قولك اذهب. و جزاء الشرط ثلاثة أشياء: الفعل و قد ذكرته، و الآخر الفاء. في نحو إن تأتنى فأنت مكرم قال اللّه تعالى: فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْساً وَ لا رَهَقاً و إذا، تقول: إذا احمر البسر أعطيتك قال اللّه تعالى: وَ إِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ‏ فموضع الفاء و ما بعده جزم و كذلك موضع إذا و ما بعدها بدلالة أنه لو وقع موضع ذلك فعل لظهر الجزم. و على هذا قرأ بعض القراء مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ وَ يَذَرُهُمْ‏ فجزم يذرهم لحمله إياه على موضع فلا هادى له.

و قد تقع أسماء موضع إن و تلك الأسماء منها ما هو غير ظرف و منها ما هي ظرف. فما كان غير ظرف فنحونا و من، و أيهم، تقول من يكرم أكرم. و أيهم تعط أعط. و ما تركب أركب قال اللّه تعالى: ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها و قال تعالى: أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى‏ فعلامة الجزم في الفعل بعد أى حذف النون التي تثبت علامة للرفع في تفعلون قال اللّه تعالى: مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ‏

15

آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ‏ و الظروف التي تجازى بها متى، و أنى و أين. و أى حين، و حيثما و إذ ما، و لا يجازى بحيث، و لا بإذ. حتى يلزم كل واحدة منهما ما يقول متى، يأتنى آته، و متى ما تأتنى آتك. قال:

متى تأته تعشو إلى ضوء ناره‏* * * تجد خير نار عندها خير موقد

و أنى يقم أقم. و أين تذهب أذهب. و أى حين تركب أركب و هذه الأسماء التي جوزي بها إذا نصبت انتصبت بالفعل الذي هو شرط و لا يجوز: زيدا إن تضرب أضرب، لا يجوز أن تنصبه في قول البصريين بالشرط، و لا بالجزاء. فإن قلت: إن يضرب زيدا أضرب، كان زيد منتصبا بالفعل الذي هو شرط. فإن شغلت الشرط بالضمير قلت: إن زيدا تضربه اضرب عمرا كان زيد منتصبا بفعل مضمر، يفسره هذا الظاهر. كما أن قولك زيدا ضربته، كذلك و قد يحذف الشرط في مواضع، فلا يؤتى به لدلالة ما ذكر عليه و تلك المواضع: الأمر، و النهى، و الاستفهام، و التمني، و العرض. تقول: أكرمنى أكرمك، و التأويل أكرمنى فإنك إن تكرمني أكرمك. و النهى لا تفعل يكن خيرا لك. و الاستفهام أ لا تأتنى أحدثك؟ و أين بيتك أزرك؟ و التمني أ لا ماء باردا أشربه؟ و العرض إلا تنزل تصب خيرا؟ فمعنى ذلك كله إن تفعل أفعل فهو جميعه معنى الشرط و معنى الجزاء أفعل قال محمد في «الجامع الكبير»: أ لا ترى أنه إذا قال إذا جاء غد فكل امرأة أتزوجها فهي طالق فلا تطلق إلا التي تزوجها في الغد، و انما أراد ما أشكل بالأفعال فاعتبره بالأوقات لأنك إذا قدمت الشرط أو وسطته أو أخرته في الأوقات تبين لك في الأفعال. اجعل مجي‏ء الغد بمنزلة كلام فلان. و قد تبين لك ما ذكرت.

مسألة

إذا قال: كل امرأة أتزوجها فهي طالق كلما كلمت فلانا و تزوج امرأة و دخل بها ثم كلم فلانا، ثم تزوج أخرى فالتي تزوجها قبل الكلام تطلق و لا تطلق التي تزوجها بعد الكلام، لأنه جعل كلام فلان غاية ليمينه و شرطا لحنثه، فصار كأنه قال كل امرأة أتزوجها غدا فهي طالق كلما كلمت فلانا و لو قال هكذا لا يشكل لأنه لا يقع الطلاق إلا على التي تزوجها غدا، فذكر المسألة بكلما، و كلما كلمة تكرار بيانها

16

يجي‏ء بعد إن شاء اللّه. فصار حكم هذه المسألة و حكم المسائل المتقدمة على السواء، إلا أن هنا ذكرت شرط الحنث مكررا فإن كلم فلانا مرة أخرى طلقت أخرى إذا كانت في العدة، و لا تطلق الثانية لأنه جعل كلام فلان غاية ليمينه و الغاية لا تحتمل التكرار، و الشرط يحتمل التكرار. فإذا تزوج المرأة الأولى و كلم فلانا فقد انتهت اليمين غايتها و سقطت، لأن في حق الأولى صار الكلام شرطا للحنث و شرط الحنث يحتمل التكرار، و لو قدم الشرط فقال كلما كلمت فلانا فكل امرأة أتزوجها طالق، فتزوج امرأة قبل الكلام و امرأة بعد الكرم فالتي تزوجها قبل الكلام لا تطلق و تطلق التي تزوجها بعد الكلام، لأنه جعل كلام فلان شرطا لانعقاد اليمين فالتي تزوجها قبل الكلام تزوجها قبل انعقاد اليمين فلا يقع الطلاق عليها، فإن تزوج أخرى طلقت أيضا لأن كلمة كل تجمع الأسماء على الانفراد فكل امرأة يتزوجها بعد الكلام تطلق و لو لم يتزوج امرأة أخرى حتى كلم فلانا مرة أخرى لا يقطع الطلاق على المرأة الأولى لأنها بانت بالطلقة الأولى. و كذلك لو كانت في ملكه لا يقع الطلاق أيضا إذا كان التزوج قبل الكلام. و لو كلم فلانا ثم تزوج امرأة تقع تطليقتان، تطليقة بالكلام الأول و تطليقة بالكلام الثاني لأن يمينه انعقدت بحرف متكرر فانعقد في حقه يمينان.

و كذلك لو كلم فلانا ثلاث مرات ثم تزوج امرأة طلقت ثلاثا لأنه انعقدت عند كلام فلان أيمان ثلاثة، كأنه قال كل امرأة أتزوجها فهي طالق، و كذلك في الثانية و الثالثة، فإذا تزوجها حنث في الأيمان كلها.

قال في الكتاب: أ لا ترى أنه لو قال كلما ضربت فلانا ففلانة طالق إن تزوجتها، فضرب فلانا ثلاث مرات ثم تزوجها طلقت ثلاثا لأنه إذا تكرر الضرب تكرر الانعقاد. فإذا وجد الشرط نزلت كلها و انحلت الأيمان معا. و قال أ لا ترى أنه إذا قال لامرأته كلما دخلت الدار اليوم فأنت طالق غدا فدخلت الدار اليوم ثلاث مرات تطلق غدا ثلاثا. و قال أ لا ترى أنه لو قال كلما ضربت فلانا فامرأتى طالق إن دخلت الدار، فضرب فلانا ثلاث مرات ثم دخل الدار تطلق ثلاثا، و لو وسط الشرط صار كأنه قدم و قد ذكرت ذلك. و لو قال كل امرأة أتزوجها إن دخلت الدار فهي طالق فالجواب في دخول الدار بمنزلة الجواب في كلام فلان إن كان شرط الدخول متقدما يقع الطلاق على المزوجة بعد الدخول و لا يقع على المزوجة قبل الدخول لكنه لا يدخله التكرار، و الفرق بين كل و كلما أن كلا اسم مفرد يقع على الأفراد أبدا فإذا أضيف إلى الجمع أو قرن به اقتضى الجمع أيضا لكن على سبيل الإفراد لأنه مخصص‏

17

به قال اللّه تعالى: كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ‏ فهذا يقتضى الجمع لكن على سبيل الإفراد لأن من بمعنى الذي لكن لما كان اللفظ يقتضى العموم اقتضت ذلك لكن على أصلها و هي الإفراد، أ لا ترى إلى من أنها لا تكون للجمع، و أما ما وصف به الجمع قوله تعالى: وَ إِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ‏ فجميع و محضرون جموع، فلما قرنت بها كل اقتضتها لما فيها من الإبهام. قال سيبويه: هذا مال كل مال عندك فأضافه إلى النكرة، إلا ترى أنك تصف بها النكرة و ذلك أنك تصف ما بها بما تصف به النكرة و لا تصف بما تصف به المعرفة.

قال سيبويه: حدثنا الخليل عمن يوثق بعربيته من العرب ينشد هذا البيت:

و كل خليل غيرها ضم نفسه‏* * * لوصل خليل صارم أو معارز

فجعله صفة لكل و البيت للشماخ. فهذا يدل على الإفراد بقوله نفسه فأضاف كلا إلى الإفراد.

قال سيبويه: هذا كل مالك، و قال مررت برجلين مثلك أى كل رجل منهما مثلك، و أما كلما فهي من حروف الشرط و تدخل على الأفعال لأنك تقول كلما قام زيد قمت، فقولك قمت هو جواب لكلما و كل اسم لأنه يضاف و يضاف إليه تقوله كل رجل و صنعته، فتضيف كلا إلى رجل. قال اللّه تعالى: كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ‏.

مسألة

و لو قال كل امرأة أتزوجها إن دخلت الدار فهي طالق فالجواب في دخول الدار بمنزلة الجواب في كلام فلان إن كان الشرط متقدما يقع على المزوجة بعد الدخول و لا يقع على المزوجة قبل الدخول. و لو قال كل امرأة أملكها فهي طالق إن دخلت الدار فالطلاق يقع على المرأة التي في ملكه لا يكون غير ذلك، سواء قدم الشرط أو وسطه أو آخره لأن لفظ أملك يكون للحال و يصلح للاستقبال فلو أراد أن يخلص اللفظ للاستقبال قال سوف أملك أو سأملك للحال أى وضح أن يكون كذا. و إنما صلح للاستقبال لأن الحال أشبه بالاستقبال من الماضي لأن فعل خلاف سوف يفعل و إنما يفعل إذا نسبناه إلى أحدهما كنسبة المستقبل و الملك الذي يكون للحال يكون‏

18

للاستقبال لأن أملك اليوم و الساعة و غدا سواء، و أملك صالح لكل ما ذكرت فلما كان ملك الحال يكون للاستقبال صلح اللفظ كما كان الفعل في أحواله. فلذلك قلت إن فعل الحال يصلح للاستقبال. فلما صلح اللفظ للأمرين حملناه على الأصل إذا لم يكن له قرين فإن كان له قرين حملنا على ما يصلح له فإذا قال أملك غدا حملناه على الملك المتجدد غدا و لئن قال: أملك حملناه على ملك الحال فصار كأنه قال كل امرأته إذا ملكها، فإنه يقع على من كانت في ملكه كذلك هنا يقع الطلاق على المزوجة في الحال و لا يصدق في صرف الطلاق عن من يملكها في الحال لأنه أراد صرف الكلام عن الظاهر إلى غيره فتجوز نيته على التي عنى و لا تصدق في إبطاله عن التي يملكها في الحال.

و وجه آخر: إنك إذا قلت زيد يضرب عمرا فإن بعض الضرب ماضى و بقيته مستقبل فكأنه وقع حالا و فيه المستقبل لكونه الضرب ما انقضى، فلو انقضى عبر عنه بالماضي و لذلك أشبه الحال الاستقبال في الكلام العرب. و لو قال كل جارية أملكها فهي حرة إذا جاء غد، أو قال كل جارية أملكها إذا جاء غد فهي حرة فإن هذا كله يقع على الموجود دون الحارث، لأنه علق العتق بمجي‏ء الغد و ذكر الملك مرسلا و الملك المرسل يقع على الموجود دون الحارث، فصار كأنه قال كل جارية أملكها في الحال فهي حرة، و لو قال كذا لا يعتق إلا من كان في ملكه وقت اليمين بشرط حدوث الغد، و لو قال كل جارية أملكها غدا فهي حرة يعتق ما يملك في الغد من أول النهار إلى خره و لا يعتق الموجود و التي يملكها قبل مجي‏ء الغد و لا يعتق التي يملكها بعد الغد، لأنه وصف الملك بمجي‏ء الغد و في الأخرى جعل شرط حنثه مجي‏ء الغد فلذلك افترقا.

مسألة

إذا قال الرجل لامرأته أنت طالق اليوم و غدا طلقت اليوم و لا تطلق غدا و إذا قال أنت طالق اليوم و إذا جاء غد، طلقت اليوم طلقة و غدا طلقة، و الفرق بينهما أن الواو للجمع و ما اتصف مرة فلا يتصف ثانيا و هي فقد اتصفت بالطلاق فكل يوم هي موصوفة بالطلاق. قوله أنت طالقة اليوم وقع الطلاق و اتصفت به و قوله و غدا فقد عطف اليوم على اليوم فحمل على الصفة. و أما قوله أنت طالق اليوم و إذا جاء غد

19

فقد عطف المجي‏ء على اليوم فأريد به الحدوث فحمل على الحدوث و لم يحمل على الصفة. فصار كأنه قال أنت طالق، و إذا جاء الغد طالق أيضا، فحمل كلامه على الإضمار إذ لم يكن له بد من ذلك فصار كأنه قال كما قال تعالى: لَكانَ لِزاماً وَ أَجَلٌ مُسَمًّى‏.

و قال الفرزدق:

و عض زمان يا ابن مروان لم يدع‏* * * من المال إلا مسحتا أو مجلف‏

أى مجلف كذلك.

مسألة

رجل قال لامرأته إن دخلت هذه الدار و هذه الدار فأنت طالق ثلاثا، فطلقها واحدة و هي غير مدخول بها فدخلت إحدى الدارين فتزوجها ثانيا و دخلت الدار الأخرى و هي في ملكه لا يمنع وقوع الطلاق، لأن الحنث يظهر بدخول الدار الثانية فيعتبر وقت اليمين و وقت الحنث أ لا ترى أنه لو قال لامرأته أنت طالق رأس الشهر، فبانت منه فيما بين ذلك ثم عادت إلى ملكه قبل رأس الشهر وقع عليها الطلاق رأس الشهر، لأنها في ملكه وقت وجود اليمين و الشرط جميعا. و لا يعتبر فراقهما خلال ذلك، و لأنه أضاف الطلاق إلى فعل مخصص و وجد الفعل و هي في ملكه، و الأصل أن المعلق بالشرطين لا ينزل إلا عند وجود الآخر منهما لأن الكلام بآخره و الواو للجمع و لا يمكن الجمع من دخول الدارين حقيقة فحمل على المعنى و هو الجمع في الفعل و هو دخول الدارين و لا يوجد ذلك إلا بدخول الدار الآخرة منهما. و لو قال إذا دخلت هذه الدار فأنت طالق إذا دخلت هذه الدار الأخرى فبانت منه ثم دخلت إحدى الدارين ثم تزوجها ثم دخلت الدار الأخرى لا يقع عليها شي‏ء لأنه جعل دخول الدار الأولى شرطا لانعقاد اليمين فصار كأنه قال عند دخول الدار الأولى أنت طالق إن دخلت هذه الدار الأخرى و لو قال ذلك لا تطلق لأنها وقت اليمين لم تكن في ملكه لأن اليمين بالطلاق لا يصح إلا بالملك أو مضافا إلى الملك أو في علقة من علائق الملك و هنا لم يوجد شي‏ء من ذلك فصار كأنه قال لأجنبية أنت طالق ثم تزوجها لا تطلق كذا هاهنا. و الفرق بينهما أن المسألة الأولى كان الشرط دخول‏

20

الدارين و قد وجد و اليمين انعقدت لساعته و دخول الدارين جميعا كان شرطا لانحلال اليمين و هنا جعل دخول الدار الأولى شرطا لصحة اليمين و لما دخلت الدار الأولى لم تكن في ملكه فلذلك افترقا.

مسألة

إذا قال الرجل لامرأته أنت طالق غدا أو بعد غد، فجاء غد لم تطلق حتى يجي‏ء بعد غد لأنه أوقع الطلاق في أحد الوقتين فلو قلنا إنها تطلق غدا احتجنا إلى أن نوقع الطلاق بعد غد و ذا خلاف ما قال الحالف و لأن أو لأحد ما دخلت عليه فإذا جاء بعد الغد وقع الطلاق يقينا و اليوم الأول كان شكا. و لو قال أنت طالق إذا جاء غد يقع الطلاق إذا جاء غد لأنه جعل مجي‏ء الغد شرطا لوقوع الطلاق ثم أدخل كلمة الشك فقال أو بعد غد، و بعد وقوع الطلاق لا يمكن استدراكه فصار كأنه قال أنت طالق إذا جاء فلان أو فلان فأيهما جاء وقع الطلاق. و كذلك هاهنا إلا أن في الشخصين لا نعلم أيهما يجي‏ء أولا و غد مقدم على بعد غد ضرورة فلذلك افترقا.

مسألة

إذا قال الرجل لامرأته إن دخلت هذه الدار و إن دخلت هذه الدار فأنت طالق، فهذه المسألة على ثلاثة أوجه؛ أما إن عطف الشرط على الشرط؛ و أما إن عطف الفعل على الشرط، أو عطف المفعول على الشرط. و كل وجه على ثلاثة أوجه أما إن قدم الطلاق، أو وسط الطلاق، أو أخر الطلاق. أما إذا عطف الشرط على الشرط إن أخر الطلاق كما إذا قال إن دخلت هذه الدار و إن دخلت هذه الدار فأنت طالق فإنها لا تطلق حتى يوجد الدخول لأن جميعا لأنه جمع بين الشرطين قبل إكمال الأول بالجزاء فصار كأنه قال إن دخلت هاتين الدارين فأنت طالق لأنه لو اقتصر على قوله إن دخلت هذه الدار و إن دخلت هذه الدار لم يكن كلاما تاما و إنما يتم بقوله أنت طالق، و لو قدر الطلاق فقال أنت طالق إن دخلت هذه الدار و إن دخلت هذه الدار فأى الدارين دخلت حنث لأنه أكمل الشرط الأول بالجزاء و عطف دخول الدار الأخرى عليها، فصار كأنه ابتداء، و لو وسط فقال إن دخلت هذه الدار فأنت طالق، و ان دخلت هذه الدار. فأيهما وجد حنث في يمينه لأن اليمين‏

21

تمت بالشرط الأول، فقوله الثاني ان دخلت ابتداء يمين منه على ما ذكرنا هذا عطف الشرط على الشرط، نحو قوله إن دخلت هذه الدار و دخلت هذه الدار فأنت طالق أو قدم الطلاق أو وسط الطلاق فالجواب واحد لا يقع الطلاق ما لم يوجد الطلاق جميعا لأن الواو للجمع ما لم يقم دليل الاستئناف. أما إذا أخر الطلاق فقال إن دخلت هذه الدار و دخلت هذه الدار فأنت طالق لا يقع الطلاق ما لم يوجد الدخولان لأنه جمع بين الفعلين و أجاب بجزاء فصار كأنه قال إن دخلت هاتين الدارين فأنت طالق و لو قدم الطلاق فقال أنت طالق إن دخلت هذه الدار و دخلت هذه الدار فكذلك الجواب أيضا. و إن كانت اليمين تتم بالشرط لأنه لا يجوز حمله على الاستئناف هنا لأن الطلاق لا يكون يمينا إلا بشرط و جزاء و لا يستقيم أن يكون بغير شرط و جزاء فحمل على معنى الجمع بخلاف ما إذا عطف الشرط على الشرط لأن هناك حمله على الاستئناف ممكن، و كذلك لو وسط الطلاق فالجواب هكذا كما إذا قال إن دخلت هذه الدار فأنت طالق و دخلت هذه الدار. و لو عطف المفعول على الشرط قدم الطلاق أو وسط أو أخر فالجواب واحد لأنه لا يقع الطلاق ما لم يوجد الدخولان جميعا كما إذا قال إن دخلت هذه الدار و هذه الدار فأنت طالق أو قال أنت طالق إن دخلت هذه الدار و هذه الدار أو وسط الطلاق فقال إن دخلت هذه الدار فأنت طالق، و هذه الدار. لأن الواو للجمع ما لم يقم دليل الاستئناف و لأنه يمكن أن تستأنف يمين أخرى بقوله هذه الدار من غير شرط و لا جزاء فحمل على الجمع فصار كأنه قال إن دخلت هاتين الدارين فالجواب في الفصول الخمسة واحد و في فصلين خلاف الخمسة و هو أنه إذا عطف الشرط على الشرط و قدم الطلاق أو وسط لأنه قام هناك دليل الاستئناف و كذلك في هذه الفصول كلها إذا كان الشرط إذا، أو متى ما، أو إذا ما.

مسألة

رجل قال لامرأتيه إن دخلتما هذه الدار فأنتما طالقان فدخلت إحداهما دون الأخرى لا يقع الطلاق، و لو كان قال لهما إن دخلتما هاتين الدارين فدخلت كل واحدة منهما دارا على حدة يقع الطلاق، و ذلك لأنه أضاف جماعة الأفعال إلى جماعة

22

الأشخاص فالمراد فعل كل واحد على حدة قال اللّه تعالى: يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ وَ ادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ فما أراد أن كل واحد يدخل من جميع الأبواب. و مثل ذلك قوله تعالى: يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ* فكل يخرج من جدثه أ لا ترى إلى‏

ما روى عن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) أنه أتاه رجل فقال: يا رسول اللّه إنى جعلت لقومي مالا ليسلموا و قد أسلموا و قد شحت نفسي فيما جعلت لهم؟ فقال (صلّى اللّه عليه و سلّم): «إن أسلموا و إلا سيرنا لهم الخيل- أى الخيالة- كلا على فرسه»

فأضاف جماعة الأفعال إلى جماعة الأشخاص و قوله تعالى: وَ سْئَلِ الْقَرْيَةَ دليل على ما ذكرت من المعنى أى أهل القرية. فالنبي (عليه السلام) ما أراد إرسال الخيل هدية و لا أراد إلا حربهم. و لو قال إن دخلتما هذه الدار و إن دخلتما هذه الدار فأنتما طالقان، فدخلت كل واحدة منهما دارا يقع حتى يدخلا جميعا الدارين، لأنه جعل لكل يمين شرطا و جزاء على حدة و لم يضف جماعة الأفعال إلى جماعة الأشخاص، أ لا ترى أن كل يمين منهما جملة من شرط و جزاء، فما لم يوجد لكل شرط جزاؤه لا يقع فصار كما إذا قال إن كلمت زيدا فعبدي حر و إن كلمت عمرا فامرأتى طالق. أ لا ترى أنه لو اقتصر على إحدى الجملتين كانت يمينا تامة، و أ لا ترى أنه قال إن دخلتما هذه الدار فأنتما طالقان اليوم، و إن دخلتما هذه الدار أنتما طالقان غدا. و إن دخلتا الدار الأولى طلقتا اليوم، و إن دخلتا الدار الأخرى طلقتا غدا.

[ورود كتاب النقيب جمال الدين بن عبيد الله على القاضي شرف الدين بن عنين‏]

(بسم اللّه الرّحمن الرّحيم) لما كان بتاريخ المحرم سنة خمس عشرة و ستمائة ورد كتاب من الموصل من الشريف النقيب جمال الدين بن عبيد اللّه على القاضي شرف الدين بن عنين و نسخته-:

كنت منذ زمن طويل تأملت كتاب «الجامع الكبير»: لمحمد بن الحسن (رحمه اللّه) و ارتقم على خاطري منه شي‏ء و الكتاب في فنه عجيب غريب لم يصنف مثله، و في هذه الأيام عاودت نظري فيه و تأملته و أحضرت الشرح الذي شرحه الاسبيجابى (رحمه اللّه) و هو على كل حال عجمي اللسان لا سيما إذا تكلم في المسائل المتعلقة بالعربية من نحو و غيره فإنه يقصر في بعض المواضع و يخطئ في بعض و أوثر منك- أبقاك اللّه- إن تسأل عن شبهة أذكرها لك و تحقق القول فيها مع الشيخ جمال الدين‏

23

فمن جملة ما ذكره محمد بن الحسن (رحمه اللّه) أنه قال في باب العتق: إذا قال الرجل لآخر أى عبيدي ضربك فهو حر، فضربوه جميعا عتقوا. ثم قال في باب آخر: إذا قال الرجل لعبيده أيكم حمل هذه الخشبة فهو حر، و كانت مما يقدر على حملها رجل واحد فحملوها جميعا لم يعتق واحد منهم. هذا قول محمد (رحمه اللّه)، و لا فرق عندي بين المسألتين فإن الضاربين في المسألة الأولى بمنزلة الحاملين الخشبة، و المضروب بمنزلة الخشبة المحمولة، فإن قيل الخشبة يحملونها جملة واحدة قلت كذلك الضاربون و المضروب فإنهم يأخذون عصا واحدة في أيديهم و يضربون بها ضربة واحدة، و كذلك قال محمد (رحمه اللّه) في باب من أبواب الكتاب: إذا حلف الرجل أنه لا يصلى صلاة و صلى بغير وضوء لا يحنث، و إذا حلف أنه ما صلى و كان قد صلى بغير وضوء يحنث. و لا فرق عندي أيضا بين الصلاة الماضية و المستقبلة، فلم كان في إحداهما يحنث و في الأخرى لا يحنث، و قد قال (صلّى اللّه عليه و سلّم): «لا صلاة إلا بوضوء» و على هذا فينبغي أن لا يحنث في الصلاة الماضية و المستقبلة لأنهما بغير وضوء، و أنت يا مولاي حفظك اللّه إذا تكلمت مع الرجل فينبغي أن تحققه تحقيقا لا يبقى عليه غبار و لا تقنع بالكلام إلا قناعي فعرضت المسألتان على الشيخ جمال الدين الحصرى فأجاب بما صورته.

قال في المسألة الأولى:

لفظة أى تتناول واحدا من الجملة، قال اللّه تعالى: أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي‏ و لم يقل تأتونى بعرشها، و يقال أى الرجال أتاك و لا يقال أتوك إلا أنها تقبل الوصف بالعموم كما في قوله (صلّى اللّه عليه و سلّم): «أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها» فقبل العموم بالوصف فقد وصفهم بكونهم ضاربين فعمهم و الضرب بعموم الوصف فوجد الشرط من كل واحد منهم فعتقوا و لا فرق بين كونهم ضربوا جملة أو متفرقين و أما في مسألة الحمل فإنه أيضا وصفهم بوصف عام و هو الحمل إلا أن الشرط لم يوجد و هو حمل كل واحد منهم لجميع الخشبة بل وجد من كل واحد منهم حمل البعض.

المسألة الثانية:

و هي رجل قال: إن كنت صليت صلاة فعبدي حر، و قد كان صلى بغير وضوء حنث، و لو قال إن صليت فعبدي حر لا يحنث إذا صلى بغير وضوء.

24

و الفرق بينهما من وجهين:

أحدهما: أن الماضي موجود و الموجود معرف و صفة المعرف لغو لأنه مستغن عن الصفة. اما المستقبل فهو معدوم و لا يعرف إلا بالصفة فاعتبرت الصفة في المستقبل و لم تعتبر في الماضي.

الوجه الثاني: أن الكلام في الماضي وقع خبرا و ليس المطلوب من الأخبار الصحة و النفاذ و القبح و الحسن، إنما المراد منه إعلام السامع لشي‏ء ما و ليس لذلك في المستقبل المطلوب منه وجود الغرض المتعلق بالفعل و الإمتاع منه و الغرض يتعلق في المستقبل فإن المستقبل بالصحيح لا بالفاسد، و اللّه أعلم.

و قلت أنا: سألت رحمك اللّه عن قول محمد في «الجامع الكبير» في باب العتق إذا قال الرجل لآخر: أى عبيدي ضربك فهو حر فضربوه جميعا عتقوا، و لو قال لعبيده أيكم حمل هذه الخشبة فهو حر، و كانت مما يقدر على حملها واحد فحملها كلهم جملة واحدة لا يعتق أحد منهم ما الفرق بين المسألتين؟ و سألت وفقك اللّه عن قوله إذا حلف الرجل أنه لا يصلى صلاة فصلى بغير وضوء لا يحنث، و إذا حلف أنه ما صلى و قد كان صلى بغير وضوء حنث، ما الفرق بين المسألتين أيضا و أنا أذكر إن شاء اللّه ما وقع من الفرق بين هذه المسائل، فإن رأيت خطأ فاعذر و سامح كما قال الحريري:

و إن تجد عيبا فسد الخللا* * * فجل من لا عيب فيه و علا

أو كما قال أبو على الفارسي: إن الخطأ بعد التحري موضوع عن المخطئ و مثلي من يعذر و لا سيما في مثل هذا الوقت و اشتغالي فيه بما تعلم مع قلة المطالعة بل مع عدمها و ذلك أن هذا الكتاب وصل إلى و أنا بنابلس في شهر المحرم سنة خمس عشرة و ستمائة و الفرنج على عثليث و قيسارية يبنونهما فلذلك لم يكن عندي كتاب.

أما الفرق بين ضرب العبيد و حمل الخشبة و ذلك لأن أيا اسم معرب يستفهم به، و يجازى فيمن يعقل و فيما لا يعقل. قال أبو على: أيهم في الدار فمكرم محمول، و أيكم يأتينى فله درهم.

و قال الجوهري: تقول أيهم أخواك و أيهم يكرمني أكرمه. و هو معرفة بالإضافة و قد تترك الإضافة لفظا و فيه معناها، و قد تكون بمنزلة الذي فتحتاج إلى صلة، و تقول‏

25

أيهم في الدار أخوك و قد يكون نعتا للنكرة تقول مررت برجل أى رجل، و أيما رجل، و مرت بامرأة أى امرأة، و أية امرأة، و أيتما امرأة، و أيما امرأة، فتكون ما زائدة و تنتصب على الحال و التعجب و إذا كان هذا الاسم الذي هو أى لهذه الأقسام فإن وصفت به الجمع كان للعموم و إن وصفت به المفرد كان للخصوص فتكون أى هاهنا بمعنى الذي كما تقول أيهم في الدار أخوك أى الذي في الدار أخوك، فكأنه قال الذي يضربه من عبيدي فهو حر، و إذا كان نعتا للنكرة فالمراد منه بيان الصفة و هو حمل الخشبة التي لا يقدر على حملها الواحد فكأنه أراد بيان صفة الخشبة بالثقل و الخفة و إذا كان كذلك اعتبر مراده قال اللّه تعالى: أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى‏ لِما لَبِثُوا أَمَداً فهذا للعموم. و قال تعالى: لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا* فهذا للخصوص، و العامل في أى ما بعده و قوله أيكم يحمل هذه الخشبة لفظ للعموم و الإفراد، فإن كانت الخشبة يطيق حملها الواحد كان كلامه لاختبار القوة، فكأنه قال أيكم أطلق حملها كما يقال في المسابقة أيكم سبق فله الجعل، فيستحق الجزاء السابق. أ لا ترى أن عادة الأمراء أن يسابقوا الحلبة فيقولون من سبق فله كذا فلا يأخذ قصب السبق إلا من جاء أول الخيل كلها و إن كان الثاني سبق خيلا كثيرة أيضا لا يستحق أن يذكر، و كذلك الثالث و قوله تعالى: أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها إنما تقديره أيكم يأتينى به أولا و إلا فالكل منهم كان قادرا على الإتيان به، و إنما أراد السابق و قد فهم هذا آصف فكان جوابه‏ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ‏ و لا فرق بين أن تقول من سبق و أيكم سبق و إن كانت الخشبة لا يطيق حملها الواحد كان المراد من اللفظ إزالتها عن مكانها حملا فيستوى فيها الاثنان و الجماعة، كما يقال أيكم شرب الماء الذي في هذا الكوز و يقدر على شربه واحد، فإذا شربه أكثر من واحد لا يستحق الجعل. و إن قال أيكم شرب ماء الفرات كان المراد به بيان الصفة و هو الكرع لا استيعاب شربه لاستحالة ذلك، فمن كرع منه استحق الجعل فيختص الصفة و لا يختص لأن العامل في أى ما بعده لصلاحيته للمعنيين، فتبين بالإضافة و ليس الضرب كذلك لأن الضرب راجع إلى إيقاع الفعل من غير اختبار القوة و الضعف فأيهم وجد منه الضرب كان داخلا تحت الجزاء كالشارب من الفرات و القائل إنما يحمل كلامه على الصحة لا الفساد. و لذلك فرق محمد (رحمه اللّه) في قوله أى عبيدي ضربك، و أى عبيدي ضربته. فإذا ضرب أحدهم عتق في قوله ضربته لأن العائد ضمير واحد و لو ضرب الجميع واحدا بعد واحد عتق الأول و لو ضربهم جملة عتق أحدهم و البيان إلى المولى.

26

لأنه أبهم العتق و أعاد الضمير على واحد كما لو قال أحد عبيدي حر و استشهد بمسألة الطلاق فقال: أى نسائي شاءت الطلاق فهي طالق فشئن جميعا، لأنه أعاد الضمير على الجماعة. و لو قال أى نسائي شاءت طلاقها فهي طالق لا يقع إلا على واحدة فصار الفرق بينهما من حيث اختبار القوة و اتحاد الفعل، فإذا لا فرق بين الخشبة التي يقدر على حملها الواحد إذا حملت الخشبة على التفريق بحملها واحدا بعد واحد، هذا إذا لم يكن له نية لأنا نحمله على العرف في مثل هذا لاختبار القوة يكون غالبا و بين مسألة الضرب فاستويا. و أما الخشبة التي لا يقدر على حملها الواحد فتفارقهما من حيث أن المراد إزالتها عن مكانها بالحمل لأن القائل عالم أن الواحد لا يزيلها فكأنه قال إن أزلتموها عن مكانها حملا فأنتم أحرار، و أما مسألة الصلاة و هي قوله إنه إذا حلف الرجل أنه لا يصلى صلاة فصلى بغير وضوء لا يحنث، و إذا حلف أنه ما صلى و كان قد صلى بغير وضوء حنث. فالفرق بينهما من وجهين؛ أما قوله لا يصلى صلاة فصلاة مصدر و المصدر لا يكون إلا بعد تمام الكلام و يكون مؤكدا للجملة و التأكيد إنما يكون للحقيقة و إذا تناول الكلام الحقيقة انتفى المجاز فكأنه قال إن صليت صلاة صحيحة أو مقبولة و على هذا التأويل الخبر الوارد «لا صلاة إلا بوضوء» تقديره لا صلاة صحيحة أو مقبولة.

و الوجه الثاني: أنه حلف على المستقبل و اليمين في المستقبل يكون لبيان الأمر و بيانه بالصحة يكون فإذا حلف أنه ما صلى و قد كان صلى بغير وضوء كان إخبارا عنه يحتمل الصدق و الكذب لفظا و عرفا كما إذا قال إن أخبرتنى أن فلانا قدم فلك كذا فأخبره أنه قدم استحق الجعل، و إن كذب. و كذلك لو قال إن أخبرتنى أن هذا الشهر رمضان و هو شوال فأخبره أنه رمضان استحق و إن كذبا حقيقة. و لو قال إن أخبرتنى بقدوم فلان فله كذا لا يستحق الجعل إلا إذا أخبره بقدومه، و قد قدم لدخول حرف التحقيق و هو الباء كما إذا قال إن أخبرتنى بدخول شهر رمضان لا يكون إلا على التحقيق فلذلك افترقا.

مسألة

رجل قال لامرأته: أنت طالق إلا أن يقدم فلان، لا تطلق ما دام يرجى قدوم فلان، فإن مات فلان قبل أن يقدم طلقت لأنه أدخل كلمة إلا أن، فيما لا يتوقف و هو

27

الطلاق. فكان هنا في معنى الشرط كأنه قال إن لم يقدم فلان، و لو قال هكذا لا يقع الطلاق ما دام يرجى قدومه، فإذا وقع الناس من قدومه بموته وقع الطلاق و هذا لأن كلمة إلا أن حقيقة للغاية فإذا تعذر حملها على الغاية حملت على الشرط و لو قال لها أنت طالق إن كلمت زيدا إلا أن يقدم عمرو، إن كلم زيدا قبل أن يقدم عمرو و طلقت سواء قدم عمرو أو لم يقدم، و إن لم يكلم زيدا حتى قدم عمرو سقطت اليمين لأنه أدخل كلمة إلا أن فيما يتوقف و هو الكلام كأنه يقول كلم فلانا شهرا فكان معناها معنى الغاية، فإن كلم فلانا قبل القدوم حنث لأنه لم توجد غايته، و إن قدم عمرو سقطت اليمين لوجود غايتها فلا يحنث، لأنك إن أدخلت إلا أن فيما يتوقف أردت بها الغاية، و إن أدخلتها فيما لا يتوقف أردت بها الشرط فإن أشكل عليك بالأفعال فاعتبره بالأوقات. و لو قال أنت طالق إلا أن يجي‏ء الليل صار كأنه قال أنت طالق إن لم يجي‏ء الليل، و لو قال هكذا لا تطلق لأن وجود الليل يرجى.

و لو قال أنت طالق إن كلمت فلانا إلا أن يجي‏ء الليل صار الليل غاية ليمينه إن كلمه قبل مجي‏ء الليل حنث و بعده لا يحنث.

الأصل في بيان ما يأتى من المسألة

إن كلمة لا، رجوع. و كلمة بل، تدارك. فإن أدخل كلمة لا قبل إكمال الشرط بالجزاء يصح رجوعه، و إن أدخل بعد إكمال الشرط بالجزاء لا يصح رجوعه. و إنما قلت ذلك لأن الشرط إذا لم يكمل بالجزاء لم يتم اليمين، فصح رجوعه. أما إذا كمل الشرط بالجزاء تمت اليمين، و اليمين بعد تمامها لا يصح الرجوع عنها.

و أصل آخر: إنه متى ذكر بعد كلمة لا بل، من هو محل لوقوع الطلاق كان العطف على الطلاق، و يقتضى مشاركة في الطلاق. و إن ذكر بعد كلمة لا بل، من ليس بمحل لوقوع الطلاق كان عطفا على الشرط، و يقتضى مشاركة في الشرط.

أصل آخر: إن كل كلمة تستقيم بنفسها لا تتعلق بما قبلها، و كل كلمة لا تستقل بنفسها تتعلق بما قلبها لأن التعلق بما قبلها للضرورة يكون، فإن كانت تستقيم بنفسها فلا ضرورة بنا إلى التعلق. بيان ذلك.

28

مسألة

رجل له امرأتان، فقال لإحداهما أنت طالق إن دخلت هذه الدار، لا بل هذه لامرأته الأخرى. فإن دخلت. الأولى الدار طلقتا، و إن دخلت الأخرى لا تطلق واحدة منهما فكلمة الاستدراك دخلت على الطلاق خاصة لأنه لما قال أنت طالق إن دخلت الدار فقد علق الطلاق بالدخول، فإذا قال لا بل هذه فقد رجع عن الأولى و أقام الثانية مقام الأولى، فرجوعه عن الأولى باطل لأن الشرط قد كمل بالجزاء و لا يصح الرجوع عنه و إقامة الثانية مقام الأولى جائز بالعطف فيقع الطلاق عليها أيضا بذلك الفعل. و لو قال أنت طالق إن دخلت الدار، لا بل فلان تكون هذه مشاركة له في الدخول. لأنه ليس بمحل لوقوع الطلاق عليه، فأيهما دخل يقع الطلاق. هذا كما قالوا في رجل قال لامرأته إن نكحتك فعبدي حر، يقع على الوطء، و إن كانت أجنبية يقع على العقد بدلالة الحال. و كذلك لو قال أنت طالق إن شئت لا بل هذه، فإن شاءت الأولى طلاقهما جميعا أو طلاق نفسها أو طلاق صاحبتها طلقتا جميعا. و إن شاءت الثانية لا تطلق واحدة منهما لأن الثانية دخلت في الطلاق لا في المشيئة كما قلنا في دخول الدار.

فإن قيل: إن شاءت الأولى طلاق إحداهما لم يقع الطلاق، و لم لا يكون بمنزلة من قال لامرأته أنت طالق إن دخلت الدار، و عبدى حر إن كلمت فلانا إن شاء فلان.

فشاء فلان أحدهما دون الآخر لا تطلق امرأته ما لم يشأ فلان كليهما؟ قيل له:

الفرق بينهما أن في تلك المسألة عطف الثاني على الأول و علقهما جميعا بمشيئة فلان فصارت مشيئته لهما جميعا شرطا، فما لم يوجد الشرط كله لا يقع الطلاق، أما هاهنا لم يعطف الثاني على الأول لكنه رجع عن الأول و أبدل الثاني مكانه، فرجوعه لم يصح فتعلق كل يمين بمشيئتها على حدة فأيهما وجد يقع الطلاق، و لو قال أنت طالق إن دخلت الدار لا بل فلانة طالق طلقت الأخرى من ساعته، و طلاق الأولى معلق بالدخول. و ذلك لأنه أخرج الكلام مخرج الابتداء في طلاق الثانية لأن الكلام الثاني مستغن عن غيره فتطلق الثانية من ساعته، كما لو قال أنت طالق ثلاثا لا بل هذه، تطلق كل واحدة منهما ثلاثا لأن قوله لا بل هذه لا تتم بنفسها فكانت معلقة بما قبلها فكأنه طلق الأولى ثلاثا ثم رجع و أنزل الثانية مكانها فإنزاله صحيح، و رجوعه لا يصح.

29

مسألة

رجل قال لرجل: إن فلان قدم فعبدي حر، فقال له قد قدم و لم يكن قد قدم عتق عبده، لأنه جعل شرط حنثه الإخبار و الإخبار قد يكون كذبا لأن الإخبار موضوع لنفس الإنباء و يحتمل الصدق و الكذب معا، قال اللّه تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ أ لا ترى أنه قال: فَتَبَيَّنُوا و قال: بِجَهالَةٍ فلو كان للصدق لم يقل ذاك. و لو قال إن أخبرتنى بقدوم فلان لا يعتق ما لم يقدم فلان لأن الباء للإلصاق و إذا تلتصق لا تدخله الباء الزائدة. لأنك تقول ضربته بالحجر فما لم يقع الحجر في المضروب لا يسمى ضربا، بل حذفا أو رميا. لأنك تقول رماه فضربه، و رماه فأخطأه قال امرؤ القيس:

و تعدو كعدو نجاة الظبا* * * ء أخطأها الحاذف المقتدر

سماه حاذفا مع الخطأ، فأما إلحاق الباء فلا يكون إلا للتحقيق قال اللّه تعالى:

فَنَبَذْناهُ بِالْعَراءِ وَ هُوَ سَقِيمٌ أ لا ترى أنه لما أدخل الباء أراد التحقيق و الخبر متى كان موصولا بحرف التحقيق يقع على الصدق دون الكذب، و متى لم يدخله حرف التحقيق يقع على الصدق و الكذب جميعا. و لو قال إن أعلمتنى لا يقع العتق إلا أن يكون قد قدم لأن العلم لرفع الجهل. و الكذب لا يرفع الجهل. فصار ضد العلم و العلم مشتق من العلم و هو الجبل قالت الخنساء:

و إن صخرا لتأتم الهداة به‏* * * كأنه علم في رأسه نار

فوصفته بالعلمية، ثم قالت: في رأسه نار لزيادة التأكيد. و من هنا قال النحاة اسم علم جعلوه بحيث توضع اليد عليه لمعرفته.

و قيل إنه عبر على النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) رجل فقال: «فيكم من يعرفه؟» فقال رجل أنا فقال: «ما اسمه» فقال لا أعرفه. فقال النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم):

«فإنك لا تعرفه»

و ذلك لأن الاسم العلم عندهم يعرف به الشخص مع الغيبة و يلحق الغائب بالحاضر فلذلك سمى علما. و منه العلم أيضا و هي الرواية و سميت راية لرؤية الناس لها عن بعد، و سميت علما لعلم الناس بها أنها لبنى فلان دون بنى فلان و إن لم يرو الأشخاص و لو قدم فلان و علم به الحالف ثم أعلمه المحلوف له لا يعتق عبده لأنه أراد الإعلام من جهته، و كذلك البشارة و لأن البشارة مشتقة من البشر و البشر مشتق من البشرة و هو ما على الجلد لأن المبشر أولا إذا بشر الرجل بما بشره ظهر من وجهه دم يعرف منه الفرح، و ذلك لأن القلب إذا صادفه ما يسره تنتصب منه عروق‏

30

لانبساطه و تلقيه ذلك الأمر بسرور فيظهر على الوجه منه ما يعرف الرائي به قد فرح و ذلك ضد الحزن، لأن الحزن يقبض القلب فإذا انقبض تجمعت تلك العروق فيمتقع لون الحزين. قال اللّه عز و جل: يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَ رِضْوانٍ‏ و ذلك لأنهم لم يكونوا متحققيها فسماها بشارة: و لو كان له نية حمل على نيته في ذلك لأن هذه الأسماء منها ما هو حقيقة و منها ما هو مشتق و منها ما هو مجاز فإذا عضدت النية شيئا من ذلك تحقق بالنية.

مسألة

رجل قال لامرأته: أنت طالق في دخولك الدار. لا تطلق حتى تدخل الدار لأن الطلاق إذا علق بالموجود نزل من ساعته و متى علق بالمعدوم ينتظر وجوده و الأصل في أن تكون وعائية و هي حرف، و حروف الجر يقوم بعضها مقام بعض قال اللّه تعالى: فَادْخُلِي فِي عِبادِي وَ ادْخُلِي جَنَّتِي‏ أى مع عبادي. و قال تعالى:

لَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ‏ أى على جذوع النخل. فإذا جاءت في اللفظ على غير معناها الأصلى قامت مقام الحرف الذي يكون بمعناها، و هاهنا هي بمعنى مع فعلمت عملها فإذا قال: أنت طالق في دخولك الدار صار كأنه قال مع دخولك الدار. و مع فهي كلمة صحبة و قران و من شرط القران أن لا يكون فرقة. قال اللّه تعالى: وَ مَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ‏ أى مقارن و أصل القرآن أن يقرن بين البعيرين لجر الغرب إذا كانت المنساة بعيدة. فلا يقع الطلاق إلا بعد استكمال الدخول حتى تكون لكلمة القران أثرا حقيقا. و لو قال:

أنت طالق في الدار يقع من ساعته لأنه أوقع الطلاق و خصه بالمكان و الطلاق لا يختص بالمكان و إنما يختص بالعقد و لما وصف الطلاق بما لا يوصف به صار ذلك لغوا و وقع الطلاق من ساعته، و لا يتصف بظروف الأمكنة و لا الأزمنة. مثال الأمكنة أنت طالق في الدار، و أما الأزمنة أنت طالق في غد لأن الطلاق لا يوصف بالظروف و إنما يوصف بما يلائمه و يضاف إلى الأفعال و متى أضيف إلى الأفعال ينزل منزلة الجزاء.

مسألة

رجل قال لامرأتين له: إن ولدتما ولدا فأنتما طالقان، فولدت إحداهما يقع‏

31

الطلاق عليهما لأنه علق الطلاق بفعل واحد و أضافه على اثنين و ذلك الفعل يستحيل وجوده منهما فوجب وقوع الطلاق بوجوده من واحدة منهما. و لو أنه كان لا يستحيل وجوده منهما لكان يقع فكيف مع الاستحالة و ذلك أن اللّه تعالى قال: يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ أَ لَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي وَ يُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا فلئن قال قائل في ذا نظر قلنا فقد قال تعالى: يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَ الْمَرْجانُ‏ و لم يخرج ذلك إلا من المالح و قال أيضا في قصة موسى و فتاه‏ نَسِيا حُوتَهُما و لم ينس إلا يوشع ثبت أن الكلام يضاف إلى اثنين و يراد به أحدهما هذا مع عدم الاستحالة فكيف مع وجودها. و الوجه في ذلك أنه لما قال إذا ولدتما ولدا.

لو صرفناه إليهما كان باطلا و إن صرفناه إلى إحداهما يصح، و إنما يحمل الكلام على الصحة دون الفساد فصرفناه إلى ما يصح.

فإن قال قائل: لم أضربت عن الكلام في قوله تعالى: أَ لَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ*.

قلت: لأني كتبت هذا الكتاب للاختصار و الإيجاز و لئلا يمل الناظر منه لطوله فتركت كثيرا مما جاء عن أبى حنيفة في الفن الذي ذكره الخطيب و نفى علمه عن أبى حنيفة، فلأن اقتصر عن ما لم يكن الغرض أولى لأن القائل كان يقول ليس يمكن الرسالة من الجن لأنه ليس بمحل لهذا الأمر و لأنه لا فائدة في إرساله لإحدى الفئتين فإن الإنس يعتقدون أن الجن يقدرون على الإتيان بما لم يأت به الإنس فلا فائدة في إرساله و الجن يعلمون أن الإنس لا يقدرون على الإتيان بمثل هذا. قلنا: محال فإن الجن قد رأوا من معجزات داود و غيره من الأنبياء (صلوات اللّه عليهم) ما أعجزهم.

و السبب الموجب للرسالة من الغانس هو مصلحة للفئتين ما لم يكن من الجن و إنما أردت أن أعرف أن الإضافة تجوز فيما يستقيم و فيما يستحيل. و لو قال: إن ولدتما أو قال إن ولدتما ولدين لا يطلقان حتى يوجد من كل واحدة منهما مثل ما يوجد من الأخرى، لأنه أضاف إلى كل منهما فعلا كما قلنا في قصة يوسف‏ يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ.

مسألة

رجل قال لأربع نسوة له: إذا حضتن حيضة فأنتن طوالق فقالت واحدة منهن حضت. إن صدقها يقع على كل واحدة منهن طلقة لما ذكرت و هو أنه علق الطلاق‏

32

بما يستحيل وجوده منهن فتعلق وجوده من إحداهن. و إن كذبها يقع عليها خاصة لأنها مصدقة في حق نفسها غير مصدقة في حق الباقين و هي أمينة في هذا فقادتنا الضرورة إلى تصديقها، و كذلك لو قالت كل واحدة منهن حضت فكذبهن أو صدقهن يقع على كل واحدة تطليقة. و لو قال: إذا حضتن فأنتن طوالق لا يطلقن حتى تحيض كل واحدة منهن حيضة هذا إن صدقهن. و إن قالت واحدة منهن حضت لا يقع عليها الطلاق سواء صدقها أو كذبها لأن الحيض لا يستحيل وجوده منهن. و كذلك إن صدق اثنتين و لو صدق ثلاثا و كذب واحدة يقع عليها خاصة لأنه ظهر حيض الثلاث بالتصديق و هي مصدقة في حق نفسها و لا يقع على المصدقات لأنه لم يظهر حيض المكذبة في حقهن لأنه لا يمكن الحيضة الواحدة منهن جميعا. و لو قال لأربع نسوة له: كلما حضتن حيضة فأنتن طوالق فقلن جميعا حضنا حيضة، أن كذبهن يقع على كل واحدة منهن طلقة لأن كل واحدة منهن مصدقة في حق نفسها و الطلاق معلق بوجود حيضة واحدة منهن جميعا و قد ظهرت بأمانتهن. و إن صدقهن يقع على كل واحدة منهن أربع طلقات إلا أنه لا مزيد على الثلاث و تلغ الواحدة. لأن الزوج علق الطلاق بوجود حيضة واحدة منهن بكلمة متكررة فإذا صدقهن فقد ظهر أربع حيض، و إن صدق الواحدة و كذب الثلاث طلقن الثلاث المكذبات كل واحدة تطليقتين و المصدقة تطليقة واحدة لأنه لم يظهر في حق المصدقة إلا حيضة واحدة و هي حيضها و في حق المكذبات ظهر قولها في حقها و قول المصدقة لما تقدم، و لو صدق اثنتين و كذب اثنتين يقع على كل واحدة من المصدقتين اثنتان و على كل واحدة من المكذبتين ثلاث واحدة بقولها و اثنتان بقول المصدقتين، و لو صدق الثلاث و كذب الواحدة طلقت المكذبة أربع إلا أنه لا مزيد على ثلاث و طلقت كل واحدة من المصدقات ثلاثا.

مسألة

رجل قال لرجل: إن بعت لك ثوبا فعبدي حر، فدفع المحلوف عليه ثوبه إلى رجل و أمره أن يدفعه إلى الحالف ليبيعه فدفع الرجل الثوب إلى الحالف فباعه فإن قال الرسول للحالف بع هذا الثوب لفلان المحلوف عليه فباعه حنث، و ذلك لأنه حلف على فعله و أضافه إلى فلان فمتى عمل عملا مضافا إلى المحلوف عليه حنث لأن يمينه‏

33

لمنع نفسه عن التزام الحقوق بينه و بين المحلوف عليه لأن الحقوق هي من الأفعال فما لم يجب الفعل لا يجب الحق بدليل أنه يدفع الثمن إليه لو استحق فله أن يرجع عليه.

و إن قال للرسول: بع هذا الثوب فباعه لا يحنث لأن هذا التفعل للرسول لا للمرسل لأنه نفى الحق للمحلوف عليه و هنا إنما التزم الحق للرسول، أ لا ترى أنه لو استحق إنما يرجع على الرسول، و لو باع ثوب غيره بأمر المحلوف عليه حنث لأنه إنما التزم منع الفعل عنه و لم يلتزم الملك أ لا ترى أنه لو قال إن خطت لك ثوبا، إنما اليمين على الخياطة و هي الفعل لا على الملك و العمل إذا كان لا يجرى فيه النيابة يقع على الملك، و ليس كذلك إن قال إن ضربت عبدا لك فهنا لا يكون العمل للمحلوف عليه فيقع على الملك قال اللّه تعالى: اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ‏. فأضاف فعل النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) إليهم لأن استغفاره لأجلهم و ذلك لأنه متى حلف على عمل في المعمول و أضافه إلى إنسان إن أضاف المعمول إليه يقع يمينه على الملك دون الأمر، و إن أضاف العمل إليه فإن كان العمل مما يجرى فيه النيابة يقع على الملك.

مسألة

رجل قال لعبديه: إن ضربتكما إلا يوما فامرأتى طالق، فله أن يضربهما أى يوم شاء لأنه نفى ضربهما في جميع الأوقات إلا يوم الاستثناء. لأن قوله إن ضربتكما إلا يوما نكرة في سياق الإتيان فيخص إلا إذا كانت موصوفة و إنما يقع في يوم واحد فإذا جمع ضربهما في يوم واحد تعين الاستثناء فعند ذلك إذا ضربهما مجتمعا أو متفرقا حنث، فإن ضرب أحدهما يوم الجمعة و الآخر يوم السبت لم يحنث ما لم تغرب الشمس و ما ضرب الآخر لجواز أنه يعيد الضرب عليه فإن غربت الشمس و لم يضربه حنث لأن الضرب وجد منه إلا أنه في غير يوم واحد حتى يصح الاستثناء.

و لو ضرب أحدهما دفعات في أيام متعددة لم يحنث لأنه إنما حلف على ضربهما جميعا و استثنى يوما واحدا و لم يحلف على ضرب أحدهما فصار كأنه قال إلا يوما واحدا أضربكما فيه: و لو قال: و اللّه لأضربكما إلا يوم أضربكما فيه، أو إلا يوما أضربكما فيه، أو إلا في يوم أضربكما فيه، فأى يوم جمع ضربهما فيه فهو مستثنى.

و الفرق بينهما أنه في المسألة الأولى قال: إن ضربتكما إلا يوما ما فخص بالاستثناء يوما واحدا لإيقاع الفعل بهما جميعا. و المسألة الأخرى قال: و اللّه لا أضربكما إلا

34

يوما أضربكما بقدره لأضربكما إلا يوم أجمع فعلى بكما. كأنه حلف على جميع فعله بهما في يوم مستثنى من غيره من الأيام و هذا اليوم المستثنى نكرة فأى يوم أوقع فيه الفعل اختص فإن جمعه بر، و إن فرقه حنث. لأن تفريقه خلاف يمينه و ذلك لأن شرط الحنث وجود المسمى دون المستثنى و النكرة في النفي تعم و في الإثبات تخص، إلا إذا كانت موصوفة فحينئذ تعم، إلا إذا قرنها بحرف الفرد فحينئذ تخص.

مسألة

إذا كان لرجل ثلاثة أعبد سالم و بزيع و مبارك. فقال: سالم حر، أو سالم و بزيع حران، أو سالم و بزيع و مبارك أحرار. يؤمر بالبيان، لأنه أوقع العتق بأحد الأقوال لأن أو حرف شك و هو أدخلها بين الأقوال الثلاثة لأنه ردد الشك بين أقواله لأنه لما قال سالم حر كان الواجب العتق فلما أدخل حرف الشك بين المرة الأولى و الثانية و عطف عليه بزيعا فقال أو سالم وحده، و بين سالم و بزيع معا ثم قال أو سالم و بزيع و مبارك أحرار فجرى مثل الأول فوقع الشك في أقواله فلما وقع الشك كان البيان إليه ما دام حيا فإن أردت القول الأول عتق سالم وحده، و إن قال أردت الكلام الثاني عتق سالم و بزيع، و إن قال أردت الكلام الثالث عتق الكل. و ذلك لأن أو لأحد ما دخلت عليه.

قال أبو على: و منها أو و هي لأحد الشيئين أو الأشياء في الخبر و غيره. تقول كل السمك أو اشرب اللبن، أى افعل أحدهما و لا تجمع بينهما و من ثم قلت: زيد أو عمرو قام كما تقول أحدهما قام و لا تقول قاما. فأما إذا قلت كل خبزا أو لحما أو تمرا فأردت الإباحة فكأنك قلت كل هذا الضرب فيما ذكرته لأحد الأشياء قائم فيه لأنه لو أكل أحد هذه الأشياء كان مؤتمرا و لو كانت كالوا و لم يكن قد ائتمر حتى يجمع بينها كلها و أما منزلتها في أنها تكون لأحد الأمرين أو الأمور إلا أنها تؤذن أن الكلام على الشك. قال سيبويه: و «أو» قد يجوز فيها أن يكون المبنى وقع على اليقين ثم أدرك الشك كما قلنا سالم حر أو سالم و بزيع فإنه أوقع على اليقين ثم أدركه الشك قال:

فقلنا لهم ثنتان لا بد منهما* * * صدور رماح أشرعت أو سلاسل‏

كأنه قال أحدهما صدور رماح أو سلاسل. فإن مات المولى قبل البيان عتق سالم كله لأنه لا شك في عتقه لأنه دخل في الثلاث مرات أما بزيع عتق نصفه لأنه يعتق‏

35

بالكلام الثاني و الثالث لأنه دخل في لفظين و لا يعتق بالكلام الأول فإذا كان يعتق في حالين و لا يعتق في حال فبقى الشك في العتق أولا و حالة العتق حالة واحدة و الشك إنما هو هل عتق أم لا فعتق نصفه و يسعى في النصف فكأنه عتق في حال ورق في حال و أما مبارك فيعتق ثلثه لأنه لا يعتق بالكلام الأول و الثاني إنما يعتق بالكلام الثالث فيعتق في حال و يرق في حالين و يسعى في ثلثي قيمته لأن أحوال الرق أحوال أحوال العتق واحدة لأن الرق يكون مملوكا و مدبرا و مكاتبا و العتق حالة واحدة هذا إذا كان القول منه في حال الصحة أما إذا كان في حال المرض و لا مال له غير هؤلاء العبيد و لم تجز الورثة فالثلث يقسم بينهم على قدر عتقهم فيصيب سالم جميع رقبته و يصيب بزيع نصف رقبته و يصيب مبارك ثلث الرقبة فهذه وصية كل واحد منهم فيحتاج إلى حساب ليتبين نصيب كل واحد منهم على الحقيقة و الحساب يحتاج أن يكون له نصف صحيح و ثلث صحيح و أقله ستة فسالم يضرب لجميع الرقبة و هي ستة و بزيع يضرب بنصف الرقبة و هي ثلاثة و مبارك يضرب بثلث الرقبة و هي اثنان فذلك أحد عشر فغالب المسألة بخمسة فاجعل ثلث المال على أحد عشر سهما فإذا صار ثلث المال أحد عشر سهما صار الجميع ثلاثة و ثلاثين و ماله هؤلاء العبيد كما تقدم تعين أن كل عبد صار أحد عشر سهما فأما سالم فعتق منه ستة و يسعى في خمسة و بزيع عتق منه ثلاثة و يسعى في ثمانية و مبارك عتق منه سهمان و يسعى في تسعة فصارت جملة السعاية اثنين و عشرين و هي ثلاثة و ثلاثين بالعول و صارت وصاياهم أحد عشر فاستقام على الثلاثة و الثلاثين هذا إذا لم يخرجوا من الثلث و لو خرجوا من الثلث أو لم يخرجوا و أجازت الورثة فالجواب كما خرج. و لو لم يكن له إلا عبدان فقال سالم و بزيع حران يؤمر بالبيان فإن قال عنيت الكلام الأول عتق سالم كله و إن قال عنيت الكلام الثاني عتقا جميعا لما ذكرت و لو مات من غير بيان عتق سالم كله و نصف بزيع لأنه سالما لا شك في عتقه لأنه ذكر عتقه في المرتين و أما بزيع فيعتق بالكلام الثاني و لا يعتق بالكلام الأول فإذا كان يعتق في حال و لا يعتق في حال عتق نصفه و يسعى في نصف قيمته و لو كان القول منه في حال المرض إن خرج من الثلث فكذلك و إن لم يخرج و أجازت الورثة فكذلك، و إن لم تجز الورثة فيقسم الثلث بينهما فيعتق سالم كله و نصف بزيع فالنصف مخرجه من سهمين فسالم يضرب بسهمين و بزيع بسهم صار ثلاثة أجعل هذا ثلث المال كما تقدم و ثلثاه مثلا ذلك و ذلك ستة فالجميع تسعة و ماله لرقبتان و تسعة ليس لها نصف صحيح فضعف‏

36

فيصير ثمانية عشر فيعتق من سالم خمسة و يسعى في أربعة و يعتق من بزيع سهمان و يسعى في سبعة فاستقام على الثلاث و الثلاثين. و لو قال سالم حر أو سالم و بزيع عتقا لأنه. وضع كلمة الشك في غير الأفعال فلم يفد لأن الشك لا يكون في الإعلام إنما يكون في خبرهم فلما قال سالم حر أو سالم فلم يفد فوقع عليه العتق إذ لم يكن للشك هنا مدخل فعتق و عطف بزيعا فأشركه في الفعل فعتق أيضا فصار كأنه قال سالم حر و بزيع فعتقا.

مسألة

رجل قال لامرأته: إن دخلت الدار فأنت طالق يصير الطلاق معلقا بدخول الدار لأن هذا شرط و جزاء فيكون الطلاق معلقا بدخول الدار و لأن الفاء تكون جوابا للشرط كقوله تعالى: إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ‏ فإن قال إن دخلت الدار أنت طالق طلقت في ساعته لأنه لم يأت بجواب الشرط و هي الفاء فصار كلامه مبتدأ و خبرا كأنه قال أنت طالق و لو قال إنما عنيت الشرط و الجزاء و حذفت الفاء جواب الشرط كما قال تعالى: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ‏ أى فيشرح صدره و كما قيل: «من يفعل الحسنات اللّه يشكرها».

قلنا: ندينك فيما بينك و بين اللّه و لا ندينك في القضاء لأن جواب الشرط بالفاء و قد يجوز حذفها لكن على سبيل الجواز. قال سيبويه: يجوز في الشعر و يقبح في الكلام إلا أنه لما جاز صار فيه شبهة لمن أراد التعلق به فلذلك دين فندينك فيما بينك و بين اللّه تعالى. و أما الظاهر لنا فهذا طلاق منجز كما تقول أنت طالق لأنا لا نعرف ما في ضميرك و لأن الطلاق مرسل و مضاف و شرط و جزاء فما كان شرطا و جزاء فهو كما ذكرت و ما كان مرسلا يقع من ساعته كقوله أنت طالق و المضاف يؤخر إلى وقت ينزل عند وجود وقته.

مسألة

رجل قال لامرأته: أنت طالق يا زانية إن دخلت الدار. لا يقع الطلاق ما لم تدخل الدار لأن قوله يا زانية نداء و النداء لا يفصل بين كلامين كما لو قال أنت‏

37

طالق يا عمرة إن دخلت الدار لا يكون هذا النداء فاصلا بين الشرط و الجزاء و لا يلزمه حكم القذف من اللعان و الحد لأن هذا قذف معلق بالحظر فلا يوجب اللعان و لا الحد، كما إذا قال لرجل إن دخلت الدار فأنت زان لا يحد و إنما قلنا إنه معلق بالشرط لأنه إذا تعلق الأبعد و هو قوله أنت طالق فتعلق الأقرب أولى به و إنما لا يجب الحد بالقذف المعلق لأنه لا يورث تهمة بالمقذوف لأنه لم يعلقه بالشرط قصدا لكنه تعلق به حكما لأن كلامه أوحد فإذا لحق الشرط في آخره انصرف إلى جميع الكلام فإنه لو جعله كلامين يصير فاصلا بين الشرط و الجزاء و النداء لا يفصل بينهما و لو قال لامرأته يا زانية أنت طالق إن دخلت الدار يكون قاذفا لها لأن قوله يا زانية قذف منه و ليس القذف إلا هذه الصيغة و قوله أنت طالق إن دخلت الدار شرط و جزاء، و الشرط و الجزاء لا تعلق له بالنداء و إذا لم يتعلق بالنداء حظر صار ذلك صريحا بالقذف و لأنه ليس من ضرورة تعلق الأقرب بالشرط تعلق الأبعد، و الفرق بينهما أنه متى خلل النداء لا يصير فاصلا بين الشرط و الجزاء و لا يظهر له حكم و ليس كذلك إذا قدم لأنه لا تعلق به في الحظر فإن القذف ليس إلا هذه الصيغة أو أن تأتى باسم الإشارة و هو قوله هذا زان، و أما قوله أنت طالق يا زانية إن دخلت الدار فصار قوله يا زانية متعلقا بدخول الدار و إذا كان معلقا بالحظر لا يوجب له حكما لأن المعلقات لا توجب حكما إلا عند وجود المعلق به و القذف ما لم يكن صريحا لا يوجب حكما.

مسألة

رجل قال: إن كان في يدي دراهم إلا ثلاثة دراهم فجميع ما في يدي من الدراهم على المساكين صدقة، فإذا في يده خمسة دراهم لا يجب عليه أن يتصدق بشي‏ء لأن ثلاثة دراهم مستثناة من يمينه و شرط حنثه دراهم سوى ثلاثة دراهم في يده و ليس في يده سوى ثلاثة دراهم مستثناة من يمينه و شرط حنثه دراهم سوى ثلاثة دراهم في يده و ليس في يده سوى ثلاثة دراهم حاشا درهمين، و درهمان لا يستحقان اسم الدراهم لأن العرب قالوا درهم و درهمان و ثلاثة دراهم فأفردوا لكل عدد صيغة و الاستثناء يعرف جنس المستثنى منه. و لو كان في يده ستة دراهم أو أكثر يجب عليه أن يتصدق بالكل و لو قال إن كان في يدي من الدراهم سوى ثلاثة

38

دراهم فجميع ما في يدي صدقة فكان في يده خمسة فعليه أن يتصدق بها لأنه نطق بحرف يكون لا بأنه الجنس و هو من لأنه لما قال إن كان في يدي من الدراهم سوى ثلاثة دراهم فقد بين الجنس و الجنس يقتضى الواحد فصاعدا ثم ذكر لفظا يقتضى العدد فعرف بصيغته و الألف و اللام إنما يدخلان للسابق المعهود أولا بأنه الجنس و هنا هي لا بأنه الجنس قال اللّه تعالى: فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ‏ و لم يرد به بعضهم و إنما أراد به الاجتناب من الجنس من الجنس و قال تعالى: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَ ما تَأَخَّرَ و لم يرد به البعض فإذا ثبت أن كلمة من تستعمل لإبانة الجنس و تستعمل للتبعيض و في هذه أدخل اللام و هي للتعريف فصارت كلمة من للتجزئة و التبعيض و هناك لم تدخلها اللام فصارت كلمة من لإبانة الجنس دون التجزئة فصار كأنه قال إن كان في يدي أكثر من ثلاثة دراهم فجميع ما في يدي صدقة و لو قال كذا لوجب عليه أن يتصدق بالكل.

مسألة

رجل قال لامرأته: أنت طالق ثلاثا قبل أن أقربك لا يكون مؤليا و تطلق من ساعته لأنه أتى بمبتدإ و خبر و لم يضفه إلى شي‏ء إلا إلى قبل القربان و هذا الوقت قبل القربان فوقع الطلاق و سقطت اليمين و قد يجوز أن يوصف الشي‏ء قبل وجود ذلك الشي‏ء قال اللّه تعالى: مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها فوصفها بالطمس و لم يوجد و لو قال أنت طالق ثلاثا قبيل أن أقربك صار مؤليا و لا يقع الطلاق ما لم يقربها لأن قبيل تصغير التقريب لأن التصغير على وجوه تصغير التحقير كما تقول لقيت الرجيل و فعل الصبى و تصغير التعظيم كما قال أنا جديلها المرجب و عذيقها المحكك أ لا ترى أنه وصف روحه بالمرجب، و رجب أيضا من التعظيم سمى و هو الشهر فلما وصف روحه بالعظمة ما بقي يمكن أن يحمل على التصغير و لا سيما أن هذا القول كان يوم سقيفة بنى ساعدة و إنما كان يريد الفخار و يطلب الأمر فكيف يكون هذا مع التصغير و تصغير الحنة و الشفقة كقوله تعالى: يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ‏ ما أراد تصغير ابنه. و تصغير التقريب هذا الذي ذكره أبو حنيفة كما تقول وضعته فويق الحائط فهذا لا يمكن أن يكون للتصغير و إنما أراد التقريب كما تقول: (اقعد إلى جنيبى) إنما تريد القرب قال الشاعر:

39

و قد علوت قتود الرحل يسفعنى‏* * * يوم قد يديمه الخوراء مسموم‏

فلما كان كذلك صار اسما لوقت قريب ليس بينه و بين القربان وقت فلا يطلق، و لو قال كذلك كان إيلاء بلا شك.

قال سيبويه في هذا: باب ما يحقر لدنوه من الشي‏ء و ليس مثله و ذلك هو أصغر منك إنما أردت أن تقلل الذي بينهما و من ذلك قولك هو دوين ذاك و هو فويق ذلك و من ذلك أن يقول أسيد أى قد قارب السواد و من هنا قولهم كميت لأنه لم يخلص إلى الحمرة و لا إلى السواد فلما قارب اللونين سمى مصغرا.

مسألة

أصل هذه المسألة: تدور على حرف «أو»، و «أو» تكون على وجهين: أحدهما للشك، و هي لأحد ما تدخل عليه. و الآخر أن تكون بمعنى الإباحة، كما تقول:

(جالس الحسن أو ابن سيرين) لا تريد مجالسة أحدهما. قال الشاعر:

إذا ما مات ميت من تميم‏* * * فسرك أن يعيش فجي‏ء بزاد

بخبز أو بلحم أو بتمر* * * أو الشي‏ء الملفف في البجاد

و قال في الوجه الآخر:

و كنت إذا غمزت قناة قوم‏* * * كسرت كعوبها أو تستقيما

و الطبيب إذا كان يعالج مريضا يقول له: (كل فروجا أو دراجا)- يعنى: كل أحدهما. و المسألة تنقسم على أربعة أوجه: إما أن يضع حرف (أو) بين منع و منع، أو بين إثبات و إثبات، أو بين منع و إثبات، أو بين إثبات و منع. رجل قال: (و اللّه لا أدخل هذه الدار أو لا أدخل هذه الدار) فأى الدارين دخل حنث لأنه عطف منعا على منع بحرف التخيير فكان ممنوعا عن دخول كل دار على حدة، فإذا دخل إحداهما فقد وجد شرط الحنث. و أما إذا وضع بين إثبات و إثبات كما لو قال:

و اللّه لأدخلن هذه الدار أو لأدخلن هذه الدار الأخرى. فأيهما دخل بر في يمينه فأو هاهنا للتخيير كما تقول خذ هذا أو هذا كأنك قلت خذ أحدهما، و أما إذا وضع بين منع و إثبات كما إذا قال و اللّه لا أدخل هذه الدار أو أدخل هذه الدار اليوم فإن دخل الدار الأولى حنث و إن دخل الثانية بر لوجود الشرط لأنه جعل حرف أو بين‏

40

المنع و الإثبات و وقت فقال اليوم. دخل الدار الأولى بعد ذلك أو لم يدخل لأنه كان مخيرا فيه و إن مضى اليوم قبل أن يدخل حنث في اليمين الثانية لأنه أوجب على نفسه الدخول و لم يوجد و أما إذا وضعها بين إثبات و منع كما إذا قال و اللّه لأدخلن هذه الدار أولا أدخل هذه الدار أبدا إن دخل الدار الأولى بر و سقطت اليمين لأنه كان مخيرا فيه و إن مضى اليوم و لم يدخل حنث في يمينه لأنه أوجب على نفسه الدخول في الدار الأولى في اليوم و لم يوجد و ما إذا أدخل كلمة الشك بين منع و إثبات و لم يوقت كما إذا قال: و اللّه لا أدخل هذه الدار أو لأدخلن هذه الدار فإن دخل الدار الأولى حنث لأنه وجد الدخول بعد المنع و إن دخل الثانية بر لأنه عقد على الإثبات و قد وجد. و إن مات و لم يدخل إحداهما بر لأن قوله أو أدخل للغاية و تقديره حتى أدخل. قال اللّه تعالى: تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ‏ كأنه قال حتى يسلموا كما

ورد عن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم): «أمرت أن أقاتل الناس كافة حتى يقولوا لا إله إلا اللّه، فإذا قالوها عصموا منى دماءهم و أموالهم إلا بحقها»

فقد جاء في الكتاب بأو، و في الأثر بحتى لأن المعنى واحد كما لو قال: و اللّه لا أدخل هذه الدار و هذه الدار و هذه الدار. و لو قال و اللّه لا أدخل هذه الدار أو أدخل هذه الدار و هذه الدار صارت هاتين الدارين الآخرتين غاية ليمينه فأيهما دخل بر و لو دخل الأولى أولا حنث لأن اليمين لم ينته غايتها و لو مات قبل أن يدخل الأولى بر لأنه الغاية و حقيقة هذا أنه متى ذكر كلمة أو بعد كلمة النفي و بعده مثبت تكون للغاية.

باب ما جاء من المسائل اللغوية

مسألة

رجل قال لامرأته: أنت طالق إن لم أهدم هذا الحائط اليوم فهدم بعضه و لم يهدم الباقي حتى خرج اليوم طلقت امرأته. و كذلك لو قال إن لم انقض هذا الحائط لأن الهدم عبارة عن إفاتة تأليف أجزاء جميع الحائط. و كذلك النقض لأنه ضد التأليف فما دام التأليف باقيا لا يكون نقضا و الهدم ضد البناء فما دام شي‏ء من البناء باقيا لا يكون هدما و لو نوى هدم بعضه فهو على ما نوى قال اللّه تعالى: لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ‏ معناه أنها هدمت إلى أن لا يبقى صوامع و كذلك النقض قال اللّه تعالى:

وَ لا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً في قصة ريطة و كانت امرأة

41

مجنونة تغزل جميع ليلها و تنقض جميع نهارها حتى لم تبق غزلا.

و لو قال أكسر كان على البعض لأن الكسر ضد الجبر و هو افتراق الاتصال ليس إلا في الصلاب و ما كان في اللحم يكون جرحا أو قطعا و القطع يقع على الاثنين لأن القطع من التقاطع و هو أن ينقطع حكم كل واحد منهما عن الآخر جملة كافية فأما فيما يتصل فمجاز ثم اعلم أن الأسماء على نوعين اسم جنس و اسم نوع و اسم الجنس يقع على الخاص و العام و اسم النوع يقع على الخاص دون العام، و الهاء على ضربين هاء إفراد و اسم الجنس كما تقول حيوان فإنه يقع على جميع الحيوانات فإن خصصت نوعا منه قلت إنسان فإنسان حيوان أيضا و لكن يختص بقولنا إنسان من دون سائر الحيوانات و كذلك إن وصفناه بناطق أيضا و هاء الإفراد أكثر من أن أصف لك مثل عمامة و قلنسوة و شعيرة و قمحة و هاء التأنيث امرأة و يتيمة و غلامة فإن مذكر ذلك يتيم و امرؤ و غلام.

مسألة

رجل. قال: عبده حر إن أكل لحم دجاج أبدا فأكل لحم دجاجة أو ديك حنث لأن الدجاج اسم جنس يقع على الذكر و الأنثى قال جرير:

لما تذكرت بالديرين أرقنى‏* * * صوت الدجاج و ضرب بالنواقيس‏

و الأنثى منهن لا تصيح و إنما يصيح الذكر فدل على أن الهاء للأفراد لا للتأنيث.

و ذكر الجوهري في الصحاح أن الهاء في الدجاجة للأفراد، و لو حلف لا يأكل لحم دجاجة فهو على الأنثى لأن الهاء للتأنيث إذ لم يكن لها من جنس لفظها ذكر فحملت على الحقيقة كما أن اسم الديك يقع على الذكر خاصة و لو حلف لا يأكل لحم جمل أو بعير أو إبل أو جزور هذا كله يقع على الذكر و الأنثى و على العربي و البختي لأنه اسم جنس يتناول الكل لأن العرب نسبت الصنعة إلى صانعها كما نسبت سائر الصناعات فقالت جمال كما قالت حداد و بغال و ما كان على وزن فعال و لم يفرقوا بينهم. و لو حلف لا يأكل لحم بقر فأكل لحم ثور أو بقرة حنث لأن البقر اسم جنس و البقرة أيضا كذلك. و لو أن رجلا و كل رجلا في أن يشترى له بقرة فاشترى له ثورا جاز أ لا ترى أن رجلا لو حلف أن لا يملك عشرين بقرة فملك‏

42

عشرين بقرة إناثا و ذكورا يحنث و اسم الثور يقع على الذكر خاصة لأنه اسم نوع و اسم الشاة يقع على الذكر و الأنثى جميعا. قال أبو ذؤيب الشاعر:

فلما رآه قال للّه من رأى‏* * * من العصم شاة مثل ذا في العواقب‏

و ما قال مثل هذه لأنه لم يرد التأنيث. و قال آخر:

أو أسفع الخدين شاة إران‏

لأنه اسم جنس و الكبش اسم نوع يقع على الذكر خاصة و النعجة اسم نوع يقع على الأنثى خاصة. قال جران العود:

أو نعجة من نعاج الرمل أخذلها* * * عن إلفها واضح الخدين مكحول‏

و لو حلف لا يأكل لحم البقر فأكل لحم الجواميس لا يحنث لأن أوهام الناس لا تنصرف إليه عند ذكر البقر و الأيمان محمولة على معاني كلام الناس و جمعه في باب الزكاة لا يدل على أنه من نوعه في باب اليمين فصار في الزكاة كالعنز يضم إلى الضأن و الكبش إلى النعاج، و مع ذلك لو حلف لا يأكل لحم شاة فأكل عنزا لا يحنث و الفرس اسم للعربي و يقع على الذكر و الأنثى، و البرذون اسم للبخاتى و التركي غير العربي و يقع على الذكر و الأنثى، و الخليل يقع على الجميع لأن الخليل اسم جنس و الفرس اسم نوع و الفرس و البرذون اسم نوع قد روى عن سعيد بن المسيب رضى اللّه عنه أنه سئل عن صدقة البراذين فقال: أو في الخيل صدقة؟ فسماها خيلا. و لو حلف لا يركب حمارا يقع على الذكر و الأنثى، لأنه اسم جنس لأنهم يرون أن ابن عباس رضى اللّه عنه قدم على حمار ذكر و ما أرادوا ذلك إلا ليبينوا النوع و الأتان للأنثى و العير للذكر. و قد قيل حمار للذكر و حمارة للأنثى و لو حلف لا يركب حمارة يقع على الأنثى خاصة.

قال الخطيب:

أخبرنا البرقاني حدثنا محمد بن العباس الخزاز حدثنا عمر بن سعد حدثنا عبد اللّه ابن محمد حدثني أبو مالك بن أبى بهز البجلي عن عبد اللّه بن صالح عن أبى يوسف. قال: قال لي أبو حنيفة: إنهم يقرءون حرفا في يوسف فيلحنون فيه. قلت ما هو؟ قال قوله: لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ‏ قلت: فكيف هو؟ قال ترزقانه‏

43

هذه القراءة لم يخرج بها أبو حنيفة عن الأصل لأن الأصل في ضمير الذكور هو الرفع لأنك تقول هو، و ضمير المؤنث هي، و هذه المسألة التي جرت بين سيبويه و الكسائي لأن الكسائي جعل ضمير المؤنث منصوبا فقال: إياها و سيبويه كان معه الحق فمن عرف هذا عرف ما قلت، لأن الهاء عائدة إلى الرزق و هو مذكر و على هذا قرأ من قرأ فَخَسَفْنا بِهِ وَ بِدارِهِ الْأَرْضَ‏ أ لا ترى أنه لما جاء إلى ضمير المذكر أجراه على الأصل و إنما كسر من كسر الهاء من ضمير المذكر في المجرورات اتباعا للكسرة كما أمال من أمال للاتباع، و أن الهاء حرف خفى أخفى من الألف فلما ساغ لهم الإمالة في الألف مع أنها أشد من الهاء فلأن تمال الهاء أجدر.

و أما قوله يلحنون فاللحن ليس هو الخطأ على لغة العرب و إنما يحتمل معنى غير المفهوم الأصل و ذلك أن الحديث إذا احتمل معنى ظاهرا و احتمل معنى آخر قيل له لحن، و من هاهنا سمى ابن دريد كتابه المعروف بملاحن بن دريد و ذلك أنه قال: إذا قال له شخص رأيت فلانا فقال و اللّه ما رأيته و لا كلمته فظاهر اللفظ يدل على رؤية العين و الكلام باللسان. و إنما الحالف يعنى ما ضرت رئته و لا جرحته و هو مأخوذ من الكلم و هي الجراح. قال اللّه تعالى: وَ لَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ‏ لأنه يكون كلاما يدل على معنيين مثل ذلك قوله: فَبَشِّرْ عِبادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ‏ أ لا تراه جعل له أحسن و غير أحسن قال الشاعر:

حلوا عن الناقة الحمراء أرحلكم‏* * * و البازل الأصهب المعقول فاصطنعوا

إن الذئاب قد اخضرت براثنها* * * و الناس كلهم بكر إذا شبعوا

فلو حملنا هذين البيتين على ظاهر لفظهما لما دلا على معنى لأن قوله الذئاب قد اخضرت براثنها، و الناس كلهم بكر، كل جملة من هاتين الجملتين غير مناسبة للجملة الأخرى. و هذا محمول على أن رجلا كان من تغلب و كان أسيرا في بنى وائل فرأى الناس يتمتعون للنهيض إلى قومه و كان قومه في أرض يقال لها الدهناء فقال لأصحابه إنى أريد أن أفادى نفسي فهل لكم في الفداء. قالوا نعم- قال ائتوني برجل أرسله فلما جاءه قال أبلغ قومي التحية و قل لهم قد أطلتم الركوب على ناقتي الحمراء فخلوا عنها و ارتحلوا الجمل الأصهب فقد شكت الإماء و دبى العرفج بآية ما أكلت معكم حيسا و اسألوا أبا الحسين عن خبري. فلما جاء إلى أهل الأسير قال لهم الرسالة قالوا و اللّه إنه لمجنون لا ناقة حمراء له و لا جمل أصهب. فقال: أحدهم إنه قال لكم‏

44

اسألوا أبا الحسين فلما سألوه قال هو يقول لكم قد أطلتم المقام على الدهناء فارتحلوا عنها و اطلعوا الصمان فقد شكت الإماء أى ملأن الشكايا و أدبى العرفج، و العرفج شجر له شوك فشبه العدو به و أدبى أى دبا نحوكم بآية ما أكلت معكم حيسا و الحيس يعمل من تمر و سمن و خبز أى تجمع لكم من أعدائكم و غيرهم. فهذا و مثله اللحن. و من هذا قيل لمعاوية إن عبد اللّه يلحن قال أ و ليس بظريف بنى أخى يعرف بالفارسية فجعل الفارسية لحنا فإذا قال أبو حنيفة إنهم يلحنون إنما عنى أنهم غيروه عن أصله على ما ذكرنا.

قال الخطيب:

قد سقنا عن أيوب السختياني، و سفيان الثوري، و سفيان بن عيينة، و أبى بكر بن عياش، و غيرهم من الأئمة أخبارا كثيرة تتضمن تقريظ أبى حنيفة و المدح له و الثناء عليه، و المحفوظ عند نقلة الحديث عن الأئمة المتقدمين و هؤلاء المذكورين منهم في أبى حنيفة خلاف ذلك و كلامهم فيه كثير لأمور شنيعة حفظت عليه يتعلق بعضها بأصول الديانات، و بعضها بالفروع. نحن ذاكروها بمشيئة اللّه و معتذرون إلى من وقف عليهما و كره سماعها، بأن أبا حنيفة عندنا مع جلالة قدره أسوة غيره من العلماء الذين دونا ذكرهم في هذا الكتاب و أوردنا أخبارهم و حكينا أقوال الناس فيهم على تباينها.

أما قول الخطيب هذا فأنا إن شاء اللّه نبين أن قصده خلاف ما ذكر من المعذرة و إنما قصد الشناعة جرأة منه و افتراء.

أما قوله: و المحفوظ عند نقلة الحديث خلاف ذلك.

فأقول: إن نقلة الحديث ينظرون إلى طريق الحديث فمتى ما وجدوا فيه رجلا ضعيفا ضعفوا الحديث خاصة في جرح الرجال، فإنه لا يسمع إلا من عدل ثقة معروف بالعدالة و الثقة، فحيث نقل الخطيب أحاديث في الجرح عن جماعة ضعفاء شهد بضعفهم أئمة الحديث تبين أن قصده خلاف ما اعتذر عنه.

قال الخطيب: ما حكى عن أبى حنيفة في الإيمان:

أخبرنا الحسين بن محمد الحسن أخو الخلال بإسناده إلى وكيع. قال سمعت الثوري يقول: نحن المؤمنون و أهل القبلة عندنا مؤمنون في الأنكحة و المواريث و الصلاة

45

و الإقرار، و لنا ذنوب و لا ندري ما حالنا عند اللّه. ثم قال و قال أبو حنيفة من قال بقول سفيان هذا فهو عندنا شاك، نحن المؤمنون هنا و عند اللّه حقا. قال وكيع:

و نحن نقول بقول سفيان و قول أبى حنيفة عندنا جرأة.

اعلم وفقك اللّه أن الإيمان هو التصديق، و اعلم أنه لا يكون تصديقا بدون المعرفة و المعرفة لا تكون مع الشك إنما تكون مع اليقين و إذا ثبت هذا فنحن المؤمنون هنا و عند اللّه لأن المعرفة و المعرفة لا تختلف لأن من عرف هنا كان عارفا عند اللّه لأن المعرفة الجهل، و أما قول أبى حنيفة عن سفيان في قوله نحن المؤمنون و أهل القبلة عندنا مؤمنون محمول على قوله تعالى: قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَ لكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَ لَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ‏ أ لا تراه نفى الإيمان عن من أسلم إلا من عرف بقلبه فثبت ما قلت إنه لا يكون إيمانا إلا بمعرفة.

و قال: حدثنا على بن محمد بن عبد اللّه المعدل بإسناده إلى حمزة بن الحارث بن عمير عن أبيه. قال سمعت رجلا سأل أبا حنيفة في المسجد الحرام عن رجل قال أشهد أن الكعبة حق و لكن لا أدرى هي هذه التي بمكة أم لا؟ فقال مؤمن حقا و سأله عن رجل قال أشهد أن محمد بن عبد اللّه نبى و لكن لا أدرى هو الذي قبره بالمدينة أم لا؟ فقال مؤمن حقا. قال الحميدي: من قال بهذا فقد كفر. قال و كان سفيان يحدث به عن حمزة بن الحارث.

و قال أخبرنا الحسن محمد الخلال بإسناده إلى محمد الباغنديّ حدثنا أبى قال:

كنت عند عبد اللّه بن الزبير فأتاه كتاب أحمد بن حنبل اكتب إلى بأشبع مسألة عن أبى حنيفة فكتب إليه: حدثني الحارث بن عمير قال سمعت أبا حنيفة يقول: لو أن رجلا قال أعرف أن للّه بيتا و لا أدرى هو الذي بمكة أو غيره أ مؤمن هو؟ قال: نعم و لو أن رجلا قال أعلم أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) قد مات و لا أدرى دفن بالمدينة أو غيرها أ مؤمن هو؟ قال نعم فهذا القول لم ينقله أحد من أصحاب أبى حنيفة و لا رووا عنه مثل هذا فلو كان صحيحا لنقل كما نقلت جميع مسائله. و لكني أقول ما تقول في اليهود أصحاب موسى لما جهلوا قبر موسى أضرهم ذلك؟ لا لأنهم عرفوا أن موسى نبى حق فأما جهالة القبر لا تضر بدليل أن من لم يزر المدينة و لم يحج لا يعرف القبر و لا البيت و مع ذلك لم يقدح في إيمانه ثم و من زار المدينة فالحجرة الشريفة حائلة بينه و بين مكان القبر حقيقة من جهة التربيع فمن ذهب إلى قول الحميدي‏

46

و سفيان احتاج أن يعرف بيوت مكة و المدينة و بنيانهما و صقاعهما و حدائقهما على ما كانا عليه في زمن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى اليوم، و اعلم أن معرفة الأراضى غير مشروعة في شريعة من شرائع الإسلام، و اعلم أنا نقول إن الأنبياء (صلوات اللّه عليهم أجمعين) مبعوثون حقا و لو قال رجل لا أعرف أن موسى نبى حق أو غيره فقد كفر و مع ذلك لا يضرنا جهالة قبورهم و لا مواطنهم. فأما إذا ثبت عنده مبعث النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) بلا شك بشرائط الإسلام فهو مؤمن حقا و لا يضره جهالته بموضع قبر النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) فيه فإن القبر ليس من شرائط الإيمان و لا الإسلام، و اعلم أنه لو كان الأمر كما ذكر عنه لكان المسلمون الذين في زمن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) الناءون عنه لا يصح إسلامهم فإنهم ما كانوا يعرفون كل وقت حقيقة موضعه لأنهم كانوا يفارقونه في موضع و ينتقل إلى آخر، أ فكانوا بجهالة المواضع يكفرون؟ فإذا ثبت أن الموضع لا يحتاج إليه في حال الحياة فلأن لا يضر مع الوفاة أجدر.

و قال: في سياق الحديث قال الحارث بن عمير: و سمعته يقول: لو أن شاهدين شهدا عند قاضى أن فلانا طلق امرأته و علما جميعا أنهما شهدا بالزور ففرق بينهما، ثم لقيها أحد الشاهدين فله أن يتزوج بها؟ قال نعم.

الجواب: إن القاضي ما سمى قاضيا إلا مشتقا من القضاء و القضاء القطع كأنه مأخوذ من قطع الخصومات أو مأخوذ من القطع بالشي‏ء عن أحدهما للآخر و هذا أولى لأن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) يقول: «قضيت له شيئا» أى من قطعت له شيئا فثبت ما ذكرت فإذا فسخ القاضي بينهما أ يحل لأجنبى أن يتزوج بهذه المرأة أم لا فإن قال لا فقد افترى، و إن قال نعم فكذلك يحل لأحد الشاهدين لأن فعل القاضي حجة من حجج الشرع لا تندفع في حق بعض دون بعض و إن كانت لا تحل لأحد الشاهدين فهي على نكاحها الأول فلا تحل لغيره أيضا و ليس في سياق الخبر ما يضر ما قلت لأن‏

قول النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)‏ «فإنما أقطع له قطعة من النار»

فنحن نقول كذا أيضا لأن هذا فعل حرام إنما اتصل بقضاء القاضي غير مدفوع كقضاء النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و إن كان النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) بين تحريمه، و ما قلت فهو جواب لما أسنده إلى حمزة بن الحارث بن عمير و عن عباد بن كثير.

و أما ما نقله عن محمد بن الحسين بن الفضل القطان إلى يحيى بن حمزة أن أبا حنيفة قال: لو أن رجلا عبده هذه النعل يتقرب بها إلى اللّه لم أر بذلك بأسا. فقال سعيد: هذا الكفر صراحا.

47

فهذا لم ينقله أحد من أصحاب أبى حنيفة و اعلم أن أصحاب الإنسان أعرف به من الأجنبى، ثم اعلم أن مذهب أبى حنيفة له أصول و قواعد و شروط لا يخرج عنها، فأما أصول مذهبه رضى اللّه عنه فإنه يرى الأخذ بالقرآن و الآثار ما وجد و قواعده أن لا يفرق بين الخبرين أو الآي و الخبر مهما أمكن الجمع بينهما إلا إن ثبت ناسخا أو منسوخا و شروطه أن لا يعدل عنهما إلا أن لا يجد فيهما شيئا فيعدل إلى أقوال الصحابة الملائمة للقرآن و السنة و إن اختلفوا تخير ما كان أقرب إلى الكتاب و السنة. فهذا عليه إجماع أصحاب أبى حنيفة و هو إذا عددت المدرسين منهم في عصر واحد وجدتهم أكثر من إسناد الخطيب منه إلى أبى حنيفة (رحمه اللّه).

و اعلم أن أخبار الآحاد المروية عن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) توجب العمل لأجل الاحتياط في الدين و لا توجب العلم. و أخبار التواتر توجب العلم و العمل معا فكيف بك عن أخبار الخطيب هذه التي لا تكاد تنفك عن قائل يقول فيها، فإذا نازلنا الأمر و ساوينا قلنا أخباره أخبار آحاد و أخبار أصحاب أبى حنيفة متواترة و العمل بالمتواترة أولى؛ و قد ثبت مذهب أبى حنيفة و أصوله و قواعده فإذا ثبت أن هذه أصول أبى حنيفة فكيف يسوغ له أن يقول هذا مع علمه بقوله تعالى: ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى‏ فهذا لا يصح عن أبى حنيفة.

قال: أخبرنا أبو سعيد بإسناده إلى إسماعيل بن عيسى بن على قال قال لي شريك:

كفر أبو حنيفة بآيتين من كتاب اللّه تعالى قال اللّه تعالى: وَ يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَ يُؤْتُوا الزَّكاةَ وَ ذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ و قال تعالى: لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ‏ و زعم أبو حنيفة أن الإيمان لا يزيد و لا ينقص، و زعم أن الصلاة ليست من دين اللّه. قد قلت فيما مضى: إن الإيمان هو المعرفة و المعرفة لا يدخلها جهل و إذا لم يدخلها جهل فمن أين تكون الزيادة و النقصان إنما الزيادة بأن يرتفع الجهل و النقص بأن تذهب المعرفة، و أما قوله عنه إن الصلاة ليست من دين اللّه تعالى فلم يرو هذا عن أبى حنيفة لكن نقول إذ لو روى هذا إن الصلاة لا يكون تاركها كافرا إنما الكافر جاحدها، فإذا لم يفرق القائل و الناقل بين هذين كيف يعرف كلام أبى حنيفة و من أين يأخذ عليه. إنما الصلاة دين إلى اللّه لا دين اللّه؟ و أصل الديانة الذلة و التعبد فإن قلنا إنها من عبدنا اللّه صح و إن قلنا إنها من ذلتنا إلى اللّه و طاعتنا له فهي دين لنا. قالوا دنته فدان و في الحديث «الكيس من دان نفسه و عمل لما بعد الموت».

48

قال الأعشى:

هو دان الرباب أذكر هو الدين‏* * * دراكا بغزوة و ارتحال‏

ثم دانت بعد الرباب و كانت‏* * * كعذاب عقوبة الأقوال‏

قال: هو دان الرباب يعنى أذلها. ثم دانت بعد الرباب أى ذلت له و أطاعت، و الدين الجزاء و المكافأة يقال دانه دينا أى جازاه كما قالوا كما تدين تدان قال:

و لم يبق سوى العدوا* * * ن دناهم كما دانوا

و منه الدين قال تعالى: إِنَّا لَمَدِينُونَ‏ أى لمجزيون محاسبون، و منه الديان في صفة اللّه عز و جل. و المدين العبد و المدينة الأمة كأنهما من أذلهما العمل قال الأخطل:

ربت و ربا في كرمها ابن مدينة* * * يظل على مسحاته يتركل‏

فلو كانت الصلاة من جزاء اللّه لكانت دين اللّه، و انما هي من ديننا دينا اللّه بها أى عبدنا فهي ديننا لا دين اللّه. و أجمع أهل السنة أن الصلاة ليست داخلة في الإيمان لأنها من الأعمال و إنما يرد على أبى حنيفة من عرف وجه الكلام و اشتقاقه.

قال: أخبرنا أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد بن عبد اللّه السراج بإسناده إلى أبى إسحاق الفزاري يقول سمعت أبا حنيفة يقول: إيمان أبى بكر مثل ايمان إبليس. فهذا أيضا لم ينقل عن أبى حنيفة لكن لو نقل كان على ما ذكرت لك من الأصل أن معرفة أبى بكر الصديق باللّه كمعرفة إبليس و هذا لا ينكره عالم لأنا قد أصلنا أن الإيمان هو المعرفة و لا يشك أن إبليس رأى صنع اللّه تعالى عيانا و أبو بكر انما ثبت هذا عنده بقول النبي صلّى اللّه تعالى و سلم و النقل، و لا شك أن ثبوت العلم في القلب بالرؤية أكثر من ثبوته بالنقل، و يدل على هذا أنه من وصف له طريق حتى حفظ صفاتها كالماء الجاري ثم أراد أن يسلكها فإنه لا يقدر على ذلك، و من سلكها دفعة بعد أخرى قدر على سلوكها و إن لم يصفها. و يدلك على ما ذكرت أن أكابر الفقهاء إذا حجوا احتاجوا من يعرفهم. فإذا عرفت هذا كان القياس أن يقول إن إيمان إبليس أقوى من إيمان أبى بكر، إلا أن العلم لما استوى قلنا إنه مثله. ثم قال: قال أبو إسحاق: و من كان من المرجئة ثم لم يقل هذا أنكر عليه قوله. أما قوله إنه من المرجئة فيجي‏ء الجواب إن شاء اللّه في موضعه. و قوله حدثنا الفضل بإسناده عن إيمان إبليس و آدم فهو يخرج على ما ذكرت.

49

و قال حدثنا أبو طالب بإسناده إلى القاسم بن عثمان يقول مر أبو حنيفة بسكران يبول قائما قال لو بلت جالسا: قال فنظر في وجهه فقال أ لا تمر يا مرجئ قال له أبو حنيفة: هذا جزائي منك صيرت إيمانك كإيمان جبريل. فإن كان أراد الإيمان و حديثه فقد مر، و إن كان يحتج بقول السكران فهذا مما تثبت به الروايات عند المحدثين؟

أ تراه ما عرف شروط أهل الحديث أم تعامى.

أخبرنا ابن رزق بإسناده إلى القاسم بن حبيب. قال وضعت نعلى في الحصا ثم قلت لأبى حنيفة أ رأيت رجلا صلى لهذه النعل حتى مات إلا أنه كان يعرف اللّه بقلبه فقال مؤمن قال لا أكملك أبدا. فهذا قد ذهب الجواب عنه عند أصول أبى حنيفة.

قال الخلال بإسناده إلى وكيع. قال اجتمع سفيان الثوري و شريك و الحسن بن صالح و ابن أبى ليلى فبعثوا إلى أبى حنيفة فأتاهم فقالوا له: ما تقول في رجل قتل أباه و نكح أمه و شرب الخمر في رأس أبيه؟ قال مؤمن فقال له ابن أبى ليلى لا قبلت لك شهادة أبدا، و قال له سفيان لا كلمتك أبدا، و قال له شريك لو كان لي من الأمر شي‏ء لضربت عنقك، قال له الحسن بن صالح وجهى من وجهك حرام أن أنظر إليه أبدا. فأبصر إلى هذا الراوي إنه لا يفرق بين رجل و بين مؤمن. فأما رجل فإنه نكرة من الرجال فلو كان كافرا و عبد اللّه مائة سنة لم يكن مؤمنا، و أما المؤمن لو فعل هذا لم تذهب معرفته.

و قال بروايته عن جماعة عن أبى يوسف و غيره إن أبا حنيفة كان مرجئا جهميا أ فنظرت لكثرة كلامه في ذلك؟ أما الجواب فإن أبا حنيفة لا يرى الصلاة خلف المرجئ و الجهمى و لا صاحب بدعة و لا هوى فكيف يكون منهم؟ و هذا القول في جميع كتب أصحاب أبى حنيفة و رواياتهم حفظا كما يحفظ الكتاب العزيز أ فيكون هذا متروكا و يكون المحفوظ ما جاء به آحاد الناس. و أما روايته عن أبى يوسف فالمروى عن أبى يوسف أنه قال لما حج: اللهم إنك تعلم أنى ما قلت قولا إلا ما ثبت عندي من كتابك و سنة نبيك، و ما لا أعرفه منهما جعلت أبا حنيفة فيه بيني و بينك.

و قد روى عنه هذا القول عند الموت أيضا، فكيف يصح عن من يقول هذا عند الموت أن يقول بمثل ذلك؟ ثم إن جميع كتب أبى حنيفة مشحونة برواية أبى يوسف عنه و لم يكن فيها شي‏ء من ذلك.

50

و قال بإسناده إلى ابن المقرئ عن أبيه أن رجلا سأل أبا حنيفة- أحمر كأنه من رجال الشام- فقال: رجل لزم غريما له فحلف له بالطلاق أن يعطيه حقه غدا إلا أن يحول بينه و بينه قضاء اللّه، فلما كان من الغد جلس على الزنا و شرب الخمر؟ قال:

لم يحنث و لم تطلق امرأته. و هذا لم يرو عن أبى حنيفة كما ذكر، و لكن الرواية عنه قريب من هذا، إذا قال الرجل امرأته طالق إن شاء اللّه لم تطلق، و هذا أظنه إجماعا.

و كذلك لو قال إن شاء الإنس أو الجن أو الملائكة فهذا المروي و هذا استثناء و الاستثناء لا يوجب إيقاع اليمين. و أما قوله قعد على شرب الخمر و الزنا فهذا مما لا يدخل في اليمين و لا في شي‏ء منه بإجماع الفقهاء، لكن قصده الشناعة.

و قال: أما القول بخلق القرآن فقد قيل إن أبا حنيفة لم يكن يذهب إليه، و المشهور عنه أنه كان يقوله و استتيب منه و هذا دليل على كذب الخطيب لأن المشهور ما نفى الجهل عن عامة الناس و هو إنما روى ما ذكر عن أبى حنيفة عن واحد واحد من كل عصر و أصحاب أبى حنيفة تفردوا بأكثر بلاد المسلمين و فقهاؤهم في كل عصر أكثر من أن يحصوا و كلهم يروى عن أبى حنيفة أنه لا يصلى خلف من يقول بخلق القرآن فترى أى شهرة أوجبت له ما ذكر لأنه روى عن أناس أن أبا حنيفة كان يقول القرآن مخلوق، و روى عن أناس أنه لم يكن يقول القرآن مخلوق، و جميع أصحاب أبى حنيفة على أن أبا حنيفة لم يكن يقول بخلق القرآن إلا بعضهم و هم أناس من أصحاب أبى حنيفة و الشافعي و هو المعتزلة مخالفون أبا حنيفة و هم معترفون بأن هذا القول لم يكن أبو حنيفة قاله، و لا شك أن أبا حنيفة ناظر المعتزلي في خلق أفعال العباد فقال له: إن كان فعلك بأمرك فأخرج البول من موضع الغائط و الغائط من موضع البول. فانقطع فضحك أبو حنيفة، فقال له المعتزلي: أ تناظرني في العلم و تضحك و اللّه لا كلمتك بعد اليوم فلم ير أبو حنيفة بعد ذلك اليوم ضاحكا. و هذا المسألة أخذها أبو حنيفة من قول اللّه عز و جل: فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ‏ و المعتزلي إنما اعتزل حلقة الحسن البصري فكيف لقائل أن يقول إن أبا حنيفة أول من تكلم بهذا؟ و هذه الروايات التي تخالف أصحاب أبى حنيفة و من قد روى عنه لا تصح لان أصحاب أبى حنيفة مجمعون على خلاف ما نقله عنه الخطيب. و هما كتب أصحاب أبى حنيفة بخلاف ما ذكر فكيف له أن يقول و المشهور خلاف ذلك، إنما المشهور مأخوذ من الشهرة و هي ما يلبسه الرجل عند القتال، و الشهرة مشتقة من الشهر و هو الهلال سمى بذلك لشهرة الناس‏

51

له، و منه سمى الشهر للأيام. و قال الخطيب: بإسناده إلى أبى بكر بن أبى داود السجستاني يقول لأصحابه ما تقولون في مسألة اتفق عليها مالك و أصحابه، و الشافعي و أصحابه، و الأوزاعى و أصحابه، و الحسن بن صالح و أصحابه، و سفيان الثوري و أصحابه، و أحمد بن حنبل و أصحابه؟ فقال أصحابه: يا أبا بكر لا تكون مسألة أصح من هذه. فقال: هؤلاء كلهم اتفقوا على تضليل أبى حنيفة.

الجواب: اعلم وفقك اللّه أن الصحابة جميعهم اختلفوا في عدة مسائل و لكن ليس كل من خولف فقد ضل، فإن هؤلاء المسلمين جميعهم خالف بعضهم بعضا كما خالفوا أبا حنيفة فهذا لا يعد من التضليل أما المنقول عن الشافعي في كتاب الأم أنه قال من أراد خمسا فعليه بخمس، من أراد الفقه فعليه بأبى حنيفة، و من أراد النحو فعليه بالكسائى. و ما ذكرت مسطور عن الشافعي. و من يقول عنه هذا مثل الشافعي كيف يقول مثل ذلك و انظر بين الروايتين ما قلت في كتاب الأم لأصحاب الشافعي ينقله فقهاء أهل عصر إلى فقهاء أهل عصر إلى ما روى الخطيب عن آحاد الناس.

و أما غير الشافعي فسيأتى الجواب عنه إن شاء اللّه.

و قال الخطيب:

ذكر ما حكى عن أبى حنيفة في الخروج على السلطان بأسانيده إلى جماعة ينقلون عن أبى جماعة ينقلون عن أبى حنيفة منه ما أسنده إلى الأوزاعى أنه قال جاءوني فقالوا قد أخذنا عن أبى حنيفة شيئا فانظر فيه فلم يبرح بى و بهم حتى أريتهم. فما جاءوني به عنه أنه قد أحل لهم الخروج على الأئمة. و هذه الرواية لا تصح عن أبى حنيفة لأنه يقول: و لا نرى الخروج على أئمتنا و ولاة أمورنا و إن جاروا علينا و ندعوا لهم. ثم إجماع أصحاب أبى حنيفة على ما قلت، ثم أبو حنيفة جعل قتال على رضى اللّه عنه مع البغاة و الخوارج حجة، كما جعل قتال النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) مع الكفار. قال و إذا سمع الإمام أن قوما يدعون إلى الخروج فعليه أن ينبذ إليهم و يمسكهم حتى يظهروا توبة، فإذا صار فئة يرجعون إليها يقتل مقاتلهم و يجهز على جريحهم، و يقتل أسراهم كما يقتل الكفار. فمن يكون هذا رأيه كيف يرى الخروج على الأئمة؟ قال اللّه تعالى: وَ إِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى‏ سَواءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ‏ و قال: لا يمض قضاء قاضى أهل البغي و لا تقبل شهادتهم.

ثم روى بإسناده إلى ابن المبارك قال ذكرت أبا حنيفة يوما عند الأوزاعى فأعرض‏

52

عنى فعاتبته في ذلك فقال: تجي‏ء إلى رجل يرى السيف في أمة محمد فتذكره عندنا أ لا ترى إلى الخطيب لم يعرف الفرق بين الخروج على الأئمة و بين من يرى السيف في الأمة! اعلم وفقك اللّه أن القتل ليس مشروعا بمجرد الكفر إذ لو كان لكان يحل لنا قتالهم من غير نبذ، و لما كان يجوز لنا أخذ الجزية منهم و تركهم و ما يعبدون و يكونون كالمسلمين في أموالهم و دمائهم، و إنما القتل مشروع للفساد في الأرض و التعدي على الدين. و لذلك قال تعالى: وَ إِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى‏ سَواءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ‏ و قال تعالى: إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ يَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا و قال تعالى: وَ إِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى‏ فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِي‏ءَ إِلى‏ أَمْرِ اللَّهِ‏ فأمر بقتال البغاة كما أمر بقتال أهل الحرب. و قال عز و جل في قصة أهل الحرب‏ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَ هُمْ صاغِرُونَ‏ فأراد إعلاء كلمة الإسلام و أمر بالقتال للفريقين جميعا لاكتفاء شرهم و قمع المفسدين و إصلاح الرعية و أمن الطرق فاستويا، فمن لا يعرف وجوه القرآن كيف يجوز له الرد على من يعرف؟

ثم ذكر عن الأبار لإسناده إلى أبى إسحاق الفزاري.

قال: جاءني نعى أخى من العراق- و خرج مع إبراهيم بن عبد اللّه الطالبي- فقدمت الكوفة فأخبرونى أنه قتل و أنه قد استشار سفيان الثوري و أبا حنيفة. فأتيت سفيان فقلت أنبئت بمصيبتى بأخى و أخبرت أنه استفتاك؟ قال نعم قد جاءني فاستفتانى. فقلت ما أفتيته قال قلت لا آمرك بالخروج و لا أنهاك. قال فأتيت أبا حنيفة فقلت له بلغني أن أخى أتاك فاستفتاك؟ قال قد أتانى و استفتانى، قال قلت و ما أفتيته بالخروج، قال فأقبلت عليه فقلت لا جزاك اللّه خيرا.

قال: هذا رأيى قال فحدثته بحديث عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) في الرد لهذا قال هذه خرافة. قال الخطيب: يعنى حديث النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم).

الخطيب ذكر هذا الخبر عن هذا الرجل أعنى أبا إسحاق ثم اختلف فيه فتارة قال ما ذكرت. ثم روى عنه أنه قال قتل أخى مع إبراهيم بالبصرة فركبت لنظر في تركته فلقيت أبا حنيفة فقال لي من أين أقبلت و أين أردت؟ فأخبرته الحديث فقال لي لو أنك قتلت مع أخيك لكان خيرا لك. فهذا حديث قد تقدم الجواب عنه. إلا أنى‏