موسوعة العتبات المقدسة - ج9

- جعفر الخليلي المزيد...
320 /
5

الجزء التاسع‏

[المقدمة]

بسم اللّه الرحمن الرحيم و به نستعين‏

في هذا الجزء من قسم الكاظمين نكون قد اصدرنا ستة اجزاء من موسوعة العتبات المقدسة اختص جزء منها (بالمدخل) و جزء (بمكة المكرمة) و جز آن (بالنجف) و جزء (بكربلا) و نحن ماضون في نشر كل جزء يتم تأليفه حتى ينتهي العمل كله من تاريخ عتبة واحدة او ينتهي معظم العمل في بعض العتبات اذا شاء اللّه ذلك، اما انتهاء العمل من تاريخ العتبات كلها فأمر يتجاوز حدود المعقول، ذلك لان مثل هذا العمل يتطلب عمرا طويلا و جهودا متواصلة ليس من السهل توفيرها بأقل من ربع قرن على الأقل، فالأمل كله معقود على من يجي‏ء بعدنا ليواصل العمل على هذه الطريقة، مستعينا بعدد من الأساتذة المتخصصين حتى ينجز العمل كله، و حتى يضع لهذه العتبات تاريخا صحيحا مستخلصا من الحوادث و الوقائع الصحيحة المجردة من شوائب الروايات و هو التاريخ الذي ظلت المكتبة الاسلامية العربية في أمسّ الحاجة اليه منذ قيام هذه العتبات حتى اليوم.

و انه لمما يسرنا كل السرور ان نكون قد وفقنا في هذه المدة القصيرة الى ان نقطع مرحلة ربما كانت طويلة اذا ما قيست بوفرة الانتاج، و وعورة الطريق، حتى لقد أصبحت الأجزاء التي صدرت من هذه الموسوعة موضع اهتمام من لدن عدد غير قليل من الجامعات الغربية المحترمة اضافة الى الجامعات‏

6

الاسلامية، و هي اليوم تحتل من مكتبات 25 جامعة كبيرة مقاما محترما من قسم الاستشراق.

و مما زاد نشاطنا في تأليف هذه الموسوعة و المضي في تأليفها بجد مستمر هو انضمام عدد آخر من كبار اساتذة الجامعات و حملة الاقلام من ارباب الاختصاص الى حظيرتنا و المشاركة معنا في تأليف و تصنيف و ترجمة البحوث التي يستلزمها تأليف هذه الاجراء.

و اننا لنتوقع ان يكون عدد اجزاء قسم الكاظمين عشرة اجزاء اي بما يقارب ان يكون عشرة امثال هذا الجزء، و كل ما نرجوه هو ان يزيد اللّه من توفيقنا، و يبارك عملنا الذي من ورائه لم نبتغ غير الخدمة الخالصة للعلم الخالص، و للحقيقة التي كادت تضيع بسبب ما احاط بتاريخ هذه العتبات من غموض آنا، و مبالغات آنا آخر، و غمط للواقع بحيث اساء البعض منها الى التاريخ الاسلامي العام، و التاريخ العربي الخاص اساءآت غير مغتفرة، و اللّه من وراء القصد.

بغداد دار التعارف‏

7

الكاظمية قديما بحث يتناول منطقة مدينة الكاظمين و ما يحاذيها و يجاورها من المدافن و المساجد قبل تمصيرها

كتبه الدكتور مصطفى جواد خريج جامعة السوربون بباريس في التاريخ العربي و الاستاذ بجامعة بغداد و عضو المجمع العلمي العراقي ببغداد و المجمع العلمي العربي بدمشق‏

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

الكاظمية قديما

الكاظمية منسوبة إلى لقب الامام موسى بن جعفر الصادق العلويّ الحسينيّ، الملقب بالكاظم (ع)، و قد عرفت بهذه التسمية في عصرنا هذا، و كانت تعرف عند العامة بالكاظم على تقدير «بلدة الكاظم» و بالكاظمين‏ (1) على تقدير «بلدة الكاظمين» و عرفت قديما بالمشهد الكاظميّ و بمشهد موسى ابن جعفر- ع- و بمقبرة قريش، و من المؤرخين من يريد الاعمام و الابهام فيسميه «مشهد باب التبن» لقرب مقبرة قريش من مقبرة باب التبن الواقعة- كانت- في شرقي مقابر قريش و سنأتي على ذكرها مع المواضع الخاصة بها القريبة منها.

كانت أرض مقابر قريش أي دارة الكاظمية الحالية من الأرضين القديمة المسكونة التابعة لدولة الكشيين الذين جاؤوا في أواسط القرن الخامس عشر قبل الميلاد من الجبال الشمالية الشرقية من منطقة لورستان في ايران يقودهم زعيم لهم اسمه «كندش» فاحتلوا مدينة بابل و قارضين دولة بابل الأولى المعروفة باسم «الأمورية»، و اتخذوها مركزا لتنظيم أمورهم و تركيز سيطرتهم‏

____________

(1) جرت تثنية التغليب عند العرب على تقديم أقلها شهرة أو فضلا أو كبرا كالقمرين للشمس و القمر و لكن العامة لم يقولوا «الجوادين» الا نادرا، و ذلك رعاية للأدب في تقدم الامام موسى الكاظم على حفيده محمد الجواد بن الامام علي الرضا بن الامام موسى الكاظم.

10

و سلطانهم و تثبيت اداراتهم لأواسط ما يسمى بعد ذلك «العراق» و جنوبيه و قد ذكرت الكتابات التاريخية المسمارية أن عدّة ملوكهم الذين حكموا في هذه البلاد «76» ستة و سبعون ملكا حكموا «576» سنة قمرية. و قد تعلم الكشيون اللغة البابلية السامية مع انهم كانوا من الآريين، و كتبوا بها و استعملوا ايضا اللغة السومرية الآرية فضلا عن لغتهم الكشية في جملة من أخبارهم و اقتبسوا الحضارة البابلية و اعتّدوا بها، و كانت لهم اتصالات دولية واسعة بالملوك المثيانيين و الملوك الحثيين و الفراعنة بمصر و الشعوب المجاورة لهم فازدهرت التجارة في عصورهم و عم الرخاء البلاد في عهود العظماء من ملوكهم و كان منهم الملك «كاريكالزو» و هو الذي شيد للدولة عاصمة جديدة اطلق عليها اسمه المذكور و تعرف اطلالها و تلّها العظيم اليوم بعقرقوف، و هذا التلّ هو بقية زقورة المدينة، و قد استحاثت مديرية الآثار العامة في المدينة لقى أثرية نفيسة من مصوغات و أوان من الفخار و كتابات يشاهدها الزائر معروضة في القاعة البابلية من المتحفة العراقية (1)، (2) و لم نقف على اسم منطقة الكاظمية في عصر الكشيين و لا في عصور من حكموا قبلهم كالأكديين الساميين و البابليين و لا في عصر من حكموا بعدهم كالكلدانيين و الاخمينيين الايرانيين، و إنما نستطيع أن نذكر اسما لها يشبه الأسماء اليونانية و هو «قطربل» و هذا يدل على أن الاسم كان معروفا في أواخر القرن الرابع قبل الميلاد و هو القرن الذي أنشئت فيه دولة السلوقيين اليونانيين بعد وفاة الاسكندر المكدوني، و قد دلت الاستحاثات القديمة على وجود نقود يونانية في تلك المنطقة مخلوطة مع نقود غيرها و ذلك يدل على أن أحد سكان هذه المنطقة في العهود الاسلامية عثر عليها في أثناء

____________

(1) دليل المتحف العراقي «ص 32- 33» نشرة مديرية الاثار العامة سنة 1966

(2) و في (نزهة القلوب) لحمد اللّه مستوفي القزويني المطبوع بليدن ان الذي بنى عقرقوف هو كيكاووس الذي اطلق عليه اسم النمرود و نسبت له قصة ابراهيم، و الكتاب بالفارسية ص 39 الخليلي‏

11

حفر أسس لداره أو لعمارة أخرى من العمارات، ففي سنة «647» ه أمر الخليفة المستعصم باللّه أمر بعمارة مشهد الامام موسى بن جعفر- ع- في مقابر قريش المذكورة. فلما شرع الفعلة و البناة في ذلك وجدوا برنيّة أي بستوقة فيها ألف درهم قديمة منها يونانية عليها صور و منها ضرب بغداد و منها ما هو ضرب واسط، فعرضت على الخليفة. المذكور آنفا فأمر أن تصرف في عمارة المشهد فاشتراها الناس بأوفر الأثمان و أهدي منها إلى الأكابر، فنفّذوا إلى المشهد أضعاف ما كان حمل اليهم منها (1).

و وجدت دراهم يونانية أيضا في مقبرة الشهداء الآتي ذكرها من بعد و كانت في الغرب الجنوبي من مقابر قريش، و على صلة بمقابر باب حرب من الغرب فقد جاء في الكتاب الذي نقلنا منه خبر العثور على الدراهم اليونانية و غيرها في أخبار سنة 641 أن ميتا حمل الى مقبرة الشهداء ليدفن فيها فلما حفر الحفار قبرا له فوجد في الحفر جرّة مملوءة دراهم يونانية و دراهم اسلامية مما ضرب بالمدينة المنورة فأحضرها الى المحتسب ببغداد فحملها المحتسب الى دار الوزير نصير الدين أحمد بن الناقد وزير الخليفة المستعصم باللّه فأمره بالمضني الى المقبرة و اعتبار الحفر أي فتشه فحضر و حضر حول القبر فوجدوا جرة أخرى كان بها نحو عشرة آلاف درهم‏ (2).

و كانت المنطقة التي فيها مقابر قريش تعرف في أيام الساسانيين بطسّوج قطربل أي كورة قطربل و كانت تروى من نهر يتفرع من الجانب الأيمن من دجلة و يعرف بنهر دجيل و لا يزال عقيقه و مجاري شعبه و شاخاته ظاهرة بين البلدة المعروفة باسم «بلد» و بغداد، و كان نهر يفصل بين طسّوج قطربّل و طسّوج بادوريا في الجنوب يعرف بنهر الصراة يتخلج من نهر

____________

(1) كتاب الحوادث الذي سمي الحوادث الجامعة و هي في أخبار سنة 647

(2) المرجع المذكور في حوادث سنة 641

12

عتيق يأخذ ماءه من الفرات و عرف في أيام الساسانيين باسم نهر رفيل و في أيام العباسيين و بعدهم باسم نهر عيسى بن علي عم أبي جعفر المنصور.

و مقبرة الشهداء التي ورد ذكرها آنفا هي على المشهور مقبرة الشهداء المسلمين الذين حاربوا الخوارج قرب أرض الكاظمية فأثخنتهم الجراح و ماتوا فدفنوا هناك أعني في غربي الكاظمية الجنوبيّ سنة 37 ه.

و قيل بل حملوا من ساحة الوغى في وقعة النهروان و هم مرتثّون فأدركهم الموت في ذلك الموضع، قال الخطيب البغدادي:

«و بالقرب من القبر المنسوب الى هشام (بن عروة بن الزبير بن العوام) بالجانب الغربي قبور جماعة تعرف بقبور الشهداء لم أزل أسمع العامة تذكر أنها قبور قوم من أصحاب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، كانوا شهدوا معه قتال الخوارج بالنهروان و ارتثّوا في الوقعة ثم لما رجعوا أدركهم الموت مدينة الكاظمين من الطائرة

13

في ذلك الموضع فدفنهم علي هناك و قيل انّ فيهم من له صحبة و قد كان حمزة بن محمد بن طاهر ينكر أيضا ما اشتهر عند العامة من ذلك و سمعته يزعم أن لا أصل له و اللّه اعلم» (1).

قلنا: إن اعتداد الخطيب البغدادي لحمزة بن محمد بن طاهر من المنكرين يشير الى غيره ممن يلقي الكلام على عواهنه، فقد ذكر الخطيب في تاريخه قبل ذلك في الكلام مسجد العتيقة المعروف قديما و حديثا بمسجد المنطقة القائم المعمور اليوم بين بغداد و الكاظمية ما هذا نصه: «قال الشيخ أبو بكر: و في سوق‏ (2) العتيقة مسجد تغشاه الشيعة و تزوره و تعظمه، و تزعم أنّ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلى في ذلك الموضع و لم أر أحدا من أهل العلم يثبت أنّ عليّا دخل بغداد و لا روي لنا شي‏ء غير ما أخبرنا به القاضي ابو عبد اللّه الحسين بن علي الصيمريّ قال أنبأنا أحمد بن محمد بن علي الصيرفي أنبأنا القاضي محمد بن عمر الجعابي الحافظ- و ذكر بغداد- فقال: يقال إن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب اجتاز بها إلى النهروان راجعا منه و أنه صلىّ في مواضع منها فان صحّ ذلك فقد دخلها من كان معه من الصحابة.

قال الشيخ أبو بكر و المحفوظ أن عليّا سلك طريق المدائن في ذهاب النهروان و في رجوعه و اللّه أعلم. حدثني أبو الفضل عيسى بن أحمد بن عثمان الهمذاني قال سمعت أبا الحسن بن زرقويه يقول: كنت يوما عند أبي بكر الجعابي فجاءه قوم من الشيعة فسلموا عليه و دفعوا إليه صرّة فيها دراهم ثم قالوا له: أيها القاضي إنك قد جمعت أسماء محدثي بغداد و ذكرت من قدم إليها و أمير المؤمنين علي بن أبي طالب قد وردها فنسألك أن تذكره في كتابك. فقال: نعم يا غلام هات الكتاب. فجي‏ء به، فكتب فيه (و أمير

____________

(1) تاريخ بغداد «1: 126».

(2) جاء في الاصل المطبوع بمصر «و في السوق العتيقة» يجعل العتيقة صفة للسوق و هو تحريف لا ندري مأتاه لأن العتيقة اسم من اسماء الأعلام لموضع ما يعرف اليوم بالمنطقة و ما حولها و اسمها الآرامي «سويانا» و سيأتي ذكرها في البحث فالتركيب إضافي لا وصفي.

14

المؤمنين علي بن أبي طالب يقال إنه قدمها) قال ابن زرقويه: فلما انصرف القوم قلت له: أيها القاضي هذا الذي ألحقته في الكتاب من ذكره؟ فقال:

هؤلاء الذين رأيتهم، أو كما قال: (1)

قلنا: و زاد الخطيب و غيره توهين ما ذكره الشيعة من مرور الامام عليّ ابن أبي طالب بهذه المواضع و نفي دخوله بغداد في العصر الذي كانت فيه قرية من القرى المشهورة المسكونة، و هؤلاء المنكرون كانوا من القرون المتأخرة بالنسبة الى وقعة النهروان، فلا حق لهم في انكار ذلك من غير رجوع الى التواريخ المعتمدة و الأخبار المسندة، و من يقرأ أخبار وقعة النهروان في تاريخ الطبري محمد بن جرير يعلم أن جيش الامام علي- ع- قد وطى‏ء هذه الأرض القريبة من أرض الكاظمين، و سنذكر من غير تاريخ الطبري أن الامام عليا- ع- مرّ بقرية تعرف بقطفتا باسمها الآرامي الدال على قطف الثمار و هي التي صارت محلّة من محال بغداد الغربية أيام بني العباس و وصفها ياقوت في معجم البلدان و ذكرها غيره.

[اخبار وقعة الخوارج‏]

قال الطبري في حوادث سنة 37 و هو يروي أخبار وقعة الخوارج:

«و أرسل عديّ بن حاتم الطائي إلى سعد بن مسعود الثقفي عامل علي على المدائن يحذره أمرهم- يعني أمر الخوارج- فحذر و أخذ أبواب المدائن و خرج في الخيل و استخلف بها ابن أخيه المختار بن أبي عبيد و سار في طلبهم، فأخبر عبد اللّه بن وهب الراسبي خبره فرابأ طريقه و سار على بغداد و لحقهم سعد بن مسعود الثقفي بالكرخ في خمسمائة فارس عند المساء، فانصرف إليهم عبد اللّه في ثلاثين فارسا فاقتتلوا ساعة، و امتنع القوم منهم، و قال أصحاب سعد لسعد: ما تريد من قتال هؤلاء و لم يأتك أمر؟ خلّهم فليذهبوا و اكتب الى أمير المؤمنين فان أمرك باتباعهم اتبعتهم و إن كفاكهم غيرك كان في ذلك عافية لك. فأبى عليهم فلما جنّ الليل خرج عبد اللّه بن وهب‏

____________

(1) تاريخ بغداد «1: 90»

15

الراسبي فعبر دجلة إلى أرض جوخا و سار إلى النهروان فوصل الى أصحابه و قد أيّسوا منه و قالوا: إن هلك و لينا الأمر زيد بن حصين أو حرقوص ابن زهير، و سار جماعة من أهل الكوفة يريدون الخوارج ليكونوا معهم فردّهم أهلوهم كرها ... قال ابو مخنف حدثني يوسف بن يزيد عن عبد اللّه ابن عون قال: لما أراد علي المسير إلى أهل النهر من الأنبار قدّم قيس بن سعد بن عبادة و أمره أن يأتي المدائن فينزلها حتى يأمره بأمره، ثم جاء مقبلا اليهم و وافا قيس سعد بن مسعود الثقفي بالنهر و بعث إلى أهل النار:

ارفعوا إلينا قتلة اخواننا منكم نقتلهم بهم ثم أنا تارككم و كافّ عنكم حتى ألقى أهل الشام فلعل اللّه يقلب قلوبكم و يردكم إلى خير مما أنتم عليه من أمركم ... قال أبو مخنف: حدثني مالك بن أيمن عن زيد بن وهب أنّ عليا أتى أهل النهر فوقف عليهم فقال: أيتها العصابة التي أخرجها- عداوة- المرار و اللجاجة، و صدّها عن الحق الهوى، و طمح بها النزق، و أصبحت في اللبس و الخطب العظيم، إني نذير لكم ان تصبحوا تلفكم الأمة غدا صرعى بأثناء هذا النهر و باهضام هذا الغائط» (1).

و إذا استخلصنا هذا الخبر نستطيع أن نقول إن الخوارج في هربهم من الكوفة أرادوا التوجه إلى المدائن أيام كانت من مدن العراق الكبيرة الحصينة ليتخذوها معقلا، فمنعوا من دخولها فارتفعوا نحو الشمال و مرّوا ببغداد حين كانت قرية من القرى المشهورة على دجلة في أرض الصالحية الحالية من غربي بغداد، و تعقبهم قائدان من قواد الامام علي- ع- و عامل من عماله هو سعد بن مسعود الثقفي فلحق بهم في الكرخ أيام كانت قرية كبيرة محصنة كما يدل عليها اسمها، و كانت بين أرض الشالحيّة و الفلاحات من الجانب الغربيّ، و الشالحية مجاورة لأرض العتيقة المعروفة بقرية «سونايا» قديما و في عهد الامام علي- ع- و قبله و بعده حتى عصر العباسيين فقد سمّوها

____________

(1) تاريخ الطبري «6، 42، 48 طبعة مصر الأولى»

16

«العتيقة» لأنها أقدم زمنا و وجودا من مدينة السلام التي أنشأها أبو جعفر المنصور في شمالها الغربيّ، و كان قريبا من الشالحية موضع مقبرة الشهداء المذكورة آنفا، و نستخلص أيضا أن جيش سعد بن مسعود الثقفي و عصبة الخوارج اقتتلوا ساعة قرب الكرخ، و لم يكن بد من أن تكون بين الفريقين جراحات مثخنة فيهم أدّت الى موت عدة فرسان من جنود الامام عليّ فدفنوا هناك، و تسمّوا الشهداء، و نستخلص بعد ذلك أن الخوارج قد هرب معظمهم من نواحي الكرخ متجهين إلى الشرق بعد عبورهم دجلة و بقي عبد اللّه بن وهب الراسبي مع الباقين من الثلاثين فارسا الذين حاربوا جنود الامام علي- ع- فلما أطلّ عليه الليل لحق بأصحابه عابرا دجلة أيضا قرب أرض الكاظمية، ثم اتجه نحو طريق بعقوبا و التقى القوم عند فم النهروان وقعت وقعة النهروان قبل عبور الخوارج النهروان. و نستخلص أخيرا أن الامام عليا- ع- في تعقيبه الخوارج سلك طريق الأنبار و أقام فيها و قدم عليه بها قيس بن سعد بن عبادة الخزرجي الأنصاري ثم انحدر الامام- ع- من الأنبار نحو الخوارج و هذا معناه أنه سلك طريق الفلوجة فبغداد ليعبر دجلة إلى نواحي النهروان من المعبر المشهور عند قصر سابور قرب موضع مدرسة الكرخ الثانوية الحالية و هو المعبر الذي عبرت منه سرية خالد بن الوليد سنة 12 ه و لكن من الشرق الى الغرب لا من الغرب الى الشرق كما فعل الامام علي- ع-. و في أثناء قدوم علي بغداد و نواحيها، و فراغه من حرب الخوارج مرّ بقرية «قطفتا» التي قدمنا ذكرها و مظنة خبرها، قال مؤلف كتاب إثبات الوصية: «و روي أنه- ع- اجتاز في طريقه إلى الشام ببادوريا (1) فخرج أهل قرية منها يقال لها قطفتا فشكوا إليه ثقل الوضائع في الخراج و أنها مخالفة لسائر وضائع السّواد بالعراق، فقال لهم و بالنبطية «و غرار و طاموغزريا» (2)، يعني (رب جحش صغير خير من حمار

____________

(1) هي منطقة الجانب الغربي من بغداد و كرادة مريم و الدورة و ما إليها.

(2) يظهر ان الجملة فيها تصحيف لغموضها.

17

كبير) فكانوا كلموه بالنبطية فأجابهم بكلامهم ثم قال لهم: أنتم تبيعون ثماركم بضعف ما يبيعها غيركم من أهل السّواد» (1).

و بعد نقلنا هذه النصوص التاريخية الواضحة تتهادى في درك الباطل و البطلان أقوال من أنكر قدوم الامام عليّ- ع- بغداد و نواحيها و صلى في براثا إحدى القرى المجاورة لها و دخل حماما هناك فاستحم فيه، و بطل أيضا إنكار ياقوت الحموي في الكلام على براثا من معجم البلدان، و بقي‏

____________

(1) كتاب اثبات الوصية «ص 116 طبعة طهران».

بقية من جامع براثا القديم قبل تجديد عمارته‏

18

الاختلاف في الموضع الذي استحم فيه و صلى أهو براثا على التحقيق أم سونايا المعروفة بعد ذلك المعروفة بعد ذلك باسم العتيقة؟ و إنّا ذاكرون مختلف الأقوال فيما يلي السطر.

براثا و مسجدها

قال ياقوت الحموي في معجم البلدان: «براثا بالثاء المثلّثة و القصر ..

و كانت قبل بناء بغداد قرية يزعمون أنّ عليا مرّ بها لما خرج لقتال الحرورية بالنهروان و صلى في موضع من الجامع ... و ذكر انه دخل حماما كان في هذه القرية و قيل: بل الحمام التي‏ (1) دخلها كانت بالعتيقة: محلة ببغداد خربت» و قال قبل ذلك «براثا ... محلة كانت في طرف بغداد في قبلة الكرخ و جنوبي باب محوّل و كان لها جامع مفرد تصلي فيه الشيعة و قد خرب عن آخره و كذلك المحلّة و لم يبق لها أثر (أي سنة 625 ه) فأما الجامع فأدركت بقايا من حيطانه و قد خربت في عصرنا و استعملت في الأبنية ...»

و في هذا الخبر تمييز من جامع براثا و موضعه و من موضع العتيقة و سوقها اللذين قدمنا الكلام عليهما آنفا نقلا عن تاريخ الخطيب و تعيين الموضع الجامع بأنه كان في قبليّ الكرخ، و قد ذكرنا تعيين الكرخ سابقا بأنه كان بين موضع الشالحية و الفلاحات، فجامع براثا كان في غربيّ هذه المواضع، و قال الخطيب البغدادي: «و كان في الموضع المعروف ببراثا مسجد يجتمع فيه قوم ممّن ينتسب إلى التشيع و يقصدونه للصلاة و الجلوس فيه فرفع الى المقتدر باللّه أن الرافضة يجتمعون في ذلك المسجد لسبّ الصحابة و الخروج‏

____________

(1) من الاغلاط القديمة تأنيث الحمام و قد التبس بالحمام الطيور المعروفة و الحمام يجوز تأنيثه و تذكيره و من هنا نشأ الغلط. و ذكر ابن الجوزي في الكتاب الحمةى و المغفلين ان بعضهم أنث الحمام فقيل له كيف تؤنثه؟! فقال: هذا حمام نساء.

19

عن الطاعة فأمر بكبسه يوم جمعة وقت الصلاة (1) فكبس و أخذ من وجد فيه فعوقبوا و حبسوا حبسا طويلا و هدم المسجد حتى سوي بالأرض و عفي رسمه و وصل بالمقبرة التي تليه و مكث خرابا إلى سنة ثمان و عشرين و ثلاثمائة فأمر الأمير بجكم باعادة بنائه و توسعته و إحكامه فبني بالحصّ و الآجر و سقف بالساج المنقوش و وسع فيه ببعض ما يليه اسما مما ابتيع له من املاك الناس و كتب في صدره اسم (الخليفة) الراضي (باللّه) و كان الناس ينتابونه للصلاة فيه و التبرك به، ثم أمر المتقي للّه بعد بنصب منبر فيه كان بمسجد مدينة المنصور معطلا مخبوءا في خزانة المسجد عليه اسم هارون الرشيد، فنصب في قبلة المسجد و تقدم الى أحمد بن الفضل بن عبد الملك الهاشمي- و كان الامام في جامع الرصافة- بالخروج إليه و الصلاة بالناس فيه الجمعة، فخرج و خرج الناس من جانبي مدينة السلام حتى حضروا هذه في هذه المسجد و كثر الجمع هناك و حضر صاحب الشرطة فأقيمت صلاة الجمعة فيه يوم الجمعة لثنتي عشرة ليلة خلت من جمادى الأولى سنة تسع و عشرين و ثلاثمائة، و توالت صلاة الجمعة فيه و صار من مساجد الحضرة (يعني بغداد) و أفرد أبو الحسن أحمد بن الفضل الهاشمي بامامته و أخرجت الصلاة بمسجد جامع الرصافة عن يده» و قال الخطيب بعد ذلك: «فأدركت صلاة الجمعة و هي تقام ببغداد في مسجد المدينة (يعني مدينة المنصور) و مسجد الرصافة، و مسجد دار الخلافة (يعني مسجد سوسق الغزل) و مسجد براثا، و مسجد قطيعة أم جعفر و تعرف بقطيعة الرقيق، و مسجد الحربية، و لم تزل على هذا إلى أن خرجت بغداد سنة إحدى و خمسين و اربعمائة تم تعطلت في مسجد براثا فلم تكن تصلي فيه» (2). و جاء في أخبار سنة «420 ه» ما يفيد أن الشيعة كانوا مسيطرين على جامع براثا في ذلك العصر (3)

____________

(1) كان الشيعة الامامية يصلون صلاة الجمعة ايامئذ كما يدل عليه الخبر المذكور.

(2) تاريخ بغداد «1: 109- 111».

(3) المنتظم «8: 44» و الكامل «7: 344».

20

و قد وهم ياقوت الحمويّ في خبر كبس جامع براثا في معجم البلدان و قال: «فكبسه الراضي باللّه و أخذ من وجده فيه و حبسهم و هدمه حتى سويّ بالأرض و انهى الشيعة خبره الى بجكم الماكاني أمير الأمراء ببغداد فأمر بإعادة بنائه و توسيعه و إحكامه و كتب في صدره اسم الراضي، و لم تزل الصلاة تقام فيه الى بعد الخمسين و أربعمائة تم تعطلت الى الآن». إن ياقوتا جعل الكبس باسم الراضي مع أنه كان بأمر المقتدر كما نقلنا من تاريخ الخطيب البغدادي. و قد ايّد ابن عبد الحق البغدادي قول الخطيب في كتابه مراصد الاطلاع.

مسجد العتيقة و مشهدها «المنطقة»

ذكرنا اختلاف المؤرخين و الرواة في الموضع الذي صلى فيه الامام علي- ع- و استحم فيه، و قد ذكرنا تاريخ أحد الموضعين، و هو براثا، أما الموضع الثاني فهو مشهد العتيقة و مسجدها و هو المعروف قديما و حديثا باسم «المنطقة» و كانت قرية تعرف قديما باسم سونايا الارامي قال ابن عبد الحق البغدادي في مراصد الاطلاع: «سونايا، بضمّ أوّله بعد الواو الساكنة و بعد الألف ياء مثناة من تحت و ألف مقصورة، قرية قديمة كانت ببغداد ينسب العنب الأسود اليها الذي يتقدم و يبكّر على سائر العنب مجناه، و لما عمرت بغداد صارت محلّة من محالها و هي (العتيقة) و بها مشهد لعلي بن أبي طالب- ع- يعرف بمشهد «المنطقة» ففي هذا النص تصريح باسم المنطقة المعروف المتعارف حتى في هذه الأيام، و هو نصّ يدحض الى أبد الآبدين قول من يسمّي مسجد المنطقة «بجامع براثا».

و لا تمام ذكر النصوص المويدة لما قدمنا ننقل ما ذكره ابن عبد الحق و غيره قال ابن عبد الحق: في مراصده: «العتيقة بفتح أوله و كسر ثانيه: محلة ببغداد بالجانب الغربي ما بين طاق المراني الى باب الشعير و ما اتصل به من شاطي‏ء دجلة و إليها تنسب القنطرة العليا التي على الصّراة، و سميت العتيقة لأنها

21

كانت قبل بناء بغداد قرية يقال لها سونايا و إليها ينسب العنب الأسود، و مساكن هذه القرية مكان هذه المحلّة»

و عين الغرب لنهر دجله‏* * * على ازورار نهرها في الجمله‏

و خطها دائرة متسقه‏* * * و مركز الخط بحيث( المنطقة)

و هي التي يدعونها( سونايا)* * * خلف( براثا) اذ تقاس نايا

حيث( براثا) للجنوب سمت‏* * * تبعد عما خطه نوبخت‏

(1).

فتأمل توحيد ابن عبد الحق بين ما سمّاها سونايا و ذكر فيها «مشهد المنطقة» القائم حتى اليوم و إن كان مجدّدا و بين العتيقة، و لكنه حين ذكر جامع براثا ميّزه عن العتيقة و سونايا أوضح التمييز قال: «براثا بالثاء المثلثة و القصر: محلة كانت في طرف بغداد في قبليّ الكرخ و بني بها جامع كانت تجتمع به الشيعة و يسبون الصحابة فيه فأخذ الراضي من وجد فيه و هدمه ثم ثم أعاده بجكم و وسعه و كتب اسم الراضي في صدره و أقيمت به الجمعة الى ما بعد الخمسين و اربعمائة ثم قطعت منه و خرب، و آثاره باقية الى الآن».

بقي إلى ما بعد سنة سبعمائة الهجرية أي البرهة التي ألف ابن عبد الحميد الكتاب لأنه توفي سنة 739 ه. و قد اختصر ابن عبد الحميد كلام ياقوت على هذا المسجد و قد نقلناه آنفا و وهم مثله في اسم الخليفة الذي هدمه و هو المقتدر باللّه كما نقلنا من تاريخ البغدادي لا الراضي باللّه، و أفاد ابن عبد الحق ان آثار الجامع كانت باقية في القرن الثاني للهجرة و لكنها آثار لا عمارة قائمة كاملة المرافق المسجدية.

____________

(1) و يسجل الشيخ محمد السماوي المنطقة (سونايا) و موقعها من جامع براثا في تخطيط بغداد و بنائها من قبل المنصور فيقول في ارجوزته عن تخطيط المنصور و موقع (المنطقة) و موقع (براثا):

و عين الغرب لنهر دجله‏* * * على ازورار نهرها في الجمله‏

و خطها دائرة متسقه‏* * * و مركز الخط بحيث (المنطقة)

و هي التي يدعونها (سونايا)* * * خلف (براثا) اذ تقاس نايا

حيث (براثا) للجنوب سمت‏* * * تبعد عما خطه نوبخت‏

الخليلي‏

22

مقابر قريش‏

قدمنا في أول هذا البحث أن دارة الكاظمية كانت تعرف بمقابر قريش و نذكر أن السبب في تسميتها بهذا الاسم هو أن أبا جعفر المنصور بعد أن أنشأ مدينته المعروفة بمدينة السلام تفاؤلا بسلامة دولته من الخطر و الضرر، سنة 145 ه أصابه الزمان بوفاة ابنه جعفر الأكبر الذي حقق باسمه كنيته و كانت الوفاة سنة «150» ه فاتخذ مقبرة جديدة في أرض دارة الكاظمية الحالية و سمّاها «مقبرة قريش» أو «مقابر قريش» بالجمع، و هذا الاسم يدل على أن الموتى الذين كانوا يدفنون فيها كانوا من قريش خاصة كالعباسيين و العلويين، و لكن هذا الشرط لم يحافظ عليه بعد ذلك. و قد دفن أبو جعفر جعفرا المقدم ذكره فيها ثم دفن فيها أبو يوسف القاضي الأنصاري سنة 182 ه. و لم يكن قرشيا كما هو معلوم، ثم دفن فيها الامام موسى الكاظم ابن الامام جعفر الصادق- ع- سنة 183 ه و بعد ذلك بعدة سنين دفن إلى جنبه الامام محمد الجواد حفيده سنة 219 ه، قال الخطيب البغدادي:

«بالجانب الغربي في أعلى المدينة مقابر قريش دفن فيها موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب و جماعة من الأفاضل معه ...

سمعت الحسن بن ابراهيم أبا علي الخلال يقول: ما همني أمر فقصدت قبر موسى بن جعفر فتوسلت به الا سهّل اللّه تعالى لي ما أحب» ثم أسند الى محمد بن خلف وكيع قال: «و كان أول من دفن في مقابر قريش جعفر

23

الأكبر بن المنصور» ثم قال الخطيب: «سمعت بعض شيوخنا يقول:

مقابر قريش كانت قديما تعرف بمقبرة الشوينيزي الصغير، و المقبرة التي وراء التوثة تعرف بمقبرة الشوينزي الكبير، و كان أخوان يقال لكل واحد منهما الشونيزي، فدفن كل واحد منهما في إحدى هاتين المقبرتين‏ (1) و نسبت المقبرة إليه» (2). أما الشوينيزية الحقيقية فهي المعروفة اليوم بمقبرة الشيخ جنيد البغدادي الصوفي غربي قبر معروف الكرخي‏ (3).

و أثر التخليط واضح على هذا الخبر، فلم يرد ذكر الشوينزي الصغير إلا فيه، و لو كانت مقابر قريش تعرف بمقبرة الشوينيزي الصغير لقيل إنها كانت مقبرة قبل اتخاذ المنصور لها، بالتحقيق و التأكيد، و لورد ذكرها في الأقل في خبر وفاة جعفر الأكبر و قيل إنه دفن في مقبرة الشوينيزي الصغير التي عرفت بعد ذلك بمقبرة قريش أو مقابر قريش، ثم يقال: كيف يدفن الأخوان متباعدا قبراهما هذا التباعد؟ هذا و قد ذكر ياقوت الحموي و مؤلف المراصد أن المنصور هو الذي جعل أرض مقابر قريش مقبرة، قال في المراصد: «مقابر قريش ببغداد مقبرة و محلة فيها خلق كثير و عليها سور، بين مقبرة الامام أحمد و الحريم الطاهري و بها مشهد قبر موسى بن جعفر و ابن ابنه الجواد، و كان أول من دفن فيها جعفر الأكبر ابن المنصور و جعلها المنصور مقبرة لما ابتنى مدينته».

____________

(1) هذا التعابير من التعابير القديمة الموهومة فيها ذلك انه لو دفن كل واحد منهما في أحدى هاتين المقبرتين لكان الشوينيزي الكبير و الشوينيزي الصغير دفنا مرة في مقابر قريش و مرة ثانية في مقبرة الشوينيزي الكبير و هذا هو المفهوم من قوله «كل واحد منهما بدلا من دفن احدهما ... و دفن الآخر.

(2) تاريخ بغداد «1: 120»

(3) و قول الخطيب عن الشوينيزي الصغير يتنافى و ما اوردناه في (المدخل) من موسوعة العتبات المقدسة في الصفحة 121 من تحقيق الدكتور حسين امين عن مدينة (الكاظمين) اعتمادا على البغدادي نفسه: ج 1 ص 12، و ابن الجوزي: مناقب بغداد ص 29 و الراجح هو ان الخطيب البغدادي و من ذهب مذهبه في ان الشوينيزية هي مقابر قريش مخطئوون.

24

و قال ياقوت الحموي في معجم البلدان: «مقابر قريش ببغداد و هي مقبرة مشهورة و محلة فيها خلق كثير و عليها سور، بين الحربية و مقبرة أحمد ابن حنبل- رض- و الحريم الطاهريّ و بينها و بين دجلة شوط فرس جيد و هي التي فيها قبر موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الامام الحسين بن علي بن أبي طالب، و كان أول من دفن فيها جعفر الأكبر بن المنصور أمير المؤمنين في سنة (150 ه) و كان المنصور أول من جعلها مقبرة لما ابتنى مدينته سنة 149». و قال في قريش من معجم البلدان أيضا: «و هي عدة مواضع سميت بأصحابها منها مقابر قريش ببغداد و هي مقابر باب التبن التي فيها قبر موسى الكاظم بن جعفر الصادق و ابن محمد الباقر بن علي زين العابدين ابن الحسين الشهيد بكربلاء بن علي بن أبي طالب- رضي اللّه عنهم- فنسب إلى قريش القبيلة».

قلنا: و في تسمية ياقوت مقابر قريش بمقابر باب التبن تسامح بل تهاون، فالمقبرتان مختلفتان و إن كانتا متجاورتين، فهو يقول في باب التبن:

«باب التبن بلفظ التبن الذي تأكله الدواب- اسم محلة كانت ببغداد على الخندق بازاء قطيعة ام جعفر، و هي الآن خراب صحراء يزرع فيها و بها قبر عبد اللّه ابن أحمد بن حنبل- رضي اللّه عنه- دفن هناك، بوصية منه و ذاك أنه قال: قد صحّ عندي أنّ بالقطيعة نبيّا مدفونا و لأن أكون في جوار نبي أحب إليّ من أن أكون في جوار أبي. و بلصق هذا الموضع مقابر قريش التي فيها قبر موسى الكاظم ابن جعفر الصادق و ابن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الامام الحسين بن الامام علي بن ابي طالب- رضي اللّه عنهم- و يعرف قبره بمشهد باب التبن، مضاف إلى هذا الموضع و هو الآن محلة عامرة و ذات سور مفردة».

فقوله و يعرف قبره بمشهد باب التبن جدير بأن يضاف اليه: «عند من يريد أن يغمض اسمه من المغمضين. المدلّسين، فقبر عبد اللّه بن أحمد ابن حنبل أولى أن يسمى تلك التسمية لأنه كان في تلك المقبرة نفسها و أمّا

25

قبر الامام موسى فهو المعروف بمشهد الامام موسى بن جعفر و بالمشهد الكاظمي كما ذكرنا من قبل.

المواضع المجاورة لمقابر قريش قديما

ذكرنا أن منطقة الكاظمية كانت قديما من نواحي عقرقوف التي كانت تسمى في عصور الدولة الكشية «دوركاريكالزو» و قد سمّاها الآراميون «عقرقوف» قال ياقوت في معجم البلدان: «عقرقوف هو عقر أضيف اليه فصار مركبا مثل حضر موت و بعلبك ... و هي من نواحي دجيل‏ (1) بينها و بين بغداد أربعة فراسخ و إلى جانبها تل عظيم من تراب يرى من خمسة فراسخ كأنه قلعة عظيمة لا يدرى ما هو، إلا أن ابن الفقيه ذكر أنه مقبرة الملوك الكيانيين و هم ملوك كانوا قبل آل ساسان من النبط و إياه عنى أبو نواس بقوله:

إليك رمت بالقوم هوج كأنما* * * جماجمها تحت الرحال قبور

رحلن بنا من عقرقوف و قد بدا* * * من الصبح مفتون الأديم شهير

فما نجدت بالماء حتى رأيتها* * * مع الشمس في عيني أباغ ثغور

و قد ذكر أهل السير أن هذه القرية سميت بعقرقوف بن طهمورث الملك ...

و كان زيد بن وديعة (الحبلي) قد قدم العراق في خلافة عمر بن الخطاب- رضي اللّه عنه- فنزل بعقرقوف. سمعت‏ (2) أن ابن أبي قطيفة يقول: ما أخذ ملك الروم أحدا من أهل بغداد إلا سأله عن تلّ عقرقوف فان قال له:

____________

(1) عقب ابن عبد الحق البغدادي في المراصد عليه بان عقرقوف كانت من نواحي نهر عيسى لا من نهر دجيل و يؤيد قوله العقيق الجاف لنهر يأخذ من عقيق نهر عيسى و يمتد إلى منطقة عقرقوف حتى اليوم، و يؤكد قوله ما ورد في وقفية أمين الدين مرجان الاولاقايتي منشى‏ء المدرسة المرجانية من ان بعض اوقافها في عقرقوف من نهر عيسى.

(2) السامع مذكور في معجم البلدان و ليس هو بياقوت صاحب المعجم.

26

اته بحاله قال: لا بد أن أطأه. فصار ولده (أي ولد زيد بن وديعة) بها يقال لهم بنو عبد الواحد بن بشير بن محمد بن موسى بن سعد بن زيد بن وديعة، و ليس بالمدينة منهم أحد، و شهد زيد بن وديعة بدرا واحدا».

و لم ننقل أخبار عقرقوف القديمة في معجم البلدان اعتمادا على صحتها، فلا صلة لعقرقوف بالكيانيين و لا الملك المزعوم أنه عقرقوف بن طهمورث، و الصحيح ما ذكرناه من تاريخها في أول هذا البحث و كرّرنا بعضه في صدر الكلام على هذا الموضع هنا.

أسلفنا من القول أن المنطقة القائمة في عصرنا بين الكاظمية و بغداد كان يعرف موضعه باسم «سونايا» الآرامي، و سمّي في أول قدوم المنصور منطقة بغداد «العتيقة» و نقلنا من مراصد الاطلاع أنّ في سونايا أي مشهدا منسوبا إلى الامام عليّ بن أبي طالب- ع- يعرف بمشهد المنطقة، و لا يزال هذا الاسم هو الغالب على هذا المسجد الشيعي المقدس، و أظهرنا خطأ من سماه «مسجد براثا» لأن ذلك المسجد كان في جهة قبلة الكرخ و قد زال منذ عصور، و مسجد المنطقة في شرقي الكرخ الشماليّ، و قد ذكر ياقوت الحموي سونايا و العتيقة في معجمه قال: «سونايا بضمّ أوله و بعد الواو الساكنة نون و بعد الألف ياء ياء مثنأة من تحت و ألف مقصورة: قرية قديمة كانت ببغداد ينسب إليها العنب الأسود الذي يتقدم و يبكّر على سائر العنب مجناه، و لما عمرت بغداد دخلت هذه القرية في العمارة، و صارت محلّة تعرف بالعتيقة و بها مشهد لعليّ بن أبي طالب- رضي اللّه عنه- و قد درست الآن». يعني المحلّة.

اخر صورة لبهو جامع براثا اليوم‏

ثم قال: «العتيقة، بفتح أوله و كسر ثانيه بلفظ ضد الجديدة: محلّة ببغداد في‏

27

الجانب الغربي ما بين طاق الحراني إلى باب الشعير و ما اتصل به من شاطي‏ء دجلة، و سميت العتيقة، لأنها كانت قبل عمارة بغداد قرية يقال لها سونايا و هي التي ينسب اليها العنب الأسود. و كانت منازل هذه القرية في مكان هذه المحلة و ما حولها مزارع و بساتين».

قطربل‏

قال ياقوت الحمويّ: «قطربل بالضم ثم السكون ثم فتح الراء و باء موحدة مشدّدة مضمومة و لام، و قد روي بفتح أوله و طائه، و أما الباء فمشدّدة مضمومة في روايتين و هي كلمة أعجميّة: اسم قرية من بغداد و عكبرا ... و قيل هو اسم المسوّج طساسيج بغداد أي كورة، فما كان شرقيّ (نهر) الصراة فهو بادوريا، و ما كان غربيّها فهو قطربل» و كان قبل ذلك قد قال إنها قرية كما نقلناه و اتبعه قوله: «ينسب اليها الخمر، و ما زالت متنزها للبطالين و حانة للخمارين و قد اكثر الشواء من ذكرها ...

قال الببّغاء يذكر قطربّل و هي شماليّ بغداد و كلواذا و هي جنوبيّها:

كم للصبابة و الصّبا من منزل‏* * * ما بين كلواذا إلى قطربّل‏

جادته من ديم المدام سحابة* * * أغنته عن صوب الحيا المتهلّل‏

غيث إذا ما الراح أو مض برقه‏* * * فرعوده حثّ الثقيل الأوّل‏

نطقت مواقع صوبه بسحابة* * * تهمي على كرب الفؤاد فتنجلي‏

راضعت فيه الكأس أهيف ينثني‏* * * نحوي بجيد رشا و عيني مغزل‏

فأتى و قد نقش الشعاع بنانه‏* * * بمموّج من نسجها و مبقّل‏

و كسا الخضاب بها بنانا ياله‏* * * لو أنه من وقته لم ينصل‏

و قال جمظة البرمكي:

قد أسرفت في العذل مشغولة* * * بعذل مشغول عن العذل‏

تقول هل أقصرت عن باطل‏* * * أعرضه عن دينك الأوّل‏

28

فقلت ما أحسبني مقصرا* * * ما أعصرت راح بقطربّل‏

و ما استدار الصدغ في ناعم‏* * * مورّد كاللهب المشعل‏

قالت فأين الملتقى بعدذا* * * فقلت: بين الدنّ و المبزّل»

و قال ياقوت في المشترك وضعا المختلف صقعا: «قطربل موضعان، كفتح القاف و سكون الطاء و فتح الراء و تشديد الباء الموحدة و ضمّها و لام، قطربل: قرية مشهورة بين بغداد و عكرا، كانت مجمعا للخلفاء و مألفا لأهل القصف و الشعراء و قد أكثروا فيها الشعر». و لقطربل ذكر حسن في كتاب الديارات للشابشّي.

و قد كرّر ياقوت كون «قطربل» بين بغداد و عكبرا. و هو عندي و هم من اعتماد على ما أنا ناقله من كتاب مراصد الاطلاع لأن عكبرا كانت في الجانب الشرقي من دجلة و قطربل في الجانب الغربيّ و بعد القرن السادس تحوّل مجرى دجلة نحو الشرق عدة كيلومترات فصارت عكبرا في الجانب الغربي، فكان الصواب ان يقول إنها كانت بين بغداد و المزرفة. و قد ذكرنا و هم ياقوت في عقرقوف قال ابن عبد الحق في مراصد الاطلاع: «قطربّل ...

قال (ياقوت): قرية بين بغداد و عكبرا. قلت: بين بغداد و المزرقة لأن عكبرا من الجانب الشرقي و هي في الغربيّ و بينها فراسخ و اليها ينسب الطسّوج الذي هي فيه فيقال: طسّوج قطربل و ما فوق الصراة من أسافل سقي الدجيل فهو من طسّوج قطربل و هي شمالي بغداد، يضاف اليها الخمر و الحانات و هي الآن سنه 739 خراب.

المزرفة

قال ياقوت في معجم البلدان: «المزرفة بالفتح ثم السكون وراء مفتوحة وفاء: قرية كبيرة فوق بغداد على دجلة بينها و بين بغداد ثلاثة فراسخ و إليها ينسب الرمان المزرفيّ، كان فيها قديما، فأما اليوم فليس بها بستان البتة و لا رمان و لا غيره و هي قرية قريبة من قطربّل ...»

29

مقبرة الشهداء

بسطنا القول آنفا في موضع مقبرة الشهداء و السبب في تسميتها بهذا الاسم و ذكرها ياقوت في معجم الأدباء و لم يعرف سبب التسمية، قال: «مقابر الشهداء ببغداد، إذا خرجت من قنطرة باب حرب فهي نحو القبلة عن يسار الطريق، لا أدري لم سميّت قال أبو الفرج بن الجوزي في ترجمة السمرقندي المتوفى سنة 536 ه انه دفن في مقبرة الشهداء» و ذكر إنكار ابن الجوزي لحقيقتها و جاء في مختصر مناقب بغداد «و أما المقبرة التي يقال إنّها مقبرة الشهداء فوق قبر أحمد بن حنبل فان العوام يقولون: هؤلاء جماعة كانوا مع علي- (عليه السّلام)- في قتال الخوارج بالنهروان و ماتوا هناك. و هذا شي‏ء لا أصل له» (1) و قد نقلنا مثل ذلك من قبل عن تاريخ الخطيب و فندناه تفنيدا مبيّنا، إلا أن الراجح هو أن أولئك استشهدوا قبل وقعة النهروان بقليل و كانت الوقعة بينهم و بين الخوارج قرب أرض الكاظمية و في نواحيها و منها مقبرة الشهداء المذكورين، غير أن مقبرتهم و مقبرة باب حرب و غيرهما قد زالت و لم يبق لها أثر.

قبر هشام بن عمرو بن الزبير

قال الخطيب البغدادي: «كان المشهور عندنا أن قبر هشام بن عروة في الجانب الغربيّ وراء الخندق أعلى مقابر باب حرب، و هو ظاهر معروف هناك و عليه لوح منقوش فيه أنه قبر هشام مع ما أخبرنا به الحسن بن علي الجوهري (عن أبي الحسين بن المنادي) قال: أبو المنذر هشام بن عروة ابن الزبير بن العوام القرشيّ، مات أيام خلافة أبي جعفر في سنة ست و أربعين و مائة و دفن بالجانب الغربيّ خارج السّور نحو باب قطربّل» ثم‏

____________

(1) مختصر مناقب بغداد المطبوع بمناقب بغداد «ص 29».

30

المدخل الرئيسي الجامع براثا اليوم‏

روى عن بعض الشيوخ أنه «سمع أبا الحسين أحمد ابن عبد اللّه بن الخضر ينكر أن يكون قبر هشام ابن عروة بن الزبير هو المشهور بالجانب الغربيّ قال: هذا قبر هشام بن عروة المروزي صاحب ابن المبارك و إنما قبر هشام بن عروة ابن الزبير بالخيزرانية (1) من الجانب الشرقي ... و نرى أن قول أحمد بن عبد اللّه بن الخضر هو الصواب، إلا أنّا لا نعرف في أصحاب ابن المبارك من يسمى هشام بن عروة و لا نعلم أيضا روي العلم عن أحد سمي هشاما و اسم ابيه عروة سوى هشام بن عروة بن الزبير بن العوام و اللّه أعلم».

و قد نقلنا هذه الأخبار لأن فيها ذكرا لباب قطربّل خاصة و لقبر هشام الزبيريّ على أضعف الروايات، و المراد بالسور المذكور فيها هو سور مدينة المنصور المعروفة بمدينة السلام. و فيها ميل ناس الى التزوير في تسمية القبور، و ميل ناس آخرين إلى التساهل في تحقيق التاريخ و التسامح في ذكر الاخبار.

قطفتا

قال ياقوت الحموي في معجم البلدان: «قطفتا بالفتح ثمّ الضمّ و الفاء ساكنة و تاء مثناة من فوق و القصر، كلمة أعجمية لا أصل لها في العربية في علمي و هي محلّة كبيرة ذات اسواق بالجانب الغربيّ من بغداد مجاورة لمقبرة الدير (2) التي فيها قبر الشيخ معروف الكرخي- رض- و بينها و بين‏

____________

(1) هي مقبرة الامام ابي حنيفة التي انشئت حولها محلة كانت اصل بلدة الأعظمية الحالية.

(2) قلنا هو دير كليليشوع الخاص بالنصارى النساطرة منذ عصر الساسانيين.

31

دجلة أقل من ميل و هي مشرفة على نهر عيسى إلا أن العمارة متصلة الى دجلة بينهما القريّة: محلّة معروفة، ينسب اليها جماعة ...» و ذكر ابن عبد الحق البغدادي موجز هذا القول في كتابه مراصد الاطلاع، و كلاهما لم يذكر عن قدمها و كونها قرية عتيقة، كما نقلنا من كتاب- اثبات الوصية- شيئا.

براثا و مسجدها

ذكرنا آنفا أن براثا كانت قرية في جهة قبلة الكرخ و أن مسجدها هناك و أن لا صلة لمسجد براثا بمسجد المنطقة المعروف باسم هذا قديما و حديثا.

و يسمى مسجد العتيقة و مشهد العتيقة، و قد جاء في كشف الغمة في معرفة الأئمة لعلي ابن عيسى الكردي الأربليّ ما هذا نصه خاصا ببراثا «و عن علي ابن الحسين عن آبائه- ع- قال: لما رجع علي- ع- من وقعة الخوارج اجتاز بالزوراء فقال للناس: إنها الزوراء فسيروا و جنّبوا عنها، فان الخسف أسرع إليها من الوتد في النخالة فلما أتى موضعا من أرضها قال: ما هذه الأرض؟ قيل أرض بخرأ (1) فقال: أرض سباخ جنّبوا و يمنّوا، فلما أتى يمنة السّواد إذا هو براهب في صومعة، فقال له يا راهب أ أنزل هاهنا؟ فقال له منارتا جامع براثا الحديثتان‏

____________

(1) كذا ورد في المطبعة الحجرية و لعله «خبراء» جاء في اللسان «و الخبرة: القاع ينبت السدر و جمعه خبر» و هي الخبراء ايضا و الجمع خبر اوات و خبار ... و الخبراء: منقع الماء و خص بعضهم به منقع الماء في اصوله السدر و قيل الخبراء:

القاع ينبت السدر و الجمع الخبارى و الخباري، يقال خبر الموضع بالكسر فهو خبر و ارض خبرة، و الخبر شجر السدر و الآراك و ما حولها من العشب واحدته خبرة و خبراء الخبرة: شجرها ...

و الكلام بسيط.

32

الراهب: لا تنزل بجيشك هذه الأرض. قال: و لم: قال: لأنه لا ينزلها إلا نبيّ أو وصيّ نبيّ بجيشه يقاتل في سبيل اللّه- عز و جل- هكذا نجد في كتبنا. فقال له أمير المؤمنين- ع-: فأنا وصي سيد الأنبياء و سيد الأوصياء. فقال له الراهب: فأنت إذن أصلع قريش وصيّ محمد.

قال له أمير المؤمنين- ع-: أنا ذلك. فنزل الراهب إليه فقال: خذ عليّ شرائع الاسلام إني وجدت في الانجيل نعتك فانك تنزل أرض براثا بيت مريم و أرض عيسى. فقال له أمير المؤمنين: قف و لا تخبرنا بشي‏ء. ثم.

أتى موضعا فقال: الكزوا هذا. فلكزه برجله فانبجست عين خرّارة فقال: هذه عين مريم التي أنبعث لها. ثم قال: اكشفوا هاهنا على سبعة عشر ذراعا. فكشفوا فإذا بصخرة بيضاء. فقال علي: على هذه الصخرة وضعت مريم عيسى من عاتقها وصلت هاهنا. فنصب أمير المؤمنين الصخرة و صلى عليها، و أقام هناك أربعة أيام يتمّ الصلاة و جعل الحرم في خيمة من الموضع (كذا) ثم قال: أرض براثا هذه بيت مريم- ع- هذا الموضع المقدّس صلى فيه الأنبياء. قال أبو جعفر محمد بن علي- ع-: و لقد وجدنا أنه صلىّ فيه ابراهيم قبل عيسى- ع-»

قال او لو التاريخ و الرواية* * * ممن له في الأثر العناية

مر امير المؤمنين عائجا* * * على( براثا) اذ دها الخوارجا

فانبط العين بها و صلى‏* * * و ساق في فضل( براثا) فصلا .. الخ‏

(1) قال بهاء الدين الأربلي بعد ذلك:

«قلت: أرض براثا هذه عند باب محوّل على قدر ميل أو أكثر من ذلك من بغداد و جامع براثا هناك و هو خراب و حيطانه باقية الا شي‏ء منها (كذا)

____________

(1) و قد أشار العلامة السماوي في ارجوزته التي تضمنت تاريخ الكاظمين باسم (صدى الفؤاد إلى حمى الكاظم و الجواد) إلى المؤرخين و الرواة الذي ذكروا مرور الأمام علي ابن أبي طالب ببغداد في حرب الخوارج و صلاته في جامع براثا في قوله:

قال او لو التاريخ و الرواية* * * ممن له في الأثر العناية

مر امير المؤمنين عائجا* * * على (براثا) اذ دها الخوارجا

فانبط العين بها و صلى‏* * * و ساق في فضل (براثا) فصلا .. الخ‏

و انبط العين: اي اخرج ماءها

33

دخلته وصليت فيه و تبرّكت به» (1). و هذا الجبر من أخبار الملاحم و أمرها معروف و ربما أريد بموضع مريم و عيسى دير من الديارات التي يذكران فيها (2).

بناورا

بناورا قرية قديمة كانت من قرى الجانب الغربي من دجلة قال ياقوت في الكلام على قطيعة الربيع من معجم البلدان: «... و كانت قطيعة الربيع بالكرخ مزارع الناس من قرية يقال لها بناورا من أعمال بادوريا». قلت:

و هي غير بنورا التي ذكر بعض المعلقين على معجم البلدان أنها من نواحي الكوفة من ناحية نهر قورا قرب بلدة سورا بينها نحو من فرسخ. و ذكر ابن عبد الحق أنها تحت الحلة المزيدية. و لا بنورا الأخرى.

و رثال‏

قال ياقوت: «و رثال بالفتح ثم السكون و ثاء مثلّثة و آخره لام: اسم الموضع الذي بنيت فيه قطيعة الربيع و سويقة غالب قبل بناء بغداد». و كان قال في الكلام على نهر القلائين جمع قلّاء للذي يقلي السمك و غيره و هي محلّة كبيرة ببغداد في شرقي الكرخ ... و كان مكانه (كذا) أي النهر قبل‏

____________

(1) كشف الغمة في معرفة الأئمة «ج 1 ص 117- 118» طبعة طهران سنة 1294 ه.

(2) هذا الفصل الذي يورده الاربلي عن براثا و يذكر فيه بيت مريم و ارض عيسى هو من الفصول الملحقة بالاخبار و الروايات التي تختلف منابعها و جذورها عن منابع التاريخ و جذوره، و حين يلجأ الى أمثالها المؤرخ و هو يستعرض قضايا تاريخية ليس لها بالرواية اتصال او شبه اتصال فأنما يفعل ذلك لاننزاع شاهد تاريخي ورد في ضمن الرواية عفوا كما فعل الباحث هنا من ايراد هذا الفصل برمته ليننزّع منه قول القائل بأنه دخل جامع براثا و صلى فيه و تبرك به و الفاه خرابا لم يبق منه الا الحيطان و ما عدا ذلك فقد اورده الكاتب بداعي السياق و الافان للاخبار و الملاحم و الروايات شأنا آخر غير شأن التاريخ.

34

عمارة بغداد قرية يقال لها ورثال و في غربيه الشوينيزيه: مقبرة الصالحين ببغداد ..».

الشونيزيه‏

قال ياقوت: «الشونيزيّة بالضمّ ثم نون مكسورة و ياء مثناة من تحت ساكنة و زاي و آخره ياء النسبة: مقبرة ببغداد بالجانب الغربي دفن فيها كثير من الصالحين منهم الجنيد و جعفر الخلدي و رويم و سمنون المحبّ و هناك خانقاه للصوفية». و ذكرها ابن عبد الحق في اختصاره لمعجم البلدان و زاد على قول ياقوت أن فيها مسجد الجنيد و ذكر الخانقاه أيضا يعني المتعبّد المتعبّد الصوفي المعروف عند العراقيين بالرباط و في العصر الحديث بالتكية.

35

عرض جامع لحياة الامامين الجوادين كتبه جعفر الخليلي مؤلف موسوعة العتبات المقدسة

36

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

37

الامامان موسى الكاظم و محمد الجواد

يقول الشاعر:

لذ إن دهتك الرزايا* * * و الدهر عيشك نكّد

بكاظم الغيظ (موسى)* * * و بالجواد (محمد)

و الكاظمية هي مدفن الامام موسى الكاظم و حفيده الامام محمد الجواد و قد شملت صفة كظم الغيظ الحفيد فسميا بالكاظمين، كما شملت صفة الجواد الجد فسميا بالجوادين، و لذلك يقول الشاعر فيهما

ما خاب من أمّ جوادا فهل‏* * * يخيب من أمّ جوادين؟

الامام موسى الكاظم‏

هو موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر، بن علي زين العابدين بن الحسين الشهيد، بن علي بن ابي طالب (ع) و هو الامام السابع عند الشيعة الامامية ولد بالابواء و هو منزل بين مكة و المدينة (1) في اليوم السابع من صفر سنة 128 ه المصادف 745 م فأولم ابوه الامام الصادق بعد ولادته و اطعم الناس‏

____________

(1) المدخل من موسوعة العتبات المقدسة ص 213، و الاعلام للزركلي في اسم موسى بن جعفر

38

ثلاثا (1) و قيل كانت ولادته يوم الثلاثاء و قبل طلوع الشمس من سنة 129 ه (2)

و امه أم ولد يقال لها (حميدة) بنت صاعد (المغربية) و قيل (الاندلسية) و كانت حميدة الصفات حتى وصفت باللؤلؤة، و وصفت (بالمصفاة) و قال عنها الامام الصادق: ان حميدة مصفاة من الادناس كسبيكة الذهب.

و كانت للامام موسى بن جعفر القاب متعددة يعرف بها كالصابر، و العبد الصالح، و الامين، و النفس الزكية، و الزاهر، و الوفي، و زين المجتهدين، و لكن صفة (الكاظم) كانت اشهر صفاته حتى لقد التصقت باسمه كجزء متمم فعرف بموسى الكاظم، و كظم الرجل غيظه اذا اجترعه، و في التنزيل:

«و الكاظمين الغيظ» و قد فسره ثعلب فقال: يعني الحابسين الغيظ لا يجازون عليه، و قال الزجاج: معناه: أعدّت الجنة للذين جرى ذكرهم، و للذين يكظمون الغيظ، و روي عن النبي (ص) انه قال: ما من جرعة يتجرعها الانسان اعظم أجرا من جرعة غيظ في اللّه عز و جل، و في الحديث، من كظم غيظا فله كذا و كذا، و كظم الغيظ: تجرّعه، و احتمال سببه، و الصبر عليه‏ (3).

و قد سمي بالكاظم لكثرة كظمه الغيظ، و صبره على ما لقي من الظلم و الاذى و الحبوس.

و قال كمال الدين محمد بن طلحة الشافعي في (مطالب السؤول عن مناقب الرسول) عن الكاظم: «و لفرط حلمه و تجاوزه عن المعتدين عليه دعي كاظما، فكان يجازي المسي‏ء باحسانه اليه، و يقابل الجافي عليه بعفوه عنه، و كان اذا بلغه عن احد انه يؤذيه ارسل اليه بالذهب و التحف‏ (4) و قال ابن الاثير و كان يلقب بالكاظم لانه كان يحسن إلى من يسي‏ء اليه و كان هذا عادته أبدا (5)

____________

(1) اعيان الشيعة ج 4 ص 3 ط 1 منقولا عن البرقي في المحاسن،

(2) وفيات الاعيان ج 4 ص 395 ط مكتبة النهضة

(3) لسان العرب لابن منظور مادة كظم‏

(4) البداية و النهاية ج 10 ص 183 مط السعادة

(5) الكامل في التاريخ ج 6 ص 164 مط صادر و دار بيروت‏

39

مثل من حلمه‏

و رويت عن حلمه و عن مجازاته المسيئين اليه بالاحسان روايات كثيرة في بطون التاريخ، و من هذه الروايات ما اثبته ابو الفرج الاصفهاني قال:

ان رجلا من آل عمر بن الخطاب كان يشمّ علي بن ابي طالب اذا رأى موسى بن جعفر، و يؤذيه اذا لقيه، فقال له بعض مواليه و شيعته: دعنا نقتله، فقال:

لا. ثم مضى راكبا حتى قصده في مزرعة له فتواطأها بحماره متعمدا، فخرج اليه الرجل زاجرا، و لكنه لم يصغ اليه بل قصده حتى بلغ منزله، و نزل عنده، و بدأ يلاطفه و يضاحكه ثم سأله بعد ذلك:

- كم تظن قد لحق بك من الخسارة بسبب تواطؤ حماري لمزرعتك؟

قال- (و هو يريد المغالاة في الضرر) مائة درهم‏

قال- و كم ترجو ان تربح لو كانت قد سلمت مواطى‏ء الحمار من الضرر؟

قال- لا ادري ...

قال- انما سألتك كم ترجو؟

قال- مائة درهم اخرى‏

فأخرج له ثلثماية دينار (لا درهم) و وهبها له، فقام الرجل و قبل رأسه، و منذ ذلك الحين صار الامام الكاظم لا يدخل المسجد حتى يثب ذلك العمري و يسلم عليه و يقول: «اللّه اعلم حيث يجعل رسالته»

و تقول الرواية: و لقد وثب اصحابه عليه لائمين- اي على العمري- و معنفين على عمله هذا فكان يشاتمهم و يقف في وجوههم‏

و قال موسى لمن كان يريد ان يجزي الاساءة بالاساءة:

«ايما كان خيرا ما اردتم انتم او ما اريد انا؟» (1)

____________

(1) مقاتل الطالبيين لابي الفرج الاصفهاني ص 500 مط دار احياء الكتب العربية

40

صفات الامامة و صفات الكاظم العامة

و للامامة عند الشيعة صفات لا يمكن للامام ان يكون اماما دونها، و هي صفات الانسان الكامل التي ترفع قدره حتى تجعله فوق مستوى الناس من حيث التقوى، و العدل، و الامانة، و حب الخير، و اسداء المعروف، و البعد عن كل خلق شائن، اضافة إلى غزارة العلم وسعة الاطلاع لكي يصلح ان يكون قدوة في دنيا الناس، و لقد اوتي الامام الكاظم كل الصفات التي اوتيها آباؤه الأئمة من قبله.

قال الشيخ المفيد في (الارشاد) و كان موسى بن جعفر (عليه السّلام) أجل ولد ابي عبد اللّه (يعني الامام الصادق) قدرا، و أعظمهم محلا، و أبعدهم في الناس صيتا، و كان اعبد أهل زمانه، و اورعهم، و أجلّهم و أفقههم‏

و قال كمال الدين محمد بن طلحة الشافعي: هو الامام الكبير القدر، العظيم الشأن الكثير التهجّد، الجاد في الاجتهاد، المشهور بالعبادة، المواظب على الطاعات المشهور بالكرامات يبيت الليل ساجدا و قائما، و يقطع النهار متقصدا و صائما

و قال ابن شهر آشوب: كان افقه اهل زمانه، و احفظهم لكتاب اللّه، و كان اجل الناس شأنا، و اعلاهم في الدين مكانا، و افصحهم لسانا، و اشجعهم جنانا قد خصه اللّه بشرف الولاية، و حاز إرث النبوة، و بوّء محل الخلافة، سليل النبوة و عقيد الخلافة،

و روي انه دخل مسجد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فسجد سجدة في اول الليل و سمع و هو يقول في سجوده:

«الهي عظم الذنب عندي فليحسن العفو من عندك، يا اهل التقوى، و يا اهل المغفرة» و جعل يرددها حتى اصبح‏ (1)

و قد بلغ من رقة الحاشية و التواضع حتى اصبح حديث اهل زمانه على الرغم‏

____________

(1) وفيات الاعيان ج 4 ص 393 مط النهضه‏

41

مما كان يحوطه من الوقار الذي يفرض احترامه على الناس عفوا، هذا الوقار و التواضع الذي يعود اليه بعض تخوف هرون الرشيد من اقبال الناس عليه.

قيل ان الرشيد لما حج لقيه موسى بن جعفر على بغلة، فقال له الفضل بن الربيع:- ما هذه الدابة التي تلقيت عليها امير المؤمنين؟ فأنت ان طلبت عليها لم تدرك، و ان طلبت لم تفت؟

قال- انها تطأطأت عن خيلاء الخيل، و ارتفعت عن ذلة العير، و خير الامور اوسطها (1)

و روي انه مر برجل من اهل السواد، دميم المنظر، فسلم عليه و نزل عنده‏

____________

(1) مقاتل الطالبيين ص 500 مط دار احياء الكتب‏

مرقد الامامين الكاظمين بالقبتين و المنائر الذهبية

42

و حادثه طويلا، ثم عرض عليه نفسه في القيام بحاجة إن عرضت،

فقيل له يا ابن رسول اللّه، اتنزل إلى هذا ثم تسأله عن حوائجه و هو اليك احوج؟

(اي احوج ان ينزل اليك) فقال: عبد من عبيد اللّه، واخ في كتاب اللّه، و جار في بلاد اللّه، يجمعنا و اياه خير الاباء: آدم، و افضل الاديان الاسلام، و لعل الدهر يرد من حاجتنا اليه فيرانا بعد الزهو عليه متواضعين بين يديه ثم قال‏

نواصل من لا يستحق وصالنا* * * مخافة أن نبقى بغير صديق‏ (1)

سجية الكرم‏

و الكرم سجية ما عرف بها بيت في العرب كبيت هاشم و آل عبد المطلب و قد ورث الامام موسى بن جعفر فيما ورث الشي‏ء الكثير من هذه السجية حتى روى التاريخ الاعاجيب عن كرمه، و قيل ما ردّ قاصدا خائبا، يقول ابن خلكان عنه: و كان سخيا كريما، و كان يصر الصرر ثلثماية دينار و اربعماية دينار و مائتي دينار ثم يقسمها بالمدينة (2) و يوجز الزركلي ما يستخلصه من كتب التاريخ فيقول كان من سادات بني هاشم و من اعبد اهل زمانه، و أحد كبار العلماء الاجواد (3)

و اهدى له مرة عبد (مملوك) عصيدة، فاشتراه و اشترى المزرعة التي هو فيها بألف دينار و اعتقه، و وهب المزرعة له‏ (4)

و يقول الخطيب: و كانت صراره بين الثلثماية إلى المائتين دينار فكانت صرار موسى مثلا (5) و قال الشيخ المفيد في (الارشاد): و لم ير في زمانه اسخى منه و لا اكرم نفسا و عشرة، و كان اسخاهم كفا، و اكرمهم نفسا، و كان اوصل الناس لاهله و رحمه، و كان يتفقد فقراء المدينة بالليل فيحمل اليهم الزنبيل فيه العين‏

____________

(1) اعيان الشيعة نقلا عن (تحف العقول) ج 4 ص 41 ط 1

(2) وفيات الاعيان ج 4 ص 392 مط النهضة

(3) الاعلام- موسى بن جعفر ط 2

(4) البداية و النهاية ج 10 ص 183 مط السعادة

(5) تاريخ بغداد 13 27 ط 1

43

(الذهب) و الورق (الفضة) و الادقة (الطحين) و التمر، فيوصل اليهم ذلك و لا يعلمون من اي جهة هو،

و في عمدة الطالب: كان موسى الكاظم عظيم الفضل رابط الجأش، واسع العطاء، و كان يضرب المثل بصرار موسى، و كان اهله يقولون: «عجبا لمن جاءته صرة موسى فشكا القلة» (1)

و روى الخطيب في (تاريخ بغداد) و المفيد في (الارشاد) بسنديهما عن محمد بن عبد اللّه البكري قال: قدمت المدينة اطلب بها دينا فأعياني، فقلت، لو ذهبت إلى ابي الحسن موسى بن جعفر فشكوت ذلك اليه، فاتيته في صنيعته ثم سألني عن حاجتي فذكرت له قصتي، فدخل فلم يقم الا يسيرا حتى خرج الي فقال لغلامه: اذهب ثم مدّ يده فدفع الي صرة فيها ثلثمائة دينار ثم قام فولى و قمت فركبت دابتي و انصرفت‏

ثم روى الخطيب في (تاريخ بغداد) عن عيسى بن محمد بن مغيث القرظي قال: زرعت بطيخا و قثاء و قرعا في موضع بالجوانية على بئر يقال لها (ام عظام) فلما قرب الخير و استوعب الزرع بغتني الجراد فأتى على الزرع كله، و كنت غرمت على الزرع و في ثمن جملين مائة و عشرين دينارا، فبينما انا جالس إذ طلع موسى بن جعفر بن محمد فسلم ثم قال: أيئس حالك؟ فقلت: اصبحت كالصريم‏ (2) بغتني الجراد فاكل زرعي، قال و كم غرمت فيه، قلت مائة و عشرين دينارا، مع ثمن الجملين، فقال: يا عرفة، زن لابي المغيث مائة و خمسين دينارا فنربحك ثلاثين دينارا و الجملين‏ (3)

باب الحوائج‏

و لكثرة هباته و عطاياه و قضائه حاجات الناس و حل مشكلاتهم صار

____________

(1) اعيان الشيعة ج 4 ص 9 ط 1

(2) الصريم الارض المحصود زرعها

(3) اعيان الشيعة ج 4 ص 44

44

يقصده المحتاجون من جميع الاطراف و استوى في ذلك شيعته و غير شيعته و بصفة الامام الذي يوجب مذهب الشيعة الامامية الرجوع اليه في امور دينهم و الائتمام به و دفع الاخماس من الاموال التي تفيض حتى تبلغ حدود التخميس اليه فقد كان ما يصل اليه من هذه الاموال كثيرا و من مختلف الاقطار فكان ينفقه كله بسخاء على الفقراء و المحتاجين و يحل به عقدة الهم لدى المهمومين و يفرج كرب المكروبين فضلا عما كان يستخدم من جاهه و مكانته من النفوذ لا زالة الغمة عن البيوت و الاسر المنكوبة، و لذلك سمي (بباب الحوائج) و ظلت هذه الصفة ترافقه حتى اليوم اذ يزور ضريحه المكروبون، و البرمون السائمون و هم يطوفون بضريحه و يدعون اللّه عند قبره و هم مفعمون بالايمان بانهم قد طرقوا (باب الحوائج) و ان اللّه سيقضي حاجاتهم و يستجيب دعاءهم و يخرجون من ضريحه و قد اطمأنت نفوسهم، و سكنت خواطرهم و ازال ايمانهم كل قلق يساورهم.

مذهبه في الحياة

هذا الامام الذي عرف بالعبد الصالح لكثرة صلاته و طول عبادته و قضاء جانب كبير من ليله بذكر اللّه كان إلى جانب ذلك مثلا اعلى لما ينبغي ان تكون عليه حياة الانسان في دنيا ليس من حيث التواضع و الرقة و اللطف و انما من حيث المأكل و الملبس و التمتع بما احل له من دنياه، و يتجلى كل هذا في سيرته و فيما ترك من آثار ادبية، فقد جاء في احد مواعظه و ارشاداته قوله.

«اجعلوا لانفسكم حظا من الدنيا باعطائها ما تشتهي من الحلال، و ما لا يثلم المروءة و ما لا سرف فيه، و استعينوا بذلك على امور الدين فأنه روي ليس منا من ترك دنياه لدينه، او ترك دينه لدنياه».

و في قول الامام زبدة ما تتطلبه الحضارة و المدينة في القرن العشرين و ليس من شك ان المقصود بالدين هو المعاملة، المعاملة مع اللّه، و مع الناس،

و كان الامام الكاظم انيقا في ملبسه، جميل الثياب، و قد روى عبد اللّه‏

45

بن جعفر الحميري عن والده الامام الثامن علي بن موسى الرضا قال:

انه قال:

قال لي ابي (اي الكاظم) ما تقول في اللباس الحسن؟

فقلت- (يقول الرضا) بلغني ان الحسن (ع)- الحسن بن علي بن ابي طالب (ع)- كان يلبس (اي يلبس اللباس الجيد الحسن).

فقال لي- إلبس، و تجمّل، فأن علي بن الحسين كان يلبس الجبة الخز بخمسماية درهم، و المطرف الخز بخمسين دينارا فيشتو فيه، فاذا خرج الشتاء باعه و تصدق بثمنه،

و تلا هذه الاية:

(قل من حرم زينة اللّه التي اخرج لعباده و الطيبات من الرزق)

و من فلسفته في الحياة: الواقعية و البعد عن التزمت و الانكماش على النفس و وجوب استقبال ما تأتي به الظروف باطمئنان وسعة صدر و ارتياح قوله:

كثرة الهم تورث الهرم.

و قوله: التدبير نصف العيش، و التودد الى الناس نصف العقل‏

و سمع مرة رجلا يتمنى الموت فقال له:

- هل بينك و بين اللّه قرابة يحابيك بها؟

قال- لا

قال- فهل لك حسنات قدمتها تزيد على سيئاتك؟

قال- لا

قال- فأنت اذن تتمنى هلاك الابد (1)

و اكثر ما يتجلى مذهبه الواقعي في الحياة فأنما يتجلى في قوله:

اجتهدوا في ان يكون زمانكم اربع ساعات: ساعة لمناجاة اللّه، و ساعة

____________

(1) المدخل من موسوعة العتبات المقدسة ص 216- 217 ط 1

46

لأمر المعاش، و ساعة لمعاشرة الاخوان و الثقات الذين يعرّفونكم عيوبكم و يخلصون لكم في الباطن، و ساعة تخلون فيها للذاتكم في غير محرم،

و قوله اياك و الضجر، و الكسل، فأنهما يمنعان حظك من الدنيا و الآخرة.

و قوله:

لا تحدثوا انفسكم بفقر، و لا بطول عمر، فانه من حدث نفسه بالفقر بخل. و من حدثها بطول العمر حرص،

جعلوا لانفسكم حظا من الدنيا باعطائها ما تشتهي من الحلال‏ (1)

و من وصيته التي يقول فيها: «ان قول اللّه هل جزاء الاحسان الا الاحسان، جرى في المؤمن و الكافر و البر و الفاجر» و من وصيته هذه تعرف مدى افقه الواسع الذي يستوي عنده المؤمن و الكافر في ميادين المعروف و هي فلسفة انسانية يتمثل فيه سمو الروح بابهى صوره‏

العلم و الحكمة و الادب‏

و كان من بعض مظاهر العظمة عند الامام موسى بن جعفر انه كان عالما و كان حكيما و كان اديبا، و قد نقل المؤرخون الشي‏ء الكثير من آثاره الدالة على سعة علمه، و عمق حكمته، و رفعة ادبه، و قد ترك من المواعظ و الحكم، و الوصايا ما يضرب به المثل، و قد توسم فيه الامام ابو حنيفة هذا النبوغ و علو الكعب و هو لم يزل بعد غلاما: فقد روى الحسن بن علي بن شعبة عن ابي حنيفة انه قال:

جحجت في ايام ابي عبد اللّه الصادق (ابي الامام موسى الكاظم) فلما اتيت المدينة دخلت داره فجلست في (الدهليز) انتظر اذنه، اذ خرج صبي فقلت:

____________

(1) اعيان الشيعة ج 4 ص 59 (نقلا من تحف العقول)

47

- يا غلام .. اين يضع الغريب الغائط من بلدكم؟ (و كان ابو حنيفة يسأل عن الخلاء طبعا لقضاء حاجته)

فقال الغلام- على رسلك ... ثم جلس مستندا إلى الحائط ثم قال:

- توق شطوط الانهار، و مساقط الثمار، وافنية المساجد، و قارعة الطريق و توار خلف جدار، و شل ثوبك، و لا تستقبل القبلة، و لا تستدبرها، وضع حيث شئت،

يقول ابو حنيفة- فاعجبني ما سمعت من الصبي فقلت له:

- ما اسمك؟

فقال- انا موسى بن جعفر (1)

ان صبيا مهما بلغ من النضج لا يمكنه ان يحدد الموضوع هذا التحديد الفقهي الجامع ما لم يكن فوق مستوى اقرانه من الفطنة و الذكاء و الاحاطة الكافية بالفقه و الشريعة، و على ان الادلة على علم الامام الكاظم و حكمته و ادبه كثيرة و مبثوثة في بطون امهات الكتب التاريخية و الفقهية و التراجم فان وصيته لهشام بن الحكم كافية لضرب المثل عن مدى هذه الملكات في نشأة هذه الشخصية الفذة (2)

____________

(1) المدخل لموسوعة العتبات المقدسة ص 215- 216 ط 1

(2) و هشام بن الحكم هذا كان من كبار شيعة الامام موسى الكاظم و هو شيباني كوفي معروف بالولاء لال البيت و هو من العلم و المعرفة بحيث يشار اليه بالبنان و قد ولد بالكوفة و نشأ بواسط، و له مؤلفات و اراء تعتبر حجة في مقام المناظرة و المحاججة منها كتاب (الامامة) و (القدر) و (الشيخ و الغلام) و (الدلالات على حدوث الاشياء) و (الرد على المعتزله في طلحة و الزبير) و (الرد على الزنادقة) و (الرد على من قال بامامة المفضول) و (الرد على هشام الجواليقي) و كتاب على (ارسطو طاليس) في التوحيد، و هو من متكلمي الشيعة، و ممن فتق الكلام في الامامة، و هذب المذهب و النظر- على حد تعبير ابن النديم- و كان حاضر الجواب، و قد سئل عن معاوية: أشهد بدرا؟

فقال: نعم من ذاك الجانب، و عدد له ابن النديم اسماء كتب كثيرة في الفهرست،

و قد بلغ من رفعة منزلة هشام ان الامام جعفر الصادق قد نوّه باسمه و قدمه على طائفة من المشايخ و هو لم يزل بعد في مقتبل العمر، فقد روى ان هشام بن الحكم دخل على الامام ابي عبد اللّه جعفر-

48

فمن بعض وصية الامام الكاظم لهشام بن الحكم على ما جاء في كتاب (تحف العقول) للحسن بن علي بن شعبة قوله:

يا هشام لو كان في يدك جوزة و قال الناس في يدك لؤلؤة ما كان ينفعك و انت تعلم انها جوزة؟ و لو كان في يدك لؤلؤة و قال الناس انها جوزة فما ضرك و انت تعلم انها لؤلؤة؟

ما من عبد الا و ملك آخذ بناصيته فلا يتواضع الا رفعه اللّه، و لا يتعاظم الا وضعه اللّه،

ان للّه على الناس حجتين، حجة ظاهرة، و حجة باطنة، فاما الظاهرة فالرسل و الانبياء و الائمة، و اما الباطنة، فالعقول،

ان كان يغنيك ما يكفيك فادنى ما في الدنيا يغنيك، و ان كان لا يغنيك ما يكفيك فليس شي‏ء من الدنيا يغنيك،

لا تمنحوا الجهال الحكمة فتظلموها، و لا تمنعوها اهلها فتظلموهم.

لا دين لمن لا مروءة له، و لا مروءة لمن لا عقل له،

ان العاقل لا يحدث من يخاف تكذيبه، و لا يسأل من يخاف منعه، و لا يعد ما لا يقدر عليه، و لا يرجو ما يعنف برجائه، و لا يتقدم على ما يخاف العجز عنه.

الغضب، مفتاح الشر، و أكمل المؤمنين ايمانا أحسنهم خلقا، و ان خالطت الناس فان استطعت ان لا تخالط احدا منهم الا من كانت يدك عليه العليا فافعل.

عليك بالرفق، فان الرفق يمن، و الخرق شؤم، ان الرفق و البر، و حسن الخلق يعمر الديار، و يزيد في الرزق.

____________

- الصادق بمنى و هو غلام اول ما اختط عارضاه و في مجلسه شيوخ الشيعة كعمران بن اعين، و قيس الماصر، و يونس بن يعقوب و ابي جعفر الاحول و غيرهم فرفعه على جماعتهم و ليس فيه الا من هو اكبر منه سنا كما جاء في (تنقيح المقال) للمقمقاني.

49

قول اللّه: هل جزاء الاحسان الا الاحسان جرى في المؤمن و الكافر و البر و الفاجر، فمن صنع اليه معروف فعليه ان يكافى‏ء به، و ليست المكافأة ان تصنع كما صنع حتى تري فضلك، فان صنعت كما صنع فله الفضل بالابتداء.

ليس منا من لم يحاسب نفسه في كل يوم فان عمل حسنا استزاد منه، و ان عمل سيئا استغفر اللّه منه و تاب اليه.

اياك و مخالطة الناس و الانس بهم الا ان تجد منهم عاقلا و مأمونا فأنس به و اهرب من سائرهم كهربك من السباع الضارية.

من اكرمه اللّه بثلاثة فقد لطف به: عقل يكفيه مؤونة هواه، و علم يكفيه مؤونة جهله، و غنى يكفيه مخافة الفقر، الخ ..

قوة الحجة و سرعة البديهة

و مما اشتهر به الامام موسى بن جعفر هو قوة الحجة، و سرعة البديهة و الجرأة في معرض المناظرة و المحاججة يفرغها في اسلوب بعيد كل البعد عن التبجح و المكابرة و الاستظهار و قد روى الراوون و المؤرخون عنه مواقف تثير الاعجاب، و لا سيما مع هرون الرشيد، فلقد سأله الرشيد مرة:

- كيف صرتم ذرية لرسول اللّه و أنتم بنو علي، و انما ينتسب الرجل لجده لأبيه دون جده لأمه، (و طلب الرشيد أن يأتيه بحجة من كتاب اللّه على ما ذكرت الرواية).

فقال الكاظم- بسم اللّه الرحمن الرحيم (و من ذريّته داود، و سليمان، و أيوب، و يوسف، و موسى، و هارون، و كذلك نجزي المحسنين، و زكريا و يحيي و عيسى) و سأل الكاظم الرشيد:

- فمن هو ابو عيسى؟

قال الرشيد: ليس لعيسى أب‏

قال الكاظم- و انما ألحق بذراري الأنبياء من قبل امه، فلماذا لا نلحق بذرية النبي من قبل أمنا فاطمة؟ ثم قال الكاظم: و قال اللّه عز و جل:

50

(فمن حاجّك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا و ابناءكم و نساءنا و نساء كم و انفسنا و انفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة اللّه على الكاذبين) و هو يشير بذلك الى المباهلة التي ضمّت عليا و فاطمة في صف النبي كما تذكر الروايات عن يوم المباهلة.

ثم قال الكاظم للرشيد: لو نشر رسول اللّه، و خطب اليك كريمتك، أكنت تزوجه؟

قال الرشيد- نعم، و افتخر بذلك على العرب و العجم.

قال الامام: اما انا فان النبي لا يخطب مني و لا ازوجه لانه و لدنا و لم يلدكم.

و ذكر ايضا ان هرون الرشيد حين حج و أتى قبر النبي زائرا و حوله قريش و أفناء القبائل‏ (1) و معه موسى بن جعفر فوقف هرون مسّلما على قبر النبي و قال:

- السلام عليك يا رسول اللّه يا ابن عم‏

و في هذا السلام و معه موسى بن جعفر و هذه الكثرة من قريش و افناء القبائل لا يخلو من بعض التحدي لموسى بن جعفر أو المفاخرة، فدنى موسى من قبر النبي و قال:

- السلام عليك يا أبت‏

و هنا تغير وجه هرون الرشيد و قال:

هذا هو الفخر يا أبا الحسن حقا (2)

يقول ابن الاثير و هو يستعرض شخصية الامام موسى بن جعفر و جرأته:

«و لما كان محبوسا- أي الامام الكاظم بسجن الرشيد- بعث الى الرشيد برسالة انه: لن ينقضي عني يوم من البلاء الا و ينقضي عنك معه يوم من الرخاء، حتى ينقضيا جميعا الى يوم ليس له انقضاء يخسر فيه المبطلون» (3).

____________

(1) الافناء الذين لم يحدد ذكرهم المؤرخون‏

(2) وفيات الاعيان ج 4 ص 394 نقلا من تاريخ بغداد للخطيب‏

(3) الكامل في التاريخ ج 4 ص 164 ط صادر و دار بيروت‏

51

حبسه و قتله‏

لم يقلّ خوف بني العباس من العلويين عن خوف بني امية ان لم يزده بمراتب فقد كانت للعلويين (شعبيّة) قلما حظي بها قوم كما حظي العلويون، و كان من ولاء الناس لهم ان عرّض الألوف انفسهم للقتل و السجن و التشرد بسبب محبتهم و ولائهم لآل البيت، و كان خوف الأمويين و العباسيين من العلويين هو ان ينتزع العلويون الملك و الحكم منهم لذلك بالغوا في قتل النبغاء و النابهين منهم، حتى لقد تناول ابو الفرج الأصفهاني في كتابه (مقاتل الطالبيين) ترجمة اكثر من مائتي شخصية من الشخصيات العلوية النابهة التي جمعت بين عدد من الفضائل التي لم تستطع كل بني امية و كل بني العباس ان يجمعوا بعضها، ممن قتلوا صابرين، هذا عدا المئات الذين فات ابا الفرج ذكرهم، و عدا الذين تم قتلهم و البطش بهم بعد ابي الفرج الأصفهاني.

و الاجيال التي مرت لم يخل تاريخها من وجود شخصيات علوية تتجمع فيها الفضائل من جميع اطرافها لذلك كان الخوف يلازم الامويين و العباسيين دائما من ظهور علوي جديد تتوفر فيه كل مقتضيات الزعامة، اذا ما قضى على اي نابه منهم.

يقول عباس محمود العقاد «و انك لتنحدر مع اعقاب الذرية في الطالبيين ابناء علي و الزهراء مائة سنة و مائتي سنة و أربعمائة سنة ثم يبرز لك رجل من رجالها فيخيل اليك ان هذا الزمن الطويل لم يبعد قط بين الفرع و أصله في الخصال و العادات كأنما هو بعد ايام معدودات لا بعد المئات وراء المئات من السنين، و لا تلبث ان تهتف عجبا: ان هذه الصفات صفات علوية لا شك فيها ..» (1).

و اذا علمنا ان هذه الثورات القائمة في وجه بني أمية قد قام بها العلويون و اشياعهم و اتباعهم لكي يردوا الحق الى نصابه و يقضوا على حكم الفردية

____________

(1) ابو الشهداء الحسين بن علي ص 51- 52

52

المشتعلة التي صيرت من الخلافة الشورية ملكية غير محدودة بحدود في البطش و القتل و سلب اموال الناس، ثم صارت النتيجة ان يتولى بنو العباس هذا الحكم هان علينا ان نعلم لم يتملك الخوف بني العباس كل هذا التملك؟

و لم يحاذر بنو العباس من العلويين؟ و لم يتعقبون النابه و النابغة منهم؟

يقول السيد احمد صقر في مقدمة شرحه و تحقيقه (لمقاتل الطالبين):

«و لا يعرف التاريخ اسرة كأسرة أبي طالب بلغت الغاية من شرف الارومة، و طيب النجاد ضلّ عنها حقها (الى ان يقول) و قد اسرف خصوم هذه الاسرة الطاهزة في محاربتها، و أذاقوها ضروب النكال، و صبوا عليها صنوف العذاب، و لم يرقبوا فيها إلّا و لا ذمّة، و لم يرعوا لها حقا و لا حرمة .. الخ» (1).

فمن الطبيعي- و قد كان هذا شأن موسى بن جعفر- ان يتخوف منه العباسيون على خلافتهم و يحسبون لمقامه و مكانته و (شعبيته) ألف حساب، لذلك ارسل عليه المهدي في ايام خلافته فجي‏ء به من المدينة و زجّه في السجن دون أن يكون هنالك ما يستدعي ذلك غير الخوف المجرد، و مكث في السجن مدة طويلة الى ان اطمأن منه المهدي و اطلقه، و حكى الربيع‏ (2) قال رأيت المهدي يصلي في بهو له في ليلة مقمرة فما أدري أهو أحسن، أم البهو ام القمر ام ثيابه؟ قال فقرأ (في صلاته) هذه الآية:

(فهل عسيتم إن تولّيتم أن تفسدوا في الأرض و تقطّعوا أرحامكم).

قال فأتم صلاته و التفت الي و قال يا ربيع قلت لبيك يا أمير المؤمنين، قال عليّ بموسى و قام الى صلاته فقلت في نفسي من موسى اهو ابنه او موسى بن جعفر و كان محبوسا عندي، قال الربيع: و جعلت افكر و قلت ما هو الا موسى بن جعفر، فاحضرته، قال: فقطع صلاته و قال: يا موسى اني قرأت هذه الآية (فهل عسيتم إن تولّيتم ان تفسدوا في الارض‏

____________

(1) مقدمة الامام علي نبراس و متراس بقلم جعفر الخليلي ص 38 ط 1

(2) الربيع: ابو الفضل، وزير اشتهر بالحزم و المقدرة استوزره المنصور و المهدي، و اليه تنسب (قطيعة الربيع) ببغداد و هي محلة كبيرة اقطعه اياها المنصور على ما لخص في (الاعلام)

53

و تقطعوا ارحامّكم). فخفت ان اكون قد قطعت رحمك فوثّق لي انك لا تخرج علي. قال فقال: نعم فوثق له و خلاه‏ (1).

و يروي بعض المؤرخين هذه الحكاية عن الرشيد و يزعمون ان الرشيد قد رأى في الحلم الامام علي بن ابي طالب و قرأ عليه هذه الآية فحين استيقظ أمر باطلاق سراحه و اعادته الى المدينة، و ليس هنالك ما يؤيد موثقا حبس الرشيد للامام موسى بن جعفر غير الحبس الذي سنورده هنا و هو الحبس الذي قتل فيه الامام الكاظم مسموما.

و لما آل الحكم الى هرون الرشيد و بلغه عن مكانة الامام موسى بن جعفر و احتفاف شيعته به، و جلال مقامه من حيث العلم و الادب و سمو الخلق و الكرم خشيه و تخوف منه، و قد اورد بعض المؤرخين ان يحيى بن برمك قد استخدم بعض العيون و كان منهم علي بن اسماعيل ابن اخي الامام موسى الكاظم و اغراه بالمال ثم جلبه من المدينة على ان يشي بعمه الامام الكاظم، و هذه الأخبار مردودة و غير مقبولة عقلا لا سيما حين نتابع هذه الوشاية فلا نجدها تزيد على ان علي بن اسماعيل قد نقل للرشيد بأن الأموال تنقل الى الامام الكاظم من المشرق و المغرب، و ان له بيوت اموال و انه اشترى ضيعة بثلاثين ألف دينار فسماها (اليسيرة) الى غير ذلك. و ان الرشيد قد أثابه على هذه الرواية بمائتي ألف درهم فلم يتمتع بهذا المال بل مات قبل ان يتسلمه.

و يكذب العقل هذه الرواية لانتفاء الوشاية فيها فان كل ما قاله علي بن اسماعيل- اذا صح انه قد قال شيئا- لم يزد ان لم ينقص عما كان يعرفه الرشيد و جميع الناس عن الامام الكاظم و كرمه و ما كان يحمل اليه من اموال و ما كان ينفق منه على المعوزين و المحتاجين فليس في الأمر ما يستدعي ان يسمى وشاية و ان يثاب الرجل عليه لأهمية هذه الوشاية.

____________

(1) تاريخ الامم و الملوك للطبري ج 6 ص 398 مطبعة الاستقامة

54

و الواقع الذي ليس فيه من شك هو ان الرشيد قد خاف من الامام موسى كما خاف المهدي من قبل، و خاف من مغبة الأمر و عاقبته لو انه اصدر امره بالقاء القبض عليه و جلبه من المدينة الى بغداد،

و لربما قد خاف اللّه إن انزل بالامام الكاظم البلاء، لذلك حين حج في تلك السنة بدأ بقبر النبي (صلى اللّه عليه و آله) و قال: «يا رسول اللّه اني اعتذر اليك من شي‏ء اريد ان افعله، اريد ان احبس موسى بن جعفر فانه يريد التشتت بين امتك و سفك دمائها» ثم أمر به فأخذ من المسجد فأدخل اليه، و هناك قيده، و اخرج من داره بغلين عليهما قبتان مستورتان و جعل الامام الكاظم في احداهما و وجه مع كل قبة خيلا، فأخذوا بواحدة على طريق البصرة، و الاخرى على طريق الكوفة ليعمّي على الناس‏ (1) و كان موسى في التي مضت الى البصرة، و امر الرسول ان يسلم موسى الكاظم الى عيسى ابن جعفر بن المنصور، و كان على البصرة حينئذ (2) فمضى به فحبسه عيسى عنده سنة كاملة، و يبدو ان عيسى لم يطق ان يحتمل اماما عرف عن صفته كل شي‏ء ان يحبس عنده سنة كاملة بدون ذنب فكتب الى الرشيد أن:

«خذه مني و سلمه إلى من شئت، و الا خليت سبيله، فقد اجتهدت ان آخذ عليه حجة فما قدرت على ذلك، حتى اني لا تسمّع عليه اذا دعا لعله يدعو عليّ او عليك فما اسمعه يدعو الا لنفسه، و يسأل اللّه الرحمة و المغفرة» (3).

فوجّه الرشيد من تسلمه منه و حبسه عند الفضل بن الربيع ببغداد

ان دهرا لم يرع عهدا ليحي‏* * * غير راع ذمام آل الربيع‏

(4)،

____________

(1) مقاتل الطالبيين ص 502 مط دار احياء الكتب‏

(2) هو اخو زبيدة و ابن عم هرون الرشيد و قد قتل في السجن و هو مأسور في معركة عمان التي انكسر جيشه فيها و أسر عيسى‏

(3) مقاتل الطالبيين ص 502

(4) هو الفضل بن الربيع كان ابوه الربيع وزيرا للمنصور ثم للمهدي و قد استوزره الرشيد الفضل بعد نكبة البرامكة و قد كان الفضل من ألد خصوم البرامكة و قد قال فيه ابو نواس‏

ان دهرا لم يرع عهدا ليحي‏* * * غير راع ذمام آل الربيع‏

و كان الفضل ممن يكرهون المأمون‏