موسوعة العتبات المقدسة - ج3

- جعفر الخليلي المزيد...
344 /
5

الجزء الثالث‏

المدينة المنورة قديما

إلمامة تاريخية شاملة عن المدينة المنورة منذ اول تمصيرها حتى قيام الاسلام كتبها جعفر الخليلي‏

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

المدينة المنورة قديما

يثرب و موقعها الجغرافي‏

يثرب ثانية مدن الحجاز القديمة و أهم مدينة حجازية تاريخية بعد مكة المكرمة من حيث السعة و التجارة، و أهم مدينة حجازية من حيث الحاصلات الزراعية و وفرة المياه و لعل البعض قد فضلها على مكة المكرمة من حيث القدسية و من هؤلاء كان الخليفة عمر بن الخطاب (ض).

و الحجاز أحد أقاليم الجزيرة العربية الواقع في غرب جزيرة العرب، و هو إقليم مستطيل تحده قديما من الشمال بادية الشام أو الأردن الحالية، و من الغرب البحر الأحمر، و من الشرق نجد، و من الجنوب بلاد العسير، و يبلغ طول الحجاز من الشمال إلى الجنوب نحو 1600 كيلو متر، و عرضه من الغرب إلى الشرق نحو 300 كيلو متر، و قدر بالأميال بنحو 700 ميل طولا و 250 ميلا عرضا.

و تقطع الحجاز من الشمال إلى الجنوب جبال (السراة) و يبلغ ارتفاع بعضها نحو 8000 قدم، و يتصل بمنحدرات هذه الجبال سهل مشهور هو السهل المعروف باسم (تهامة) (1) و قيل إن الحجاز هو الجبال الحاجزة بين الأرض العالية من نجد و بين الساحل الواطى‏ء (تهامة). و الحجاز

____________

(1) دائرة معارف القرن العشرين مادة (عرب).

8

على هذا هو الجبال الممتدة من خليج العقبة إلى عسير، و قيل: بل سمي حجازا لأنه يحجز بين الشام و اليمن و التهائم‏ (1).

و اعتبر البعض اسم الحجاز شاملا لتهامة، و تبوك، و حتى فلسطين، و أن يثرب المدينة واقعة في القسم الشمالي من الحجاز و على بعد 300 ميل شمالي مكة المكرمة و في طريق الشام للمصعد من اليمن و مكة، و على مسافة 130 ميلا عن ينبع ميناء المدينة على البحر الأحمر، و يثرب هذه واحة خصبة التربة غزيرة المياه محصورة بين حرّتين أو ما تسمّى باللّابتين، و في أرض سبخة- و الحرّة هي الحجارة البركانية السوداء المنخوبة، و السبخة هي التربة المشوبة بالملح- و هاتان الحرّتان اللتان تقع يثرب بينهما هما حرّة (واقم) في الشرق، و حرّة (الوبرة) في الغرب، و تكتنف الوديان الحرّتين من الشرق و من الغرب، و تحيط بالمدينة من جهاتها الأربع.

و يجمل أحمد ابراهيم الشريف موقع المدينة و يستخلصه من المصادر و من مشاهداته فيقول: و يقع جبل (عير) في الجنوب الغربي من يترب، و القادم من مكة إلى يثرب- في زمن الهجرة النبوية- كان يمكنه إذا قام بأعلى جبل (عير) أن يحدّد صورة مكتملة لمنطقة يثرب، فوادي العقيق إلى يساره ممتدا غربي المدينة فيما وراء حرّة (الوبرة) إلى ما بعد بئر (رومة) في شمالها الغربي، و العريض و عوالي المدينة إلى يمينه من شرق حرّة (واقم)، و هناك من أقصى الشمال يقوم جبل (أحد) ثم جبل (سلع).

و تقع قرية (قباء) في جنوب المدينة على ميلين، و بين قباء و المدينة يسير وادي (بطحان) و وادي (رانوناء) حيث يتجهان شمالا فيما

____________

(1) مروج الذهب ج 1 ص 271 مط البهية المصرية.

9

بين حرّة (الوبرة) و المدينة فيتصلان بوادي (قناة)، و هو واد يقع في جنوب (أحد) و ينحدر غربا بينه و بين جبل (سلع) حتى يتصل بوادي (بطحان)، و تلتقي هذه الوديان عند مجتمع الأسيال من (رومة)، كما يوجد وادي (مزينيب)، و وادي (مهزور) في الجنوب الشرقي من المدينة (1) و التي سيأتي ذكرها فيما بعد من هذا البحث.

و تقع مدينة (يثرب) بين خط العرض 24- 25 شمالا، و على خط الطول 39،- 40، شرقي كرينتش، و لجبالها و مرتفعاتها شهرة اكتسبت معظمها بعد هجرة الرسول إلى المدينة و بسبب ما حدث عندها من حوادث مهمة في تاريخ الإسلام مما أضفت عليها الأحاديث الشي‏ء الكثير من الثناء و الذكر الطيب، و من أهم هذه الجبال: جبل (أحد)، و هو واقع شمال المدينة بينه و بينها قرابة ميل واحد، و هو جبل أحمر، و عنده كانت الوقعة الفظيعة التي اشتهر بها (أحد) و التي قتل فيها سبعون من خيرة أصحاب النبي (ص‏) و منهم كان حمزة بن عبد المطلب عمّ النبي (ص‏) فأقبلت (هند) زوج أبي سفيان و أم معاوية، و لم يكفها أنه مات- كما يقول هيكل- بل مثّلت به ما لم يمثّل بأحد في غزاة، إذ جدعت أنفه، و قطعت أذنيه، و شقّت بطنه، و أخرجت كبده تمضغها و تلوكها تشفيا و سخيمة (2) فلقبت بآكلة الأكباد، و أقبلت يومذاك (صفيّة) بنت عبد المطلب و هي أخت حمزة لأبيه و لامه، فقال رسول اللّه (ص‏) لابنها الزبير بن العوّام: إلقها فأرجعها لا ترى ما بأخيها، فقال لها الزبير: يا أمّه، رسول اللّه يأمرك أن ترجعي، قالت: و لم؟ و قد بلغني أنه مثّل بأخي و ذلك في اللّه، فما أرضانا بما كان من ذلك، لأحتسبنّ و لأصبرنّ إن شاء اللّه، فجاء الزبير فأخبره‏

____________

(1) مكة و المدينة في الجاهلية و عهد الرسول ص 288 مط مخيمر.

(2) في منزل الوحي ص 531 مط دار الكتب بالقاهرة.

10

بذلك، فقال الرسول (ص‏): خلّ سبيلها، فأتته، فنظرت إليه، و صلّت عليه و استرجعت، و استغفرت له‏ (1) فأمر به النبي (ص‏) فسجّي ببردة ثم صلى عليه، فكبّر عليه سبعين و دفنه، و لما رجع إلى المدينة سمع البكاء و النواح على القتلى فذرفت عيناه و بكى، ثم قال: لكن حمزة لا بواكي له، فجاءت نساء بني عبد الأشهل لما سمعوا ذلك- و هم من بطون الاوس- فبكين على عمّ رسول اللّه (ص‏) و نحن على باب المسجد، فلما سمعهن خرج إليهن فقال: إرجعن يرحمكن اللّه قد أيستن بأنفسكن‏ (2).

و هذا ما جعل لأحد بالإضافة إلى الوقعة الكبيرة شهرة واسعة زادها ذكرا موقع هذا الجبل و صفاؤه فيما حوله حتى لقد ورد ذكره في الشعر كثيرا و مما ورد: هو أن محمد بن عبد الملك الفقعسي حين كان ببغداد حنّ إلى وطنه و ذكر (أحدا) و سلعا دون الجهات الأخرى فقال فيما قال:

ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلة* * * بسلع، و لم تغلق عليّ دروب‏

و هل (أحد) بادلنا و كأنه‏* * * حصان أمام المقربات جنيب‏

يخبّ السراب الضحل بيني و بينه‏* * * فيبدو لعيني تارة و يغيب‏

فإنّ شفائي نظرة إن نظرتها* * * إلى (أحد) و الحرّتان قريب‏ (3)

و من أشهر جبال المدينة جبل (ورقان) و هو جبل أسود واقع على يمين المتجه من المدينة إلى مكة. جاء في معجم البلدان عن عرّام بن الأصبغ في أسماء جبال تهامة قوله: و لمن صدر من المدينة مصعدا أول جبل يلقاه من عن يساره ورقان و هو جبل عظيم اسود كأعظم ما يكون من الجبال،

____________

(1) البداية و النهاية ج 4 ص 42 مط السلفية بمصر.

(2) الدرة الثمينة في تاريخ المدينة لابن النجار الملحق الثاني لشفاء الغرام ص 347 مط عيسى البابي الحلبي بمصر.

(3) معجم البلدان مادة أحد مط صادر و دار بيروت.

11

و في ورقان أنواع الشجر المثمر و غير المثمر، و قد ورد فيه شعر كثير و من ذلك قول أبي سلمة يمدح الزبير:

إنّ السماح من الزبير محالف‏* * * ما كان من ورقان ركن يافع‏

فتحالفا لا يغدران بذمة* * * هذا يجود به و هذا شافع‏

و جبل (رضوى) و يقع على نحو سبع مراحل من المدينة، و هو عند ميناء المدينة (ينبع) و من (رضوى) هذا يقطع حجر المسنّ و يحمل إلى الخارج، و هو جبل منيف ذو شعاب و أودية قال ياقوت الحموي:

و رأيته من (ينبع) أخضر، و أخبرني من طاف في شعابه أن به مياها كثيرة و أشجارا و هو الجبل الذي يزعم (الكيسانية) أن محمد بن الحنفية به مقيم حي يرزق، على ما قال ياقوت.

و في هذه الجبال الثلاثة وردت أحاديث مباركة عن النبي (ص‏) فمن قوله في جبل أحد: أحد نحبّه و يحبّنا (1)، و في (ورقان) قوله:

خير الجبال أحد و الأشعر و ورقان، و الأشعر جبل جهينة ينحدر على ينبع من أعلاه، و في (رضوى) قوله: رضوى رضي اللّه عنه‏ (2).

و هنالك جبال أخرى و منها (سلع) و هو واقع في سوق المدينة و على مسافة ساعتين، و في سلع وردت أشعار كثيرة و بعض هذه الأشعار قد دخل الغناء و منه شعر لقيس بن ذريح و قد غنّته ذات مرة حبّابة جارية يزيد بن عبد الملك و كانت من أحسن الناس وجها و مسموعا على ما أورد ياقوت عن الأصمعي، و كان يزيد شديد الكلف بها و كان منشؤها المدينة المنورة، فغنت:

لعمرك إنني لأحبّ سلعا* * * لرؤيته و من اكناف سلع‏

____________

(1) أخبار مكة للازرقي ج 2 ص 281 مط دار الثقافة بمكة المكرمة.

(2) معجم البلدان مادة (ورقان) و (رضوى) مط صادر و دار بيروت.

12

تقرّ بقربه عيني، و إني‏* * * لأخشى أن يكون يريد فجعي‏

حلفت بربّ مكة و المصلّى‏* * * و أيدي السابحات غداة جمع‏

لأنت على التنائي فاعلميه‏* * * أحبّ إليّ من بصري و سمعي‏

و تنفست حبّابة الصعداء على رواية الأصمعي، فقال لها يزيد: لم تتنفسين؟ و اللّه لو أردته- يقصد جبل سلع- لقلعته اليك حجرا حجرا، فقالت: و ما أصنع به؟ إنما أردت ساكنيه.

و من جبالها (عير) قال عرّام على ما جاء في معجم البلدان أن (عير) جبلان أحمران من عن يمينك و أنت ببطن العقيق تريد مكة، و من عن يسارك شوران و هو جبل مطل على السدّ، و قال نصر: عير جبل مقابل الثنية المعروفة بشعب الخوز، و ذكر عير كذلك في الشعر و منه قول أبي صخر الهذلي:

فجلّل ذا عير و والى رهامه‏* * * و عن مخمص الحجاج ليس بناكب‏

و قال السكري أن عير جبل، و مخمص: اسم طريق فيه و يروى ذا عير (1) و هو جبل عظيم شامخ يقع في جنوب المدينة و على مسافة ساعتين منها.

أما مناخ المنطقة فيختلف باختلاف الموقع من حيث الارتفاع و وفرة المياه و كثرة البساتين؛ و مع ذلك فهو على العموم شديد الحرارة و لا سيما مناخ المدينة نفسها.

يثرب و أسماؤها

و يثرب هو الاسم التاريخي الذي كان يطلق على هذه المدينة قديما و التي عرفت بعد ذلك (بمدينة الرسول)، و قد اختلف المؤرخون و اللغويون‏

____________

(1) معجم البلدان مادة (عير) مط صادر و دار بيروت.

13

في أصل هذا الاسم و اعتبره البعض من مشتقات التثريب و هو الإفساد و التخليط لغة، و لكن هذا البعض لم يذكر شيئا عن وجه هذه التسمية و أسبابها إذا صح أن تكون من التثريب العربية، و قد قيل إن اسم يثرب هو اسم الأرض من ذلك الصقع‏ (1). و قيل بل هو اسم المدينة نفسها؛ و قد زعم آخرون أن يثرب قد سميت باسم أول من سكنها من ولد سام بن نوح!! و زعم غيرهم أنها سميت باسم رجل من العمالقة!!

و هناك من يزعم أن كلمة يثرب محرّفة من الكلمة المصرية (إثريبس) (2) و يقول ياقوت: إنها سميت بيثرب لأن أول من سكنها عند التفرق كان يثرب بن قانية بن مهلائيل ابن ارم بن عبيل بن عوض بن ارم بن سام ابن نوح! (3)، و كل هذه أقوال ليس لها ما يسندها من واقع التاريخ شي‏ء، و عندنا أن ليس من الشرط أن يعرف سبب تسمية المدن بأسمائها ليحتاج الأمر إلى مثل هذه الأقوال. و التضارب فيها، و كل ما هو ثابت: أن يثرب مدينة قديمة، و موغلة في القدم، و لا يعرف بالضبط سبب تسميتها كما لم تعرف أسباب تسمية مئات المدن التاريخية و حتى مدن القرون الوسطى بل و بعض مدن القرون الأخيرة.

و ما من مدينة من المدن الإسلامية كان لها من الأسماء و كثرتها كمدينة يثرب، و إذا صح أن كل هذه الأسماء الواردة في كتب التاريخ هي أسماء لمدينة (يثرب) فالراجح أن كل اسم من هذه الأسماء قد أطلق عليها بناء على صفة اتصفت بها أو اريدان تتصف بها و أن معظمها قد أطلق عليها بعد هجرة الرسول (ص‏).

و أورد ابن النجار في سلسلة من الأقوال أن: «للمدينة في التوراة

____________

(1) تاج العروس مادة (ثرب) مط الخيرية بمصر.

(2) دائرة معارف القرن العشرين نقلا عن الرحلة الحجازية لمحمد لبيب البتانوني مادة (يثرب).

(3) معجم البلدان مادة (يمامة) مط صادر و دار بيروت.

14

احد عشر اسما (1)» و قد عدّد هذه الأسماء و ذكرها و لم يكن بينها اسم ليثرب!! و روى ابن النجار بعد ذلك عن عبد العزيز بن محمد قوله:

«و بلغني أن لها في التوراة- أي يثرب- أربعين اسما (2)» و قد أوصلها صاحب كتاب وفاء الوفا إلى نيف و تسعين اسما!! (3)

أما ياقوت الحموي فقد أحصى أسماء المدينة فوجدها تسعة و عشرين اسما و هي المدينة، و طيبة، و طابة، و المسكينة، و العذراء، و الجابرة، و المحبة، و المحبّبة، و المحبورة، و يثرب، و الناجية، و الموفية، و أكّالة البلدان، و المباركة، و المحفوفة، و المسلمة، و المجنّة، و القدسيّة، و العاصمة (4)، و المرزوقة، و الشافية، و الخيّرة، و المحبوبة، و المرحومة، و جابرة، و المختارة، و المحرمة، و القاصمة و طبابا (5).

قال ابن الأثير في الحديث: إن النبي (ص‏) هو الذي سمى يثرب، طيبة و طابة لأن المدينة كان اسمها يثرب، و الثرب هو الفساد، فنهى أن تسمى به، و سماها طابة، و طيبة (6).

و يقول القزويني: إن من خصائص (المدينة) أنّ من دخلها يشم رائحة الطيب، و للعطر فيها رائحة لم توجد في غيرها (7) و على هذا فالراجح أن يكون النبي (ص‏) قد أطلق عليها اسم (طيبة) لهذا السبب، و مع‏

____________

(1) الدرة الثمينة في تاريخ المدينة- الملحق الثاني بشفاء الغرام ص 323 مط عيسى البابي الحلبي بمصر.

(2) المصدر المتقدم.

(3) مرآة الحرمين ج 1 ص 407 ط 1 مط دار الكتب المصرية.

(4) و لا نستبعد إذا صحت هذه التسمية أن يكون اسم العاصمة لمركز الدولة العربية في الأقطار اليوم مأخوذا من اسم العاصمة المدينة في الاصطلاح العربي.

(5) معجم البلدان مادة (المدينة) مط صادر و دار بيروت.

(6) لسان العرب مادة (طيب) مط صادر و دار بيروت.

(7) آثار البلاد و أخبار العباد ص 107 مط صادر و دار بيروت.

15

ذلك فهناك من المؤرخين من يرى أن اسم (طيبة) كان من أسماء يثرب في الجاهلية و قبل ظهور الإسلام.

و على كثرة أسماء المدينة المنورة فقد اختصت بالشهرة باسم (يثرب) و باسم (المدينة) و اسم (طيبة) دون الأسماء الأخرى، و كان اسم يثرب هو أقدم اسم عرفت به هذه المدينة أو هذه الأرض ثم تغلب اسم (المدينة) بعد ذلك على يثرب و طيبة فسميت بعد هجرة النبي اليها (بمدينة الرسول) تمييزا لها عن المدن الأخرى، ثم اكتفي بعد ذلك باسم المدينة منفردا و ألحقت بها الصفة فصارت تسمى بالمدينة المنورة.

و النسبة إلى (يثرب): يثربي و أثربي، و النسبة إلى المدينة المنورة:

مدنيّ، و لغير (المدينة) تختلف النسبة؛ فإذا نسبت إلى مدينة المنصور قيل: مدينيّ، و إلى مدائن كسرى قيل: مدائني، و ذلك للتفريق بين النسب لئلا تختلط (1).

و ذكر بطليموس (المدينة) في جغرافيته باسم‏LathriPPa و هي أيضاLathrPPa .Polis التي ذكرها اصطيفانوس البيزنطي و عرفت كذلك باسم (المدينة) من كلمة (مدينتا) التي تعني (الحمى) أي (مدينة) على رأي المستشرقين الذين يرون أن اليهود المتأثرين بالثقافة الارامية أو بعض المتهودين من بني إرم الذين نزلوا (يثرب) هم الذين دعوها (مدينتا) و منها جاءت (المدينة).

أما كلمة (مدينة) على أنها اختصار (لمدينة الرسول) فيرون أنه رأي متأخر قال به العلماء (2).

____________

(1) لسان العرب مادة (مدن) مط صادر و دار بيروت.

(2) الدكتور جواد علي ج 4 ص 181 أخرجه أحمد ابراهيم الشريف في (مكة و المدينة).

16

سكان الحجاز و الجزيرة العربية

لكي نعرف الشي‏ء الكافي عن نشأة المدينة المنورة و سكانها في العصر الجاهلي، أو لكي نعرف بعض ما يمكن معرفته منها فإن علينا ان نلقي نظرة عابرة على الجزيرة العربية و أصل العرب و مبعثهم ليسهل علينا بعد ذلك ان نعرف جنسية سكان الحجاز بصورة عامة و جنسية سكان المدينة بصورة خاصة و أسلوب حياتهم.

و من المؤسف ان تكون الوسائل التي يتم بها الوقوف على تاريخ العرب القديم بصورة علمية عميقة ليست كافية لتعطينا فكرة كاملة عن حياة العرب القديمة، و كل ما ورد في الأخبار و القصص و الأشعار و الأساطير لا يتعدى مدى قرن أو قرنين على الأكثر قبل بعثة الرسول (ص‏) ثم ان كل ما جاء في الكتب العربية من تاريخ العرب- على ما أشار اليه فريد وجدي في دائرة المعارف- إنما كان يراد به الجانب الأدبي و تاريخه في الغالب، فأين هو من الحقائق المؤيدة بالآثار و النقوش التي لا مجال للشك فيها.

و قد كتب في تاريخ العرب فطاحل من المؤرخين الاروبيين مثل (دروي) و (سديو) و (كوستاف لوبون) و (كوسان دوبرسفال) و هذا الأخير أشهرهم جميعا، و يعتبر كتابه أجمع الكتب لتاريخ العرب و لكنه دون كتاب تاريخ العرب للدكتور جواد علي من حيث الجمع‏

17

و التحقيق و الاستقصاء- و على أن ما كتبه المستشرقون عن تاريخ العرب كان مستمدا من الكتب العربية فقد كان لهم فيه فضل التبويب و الترتيب، و صحة الاستنتاج، و الاستقصاء، و مع ذلك فإن هذا غير كاف لتحقيق تاريخ علمي صحيح للعرب، إذ المعول كله على ما يبذله المنقبون في الآثار و النقوش العربية و الخطوط التي يعثرون عليها في اليمن و تدمر و الحجاز، فإن هنالك آثارا عليها نقوش حميرية بالقلم المسند، و نقوش آرامية بالقلم النبطي قد بدأت تكشف عن التاريخ القديم و تسفر عن الحقائق التي لم يكن يعرفها أحد من قبل عن العرب و تاريخهم البعيد و تلقي ضوءا على فهم هذا التاريخ.

و أول من تصدى لهذه المباحث كان العالم الألماني (ميخايلس) المتوفى سنة 1891 ثم عثر الضابط الإنكليزي (و لسند) سنة 1838 على نقوش حميرية باليمن اهتم بها العلماء غاية الاهتمام و لكنهم لم يستطيعوا حل رموزها إلا بعد سنين.

و وجد الضابط الإنكليزي (گروتندن) في صنعاء نقوشا ظن أنها من خرائب مدينة (مأرب)، و أول من تصدى من الفرنسيين للبحث عن هذه النقوش و الآثار كان المسيو (أرنو) فإنه اخترق اليمن سنة 1843 و عاد و معه 56 نقشا نقلها من صنعاء، ثم جاء المستشرق (أرسياندر) فحل رموز الآثار التي وجدها (أرنو) و ذلك سنة 1845.

و بعد هذا أرسلت وزارة المعارف الفرنسية المستشرق (جوزيف هاليفي) سنة 1869 إلى اليمن فسار حتى بلغ مأرب، و رجع و معه 680 نقشا، و جاء بعده (أدورد گلازر) الألماني، و ساح في اليمن مرارا و نقل منها الف نقش. بينها نقوش غاية في القيمة التاريخية.

و عثر الباحثون أيضا في شمالي بلاد العرب على آثار الأنباط فوجدوا منها آثارا كثيرة في مدينة (بطرا) و مدينة (الحجر) و اكتشفوا في‏

18

(حوران) و (العلا) نقوشا بالخط المسند الحميري‏ (1).

و قد لقي القرن العشرون من عناية علماء الآثار و البحاثين الشي‏ء الكثير الذي كشف عن نواحي كانت غامضة من تاريخ العرب القديم، و مع ذلك فإن جميع ما اكتشف و ما حققه الباحثون لا يؤلف إلا جزءا صغيرا من التاريخ العربي في الأدوار القديمة التي تخص العرب البائدة، و ظل التاريخ العربي القديم يعتمد في حكايته على الأساطير و ما يترشح منها من القصص و مما ورد في التوراة أو الأخبار و الشعر و الأمثال.

و العرب على ما وصل إلينا من أخبارهم و على ما قسمهم المؤرخون قسمان: العرب البائدة. و هم الذين بادوا و انقرضوا قبل الإسلام بزمن بعيد و لم يبق منهم إلا تلك الأساطير المشار إليها و الحكايات التي لا تزال تفتقر إلى ما يسندها من الآثار و النقوش، و الخطوط، و هم قبائل: عاد، و ثمود، و العمالقة، و طسم، و جديس، و جرهم و غيرهم، و قد ترشح إلينا من أخبارهم الشي‏ء الذي لم يزل موضع مناقشة عند المؤرخين منها أخبار التبابعة و الأذواء الذين شيدوا البنيان في الشرق و الغرب و مصّروا الأمصار، و الذين بنوا المدن الكبيرة (كافريقش) بن أبرهة، و ما بنوا في المغرب من المدن كمدينة (أفريقيا) و (صقليا) و ما كوّروا من الكور هناك و ما اتخذوا من العمائر في أرض المشرق و بنيان مدينة (سمرقند) و ما خلفوا هناك من قبائل حميرية بها (2) و منهم الحمورابيون ملوك بابل، و كل هذا و أمثاله مما ورد عن العرب البائدة لم يزل قيد الدرس عند المؤرخين الذين يبحثون اليوم بجد بين الآثار لمعرفة ما في تلك القصص و الأخبار من الواقع الذي تسنده الآثار و تثبته الخطوط و النقوش.

و الثابت من الآثار و التنقيبات التي أجريت في اليمن في السنين الأخيرة

____________

(1) دائرة معارف القرن العشرين مادة (عرب).

(2) مروج الذهب ج 1 ص 300 مط البهية المصرية

19

هو أن دولا عربية كانت ذات حضارة و نظام قد قامت في التاريخ القديم فكان منها الدولة المعينية، و الدولة السبأية، و الدولة الحميرية، و قد دلت هذه الآثار على مدنية قديمة ربما لم تقل شأنا عن مدنية الأشوريين، و المصريين، و الفينيقيين، فقد أنشأت تلك الدول في اليمن المدن، و عمرت القصور، و غرست الحدائق، و نحتت التماثيل، و حفرت المناجم، و نظمت الجند، و فتحت البلاد، و وسعت التجارة، و أتقنت الزراعة، و قد ذكرهم هيردوتس الرحالة اليوناني في القرن الخامس قبل الميلاد.

فقال:

«إن في جنوبي بلاد العرب وحدها البخور و القرفة، و الدار صيني، و اللاذن و المر» و عدّها من أغنى ممالك العالم في زمانه‏ (1).

و قد سكن قسم من العرب البائدة الحجاز، و استوطنوا (يثرب) و امتد نفوذهم إلى العراق و الشام و مصر.

و القسم الثاني من العرب: هم العرب الباقية، و هم على قسمين:

عدنانيين و قحطانيين؛ أما العدنانيون فهم من ولد اسماعيل و قد كان مسكنهم الرئيسي في الحجاز مكة المكرمة، و القحطانيون و هم أولاد قحطان، و مسكنهم الرئيسي من الحجاز (المدينة) و يقول المسعودي:

و ان من بقي من العرب البائدة قد دخلوا في العرب الباقية و هم قحطان، و معد، و لا يعلم أن قبيلا بقي يشار إليه في الأرض من العرب الأول غير معد (العدنانيين) و قحطان‏ (2).

و على أن معظم تاريخ العرب البائدة بل و حتى الجاهلية الذي سبق ظهور الإسلام بقرن أو أكثر قليلا ما زال مجهولا فإن المحقق هو أن‏

____________

(1) تاريخ التمدن الإسلامي ج 1 ص 26 مط دار الهلال بمصر.

(2) مروج الذهب ج 1 ص 300 مط البهية المصرية.

20

العرب انبعثوا من اليمن في دفعات أهمها الدفعة التي أعقبت سيل العرم، و انتشروا في جزيرة العرب، و منها اندفعوا إلى خارج حدود الجزيرة، و أن الحجاز و يثرب منه كان ملجأ تلجأ اليه قبائل اليمن العربية عند نزول الشدائد، و حين تضيق بهم الأحوال الاقتصادية.، أو عند حدوث الغزو الكاسح، و إذا لم نستطع أن نستخلص أصول التاريخ القديم لجزيرة العرب. و سكانها القدماء فإننا نستطيع أن نؤكد أن الجزيرة العربية لم تعرف منذ أول تاريخها سكانا غير العرب و أن الحجاز بالذات، و المدينة منه كانت مسكنا منذ التاريخ القديم حتى اليوم من مساكن العرب البائدة اولا ثم العرب الباقية أخيرا.

حياة سكان الجزيرة العامة

أما الحياة و النظام السائد في جزيرة العرب في العصر الجاهلي فهو نظام قبلي مرتبط بالقبيلة داخل الجزيرة، و لكل قبيلة زعيم و رئيس أو شيخ يشترط في تبوئه الرياسة وجود مؤهلات خاصة فيه كالكرم، و الشجاعة و الثروة النسبية، و أن يكون حسن التدبير قد اكتسب من امتداد عمره و شيخوخته تجربة تساعد على رص الصفوف بين قبيلته و حفظ كيانهم، و تنظيم شؤونهم العامة، لذلك صار لكل قبيلة أنظمة و مراسيم خاصة يفرضها اختلاف طبيعة الشيوخ و الرؤساء و الظروف المعينة و ما ورثوه من التقاليد المختلفة، و لهذا صعب ان يتوحد النظام و تتفق المراسيم و التقاليد و صعب أن يكون للجزيرة طابع معين غير طابع البداوة التي لم تعرف شيئا عن الدولة و معناها داخل الجزيرة و أواسطها.

و يقول الرحالة (دوتي): انه رأى في أهل البادية في هذا القرن- يعني القرن العشرين- من لا يتصور الدولة إلا على أنها قبيلة، و يقيس‏

21

قوتها بما تملك من الأبل‏ (1) و مع ذلك فلم تعدم الجزيرة في وقت من الأوقات نظاما حضريّا شبيها بنظام الدول التي قامت في أطرافها، مثل مملكة الحيرة، و مملكة غسان، و مملكة كنده.

أما مكة المكرمة، و المدينة المنورة فعلى رغم ما بدا عليهما من معالم الحضارة فقد كانتا خاضعتين للنظام القبلي، و قد جرى عرف العرب حتى في هاتين المدينتين على الانتساب إلى القبائل لا إلى المدن، بل لم يعرف الانتساب إلى المدن إلا في القرن الثاني للهجرة (2) و قد كان للعصبية القبلية حتى عهد الأمويين و أيام حكمهم أثر بارز في التفرقة بين المضريين و القحطانيين و موقف بعضهم من بعض في الحرب و السلم خلافا للتعاليم الإسلامية التي كانت ترمي إلى القضاء على كل نعرة و تدعو إلى ذوبان القبائل في الدولة الإسلامية، و لقد توسع مفهوم العصبية القبلية حتى عمت المنافسة و الحروب القبلية ذات الأصل الواحد، بل و حتى شملت الأفخاذ و الأسر الصغيرة!!

نشأة المدينة المنورة و سكانها الأقدمون‏

كل ما ورد عن نشأة المدينة الأولى لا يتجاوز المزاعم و الأساطير و الحكايات فهناك من يزعم بأن أول من نزل المدينة بعد غرق قوم نوح قوم يقال لهم صعل و فالج، فغزاهم داود النبي و أخذ منهم مائة الف عذراء (3)!! و هناك من يزعم بأن بني عبيل و هم من العرب البائدة كانوا أول من نزلوا (يثرب)، و عبيل هذا كما تزعم تلك الأساطير أنه ابن عوص ابن أرم بن سام بن نوح، و قد كان أمير قبيلة من العرب العاربة

____________

(1) مكة و المدينة في الجاهلية و عهد الرسول ص 23 مط مخيمر.

(2) المصدر المتقدم.

(3) الدرة الثمينة في تاريخ المدينة لابن النجار ص 323 مط عيسى البابي الحلبي بمصر

22

التي انقرضت و هو أخو (عاد) بن عوص، أما الذي في (الروض) للسهيلي فهو أن عبيل بن مهلائيل بن عوص بن عملاق بن لاوذ بن ارم، و في بعض هذه الأسماء اختلاف فيما ورد في الأخبار، و قال السهيلي:

و بنو عبيل هم الذين سكنوا (الجحفة) فأجحفت بهم السيول فسميت الجحفة (1) و تسمى اليوم برابغ.

أما المسعودي فمن أقدم المؤرخين الذين يذكرون (الجحفة) و يعينون مكانها بين مكة و المدينة، و يقول: إن عبيل بن عوص بن ارم بن سام بن نوح هو الذي نزل بلاد (الجحفة) و معه أولاده فهلكوا بالسيل، أما يثرب فيقول المسعودي أن يثرب و هو ابن قامة بن مهليل بن ارم بن عبيل قد نزل هو و ولده و من تبعه فيها فسميت به (يثرب) فهلك هولاء ببعض غوائل الدهر و آفاته فقال شاعرهم:

عين جودي على عبيد (2) برجع‏* * * بأماق فيضانها بانسجام‏

عمّروا (يثربا) و ليس بها سفر و* * * لا صارخ و لا ذو سنام‏

غرسوا لينها (3) بمجرى معين‏* * * ثم حفّوا السبيل بالأرحام‏ (4)

و بين رواة هذه الأخبار و الأساطير من يذهب إلى أن العمالقة هم الذين بنوا (يثرب) بعد خروجهم من مصر، و يقول محمد لبيب البتانوني في رحلته الحجازية: ان لنا في يهودية السكان ما يؤيد قول من ذهب إلى أن موسى في طريقه إلى فلسطين أرسل فرقة من قومه لتكشف له تلك الجهة فساروا إليها و بلغهم موته فبنوا مدينة (اثريبس) و أقاموا فيها (5)

____________

(1) تاج العروس مادة (عبل).

(2) هكذا ورد الاسم في هذه الطبعة و الراجح أن يكون عبيلا و ليس عبيدا.

(3) اللين- كل شي‏ء من النخل سوى العجوة (المنجد).

(4) مروج الذهب ص 323 مط البهية المصرية.

(5) دائرة معارف القرن العشرين مادة (يثرب).

23

و على هذا فبالامكان اعتبار ابتداء عمران (يثرب) من سنة الف و ستماية قبل المسيح أو الفين و مائتين و اثنتين و عشرين قبل الهجرة (1).

و كان العماليق- على هذا الرأي- هم الذين بنوا المدينة و زرعوا فيها الزروع و غرسوا النخيل، و عمروا الدور و الاطام (الحصون) و اتخذوا بها الضياع.

و العمالقة هم بنو عملاق بن ارفخشد بن سام بن نوح على ما تروي تلك الأخبار و كانوا ممن امتد نفوذهم و سطوتهم إلى جهات كثيرة فأخذوا ما بين البحرين و عمان، و الحجاز كله إلى الشام و مصر، فجبابرة الشام- و كان يقال لهم الكنعانيون- و فراعنة مصر، كانوا من العمالقة، و كان من العمالقة بالبحرين و عمان أمة يسمون (جاشم) و كان ساكنو المدينة منهم: بنو هف و سعد ابن هفّان، و بنو مطرويل، و كان ملك الحجاز الأرقم بن أبي الأرقم، و من أشهر من ورد اسمه من العمالقة هو أذينة بن السميدع الذي استولى على بلاد الروم و تملك عليها و ذكره الأعشى في شعره إذ قال:

أزال (أذينة) عن ملكه‏* * * و أخرج عن ملكه ذا يزن‏ (2)

و يقول ابن الأثير ان بني عبيل قد لحقت بيثرب قبل ان تبنى و لحقت العماليق بصنعاء قبل ان تسمى صنعاء، و انحدر بعضهم إلى (يثرب) فأخرجوا منها (عبيلا) و نزلوا موضع الجحفة، و أن العماليق قوم عرب و لسانهم عربي‏ (3).

و في تاج العروس أن (يثرب) سميت بأول من سكنها من ولد سام‏

____________

(1) المصدر المتقدم.

(2) مروج الذهب ج 1 ص 314 مط البهية.

(3) الكامل في التاريخ لابن الأثير ج 1 ص 78 مط صادر و دار بيروت.

24

ابن نوح، و قيل باسم رجل من العمالقة (1).

و توسع الزبيدي في أصل العمالقة الذين سكنوا (يثرب) و مصرّوها كما تقول الأخبار فقال: العماليق و العمالقة: قوم من عاد، تفرقوا في البلاد، و انقرض أكثرهم، و هم من ولد عمليق كقنديل أو عملاق مثل قرطاس الأخير عن الليث: إنه ابن لاوذ بن ارم بن سام بن نوح (عليه السلام) كما في الصحاح، و في المقدمة الفاضلة أن لاوذ أخو (إرم) و ارفحشد بني نوح (عليه السلام)، و قال الليث: و هم الجبابرة الذين كانو بالشام على عهد موسى (عليه السلام).

و قال ابن الأثير: هم الجبابرة الذين كانوا بالشام من بقية قوم عاد، و قال ابن الجواني: عمليق: أبو العمالقة و الفراعنة، و الجبابرة بمصر و الشام و كانوا فبانوا منقرضين.

و قال السهيلي: من العماليق ملوك مصر الفراعنة منهم الوليد بن مصعب بن أشمير بن لهو بن عمليق و هو صاحب موسى (عليه السلام)، و الريان بن الوليد صاحب يوسف (عليه السلام)(2).

و كل ما أوردناه هنا عن نشأة (لمدينة) الأولى و سكانها إنما هو خلاصة لأخبار لا يعول على أكثرها و ذلك لعدم وجود ما يسندها من البراهين و الأدلة من كتابات و نقوش و آثار، و قد استقيت هذه الأخبار عن نشأة المدينة الأولى و سكانها الأوائل من الروايات و الأخبار المتناقلة و من التوراة فسجلت في العصور الإسلامية كما تناقلتها الألسن دون تمحيص.

____________

(1) تاج العروس مادة (يثرب).

(2) تاج العروس مادة (عملق).

25

نزول اليهود المدينة

و تستمر هذه الأساطير في حكاياتها فتقول ان سبب نزول اليهود المدينة و أطرافها و ضياعها على ما روى ياقوت في معجم البلدان و غيره هو أن موسى بن عمران بعث إلى الكنعانيين و هم (العمالقة) حين أظهره اللّه تعالى على فرعون، فوطأ الشام، و أهلك من كان بها منهم، ثم بعث بعثا آخر إلى (العماليق) في الحجاز الذين كانوا يحكمون تلك الأصقاع، و أمرهم ان لا يستبقوا أحدا ممن بلغ الحلم من العمالقة إلا من دخل في دينه‏

و تقول الرواية: فقدموا على العمالقة و قاتلوهم و قتلوهم و قتلوا ملكهم (الارقم) و أسروا ابنا له و كان شابا جميلا كأحسن من رؤي في زمانه، فضنوا به عن القتل، و قالوا نستحييه حتى نقدم به على موسى ليرى فيه رأيه، فأقبلوا و هو معهم، و قبض اللّه موسى و هم في الطريق و قبل وصولهم، فلما قربوا، و سمع بنو إسرائيل بذلك تلقوهم، و سألوهم عن أخبارهم، فأخبروهم بالفتح و ما أصابوا في حربهم، قالوا- فما هذا الفتى الذي معكم؟

فأخبروهم بقصته، فقالوا: إن هذه معصية منكم لمخالفتكم نبيكم، و اللّه لا دخلتم علينا بلادنا أبدا، و حالوا بينهم و بين دخول الشام ..!!

فقال ذلك الجيش- ما بلد اذ منعتم بلدكم خير لكم من البلد الذي فتحتموه و قتلتم أهله فارجعوا إليه.

فعادوا إلى يثرب و أقاموا بها، فكان هذا أول تاريخ سكنى اليهود الحجاز و المدينة!! ثم لحق بهم بعد ذلك بنو الكاهن بن هارون- شقيق موسى بن عمران- فكانت لهم الأموال و الضياع بالسافلة- و السافلة هي ما كان في أسفل المدينة إلى جبل أحد أما العالية فهي ما كان فوق المدينة فزعم بنو قريظة أنهم مكثوا كذلك زمانا.

26

و غزا الروم الشام و احتلوها و قتلوا من بني إسرائيل خلقا كثيرا فخرج بنو قريظة، و النضير، و هدل، هاربين من الشام يريدون الحجاز لينضموا إلى الإسرائيليين هناك و يسكنوا معهم، و وجه ملك الروم في طلبهم من يردهم فأعجزوا رسله و فاتوهم على ما تقول الأخبار، و الراجح هو أن الروم قد طاردوهم فهاجروا إلى الحجاز لأول مرة و سكنوا المدينة و أطرافها منذ ذلك التاريخ‏ (1).

و في الأساطير التي جاء بها بعض مورخي الحجاز من اليهود أن سبب نزول اليهود (يثرب) هو أن ملك الروم حين ظهر على بني إسرائيل و احتل الشام خطب إلى بني هارون ابنة منهم، و لما كان زواج اليهودية بالمسيحيين و غيرهم ليس جائزا فقد تحير اليهود في الأمر، و خافوا بطش الملك فجاملوه و تحببوا إليه، و سألوه ان يشرّفهم بزيارته لهم، و حين جاءهم فتكوا به و بمن معه و هربوا إلى الحجاز و أقاموا بها.

و يقول ابن النجار: و كان هذا أول سكنى اليهود الحجاز بعد العماليق و كان الحجاز أكثر بلاد اللّه شجرا، و أظهره ماء، فنزل اليهود منه حيث شاؤا، بعد ان هاجروا بسبب اضطهاد الروم لهم، و يؤيد ذلك ما جاء في المصادر الإفرنجية؛ أن مستعمرات اليهود في الحجاز كقرى خيبر و غيرها قد كوّنها اليهود الذين اضطهدهم أباطرة الرومان من أمثال (أدربان) الذي طردهم من فلسطين عام 132 (2).

و كان جمع من اليهود قد نزلوا (زهرة) و هي محل بين الحرة و السافلة مما يلي القف، و كانت لهم الأموال بالسافلة، و نزل جمهورهم بمكان يقال له (يثرب) بمجمع السيول: سيل بطحان و العقيق، و سيل قناة مما يلي رغاية.

____________

(1) معجم البلدان مادة (المدينة) مط صادر و دار بيروت.

(2) من تعليق لجمع من العلماء على كتاب الدرة الثمينة لابن النجار.

27

و خرجت قريظة و أخوانهم بنو هذل، و هدل، و عمرو، أبناء الخزرج بن الصريح ابن التوم بن السبط بن اليسع، بن العتين بن عيد بن خيبر ابن النجار بن ناحوم بن عازر بن هارون بن عمران، و النصر بن النجار بن الخزرج بن الصريح بعد هولاء، فتبعوا آثارهم و نزلوا بالعلية على واديين يقال لهما (مذينيب) و (مهزور)، فنزل بنو النضير على (مذينيب) و اتخذوا عليه الأموال، و نزل بنو قريظة و هذل على (مهزور) و اتخذوا عليه الأموال، و كانوا أول من احتفر بها الآبار، و اغترس الأموال، و ابتنى الآطام و المنازل، و قد قيل: إن جميع ما بنى اليهود بالمدينة كان تسعة و خمسين اطما أي قلعة (1).

*** إلى هنا و التاريخ لم يسلم من شوائب الأساطير و الحكايات المغرقة في الخيال و المزاعم التي تفتقر إلى تأييد مادي يعتمد الخطوط و النقوش و الآثار ليصحّ تعيين مبدء لتاريخ المدينة القديم و سكانها القدماء و أجناسهم، و كل ما يمكن الجزم به هو أن مدينة (يثرب) مدينة قديمة- كما قلنا- و مغرقة في القدم و قد ورد اسمها في الكتابات (المعينية) مما يدل على قدمها، و أن (المعينيين) قد استعمروها على ما يستنتج من تلك الكتابات، فقد كانت للمعينيين مستعمرات على طول الطريق التجاري من اليمن- مركز المعينيين- حتى تخوم الشام، فليس من المحتمل أن يكونوا قد تجاوزوا يثرب دون ان ينتفعوا بموقعها، و خصب أرضها، و كثرة مياهها، و اتخاذها مستعمرة لهم، و محطة لتجارتهم، لا سيما و أن مستعمراتهم كانت متصلة إلى شمال يثرب و على طول (وادي القرى).

و إذا كان اسم (يثرب) قد ورد في الكتابات المعينية القديمة فلا بد

____________

(1) الدرة الثمينة في تاريخ المدينة لابن النجار- الملحق الثاني لشفاء الغرام ص 324 مط عيسى البابي الحلبي بمصر.

28

أنها كانت من المواضع التي سكنتها جاليات من المعينيين ثم صارت إلى السبائيين بعد زوال مملكة معين‏ (1).

و لما كانت عوامل السكن و الاستيطان متوفرة في هذه البقعة من الأرض و لا سيما الزراعة كان من البدهي ان تكون يثرب مطمح الأنظار من قديم الزمان و أن يقصدها السكان من جميع الجهات، أما تاريخها فمثل تاريخ كثير من المدن القديمة المجهولة الأصل، فليس بالبعيد ان تكون كغيرها من المدن الزراعية نشأت في بادى‏ء الأمر قرية صغيرة ثم كبرت فكانت مركزا لملاكي الضياع و مسكنا للفلاحين و المزارعين الذين يذهبون صباحا إلى حقولهم و يعودون مساء إلى بيوتهم، و أن مثل هذا النهج في الحياة، و مثل هذا الأسلوب في معيشة السكان لمنتهج في أغلب المدن القديمة عند أول تكوينها و تمصيرها، و ما زال ساريا منذ عهد حمورابي حتى يومنا هذا (2) باستثناء المدن التي أنشئت لتكون مدينة منذ أول يوم كبغداد و القاهرة و سامراء و غيرها.

و كان ليثرب العوامل التي تستدعي قيامها في هذا الموضع من الحجاز و تستدعي ان يمتد نفوذها إلى مناطق بعيدة واسعة تشمل قرى و ضياعا و أودية.

و القرى المحيطة بيثرب القديمة ككل القرى الأخرى يومذاك، كانت تتألف في الأول من عدد من البيوت، و تضم عددا من الأسر تكثر و تقل تبعا لأهمية موقع القرية و طبيعتها و عواملها الأخرى، و تشد هذه الأسر روابط من الرحم و القرابة أو الجوار أو المصالح المشتركة، فإذا كانت القرية واقعة في منطقة زراعية آل امتلاكها و زعامتها في الغالب إلى شيخ‏

____________

(1) الدكتور جواد علي ج 3 ص 395 أخرجه أحمد ابراهيم الشريف في (مكة و المدينة في الجاهلية و عهد الرسول).

(2) جغرافية العالم الإقليمية- مؤسسة فرنكلين ج 2 مط دار الحياة ببيروت.

29

أو رئيس قبيلة (1) ثم تؤول هذه الزعامات إلى زعيم واحد يكون ملكا أو أميرا أو رئيسا كبيرا أو أية شخصية ذات نفوذ و وجاهة و قوة، و حين يتساوى النفوذ بين صغار الرؤساء أو الكبار تقع الحروب القبلية و تستمر على مرور السنين حتى يتم خضوع الضعيف من القبائل و الأسر للقوي المتنفذ، أو يحصل اتفاق تفرضه المصلحة بين الزعماء يكون من شأنه تحديد النفوذ و السلطة و تعيين حدود كل رئيس و علاقته بالآخرين من أتباعه أو جيرانه أو أصدقائه و أعدائه، و قد مرّ مثل هذا على يثرب فمرّ تاريخها بالشي‏ء الكثير من الخصومة و المعارك و الصلح و المسالمة، و شهدت في مختلف أدوارها ممن حكمها ما رفع قدرها حينا و ما ألحق بها من الخسائر و الأضرار حينا آخر.

و على هذا النهج قامت هذه المدينة، و سكنتها قبائل لها صولة و جولة و مكانة في تاريخ جزيرة العرب.

*** و كلما بدأ الزمن يدنو من ظهور الإسلام كان يتلاشى أثر الأساطير و الأخبار في تدوين التاريخ المقارب للواقع، إذ يكون الرواة أقرب إلى مصدر الخبر و الوقوف على الوقائع عن كثب و تلقي الأخبار عن الثقاة في سلسلة قصيرة لا تسمح الظروف بإضافة نسبة كبيرة من الحلقات المختلفة إليها.

و أن مثل هذا التاريخ القريب من الواقع بعض القرب و الذي قد نجد لبعض حكاياته ما يسنده من الآثار قد بدأت علائمه منذ ظهور اليهود و الأوس و الخزرج على مسرح تاريخ المدينة، على رغم ما فيه من مبالغة و إغراق.

____________

(1) المصدر المتقدم.

30

فالحقيقة التي يمكن أن يتوصل اليها المؤرخ هي أن اليهود قد نزلوا يثرب سواء تم نزولهم في أيام موسى و في أثناء حربه العمالقة الذي نستبعده نحن- أو بدفعات نتيجة للعوامل الطبيعية و الظروف التي تحتم على الأقوام الهجرة- و هو ما نميل اليه و نأخذ به- و أنهم بناء على ما عرفوا به من نزعة في كيفية استثمار الأموال و التجارة و استغلال مرافق الحياة و قصر المنفعة عليهم دون غيرهم استطاعوا أن يستولوا على ثروة البلاد و يسخروا مواردها لمنفعتهم حتى لقد استأثروا بثروة (يثرب) كلها، و كانت المدينة كما أشرنا من حيث الخصب و الشجر و المياه و الموقع التجاري الاستراتيجي مطمح الأنظار فكان لها من القابلية ما تستوعب سكنى الكثيرين من المهاجرين.

و كان أشهر اليهود الذين أمسكوا بزمام البلد و استولوا على مرافقة الزراعية و التجارية بنو قريظة و بنو النضير، حتى صاروا ملوكا، و كانت يثرب و تهامة في الجاهلية تدفع الخراج لعامل عليها من قبل (مرزبان) فلما قويت شوكة اليهود و أصبحوا حكاما بدأ سكان يثرب و ضياعها يدفعون الخراج لليهود و لذلك قال بعض الأنصار:

نؤدّي الخرج بعد خراج كسرى‏* * * و خرج بني قريظة و النضير (1)

____________

(1) معجم البلدان مادة (يثرب) مط صادر و دار بيروت.

31

الأوس و الخزرج‏

و في هذا الوقت او قبله كان قوم من القحطانيين آخرون و هم الأوس و الخزرج قد نزحوا من اليمن و نزلوا يثرب، و لنزوحهم من اليمن قصص و حكايات لا يطمئن اليها المؤرخون المتثبتون، و كل ما يمكن استخلاصه هو أن الأوس و خزرج و هم أبناء حارثة ابن ثعلبة قد هاجروا من اليمن إلى المدينة في دفعات، و استوطنوا يثرب كما فعل اليهود بناء على وفرة مياهها و رغد العيش فيها، و أقاموا بين قريظة و النضير، و خيبر، و تيماء، و وادي القرى، و نزل أكثرهم في يثرب، و كثيرا ما هاجر القحطانيون من اليمن عند نزول الشدائد و الكوارث- كما قلنا- حتى لقد تم لهم حين تكاثروا ان ينشؤوا دولا كدولة الغساسنة في الشام، و دولة المناذرة في العراق، و كندة بنجد و قد سبقت الإشارة إلى ذلك.

و جاء في دائرة المعارف أن القحطانيين خارج اليمن كانوا تسع عشرة قبيلة- أي قبائل يمانية غير عدنانية- و هي:

قبائل طي، و الأشعر، و بجيلة، و جذام، و الأزد، و عاملة، و كندة، و لخم، و مذحج، و همذان، و مازن، و غسان، و عدنان، و مزيقيا، و أزد، و شنوءة، و الأوس، و الخزرج، و خزاعة، و لكل من هذه القبائل بطون، و أفخاذ، و عمائر، و عشائر لا سبيل لحصرها.

فليس من الشرط أن تختلق لنزوح الأوس و الخزرج معاذير و أسباب‏

32

أكثر من أنها نزحت كما تنزح سائر القبائل حين تشتد بها الحاجة كأن يصيبها المحل، أو تبددها الحروب، أو تحل بها كارثة عامة، و لعل لانهيار سد مأرب الأثر الكبير في مثل هذا التفرق الذي ظهر على القبائل القحطانية في اليمن.

و كان في (المدينة) قرى و أسواق لليهود من بني إسرائيل كما مر و كان قد نزلها عليهم أحياء من العرب قبل نزول الأوس و الخزرج و هم:

بنو أنيف، حي من بلى و قيل إنهم من بقايا العمالقة، و بنو مريد و هم حي من بلى أيضا و بنو معاوية بن الحارث بن بهثة بن سليم بن منصور ابن عكرمة بن خصفة بن قيس ابن عيلان، و بنو الجذما و هم حي من اليمن، فبنوا الآطام و المنازل في يثرب و كانت الاطام عزّ أهل المدينة و منعتهم التي يتحصنون فيها من عدوهم فكان منها ما يعرف اسمه، و منها ما لا يعرف اسمه، و منها ما يعرف باسم سيدها، و منها ما لا يدرى لمن كانت هذه الحصون و منها ما جاء ذكرها في الشعر، و منها ما لم تذكر، و كان ما بني من الاطام للعرب بالمدينة ثلاثة عشر أطما (1).

و قال ابن النجار عن العرب الذين كانوا في المدينة قبل نزول الأوس و الخزرج نقلا عن عبد العزيز بن عمران أنهم أحياء من العرب منهم أهل التهمة تفرقوا جانب بلقيز إلى المدينة فكانت منازلهم بين مسجد الفتح إلى يثرب في الوطا و جعلوا الجبل بينهم و بين المدينة و قد أبّروا الآبار و زرعوا الأرض و عمروها.

و حين نزول الأوس و الخزرج المدينة كان فيها من اليهود بنو قريظة، و بنو النضير، و بنو محمحم، و بنو زعورا، و بنو قينقاع، و بنو ثعلة، و أهل زهرة، و أهل زبالة، و أهل يثرب، و بنو القصيص، و بنو

____________

(1) الدرة الثمينة في تاريخ المدينة لابن النجار ص 325 من الملحق الثاني على كتاب شفاء الغرام مط احياء الكتب العربية.

33

فاعصة، و بنو ماسكة و بنو القمعة، و بنو زيد اللات، و هم رهط عبد اللّه، و بنو عكوة، و بنو مرانة.

و لا يعلم كم لبث الأوس و الخزرج حتى استقر بهم المقام و حتى صار لهم شأن يذكر بين اليهود الذين كانوا يملكون المال و القلاع و السلطة الزمنية في يثرب و ضياعها، بحيث رأى اليهود ان مصلحتهم تستدعيهم إلى ان يعقدوا بينهم و بين الأوس و الخزرج حلفا و جوارا يأمن به بعضهم من بعض و يمنعون بهذا الحلف من يتحداهم بالغزو أو الحرب من الخارج، فتعاقدوا و تحالفوا و تشاركوا و تعاملوا، و لم يزالوا على ذلك زمنا طويلا، و قد أثرى الأوس و الخزرج و صار لهم مقام و جاه و صولة في يثرب.

و على أن الأوس و الخزرج و قبائلهم، و أن قريظة و بني النضير و سائر اليهود كانوا متقاربين في المجاورة و المنازل فقد اختصت كل جهة بكثافة معينة من تلك القبائل.

حضارة المدنية و منازل اليهود و العرب منها

فحرّة (واقم) و هي الحرة الواقعة شرقي (المدينة) كما عيّنا موقعها في محل آخر من هذا البحث كانت مسكونة بأهم قبائل اليهود من بني النضير و قريظة و عدد آخر من عشائر اليهود الأخرى، كما كانت تسكنها أهم البطون الأوسية من بني عبد الأشهل، و بني ظفر، و بني حارثة، و بني معاوية.

و تنقسم حرّة (واقم) باعتبار المنازل الواقعة منها قديما إلى خمس مناطق متجاورة، منطقتين منها كانتا لليهود، و ثلاث كانت للأوس.

و في منازل عبد الأشهل من الأوس كان يقوم حصنهم (واقم)

34

الذي سميت (الحرّة) باسمه، و قد ترك أصحاب هذه المنازل من اليهود و الأوس آثارا في (الحرّة) تدل على حضارة و نظام مدني لم يبق منها اليوم إلا أطلال دوارس، ذلك لأن هذه (الحرّة) صارت ميدان حرب حين ظهر الإسلام و استقر في المدينة و خان اليهود العهود و المواثيق التي كانت بينهم و بين النبي (ص‏) الأمر الذي اضطر النبي (ص‏) إلى محاصرة بني النضير من اليهود حتى أجلاهم، ثم حاصر بني قريظة حتى قضى عليهم‏ (1).

و من ذكر أسماء القصور و الحصون و القلاع في المدينة و ضواحيها و مما بقي من أطلالها حتى اليوم تقوم أدلة كثيرة على وجود حضارة ذات لون خاص عرفت به المدينة المنورة بين المدن العربية القديمة، فهذه القلاع الضخمة المشيدة في جميع أنحاء يثرب و المبنية بالصخور و الحجارة السوداء و التي لم يزل بعضها قائما كحصن (الضحيان)، و حصن كعب بن الأشرف النبهاني، و القصور المنتشرة هنا و هناك و لا سيما قصور وادي العقيق، و الأسوار التي كانت تحوط بعض القرى المنيعة، و الابهاء التي تحيط ببعض الأبنية كسقيفة بني ساعدة لتشير كلها إلى طراز خاص من الحضارة التي تدل على شي‏ء كثير من الاستقرار و الراحة و النعمة، إضافة إلى الصهاريج و أقنية المياه و حفر الآبار و تنظيم السقي و المزارع.

أما الأبنية العامة أو بيوت الطبقة الوسطى فعلى رغم بساطتها من حيث المواد و الطراز و الهندسة فهي الأخرى لا تخلو من مظهر من مظاهر الحضارة في مثل تلك العصور و في وسط محاط بقبائل البدو الرحل الذين لا تتجاوز حياتهم الحياة البدائية.

و يستبان من الحفريات التي يجريها المهندسون في المدينة المنورة اليوم‏

____________

(1) مكة و المدينة في الجاهلية و عهد الرسول ص 288 مط مخيمر.

35

لإقامة الأبنية الجديدة و شق الأسس أن كثيرا من ابهاء دور المدينة القديمة التي يعثرون عليها كانت مفروشة بالطوب المربع الأحمر، و مبنية بالطين، و اللبن، و الحجارة، و الراجح أنهم كانوا يستعينون بأخشاب الأشجار التي يأتون بها من الوديان فيعملون منها الأبواب و النوافذ، أما الزخرف فلم يكن معروفا في العمارة العربية قبل الإسلام و لا في الصدر الأول منه‏ (1)

و فيما يعثر عليه المهندسون و هم يشقون الأسس من أشياء، تكفي وحدها لتدل على لون الحياة الرفيهة التي لا يجوز اعتبارها حياة غير حضارية، و قد جاء في كتاب (آثار المدينة) لعبد القدوس الأنصاري:

أن العمال و هم يحفرون الأرض في (المدينة) لوضع نصب تذكاري سنة 1335 ه إذ انفتحت لهم هوة كشفت عن بيوت كانت سقوفها تحت طبقة هذه الأرض فنزلوا اليها و وجدوا بها ثيابا معلقة على حبال!! و مع بلاها فقد كانت محتفظة بشكلها و هندامها و هي متماسكة بحكم الرطوبة، و عدم تخلل الهواء للغرف الموجودة بها، فدمّروا البيوت، و شادوا عليها النصب و قد اتضح أن المدينة الحديثة مبنية فوق المدينة القديمة.

و عند دخول الإسلام المدينة كانت مواد البناء و هندسته عند الطبقة الوسطى لم تزل على ما هي عليه من أبعد العصور، و حين قام النبي (ص‏) ببناء أول مسجد أسهم هو و ابن عمه الإمام علي (ع) في العمل، و كانت مواد البناء كما تقول الأخبار من اللبن، و كان علي (ع) يعمل في البناء و يرتجز و يقول:

لا يستوي من يعمر المساجدا* * * يدأب فيها قائما و قاعدا

و من يرى عن الغبار حائدا

و كان عثمان بن عفان (ض) رجلا نظيفا متنظفا- على ما يصفون-

____________

(1) في منزل الوحي للدكتور هيكل ص 452 مط دار الكتب المصرية.

36

يحمل اللبنة فيجافي بها عن ثوبه فإذا وضعها نفض كمّه و ما يكون قد أصاب ثوبه من التراب‏ (1).

و معظم كثافة سكان اليهود كان (بزهرة) من منازل بني النضير، و بشمالها كانت منازل بني قريظة، و قد عرفت (غرس) منها بكثافة السكان.

قال الواقدي: و كانت منازل بني النضير بناحية (الغرس) (2) و في خارج المدينة، و في الضياع و القرى، دساكر و منازل اختصت باليهود من يثرب، و عجت بكثافة سكانها منهم خصوصا بعد أن تغلب عليهم الأوس و الخزرج ففر الكثير منهم إلى (خيبر) و إلى (فدك) و سائر القرى الأخرى و كانت لهم على (مذينيب) و (مهزور) بصورة خاصة- كما مر من قبل- منازل و مساكن و قلاع ما لبثت ان اكتظت بالسكان.

*** و كانت مصلحة السكن و الاستقرار هي التي تفرض على القبائل العربية و القبائل اليهودية الالتئام و التقارب و إلا فإن هذه القبائل كانت على طرفي نقيض في العادات و الأخلاق و التقاليد و الدين بصورة خاصة، فقد كان الأوس و الخزرج كسائر العرب يقدسون أصنام قريش بصورة عامة و على الأخص (مناة) بل لقد كان مناة هو الصنم الأكبر عند الأوس و الخزرج، و كان هذا الصنم منصوبا على ساحل البحر بناحية (المشلل) بقديد بين المدينة و مكة، و هو أقدم من الأصنام الأخرى كاللات و العزّى‏ (3) و سمت العرب: عبد مناة، و زيد مناة (4).

____________

(1) في منزل الوحي ص 448 مط دار الكتب المصرية.

(2) تاج العروس مادة (غرس).

(3) بلوغ الارب للالوسي ج 2 ص 202 ط 2 مط الرحمانية بمصر.

(4) لسان العرب مادة (مني).

37

و كانت العرب جميعا تعظم (مناة) و تذبح حوله، و لكن الأوس و الخزرج كانوا أشد إعظاما له من سائر القبائل و (مناة) الصنم هو (منوتن أو منوت‏Manavat عند النبط (1)».

*** و تكاثر نزول العرب في يثرب و أطرافها، و صار للأوس و الخزرج منازل و مبان و أملاك و أموال أكثر من ذي قبل، و لا بد أن تكون قد حدثت حوادث موضعية بين العرب و اليهود و هو أمر طبيعي كثيرا ما يحدث بين الأسرة الواحدة و البيت الواحد كما حدث بعد ذلك بين الأوس و الخزرج إضافة الى ان الحذر من ابرز طبيعة اليهود، فآلت تلك الحوادث الموضعية الى توتر الحالة العامة بين العرب و اليهود و استغل اليهود كثرتهم و تفوقهم على العرب فتنمروا للاوس و الخزرج و نقضوا العهود و الحلف الذي كان قائما بينهم و اعلنت الحرب، و كان مالك بن العجلان من الخزرج ابرز رجالات القبيلتين فسودّته القبيلتان عليهما، و احسن هذا تحشيد الرجال و توحيد الصفوف و الهجوم حتى استولى في المدينة على حصون اليهود و دفع بهم الى خارج يثرب، و الى الضياع التي يسكنها قومهم، و اتخذ هناك الأوس و الخزرج الديار و الأموال و تفرقوا في (عالية) المدينة و (سافلتها) و جاء بعضهم الى عفا من الأرض لا ساكن فيه فنزله و نزل بعضهم بعض قراها و اتخذوا فيها الأموال و الاطام فكان ما ابتنوا من الاطام مائة و سبعة و عشرين أطما (حصنا) و اقاموا كلمتهم و أمرهم مجتمع‏ (2) و صارت الكلمة العليا للأوس و الخزرج.

____________

(1) مكة و المدينة في الجاهلية و عهد الرسول ص 160 مط مخيمر.

(2) الدرة الثمينة في تاريخ المدينة، لابن النجار- الملحق الثاني لشفاء الغرام ص 327 مط دار أحياء الكتب بمصر.

38

الاسطورة

و هنالك اسطورة في كيفية تغلب الاوس و الخزرج على اليهود لا بأس من إيرادها هنا للاطلاع على ما تقول الاخبار عن هذه الحرب.

فلقد قيل ان مالكا هذا الذي سودّه الاوس و الخزرج عليهم قد استعان بابي جبيلة و هو احد ملوك الغساسنة في الشام على حربه حين تغلب اليهود على العرب فجاء ابو جبيلة بقومه و قتل اليهود في خدعة انطلت عليهم و مهد للاوس و الخزرج الاستيلاء على المدينة لان الاوس و الخزرج كانوا ضعفاء لا يقوون على الوقوف في وجه اليهود، فتقول الاسطورة:

إنه كان لبني اسرائيل في المدينة ملك يقال له (الفيطوان) و يقول ياقوت بل انه (الفطيون) استنادا الى ما جاء في كتاب ابن الكلبي، و كان اليهود، و الاوس و الخزرج يدينون له، و كانت له فيهم سنّة ألّا تزوج امرأة منهم إلا أدخلت عليه قبل زوجها حتى يكون هو الذي يفتضّها!! إلى ان زوجت اخت لمالك ابن العجلان فيها و هو ابن زيد السالمي الخزرجي، فلما كانت الليلة التي تهدى فيها الى زوجها خرجت على مجلس قومها كاشفة عن ساقيها و اخوها مالك في المجلس،

فقال لها-: قد جئت بسوءة بخروجك على قومك و قد كشفت عن ساقيك.

قالت-: الذي يراد بي الليلة أعظم من ذلك لأنني أدخل على غير زوجي.

ثم دخلت الى منزلها فدخل إليها اخوها و قد أرمضه قولها فقال لها:

- هل عندك من خبر؟

قالت- نعم فماذا؟

قال- أدخل معك في جملة النساء على (الفطيون)، فاذا خرجن من عندك و دخل عليك ضربته بالسيف حتى يبرد.

39

قالت- افعل.

فتزّيا بزي النساء، وراح معها، فلما خرجت النساء من عندها دخل (الفطيون) عليها فشدّ مالك بن العجلان بالسيف و ضربه حتى قتله و خرج هاربا الى الشام و قصد فيها ابا جبيلة،- و قيل بل فر الى اليمن و قصد تبع الاصغر بن حسان- و شكا الى ابي جبيلة ما كان من (الفطيون) و ما كان يعمل في نسائهم، و ذكر له انه قتله و هرب، و انه لا يستطيع الرجوع خوفا من اليهود، فعاهده ابو جبيلة ان لا يقرب امرأة، و لا يمسّ طيبا، و لا يشرب خمرا، حتى يسير الى المدينة و يذّل من بها من اليهود، و اقبل سائرا من الشام في جمع كثير مظهرا انه يريد اليمن حتى قدم المدينة، و نزل بذي حرض، ثم ارسل الى الاوس و الخزرج انه على المكر باليهود و هو عازم على قتل رؤسائهم، و انه يخشى متى علموا بذلك ان يتحصّنوا في آطامهم، و أمرهم بكتمان ما أسرّه اليهم، ثم ارسل الى وجوه اليهود ان يحضروا طعامه ليحسن اليهم و يصلهم، فأتاه وجوههم و اشرافهم و مع كل واحد خاصته و حشمه، فلما تكاملوا أدخلهم في خيامه، ثم قتلهم عن آخرهم، فصارت الاوس و الخزرج من يومئذ أعزّ أهل المدينة، و قمعوا اليهود، و سار ذكرهم، و صار لهم الأموال و الاطام‏ (1).

عودة الى التصافي‏

و يبدو من متابعة التاريخ ان المصلحة عادت فوفقت بين قبائل العرب و قبائل اليهود، و قد ساد الفريقين صفاء ضمنته احلاف و عهود جديدة، فقد حالف بعض اليهود الأوس، و حالف بعضهم الخزرج و في هذه المرة وقف كل فريق مع حليفه في الحروب بحكم المصلحة على الرغم من تعارض‏

____________

(1) معجم البلدان مادة (مدينة)- كتاب الدرة الثمينة في تاريخ المدينة لابن النجار ص 327- كتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير ج 1 ص 656 مط صادر و دار بيروت.

40

هذا الوقوف مع احكام التوراة، و قد ظل اثر هذه الاحلاف الى ما بعد الهجرة اذ ظل الأوس و الخزرج متمسكين بحلفهم مع اليهود، و قد أشارت بعض آيات القرآن الكريم الى هذا التمسك و التزام العرب بهذا الحلف و وعدهم لليهود بالنصرة إذا ما قامت حرب ضدهم، و سمى القرآن اولئك بالمنافقين لانهم اظهروا الاسلام و قبلوه و مع ذلك فقد ظلوا على حلفهم و مواثيقهم و تضامنهم مع اليهود و ذلك في الآية الكريمة:

«أَ لَمْ تَرَ» يا محمد «إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا» فاظهروا الايمان و ابطنوا الكفر «يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ» في الكفر و هم‏ «الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ» يعني يهود بني النضير. «لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ» من بلادكم‏ «لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ» مساعدين لكم‏ «وَ لا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً» يعني في قتالكم و مخاصمتكم‏ «وَ إِنْ قُوتِلْتُمْ» معاشر بين النضير «لَنَنْصُرَنَّكُمْ» و لندفعن عنكم‏ (1).

و كانت صلات الاوس و الخزرج و اليهود بالقبائل العربية الاخرى و لا سيما قريش صلات طيبة، حتى لقد أصهر هاشم بن عبد مناف الى بني النجار الخزرجيين من أهل يثرب، و ظل ابنه عبد المطلب على صلة وثيقة باخواله هؤلاء، كما كان لغيره من زعماء مكة صداقات و اتصالات بزعماء يثرب، و لكن قريشا كانت تتجنب الحلف مع قبائل المدينة منعا لتورطها في دخول حلف ربما جرّ الى التدخل في الحروب الداخلية التي كانت تنشب من آن لاخر بين الاوس و الخزرج قبيلتي يثرب‏ (2)، و ظلت علاقة قريش طيبة مع يثرب برغم ما كان يمكن ان يحدث من تنافس بين المدينتين الواقعتين على طريق التجارة.

كذلك كانت صلات مكة باليهود جميعا طيبة في يثرب، و خيبر،

____________

(1) التبيان في تفسير القرآن للطوسي- سورة الحشر الآية 10 ج 9 ص 568 مط النعمان في النجف الأشرف.

(2) مكة و المدينة في الجاهلية و عهد الرسول ص 149 مط مخبمر.

41

و تيماء، و وادي القرى، كما كان اليهود يجلّون القرشيين و يعتبرونهم سادة العرب، و ملوك الناس، و لم يكن اليهود في جزيرة العرب يحفلون كثيرا بتعاليم التوراة التي تأمرهم بالابتعاد عن الوثنيين و تلزمهم بمعاداتهم، و محاربتهم، و إنما كانوا يجرون وراء مصالحهم المادية (1).

حروب المدينة و أيامها المشهورة

و كان من الطبيعي بعد ان صفا الجو للاوس و الخزرج و اصبحوا هم الآمرين و الناهين في يثرب أن يدّب الخلاف بينهم بداعي احتكار السلطة و المنفعة لا سيما و قد أمنوا جانب اليهود و لم يستطع الاصل و النسب المشترك ان يحول دون التنافس بينهما و ذلك لداعي تنازع البقاء فقامت بين القبيلتين حرب طاحنة لم تخمد نيرانها مرة الا و تشب من جديد، و قد اشار المؤرخون الى العداء القائم بينهم و وصفوه بكونه عداء تجاوز حد الوصف!!

روى الطبري قال: حدثنا ابن حميد قال: حدثنا سلمة قال: قال ابن اسحاق: كانت الحرب بين الاوس و الخزرج عشرين و مائة سنة!! حتى قام الاسلام و هم على ذلك فكانت حربهم بينهم و هم اخوان لأب و ام فلم يسمع بقوم كان بينهم من العداء و الحرب ما كان بينهم‏ (2) و كان لهم من العز و الجاه و التاريخ الذي حكى الشعر جانبا كبيرا منه ما سجل الكثير من المفاخر العربية في شتى الميادين فتهدم هذا بسبب تلك الحروب حتى ضعف شأن هاتين القبيلتين، و ضاع بسبب ذلك الكثير مما اكتسبت المدينة من المجد و العز و الجاه و الثروة.

و قد عرفت لحروبهم ايام مشهودة اشهرها: يوم الصفينة، و هو اول يوم جرت الحرب فيه، و يوم السرارة، و يوم وفاق بني خطمة،

____________

(1) المصدر المتقدم.

(2) دائرة معارف القرن العشرين مادة (الأوس).

42

و يوم حاطب بن قيس، و يوم حضير الكتائب، و يوم أطم بني سالم، و يوم أبتروه‏ (1) و يوم البقيع، و يوم بعاث، و يوم مضرس و معبس، و يوم الدار، و يوم بعاث الاخر، و يوم فجار الانصار.

و كانوا ينتقلون- كما يقول اليعقوبي- في هذه المواضع التي تعرف ايامهم بها و يقتتلون قتالا شديدا (2).

و لم تقتصر حرب المدينة على الاوس و الخزرج و إنما شاهدت المدينة من غزو الغازين حروبا ضارية كان من اشهرها غزوة تبّع الاخر للمدينة، و هو تبان أسعد أبو كرب، و كان قد جاء من المشرق جاعلا طريقه على المدينة، و كان حين مرّ بها في بدأته لم يهج أهلها و قد خلف بين اظهرهم ابنا له فقتل ابنه هذا غيلة فقدم تبّع و هو مجمع لإخراب (المدينة) و استئصال أهلها، و قطع نخلها، فجمع له هذا الحي من الانصار حين سمعوا بذلك من أمره ليمتنعوا منه، و كان رئيسهم يومئذ عمرو بن الطلة احد بني النجار من الخزرج ثم أحد بني عمرو بن مبذول، فخرجوا لقتاله، و الذي زاد من حقد تبّع و موجدته على يثرب هو انه حين نزل بهم تصدى رجل من بني عدي بن النجار يقال له: أحمر، فقتل رجلا من أصحاب تبعّ و كان قد وجده في عذق له يجذّه على ما أورد الطبري، فضربه بمنجله فقتله و قال: «إنما الثمر لمن أبره» اي اصلح زرعه، ثم القاه حين قتله في بئر من آبارهم المعروفة يقال لها (ذات تومان) فوقعت الحرب بين تبّع و الاوس و الخزرج، و بينا كان تبّع على ذلك من حربه و حربهم يقاتلهم و يقاتلونه قال ابن حميد يحدّث عن سلمة عن محمد بن اسحاق: ان الانصار من الاوس و الخزرج زعموا انهم كانوا يقاتلون (تبّعا) بالنهار و يقرونه بالليل فيعجبه ذلك منهم‏

____________

(1) و في التعليق على هذا الاسم من تاريخ اليعقوبي ترجيح بأنه يوم البزوة، و البزوة موضع قريب من المدينة، ذكره ياقوت في معجم البلدان.

(2) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 27 مط- النجف.

43

و يقول: «و اللّه ان قومنا هولاء الكرام» (1).

و إذا صح هذا فيكون ما نسب لصلاح الدين الأيوبي من مثل هذا الاكرام مقتبسا من نهج الاوس و الخزرج و نبلهم في حرب تبّع.

و انتهت الحرب دون ان يستطيع تبعّ اخضاع المدينة، و لكنها كلّفت المدينة ما كلفت من الخسائر،

و في امتناع المدينة على تبعّ يقول شاعر من الانصار:

تكلّفني من تكاليفها* * * نخيل الاساويف و المنصعه‏

نخيلا حمتها بنو مالك‏* * * خيول ابي كرب المفظعة (2)

و يبدو ان حرب تبعّ هذه قد طالت فقد اشار إليها غير واحد من المؤرخين حتى عبّر عنها بالحروب، و من هؤلاء كان المسعودي الذي يذكر (تبّعا) هذا في ضمن ملوك اليمن و يقول: ثم ملك تبّع و هو الملك السائر من اليمن الى الحجاز و كانت له مع الأوس و الخزرج حروب، و أراد هدم الكعبة (3).

و من استعراضنا لتاريخ المدينة في زمن الجاهلية و لا سيما في السنوات الأخيرة ما قبل ظهور الاسلام نرى ان الحروب قد الحقت بالمدينة اضرارا كبيرة، و قد حال التنافس و العداء بين الأوس و الخزرج دون تقدم البلاد اكثر حتى ضج القوم، و حتى سئموا و راحوا يستنجدون بقريش في مكة فلم يجدوا فيهم عونا لأية جهة حتى قام الاسلام، فساوى بينهم و قضى على تلك العداوة التي تجاوز تاريخها الماية من السنين.

____________

(1) تاريخ الأمم و الملوك- الطبري ج 1 ص 530 مط الاستقامة بالقاهرة.

(2) المصدر المتقدم.

(3) مروج الذهب ج 1 ص 280 مط البهية المصرية.

44

طبيعة المدينة و سكانها و ميزتها

انفردت المدينة المنورة و سكانها بخصائص ميزتها بين الكثير من المدن العربية، القديمة قبل الاسلام، و قد زادها الاسلام بعد هجرة النبي (ص‏) اليها رفعة و علو شأن، تحدث عنها المؤرخون كثيرا فهي بلدة طيبة، مباركة، كثيرة الخيرات، عذبة المياه، و افرة النخيل و الثمار، و أهلها و سكنتها يودون الغرباء، و يحبون المهاجرين اليها (1) و من خصائصها التي عرفت بها في تاريخها القديم: ان من دخلها يشم رائحة الطيب على ما ادعوا، و للعطر فيها فضل رائحة لم توجد في غيرها على ما ذكر القزويني، و ان أهلها أحسن الناس صوتا! و قد قيل لبعض المدينيين: ما بالكم أنتم أطيب الناس صوتا؟ فقال: مثلنا كالعيدان خلت اجوافنا فطاب صوتنا (2) و لا نحتمل ان يكون خلو الجوف هنا بسبب قلة الطعام كما قد يتبادر الى الذهن- هذا اذا صحت الرواية- و الراجح أنه أراد ان ينفي النهم عن أهل المدينة الذي كان يستعيبه العرب.

و عن ابن عباس: ان النبي (ص‏) حين عزم على الهجرة قال: اللهم انك قد اخرجتني من أحبّ ارضك اليّ فأنزلني أحبّ ارضك اليك، فأنزله المدينة.

____________

(1) بلوغ الأرب للالوسي ج 1 ص 188 الثانية مط الرحمانية بمصر.

(2) آثار البلاد و أخبار العباد ص 107 مط صادر و دار بيروت.

45

و في الاخبار و الاساطير التي وردت في تاريخ العرب ما جاء في أمالي القالي عن خنافر بن التوأم الحميري- و قد مرت الاشارة اليه من قبل انه اوحى له (رئيّه)، أي الشبح الذي كان يظهر له، و نصحه بأن يتجه الى يثرب واصفا اياها بذات النخل، و واصفا أهلها بأهل الطول، و الفضل، و المواساة و البذل‏ (1) فاذا شككنا في ظهور الشبح فليس من شك في صحة وصف المدينة و أهلها.

و خص الاسلام المدينة بفضائل لم يخص بها غيرها من المدن، و من مناظرة الخليفة عمر بن الخطاب (رض) لعبد اللّه بن عيّاش يستدل بعض الرواة على تفضيل المدينة حتى على مكة المكرمة، فقد روي ان الخليفة عمر بن الخطاب قال لعبد اللّه:

- أأنت القائل: ان مكة خير من المدينة؟

فقال عبد اللّه بن عياش:- هي حرم اللّه و أمنه و فيها- اي في مكة- بيته، فقال عمر:- لا أقول في حرم اللّه و بيته شيئا، أأنت القائل .. الى آخره، و قالها ثلاث مرات!!

و من (المنتقى) قال محمد بن عيسى: و لو أقرّ له ابن عياش بذلك لضربه الخليفة عمر- يريد به تأديبه- على تفضيل مكة على المدينة لاعتقاده- أي لاعتقاد عمر ابن الخطاب- تفضيل المدينة على مكة، او هو يرى ترك الأخذ في تفضيل احداهما على الاخرى، إلا ان الوجه الاول اظهر لما اشتهر من اخذ الصحابة في ذلك دون نكير، و هذا تصريح من الخليفة عمر (ض) بأن المدينة أفضل من مكة (2).

و من فضيلة المدينة و رجحان عقول سكانها، و اخذهم الأمور بالموازين‏

____________

(1) أمالي القالي ج 1 ص 134 مط المكتب التجاري ببيروت.

(2) المدخل لابن الحاج. ج 2 ص 33 مط المصرية بالأزهر.

46

العقلية بالنسبة لامثالها من المدن العربية القديمة هو ان أغلب المدن و القرى قد افتتحت بالسيف، اما المدينة فقد افتتحت بالقرآن على ما تشير اليه الاخبار.

و مما روي عن رسول اللّه (ص‏) انه قال: «المدينة كالكير تنفي خبثها و ينصع طيبها» و قيل: انه قال: «أمرت بقرية تأكل القرى يقولون:

يثرب و هي (المدينة) تنفي الناس كما ينفي الكير خبث الحديد» (1) و قد علق ابن الحاج على هذا الخبر بقوله: و لا معنى لقوله تأكل القرى الارجحان فضلها عليها- اي على القرى- و زيادتها على غيرها.

و كثيرة هي الاخبار التي تميّز المدينة و تفضلها على غيرها و على مكة ايضا لخصائص طبيعية ذات علاقة بطيبها، و طيب سكانها، او ايمانها، و نصرتها لرسول اللّه (ص‏) و ايوائه، و ايواء المهاجرين، و ممن قال بتفضيلها من كبار الأئمة كان الامام مالك الذي رووا عنه انه قال: إن المدينة أفضل من مكة.

و مما روى ابو هريرة عن رسول اللّه (ص‏) انه قال: «من صبر على لأواء المدينة و شدتها كنت له يوم القيامة شفيعا او شهيدا» و قد تتنافى هذه الرواية في الظاهر مع طبيعة المدينة التي اشتهرت بالخصب و الرخاء و طيب السكان فالراجح ان النبي أراد باللاواء الشدّة العارضة التي اصابت المدينة من جراء و باء عارض حلّ بها في فترة من الزمان، و هي الفترة الاولى من التجاء المهاجرين الى المدينة فقد روي عن عائشة انها قالت:

لما قدم المهاجرون المدينة اشتكوا بها- اي مرضوا- فعاد النبي (ص‏) أبا بكر (ض) فقال:

- كيف تجدك؟ فقال ابو بكر:

____________

(1) المصدر المتقدم ص 37.

47

كل امرى‏ء مصبّح في أهله‏* * * و الموت أدنى من شراك نعله‏

ثم دخل النبي على عامر بن فهيرة فقال:

- كيف تجدك يا عامر؟ فقال عامر:

إني وجدت الموت قبل ذوقه‏* * * إنّ الجبان حتفه من فوقه‏

كالثور يحمي جلده بروقه

ثم دخل رسول اللّه (ص‏) على بلال، فقال:

- كيف تجدك يا بلال؟ فقال بلال:

ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلة* * * بفخّ و حولي أذخر و جليل‏

و هل أردن يوما مياه مجنّة* * * و هل يبدون لي شامة و طفيل‏ (1)

و إذا كان مجال الشكوك في صحة هذا الخبر من حيث الشعر واسعا و موضعا للمناقشة فليس هنالك اي شك في ان و باء من الحمى كان قد اجتاح المدينة في تلك الاوقات بحيث حمل النبي (ص‏) ان يدعو قائلا:

«اللهم حبّب الينا المدينة كحبنا مكّة و اشدّ، و صححّها، و بارك لنا في صاعها و مدّها، و انقل حمّاها فاجعلها بالجحفة» و ذلك حين رأى شكوى اصحابه من وباء المدينة (2) و اضاف بعضهم (خيبر) الى الجحفة في دعاء النبي و قال: ان النبي (ص‏) قال: و انقل حمّاها الى خيبر و الجحفة باعتبارهما من منازل اليهود.

و لا بد ان السجايا و الفضائل التي اتصفت بها المدينة كانت من مواريث اجيالها المتقدمة لان اكتساب هذه الصفات لا يمكن ان تأتي مرة واحدة و بين ليلة و ضحاها، و حين جاء الاسلام صقلها و أيد الطيب منها، و دعا

____________

(1) أخبار مكة و ما جاء فيها من الآثار للازرقي ج 2 ص 156 ط 2 مط دار الثقافة بمكة.

(2) المصدر المتقدم ص 155.

48

لنبذ الردى‏ء، من الاخلاق التي صاحبت الجاهلية، فكان للمدينة و سكانها من الانصار شأن بحيث اكثر القرآن من الثناء عليهم‏ (1).

و قد خصّ الكثير من أهل المدينة بخصائص اعتبرت قدوة عند المسلمين، و من بعض هولاء كان عاصم بن الأفلح، و كان حبيب بن ثابت، و كان حنظلة بن زاهب، و كان مالك بن التيهان الأوسي، و منهم كان سعد بن معاذ و هو سيد الاوس الذي قال عنه رسول اللّه (ص‏): اهتّز العرش بموت سعد بن معاذ، لقد قالها من باب المجاز تكريما لسعد، و ان لكل اولئك و امثالهم قصصا تدخل ضمن الاخبار اكثر مما تدخل ضمن التاريخ الممحوص.

و من اشهر اولئك كان خزيمة بن ثابت الاوسى المعروف بذي الشهادتين و قد شهد مع رسول اللّه (ص‏) بدرا و ما بعدها، و لقّب بذي الشهادتين لقصة اجمع عليها المؤرخون و قالوا: ان النبي ابتاع فرسا من أعرابي- كان اسمه كما جاء في اسد الغابة-: سواء بن قيس المحاربي فاستتبعه النبي ليقضي ثمن فرسه، فأسرع النبي (ص‏) المشي و ابطأ الأعرابي، و اعترض الاعرابي رجال يساومونه بالفرس و لا يشعرون ان النبي قد ابتاعه حتى زاد بعضهم الاعرابي في ثمن الفرس، فنادى الاعرابي و قال:

- إن كنت مبتاعا هذا الفرس- يخاطب النبي- فابتعه و إلا بعته ...

فقام النبي و قال:

- او ليس قد ابتعته منك؟

فقال الاعرابي- لا و اللّه و ما بعتك!!

قال النبي- بلى قد ابتعته منك.

فاجتمع الناس عليهما و هما يتراجعان، فجعل الاعرابي يقول:

____________

(1) آثار البلاد و أخبار العباد ص 109 مط صادر و دار بيروت.

49

- هلمّ شهيدا يشهد أني بعتك،

فجاء من المسلمين من قال للاعرابي: ويلك ان النبي لم يكن يقول إلا حقا، و جاءهم (خزيمة) فاستمع لمراجعة النبي و الاعرابي، و سمع الاعرابي يقول: هلمّ شهيدا يشهد اني بايعتك، فقال خزيمة: انا أشهد انك قد بايعته، فقال النبي: ما حملك على الشهادة و لم تكن معنا حاضرا؟

فقال خزيمة- صدّقت بما جئت به، و علمت انك لا تقول الا حقا، و في: رواية قال انا اصدّقك بخبر السماء و لا اصدّقك بما تقول- فقال رسول اللّه (ص‏) «من شهد له خزيمة او شهد عليه فهو حسبه».

و كان هذا سبب تلقيب خزيمة (بذي الشهادتين)، و اصبحت شهادته بعد هذا تعدل شهادة رجلين، حتى اذا أراد الخليفة عمر بن الخطاب (ض) ان يجمع القرآن قال: من كان تلقى من رسول اللّه شيئا من القرآن فليأتنا به، و كانوا قد كتبوا ذلك في الصحف، و الالواح، و العسب (جريد النخل) و كان عمر لا يقبل شيئا من ذلك حتى يشهد عليه شهيدان، فجاءهم خزيمة بالآية: «من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا اللّه عليه»، و اكتفى الخليفة بشهادته عليها و قال: «لا اسألك عليها شاهدا غيرك».

و اصبحت هذه الميزة لخزيمة مدعاة فخر لقبيلة الأوس، حتى اذا ما افتخر الحيّان: الاوس، و الخزرج، قال الاوس: «و منّا ... و منّا من جعل رسول اللّه شهادته بشهادة رجلين: خزيمة».

و استشهد خزيمة هذا تحت راية علي (ع) بصفّين سنة سبع و ثلاثين و أجمع المؤرخون في بيان وفاته و قالوا: شهد خزيمة مع عليّ (الجمل) و (صفين) كافا سلاحه و هو يقول: «لا اقاتل حتى يقتل عمّار فأنظر من يقتله فاني سمعت رسول اللّه (ص‏) يقول: «عمّار تقتله الفئة الباغية»

50

فلما قتل عمار، قال خزيمة: قد بانت لي الضلالة، ثم اقترب فقاتل حتى قتل‏ (1).

و إتماما للفائدة نأتي بخلاصة من تعليق العالم المحقق السيد مرتضى العسكري على مقتل خزيمة الرجل الذي تفخر به المدينة و تباهي بامثاله المدن الأخرى.

يقول العسكري: و كان وقع مثل خزيمة عظيما على أمير المؤمنين علي (ع) و قد ذكره بشجو في خطبته التي انتدب فيها أهل الكوفة لحرب اهل الشام، و قال: «ما ضرّ اخواني الذين سفكت دماؤهم بصفين ان يكونوا اليوم احياء يستسيغون الغصص، و يشربون الرنق- الى قوله-: اين اخواني الذين ركبوا الطريق، و مضوا على الحق، اين عمّار؟ و اين ابن التيهان؟

و اين ذو الشهادتين؟

هذا هو الصحابي خزيمة ذو الشهادتين. و كان في قصة استشهاده منقصة مزدوجة لبني أمية في قتلهم اياه و هو ذو الشهادتين و من مشاهير اصحاب رسول اللّه (ص‏)، و من مفاخر الاوس، و هذه هي المنقصة الاولى بكونهم قتلوا شخصا كهذا، و المنقصة الثانية كونهم قد اثبتوا انهم هم الفئة الباغية التي نسب النبي البغي للفئة التي تقتل خزيمة ..

و ان شهادة النبي (ص‏) في ضلالة قاتلي خزيمة قد حملت سيف بن عمر التميمي الذي وقف نفسه لخدمة بني أمية و ممالئة سلطتهم نشدانا للنعمة و الجاه، لقد حملته على ان يحاول محو هذا العار عن بني امية فيختلق صحابيا آخر باسم خزيمة بن ثابت ليكون هو المقتول في صفين بسيوف امية و ليس خزيمة ذا الشهادتين!؟ و قد وضع لذلك من الحديث ما انطلى امره على الطبري فاورده في تاريخه نقلا عن سيف الذي نقله عن محمد و عن طلحة و مضمونه: ان عليا (ع) لما رأى من أهل المدينة ما لم يرض،

____________

(1) خمسون و مائة صحابي مختلق- القسم الأول ص 332 دار الكتب بيروت.

51

جمع وجوه أهل المدينة و خطب فيهم، و طلب منهم ان ينصروه- على حد قول سيف- فأجابه رجلان من اعلام الانضار: ابو الهيثم بن التيهان- و هو بدري- و خزيمة بن ثابت- و قال سيف على ما روى الطبري:

و ليس هذا بذي الشهادتين لأن ذا الشهادتين مات في زمن عثمان (ض) و راح سيف يعزّز روايته هذه بما اختلق من الاخبار ليزيل ما علق بذهن الناس عن قاتلي خزيمة مبالغة في خدمته لبني امية.

و يقول العسكري: و يطول علينا المقام ان حاولنا إيراد اسماء الحاضرين من أهل المدينة مع الإمام علي (ع) في حروبه، لذلك سنقتصر على ذكر عددهم مما جاء في (تاريخ الاسلام الكبير) للذهبي فقد روى ان عدد أهل المدينة مع علي في (الجمل) كان اربعة آلاف، و في رواية بعدها: كان مع علي (ع) يوم وقعة الجمل ثمانماية من الانصار، و سبعماية ممن شهد بيعة الرضوان و في رواية بعدها: شهد مع علي يوم الجمل مائة و ثلاثون (بدريّا) و سبعماية من اصحاب النبي‏ (1) و كان معظم هؤلاء من الانصار المدينيين، و مثل هذه الاخبار عن أهل المدينة و رجالاتها تشهد بتميزها منذ العصور القديمة حتى العصر الاسلامي.

و يبدو من تصفح الاخبار و استعراض التاريخ ان أهل يثرب كانوا اكثر تبصرا بالأمور، و اكثر ادراكا لقيمة العقل، و اقل تعصبا للتقاليد الموروثة على رغم تلك الحروب الضارية التي كانت تقوم بينهم و بين من يغزوهم، و على رغم تعصب الاوس و الخزرج كل لآله و أسرته و قبيلته، و ليس أدلّ على فهم (المدينيين) و وعيهم من قبول الدعوة الاسلامية و هي دعوة جاءت لتهدم كل معتقداتهم، و تزيل من الوجود كل تقاليدهم‏

____________

(1) (خمسون و مائة صحابي مختلق) للسيد العسكري القسم الأول ص 335 مط دار الكتب ببيروت، و ليراجعه من يريد الاستزادة في التحقيق.

52

الموروثة، و تقلب حياتهم رأسا على عقب لو لم يكونوا على شي‏ء من الوعي و التروي و تحكيم العقل في الامور العامة،

فالمروي عن جابر بن عبد اللّه الانصاري: ان رسول اللّه (ص‏) لبث بمكة عشر سنين يتبع الحاج في منازلهم في الموسم بمجنّة، و عكاظ، و منازلهم بمنى، و يقول: من يؤويني و ينصرني حتى ابلغ رسالات ربي و له الجنّة؟

فلا يجد احدا يؤويه، و لا من ينصره، حتى ان الرجل الذي يريد ان يرحل من مصر او اليمن يأتيه قومه أو ذو رحمه فيقولون له: إحذر فتى قريش- يعنون محمدا- لا يفتنك- انه- يمشي بين رجالهم و يدعوهم- الى- اللّه عز و جل،- و هم- يشيرون اليه باصابعهم حتى- يقول جابر- بعثنا اللّه عز و جلّ من يثرب فيأتيه الرجل منّا فيؤمن به و يقرئه القرآن فينقلب الى اهله فيسلمون باسلامه حتى لم تبق دار من دور يثرب إلا و فيها رهط من المسلمين يظهرون الاسلام، ثم بعثنا اللّه عز و جل له فأتمرنا، و اجتمعنا سبعين رجلا منا فقلنا حتى متى ندع رسول اللّه (ص‏) يطرد في جبال مكة و يخاف؟- و يقول جابر الانصاري- فرحلنا حتى قدمنا عليه في الموسم فتواعدنا شعب (العقبة) و اجتمعنا فيه من رجل و رجلين حتى توافينا عنده، فقلنا يا رسول اللّه على من نبايعك؟ قال تبايعونني على السمع و الطاعة في النشاط و الكسل، و على التفقد في العسر و اليسر، و على الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و على ان تقوموا في اللّه لا تأخذكم في اللّه لومة لائم، و على ان تنصروني اذا قدمت عليكم يثرب فتمنعوني مما تمنعون منه انفسكم، و ابناءكم، و ازواجكم و لكم الجنّة.

يقول جابر الانصاري: فقمنا اليه نبايعه فأخذ بيده أسعد بن زرارة

53

و هو اصغر السبعين رجلا إلا أنا، فقال: رويدا يا أهل يثرب، إنّا لم نضرب اليه اكباد المطيّ إلا و نحن نعلم انه رسول اللّه، و ان إخراجه اليوم شيخ من شيوخ قريش على ما يتخيل (برتون) مترجم الف ليلة و ليلة الى الانكليزية

54

مفارقة العرب كافة، و قتل خياركم، و ان تعضّكم السيوف، فاما انتم قوم تصبرون على عضّ السيوف اذا مستّكم، و على قتل خياركم، و مفارقة العرب كافة، فخذوه و أجركم على اللّه، .. و اما انتم قوم تخافون على انفسكم خيفة فذروه هو اعذر لكم عند اللّه، قالوا أمط عنا يدك يا اسعد بن زرارة، لا تذر هذه البيعة و لا نستقبلها، فقمنا اليه رجلا رجلا يأخذ علينا شرطه و يعطينا على ذلك الجنة (1) و اصبح هذا المكان مسجد البيعة و هو واقع على يسار الذاهب الى منى، و يسمى الموضع الذي فيه المسجد (شعب البيعة) و (شعب الانصاري) و قد بقي اثره الى اليوم‏ (2).

و في الطبقات الكبرى لابن سعد ان النبي (ص‏) اقام بمكة ما اقام يدعو القبائل الى اللّه و يعرض نفسه عليهم كل سنة بمجنّة، و عكاظ، و منى، ان يؤوه حتى يبلغ رسالة ربه و لهم الجنة فليست قبيلة من العرب تستجيب له و يؤذى و يشتم حتى أراد اللّه اظهار دينه، و نصر نبيه، و انجاز ما وعده، فساقه الى هذا الحي- يريد به المدينة- من الانصار لما أراد اللّه بهم من الكرامة، فانتهى الى نفر منهم و هم يحلقون رؤسهم فجلس اليهم فدعاهم الى اللّه، و قرأ عليهم القرآن فاستجابوا للّه و لرسوله، فاسرعوا و آمنوا و صدقوا، و آووا، و نصروا، و واسوا، و كانوا و اللّه اطول الناس السنة؛ و أحدّهم سيوفا (3).

و مثل هذا الايمان الصادق، و مثل هذه الشجاعة التي لم تبال بجموع العرب في تألبهم على اليثربيين، و مثل هذه الشهامة التي لاحت من أهل المدينة في اپواء النبي لأمور ليس من السهل قبولها ما لم يكن لدى سكان هذه المدينة من سالف الزمن من المثل العالية، و الطيبة، و سمو الاخلاق‏

____________

(1) أخبار مكة للازرقي ج 2 ص 206.

(2) كتاب الاستبصار في عجائب الامصار ص 32 مط جامعة الاسكندرية 1958.

(3) الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ص 204 مط لجنة نشر الثقافة الإسلامية بمصر.