موسوعة تاريخ العراق بين احتلالين‏ - ج2

- عباس العزاوي المزيد...
424 /
7

[المجلد الثانى‏]

المقدمة

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم

الحمد للّه رب العالمين و الصلاة و السلام على رسوله و آله و صحبه أجمعين.

(و بعد) فللأمم سنن لا تحيد عنها، و أنظمة ثابتة تجري عليها، هي القدر المشترك و النفسيات العامة لأفرادها، لا تتغير إلا بعوامل اجتماعية، أو ظهورات و حوادث عظيمة تدعو للتنبيه ... و حالة الأمم هذه في أزمانها المختلفة، و أوضاعها المتبدلة تحتاج إلى تدوين لنتبين نفسياتها الاجتماعية و ما اعتراها من تطورات عارضة، و حوادث أو نوازل خاصة، و نتوضح منها إدارتها اللائقة بها، و نواميسها السائرة عليها، أو نهجها الذي مضت عليه ...

و شرح ذلك يطول، و إنما نقتصر على صفحة من تاريخ هذه التقلبات و الطوارى‏ء عن قطرنا تتلو سابقتها، و تسد بعض الحاجة، فنراها الأولى في دراسة عواملنا الاجتماعية، و حوادثنا النفسية لسهولة التفهم و إدراك العلاقة المباشرة من وقائعنا القومية، و حكوماتنا المختلفة ...

و من ثم تتوضح أوضاع السلطة الحاكمة أو المتحكمة و ما ترمي‏

8

إليه، و ما ينزع إليه الأهلون، أو ما يرونه من معارضات شديدة، أو بالتعبير الأولى الاطلاع على تاريخ علاقتها بنا، و روابطها معنا ...

و موضوعنا هذه المرة (الحكومة الجلايرية) و هي بعيدة عنا، و غريبة منا و أن كانت إسلامية .. تميل في إدارتها، و روحيتها، إلى ما اعتادته من الاعتبارات القومية ... فلم تتدرب على التربية الإسلامية كما يجب و لا تخلقت بأخلاقها الفاضلة في الدرجة اللائقة، لتوافق المثل الأعلى، أو على الأقل لم تأتلف مع ما في نفوسنا.

و محط الفائدة أن يتطلع العراقي على حوادث هذه الأقوام، و سياستها و تأثيرها علينا و على هذا القطر، أو تأثره منها ... و هذه بمثابة ترجمة الشخص في أدوار حياته و ما لاقاه في أيامه ... و يتعين لنا تاريخ القطر في زمان لنعلم ما جرى عليه خلال هذا العصر، و ما انتابه من مصائب و آلام، و حوادث أخرى ... و هنا نرى القسوة و الظلم قد بلغا منتهاها، نعم صار العراق موطن الحكم، و مقر السلطنة إلا أن العنصر التتري كاد يتغلب عليه كما تحكم فيه، و السلطة قوية لم يستطع دفعها، أو رفعها ... و الثقافة الفارسية كادت تسوده و تسيطر عليه ...

و أراني في غنى عن إيضاح ما بذلته من جهود لتثبيت ما تمكنت من جمع شتاته، و الأخبار المختلفة فيه، و النزعات المتضاربة للتأليف بينها، و التقريب لما بعد منها. حتى حصل ما أقدمه الآن للقراء الأفاضل و لعلهم يجدون ما يطمئن بعض الرغبة بالوقوف على صفحات متقطعة، غير موصولة من تاريخه في وقت معين، و فيها ما يشير إلى ما وراءها ... فإن وافق الرغبة فهو ما آمله و إلا فكم سار غرّه قمر،

فتاه في بيداء ...

9

المراجع التاريخية

مراجعنا في هذا العهد غامضة، و في الوقت نفسه قليلة بالرغم من كثرتها و تعددها. من ناحية أن كلّا منها لا يخلو من نقل عن الآخر رأسا أو بالواسطة. و في الحقيقة أمهات المراجع قليلة، و نرى الفرق كبيرا جدا بين حكومة المغول السابقة، و بين هذه الحكومة. فإن المراجع الرسمية و غير الرسمية هناك كانت كثيرة جدا، و قد مر بنا منها ما يكاد يجعلنا نقول بأنه لم يبق خفاء خصوصا منها ما يعود إلى التاريخ العلمي و الأدبي على خلاف هذه الحكومة فإن السلطان حسن الجلايري مثلا دام حكمه في بغداد نحو العشرين سنة و هو مؤسس السلطنة فيها و لم نذكر له من الحوادث ما يصلح أن يدون كوقعة أو وقائع مطردة و متتابعة ...

و هكذا من جاء بعده. فنرى العلائق الخارجية عديدة في حين أن الحوادث الداخلية تكاد تكون مفقودة. و المعلوم أن هذا القطر لا يقف عند تلك الحوادث ساكنا هادئا لطول هذه المدة، و بهذا الصبر الجميل مع أننا نجد أوضاعه متبدلة و أطواره متغيرة دائما كتغير هوائه و فصول سنيه.

و أساسا إن هذا العهد يعد من أنحس الأدوار و أسوئها و أيامه كلها أو غالبها ظلم و قسوة، و سياسته متبدلة الأهواء و النزعات، لم تدع مجالا لأحد أن يفكر في تدوين الحوادث عنها، أو أن اضطرابها و تموجها مما دعا أن تهمل أو أن هناك وقائع قد سجلت بمختلف صفحاتها و لكنها لم‏

10

تصل إلينا. و لم يردنا إلا بعض النتف منها. فانعدمت لما انتابته من ثورات و كوارث، أو بقيت في زوايا النسيان و الإهمال حتى هلكت.

جاءتنا أكثر وقائعه من طريق المجاورين و الأجانب عنا أو البعيدين فلم يذكروا سوى ما له ارتباط بحوادثهم، أو مساس بأوضاعهم. و لم يردنا عن رجال هذا المحيط إلا النزر القليل. و المؤرخون العراقيون قليلون و ربما صاروا مرجعا في بعض حوادثه، و أكثرهم أيام تيمور، و غالبهم عجم، أو ترك، و المصريون و السوريون بعيدون و لكنهم كتبوا كثيرا عن هذه الأيام، و دونوا ما يهمهم ذكره دون خصوصيات العراق إلا عرضا أو ما وصلهم خبره و في كل أحوالهم نجدهم يتألمون لمصاب العراق على طول المدى و شقة البعد و يستطلعون أبناءه دائما و يدونون ما وصلهم.

و على كل حال نذكر المراجع التالية، و نشير إلى المآخذ الأخرى خلال الحوادث إذ لا نرى طائلا وراء بيان جميع ما عولنا عليه، أو اعتمدنا من المآخذ.

بزم و رزم:

مؤلف في الفارسية لعزيز بن أردشير الاسترابادي طبع في استانبول سنة 1928 في مطبعة الأوقاف و فيه مطالب قيمة عن العراق بهذا العصر الذي نكتب عنه، و المؤلف كان نديم السلطان أحمد الجلايري. استطرد في بعض المواطن إلى ذكر العراق و إن كان موضوعه خاصا بالقاضي برهان الدين السيواسي. و أورد صاحب عجائب المقدور اسم المؤلف بلفظ (عبد العزيز) و مثله جاء في كشف الظنون. و في الكتاب اسم المؤلف و والده و بلده بالوجه المشروح و كان في صباء جاء إلى بغداد و قضى شبابه فيها و لما ورد تيمور بغداد في 20 شوال سنة 795 ه و ضبطها فر المؤلف و السلطان أحمد إلى أنحاء المشهد (النجف الأشرف) و قد وافى المشهد ثلة منهم فقبضوا على المؤلف و جاؤوا به‏

11

إلى الحلة و سلموه إلى ميران شاه (ابن الأمير تيمور) فعطف عليه و لطف بحياته فبقي مدة عنده، و لم يقف الجيش عند بغداد فتوجه نحو ديار بكر فانتهز الفرصة ليلا من بين ماردين و آمد و فر إلى صور و من هناك إلى سيواس فوصلها في 11 شعبان لسنة 796 ه- 1394 م فنال كل رعاية من السلطان برهان الدين و كان قد أمره السلطان بكتابة تاريخ هو «بزم و رزم». و أن ابن عربشاه لم يتعرض للصلة بينه و بين السلطان أحمد الجلايري في حين أنه يشير إلى أن السلطان أحمد بعد أن جلس على تخت السلطنة قتل في أمرائه المعروفين و من هم تربية السلطنة و أعيان رجالها الواحد بعد الآخر و اتصل بجمع من الأجلاف و أصحاب السفاهات و الدنايا فكان نديمهم، اتخذ أمراء من الأوباش و من لا يعرف. فاضطربت الأحوال و تشوشت الأمور. و في أول الأمر هاجم توختامش تبريز سنة 787 ه- 1386 م في ذي الحجة فدمرها و قتل منها خلقا عظيما ثم هاجمها بعد تسعة أشهر فاتح آخر و قاهر أعظم فقضى على البقية و هو تيمور لنك فكان سيل تقدمهم جارفا فخربوا إيران، و أضروا بالخلق إضرارا بالغا فاضطر السلطان أحمد أن يترك تبريز فالتجأ إلى بغداد. و لكنه و هو في هذه الحالة لم يتنبه و لم يؤدبه الزمان و إنما استمر فيما كان فيه من سوء الحالة و مصاحبة الأشرار و الأنذال و لم يعتبر بما جرى فكان المؤلف يأسف لما وقع منه و لما هو دائب عليه، و كان في نيته أن يأتي إلى السلطان برهان الدين، و لم يرض من سوء إدارة السلطان أحمد و إنما كان من المتذمرين الناقدين.

قدم هذا الكتاب إلى السلطان برهان الدين بعد أن ورد إليه سنة 796 و بقي عنده إلى سنة 800 ه ثم إنه بعد ذلك سار إلى مصر، و عاش في القاهرة، و كان متبحرا في الآداب العربية و متأثرا بها و له شعر فائق في العربية و الفارسية. فحط رحاله هناك بعد أن رأى من المصائب ضروبا و من الأرزاء أنواعا.

12

و إن صاحب عجائب المقدور قد أثنى عليه و عده من عجائب الدهر، و رجح كتابه بزم و رزم على تاريخ العتبي و إن نظمي زاده مرتضى قد بين أن له ديوانا عربيا و آخر فارسيا إلا أنه لا يعرف طريق توصله إلى هذا و لعله استفاد ذلك من قول صاحب عجائب المقدور.

و هذا ما قاله عنه ابن عربشاه:

«ثم إن الشيخ عبد العزيز (عزيز) هذا بعد لهيب هذه الثائرة انتقل إلى القاهرة و لم يبرح على الأبراح و معاقرة راح الأتراح حتى خامرته نشوة الوجد فصاح و تردى من سطح عال فطاح و مات منكسرا ميتة صاحب الصحاح» ا ه.

و أما مرتضى آل نظمي فإنه أشار إلى أنه كان مقبولا عند الأكابر، و مرغوبا لدى الأفاضل، فمضى أوقاته بهذه الصورة إلا أنه كان مبتلى بالشرب. و لما كان شاربا ثملا سقط من مكان عال فهلك و انتقل إلى الدار الآخرة.

و الكتاب يبين عن خبرة و اطلاع في الأدبين العربي و الفارسي نثرا و نظما و أنه كان ذا قدرة على البيان و بين ما أورده من الشعر ما هو من قوله و نظمه سواء كان عربيا أو فارسيا و كان أول وروده إلى السلطان برهان الدين مدحه بقصيدة عربية و أن تحصيله كان عربيا و نشأته في العراق فكانت تغلب عليه العربية أكثر من الفارسية و اهتمامه بها أزيد إلا أن القوم لا يعرفون العربية و كانوا أقرب للتأثر بالآداب الفارسية فاضطر أن يكتبه باللغة الفارسية و كانت معاملات القوم و محرراتهم فارسية فاللغة المعروفة هناك الفارسية. و لم يشر المؤلف إلى أنه كان يعرف التركية و لكن التأليف يشعر بقدرة و إتقان علمي أدبي لهذا الرجل، و هكذا يقال عن معرفته بالفلك و تعبير الرؤيا، و أنه مختص بهما، أما التصوف فنجده متأثرا بالقسم الغالي منه و يطري جلال الدين الرومي، و يثني على الشيخ محيي الدين.

13

و الملحوظ أن هذا الأثر لا تنكر علاقته بالعراق، و أنه متأثر بآدابها في ذلك العصر، و إننا نستطيع أن نعرف عقلية المتعلمين من أكمل رجل منهم، و تاريخ السلطان أحمد و لو بنظرة عامة و بصورة إلمامة من رجل عراقي. يميط اللثام عن وجه الحقائق فتخرج ناصعة المحيا، و قد طبع على نسخة أيا صوفية المرقمة 3465 مع مقابلته بنسخ أخرى خطية و هذه النسخة مكتوبة بخط خليل بن أحمد الخطاط المشهور الذي كتب بخطه ديوان القاضي برهان الدين و منه نسخة في المتحفة البريطانية و منه نسخة في الأندرون، و أخرى في مكتبة أسعد أفندي، و نسخة في مكتبة راغب باشا. و قد برز بوضعه الصحيح و نال تدقيقا زائدا، و هو و إن كان يخص غير العراق فما ذكره عن العراق كان عمدة فيه، و صاحب خبرة و معرفة، و معولنا كان على المطبوع المذكور.

و لو كنا عثرنا على ديوان عربي أو فارسي للمؤلف لعلمنا شيئا كثيرا عن قطرنا المحبوب كما علمناه من ديوان سلمان الساوجي، و لا طلعنا على وقائع تأثر بها الرجل تدعو لكشف المجهول. و لعل التنقيب و التتبع يؤديان إلى الغرض.

عجائب المقدور في نوائب تيمور:

و هذا من أقدم المراجع الخاصة، لأحمد بن محمد بن عبد الله بن عربشاه المتوفى عام 845 ه- 1442 م و كان قد ولد سنة 791 ه- 1389 م و يعرف بالعجمي أيضا، و عليه الاعتماد في وقائع هذا الفاتح لدى كافة المؤرخين. أوضح حوادثه حتى خصوصياته و أحواله النفسية كأنه من مدوني وقائعه و الملازمين له.

و لا نجد الفرق كبيرا بين ما ذكره، و ما كتبه مؤرخو دولته، و إنما يصلح للمقارنة، و المقايسة مع مباحث أولئك و ما سجله فهو من الوثائق المعارضة. قال المؤلف في مقدمة كتابه:

14

«و كان من أعجب القضايا بل من أعظم البلايا الفتنة التي يحار فيها اللبيب، و يدهش في دجى مندسها الفطن الأريب، و يسفه فيها الحليم، و يذل فيها العزيز و يهان الكريم، قصة تيمور، رأس الفساق، الأعرج الدجال، الذي أقام الفتنة شرقا و غربا على ساق. فتحققت نجاسته بهذا الغسل، أردت أن أذكر منها ما رأيته و أقصّ في ذلك ما رويته ...» ا ه و أثبتت التدقيقات التاريخية أنه من أصدق المؤلفات، و أحقها بالأخذ، و مما يركن إليها إلا في بعض المواطن التي ظهر أنها كتبت بتحامل فلا يزال محتفظا بقيمته التاريخية إلى اليوم بالرغم مما يتبين أنه ساخط على تيمور.

و الكتاب لم يقف عند تحرير وقائعه التاريخية و الاكتفاء بها و إنما هو تاريخ الحكومات المعاصرة له، و التي قارعها و استولى عليها و خاصة ما يتعلق بالعراق، و الحكومة العراقية (الجلايرية). فقد تعرض لها كثيرا.

و أبان في موضوعها عن سعة علم و اطلاع أتمه عام 840 ه (1437 م).

و مما يستحق الذكر هنا أن المؤلف عول في بعض وقائعه فيما يخص تيمور و العراق على عالم عراقي هو تاج الدين أحمد النعماني القاضي الحنفي الحاكم ببغداد فقد قصها نقلا عنه، و أن حادثة بغداد وقعت يوم الأضحى سنة 803 ه إلا أنها لا تخلو من مبالغة هي من لوازم عبارات الناقل و التزاماته في السجع و التهويل كما هو جاري عادته‏ (1).

و لا يفوتنا أن نقول: إن المؤلف ثقة في هذه الحوادث لما كان له من الاتصال الكبير بعلماء الترك و العجم. فقد تجول في سمرقند و بلاد الخطا و ما وراء النهر و برع في فنون العلم، و أتقن الفارسية، و التركية،

____________

(1) عجائب المقدور ص 119.

15

و العربية، و الخط المغولي. و كان يقال له ملك الكلام في اللغات الثلاث، و استمر في تجواله إلى بلاد الدشت و سراي، ثم جاء إلى قرم، ثم قطع بحر الروم (البحر الأسود) إلى مملكة العثمانيين فأقام بها نحو عشر سنين، و باشر عند سلطانها ديوان الإنشاء، و كتب عنه إلى ملوك الأطراف. فبالعجمي لقرا يوسف و نحوه، و بالتركي لأمراء الدشت و سلطانها، و بالمغلي لشاه رخ و غيره، و بالعربي للمؤيد شيخ. ثم رجع إلى وطنه القديم فدخل حلب، ثم الشام و قد أطنب صاحب الضوء اللامع في ترجمته و بيان مؤلفاته و من بينها (فاكهة الخلفاء و مفاكهة الظرفاء)، و كان ممن شاهده و نقل عنه‏ (1).

غلب على المؤلف الأدب و السجع، و استعمل ألفاظ الذم و التزم التنديد بتيمور و شتمه بما شاء. و كل هذا لم يقلل من شأن الكتاب فلم ينحرف عن تثبيت الواقع و تدوين الصحيح قدر وسعه و استطاعته. بالرغم من كرهه لتيمور و السخط عليه. و كم بينه و بين شرف الدين اليزدي من التخالف في الفكرة؛ فيرى هذا أن وجود تيمور نعمة، و ذاك يعده نقمة.

طبع الكتاب في أوروبا و مصر مرارا إلا أن الطابعين لم يراعوا فيه الاعتناء في صحة إعلامه و مع كل هذا نال مكانة و حظا وافرا من الاهتمام لدى مؤرخين تالين له. لخصه المقريزي، و نقل عنه مؤرخون لا يحصون حتى عصرنا و ترجم إلى التركية. و لا يسع المقام بيان ترجمة المؤلف بإسهاب فلها موطن غير هذا.

تاريخ تيمور لنك:

لمرتضى البغدادي من آل نظمي و المؤلف هو صاحب كلشن خلفا، و ذيل سيرنابي. و قد أوضحت عنه في لغة العرب و وصفت مؤلفاته و هذا

____________

(1) الضوء اللامع: ج 2 ص 126.

16

الكتاب ترجمة «عجائب المقدور» إلى اللغة التركية كتبه أولا على الطريقة التي نهجها مؤلف الأصل من التزام السجع و البلاغة المنمقة في تركيباته و كان ذلك عام 1100 ه- 1689 م و قدمه لوالي بغداد آنئذ الوزير علي باشا إلا أن الوزير إسماعيل باشا والي بغداد طلب إليه تسهيل العبارات و مراعاة البساطة فيها بالترجمة ليكون مفهوما للكافة فأجاب الطلب عام 1131 ه- 1719 م أيام ولايته فذلل صعابه و أخرجه بشكله المعروف.

و إن ترجمته ذكرها صاحب كشف الظنون عند الكلام على عجائب المقدور و سماها في موطن آخر ب (تيمور نامه).

طبعت الترجمة السهلة بعنوان (تاريخ تيمور لنك). و هذه أضاف إليها المترجم أولاد تيمور و أخلافه من بعده و بذلك أضاف فائدة جديدة تزيد على الأصل و لكنه من أخرى طوى بعض المباحث فكادت تعدم الغرض منه لو لا وجود الأصل و انتشاره.

التاريخ الغياثي:

تأليف عبد الله بن فتح الله البغدادي الملقب بالغياث المتوفى أواخر العصر التاسع، كان حيا عام 891 ه (1486 م) و سمي هذا الأثر ب (التاريخ الغياثي)، و يتعلق بالعراق في غالب مباحثه، و تهمه حوادثه أكثر من غيره، و فيه سعة نوعا و إن كان لم يراع السنين و ترتيبها، و لغته عراقية عامية، و هو مغلوط في أكثر المواطن، و فيه نقص كما نبهت على ذلك في حينه.

و كل هذا لم يقلل من قيمة الكتاب، و من السهل تعيينها بالمراجعة إلى الآثار الأخرى لتحقيق ما جاء فيه، و لتوسيعه منه. فيستفاد من التفصيلات الواردة خلال سطوره ..

أوله: «الحمد للّه الباقي بعد فناء خلقه الخ».

17

و جاء في مقدمته:

«إن من كثرة الفتن، و تواتر الإحن التي جرت بأرض العراق لم يضبط أحد تواريخها من دور الشيخ حسن إلى يومنا هذا أولا من عدم أهل هذا العلم و من ينظر فيه؛ و ثانيا أن أكثرها تواريخ ظلم و عدوان تركها خير من ذكرها، لأن هذا الدور الذي نحن فيه يسمى (دور الإدبار) «إلى أن قال»:

فما كان من زمن آدم (عليه السّلام) إلى أيام السلطان أبي سعيد ملتقط من نظام التواريخ للقاضي ناصر الدين عمر البيضاوي‏ (1) و غيره، و ما كان من زمان الشيخ حسن (أول سلاطين الجلايرية) إلى يومنا هذا لم أنقله من كتاب بل نقلته من أوراق و حواشي، و أكثره من ألسن الراوين؛ و بعض ما جرى في زماننا، و كتابه عالمون، فكتبت ذلك و حويته في هذه الأوراق، و العهدة على الراوي، لا على الحاوي» ا ه، و النسخة الوحيدة من الكتاب وجدتها لدى الأستاذ الفاضل و اللغوي المعروف انستاس ماري الكرملي و نقلت نسختي المخطوطة منها.

و الملحوظ فيها أن المؤلف يكرر المباحث عند كل حكومة لها علاقة بأخرى في الاثنتين لأدنى علاقة و لما كانت النسخة ساقطة بعض الأوراق، و مضطربة المباحث لتشوش في ترتيب أوراقها كما يظهر فمن السهل أن يتلافى النقص نوعا، و هكذا فعلت أثناء تثبيت الحوادث مع تمحيص و عرض على النصوص التاريخية الأخرى و مقابلتها و تنبيه على‏

____________

(1) مر وصف كتابه في المجلد الأول و هو صالح للتصحيح بالعودة إلى الأصل للبيضاوي المتوفى بتبريز سنة 685 ه- 1287 م و هو المشهور و المنقول عن الوافي بالوفيات و غيره. و في طبقات السبكي توفي سنة 691 ه و في مرآة الجنان سنة 692 ه انتهى مؤلفه منه سنة 674 ه و طبع في طهران و في الهند و منه نسخة في مكتبة نور عثمانية رقم 3450.

18

المشتبه. استنادا إلى إيضاحاته في هذا العهد و ما يليه و غالبه في أيامه و هو القسم الأخير من كتابه، و كله مما يهم موضوعنا ...

و النقول عنه من الكتب الأخرى مما يكمل مباحثنا، و يسد النقص الذي في الكتاب خصوصا ما جاء عن المشعشعين. هذا و لا ننس أن المؤلف يتعصب للحكومات الأخيرة فيتألم لمصاب هذه، أو يفرح كما يستدعي وضع تأثره، و فيه بيان عن بعض الأشخاص ... و هكذا.

تحرينا مراجع تاريخية كثيرة فلم نعثر على ترجمة وافية، و لا على نسخة ثانية لأثره هذا، و إنما نرى بعض الكتب مثل مجالس المؤمنين تنقل عنه بعض المطالب و لكنها لا تصلح بحال لإكمال جميع نقصه.

و عندي نسخة خطية تسمى ب (الأنوار) في رجال الشيعة و تراجمهم تذكر المؤلف في عداد هؤلاء و لم تتوسع في تاريخ حياته، و لا ذكرت عام وفاته و إنما اكتفت بذكر اسمه و أن له تاريخا هو الموضوع البحث ..

و هو عراقي سكن سورية مدة كما يفهم من خلال سطور كتابه ...

و النسخة الأصلية قديمة و لعلها المكتوبة في عصر المؤلف، أو هي نسخة المؤلف. و قد وصفها صاحب لغة العرب و نقل عنها الكتاب عندنا الشي‏ء الكثير ..

أنباء الغمر في أبناء العمر:

للشيخ شهاب الدين أحمد بن علي بن محمد الشهير بابن حجر العسقلاني المتوفى سنة 852 ه (1449 م) و للمؤلف آثار مهمة و نافعة جدا مر منها في تاريخ المغول‏ (1) كتاب (الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة) و هو أحد مراجعنا في هذا المجلد أيضا. أما كتابه هذا و هو الأنباء فإنه مرتب على حوادث السنين و ترتيبها، يبتدى‏ء من حوادث سنة

____________

(1) تاريخ العراق بين احتلالين، المجلد الأول.

19

773 ه، قد شاهدت منه نسخا عديدة في مختلف مكتبات الآستانة.

و الكتاب من أفضل المؤلفات للعصر الذي كتب عنه. و منه الجلد الأول في مكتبة السيد نعمان خير الدين الآلوسي برقم 3744 من كتب الأوقاف العامة ببغداد و النسخة قديمة و غلافها مذهب و تجليدها نفيس. أولها:

الحمد للّه الباقي الخ. قال في مقدمتها:

هذا تعليق جمعت فيه حوادث الزمان الذي أدركته منذ مولدي سنة ثلاث و سبعين و سبعمائة و هلم جرا مفصلا في كل سنة أحوال الدول من وفيات الأعيان مستوعبا لرواة الحديث خصوصا من لقيته أو أجاز لي و غالب ما أورد فيه ما شاهدته أو تلقفته ممن أرجع إليه أو وجدته بخط من أثق به من مشايخي و رفقتي كالتاريخ الكبير للشيخ ناصر الدين ابن الفرات، و لحسام الدين ابن دقماق و قد اجتمعت به كثيرا و غالب ما أنقله من خطه و من خط ابن الفرات عنه، و للحافظ العلامة شهاب الدين أحمد ابن علاء الدين حجي الدمشقي و قد سمعت منه و سمع مني، و الفاضل البارع المفنن تقي الدين أحمد المقريزي، و الحافظ العالم شيخ الحرم تقي الدين محمد بن أحمد بن علي الفاسي القاضي المالكي .. و الحافظ المكثر صلاح الدين خليل بن محمد بن محمد الأقفهسي و غيرهم.

و طالعت عليه تاريخ القاضي بدر الدين محمود العيني و ذكر أن الحافظ عماد الدين ابن كثير عمدته في تاريخه و هو كما قال لكن منذ قطع ابن كثير صارت عمدته على تاريخ ابن دقماق حتى كاد يكتب منه الورقة الكاملة متوالية و ربما قلده فيما يهم فيه حتى في اللحن الظاهر مثل اخلع على فلان و أعجب منه أن ابن دقماق ذكر في بعض الحادثات ما يدل أنه شاهدها فكتب البدر كلامه بعينه بما تضمنه و تكون تلك الحادثة وقعت بمصر و هو بعد في عينتاب و لم أتشاغل بتتبع عثراته بل كتبت منه ما ليس عندي مما أظن أنه اطلع عليه من الأمور التي كنا نغيب عنها و نحضرها.

(إلى أن قال): و هذا الكتاب يحسن من حيث الحوادث أن يكون ذيلا

20

على ذيل تاريخ الحافظ عماد الدين ابن كثير (1) فإنه انتهى في ذيل تاريخه إلى هذه السنة و من حيث الوفيات التي جمعها الحافظ تقي الدين بن رافع فإنها انتهت أيضا إلى أوائل هذه السنة .. ثم قدر اللّه سبحانه لي الوصول إلى حلب في شهر رمضان سنة 36 فطالعت تاريخها الذي جمعه الحاكم بها العلامة الأوحد الحافظ علاء الدين ذيلا على تاريخها لابن العديم. و سمعت منه أيضا و سمع مني ...» الخ.

هذا ما قاله و أعتقد فيه الكفاية لبيان قيمة هذا الأثر الجليل و التعريف بمزاياه.

و حوادث هذا المجلد تنتهي بسنة 812 ه و المجلد الثاني تنتهي حوادثه في سنة 850 ه و به يتم الكتاب. أما نسخة الآلوسي فلا شك أنها خير ما رأيت من النسخ صحة و إتقانا، و الأولى مراجعتها عند ما يراد طبع هذا السفر الجليل. و في دار الكتب المصرية نسخة منه في مجلدين بخط عادي رقم 2476 منقولة من نسخة مكتبة الأزهر. و عليه عولنا كمرجع في حوادث هذه الأيام فيما وجدنا له فيه مباحث فهو ثقة، و لا قول فيه و النسخة واضحة و خطها جميل و لم يكن فيها تاريخ و قد تداولتها الأيدي و وصلت العراق من الشام.

الضوء اللامع في أعيان القرن التاسع:

لشمس الدين محمد بن عبد الرحمن السخاوي المتوفى سنة 902 ه (1497 م) رتبه على الحروف، و قد صنف السيوطي في رده مقالة سماها: (الكاوي في تاريخ السخاوي) و شنع عليه فيها، و انتخبه الشيخ‏

____________

(1) إن تاريخ ابن كثير الأصلي المسمى البداية و النهاية وصل فيه مؤلفه إلى آخر حوادث سنة 767 ه و في كشف الظنون أن تاريخه على ما هو المشهور انتهى إلى آخر سنة 738 ه.

21

زين الدين عمر بن أحمد الشماع المتوفى سنة 936 ه 1530 م و سماه:

(القبس الحاوي لغرر ضوء السخاوي) و كذا الشهاب أحمد بن العز محمد الشهير بابن عبد السلام المتوفى سنة 931 ه- 1525 م و سماه:

(البدر الطالع من الضوء اللامع) و اختصره الشيخ أحمد القسطلاني و سماه: (النور الساطع في مختصر الضوء اللامع) (1).

و الكتاب جليل في موضوعه و هو على نسق الدرر الكامنة و فيه فوائد عن عراقيين كثيرين و لكنه لا يتكلم عليهم في الغالب إلا عرضا أو لعلاقة اتصال بهم لأنهم ذهبوا إلى أنحاء سورية و مصر. طبع في هذه الأيام (سنة 1354 ه- 1936 م) في أجزاء عديدة و لم يتم طبعه لحد الآن. منه نسخة في مكتبة آل باش أعيان في البصرة و الجلد الأول منه في مكتبة السيد نعمان خير الدين الآلوسي بين كتب الأوقاف.

تزك تيمور:

هو تاريخ السلطان تيمور و مذكراته الحربية و السياسية أملاها لنفسه في اللغة المغولية و ترجمها إلى الفارسية أبو طالب و من الفارسية نقلت إلى الفرنسية و طبعت سنة 1787 م نقلها إلى لغته المستشرق المعروف الأستاذ (لانگله) (2)، و هذه النسخة الإفرنسية موجودة في مكتبة جامعة جنويز و منها ترجمها مصطفى رحمي إلى التركية باسم (تيمور و تزوكاتي) طبعت عام 1339 ه و قد عولنا عليها و على النسخة الفارسية المطبوعة

____________

(1) كشف الظنون، ج 2 ص 85.

(2) لانگله مستشرق افرنسي ولد في پيرين سنة 1763 م و توفي عام 1824 م درس أغلب اللغات الشرقية و صار أستاذا للفارسية و الماليزية في مدرسة اللغات الشرقية بباريس، و عين أستاذا في أكاديمية الرقم و أمين المخطوطات الشرقية في مكتبة باريس. و ترجم إلى لغته «تزك تيمور» أو «نظاماته السياسية و العسكرية»، و له مؤلفات أخرى.

22

في بمبي للمرة الأولى في مطبعة فتح الكريم بتاريخ 29 شعبان سنة 1307 ه و هذه النسخة مطبوعة على طبعة كلارن في لندن سنة 1783 م.

و موضوع هذا الأثر الجليل يتضمن ما سار عليه تيمور من القوانين، و ما عمل بمقتضاه من الدساتير العملية، و ما اكتسبه من الحوادث اليومية و التجارب الشخصية، فأوصى أن تكون هذه الأعمال خطة أولاده و أخلافه من ذريته لتعينهم في حياتهم السياسية و الحربية ...

و هي أشبه بما مضى عليه جنگيز من (الياساق) أو (الياسا) (1) ...

و هذه في الحقيقة نتائج أعماله في إدارته و ما زاوله من المهام في حياته فهي التاريخ الصحيح المجمل و الوقائع الجزئية أمثلة لها و تطبيقات لما قام به. و قد تحرينا تعريبا لهذه فلم نعثر عليه مع أنها من الوثائق المهمة للتحقيق عن حياته الصحيحة، و لتأييد النصوص الأخرى الواردة عنه أو الطعن فيها ... و ينطوي تحتها الاستفادة من الآراء، و الاستعانة بالشورى و الحزم و الاحتياط في إدارة المملكة، و تدبير الأمور في السياسة الخارجية، و الاهتمام بأمور الجيش و حسن تدريبه و إدارته ..

و منها نرى أنه لم يضيع حزما، و لا تهاون بفكرة بل راعى ما أمكنه من التدابير الصائبة.

و في هذه و غيرها مما يفهم من مطاوي الكتاب ما يبصر بأنه لم يضع فرصة، و لا توانى عن تسجيل ما رأى و شاهد، أو ما صادف بالعودة إلى التفكير فيما وقع. و بهذا يكذب أعداءه و الطاعنين به من أن همه السفك و النهب و القتل كأن غايته تشفية غليله من البشرية باتخاذها مجزرة له .. و إنما راعى المصلحة، و نصب الغاية أمام عينيه فلم يتحاش‏

____________

(1) فصل القضايا: صوابه لفصل القضايا الشرعية و اليارغونية نسبة إلى اليارغو و هو المحاكمة على حسب القانون الجنكيزي، و اعتمادا على مواد الياسا، و قد ورد ذكره في الحوادث الجامعة، قاله الصديق الفاضل مصطفى جواد.

23

من الركون إلى الواسطة مهما كانت قاسية، و تمسك بالتدابير رغم فظاعة الآلة ... و في كل هذه لم يضع رشده، و لم يدع الفرصة، و لا تأخر عن العمل بها عند سنوحها بلا تهاون أو توان بل لم يعرف التواني ... و إنما يحاول بكل ما أوتي من قدرة لإدراك مواطن الضعف في خصومه، و التطلع على أحوالهم و التبصر بشؤونهم حتى الشخصي منها ليعرف قوة العلاقة بالأعمال العامة و إن كانت ترى لأول وهلة أنها ليس لها مساس بشؤون المملكة خارجا و داخلا.

و على كل كانت هذه الأوضاع أمامه بارزة .. فإذا غلب ناحية مال إلى الأخرى أو غلب هو على أمره من جهة ركن إلى غيرها حتى يتم الفوز ما دام هو في الحياة ... و ولعه بالشطرنج يعين خطته أكثر و يفسر مذكراته هذه ...

روضة الصفا في سيرة الأنبياء و الملوك و الخلفاء:

تاريخ فارسي في ست مجلدات للخواجه حميد الدين محمد مير خواند ابن سيد خوارزمشاه البلخي و في كشف الظنون أنه لمير خواند محمد بن خاوند شاه بن محمود و كان قد ولد المؤلف عام 837 ه 1434 م في بلخ و ولع في التتبعات التاريخية من صغره ثم إنه كان قد رماه الزمان و ضاقت به الوسيعة فمال إلى علي شير النوائي وزير حسين بايقرا حاكم خراسان و مازندران و ركن إلى مكتبته المشهورة في العالم آنئذ فصار يتردد إليها و ينتفع بها ... و من ثم و بسبب الانتساب إلى الوزير المشار إليه تعرف بفطاحل العلم هناك أمثال عبد الرحمن جلبي، و شيخ أحمد السهيلي، و الخواجة عبد الله مرواريد و الخواجه أفضل الدين محمد، و الولي الخواجة آصفي، و دولتشاه السمرقندي‏ (1) من أكابر العصر

____________

(1) هذا هو صاحب تذكرة الشعراء.

24

و صفوتهم ... فاتصل مؤرخنا بهؤلاء بواسطة الوزير ... ذلك ما دعا أن يزيد في تتبع هذا المؤرخ و يقوي نشاطه فصار يجهد بشوق و عشق ليس وراءهما ... كما أن الرغبة تكاثرت في الكل لحد أن الوزير نفسه استقال من الوزارة و عمد إلى العلم و التأليف ... و هكذا فعل هذا المؤرخ لكتابة تاريخه فقد أقام في تكية من تكايا هراة براحة و طمأنينة مال فيها إلى التدوين ... و هذه التكية (خانقاه خلاصية) التي أنشأها الأمير علي شير ...

سعى مؤرخنا سعيا حثيثا لإكمال تاريخه هناك و لما وصل إلى الجلد السابع منه وافاه الأجل المحتوم على حين غرة فقضى قبل أن يشرع في الجلد السابع عام 904 ه 1498 م عن عمر 67 في مدينة هراة فلم يتم تأليفه و إنما كان ذلك نصيب ابنه (غياث الدين خواندمير).

و جاء في مقدمته أن جمعا من إخوانه التمسوا تأليف كتاب منقح محتو على معظم وقائع الأنبياء و الملوك و الخلفاء ثم دخل الوزير مير علي شير و أشار إليه أيضا فباشره مشتملا على مقدمة و سبعة أقسام و خاتمة فالقسم الخامس منه في ظهور جنكيز و أحواله و أولاده و السادس في ظهور تيمور و أحواله و أولاده و السابع في أحوال سلطان حسين بايقرا ...

فالأقسام الأخيرة منه فيها تفصيلات مهمة عن الترك و المغول و التتر و من يليهم و أوضح الوقائع بكل سعة حتى زمان السلطان حسين بايقرا ... فهو من الكتب الجامعة المستوعبة لتواريخ كثيرة كانت قد سبقته .. و على كل هو خير أثر لعصرنا الذي نكتب عنه و للعصور التالية له إلى أواخر أيامه و خلاصة لما فيها من حوادث. و يعد من أفضل المراجع التي عولنا عليها .. و لا يكاد يصدق أن امرءا واحدا قام بهذا العمل الجليل .. و لا يوجه عليه لوم من ناحية أنه كتب عن الحكومة الجلايرية بإجمال فهو بعيد عنها فلا ينظر إلا إلى المباحث العمومية و مع هذا نجد فيه بعض المطالب التي قد لا نجدها في غيره .. و المؤلف على كل حال و كما يفهم من‏

25

أسلوب كتابه تحدى جامع التواريخ، و مؤلفات المغول التاريخية الأخرى فاتخذها أساسا و لكنه هذب و نقح و رتب أي أنه عدل في الأساليب ...

و اختصر و حذف ألفاظ المدح الزائد و الثناء الكثير ...

اعتنى الهند و الإيرانيون بطبعه عدة طبعات و الأوروبيون زاد انتباههم إليه أكثر من غيره فترجموا غالب أقسامه إلى لغاتهم فكان له أكبر وقع في نفوسهم ... و هو في الحقيقة يبصر بالوقائع السابقة و يفصل القول عنها بكل سعة (1) و عندي بضعة أجزاء مخطوطة منه.

حبيب السير:

تأليف غياث الدين خواندمير بن حميد الدين مير خواند المذكور و هذا ممن نشأ على يد الوزير علي شير النوائي و درس عليه و تخرج في مدرسة عرفانه .. ولد عام 880 ه 1476 م و تتلمذ على الوزير المشار إليه و قد نبغ في شبابه و اشتهر في حياة أبيه بالعلم و العرفان و حصل على مكانة لائقة ...

إن الوزير ساعد هذا الشاب أن يحضر المجالس العلمية.

و المناقشات التي تجري في المواضيع المختلفة لما رآه فيه من الكمال و الأدب الجم و العلم الواسع و لما هناك من علاقة صحبة مع والده. و قد برهن المترجم صاحب التاريخ على كفاءته و مقدرته العلمية بما أبرزه من المؤلفات النافعة ... إلا أن مجالس الوزير لم تدم طويلا كما أن هراة لم تبق مركز الثقافة و لم يطل أمد علميتها ... فالوزير توفي عام 906 ه 1500 م فانطفأت تلك الفعالية الفكرية و القدرة العلمية، و زالت الرغبة .. إذ إن السلطان حسين بايقرا حامي العلم و العلماء توفي بعد خمس سنوات عام 911 ه 1505 م فأخذ يتقلص أمر الالتفات إلى‏

____________

(1) كشف الظنون و نفس التاريخ للمؤلف و إسلامده تاريخ و مؤرخلر.

26

التهذيب الفكري رويدا رويدا حتى زالت الرغبة من البين .. فإن خلفاء السلطان لم يهتموا ذلك الاهتمام كما أن الأوضاع السياسية كانت غير مساعدة ... ظهر الشاه إسماعيل فاضطربت الحالة. و ساءت الأمور و زال ملك و لديه ميرزا بديع الزمان، و ميرزا مظفر حسين ...

ذلك ما دعا مؤرخنا أن يتأثر للمصاب، و لما جرى على الحكومة التي حمته و والده مدة لا يستهان بها. فاختار الانزواء و اشتغل بالتأليف.

و حينئذ شرع في إكمال الجلد السابع من روضة الصفا تأليف والده فأتمه طبق الأسلوب الذي جرى عليه والده و راعى طريقته في تأليفه ثم اختصره بتمامه باسم (خلاصة الأخبار).

و لم يقف عند هذه المؤلفات و إنما شرع بمؤلفه القيم (حبيب السير) و هذا هو الذي عقدنا له الكلام هنا و هو شاهد عيان عن أواخر العصر التاسع حتى أواسط القرن العاشر و ما جرى في هذا الأوان من الحوادث في آسيا ... و من هذه الناحية يعد كتابه من الوثائق المهمة و الجليلة ... و كله تاريخ عام كتبه باسم أستاذه (كريم الدين حبيب الله الأردبيلي) و يبتدى‏ء من الخلقة و ينتهي بوفاة الشاه إسماعيل الصفوي و يحتوي على وقوعات العالم الإسلامي و له علاقة كبرى في تاريخنا عن هذا العهد فهو من المراجع المهمة ... و أهم ما فيه القسم الباحث عن موضوعنا ... جعل الأصل الذي اعتمده عين الأصل الذي عول عليه والده إلا أنه رأى الاختصار أولى، و التلخيص أشد، و الناس لا يستطيعون مباحث مفصلة كهذه من ناحية الاستنتساخ و الاقتناء و المطالعة و أضاف إليه معلومات قيمة تتعلق بعصر تيمور و ما بعده إلى آخر الأيام التي كتب عنها ... طبع في الهند في مجلد ضخم يحتوي على أجزاء.

و للمؤلف آثار أخرى أهمها: (مآثر الملوك)، و (دستور الوزراء) و سيأتي ذكره، و (أخبار الأخيار)، و (مكارم الأخلاق) و (منتخب تاريخ و صاف) و (جواهر الأخبار) و (غرائب الأسرار). كتب هذه المؤلفات‏

27

أيام الجدال الحربي بين الأوزبك و الصوفيين ... و أكبر مساعد له على إظهار هذه الآثار المكتبات الغنية بالمؤلفات الكثيرة و المتنوعة ...

و لما لم يستطع البقاء مع فداحة الأمر، و اضطراب الحالة ترك وطنه مكرها عام 932- 1525 م و ذهب إلى (بابرشاه) الحاكم في الهند من آل تيمور فجاء إلى (اكره) ملتجئا إلى ملكها فرأى منه حسن قبول و التفات ... و كان قد أعز العلماء و أبدى لهم توجها كبيرا و على الأخص نال المترجم احتفاء السلطان لما رآه منه من العلم الجم و الخبرة الواسعة في التاريخ و غيره .. و كذا حصل على مكانة لائقة لدى (همايون شاه) بن بابر شاه و من ثم كتب المترجم له (همايوننامه) لما رآه منه من الالتفات الزائد و الاحترام اللائق ...

و في سنة 942 ه 1535 م سار مع الشاه إلى كجرات فمرض في سفره و مات في الطريق فأمر السلطان أن ينقل جسده إلى دهلي و دفن في جوار أعاظم الرجال المدفونين هناك أمثال (أمير خسرو الدهلوي) و (نظام الدين أوليا) ذلك لما كان له من المكانة لديه ...

و الحاصل أن هذا المؤرخ من أكابر المؤرخين لا يقل عن والده في تأليفاته التاريخية بل ربما فاقه أو أنه أتم ما قام به والده فمؤلفاته مكملة من ناحية و موضحة من أخرى ... و هي السلسلة التاريخية الموصولة بين دور المغول و بين الحكومات التالية له إلى زمانه ...

و الملحوظ أن المؤلف في تاريخه حبيب السير لم يتعرض لخصوصيات العراق، و حوادثه مما لا علاقة له بالأقطار الأخرى ... (1).

____________

(1) نفس حبيب السير، إسلامده تاريخ و مؤرخلر.

28

دستور الوزراء:

لصاحب حبيب السير أيضا، فارسي و موضوعه جليل جدا، عيّن فيه الوزراء في إيران من أقدم أزمانهم إلى أيامه و فيه تعرض لبيان وزراء و ملوك سيطروا على العراق و إيران معا، تعرض لهم أثناء بحوثه. وجدنا فيه من السعة ما لم نرها في غيره أوله مصدر في هذا الدوبيت:

أي منت احسان توبر خوان همه‏* * * فضل تو بود منبع احسان همه‏

در روز حساب هم باذنت باشد* * * لطف نبوي شافع عصياه همه‏

تكلم فيه على الوزراء و من أهم مباحثه كلام على ابن العلقمي، و حسن الصباح و الإسماعيلية في مصر و في إيران و الخوارزمشاهيه، و آل مظفر و وزراء جنكيز و الجلايرية و تيمور لنك و المباحث الأخيرة منه تخص موضوعنا ... و عصره قريب من أشخاص الوقائع ففائدته فيما تعرض له كبرى و مهمة جدا ... ننقل منه ما نشير إليه خلال سطور الكتاب ..

أخبار الدول و آثار الأول:

لأبي العباس أحمد جلبي بن يوسف بن أحمد الدمشقي القرماني ولد سنة 939 ه 1533 م و توفي سنة 1019 ه 1610 م. أوله: الحمد للّه على تصاريف العبر الخ. طبع على الحجر في بغداد سنة 1282 ه 1866 م و الكتاب مباحثه عامة و قد يتعرض لبعض الحوادث الخاصة من حكومات العراق التالية لحكومة المغول قال في كشف الظنون اختصره مؤلفه من تاريخ الجنابي المتوفى سنة 999 ه 1591 م و فرغ من اختصاره في صبيحة يوم السبت مستهل المحرم سنة 1008 ه 1600 م و المؤرخ أجمل الوقائع التالية للمغول بقوله: «لم يصل إلينا خبر من تولى بعده (بعد أبي سعيد) ثم قال: اتفق المؤرخون على أنه لم يبق من بني‏

29

هلاكو من تحقق نسبه لكثرة ما وقع فيهم من القتل غيرة على الملك، و من نجا طلب الاختفاء بشخصه فخفي نسبه و استمرت بحار الفتن منهم تثور و تمور، إلى أن نبغ الأعرج تيمور، فأهلك الحرث و النسل، و اختلط المليح بالبسل، و حل بالعالم البأس، و فسدت أحوال الناس» ا ه (1).

فهو يصلح أن يكون مرجعا لأيام الأمير تيمور.

مراجع أخرى:

لا مجال لإيراد جميع المراجع الجديدة التي سأعتمدها غير ما تقدم و إنما أذكر منها (تاريخ گزيده) (و نزهة القلوب) و (تاريخ محمود كيتي) و (لب التواريخ) و (ظفر نامه) و غيرها. و يأتي النقل منها و أشير هنا إلى أن المراجع منها ما ذكر في المجلد السابق مما تستمر حوادثه إلى هذه الأيام ...

الحكومة الجلايرية

حوادث سنة 738 ه 1337 م‏

سلطنة الشيخ حسن الجلايري:

في هذه السنة أو التي قبلها على اختلاف في ذلك استولى الشيخ حسن الجلايري على بغداد، فقضى على حكومة المغول في العراق و أسس حكومة جديدة فيه هي «الحكومة الجلايرية»، و تسمى «الايلگانية» أيضا، و لما كان أول ملوكها الشيخ حسن المذكور قيل لها «الشيخ حسنية».

و الشيخ حسن هذا (2) هو ابن حسين كوركان و يقال له الأعرج‏

____________

(1) راجع ص 288 منه.

(2) أغفل صاحب الدرر الكامنة اسم حسين والد الشيخ حسن كما أنه في ترجمة أويس قلب الوضع و سمى الجد أبا، و الأب جدا و مثله في كتابه أنباء الغمر عند ذكر وفاة السلطان أويس.

30

(زوج بنت أرغون خان) ابن آقبغا (آق بغا) بن ايلگا نويان الجلايري، و نسبة إلى ايلكا نويان المذكور يقال لحكومتهم «الايلگانية» رأس فرعهم الذي يرجعون إليه و جاء ذكره في أيام استيلاء المغول على بغداد بلفظ (ايلكو نويان) و بعضهم ذكره (ايلكان) و المعول عليه أنه بلا نون و قد مر ذكره في المجلد الأول من هذا الكتاب. و قد تشتبه هذه النسبة في النسبة إلى الحكومة الايلخانية، و الفرق واضح في أن الايلخانية تطلق على هلاكو و أخلافه لأن لقب ايلخان أعطاه منگو قاآن لأخيه هلاكو خان حينما سيره لاكتساح إيران و ما جاورها و من ثم سميت حكومته بالايلخانية (1) بخلاف هذه فإنها تمت إلى ايلكا نويان باعتباره جدا أعلى. و كان هذا في أيام هلاكو و له مكانة عنده‏ (2).

الحكومة الجلايرية:

جلاير قبيلة كبرى من قبائل المغول توصلت إلى الحكومة بهمة رجلها و اتصاله الوثيق بحكومة المغول .. و كانت جموعها (كورن) كثيرة (3) و تفرعت إلى فروع عديدة، و أوشكوا أن ينقرضوا في حروبهم مع الخيتاي فلم يبق منهم سوى طائفة واحدة يقال لها (چابولغان)، و هؤلاء كان بينهم و بين قييات حرب أدت إلى أسر قسم كبير منهم و لما تسلط جنكيز اتصل باقي الجلايرية به .. و أصلهم من المغول من أولاد (نكون) من قبيلة (دورلكين) و قد مر تفصيلها في الجلد السابق، و لم يكن جلاير الجد الأقرب كما توهم صاحب كلشن خلفا، و قد غلط صاحب‏

____________

(1) ترك بيوكلري ص 23.

(2) كلشن خلفا، شجرة الترك، الغياثي.

(3) الجمع يقال له كورن و هو ألف بيت، و عندنا يطلق على ألف محارب على اعتبار كل بيت يخرج منه محارب ... و في المثل العامي «قال يا محورب حورب قال تلاقت الجموع».

31

الشذرات في عده ايلكا نويان بن هلاكو لأن قبيلة الجلايرية لا تتصل بآل جنكيز اتصالا قريبا و إن كان الكل من المغول، و ايلكانويان هذا هو رأس الفخذ الأقرب من هذه الطائفة أو الجد الأعلى كما تقدم و كان قد جاء مع هلاكو إلى إيران بقبيلته و افتتح بغداد معه. و مع هذا نرى الغياثي لم يقطع في أن السلطان من قبيلة الجلاير قال: «ذكر بعض المؤرخين أن أصله من جماعة الأتراك الذين يقال لهم جلاير» حالة أن التواريخ الأخرى متفقة على أنهم من قبيلة الجلاير و هكذا في دستور الوزراء يعده من الجلائر قطعا. و هذه القبيلة عارضت جنكيز خان في بادي الأمر ثم صارت له عضدا مهما و ناصرا قويا .. كما أنها كانت ساعدا عظيما لحكومة هلاكو، و أولاده و أحفاده. و ذلك أن آقبغا (آق- بوغا) كان أمير الأمراء في زمن كيخاتو خان سلطان المغول و في فتنة بايدو خان قتل. أما ابنه الأمير حسين فقد تزوج بنت أرغون خان و في أيام أبي سعيد كان أمير قبيلة (ألوس) فتوفي بأجله ..

و إن ابنه الأمير الشيخ حسن حكم الروم زمن السلطان أبي سعيد و قد جرى عليه ما جرى من تطليق زوجته‏ (1) بغداد خاتون و تزوج السلطان أبي سعيد بها بعد نكبة الچوبان و أولاده و بعد وفاة السلطان أبي سعيد ظهر التغلب و قامت الفتن فورد العراق عدة دفعات و اقتحم مهالك عظمى و مخاطر كبرى في حروبه فاجتاز العقبات إلى أن تملك العراق و هو الذي يطلق عليه (الشيخ حسن الكبير) كما أنه يقال لابن الأمير جوبان (حسن الصغير). و لما انقرضت دولة أبي سعيد و لم يكن له ولد صفا الأمر لعلي باشا الاويرات أثر قتلة السلطان ارپا خان فتجاوز الاويرات‏ (2) حدودهم و قسوا في تعديهم و من ثم نفر منهم جماعة مثل‏

____________

(1) تاريخ المغول ص 493.

(2) أوضحت عن الأويرات الإيضاح الكافي في المجلد الأول من هذا الكتاب.

32

الحاج طغاي و الحاج طوغا بك فمالوا عنهم و ركنوا إلى الشيخ حسن الكبير و ندبوه لدفع شرور هذه الطائفة فأنفذ الشيخ حسن رسولا إلى صورغان شير ابن الأمير جوبان و كان في كرجستان فطلبه و كلفه أن يصحب معه عساكر من الكرج فأتى إليه بعسكر عظيم. فعندها توجه الشيخ حسن بالعساكر الجمة إلى محاربة علي باشا و قمع شره فوقع الحرب بينهما في نهار السبت 17 ذي الحجة سنة 736 ه 1336 م و كان ابتدأ في يوم الخميس 15 ذي الحجة سنة 736 ه 1336 م فخذل علي باشا و استظهر الشيخ حسن و قتل علي باشا و خلص الأمر للشيخ حسن سنة 737 ه 1336 م‏ (1) و في أيامه كان أولاد الأمير جوبان من أكبر المتغلبة و كانوا قبل هذا بسبب الأمير جوبان حكاما بأطراف البلاد، فمنهم بير حسن بن محمود بن جوبان بشيراز و أعمالها، و الملك الأشرف ابن تمرتاش بن جوبان بتبريز و مضافاتها. و قد عقدنا فصلا للمتغلبة أيام المغول في المجلد الأول فنكتفي هنا بالإشارة (2) و كادوا يتغلبون على مملكة المغول لو لا أن عرض لهم ما عرض و على كل تم للشيخ حسن الأمر في بغداد و تمكن من الحكم فيها بلا مزاحم تقريبا، أو تغلب على غيره. و تزوج دلشاد و كانت من قبل لدى علي باشا الاويرات تدعي الحمل من أبي سعيد، و كانت من أحب النساء للسلطان أبي سعيد و هي بنت الأمير دمشق ابن الأمير جوبان تزوج بها فتمكن من أخذ حيفه منه بالتزوج بها بعد مماته فقد كان أكرهه على تطليق زوجته بغداد خاتون و قال الغياثي: «و من الغرائب أن الأمير حسينا والد الشيخ حسن كان قد تزوج بغداد خاتون بنت الأمير جوبان عمة دلشاد خاتون فبلغ أبا سعيد حسنها فانتزعها منه فشاء اللّه تعالى أن جلس ولده موضع أبي سعيد و تزوج امرأته دلشاد خاتون» ا ه.

____________

(1) الغياثي عن الهداية.

(2) تاريخ العراق، المجلد الأول.

33

و الصحيح أن الشيخ حسن هو الذي انتزعت زوجته و أرغم على تطليقها فكان أن قدر تزوجه بزوجة أبي سعيد دلشاد خاتون ... (1) و هذا كاف للتعريف بهذا السلطان الذي كان يعد في أول أمره متغلبا فاستقر له و لأعقابه الملك مدة ...

غلاء في الموصل و بغداد:

في هذه السنة كان الغلاء في الموصل و بغداد (2). و لهذه الفتن دخل فيه كما هو المعهود من أن الغلاء يتولد إثر هكذا وقائع ينشغل الناس فيها و ينصرفون عن الزراعة و ما ماثل ...

ملحوظة: عد كثيرون تاريخ استقلال الشيخ حسن الكبير سنة 740 ه و لم يعتبروا أيام التغلب فقالوا الاعتداد بتاريخ إعلانه السلطنة لنفسه لا التزامه من يمت إلى هلاكو بنسب ... (3)، و آخرون اعتمدوا على تاريخ سنة 737 ه 1336 م و هو تاريخ تخلص العراق. و في كلشن خلفا كان ذلك عام 738 ه 1337 م و عليه عولنا فإنه مؤرخ عراقي و أعرف بمراجعه.

و أما غالب المؤرخين من الترك العثمانيين فقد عوّلوا على سنة 736 ه من جهة الحادثة الحاسمة بين علي باشا الاويرات و بين الشيخ حسن وقعت في ذي الحجة من هذه السنة فعدوها مبدأ الحكم. و لكل وجهة .. (4).

____________

(1) كلشن خلفا ص 48- 1 و ابن بطوطة ص 38.

(2) الدر المكنون.

(3) مر في المجلد الأول الكلام على المتغلبية.

(4) الدر المكنون، تقويم التواريخ، كتاب المسكوكات: أحمد ضياء و كتاب المسكوكات القديمة الإسلامية: محمد مبارك.

34

وفيات‏

1- يحيى بن عبد اللّه بن عبد الملك الواسطي:

هو أبو زكريا الواسطي كان فقيه العراق في زمانه. ولد سنة 662 ه و تفقه على والده و سمع من الفاروثي، و أجاز له ابن أبي الدنية، و عبد الصمد بن أبي الجيش و غيرهم. حدث ببغداد و درس في المدرسة البرانية بواسط. و له مصنف في الناسخ و المنسوخ، و كتاب مطالع الأنوار النبوية في صفات خير البرية. قال الذهبي برع في الفقه و كان يقال في حقه فقيه العراق في زمانه. مات بواسط في ربيع الآخر سنة 738 ه (1).

2- قطب الدين إبراهيم بن إسحق بن لؤلؤ:

حفيد صاحب الموصل. نزل مصر و سمع من ابن حلاق و النجيب و غيرهما و حدث. مات في 24 شوال سنة 738 ه (2).

3- محمد بن إبراهيم بن عبد الرحمن الواسطي:

الشيخ القدوة ناصر الدين ابن شيخ الحرامية أبي إسحق و قد تقدم ذكر أخيه أحمد في المجلد السابق و عاش هذا بواسط إلى سنة 738 ه و مات عن نيف و ثمانين سنة. كذا في الدرر الكامنة عن سير النبلاء. و ما جاء من أنه ابن شيخ الحرامية فغير صحيح و الصواب ما قدمنا (3).

____________

(1) الدرر الكامنة ج 4 ص 419، و طبقات السبكي ج 6 ص 250.

(2) الدرر الكامنة ج 1 ص 17.

(3) الدرر الكامنة ج 3 ص 284 و معجم البلدان مادة حرامية، و مراصد الاطلاع.

35

حوادث سنة 739 ه- 1338 م‏

توجه السلطان إلى بغداد:

لم يذكر مؤرخونا مثل صاحب كلشن خلفا و الغياثي وقائع معينة لهذا السلطان مع أنه طالت حكومته في العراق كما تقدم سوى أن صاحب كلشن خلفا قال: و لما دخلت سنة 739 ه 1338 م فر السلطان الشيخ حسن من الحروب بينه و بين الچوباني و توجه إلى بغداد و كان الوالي فيها ابنه أويس فحكم ببغداد و لا يأتلف هذا التاريخ مع تاريخ تزوج السلطان بدلشاد خاتون و عمر السلطان أويس ليكون واليا اللهم إلا أن يكون عمره لا يتجاوز الأشهر فصار واليا ..

و على كل هذه الأيام لا تخلو من حروب مع الخارج و مشغوليات في النزاع على السلطنة فلا يؤمل أن تدون حوادث أخرى، و لعل الأمور جرت في أيامه على محورها فلم يقع ما يكدر صفو الأهلين و إنما جرت بطمأنينة و سلام. و هذا مستبعد جدا لما يتوضح من الوقائع الأخرى.

رسول بغداد إلى مصر:

جاء في عقد الجمان أنه «وصل رسول من بغداد، و ذكر أن الشيخ حسن وصل بغداد و طلب طغاي، و حافظ الدين، و ضرب السكة باسم السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون ببغداد، و أنه يطلب بعض أولاد السلطان ليملكوه عليهم و يكون معه بعض الجيش. فقال السلطان أولادي صغار و لكني أنا أجي‏ء إليهم إذا وصل رسول طغاي و حافظ الدين و الشيخ حسن» ا ه (1).

و في ابن خلدون: «و يقال إنه أرسل إلى الملك الناصر صاحب مصر

____________

(1) عقد الجمان ج 23.

36

بأن يملكه بغداد و يلحق به فيقيم عنده و طلب منه أن يبعث عساكره لذلك على أن يرهن فيهم ابنه فلم يتم ذلك لما اعترضه من الأحوال» ا ه (1).

و في هذا إن صح ما يعين درجة الضعف إلا أننا لم نعثر على هذه السكة المضروبة بين نقود الشيخ حسن بالوجه الذي بينه صاحب عقد الجمان.

بين مصر و العراق:

و في السلوك للمقريزي: «في سنة 738 ه توجه الأمير حيار بن مهنا الطائي من آل فضل في جماعته إلى بلاد العراق، و صار في جماعة الشيخ حسن الكبير، و أن الأمير أرتنا صاحب بلاد الروم تمكن و عظم شأنه فيها، و أرسل رسولا إلى السلطان الملك الناصر و معه هدية، و سأل في رسالته أن يكون نائب السلطان ببلاد الروم، و يضرب السكة باسم السلطان أيضا، و يقيم دعوته ... فخلع الناصر على رسوله، و أنعم عليه و على من صحبه، و كتب له تقليد بنيابة الروم ... و ازداد أرتنا بذلك عظمة، حتى خافه الشيخ حسن أن يتفرد بمملكة الروم، فأخذ في التأهب لمحاربته ... و التزم له حيار .. بجمع العرب فكتب له تقليدا بالإمرة، و مع ذلك لم يستغن عن استعطاف الناصر لأنه كان في عهد تأسيس دولته، فوصل مجد الدين إسماعيل السلامي و معه رسل رسميون إلى القاهرة، و قد مكنه الشيخ حسن إدامة الصلح بينه و بين السلطان الملك الناصر، و جهز معه هدية جليلة، و كان قد وصل إلى الناصر مستعيذا مستعينا أيضا ناصر الدين خليفة ابن الخواجة علي شاه فأكرمه السلطان، و أنعم عليه ... و كان الشيخ حسن يهاب الأمير حسنا الجوباني مع القاآن سليمان و حاول غزوهما.

____________

(1) تاريخ ابن خلدون ج 5 ص 552.

37

و في صفر سنة 741 ه قدم القاهرة رسول الشيخ حسن الكبير بكتاب يتضمن طلب عسكر بتسليم بغداد و الموصل و عراق العجم لتقام بها الدعوة للسلطان، و سأل أن يبعث السلطان إلى طغاي بن سوتاي في الصلح بينه و بين الشيخ حسن فأجيب إلى ذلك و وعد بتجهيز العسكر إلى تبريز، ثم ركب الأمير أحمد قريب السلطان إلى طغاي و معه هدية لينتظم الصلح بينه و بين الشيخ حسن، و كان طغاي قد راسل السلطان الناصر سنة 739 ه و بعث إليه هدية و طلب مصاهرته. فجهز الناصر إليه هدية و خلع على رسوله و أصحابه و أنعم عليهم و أمرهم بالعود على أحسن حال.

و كلف الناصر رسوله المذكور أن يبلغ الملكين طغاي بن سوتاي و الشيخ حسنا الكبير بما معناه «إن أردتم أن أرسل لكم جيشا لتقووا به على أعدائكم .. و تغزوا بلادهم و تضربوا باسمي السكة، و تقيموا لي الخطبة، و تحالفوني في السراء و الضراء فأرسلوا إلي برهائن منكم، و من أسلم إليه الجيش على ثقة من أمري» كذا قال الشجاعي في ما نقل عنه ابن قاضي شهبة.

و خرج الأمير أحمد المذكور برسالة الناصر فوصل إلى طغاي في أواخر شهر رمضان من هذه السنة 741 ه، و طلب منه رهينة، فأعد لذلك ولده برهشتين (كذا) و طلب منه الأمير أحمد رسلا، فأوصلوه إلى الشيخ حسن الكبير ببغداد، و كان مع الشيخ حسن صلغان شير بن چوبان، فاجتمع بهما الأمير أحمد ببغداد، و اتفقوا على الصلح، و تحالفوا، و خطب للملك الناصر، و أرسل الشيخ حسن رهينة من جهته، و هو ابن أخيه إبراهيم شاه بن جلوا، و سار الجميع و معهم القاضي بدر الدين قاضي اربل، و القاضي معين الدين قاضي الموصل، و أرسل صاحب ماردين صحبتهم القاضي صدر الدين قاضي ماردين و على أيديهم نسخة اليمين و المهادنة، و كان وصولهم إلى القاهرة يوم الأربعاء سادس ذي‏

38

الحجة، فأنزلوا بالميدان، و أقبل عليهم السلطان إقبالا عظيما، و قابلهم بالتبجيل، و خلع عليهم ...

و كان من حديث الأمير حسن بن دمرداش بن جوبان أنه علم بمراسلة هؤلاء للملك الناصر فخشي أن المتحالفين ينزعون منه تبريز و غيرها، فأرسل عمه صلغان شير إلى حسن الكبير يقول: «أنا و أنتم بنو عم، و نحن ما عملنا معكم شيئا يوجب أن تدخلوا سلطان مصر بيننا، و البلاد بلادكم» فمشت الرسل بينه و بينهم، فاتفقوا و تحالفوا على الصلح و ذلك بعد أن وصل رسلهم و رهائنهم المذكور إلى السلطان الملك الناصر، و بعد أن أمر نقيب الجيش بإعداد العدد، و استعجال السفر إلى تبريز ... في هذه التجريدة ... و رسم أن يكون خروجهم إلى تبريز في نصف ذي الحجة ... (و هناك تفصيلات).

و بينما هم في انتظار العرض، فالحركة إذ قدم إلى القاهرة إدريس القاصد صحبة مملوك صاحب ماردين بكتابة تحقق اتفاق حسن بن دمرداش و الشيخ حسن الكبير و طغاي بن سوتاي، و أن حسنا خطب لهما على منابر بغداد و الموصل، و اتفق أولاد دمرداش و الشيخ حسن على أن يعبروا الفرات إلى الشام نكاية في الملك الناصر ... و كان الناصر في هذه الأيام في غاية ما يكون من المرض ... تحقق الأمر فتبين صحة الاتفاق و خيبة الناصر من بلاد العجم و العراق. (و مات السلطان بعد أيام) فأمر ذوو السلطان بتجهيز ابن طغاي، و إبراهيم شاه و من معهما و رجعهم إلى بلادهم فتجهزوا و ساروا في صفر سنة 742 ه .. هذا ملخص قول ابن قاضي شهبة و المقريزي. قاله الصديق الأستاذ مصطفى جواد.

39

وفيات‏

1- عالم بغداد:

في هذه السنة توفي عالم بغداد صفي الدين عبد المؤمن ابن الخطيب عبد الحق بن عبد اللّه بن علي بن مسعود بن شمايل البغدادي الحنبلي الإمام الفرضي المتقن ولد في سابع عشري جمادى الآخرة سنة 658 ه 1260 م ببغداد و سمع بها الحديث من عبد الصمد ابن أبي الجيش و ابن الكسار و خلف و سمع بدمشق و بمكة من جماعة و تفقه على أبي طالب عبد الرحمن بن عمر البصري و لازمه حتى برع و أفتى و مهر في علم الفرائض و الحساب و الجبر و المقابلة و الهندسة و المساحة و نحو ذلك و اشتغل في أول عمره بعد التفقه بالكتابة و الأعمال الدنيوية مدة ثم ترك ذلك و أقبل على العلم فلازمه مطالعة و كتابة و تدريسا و تصنيفا و إفتاء إلى حين موته و صنف في علوم كثيرة فمن مصنفاته شرح المحرر في الفقه ست مجلدات و شرح العمدة مجلدان، و إدراك الغاية في اختصار الهداية (1) مجلد لطيف و شرحه في أربع مجلدات، و تلخيص المنقح في الجدل، و تحقيق الأمل في علم الأصول و الجدل و اللامع المغيث في علم المواريث و اختصر تاريخ الطبري في أربع مجلدات و اختصر الرد على ابن المطهر للشيخ تقي الدين ابن تيمية في مجلدين لطيفين و اختصر معجم البلدان لياقوت و هو المعروف اليوم بكتاب (مراصد الاطلاع في الأمكنة و البقاع)، اختصره و أضاف إليه فعرف بهذا الاسم و فصل ما قاله عن الأصل. طبع باعتناء الأستاذ جوينبول في ليدن، و في إيران‏

____________

(1) الهداية الأصلية في فقه الحنابلة متن معتبر منه نسخة مخطوطة في مكتبة الأوقاف العامة ببغداد رقم 2303 تأليف نجم الهدى أبو الخطاب محفوظ بن أحمد بن الحسن الكلواذي.

40

سنة 1315 ه و له غير ذلك و خرج لنفسه معجما لشيوخه بالسماع و الإجازة نحوا من ثلاثمائة شيخ و سمع منه خلق كثيرون و له شعر رائق توفي ليلة الجمعة عاشر صفر ببغداد و دفن بمقبرة الإمام أحمد (1).

2- عبد الرحمن بن عمر بن حماد الخلال:

الربعي البغدادي الحريري ولد سنة 686 ه سمع من محمد بن أحمد بن حلاوة ببغداد و من آخرين. كان كثير التطوف و حدث بالبلاد التي دخلها حتى ذكر أنه حدث بخان بالق (بجاق) من بلاد الخطا و كان حسن الخلق كثير التلاوة و هو مولى المحدث سعيد الهذلي مات ببغداد في شعبان سنة 739 (2).

3- محمد بن أحمد بن علي بن غدير الواسطي:

الشيخ شمس الدين ابن غدير المقرى‏ء أخذ القراءات عن العز و الفاروثي و صحبه مدة و جاور معه بمكة و سمع من عبد الله بن مروان الفارقي و غيره و كان ماهرا في القراءات عارفا بطرقها مستحضرا، تصدر للإقراء بجامع الحاكم و كان سيى‏ء الخلق بذي‏ء اللسان قال الذهبي هو من فضلاء المقرئين على مزاح فيه و لعب. و بلغني عنه سوء سيرة، مات في 4 المحرم سنة 739 ه (3).

____________

(1) الشذرات ج 6 و الدرر الكامنة ج 2 ص 419.

(2) الدرر الكامنة ج 2 ص 339.

(3) الدرر الكامنة ج 3 ص 343.

41

الأمير تيمور لنك على عرشه‏

42

4- جلال الدين محمد بن عبد الرحمن بن عمر العجلي القزويني:

و هو جلال الدين أبو المعالي محمد ابن القاضي سعد الدين أبي القاسم عبد الرحمن القزويني الشافعي، ولد في الموصل سنة 666 ه و تفقه على أبيه و أخذ عن الإربلي و سكن الروم مع أبيه، و اشتغل في أنواع العلوم، و أفتى و درس و ناب في القضاء عن أخيه ... ثم ولي الخطابة بدمشق، ثم القضاء بها، ثم انتقل إلى قضاء الديار المصرية ..

ثم صرف سنة 738 ه و نقل إلى قضاء الشام و كان لطيف الذات، حسن المحاضرة، كريم النفس ... درس بمصر و الشام. و له تلخيص المفتاح في المعاني و البيان لخصه من القسم الثالث من المفتاح للسكاكي طبع مرارا ... و الإيضاح في المعاني و البيان طبع ببولاق ... و الشذر المرجاني من شعر الأرجاني. توفي بدمشق في جمادى الأولى و دفن بمقابر الصوفية (1).

5- شمس الدين محمد بن عبد العزيز ابن الشيخ عبد القادر الجيلي:

شيخ بلاد الجزيرة الإمام القدوة. كان عالما، صالحا، وقورا، وافر الجلالة روى بدمشق و ببغداد، و خلف أولادا كبارا لهم كفاية و حرمة، توفي في أول ذي الحجة بقرية الحيال من عمل سنجار عن 87 سنة. و في قلائد الجواهر ذكر عنه‏ (2).

____________

(1) عقد الجمان ج 23 و طبقات السبكي و الشذرات ج 6 ص 124 و تاريخ أبي الفداء ج 4 ص 128 و الدرر الكامنة و بغية الوعاة.

(2) الشذرات ج 6 ص 124 و قلائد الجواهر ص 45 و 48.

43

حوادث سنة 740 ه- 1339 م‏

حكومة الشيخ حسن في بغداد:

في هذه السنة على ما جاء في عقد الجمان «ولي الشيخ حسن بن الأمير حسين بن اقبغا بن ايلگان سبط القاآن أرغون أمر الملك في بغداد، ورد إليها من خراسان و استولى عليها، و الشيخ حسن بن دمرداش إذ ذاك حاكم بتبريز» ا ه (1).

و يفسر هذا بوصول الخبر إلى الديار المصرية في إعلانه استقلاله رأسا .. و إلا فقد مضى خبر وصوله بغداد ... و كان وروده مغلوبا من حرب الچوباني كما يستفاد من شعر لسلمان الساوجي ...

ملحوظة: قد ساعدت الأحوال الشيخ حسن الجلايري في بغداد و ذلك أن مصر زاد خللها و توالى أمر وفاة الملوك هناك و تعاقبوا على السلطنة مما أدى إلى اضطراب الإدارة فكانوا في شغل عنه، فنرى حوادث العلاقة مع مصر و سورية صارت قليلة لا تكاد تذكر، و الشيخ حسن يحاول تثبيت ملكه استفادة من هذه الأوضاع، و الملوك آنئذ مرتبكون من الاضطراب فلم تستقر لهم إدارة ..

كما أن المؤرخ البدر العيني (صاحب عقد الجمان) لم يتعرض لحوادث القطرين و علاقتهما في غالب مدوناته و إنما ذكر النزر اليسير ...

الشريف أحمد و الحلة: (أمراء المنتفق)

في هذه السنة أو التي قبلها تغلب الشيخ حسن سلطان العراق على‏

____________

(1) عقد الجمان ج 23.

44

الأمير الشريف أحمد بن رميثة بن أبي نمي و كان قد انتصر عليه في حربه معه فعذبه و قتله و أخذ الأموال و الذخائر التي كانت عنده. هذا و إن الأمير أحمد كان قد استولى على الحلة بعد موت السلطان أبي سعيد و حكمها أعواما و كان حسن السيرة يحمده أهل العراق و بقي فيها إلى أن غلب عليه الشيخ حسن‏ (1).

و جاء عنه في عمدة الطالب: إنه كان الشريف شهاب الدين أحمد مكرما عند السلطان أبي سعيد و ذهب مرة بالحج العراقي، و فوض إليه أمر الأعراب بالعراق بعد عودته من الحج ... و كثر أتباعه و أقام بالحلة نافذ الأمر عريض الجاه كثير الأعوان إلى أن توفي السلطان أبو سعيد فأخرج الشريف أحمد حاكم الحلة الأمير علي ابن الأمير طالب الدلقندي و تغلب على البلد و أعماله و نواحيه و جبى الأموال ... فلما تمكن الشيخ حسن ابن الأمير حسين اقبوقا من بغداد وجه إليه العساكر مرارا فأعجزه .. ثم إن الشيخ حسن توجه إليه بنفسه في عسكر ضخم و عبر الفرات من الأنبار و أحاط بالحلة فحصر الشريف أحمد بها فغدر به أهل الحلة. و خذله الأعراب الذين جاء بهم مددا و تفرق الناس عنه حتى بقي وحده و ملك عليه البلد فقاتل عند باب داره في الميدان ... و قتل معه أحمد بن فليتة الفارس الشجاع و أبوه فليتة و لم يثبت معه من بني حسن غيرهما. و لما ضاق به الأمر توجه إلى محلة الأكراد و كان قد نهبها مرارا و قتل جماعة من رجالها إلا أنهم لما رأوه قد خذل أظهروا له الوفاء و وعدوه النصر ... حتى يدخل الليل ثم يتوجه حيث شاء ...

و لكنه خالفهم و ذهب إلى دار النقيب قوام الدين ابن طاووس الحسني و هو يومئذ نقيب النقباء الأشراف. فلما سمع الأمير الشيخ حسن بذلك أرسل إليه شيخ الإسلام بدر الدين المعروف بابن شيخ المشايخ الشيباني‏

____________

(1) ر: ابن بطوطة ج 1 ص 132.

45

و كان مصاهرا للنقيب ... فآمن الشريف و حلف له و أعطاه خاتم الأمان، أرسل به الأمير الشيخ حسن فركب الشريف معه إلى الأمير و هو نازل خارج البلد و لم يكن الشريف يظن أن الشيخ حسن يقدم على قتله ... إلا أن بعض بني حسن أغراه بذلك و خوفه عواقبه، و أنه ما دام حيا لا يصفو العراق له. فلما ذهب مع الشيخ بدر الدين و كان في بعض الطريق استلبوا سيفه فأحس بالشر ... فلما دخل على الأمير الشيخ حسن ... أظهر القبول منه و طالبه بأموال البلاد في المدة التي حكم فيها و هي قريب من ثماني سنوات أو أزيد فأجاب بأنه أنفقها فعذب تعذيبا فاحشا. فأراد الشيخ حسن إطلاقه فحذره بعض خواص الشريف فاحتال في قتله بأن جاؤوا بالأمير أبي بكر بن كنجاية و كان الشريف قتل أباه الأمير محمد بن كنجاية ... قتله في بعض حروبه فأمر أن يقتله ... فضرب عنقه‏ (1) ..

و قد مر الكلام عن الشريف رميثة و أبيه نمي و عن حميضة بن نمي المذكور في المجلد السابق و هنا أقول إن أصل نسبة أمراء المنتفق إلى الشرفاء جاءت من هؤلاء الشرفاء أو من يمت إليهم و لم يكن الأمير أحمد و سائر الشرفاء الذين جاؤوا العراق وحيدين عقيمين و من ثم قوي الاعتقاد بصحة نسب أمراء المنتفق من الشرفاء .. و هذا معلوم عنهم قديما ...

وفيات‏

1- آمنة بنت إبراهيم بن علي الواسطية:

ثم الدمشقية. ولدت تقريبا سنة 640 و سمعت على أحمد بن عبد الدائم، و الكرماني، و من والدها و أبي بكر الهروي و إسماعيل القتال،

____________

(1) عمدة الطالب ص 133.

46

و إبراهيم بن أحمد بن كامل و غيرهم. ماتت في 6 ذي الحجة سنة 740 (1).

2- علي بن محمد بن محمد البغدادي:

المعروف بالرفاء سبط عبد الرحيم بن الزجاج ولد سنة 662 و اشتغل بالقراءات و الحديث و سمع من ابن أبي الدنية و عبد الله بن ورخز صاحب ابن الأخضر و من عبد الصمد بن أحمد وجده لأمه و أجاز له الشريف الداعي و غيره من واسط و كان قد أقام بقرية يقال لها برقطا و اشترى بها أرضا يستغل منها كفايته و لقن هناك خلقا كثيرا و مات في واسط سنة 740 ه (2).

حوادث سنة 741 ه- 1340 م‏

في هذه السنة خلد السلطان الشيخ حسن إلى الراحة، و إلى توطيد ملكه و تقوية حكومته في العراق و أساسا مل القوم الحروب و كل واحد منهم رغب في تهدئة أوضاعه و تأمين ما بيده .. و الأصح قد أخذ المتنازعون يستعدون، أو يتأهبون بأمل العودة للنضال مرة أخرى ..

وفيات‏

1- مدرس المجاهدية:

توفي ركن الدين شافع بن عمر بن إسماعيل الجيلي الفقيه الحنبلي الأصولي، نزيل بغداد، سمع الحديث ببغداد على إسماعيل بن الطبال‏

____________

(1) الدرر الكامنة ج 1 ص 413.

(2) الدرر الكامنة ج 3 ص 119.

47

و ابن الدواليبي و غيرهما، و تفقه على الشيخ تقي الدين الزريراني‏ (1) و صاهره على ابنته، و أعاد عنده بالمستنصرية، و كان رئيسا، نبيلا، فاضلا، عارفا بالفقه و الأصول و الطب مراعيا لقوانينه في مأكله و مشربه، و درس بالمجاهدية بدمشق و أقرأ جماعة من رجال الأئمة الأربعة قال ابن رجب منهم والدي و له مصنف في مناقب الأئمة الأربعة سماه زبدة الأخبار في مناقب الأئمة الأبرار و كان قاصر العبارة لأن في لسانه عجمة، توفي ببغداد يوم الجمعة 12 شوال و دفن في دهليز تربة الإمام أحمد (2).

2- مدرس البشيرية:

توفي شرف الدين أبو محمد عبد الرحيم بن عبد الملك بن محمد ابن أبي بكر بن إسماعيل الزريراني البغدادي الحنبلي ابن شيخ العراق تقي الدين أبي بكر ولد ببغداد و نشأ بها و سمع الحديث ثم رحل إلى دمشق و مصر فسمع من جماعة ثم رجع إلى بغداد بفضائل جمة و درس للحنابلة بالبشيرية بعد وفاة صفي الدين عبد المؤمن بن عبد الحق ثم درس بالمجاهدية بعد وفاة صهره شافع المذكور و لم تطل بها مدته.

و ناب في القضاء ببغداد، و اشتهرت فضائله، و خطه في غاية الحسن، و ألف مختصرات في فنون عديدة. توفي ببغداد يوم الثلاثاء 10 ذي‏

____________

(1) زريران قرية تحت المدائن بيسير في الجانب الغربي من دجلة و هي من أعمال نهر الملك فوق ساباط كان عليها طريق الحاج، و بها قبر الشيخ علي الهيتي المتوفى سنة 564 ه 1164 م كذا في المعجم و المراصد و أقول اليوم موقع قبر الشيخ علي الهيتي في أراضي السيافية المجاورة لأراضي ختيمية من الشرق و أراضي الحرية من الغرب و هي ملك فخر الدين آل جميل، و لا أثر الآن للقرية المذكورة و لفظها الصحيح ما ذكرت ... و ما جاء من التلفظ بها بغير هذا فهو غلط ناسخ «راجع: زريران في المجلد الأول».

(2) الشذرات ج 6 و الدرر الكامنة ج 2 ص 186.

48

الحجة و دفن عند والده بمقبرة الإمام أحمد (1).

3- محمد بن علي بن محمود الدقوقي البغدادي:

ولد سنة 687 ه سمع من ابن أبي الدنية و من أبي محمد و رخز و من ابن أبي الجيش و المجد بن بلدجي و غيرهم و أجاز له محمد بن المخرمي و أحمد بن أبي الحديد و نصر النعماني و غيرهم، مات ببغداد سنة 741 ه (2).

4- محمد بن عمر بن فياض الباريني:

هو نائب الخطابة ببغداد سمع من الرشيد بن أبي القاسم و ابن حلاوة و غيرهما مات في ذي القعدة سنة 741 ه (3).

5- محمد بن محمد بن محمد البغدادي:

هو ضياء الدين الوراق المصري سمع من القاضي سليمان و إسماعيل بن مكتوم و طائفة و كان له خط حلو و خلق حسن مات بالقاهرة سنة 741 ه (4).

6- أحمد بن يحيى بن محمد البكري:

الشهرزوري و هو شمس الدين الكاتب المشهور. ولد سنة 654 و تفقه للشافعي و أتقن الخط المنسوب و الموسيقى و كان قد حظي عند الملوك. و كتب عنه أبو سعيد القاءان و الوزير غياث الدين و جمع جم من‏

____________

(1) الشذرات ج 6.

(2) ر: الدرر الكامنة ج 4 ص 90.

(3) ر: الدرر الكامنة ج 4 ص 110.

(4) الدرر الكامنة ج 4 ص 236.

49

أولاد الوزراء و القضاة و الأمراء و لم يزل على تقدمه في فنونه إلى أن مات في ربيع الآخر سنة 741 ه و لم يظهر في لحيته من الشيب إلا اليسير (1).

7- عبد الله بن عبد المؤمن التاجر الواسطي:

هو تاج الدين و يقال نجم الدين المقرى‏ء. ولد سنة 671 ه في أوائلها بواسط و قرأ القراءات على جماعة بتلك البلاد، قدم دمشق ثم دخل القاهرة اقرأ الناس ببغداد و واسط و البصرة و البحرين ... و كان تاجرا سفارا. و صنف (المختار) في القراءة و (الكنز) في القراءات العشر جمع فيه بين الإرشاد للقلانسي و بين التيسير للداني و زاده و نظمه في قصيدة لامية سماها (الكفاية) على وزن الشاطبية في 1273 بيتا و نظم الإرشاد للقلانسي و زاد عليه الإدغام الكبير لأبي عمرو و سماه (روضة الأزهار) في قراءات العشرة و أئمة الأمصار و هو 1153 بيتا، و صنف (تحفة الإخوان في مآرب القرآن) و له مقدمة في النحو سماها (اللمعة الجلية). و قصيدته في القراءات العشر أولها:

بدأت أقول الحمد للّه أولا* * * إلها عظيما واحدا صمدا علا

مات في شوال سنة 741 ه و قال آخرون سنة 40 في ذي القعدة (2).

8- عبد الرحيم بن محمد بن سعيد بن محمد بن أبي النجم الحدادي:

ينتسب إلى الحدادية و هي قرية بقرب بغداد ولد في ربيع الأول سنة

____________

(1) الدرر الكامنة ج 1 ص 335.

(2) الدرر الكامنة ج 2 ص 272.

50

671 و سمع من الرشيد بن أبي القاسم و عبد الوهاب بن إلياس و غيرهما و أجاز له ابن الدباب و ابن الزجاج و الفخر و ابن أبي عمر و ابن شيبان و غيرهم. و كان مناولا بخزانة الكتب المستنصرية كأبيه و له بها معرفة تامة. و كان أبوه صاحب ابن الساعي و وصيه. مات ببغداد في أواخر سنة 741 ه (1).

9- الحسن بن علي بن إسماعيل الواسطي:

هو عز الدين أبو محمد. ولد ببغداد سنة 654 ه و نشأ بواسط.

و قرأ القراءات و قدم مصر سنة 691 فسمع بها على جماعة. و ناب بالإمامة بالمسجد النبوي و كان قد حج مرات. مات في شعبان سنة 741 ه (2).

10- علي بن محمد بن إبراهيم بن عمر بن خليل الشيحي‏ (4) البغدادي:

الصوفي علاء الدين خازن الكتب بالسميساطية. ولد سنة 678 ه ببغداد و سمع بها من ابن الدواليبي و قدم دمشق فسمع بها و جمع تفسيرا كبيرا سماه التأويل لمعالم التنزيل، و شرح العمدة و هو الذي صنف مقبول المنقول في عشرة مجلدات جمع فيه بين مسند الشافعي و أحمد و الستة و الموطأ و الدارقطني فصارت عشرة كتب و رتبها على الأبواب و جمع سيرة نبوية مطولة و كان حسن السمت و البشر و التودد. مات في آخر شهر رجب أو مستهل شعبان سنة 741 ه بحلب‏ (3).

____________

(1) كذا ج 2 ص 360.

(2) الدرر الكامنة ج 2 ص 20.

(4) بكسر الشين نسبة إلى شيحة من عمل حلب.

(3) الدرر الكامنة ج 3 ص 98.

51

حوادث سنة 742 ه- 1341 م‏

حرب و هزيمة:

في هذه السنة تحارب الشيخ حسن الكبير مع الأمير حسن الصغير الجوباني في نخجوان فدارت الدائرة على الشيخ حسن الكبير سلطان العراق فلم يقو على خصمه. و ليست هذه أول هزيمة منه في حروبه مع الجوباني‏ (1) ..

وفيات‏

1- مظفر الدين موسى بن مهنا:

هو أمير العرب من آل فضل. ولي بعد أبيه المتوفى سنة 735 ه و لم يخرج عن الطاعة لحكومة سورية زمن غضبها على والده ... مات في جمادى الأولى سنة 742 ه (2).

2- الحسين بن مبارك الموصلي الصوفي:

كان بالسميساطية بدمشق و كان خازن الكتب بها و هو خيّر ديّن و له سماع من العماد ابن الطبال و الرشيد بن أبي القاسم و غيرهما، مات في جمادى الآخرة سنة 742 ه عن نحو من (70) عاما (3).

3- أبو الثناء رجب بن حسن بن محمد بن أبي البركات البغدادي:

جد الشيخ زين الدين ولد سنة 677 تقريبا و سمع من ابن‏

____________

(1) تقويم التواريخ لكاتب جلبي ص 92.

(2) الدرر الكامنة ج 4 ص 382.

(3) الدرر الكامنة ج 2 ص 65.

52

المالحاني عن القطيعي و من المعيد ابن المحلح و ابن عزال و غيرهما و كان يقرى‏ء حسين و اسمه عبد الرحمن و يقال له رجب لكونه ولد في رجب مات في 5 صفر سنة 742 ه (1).

4- محب الدين علي بن عبد الصمد بن أحمد البغدادي:

هو أبو الربيع البغدادي الحنبلي و يقال إنه كان يدعى عبد المنعم.

ولد في ربيع الآخر سنة 656 ه بعد كائنة بغداد بنحو شهرين و سمع من والده و ابن أبي الدنية و ابن بلدجي و جماعة و أم بمسجد حمويه و ولي قبل موته مشيخة المستنصرية. مات في نصف صفر سنة 742 ه (2) و في نسخة سنة 749.

حوادث سنة 743 ه- 1342 م‏

إمارة العرب:

في ربيع الآخر من سنة 743 ه عزل الأمير سليمان بن مهنا بن عيسى عن إمارة العرب و وليها مكانه الأمير عيسى بن فضل بن عيسى و ذلك بعد القبض على فياض بن مهنا بمصر. و كان سليمان قد ظلم و صادر ... ثم أعيد بعد مدة قريبة للإمارة (3). و من هذا نجد سلطة مصر كانت قوية عليهم ...

مجمع الأنساب:

تاريخ فارسي. تأليف محمد بن علي بن محمد بن حسين بن أبي بكر الشبانكاري كتبه في عهد السلطان أبي سعيد بهادر خان سنة 733 ه،

____________

(1) الدرر الكامنة ج 2 ص 207.

(2) الدرر الكامنة ج 3 ص 62.

(3) تاريخ أبي الفداء ج 4 ص 142.

53

و كان المؤلف من الشعراء و الكتاب، و من مداحي الخواجه غياث الدين محمد بن الرشيد، ولد في حدود سنة 697 ه في إحدى أعمال شبانكارة، و اشتهر في الإكثار من الشعر، و كان في أيام وزارة الخواجه غياث الدين يقدم كل سنة القصائد في مدحه.

شرع في تاريخه سنة 733 ه و لكنه لم يتمه إلا في سنة 736 ه و قدمه للخواجه غياث الدين محمد ليعرضه على السلطان أبي سعيد إلا أنه قبل أن يصل إليه توفي أبو سعيد. و إن هذا التاريخ قد فقد أثناء الغارة على الربع الرشيدي، فأعاد المؤلف كتابته للمرة الأخرى بعد أن قتل بمدة أي سنة 743 ه. و في هذه المرة أضاف إليه وقائع السلطان أبي سعيد، و سماه أيضا مجمع الأنساب، و إن القسم السابق للمغول عول فيه على التواريخ المتداولة. و أما القسم الخاص بعهد أولجايتو و أبي سعيد و ملوك فارس و سبانكاره و هرمز فقد احتوى مطالب مفيدة و مهمة ... و علاقته ظاهرة و يصلح أن يكون متمما للتواريخ التي سبقته‏ (1) ..

وفيات‏

1- محمد بن يحيى البغدادي:

ثم الدمشقي الإبري (الأثري)، سمع من الصفي عبد المؤمن و أخذ عنه الفرائض و كان ماهرا فيها، و في الجبر و المقابلة، مشهورا بذلك، و سمع على كبر من المزي مات في المحرم سنة 743 ه (2).

____________

(1) تاريخ مفصل إيران ص 491 و 521 و إسلامده تاريخ و مؤرخلر ص 329.

(2) الدرر الكامنة ج 4 ص 275.

54

2- أحمد بن داود بن مندك الموصلي:

هو دنيسري، ثم موصلي، تفقه على الشيخ تاج الدين عبد الرحيم ابن محمد بن محمد بن يونس ثم انتقل إلى ماردين، و كان كثير المجون، توفي سنة 743 ه (1).

حوادث سنة 744 ه- 1343 م‏

حروب- وفاة الأمير حسن الجوباني:

في هذه السنة و ما قبلها لم تسفر الحروب بين متغلبة المغول بعضهم مع بعض عن نتيجة، و قد انقطعت السبل و زال الأمن، و كثرت الفتن ... و في آخر رجب سنة 744 ه علمت زوجة الأمير حسن الجوباني المسماة عزة الملك أن زوجها قد سجن يعقوب شاه الذي هو من أمرائه، و كان بينها و بينه صلة حب و عشق فظنت أن زوجها قد انكشف له الأمر و خافت الوقيعة بها. و في ليلته حينما أخذ السكر بلبه أمسكته من خصيتيه فمردتهما و بذلك قضت على حياته‏ (2) ...

و كان الأمير حسن هذا يعرف بالشيخ حسن الصغير. لأن صاحب بغداد كان يشاركه في اسمه و هو أسن و أدخل في نسب الخان فميز بالكبير، و هذا ميز بالصغير ... و لما استقل حسن الصغير بالملك و الخان عنده عجز عنه الشيخ حسن الكبير و غلبته أمم التركمان بضواحي الموصل إلى سائر بلاد الجزيرة ... ذلك ما دعا أن يستعين الجلايري بملك مصر و قد مر (3) ...

____________

(1) الدرر الكامنة ج 1 ص 130.

(2) روضة الصفا ج 5 ص 165 و شجرة الترك ص 173، و تاريخ العراق المجلد الأول.

(3) ابن خلدون ج 5 ص 552.

55

و على هذا الحادث تنفس سلطان العراق الصعداء، و نجا من غوائل عدوه .. و كان حسن الجوباني تأمر بسيواس بعد قتل أبيه تمرتاش (دمرداش أو تيمورطاش) سنة 738 ه، و كان داهية، ماكرا، بعيد الغور ... و خلفه ابنه الملك الأشرف ...

و الحاصل استمرت منازعات الأمراء إلى هذا التاريخ و بعده‏ (1) ..

وفيات‏

1- محمد بن القاسم بن أبي البدر

المليحي (الملحي) الواسطي، الواعظ. اشتغل بالفقه و الأصول، و قرأ القراءات العشر، و كان حسن الصوت، بعيد الصيت في الوعظ، و أنشأ خطبا، و قصائد، و مدائح، و خطب ببغداد بالجامع الذي أنشأه الوزير محمد بن الرشيد، و مات بواسط في آخر جمعة من رمضان سنة 744 ه و قد ناهز السبعين، و أورد صاحب فوات الوفيات جملة من شعره من موشحات و قصائد، و كان و كان‏ (2).

2- ابن الجحيش:

إبراهيم بن محمد بن علي الموصلي الأصل، البغدادي، الكاتب.

ولد في شعبان سنة 676 ه روى عن أبي الحسين محمد بن علي بن أبي البدر، و محيي الدين أبي عثمان «ابن أبي عثمان». علي بن عثمان بن عفان الطيبي، و برع في كتابة المنسوب. مات في صفر سنة 744 ه (3).

____________

(1) الدرر الكامنة ج 2 ص 15،

(2) الدرر الكامنة ج 4 ص 143، و فوات الوفيات ج 2 ص 368.

(3) الدرر الكامنة ج 1 ص 64.

56

3- سليمان بن مهنا:

سليمان بن مهنا بن عيسى بن مهنا. ولي إمرة العرب، و توجه مع قراسنقر إلى بغداد و التتر فأقام سبع عشرة سنة ثم عاد إلى سورية و مصر، ولاه الناصر عوض أخيه موسى إمرة العرب إلى أن توفي سنة 744، أو 745 ه (1). و قد مرت بعض أخباره في المجلد الأول.

4- عيسى بن فضل الله بن عيسى بن مهنا:

هو شرف الدين بن شجاع الدين. مات في جمادى الأولى سنة 744 ه. و كان من خيار أهل بيته. ولي الإمرة بعد وفاة موسى بن مهنا سنة موته ثم صرف عنها و مات بعد قليل‏ (2).

جامع محمد الفضل و مدرسته‏

مر أن محمد بن القاسم خطب ببغداد بالجامع الذي أنشأه الوزير محمد (3) بن الرشيد و قد فصلنا أخبار هذا الوزير في المجلد الأول و أوضحنا أن إدارته كانت من خير الإدارات في عهد المغول، أظهر حمايته للدين أكثر من غيره ... فلا يبعد أن ينشى‏ء جامعا، و لكن المؤرخين البعيدين لم يتعرضوا لأعماله الخاصة في العراق ... و لم يبسطوا القول في تاريخ هذا الجامع.

و المعروف أن هذا الوزير «أثر آثارا جميلة» و من أهمها هذا الجامع المشهور ب «جامع محمد الفضل» و محمد هو الوزير، و الفضل والده‏

____________

(1) الدرر الكامنة ج 2 ص 163.

(2) الدرر الكامنة ج 3 ص 208.

(3) الدرر الكامنة ج 4 ص 143.