موسوعة تاريخ العراق بين احتلالين‏ - ج4

- عباس العزاوي المزيد...
416 /
5

[المجلد الرابع‏]

مقدمة الناشر

ألحق المؤلف بهذا الجزء تعليقات على الأجزاء 1 و 2 و 3 من هذا الكتاب. و قد رأينا أن نبقي مقدمة هذا المحقق و ما تبعها من تعليقات على المجلدين الأول و بعضا مما يخص الثاني ذيلا لهذا الجزء و نضع التعليقات في المجلد الثالث في مواضعها منه.

كما أن المؤلف وضع تعليقات و استدراكات على هذا الجزء و ألحق قسما منها في الجزء الخامس، سماه (الملحق الرابع) و الآخر في الجزء السادس سماه (الملحق الخامس) و قد رأينا ان نضعهما في مواضعهما التي أشار إليها المؤلف من هذا الجزء. كي تضم المعلومات إلى بعضها لئلا يزهق القارى‏ء في تتبعها في أكثر من موضع من هذا الكتاب.

الدار العربية للموسوعات‏

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

المقدمة

بسم اللّه الرحمن الرحيم

الحمد للّه رب العالمين و الصلاة و السلام على رسوله محمد و على آله و صحبه و من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

و بعد فإن العراق كان أصابته الضربة القاسية من المغول سنة 656 ه- 1258 م فلم يصح منها حتى أعقبته أخرى و أخرى و لا يزال إلى هذا العهد. تداولته الأيدي القاهرة و تناوبته الأحداث المزعجة، فلم يتمكن من استعادة مجده و استقلاله، بل تواترت عليه الإحن و توالت النكبات، فعبثت به و لم تدع له مجالا للتفكير بشؤونه، بل لم يتنفس الصعداء إلا في 24 جمادى الأول سنة 941 ه- 1534 م إبان الفتح العثماني. دام هذا لأمد محدود، ثم اختلت إدارته بما حدث من حروب بين العراق و إيران، فرأى ضروب الضيم، و أنواع الحيف من الإدارات العاتية. في خلالها خنع مرة، و أبدى الشموس أخرى. لكنه كان مهيض الجناح، متأثرا بأوضاع دولته في غالب أحواله و إن كانت له خصوصيته إلى أن حدث احتلال بغداد في 17 جمادى الأولى سنة 1335 ه- 11 آذار سنة 1917 م. و في هذا التاريخ انتهى الحكم العثماني، فقطعت العلاقة بيننا و بينه كما أنه بعد مدة وجيزة زال من البين، و خلفته (الجمهورية التركية).

8

و الدولة العثمانية واحدة في أصلها متنوعة في مظاهر إدارتها نظرا لطول عمرها. و لا يمكن بوجه أن تسرد وقائعها من أولها إلى آخرها و لكن حالتها القطعية يصح أن توزع إلى فصول بما حدث من وقائع جليلة و تقسم على أشهر الحوادث و ما حصل من أهم الوقائع و تعتبر هذه وقفات مهمة.

و موضوع بحثنا مقصور على ما كان بين فتح بغداد على يد السلطان سليمان القانوني و بين استعادتها للمرة الثانية أيام السلطان مراد الرابع في 18 شعبان سنة 1048 ه- 1638 م. و هو الحكم المباشر الأول.

المراجع و المآخذ (1)

حدثت في هذا العهد وقائع عظيمة في العراق، و تعاقبت إدارات مختلفة متأثرة بالدولة أو بشخصية الوزراء. و في خلال ذلك ضاعت حوادث عديدة، و كثرت فترات متسببة عن انحلال في الدولة، و اضطراب في الحكم، و تدمير للوثائق، فنحن في أشد الحاجة إلى معرفة ما ضاع، و الحصول على ما فات و التماسه من مظانه ... و النهم العلمي لا يهدأ عن الاستزادة، و لا يمنع من نشر الميسور على أن نكون في تثبيت لما يعثر عليه. و لعل في المعروف ما يبصر بالحالة.

و لا شك أن الوثائق كثيرة و المؤلفات عديدة إلا أنها لا تعين إلا علاقة حروب أو صلة بالحكومة أو بالأهلين فلا تبين أحوال القطر مفصلا بل نراه مبتور الحوادث، تتخلله فواصل فلا نجد الوقائع متسلسلة

____________

(1) لم أتعرض في المراجع لما ليس له علاقة مثل كتاب (الدر المسلوك) للحر العاملي و عندي نسخة منه بخط مؤلفها و هي وحيدة، و هكذا الرحلات يجب ان يبين فيها ما فات، أو أغفل ذكره من وقائع أو مشاهدات و إلا فليس الحل إيراد أسمائها، و الأغلاط الفاضحة ليست موضوع البحث فلا محل للإطالة بما لا طائل له.

9

للولاة و إن كانت متعلقة بالحكومة. و الكتب التاريخية المعول عليها لا تذكر الولاة على التوالي بل إن مراجعة النصوص المتعددة تكشف النقاب عن ولاة غير من ذكروا في (گلشن خلفاء) أو في (تاريخ الغرابي) مع أنهما من المؤلفات المحلية. و بينهم من تكررت ولايته فلم يتعرض لها، أو من ولي العراق و لم نشاهد له ذكرا للفاصلة التي تخللت الحكم العثماني بالمتغلبة و بالمجاورين مع قرب العهد ممن كتبوا. شاهدنا في الوثائق بعض الخلل و لا سبب إلا اختلاف الإدارة، و تعاقب الحكومات و تلف المصادر من جراء ما حدث من ثورات أو استيلاء ...

و من الضروري أن نرجع إلى مؤلفات عديدة لرفع الجهالة و أن نكشف الستار عن الثقافة نوعا و نزيل الخفاء بقدر الإمكان عن وقائع هذا القطر الذي له مكانته عندنا، و عند الأقطار العربية و الإسلامية جمعاء.

و هذه التواريخ متفرقة المادة، تهتم بالحكومة و علاقاتها، و لم تذكر الشعب و أوضاعه، و لا تسلسل الوقائع و اطرادها، بل نراها مقصورة على حياة الولاة أحيانا دون سواهم، و أخلت في الكثير منها. و هذا النقص مشهود إلا أننا من مجموعها حصل لنا ما نعده وافرا فتمكنا من تدوينه مترقبين غيره.

نهجنا نهجا علميا في تسجيل ما عرف و راعينا حالات مسهلة أو موضحة بقدر الإمكان.

اتخذنا الوقائع السياسية الكبرى وسيلة لجمع الحوادث و ربطها مع ملاحظة العلاقات مما نعتقد أن لها أثرا بالغا في المعرفة.

و موضوعنا محدد بما بين السلطان سليمان القانوني من أول إدارة العثمانيين في العراق و السلطان مراد الرابع. و قد مر بنا من المراجع في الأجزاء السابقة ما تمتد حوادثها إلى هذا العهد، و هذه لا نعيد القول فيها من جراء استمرارها في هذا الجزء أيضا.

10

و هذه أشهر مراجعنا الجديدة:

1- المراجع المحلية:

و هذه تهمنا في الدرجة الأولى لما تحويه من إيضاح و ضبط للوقائع أو علاقة بالحوادث. و هي على قلتها جليلة الفائدة عظيمة الأثر لا يصح إهمالها بوجه بل الاستزادة لما يتجدد منها ضرورية. و لما كانت هذه المراجع موضوع بحثنا في خلال سطور الكتاب قد أوضحتها و استوعبت ذكرها في (كتاب التعريف بالمؤرخين) فلا أرى ضرورة للتفصيل هنا.

و إنما أذكر من المراجع المحلية:

(1) تاريخ آل افراسياب.

(2) زاد المسافر.

(3) ديوان فضولي.

(4) ديوان روحي.

(5) گلشن شعرا.

(6) تاريخ الغرابي.

(7) گلشن خلفا.

و كل هذه أوسعنا القول فيها عند ورود بحثها في حينه، فلا نرى العجلة لا سيما و قد وجدنا بعضها يتأخر الكلام عليه إلى الأجزاء التالية من هذا التاريخ.

2- المراجع الأخرى:

و هذه من التواريخ الأجنبية و هي كثيرة جدا. و منها للمجاورين أو للأقطار العربية الأخرى. و هذه أشهرها:

11

(1) تاريخ مطراقي:

يتضمن (فتح السلطان سليمان) بغداد و لعله المعروف ب (تحفة غزاة)، يذكر منازل سفر هذا السلطان إلى العراقين ذهابا و إيابا. و فيه ألواح مهمة، و صفحات في تصاوير البلدان العراقية و مراقدها المباركة مما لم يبق له اليوم ذكر، أو رسم إلا قليلا و الكتاب رأيته في (خزانة الجامعة) باستانبول بين نفائس كتب السلطان عبد الحميد الثاني كتب سنة 944 ه أي بعد فتح بغداد بثلاث سنوات، قدم للسلطان سليمان القانوني و الكتاب ينبى‏ء عن معرفة المؤلف بالرسم و التصوير، و بالتاريخ كما أنه جامع للفنون الجميلة و معلوم أن المؤلف مؤسس لنوع من أنواع الخطوط يقال له (چپ) فيوصف بأنه (چپ نويس) و هذا الخط قريب من الديواني ... و عصر هذا السلطان نظرا لعظم حكومته و صولتها يجب أن لا يخلو من أمثال هذا المؤرخ و اطلاعاته القويمة و إتقانه للرسم.

و تصاوير الكتاب تعين صناعة ذلك العصر و كأننا نراها كتبت حديثا لصحة ألوانها و ثبوتها و دوامها إلى هذه المدة ... و لعلها خيالية أكثر منها حقيقية. فالكتاب من نفائس الآثار. و من الضروري أن نحتفظ بأمثال هذه الخواطر في العراق كذكرى للماضي سواء من ناحية تصوير البلدان العراقية، أو المراقد المباركة، بأن ننقل التصاوير عينا، و نحصل على نفس التاريخ بالاستعانة برسامين ماهرين ... و استنساخه بوضعه الحالي.

كتب عليه إنه (بيان منازل سفر العراقين) و (كتاب تواريخ آل عثمان) لأيام السلطان سليمان. كتبه باللغة التركية نصوح السلاحي المطراقي من رجال السلطان سليمان ...

و المؤلف معدود من المؤرخين العثمانيين. كتب تاريخا في مجلد واحد عن أيام السلطان سليمان القانوني. من حين جلوسه إلى سنة 954 ه ثم شرع في تدوين ما بعد هذا التاريخ إلا أنه لم يوفق لإكماله ...

و سمي بالمطراقي لإتقانه لعبة المطراق و مهارته فيها. و هي نوع لعب‏

12

بالسلاح يقال له مطراق‏ (1). و يقال إن كتاب الديوان آنئذ كان يقال لصنف منهم (مطراقي) ...

و من مؤلفاته (فتحنامه قره بغدادى)، و نقل تاريخ الطبري إلى التركية باسم السلطان سليمان سنة 926 ه و سماه (مجمع التواريخ) و هذه غير الترجمة المطبوعة و مخالفة لها تماما ... و يعد أيضا من مشاهير الرياضيين ... و له مؤلفات في الرياضيات و أشعار سلسة و غزل رقيق و أساليب خاصة لا يكاد يضارع فيها. و من مؤلفاته (تقويم نصوحي) في علم النجوم‏ (2).

(2) تاريخ السلطان سليمان:

تأليف فردي. و هو مما اعتمده هامر في تاريخ الدولة العثمانية، و يقال له (سليماننامه).

(3) سليماننامه:

تاريخ تركي لعهد السلطان سليمان القانوني. و فيه ذكر وقائعه من حين سلطنته إلى يوم وفاته، و بيان علماء عصره و وزرائه ...

طبع ببولاق مصر سنة 1248 ه بإذن والي مصر محمد علي باشا الكبير. و الكتاب من تأليفات عبد العزيز آل قره چلبي المتوفى سنة 1068. و هذا التاريخ عولنا عليه في كثير من الحوادث.

قال صاحب عثمانلي مؤلفلري: و هناك سليماننامات أخرى إحداها لشمسي البرسي من القضاة و أخرى لفردي من الشعراء (3) ...

و للمؤلف (روضة الأبرار المبين لحقائق الأخبار). طبع في بولاق‏

____________

(1) لعل هذه اللعبة هي المعروفة عندنا (بالطابق).

(2) تذكره سهى ص 100 و عثمانلي مؤلفلري ج 3 ص 151 و 3000.

(3) عثمانلي مؤلفلري ج 3 ص 120.

13

أيضا سنة 1248 ه. و الفصل الرابع منه في دولة آل عثمان.

و له أيضا (روضة الأبرار في فتح بغداد أيام السلطان مراد الرابع) و سماها صاحب (عثمانلي مؤلفلري) ب (ظفرنامه).

و هذه من المراجع المهمة.

(4) مرآة الممالك:

رحلة تركية لسيدي علي رئيس المتوفى سنة 970 ه- 1563 م.

سار من بغداد إلى البصرة بأمل الذهاب إلى مصر بأمر من السلطان سليمان القانوني ليتولى قيادة الأسطول هناك فلقي في طريقه البورتغال فحاربهم، و لم يطق المقاومة بل دمرت غالب سفنه، فاضطر أن يميل إلى الهند و من هناك ساح برّا حتى عاد إلى بغداد حاكيا ما رآه في طريقه.

و سياحته مهمة جدا تنبى‏ء عن عصر غمضت وقائعه ... و فيها حوادث كثيرة عن العراق و بيان عن المشاهد و عن الطريق التي مر بها. وصف بعض أحواله و علاقة العثمانيين به و ما جرى عليه في سفره من عناء ...

طبعت هذه الرحلة في مطبعة إقدام عام 1313 ه فسدّت ثلمة في تاريخ العراق ... كان أتم رحلته في (غلطة) في أوائل شعبان سنة 964 ه- 1557 م و أبرزها في أواسط صفر سنة 965 ه. أشار إلى ذلك في آخرها.

و المؤلف قائد بحري مشهور، عارف بأمور البحرية معرفة تامة و كاتب أديب شاعر ماهر و يلقب ب (الكاتبي الرومي) (1) ... و له مؤلف جمع فيه رسائل ابن ماجد الربان العربي المعروف و غيرها. سماه (المحيط) يتعلق بالبحرية و أحوال بحر الهند المسمى (بحر عمان) كتبه في أحمد آباد باللغة التركية و نقله إلى اللغة الألمانية آل (بارون هامر) و نشر في ويانة (فينة) عاصمة النمسة كما نقلت رحلته إلى الإنكليزية نقلها (ا. فامبيري) عن التركية

____________

(1) الكاتبي القزويني كان في عهد المغول و هو معروف ... و الوصف بالرومي للتفريق بينهما. و عرف آخرون ب (الكاتبي) و يفرق بينهم بما يدفع اللبس.

14

و طبعت في لندن سنة 1899 م‏ (1). و كذا نقلت إلى الفرنسية.

و له مؤلفات منها (مرآة كائنات) في الاسطرلاب، و الربع المجيب، و المقنطرات، و معدل ذات الكرسي.

(5) فذلكة أقوال الأخيار في علم التاريخ و الأخبار:

مجلد في التاريخ عربي العبارة لكاتب چلبي، مصطفى بن عبد اللّه صاحب كشف الظنون، منه نسخة رأيتها في المكتبة العامة باستانبول في كافة دول الإسلام و فيها معلومات وافرة عن حكومة قراقوينلو و العثمانيين و الصفويين و غيرهم ... أولها: الحمد للّه الذي أرشد الأولياء إلى إحاطة أخبار الزمان الخ بخط يده. لخص بها تواريخ عديدة و تكلم على كل حكومة برأسها و بدأ في فصل عن التاريخ و آخر عن الكتب المؤلفة فيه ثم في بدء الخليقة، و في الأنبياء، و في سيرة الرسول (صلّى اللّه عليه و سلّم) و غزواته و في الخلفاء و من وليهم على توالي القرون ... يذكر النصوص التي جعلها أساس بحثه بالفارسية أو غيرها عينا في هامش الكتاب. رأيته باستانبول.

و هذه النسخة هي التي وصفها صاحب عثمانلي مؤلفلري. قال: «هذا الكتاب طولاني، في قطع متوسط، عربي العبارة، و تاريخ عام يحتوي على مقدمة، و ثلاثة فصول، و خاتمة و في آخره بعض فوائد تاريخية و في تتمته ألقاب الملوك و الدول مرتبة على حروف الهجاء ...» ا ه (2).

و من مؤلفاته المهمة (جهاننما) في الجغرافيا. طبع إبراهيم متفرقة.

و تاريخ الفذلكة التركي‏ (3) اعتمدناها. و له (ميزان الحق) ... توفي سنة

____________

(1) ترجمته في كتاب أسفار بحريه عثمانية، و في عثمانلي مؤلفلري ج 3 ص 270 و هنا ذكر مؤلفاته.

(2) عثمانلي مؤلفلري ج 3 ص 129.

(3) تبتدى‏ء حوادثه بسنة 1000 ه، و تنتهي بسنة 1065 ه، طبع في مطبعة جريدة الحوادث باستانبول سنة 1287 ه. و عندي نسخته المطبوعة.

15

1067 ه. و في الطبعة الجديدة من كشف الظنون تفصيل حياته.

(6) روضة الحسين في أخبار الخافقين (تاريخ نعيما):

تاريخ تركي، في الدولة العثمانية تأليف «نعيما أفندي». و له قيمة أدبية، و أسلوب خاص عند الترك، ولد مؤلفه سنة 1065 ه في مدينة حلب و أصل اسمه مصطفى. ورد استانبول بعد أن حصل العلوم و نال مناصب عديدة.

و كان عموجه زاده حسين پاشا ميالا إلى التاريخ فجي‏ء إليه بكتاب كان في حالة مسودة كتبه أحمد أفندي من أبناء أحد العلماء محمد أفندي (شارح المنار) يتناول الحوادث من عهد السلطان أحمد الأول إلى أيام محمد باشا الكوپريلي، و إن أحمد أفندي الموما إليه لم تتح له الفرصة أن يبيض المسودة فتوفي فكلف عموجه زادة المترجم نعيما أن يتم هذا الكتاب، و يدون الوقائع الرسمية فيكون (وقعه نويس) أي (محرر الوقائع).

و من ثم اتخذ نعيما ذلك الأثر أصلا، و راجع تواريخ و وثائق و حقق ما سمع، و دون ما شاهد فأضاف ما علم ... و لم يتحاش من نقد سلفه، فأبرز كتابه. و سماه (روضة الحسين في أخبار الخافقين) إلا أنه عرف (بتاريخ نعيما).

و هذا التاريخ كتب في عهد انحطاط العثمانيين، صور عصره فأبدع تصويره، فلم يتجاوز الحقيقة ... و تبتدى‏ء حوادثه من الألف و تنتهي بسنة 1065 ه- 1655 م. و هذا التاريخ قدمه إلى الصدر الأعظم عموجه زاده. و بعد وفاة هذا الصدر أتم حوادثه إلى سنة 1070 ه- 1660 م، أيام داماد حسن باشا الصدر الأعظم.

و في مقدمته بين ما يجب على المؤرخ مراعاته ... و بذا عين نهجه التاريخي و خطته التي سار عليها موضحا أن يكون المؤرخ صادق اللهجة، لا يلتفت إلى الأقاويل الزائغة، و أن يكون ملما بالوقائع عن‏

16

علم، و لا يلتفت إلى ما يشيع على ألسنة الناس من الأراجيف، و أن يعتمد الثقات، و يدون الصحيح لا أن يستهويه الرأي العام بأباطيله، و أن لا يتعصب، و أن يترك تزويق الألفاظ و تنميقها بحيث يرتبك الأمر بأن يستخدم البساطة أو قل الفصاحة في البيان، و أن يهمل طريقة العتبي و وصاف ... فيراعي النصائح المفيدة (1) التي لا تبلي جدتها الأيام ...

طبع في مطبعة إبراهيم متفرقة و طبعات أخرى.

(7) منشآت السلاطين:

و هي المعروفة بمنشآت فريدون، (فريدون أحمد باشا) المتوفى سنة 990 ه- 1582 م و المؤلف من الكتاب القدماء و من أشهرهم، كان رئيس الكتاب لدى الوزير الأعظم صوقوللي محمد باشا. فهو مرجع تاريخي للوقائع و مثال مشاهد للآداب في عصره. طبع في مجلدين. و فيه وثائق كثيرة تخص العراق سواء منها ما يتعلق بفتح العراق و غير ذلك ...

و الكتاب لا يخلو من غمز، فإنه نسب منشآت عديدة للعثمانيين، منقولة من مراسلات كانت للخوارزميين و غيرهم فقلبها، أو عدل فيها و نسبها إلى السلاطين العثمانيين، و ربما كان كتاب الدواوين اتخذوا تلك المراسلات أصلا في مدوناتهم السلطانية.

و من مؤلفاته الأخرى (نزهة الأخبار). يتضمن وقائع سنتين حدثتا بعد واقعة سكتوار. و له (مفتاح جنت) في الأخلاق ... (2).

(8) تاريخ رمضان زادة:

تاريخ تركي أوله: الحمد للّه على ألطافه السنية الخ عندي نسخة

____________

(1) نعيما تاريخي.

(2) عثمانلي مؤلفلري ج 2 ص 363- 364.

17

خطية منه كتبت سنة 1006 ه، و فيها بعض التعليقات و تواريخ بعض السلاطين و أخرى مطبوعة ... يتكلم فيه عن أوائل التاريخ، ثم عن العثمانيين و فصل تاريخهم أكثر. و فيه بيان عن الوزراء و المشاهير و العلماء في أيامهم ...

و مؤلفه رمضان زاده نشانچي محمد بك من رجال السلطان سليمان القانوني و من مشاهير المؤرخين. أصله مرزيفوني كان رئيس الكتاب ثم أمين الدفتر ... كان يكتب الطغراء في المناشير و يوقع التواقيع السلطانية، و يحرر الطوامير الصادر من الخاقان. و تاريخه معروف بتاريخ (محمد باشا النشانجي) أي من الرماة و له (سبحة الأخيار و تحفة الأخبار) في أنساب الأنبياء و الملوك إلى زمن السلطان سليمان القانوني ... توفي سنة 979 ه- 1572 م في استانبول‏ (1).

(9) تاريخ صولاق زادة:

في مجلد واحد تأليف محمد همدمي چلبي المعروف بصولاق زادة. كتبه من أول تأسيس الدولة العثمانية إلى آخر أيام السلطان سليمان القانوني بإفادة سهلة بسيطة. لم يحو التفصيلات المهمة. طبع عام 1298 ه باستانبول و نسخه الخطية نادرة ... أوله: الحمد للّه الذي خلق الخلق و هداهم إلى الصراط المستقيم الخ .. توفي عام 1068 ه في استانبول و له مؤلفات أخرى. منها (فهرست شاهان) منظومة في تواريخ آل عثمان، ذيل عليها بعض الأدباء و جاء ذكرها في مقدمة التاريخ. و له تاريخ عام أيضا كما نقل عنه صاحب تذكرة صفائي و له اطلاع واسع على الموسيقى‏ (2).

____________

(1) عثمانلي مؤلفلري ج 3 ص 53.

(2) صولاق زاده. و عثمانلي مؤلفلري.

18

(10) مرآة كائنات:

لمحمد القدسي المعروف ب (رمضان زادة). من أحفاد سابقه و هو محمد بن أحمد بن محمد بن رمضان و كان من العلماء. ولي قضاء بغداد لمرتين. و توفي سنة 1031 ه. و تاريخه ينتهي بسلطنة السلطان سليمان القانوني. طبع سنة 1269 ه.

(11) تاريخ عالم آراي عباسي:

من الكتب التاريخية المهمة في اللغة الفارسية. و كنا بينا في المجلدات السابقة بعض التواريخ التي تمتد حوادثها إلى هذه الأيام.

و هذا التاريخ يتكلم في الدولة الصفوية من ابتدائها مجملا ثم يمضي في أيام الشاه عباس الكبير بتفصيل و سماه باسمه. و مؤلفه اسكندر بك التركماني المنشي. شرع بتأليفه سنة 1025 ه و أتمه بوفاة الشاه عباس الكبير في 24 جمادى الثانية سنة 1038 ه. طبع على الحجر سنة 1314 ه. و فيه توضيح وقائع العراق لما يتصل بإيران.

(12) الإعلام بأعلام بيت اللّه الحرام‏

للشيخ قطب الدين المكي (محمد بن أحمد المكي النهروالي) الحنفي المتوفى سنة 988 ه- 1585 م و في تاريخ الغرابي توفي سنة 990 ه و (الإعلام بأعلام بيت اللّه الحرام) ألفه سنة 979 ه- 1572 م و أهداه إلى السلطان مراد. و فيه ما يخرج به عن موضوعه مما يتعلق بالخلافة العباسية في مصر و مكانتها، و بين هذه ما يتعلق بالعراق، و بالصفويين. نقله إلى التركية المولى عبد الباقي الشاعر المعروف المتوفى سنة 1008 ه- 1600 م. ذكر فيه أن الوزير محمد باشا العتيق طلب إليه ذلك فلبى الطلب.

طبع الأصل العربي في أوروبا، و في مصر إلا أن طبعة مصر مغلوطة بأغلاط كثيرة.

19

و له: (البرق اليماني في الفتح العثماني) ألفه للوزير سنان باشا، فكان كسابقه أحد مراجعنا و من مباحثه الصلات البحرية بالبرتغال و نقله إلى التركية المولى مصطفى بن محمد المعروف ب (خسرو زاده) المتوفى سنة 998 ه. و له مجموعة الفوائد (رحلته) إلى استانبول رأيتها في خزانة ولي أفندي برقم 2440، نقلها الأستاذ معلم رفعت الكليسي الفاضل المعروف إلى اللغة التركية (1). و من مؤلفاته أذكار الحج و العمرة. و له الكنز الأسمى في فن المعمى، و ديوان شعر مما لا يخص التاريخ.

و هناك مراجع أخرى مثل النور السافر و الكواكب السائرة، و خلاصة الأثر و كتب أخرى عديدة أوضحنا عنها في كتابنا (التعريف بالمؤرخين للعهد العثماني). و من أهم المراجع (منظومة آل افراسياب) تأتي في حينها. و الغرض الاستفادة لا التعداد.

و أما بعض الكتب المعاصرة فإنها كتبت لمهمة سياسية لا للتاريخ المجرد فلا تكون موضوع البحث هنا.

نظرة عامة

في 24 جمادى الأولى سنة 941 ه- 1534 م استولى السلطان سليمان القانوني على بغداد فقضى على الحكم الإيراني. و كانت (الأوضاع السياسية العامة) في تلك الأيام تدعو إلى معرفة توصل العثمانيين إلى إبادة حكم العجم من العراق.

كانت بلاد الشرق الأدنى إثر انحلال إدارة المغول تناوبت عليها حكومات متعددة و تولت إدارتها جملة سلاطين كل منهم يحكم صقعا.

و في الأيام الأخيرة كانت الإدارة موزعة بين آق قويونلو و بعض‏

____________

(1) كشف الظنون طبعة استانبول الجديدة.

20

الحكومات أو الإمارات الصغيرة. أما العثمانيون فلم يكن لهم أمل في هذه الأنحاء، بل كانت آمالهم معطوفة إلى التوسع في جهات الروم و البلقان و ما جاورهما فتوغلوا فيها كثيرا.

و بعد انقراض حكومة (آق قويونلو) قامت الدولة (الصفوية) في إيران بقوة هائلة مستمدة سلطتها من التأثير الديني باعتناق مؤسسها الشاه اسماعيل طريقة (التصوف الغالي) مقرونة بمذهب الشيعة. كما أنه حرك الشعور الوطني القومي الإيراني فتزايد نفوذه و كثر أعوانه و شعر في نفسه بقدرة فتاكة و حكومة عظيمة هددت كيان الحكومات المجاورة ... بل إن قوتها فاقت المجاورين في كثير من حروبها و ظهرت عليهم ظهورا بينا لكنها لم تكن في الدرجة التي تصورها هذا الشاه الشاب الممتلى‏ء نشاطا، المغرور بقوته و بما ربح من بعض الوقائع، لما رأيناه في الحكومة العثمانية من الانتصار الهائل عليه و كان حكم العثمانيين سابقا لحكمه. و إن هذه الدولة ممرنة على الحروب و الإدارة و التزام السياسة المكينة. أرعبت الشرق و الغرب و أرهبت المجاورين، و عاملت الشعوب و الملل المحكومة بالحسنى.

- نعم لم تر الحكومة الصفوية مزاحما لها بعد انقراض حكومة آق قويونلو سوى (الدولة العثمانية) (1). فحاولت القضاء عليها ليصفو الجو

____________

(1) إن الترك يتكلمون باثنتي عشرة لغة. و منهم التركمان. خرجوا من ما وراء النهر و جاؤوا إلى بلاد الروم زرافات و بأسماء مختلفة مثل دانشمندي، و أق قوينلو، و سلجوق ... فجاسوا خلال هذه الديار و استولوا عليها ... و لهم لهجات متنوعة، و إن اللغة التركمانية متشعبة من التتارية، و لهم اصطلاحات في لهجاتهم خاصة و لغات غريبة، لا يفهم بعضهم بعضا إلا بترجمان، و إن الجغتاي أفصحها، و إن تركمان آل عثمان من هؤلاء ... أما تتار قالماق أي الصين و الخطا و الختن فإنهم غير أولئك و إنما هم تتار آخرون ... و لهم اثنتا عشرة لغة بعدد ملوكهم، فلا يتفاهم بعضهم مع بعض إلا بترجمان. (أوليا چلبي ج 3 ص 171).

21

لها خالصا بالتوغل في قلب مملكتها بدعايات واسعة النطاق كان يقوم بها رجال الشاه و أعوانه بنشر التصوف، و الدعوة له ... و من ثم تولد النزاع بين الحكومتين و كثيرا ما كانت دولة العجم عائقا مهما، و صارفا عظيما للدولة العثمانية من التوغل في جهات الغرب بسبب تدخلها في أمرها، و أطماعها بأمل ابتلاعها، توسع نفوذها في الدولة العثمانية و كان بإزعاج لا مزيد عليه. فتكون على الدولة خطر.

و أول عمل قامت به الدولة الصفوية كان على يد (شاه قولي) أي (عبد الشاه) المعروف عند الترك (بشيطان قولي) أي (عبد الشيطان).

استعمل كثيرا.

تنازعتا السلطة و كل واحدة من هاتين الدولتين وجدت الأخرى حجر عثرة في طريقها و الفروق بينهما كبيرة تمنع من اندماج الواحدة بالأخرى. و أهمها الفروق الدينية و القومية. بقيتا مترافقتي النزاع إلى أن قضي على الحكومة الصفوية من جانب الأفغان قبيل أيام نادر شاه فخلفتها حكومات جديدة لم تغير من وضعها إلا اسم الأسرة المالكة بحلول غيرها محلها إلى أن جاءت الدولة البهلوية فأحدثت تجددا.

و هكذا بقي الجدال إلى أن انقرضت الدولة العثمانية أيضا بظهور (الجمهورية التركية)، فبدت آمالها كما هو المشهود في الإصلاح لا في الفتح.

و لا تزال الفروق موجودة إلى اليوم و لكن التقرب- دون الاندماج- مأمول و المصافاة أكيدة. نظرا لتغير الوجهات و تبدل أشكال الحكومات و تطورها لا سيما بعد الحروب العامة لسنة 1914 م و 1939 م. بدت بوادر التقارب السلمي. لأن كل دولة تريد أن تنال حظها من الإصلاح، و أن تلحظ مصلحتها، و ليس لها أمل في التسلط على غيرها. ففي كل مملكة ما يغنيها عن التطلع إلى الأطماع خارج حدودها، و أن تحصل‏

22

السلطان سليمان القانوني- أحمد راسم‏

23

على الرفاه و الثقافة من طريقهما. و هذا لا يتم إلا بالركون إلى الطمأنينة و الراحة. و العدول عما هو أشبه بالغزو العشائري.

رأت الدولة العثمانية في أيام السلطان بايزيد أن قد توسع أمر الصفويين في مملكتها و كون خطرا عليها من جراء أن القدرة على المقارعة كانت مفقودة نوعا لأن السلطان بايزيد كان خاملا و إدارته منحلة ...

ثم ولي السلطان سليم الياوز. و هذا من أعاظم ملوك العثمانيين، كان و لا يزال يحرق الارم على الإيرانيين. خاف من توسعهم لهذا الحد فتولى إدارة الجيوش بنفسه. و قبل الدخول في المعمعة انتقى الإدارة و أتلف الأعضاء الزائغة وعد كل مخالفة أكبر جريرة حتى فيما وقع من وزيره الأعظم. حدثت بينه و بين العجم (حادثة چالديران). كاد فيها يدمر الإيرانيين و هم في بدء تكونهم و إن صدمة كبرى مثل هذه كانت تكفي آنئذ للقضاء على آمالهم. و الأهلون لم يخلصوا لهم بعد، و بينهم من أكره على الطاعة، و لكن لم يحصل آنئذ من يشاطرهم السلطة أو له أمل في السيادة ... لما نال الناس من ظلم و قسوة في مختلف الأيام فشغلوا بأنفسهم ...

و من نتائج أعمال الدولة العثمانية أن قضت على نفوذ (المتصوفة في الأناضول) و صار العجم في رعب من صولات الترك. ذاقوا المرارة فعلا، و لم تكتف الدولة العثمانية بهذا الحادث من كسر شوكة إيران بل مالت إلى متفقتها (مصر)، فضربتها الضربة القاضية و دمرتها تدميرا تاما لا عودة بعده فخلصت مصر للدولة العثمانية بل دخلت في حوزتها أنحاء إفريقيا الشمالية.

كانت دولة المماليك في مصر بسبب المجاورة، و توسع الدولة العثمانية تخشى أن ينالها منها ما تحذر، فاتفقت مع إيران أو أن إيران‏

24

أوجدت فيها هذا الخوف مما دعا إلى هذا الاتفاق. ذلك ما أكسب الدولة العثمانية الاهتمام للأمر و أن تقضي على هاتين الحكومتين قبل أن تستكملا العدة. فالدولة العثمانية كانت ممرنة على الحروب أكثر من غيرها و إن كانت الدولة الصفوية اكتسبت بعض الممارسة في حروبها للاستيلاء على كافة أنحاء إيران و على بغداد.

و قوة السلطان سليم الياوز أعقبتها سطوة أكبر أيام السلطان (سليمان القانوني). و هذا لم يستطع العجم أن يقفوا في وجهه.

و حكومته آنئذ نالت شهرت بلغت الغاية لما وصلت إليه من العز و المنعة في الشرق و الغرب و لكن تدابير العجم السياسية مكنتهم من المحافظة على الوحدة من جراء أن حكومتهم لم ترتكب الخطأ الأول في (چالديران) للدخول في مقارعة عظيمة لها خطرها و لا تأمن نتائجها ...

أو أن تجرب تجربة أخرى تجازف بها، فركن الشاه إلى الاختفاء مدة و الحكومة لا تطارد المختفين الهاربين فمالت إلى بغداد و اكتفت بأخذها و ما والاها و عادت ظافرة ...

و العراق كان من الضعف و العجز بمكان، فلم يقدر أن يحرك ساكنا، و الحكومات السابقة أنهكت قواه، لا يختلف عن إيران و سائر الممالك الشرقية الأخرى ... و لا يزال الخوف مستوليا عليه مما أصابه من أقوام ليس لهم رأفة به و لا رحمة أو شفقة و القوة لا تزيحها إلا القوة. و لم تكن له قدرة النهوض أو بالتعبير الأصح لم يبق من رجاله من ينقاد له الرأي العام ليقوم بالاستقلال و يربح قضيته استفادة من الفرصة السانحة. و لعل ضعف الأهلين كان أهم سبب فلا مجال للقيام و لا قدرة هناك تكفي لصد العدو. و الروح قد أميتت، فركنوا إلى قوة العثمانيين.

انحلت إدارة العراق فتكونت إدارة تركية. و لم يوسع على الأهلين.

25

و لولا أن الثقافة مكينة، قائمة على أسس ثابتة من مدارس موقوفة، و ريع وافر لتأمين إدارتها، و تأكيد معرفتها لكانت في خبر كان.

إن المدارس الموقوفة ثبتت الوضع الثقافي و غيرت الحالة، و لم تدع مجالا للتخريب و القضاء على الآداب و العلوم. بل حييت حياة طيبة في كل فرصة وجدت فيها راحة و طمأنينة، و إن العثمانيين كانوا في بدء عمل ثقافي، فكانت الاستفادة من هذه المدارس كبيرة لاقتباس نظامها و مراعاة طرق تدريسها ... فصار لا يستغني موظف، أو عالم أو أديب عن العلاقة بهذه المدارس للأخذ بالثقافة الصحيحة.

و على كل حال تيسر للسلطان سليمان القانوني (فتح بغداد) بسهولة دون أن يرى أدنى عقبة أو صعوبة، و لم يجد مقاومة من عدو و لا قياما من أهلين بل فتحوا له الأبواب مستبشرين، مسرورين.

و الشعب لا يريد إلا الراحة و الطمأنينة، أنهكته الحروب، و تسلطت عليه الأوهام حذر أن تعود إليه هذه الحروب جذعة.

و الحق أن العراق اكتسب الراحة، و سكن مدة، و لكن بعد قليل دب في الدولة الضعف من جراء استمرار الحروب، و دوام غوائلها، فاضطرت الدولة إلى التضييق على الأهلين، شعر علماء كثيرون بهذا الخطر، و حذروا الدولة من نتائجه ... فظهر التغلب في مواطن عديدة في بغداد و غيرها، فتشوشت الحالة في أواخر هذا العهد، و استفاد منها المجاور و هو بالمرصاد فكان ما كان من وقائع انتهت بدخول السلطان مراد بغداد و انتزاعها من أيدي الإيرانيين ...

و في هذا العهد لم يستفد العراق من العلاقات الاقتصادية بأصل الدولة و لا بغيرها فليس هناك ما يستحق الذكر سواء في أيام الراحة أو الاضطراب بل بقي العراق على حالته المعتادة، فلم يظهر ما يزيد في الاقتصاديات، و لا في السياسة ما يدعو للارتياح.

26

و لا يسأل عن الثقافة في هذه الزعازع، و الاضطرابات، و أن الفرصة مكنت من استعادتها نوعا في أول العهد إلا أن الأيام الأخيرة حتى استيلاء السلطان مراد قد قضت على الكثير من آثارها، فصرنا اليوم لا نستطيع أن نعلم عنها إلا القليل النزر. و لعل الأيام تكشف أكثر عما غاب عنا في خزائن الكتب الخاصة، أو في البيوت من مصادر.

دامت بغداد في إدارة العثمانيين إلى أن حدثت حوادث كان آخرها واقعة (بكر الصوباشي) سنة 1028 ه- 1619 م، ثار على العثمانيين، و أعلن حكومته في بغداد. و لما رأى تضييقا من هذه الدولة طلب المساعدة من إيران، فكان من نتائج ذلك أن استولت إيران على بغداد.

دخلتها في يوم الأحد 23 ربيع الأول سنة 1032 ه- 1623 م.

جرت هذه إلى حروب و بيلة و قاسية بين العثمانيين و الإيرانيين.

اكتسبت عنفا و شدة، و نالت وضعا خطرا على الدولتين، فصارت كل واحدة منهما على و شك الهلاك، و لم يبق بين الحياة و الموت إلا أنفاس معدودة. جاء السلطان مراد الرابع بنفسه لفتحها، فحدثت المعارك الهائلة و الحروب الطاحنة بين الطرفين مما ولدته الأطماع، كأن قد ذهبت لهم ذاهبة، أو كأن العراق مخلوق لأحدهما. فتمكن السلطان مراد من استعادة بغداد في 18 شعبان سنة 1048 ه- 1639 م و تم الفتح. و من ثم عادت بغداد. و كانت هذه المرة الأخيرة، فلم يتمكن الإيرانيون بعدها من الاستيلاء عليها و إن كانت لم تنقطع الحروب و لا هدأ الأمل.

فتح بغداد

1- بغداد و حاكمها:

كان العراق من الضعف بمكانة، و بغداد قاعدة بلاده. كانت إدارتها بيد العجم، فإن محمد خان تكلو كان حاكم بغداد من إيران و هذا

27

علم أن جل أماني السلطان أن تتم سفرته بفتح بغداد فارتبك أمره و أصابه الرعب ... و أول ما قام به السلطان أن أرسل أولامه بك مع الوزير الأعظم إبراهيم باشا إلى الموصل فاستولوا عليها.

ثم إن أولامه بك بعث بعض رجال قبيلته إلى من هناك من قبيلة (تكلو) برسائل يحث بها على لزوم إظهار الطاعة للسلطان ... و أبدى النصح بوجوب تسليم بغداد بلا حرب و قد صاغ رسائله هذه بتعابير تدل على الترغيب من جهة و الترهيب من أخرى فأبدع في الأسلوب و حسن البيان بقصد جلب القوم و استهوائهم لجانب السلطان ...

أما الخان فلم يلتفت و أظهر أنه متأهب للطوارى‏ء، عازم على القراع، و صار يعد العدة للنضال. و في هذا الحين ورد ابن الغزالي من قبيلة تكلو أيضا إلى بغداد حاملا رسالة الشاه يخبر بها محمد خان الوالي ببغداد بأن السلطان قد تحرك قاصدا بغداد، و فيها حث بالانصراف عن المدينة و أن يأتي إلى إيران على وجه العجلة لينجو بنفسه و بمن معه. و على هذا دعا الخان أعوانه و قص عليهم ما وقع، و شاور في الأمر فلم توافقه قبيلة تكلو على الذهاب إلى الشاه و امتنعت عن طاعته ... فكان مجموع من وافقه نحو ألف فلم ير بدا من الذهاب إلى الشاه و بينا هو يفكر في الأمر إذ ورد كتاب آخر يدعوه الشاه فيه إلى لزوم الإسراع فكان داعية التشوش أكثر. جاء هذا الكتاب مع نديم الشاه (رجب دده) فلم يطق صبرا لا سيما و قد تواترت الأخبار بوصول السلطان و اكتساحه الحدود بجيوشه الجرارة و اجتيازه خانقين و قلة (1) مما زاد في ارتباكه. فدعا جماعة تكلو.

فاوضهم و بالغ في نصحهم. دعاهم للخروج معه من المدينة و اللحاق بالشاه فلم يلب دعوته أحد. فتابعه من أعوان الشاه نحو سبعمائة بيت ...

و افقوا و استعدوا للذهاب معه امتثالا للأمر.

____________

(1) أي قولاي المقاطعة المعروفة في خانقين.

28

و لما ألح في الطلب على طائفة تكلو قام في وجهه نحو ثلاثة آلاف. ناصبوه العداء و تحصنوا في المدرسة المستنصرية بقرب الجسر (1) تأهبا لمقارعته و كمنوا له هناك.

و كان في نية الخان آنئذ تخريب دورهم و إهلاك أهليهم و متعلقاتهم. و في أمله الهجوم عليهم و التنكيل بهم فخالفه السيد محمد كمونة و سكن الخصام بينهما. و جل غرضهم أن لا يوافقوا الخان و لا ينصاعوا لقوله. تعندوا فلم يمضوا طبق مرغوبه ...

لم يبق للخان أمل، و لم ير تدبيرا ناجعا ينقذه من هذه الورطة فندم على ما فعل، و أبدى للقوم أنه عدل عما كان عزم من الذهاب إلى الشاه و إنما مال إلى السلطان و أنه مطيع له. فسر الجميع لقوله هذا. و صوب الجماعة رأيه ...

و على هذا ذهب جماعة من رجال تكلو. سارعوا في الوصول إلى السلطان سليمان ليقدموا له مفاتيح بغداد و ليعرضوا الطاعة. و كان هؤلاء من أهل الحل و العقد. رأى الخان الحالة وصلت إلى هذا الحد فلم يبق له أمل في أن يبقى رئيسا كما كان فيحافظ على مكانته و أن المذكورين قد غلبوه على أمره. و أنه فقدت منزلته ... و رأى الأسلم له أن يعبر الجسر باتباعه و يذهب إلى الشاه من طريق البصرة فتوجه إلى الشاه‏ (2).

2- السلطان سليمان القانوني:

الدولة العثمانية كانت و لا تزال في حالة توسع إلى هذه الأيام، تترقب الفرص و تتوسل بالأسباب للدخول في معمعة أخرى لتكسر شوكة

____________

(1) تعين أن محل الجسر في مكانه المعروف اليوم من سنة 941 ه.

(2) كلشن خلفا ص 61- 2 و نخبة التواريخ و ابن كمونة هذا هو غير المذكور في المجلد الثالث من تاريخ العراق بين احتلالين.

29

الصفويين فلا تدع لدولتهم مجالا للدعاية في مملكتها، و إن التشنيع على إيران من آل الكيلاني من كل صوب، و من المغلوبين و فلولهم مما ذكر بواقعة چالديران، و إن كانت لا تعد أسبابا للدخول في معارك جديدة و إنما قرب الحالة الحربية ما جرى على ذي الفقار من حادث. يضاف إلى ذلك أن أولامه بك من قبيلة تكلو حاكم أذربيجان من جهة الشاه التجأ إلى السلطان سليمان لما وجد من الشاه من خوف، فرغبه في حرب إيران و زاد في نشاطه. و ربما يعد ميله إلى السلطان من أكبر أسباب الاشتباه من والي بغداد محمد خان تكلو، فمالت قبيلته إلى السلطان فعلا. و هذه من قبائل التركمان المعروفة (1).

كانت هذه من أكبر المسهلات للدخول في المعمعة مع العجم.

جاء في جامع الدول‏ (2) و في غيره أنه في هذه السنة (940 ه) أمر السلطان بالتجهيز لسفر الشرق و جعل الوزير إبراهيم باشا سردارا فعبر الوزير في جمع من الحرس الملكي (قبو قولي) إلى اسكدار في 2 ربيع الآخر من هذه السنة ثم سار و شتى في حلب و كان سبب ذلك يرجع إلى أمرين:

(1) أن حاكم بغداد ذا الفقار مال إلى السلطان سليمان فأرسل إليه مفاتيح بغداد و أظهر الانقياد و لما بلغ ذلك الشاه طهماسب سار إليه فحاصر بغداد مدة فقاتله ذو الفقار و قتل. فكان الباعث لقصد السلطان.

(2) أن حاكم بدليس (بتليس) شرف خان أعلن العصيان على‏

____________

(1) قاموس الأعلام ج 3 ص 1665 مادة (تكه تركمانلري). و غالب قوة الشاه تستند إلى القبائل التركمانية مثل استاجلو، و تكه لو، و بهارلو، و ذي القدرية، و القاجار، و الافشار، ذكرهم في تاريخ مختصر إيران تأليف باول هورن. ترجمه إلى الفارسية الدكتور رضا زادة شفق. طبع سنة 1314 ه. ش في طهران.

(2) و مثله في كلشن خلفا ص 61- 1 إلا أن ما في جامع الدول أوسع.

30

السلطان و انقاد للشاه طهماسب كما أن حاكم تبريز أولامه تكلو كان قد تقلد مناصب في إيران إلى أن نال حكومة تبريز. و لما دخلت هذه السنة أوجس خيفة من الشاه طهماسب فهرب إلى الروم. التجأ إلى السلطان فأكرمه و أقطعه بدليس و أمده بعسكر ديار بكر. أرسله إلى قتال (شرف خان) فقاتله قتالا شديدا فقتله، و كسر جيشه ببدليس و أهلك كثيرا من أتباعه. و صار ذلك أيضا سببا لقصد بلاد الشرق.

و في أيام وجود الوزير في مشتى حلب في منزل (سواريك) في أول ذي الحجة من هذه السنة بلغه تسخيروان. ففرح بذلك إلا أنه علم أن العسكر يقولون لا يقاتل السلطان إلا السلطان فخاف من الفتنة فأرسل إلى السلطان يعرفه بالحال و يلتمس قدومه فأجاب السلطان ملتمسه. عبر إلى اسكدار في آخر سنة 940 ه و توجه مبادرا نحو الشرق حتى وصل إلى تبريز في 20 ربيع الأول سنة 941 ه. (جرت وقائع بين الوزير و العجم في مواقع حتى وصل السلطان و الوزير إلى همذان ثم قطعا بعدها المنازل متوجهين نحو بغداد فوصلا إلى قصر شيرين)، و من ثم دخل السلطان بجيشه الحدود العراقية ...

و كل ما عرف عن الوزير في إيران أنه قام بما يجب القيام به لتسهيل الضربة على الشاه فتعقب أثره و قارعه في بعض المواطن ...

فكانت الحروب دامية. أخذ الخوف من العجم أكبر مأخذ كان نهض السلطان من استانبول في 28 ذي القعدة سنة 940 ه- 1534 م و صار يطوي المراحل حتى اتصل بجيش الوزير. وصل إلى السلطانية في 6 ربيع الآخر سنة 942 ه- 1534 م و منها كانت وجهته همذان فوردها في 24 منه. أما الشاه فكان في حالة يرثى لها يفر من ناحية إلى أخرى، و يتخفى في الجبال الصعبة، و يميل عن الطرق المعتادة فرارا من وجه السلطان. و الرعب استولى عليه .. و حينئذ أمال السلطان عنان عزمه نحو بغداد و كانت الغاية المقصودة.

31

بين قصر شيرين و بغداد (في طريق بغداد):

لم يتعرض صاحب گلشن خلفا لتفصيل طريق السلطان و لكن ذلك جاء ذكره من مؤرخين كثيرين. قصوا سير السلطان و طريق حركته إلى بغداد و بين هؤلاء المؤرخ نصوح المطراقي و المؤرخ فريدون سوى أن نصوح المطراقي كان مصاحبا للسلطان في سفره هذا، فحكى ما شاهد بل لم يكتف بذلك و إنما صور البلدان و المراقد المباركة التي مر بها بألوان عديدة و عليه عولنا. و لم نهمل أقوال المؤرخين الآخرين ما أمكن الجمع.

إن السلطان كان قد وصل إلى (ماهي دشت) (1) في غرة جمادى الأولى نهض من مرقد أويس القرني‏ (2) إليها. و في السادس منه وصلوا إلى (قلعة شاهين) و هذا المنزل هو الحد الفاصل بين عراق العرب و بين إيران و من هنا تبدأ حلوان البلدة و المدينة (3). و هذا المنزل خال من‏

____________

(1) وردت في معجم البلدان بلفظ (مايدشت) و عدها من مضافات خانقين. و عين موطنها في رحلة المنشى البغدادي ص 46.

(2) في أراضي الهارونية مما يحاذي جبل حمرين بالقرب من المكان المسمى (وادي الحصان) قبر يسمى (مرقد أويس القرني) و الحال أن مرقد أويس هذا قد جاء ذكره في المحل المذكور أعلاه قبل أن يصل الوارد من إيران إلى ماهي دشت بمرحلة.

و هذا محل نظر أيضا. فلا يصح أن تتعدد المواطن، و تكثر التسميات لمرقد واحد.

و الهارونية على نهر ديالى من ملحقات شهربان، تأخذ ماءها من نهر ديالى، و كانت البلدة في الصدر، و تمتد أراضيها إلى (بلدروز) أو (براز الروز).

(3) حلوان ذكرتها في ملحق تاريخ العراق ج 2 الكلام على (درتنك). و قلعة شاهين قرية من قرى درتنك. و يقال لها (كاوروان). و تعد اليوم من أنحاء (زهاو).

و سميت كاوروان باسم جبل هناك. و أما حلوان فيسمى محلها اليوم باسم (سربل) و يقع بين قلعة شاهين و نفس زهاب و بشيوه و تقع على ضفة نهر ألوند. و هناك كانت مدينة حلوان و لم يبق منها إلا أطلال و قنطرة صخرية لا تزال قائمة.

(سياحتنامه حدود) و جاء ذكر (درتنك) في مسالك الأبصار ج 3 المخطوط في أياصوفيا و في أوليا جلبي ج 4 ص 388 و ج 1 ص 186.

32

القرى و كان ذلك يوم الخميس و بقوا الجمعة في مكانهم. و هناك دفن نشانجي سيدي بك‏ (1). و كانت أصابت الجيش في هذا المحل أمطار غزيرة و رعد و برق بما لا يوصف .. و يوم السبت 8 منه وصلوا إلى يكي إمام (يني إمام) أي الإمام الجديد و كانت قلعة خربة آنئذ. حدث هنا من الأضرار ما لا يوصف. و في التاسع منه جاؤوا إلى قصر شيرين‏ (2) و عاد هذا يبابا. وجدت فيه قلعة خالية ...

و من قصر شيرين مضوا إلى (نهر شمران) (3) كما في نصوح المطراقي و هو (طقوز أولوم) و جاء في غيره أنهم يوم الاثنين في العاشر

____________

(1) هذا كان الموقع الديواني فقام مقامه جلال زادة نشانجي مصطفى. و هذا فاق في الخط الديواني و دام 24 سنة في هذا المنصب و له معرفة تامة بالقوانين الديوانية.

ثم صار طغراكش (طغرائيا) في سنة 974 ه و توفي سنة 975 ه. و هو مؤرخ، له طبقات الممالك. و تاريخ عثماني. و منصب طغرائي كان معروفا عند العثمانيين و كان آخرهم الحاج أحمد كامل آكدك و يعرف ب (طغراكش) أي طغرائي، و بين هذين حاز هذا المنصب كثيرون في الدولة. و التفصيل في (تاريخ الخط العربي في العراق).

(2) كان في العهد العثماني إمارة مستقلة. و أحيانا تابعا لزهاو. و من سنة 1226 ه دخل في حوز إيران أيام إمارة (محمد علي ميرزا) كان الإيرانيون بمقتضى المعاهدة المعقودة سنة 1238 ه التزموا أن يعيدوا زهاو و قصر شيرين. و قبلوا الحدود السابقة إلا أنهم لم يبالوا بذلك و استمرت تلك الأصقاع بتصرفهم.

(3) و جاء (شميلان) بتفخيم اللام على لهجة الكرد و يراد بها حشائش خاصة تسمى بهذا الاسم و أطلقت على جبل شمران، و سمي نهر ديالى باسم الجبل المار منه تسمية غريبة أو مغلوطة عن (نهر سيروان) فحرف اللفظ. و هو اسم نهر ديالى حتى يصل إلى محل يقال له (دربند خان) فليست اسم (ديالى). و يقال له (سيروان) عند الكرد إلى المحل المذكور ثم يطلق عليه ديالى. و التسمية تتعاقب فالكرد يعرفون (نهر سيروان) و يسمى (نهر شروان). و بعد ذلك يمضي في سيره فيقال له (نهر ديالى). و في معجم ياقوت يسمى (تامرا)، و نهر بعقوبا الأعظم، الجانب الأيمن منه و ما تفرع منه من أنهار يقال له (الخالص)، و ما كان في الجانب الأيسر و مشتقاته يقال له (نهر طريق خراسان) ثم خفف فصار ينطق به (خريسان).

33

وصلوا إلى خانقين و في هذا المنزل‏ (1) ورد القاضي و معه جماعة أرسلوا من محمد خان حاكم بغداد يبدون أنه طائع منقاد لأوامر السلطان، فأنعم السلطان على هؤلاء بالخلع و انتظروا يوما واحدا لورود الأثقال و المهمات و في يوم الأربعاء 12 منه وصلوا إلى (طقوز أولوم) و حطوا أثقالهم و جاء أنه (أولوصو) و معناه النهر الكبير و يقصد به (ديالى) (2).

رأوا المياه في فيضان زائد فاضطروا على البقاء. و في هذا اليوم أصاب الجيش من الغرق ما لا يوصف و من نجا لحقه السيل لحد أن فريدون قال: إن هذه المصيبة لم ينلها جيش في التاريخ و لا رأى مثل هذا الهول. و في 14 منه كان الفيضان مستمرا فلم يستطيعوا العبور و استراحوا يوم الأحد 16 منه و أنعم السلطان في هذا المنزل على من رآه بخلعة، ثم جاؤوا إلى كوشك سيلان‏ (3) و منها إلى صحراء بردان فوصلوها في 19 منه ثم عبروا (نهر نارين). هول المؤرخون بالخسائر و الأضرار و أنها لا يمكن تقديرها و كان فيضان ديالى مرعبا جدا. و منها اجتازوا جبل حمرين فجاؤوا إلى قرية شروين المسماة (طاش كوپرى) و تعرف ب (دللي عباس) و الآن سميت بناحية (المنصورية). و في 20 منه عبروا نهرا هناك (الخالص)، و في 22 منه وصلوا إلى قرب قرية (الوندية) فلم يقفوا و ساروا في طريقهم و في يوم الأحد 23 منه وصلوا مرقد (الشيخ سكران). و (مرقد لقمان الحكيم) بالقرب منه، و رأوا في طريقهم مرقد (الشيخ مكارم) و في 24 منه وصلوا (الإمام الأعظم) و إن السلطان حينئذ نزل عن فرسه و زار مرقده ثم ركب و مضى بجيوشه إلى (بغداد) ...

____________

(1) و منهم من قال إنه في قلعة شاهين ورد إليه كتاب محمد خان يقدم له فيه الطاعة.

(2) عبروا من بنكدره (بين كدره). و جاء في رحلة المنشي البغدادي أن المعبر كان من قرية رزه من بنكدره. و الظاهر أنه لم يختلف. ص 42.

(3) لعله (كوشك زنكي) كما في رحلة المنشي البغدادي.

34

و كانت المدينة قبل هذا سلمت مفاتيحها إلى (جعفر بك). و جاء في جامع الدول: «و لما قرب الموكب من بغداد هرب حاكمها محمد خان تكلو. تركها خالية فبلغ الخبر إلى الركاب السلطاني فأرسل أولا الوزير فدخلها في 22 جمادى الأولى بلا نزاع و لا قتال، ثم دخلها السلطان بعد يومين في 24 من الشهر المذكور ...» ا ه (1).

و في گلشن خلفا أن الشاه لم يستطع مقاومة السلطان حينما توجه إلى بلاده و توغل في إيران فاستولى على آذربيجان، و لم يقدر على صده، فصار يهرب من وجهه إلى هنا و هناك خائفا، متخفيا، و غرضه تعجيز السلطان. و لذا عزم السلطان أن يمضي إلى بغداد، فوصل الخبر إلى والي بغداد محمد خان تكلو، فأصابه الهلع، و استولى عليه الرعب.

و في هذه الأثناء اكتسح إبراهيم پاشا مع أولامه بك تكلو مدينة الموصل، و أن أولامه بك هذا كتب إلى رجال قبيلته (تكلو) في بغداد رسائل ينصحهم و يحثهم على تسليم بغداد إلى السلطان، فيها من الترغيب تارة و الترهيب أخرى ما يقتضيه المقام و يحذرهم عاقبة العناد، فكان جواب محمد خان تكلو الرد. و أبدى عدم الإذعان و بين أنه مستعد للكفاح إلا أن الشاه بعث إلى والي بغداد بابن الغزالي من تكلو أيضا يوصيه بالعودة إلى إيران و أن ينجو بمن معه. و من ثم دعا الوالي قبيلة تكلو، و استطلع رأي رجالها، فعارضوا في الذهاب إلى إيران، و أصر الكثيرون إلا أن نحو ألف رجل منهم وافق محمد خان تكلو. و في هذا الحين ورد (رجب دده) نديم الشاه يوصيه بالإسراع في العودة. فاضطرب الوالي، و لم يقر له قرار لا سيما و قد سمع أن السلطان وصل إلى خانقين و قله (قولاي) بجنوده، فاضطر أن يدعو قبيلة تكلو مرة أخرى‏

____________

(1) جامع الدول. و منشآت فريدون. و منازل العراقين. و تاريخ العراق ج 3 ص 367.

و في الأخير إيضاح.

35

و ينصحها فلم يجد ذلك نفعا. و في الأثناء سمع أن أهل بغداد لا يستطيعون الحصار، و نادوا بالميل إلى السلطان و أبدوا حبهم له، و أن نحو ثلاثة آلاف من قبيلة تكلو أوقدوا نيران الفتنة، و جاهروا بالمخالفة و تطاولوا، بل إن هؤلاء اتخذوا المستنصرية حصنا لهم. و كان أمل الخان أن يوقع بهؤلاء، و أن يصطدم بهم، فلم يوافقه السيد محمد كمونة بل مانعه أن يقوم بالفتنة و من ثم علم أن قبيلة تكلو أبدت المعارضة و تحصنت في المدرسة المذكورة، و أنها ليست مع الشاه، فتظاهر بأنه مع السلطان فوجد موافقة، و من ثم و بناء على موافقة الخان أرسلوا مفاتيح بغداد مع رؤساء قبيلة تكلو، و قدموها للسلطان و أبقوا الخان رئيسا و لكن الخان علم يقينا أن إظهارهم المتابعة ليست إلا أمرا وقتيا و أنهم يضمرون له الكيد، و أنه سوف يرى ما لا يرضاه فندم على ما فعل، الأمر الذي دعا أن يعبر الجسر و يذهب من طريق البصرة إلى مقر الشاه، فذهب مملوءا رعبا. و ترك بغداد (1).

و إن قائد الجيوش (السر عسكر) لم يفتح الأبواب حذرا من أن ينال الأهلين أذى من الجيش. و أنعم السلطان على هذا القائد إنعاما عظيما (2).

4- دخول بغداد:

إن الجيش دخل بغداد بلا حرب و لم يقع أي ضرر، كان جاء الوزير الأعظم إبراهيم پاشا السردار بأربعين ألفا. و أما السلطان فإنه وافى بغداد بمائة ألف إلا أن ما أصاب العساكر من طغيان المياه، و الأمطار و الزعازع أضعاف ما لو كان حرب. و كادت تحبط مساعي القوم.

____________

(1) كلشن خلفا ص 61- 2.

(2) نصوح المطراقي، و عزيز جلبي في سليماننامه، و أوليا جلبي، و جامع الدول.

36

إن أبناء الترك و من معهم صبروا للمصاب و مضوا حتى ربحوا بغداد. فكان لدخولهم رنة فرح زاد في سرور الأهلين و أنعشهم فلم يروا ضررا من الجيش خلاف ما كان عليه الفاتحون الآخرون في غالب أحوالهم. و أما حاكم بغداد محمد خان فإنه حينما علم بقربهم من بغداد ركب بأهله و عياله السفن و ذهب إلى البصرة. و إن الجيش الإيراني عبر ديالى و سار من جهة درنه و درتنك قاصدا ديار العجم. مضوا إلى أنحاء قم و قاشان.

و عند دخول السلطان المدينة زينت له تزيينا بديعا و ملئت جميع الأبراج بالعساكر فأخذوا مواقعهم و نشرت في تلك المواقع الطوغات و الأعلام على اختلاف أنواعها ... و أطلقوا له حين دخوله ثلاث طلقات نارية من مدافعهم و بنادقهم إظهارا للسرور، و صارت الطلقات تترى.

فكان لها وقعها في النفوس و احتفل به الأهلون احتفالا لا مزيد عليه.

كذا في أوليا چلبي نقلا عن والده درويش محمد أغا أحد الصاغة في البلاط كان حضر الفتح‏ (1).

و جاء في گلشن خلفا أن الأهلين استقبلوا السلطان بمهرجان عظيم فنالوا كل التفات و لطف منه. و كان حينما ورد الموكب قصبة الأعظمية و أقام بها منع منعا باتا أن يدخل أفراد الجيش المدينة، أو يلحقوا ضررا ما بأحد، و حظر أن يتطاول شخص أو يمد يده إلى مال آخر. ذلك ما أدى إلى توليد الأمن و راحة الرعايا. و تقدم الشاعر المشهور فضولي البغدادي يمدح السلطان بنادرة مطلعها:

أيد اللهم في الآفاق أمن المسلمين‏* * * با دوام دولت پاينده‏ء سلطان دين‏

____________

(1) أوليا جلبي ج 4 ص 399.

37

نور اللهم في الإسلام مصباح البقا* * * با ثبات حشمت شاهنشه روى زمين‏

خلد اللهم سلطانا به باهى الزمان‏* * * شدز فيض أو فضاى ملك فردوس برين‏

و أورد صولاق زادة للشاعر فضولي البغدادي أيضا في تاريخ هذا الفتح:

گلدى برج أوليايه پادشاه نامدار (1)* * *

و من التواريخ قولهم (فتحنا العراق). و على كل حال اتخذ السلطان بغداد عاصمة له مدة بقائه.

السلطان سليمان في بغداد

كان دخول السلطان بغداد يوم الاثنين 24 جمادى الأولى سنة 941 ه- 1534 م. رافقه أمراء و ولاة كثيرون بينهم أمير أمراء مصر سليمان باشا، و نصوح المطراقي الذي حكى هذا الفتح‏ (2). ثم تجول السلطان في 28 جمادى الأولى سنة 941 ه في أنحاء عديدة من العراق قضاها في زيارة المراقد المباركة في الكاظمية و كربلا و النجف و مر في طريقه بالكوفة و الحلة ... ثم عاد إلى استانبول من طريق إيران متوجها نحو أذربيجان. و الشاه مال إلى طريق التخفي، و العدول من وجه السلطان فوصل إلى تبريز دون أن يقع حرب. و في خروجه من تبريز جاءه القاصدون من الشاه يتضرعون إليه بإسدال العفو و قبول الصلح فقبل ذلك. و من ثم عاد إلى استانبول‏ (3).

____________

(1) كلشن خلفا ص 61- 62. و تاريخ صولاق زاده ص 487.

(2) أسفار بحرية عثمانية و مرآة الممالك.

(3) كلشن خلفا ص 62- 2.

38

و في أيام استقراره ببغداد قام بأعمال أهمها:

1- اجتماع الديوان:

كان أثر وصول السلطان اجتمع (الديوان) و أجريت التوجيهات فأكرم الجيش بإنعامات وافرة. و لما كان من أعظم ملوك الأرض فلا يقال في توجيهاته و لا في عطاياه و هباته أكثر من أنها كانت عظيمة (1).

2- تعميره قصبة الإمام الأعظم- الجامع و المرقد:

إن السلطان سليمان في 5 جمادى الثانية سنة 941 ه زار مرقد الإمام الأعظم و أمر بتعمير قبته لما رآها فيه من حالة الخراب و التدمير، و أنه رأى جدرانها متهدمة النواحي و الأطراف متداعية فعمر المرقد الشريف، و أسس دار ضيافة للوارد و الصادر غداء و عشاء و لم يكتف بهذه، و إنما أمر أن يتخذ سور لحراستها من أيدي المتغلبة و العابثين‏ (2).

و أوسع من هذا ما جاء في أوليا چلبي قال:

«إن السلطان سليمان خان شرع عام 941 ه في بناء قصبة الإمام الأعظم تبركا. و إن البلدة حينما كانت في يد السلطان حسن الطويل (أوزن حسن) رأى سادن حضرة الإمام الأعظم رؤيا مؤداها أن الإمام الأعظم قال له: ضع الصندوق الذي على قبري على الضريح الذي هو في المحل الفلاني. لأن هناك كافرا مستحقا للعذاب. و حينئذ استيقظ السادن و فعل طبق ما أمر الإمام. و كان آنئذ و في ذلك العصر لا توجد على (قبر الإمام) قباب و لا تكلفات‏ (3). و ذلك أنه كان قد سجن من قبل المنصور و عمره آنئذ ثمانون عاما فتوفي، و دفن بناء على وصيته في غرفته‏

____________

(1) منشآت فريدون.

(2) سليماننامه ص 119.

(3) في تحفة النظار ما يخالف ذلك ج 1 ص 136 كما أن حكاية وضع الصندوق لم يعرف لها أصل.

39

على السنة. ثم إنه قد وضع بعض السلاطين على ضريحه صندوقا. و إن ذلك السادن بناء على الرؤيا و أمر الإمام وضع هذا الصندوق على قبر كافر. و لم تمض مدة طويلة حتى استولى الشاه إسماعيل على العراق.

و حينئذ كسر الصندوق و فتح عن القبر فوجد جسدا ملوثا. فألقاه في النار فزعم أنه انتقم من الإمام و كفى شره.

و لما جاء السلطان إلى بغداد و بينما هو في طريقه رأى چاوش رؤيا مؤداها أن الإمام ظهر له و قال له إن (طاشقين‏ (1) خواجة) يعلم ضريحي.

و بعد الفتح قد أشار ذلك الرجل إلى أرض الإمام فحفروها فظهر الأساس القديم فأخرجت صخرة كبيرة فرفعوها و من ثم ظهرت منها رائحة طيبة فانتشرت و عطرت جميع أدمغة الحاضرين. أما السلطان سليمان فإنه وضع ذلك الحجر على حاله و غطاه بتراب و أعاده كما كان.

و أخذ في البناء فبنى قبة على قبر الإمام بصورة لا يستطيع اللسان وصفها. و بنى عمارة هناك و مدرسة و عمر في أطرافها قلعة. و اتخذ جامعا و دار ضيافة و حماما و خانا و نحو 40 أو 50 دكانا و عين للقلعة دزدارا (محافظا) و جندا لحراستها يبلغون مائة و خمسين و وضع فيها معدات حربية كافية، و مدافع. و شكل القلعة مربع باستطالة قليلة و محيطها ثمانية آلاف خطوة. و في أطرافها من الخارج بساتين و حدائق.

و قال: و حينما ذهبت مع ملك أحمد باشا عام 1058 ه عمرها في ذلك التاريخ. و هناك اتخذ لها آبارا ذوات سواقي و صنع لها غرفا. و قد أرسل إليها من الآستانة من (قيا سلطان) قنديل ذهبي‏ (2).

و إن السلطان مراد خان صنع الباب الأسفل و الأعلى و شبكة

____________

(1) و في تاريخ بجوي طاشقون خليفة.

(2) أصل اسمها قيا اسميخان سلطان. كذا في سجل عثماني و هي بنت السلطان مراد الرابع ج 1 ص 10.

40

الضريح من فضة. و كذا مصراعي الباب فصار الجامع و قبر الإمام كأنه جنة الفردوس.

و من ذلك العصر نرى جميع الوزراء و الوكلاء و الأعيان الكبار يزيدون في الآثار الخيرية من بناء و عمارة و يزينون المحل بأنواع الثريات بصورة بديعة» ا ه (1).

و مثله في تاريخ پچوي نقلا عن المؤرخ عالي أفندي عن جلال زادة مصطفى النشانجي في كتابه (طبقات الممالك) (2) فلا نرى ضرورة لتكراره. و في تاريخ رمضان زاده محمد النشانچي ذكر لأعمال السلطان هذه إلا أنه مختصر جدا. و جاء في تاريخ هامر أن السلطان عين مرقد الإمام الأعظم تخليدا لذكراه دون علم منه يقينا بموضع قبره الذي صيره العجم مزرعة كما أن سلفه السلطان محمد خان الفاتح ابتدع مرقدا في استانبول لأبي أيوب الأنصاري‏ (3) ... و لا نعطف اهتماما كبيرا لأمثال هذا. و إنما نذكر في معرض المقابلة ما عملته إيران من انتهاك حرمات القبور، و ما عمله الترك من تعميرها و احترامها و زيارتها. كما أننا لا نرى مبررا لاختلاق قبر الإمام الأعظم و ذكراه و شهرته تغني عن تعيين قبره فهو محترم من غالب المسلمين مقلديه و غير مقلديه. و لا يزال مذهبه‏

____________

(1) أوليا جلبي ج 4 ص 426.

(2) تاريخ بجوي ج 1 ص 185.

(3) قال الخطيب في تاريخ بغداد: «حضر أبو أيوب العقبة و نزل عليه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) حين قدم المدينة في الهجرة. و شهد بدرا و المشاهد كلها. و كان سكنه بالمدينة و حضر مع علي بن أبي طالب حرب الخوارج بالنهروان و ورد المدائن في صحبته و عاش بعد ذلك زمانا طويلا حتى مات ببلد الروم غازيا في خلافة معاوية بن أبي سفيان و قبره في أصل سور القسطنطينية ... توفي سنة 55 ه ...» ا ه. و قد مر ذكر جلال زاده مصطفى النشانجي في ص 24 الهامش. و عالي أفندي مؤرخ معروف. له كنه الأخبار و كتاب هنر و هنروران.

41

مرعيّا في أكثر الممالك الإسلامية. و شيوع فقهه كاف و مغن عن إحياء ذكرى أخرى. و غالب الصحابة الكرام لا تعرف قبورهم‏ (1).

و قد ذكر أوليا چلبي أن السلطان خصص مبلغ مائة ألف دينار لهذه التعميرات و لقبة الشيخ عبد القادر الجيلي (الگيلاني).

و هنا قصرنا البحث على الحادث و إلا ففي كتاب (المعاهد الخيرية) مباحث مسهبة عن (جامع الإمام أبي حنيفة) و مدرسته و ما لحقها من تعميرات.

3- حضرة الشيخ عبد القادر و جامعه:

جاء في سليماننامه: «رأى السلطان أن قد و هى مزار الشيخ عبد القادر، و عاد أنقاضا بالية، فأمر أن ترفع له قبة عالية، و أن تتخذ دار ضيافة للفقراء و الأرامل، و أهل البلد و من حولهم فقاموا بالأمر ..» ا ه (2).

و لا شك أن الجامع موجود من أيام السلطان سليمان القانوني، تشهد بذلك منارته القديمة البيضاء. و كذا خيراته. إلا أن التعمير العظيم و رفع سمك القبة للمصلى كان أيام سنان باشا المعروف بچغاله زاده.

و جاء في أوليا چلبي أن السلطان سليمان حينما فتح بغداد بنى قلعة لمرقد الإمام الأعظم و جامعا و دار ضيافة كما أنه عمر قبة عالية للشيخ عبد القادر الجيلي و جامعا و تكية و عمارة و جدد خيرات أخرى،

____________

(1) تاريخ البجوي ج 1 ص 184 و 185 و ما بعدهما و هناك تفصيل ما جرى من التحري على قبر الإمام الأعظم و تعميره. و الكتاب في مجلدين يتضمن حوادث الدولة العثمانية من سنة 927 ه إلى سنة 1049 ه. من تأليف إبراهيم البجوي المتوفى سنة 1061 ه و ذيل عليه مصطفى بن أحمد البلغرادي من سنة 1045 ه إلى سنة 1061 ه.

(2) سليماننامه ص 119.

42

دخول السلطان سليمان بغداد- قصة الأمم‏

43

عين لها أوقافا ... (1).

و جاء في تاريخ الغرابي: «في سنة 561 ه توفي الشيخ الجيلي (قدس سره) في بغداد و هو من أولاد الحسن بن علي بن أبي طالب (رض). و أمه أم الخيرات أمة الجبار فاطمة بنت أبي عبد اللّه الصومعي ... (إلى أن قال) و لما مات دفن بمدرسته في بلدة بغداد، و بني على قبره ميل. و لما جاء السلطان سليمان إلى بغداد هدم الميل و بني عليه قبة شاهقة. و بعد أسس سنان پاشا بجوار القبة جامعا و لم يتفق له إكماله و إنما بنى منه مقدار ثلثه و بعد مضي سنوات كمله والي بغداد علي باشا ابن الوند في العقد التاسع من المائة العاشرة، ثم ألحق رواقان أحدهما من جانب الغرب بحذاء الجامع و الآخر من جانب الشرق محاذ لقبة ضريحه (قدس سره)، و بعد في سنة 1084 ه ألحقت ظلة قدام الجامع و القبة و الرواقين. و في مقابلة هؤلاء حجر متعددة يسكنها الفقراء من أهل التقوى و الصلاح و حضرته معمورة بتلاوة القرآن، و الأذكار، و مذاكرة العلم بحيث لا تخلو من ذلك ليلا و نهارا. و الحمد للّه الذي جعلنا و آباءنا و أجدادنا من خدام حضرته الشريفة ...» اه (2).

و هذه القبة غير قبة الجامع، لا تزال قائمة بديعة البناء و الصنع شاهدة بمعرفة بانيها، مشيرة إلى قدرته الصناعية. و لعل هذا العمل كان تجاه أعمال الصفوي و صرفه المبالغ في سبيل مراقد الأئمة. و كان الأولى بالاثنين أن يرفهوا على الأهلين و ينقذوهم مما هم فيه من بلاء الحروب و انتهاك الحرمات و لكن المظاهر آنئذ هي المطلوبة المرغوب فيها لجذب العوام و استهوائهم لجانبهم. و لا تزال قبة الضريح رفيعة

____________

(1) ج 1 مخطوط عندي.

(2) تاريخ الغرابي ورقة 129.

44

البنيان، عظيمة الأثر و لعلها نفس القبة التي هي من آثار السلطان المشهودة لكنها دخلها الإصلاح بتغطيتها بالكاشي ... و الغرض من هذه العمارة بيان احترام السلطان لصاحب المرقد و إجلاله. و أكثر جهود السلاطين مبذولة لهذه الناحية ...

و التفصيل في كتاب (المعاهد الخيرية). و جاء في تاريخ رمضان زاده محمد النشانجي أن من حسنات السلطان سليمان أنه عمر مشهد الشيخ عبد القادر الگيلاني و جامعه. و لم يتوسع و إنما راعى الإيجاز في كل مباحثه.

4- تعمير الجامع و الحضرة الكاظمية:

ثم إن السلطان زار مرقدي الإمامين موسى الكاظم و محمد الجواد و رتب لخدام الحضرات وظائف من خزانة بغداد. و كان الشاه إسماعيل بدأ بعمارة الحضرة و الجامع فلم يتمهما فأصدر السلطان فرمانه بتكميلهما.

قال ذلك صاحب كلشن خلفا (1). و جاء في مساجد بغداد للأستاذ محمود شكري الآلوسي أن الشاه إسماعيل كتب على جدران المسجد:

«بسم اللّه الرحمن الرحيم. أمر بإنشاء هذه العمارة الشريفة سلطان سلاطين العالم ظل اللّه على جميع بني آدم، ناصر دين جده الأحمدي، رافع أعلام الطريق المحمدي، أبو المظفر الشاه إسماعيل ابن الشاه حيدر ابن جنيد الصفوي الموسوي. خلد اللّه تعالى ألوية الدين المبين بملكه و سلطانه، و أيده لهدم قواعد أهل الضلالة بحجته و برهانه. و حرر ذلك في سادس شهر ربيع الثاني سنة 926 الهلالية» (2).

____________

(1) كلشن خلفا ص 62- 1.

(2) تاريخ مساجد بغداد ص 117.

45

و في هذا و في كلشن خلفا، ما يؤيد أن الجامع و الحضرة قد بنيا و لم تتم عمارتهما، فأتم السلطان سليمان ذلك بل لم يتم كل ما هنالك فإن المنارة لم تكمل إلا في سنة 978 ه أيام السلطان سليم الثاني.

أوضحت ما جرى على هذه الحضرة و الجامع من التعميرات لمختلف الأزمان في كتاب (المعاهد الخيرية) و كان ناظم تاريخ بناء المنارة الشاعر فضلي بن فضولي البغدادي.

و جاء في كتاب (تاريخ كاظمين) الفارسي ذكر ما جرى من تعميرات تالية منها أن الشاه عباس الكبير أمر سنة 1033 ه بعمل ضريح من فولاذ لحفظ الصناديق من الخاتم كما أنه حدث غرق ببغداد و الكاظمية سنة 1042 ه فتضعضعت جدران الحضرة الكاظمية فأمر الشاه صفي بترميم ما اختل تعميره، و أودع القيام بذلك إلى قزاق خان أمير الأمراء السابق في شيروان. و في سنة 1045 ه أجريت بأمره أيضا بعض الإصلاحات و الترميمات في سلم المنارة و بعض التعميرات في المواطن الأخرى المختلة.

و جاء فيه أيضا أن الجيش العثماني عندما اكتسح بغداد نهب ما في الحضرة من قناديل فضية و مرصعة و بعض المزينات. و لم يعين مصدرا (1).

5- تسجيل المملكة العراقية:

و هذه كانت من أكبر أعمال السلطان. سجل الأملاك و المقاطعات. و هذه السجلات نالت اعتمادا و وثوقا بحيث صار يعمل بمضمونها بلا بينة. و كانت مرجعا دائما.

____________

(1) تاريخ كاظمين ص 124.

46

فقد جاء في المادة 1737 من مجلة الأحكام العدلية أن قيود الدفاتر الخاقانية معمول بها لكونها أمينة من التزوير. و يقصد منها الدفاتر المدونة و المسجلة أيام هذا السلطان، و جاء عنها في شرح المجلة للأستاذ علي حيدر أنها ما كان خاصا بأيام السلطان سليمان القانوني من تحرير للأراضي و الأملاك و أيام السلطان مراد الثالث. و المقصود منها في العراق ما كان أيام السلطان سليمان. ألف لجنة من أهل الفضل و الاستقامة فحرروا القرى و المزارع و المراعي و الأراضي الأخرى بعناية تامة و تحقيق زائد خالية من شائبة التزوير و مجموع هذه القيود تبلغ 970 دفترا أو سجلا مخزونة في مكان مقفل بأربعة أبواب الواحد تلو الآخر معمولات من حديد، محكمة الصنع لا يتطرق إليها الخطر. و إذا أريد تبديل حكم أرض أو ملك من هذه الأملاك وجب استحصال إرادة سنية و صدور فرمان فتفتح من أمين الدفتر الخاقاني بواسطة الموظف الموكل بالأمر فيدون خلاصة الفرمان و يوقع في أعلى القيد للأراضي المطلوب تجديد قيدها، ثم يعاد الدفتر إلى محله بعد الإشارة إلى ما حدث، و يحافظ هذا المخزن الموكل بأمر محافظته. و لا يزال أمر العناية بهذه السجلات مرعيا. فلم يطرأ عليها الخلل، و لا دعا أن تداخلها شائبة التزوير و التصنيع. يعمل بها بلا بينة. بين ذلك الشيخ علاء الدين شيخ الإسلام، و هكذا كان إفتاء شيوخ الإسلام على هذا الوجه و جاءت فتوى ابن عابدين في التنقيح و في رد المحتار، فعملت بذلك المجلة و هذه القيود سجلت فيها الأراضي الأميرية و المؤسسات الخيرية، و لا تشمل ملك الأفراد من المزارع و لا الأملاك الخاصة، أو ما هو مقيد بالإجارتين.

و القيود الخاقانية يراد بها هذه القيود دون معاملات الطابو الأخرى و سنداتها. فهذه لم تكتسب تلك القوة بوجه.

أقر السلطان أمر السجلات في بغداد و ساقها نحو وجهة سالمة.

47

رأى لزوم إدارتها بمنهاج موحد. و طراز إدارة ثابتة. و التشكيلات الإدارية القديمة للمملكة العثمانية ترتكز على النحو الذي اختطه ببعض التعديل.

و دوائر الطابو تبعت هذه الطريقة في التسجيل لسائر الأملاك و العقارات.

6- نهر الحسينية في كربلاء:

هذا النهر من أعظم أعمال السلطان. كان يسمى باسمه (النهر السليماني) و الآن يسمى (بالحسينية). أجراه إلى كربلا فأحياها. و لم يوفق السلاطين السابقون أيام غازان و غيره و منهم الشاه إسماعيل، و الشاه طهماسب. و اعتقد أن السلطان كان يملك أكابر المهندسين، فتمكن من العمل. و تم المشروع على يده. و يقال إن هندسته كانت فائقة تدل على خبرة و مقدرة من أحضرهم من المهندسين و لا شك أنه كان أقرب لاستخدام أعاظم المهندسين و هو من أعظم الملوك و ليس لدينا ما يوضح الأعمال الهندسية و وصف خطورة المشروع و الخطط التي قام بها رجاله و لا علمنا عن هؤلاء المهندسين. و الأعمال تنسب إلى السلطان وحده و النهر بوضعه شاهد العظمة. و الآن كربلاء قائمة بدوامه و العمارة المشهودة في كربلاء و الحياة الزراعية، و البساتين فيها قامت بسبب من هذا الأثر، فتجددت حياة اللواء، و صار يعد من أعظم المشاريع الإصلاحية بل كان حقيقة مشروعا جليلا في حياة البلد و ما جاوره من بقاع تصل مياهه إليها. ثم بعد مشروعه هذا بمدة طويلة قامت (سدة الهندية) و اكتسبت شكلا أعظم و نتائج مهمة خصوصا بعد اتخاذ الأبواب و استخدام لوازم العمارة و الإرواء الحديثة. فعليه الآن عمارة اللواء و قوام حياته. و على ما حققه بعض المؤرخين أن المهندسين كانوا يرون أن كربلاء في محل عال و نهر الفرات منخفض عنها فيستحيل إيصال الماء إليها فكان إيصال الماء إليها يحتاج إلى خبرة هندسية كاملة فتمت في عهد هذا السلطان. وعد صاحب گلشن خلفا ذلك كرامة من كراماته و بركة من بركات توفيقه و إقباله. و أظن أنه يقصد بذلك التفاته لهذا

48

المشروع و اهتمامه في إنجازه ... (1).

7- إيالات العراق و ألويته:

و من الإصلاح الذي أجراه السلطان تقسيم العراق إلى إيالات و ألوية متعددة. و بهذا قضي على الإدارات القديمة، فاعتبر العراق خمس إيالات:

1- إيالة بغداد.

2- إيالة البصرة.

3- إيالة الموصل.

4- إيالة شهرزور.

5- إيالة الأحساء.

و منهم من لم يعد الأحساء من الايالات لضعف العلاقة. و لكل إيالة ألوية. جعل السلطان الإدارة في هذه الايالات مقتبسة من إدارة العاصمة و تشكيلاتها. و يأتي الكلام في التشكيلات الإدارية في آخر الكتاب.

8- صلب إسكندر جلبي الدفتري:

في 8 رمضان 941 ه أمر السلطان بصلب إسكندر جلبي فصلب بإيعاز من الوزير الصدر الأعظم إبراهيم باشا (2). و ذلك أن هذا الوزير كان يخشى من هذا الدفتري و يعده رقيبا عليه. صار ينتظر الفرص للوقيعة به. يوغر صدر السلطان عليه. كان الدفتري صاحب مال كثير لا يكاد يوجد عند أحد و له أعوان و مماليك يعدون بالآلاف. و له مقدرة فائقة فلا

____________

(1) كلشن خلفا ص 62- 1.

(2) نخبة التواريخ ص 69.

49

يحذر الوزير من سواه، فرتب عليه بعض الوسائل للوقيعة به. منها أنه أبدى وجود سراق للخزانة، و تكون شغب كان هيأه و لكن هذا عرف أمره إلا أنه خفي أمره على السلطان.

و كان أيضا رأي الوزير الأعظم من إسكندر جلبي أنه نهاه أن يلقب نفسه (سردار سلطان) و معناه قائد السلطان و يقرأ بكسر الراء الثانية على الإضافة الفارسية إلا أنه لو سهل فلم تكسر راؤه لكان معناه السلطان صاحب القيادة العامة ... فلم يلتفت لذلك وعده رقابة له.

و مهما كان الأمر أوغر الوزير قلب السلطان على إسكندر چلبي فعزله قرب همذان ثم زاد في تخويفه من بقائه فصلبه في بغداد في (8 رمضان سنة 941 ه) و هذا أوجب استياء عاما و نفرة من الكل و عرف أن ذلك بتدبير من الوزير الأعظم. و كذا حذر السلطان من صهره حسين چلبي وسول له قتله فضرب عنقه.

و هذا الحادث- و إن كان أدى إلى الاستيلاء على ثروة هذا الدفتري و على مماليكه الذين يبلغون السبعة آلاف- قد أثر في نفس السلطان كثيرا و ندم على فعلته بمتابعة هذا الوزير حتى أن المؤرخين يقصون أنه رأى رؤيا مزعجة جدا فيها يلومه المقتول لارتكابه الوقيعة به، بحيث إنه شوهدت صيحات عظمى صدرت منه و هو نائم فانتبه مذعورا.

و هذه تعين درجة ما حصل له و في الصباح زار مراقد الأئمة- و يقال إن هذه الزيارة تسكين لما استولى عليه من الاضطراب فأزعجه‏ (1).

و في عودته كان يكتم عن الوزير الأعظم إبراهيم باشا الوقيعة به و الانتقام منه. و كان إبراهيم باشا استحوذ على السلطان و ملك سمعه و بصره و لكنه رأى منه بعض أفعال استاء منها فرآه اكتسب طورا مهما.

____________

(1) تاريخ صولاق زاده ص 490.

50

استبد بالأمور و أبدى المقدرة الكاملة سواء مع السفراء أو الوفود أو غيرهم. و كذا ارتاب من اللقب الذي لقب نفسه به (سردار سلطان).

و لما كانت السلطنة لا تقبل الشركة في النفوذ و التسلط وجب أن يقف عند حد فلم يحتمل السلطان أوضاعه هذه فقتله في 21 رمضان سنة 942 ه أي بعد مضي نحو سنة بسيف الغدر الذي قتل به إسكندر و صهره.

ثم تولى الوزارة سبعة من مماليك إسكندر چلبي، أكبرهم الصوقوللي و كان إبراهيم باشا تقدم عند السلطان بجماله و موسيقاه و بدت حينئذ مواهبه فنال أعز مكانة عرفت في أعز أيام هذه السلطنة و هو رومي ما زال يتقدم و يترقى حتى وصل إلى هذه المنزلة و لكنه استولى عليه الغرور، و لم يفكر في أصل مكانه الأول، و ما ناله بعد أن كان من المماليك فوصل إلى هذا الموقع الممتاز.

لذا كان سقوطه هائلا، كأن لم يغن بالأمس‏ (1) ... كذا قالوا.

و أشاروا أنه أول من خرقت به عادة نصب الوزراء من غير أهل المكانة من الأعيان و الوجوه.

و الملحوظ هنا أن أعوان إسكندر چلبي استفادوا من انفصال السلطان عن الوزير فتمكنوا من إغرائه عليه للوقيعة به، نظرا لتكاتفهم و كانوا عصبة حتى نالوا الوزارات بعده. جاؤوا من الطريق التي توصل بها إلى الحكم.

9- الجامع السليماني- جامع السراي:

و يسمى (جامع جديد حسن باشا). و سميت المحلة أخيرا باسم جديد حسن باشا. و لم نقف على اسم الجامع القديم قبل تعمير السلطان‏

____________

(1) كذا. ص 489.

51

له. و جوامع كثيرة طرأ عليها الاندثار ثم جرى تعميرها، فلم تحافظ على اسمها القديم. و هذا الجامع عمره السلطان سليمان القانوني حين ورد بغداد. و إن أوليا چلبي كان جاء إلى بغداد سنة 1067 ه و قد بين جوامع بغداد، و ذكر من جملتها (الجامع السليماني). قال: و فيه منارة.

و يقع أمام باب السراي (دار الحكومة) (1).

و ذكر هذا الجامع (مرتضى آل نظمي) في كتابه (جامع الأنوار) عند كلامه على الإمام الناصر موضحا أن هذا الإمام تربته متصلة بهذا الجامع و أنه لا يزال يزار (2). و لعل الخليفة الناصر اتخذت له تربة هناك و لكننا تعوزنا النصوص في بيان محل دفنه‏ (3). فمن الضروري الاتصال بوثائق أخرى لنعلم قيمة ما ذكره أوليا چلبي و مرتضى آل نظمي.

ثم إن هذا الجامع عمره حسن باشا (فاتح همذان)، فعرف باسمه فقيل (جامع جديد حسن باشا) للتفريق بينه و بين حسن باشا الوالي الذي هو أقدم منه و المسمى بجامع الوزير و في (تاريخ المعاهد الخيرية تفصيل ما جرى عليه من تعميرات.

10- السلطان في طريق عودته- قتله أمير صوران:

كان السلطان سليمان نظم إدارة بغداد ثم غادرها في 28 من شهر رمضان سنة 941 ه. سار في طريقه نحو إربل فوصل إلى محل يدعى (كوك تپه). و هناك سمع بأن أمير صوران (سوران) عز الدين شير وردت‏

____________

(1) رحلة أوليا جلبي ج 4 ص 419.

(2) جامع الأنوار. نقله السيد عيسى صفاء الدين البندنيجي إلى العربية، و صدر عن الدار العربية للموسوعات- بيروت- سنة 2002 م تحقيق: أسامة النقشبندي و مهدي عبد الحسين النجم.

(3) اعترض الدكتور مصطفى جواد على نص دفن الخليفة الناصر في جامع السراي فبين أنه دفن في مقبرة الخلفاء العباسيين.

52

إليه رسالة من الشاه. ذلك ما دعا أن يشتبه السلطان منه فأمر بضرب عنقه في الديوان العالي‏ (1).

إمارة صوران‏

من آخر إمارات صوران لما بعد المغول. و هذه الإمارة تكلمت عليها في (عشائر العراق الكردية) (2). و أفردت لواء إربل بكتاب خاص توسعت في إماراتها، و ذكرت ما جاء في مسالك الأبصار من أنهم من بلاد السهرية.

أهلها مشهورون باللصوصية من بلاد شقلاباد (شقلاوة) و الدربند الكبير، لا يبلغ عددهم ألفا و جبالهم عاصية و دربندهم بين جبلين شاهقين يشقهما الزاب الكبير. أميرهم حسام الدين. و جل ما يقال هنا أن عز الدين شير من أسرة الصهرانيين (السورانيين) و لا تعرف علاقته بحسام الدين و أول من علمنا منهم (كلوس) كما لقبه أهل تلك الأنحاء. و يراد به (الأثرم) ساقط الأسنان الأمامية من فمه. و كان في الأصل من قرية هوديان. و يقال لها (يهوديان) أيضا. كان راعيا في تلك القرية. و لما توفي أعقب من الأولاد عيسى و إبراهيم و شيخ أويس. و كان عيسى منهم شجاعا. جمع إليه بعض الأشخاص، فتمكن أن يجذب إليه الجماهير بالإحسان إليهم، فدخلوا في طاعته. و من ثم عادى حاكم البلد آنئذ، و عزم على مقاومته. و كان يطلق عليه و على جماعته بطريق الهزء و السخرية (الإمارة)، فتوجه إلى (بالكان).

و إن أهل تلك الناحية أحبوه، و قبلوا إمارته.

و لم تمض مدة حتى تبعه خلق كثير، فعزم على فتح قلعة (أوان).

قال في الشرفنامة كان في أطراف تلك القلعة صخور حمراء. يقال لها (سنك سرخ) بالفارسية، فكان عيسى و أصحابه يجلسون على تلك‏

____________

(1) مرآة الكائنات ص 125. القسم السادس منه.

(2) عشائر العراق الكردية ج 2 ص 155.

53

الصخور، و شرعوا يشنعون الغارات، و يقومون بالحروب، فلقبوا ب (سنك سرخى) أي أصحاب الصخور الحمراء. و من جراء كثرة الاستعمال نحت اللفظ فسموا ب (سهراني). فقالوا للسرخ (سهر) فشاع كذلك، و تساهلوا في التصرف باللفظة.

ذكرت في (عشائر العراق الكردية) أن هذا الفظ أقدم مما ذكر في الشرفنامة، و أن البلاد معروفة بهذا الاسم من زمن قديم. و تطلق على ما بين الزابين. و شاع (سوران)، و (صوران)، و (سهران)، أو (صهران).

و جاء في المسعودي (سحر)، و (القوم السحرة). و كذا في الكتب العربية الأخرى. و في مسالك الأبصار سمى بلادهم بالبلاد (السهرية).

تمكن الأمير عيسى من الاستيلاء على (ولاية السهران). و بعد وفاته خلفه ابنه (شاه علي بك). و هذا دام حكمه مدة. ثم توفي عن أولاد:

1- عيسى.

2- مير بوداق.

3- مير حسين.

4- مير سيدي.

فقسم والدهم في حياته ملكه بينهم. و من هؤلاء عيسى بك طال حكمه. و حارب أمير بابان (مير بوداق) فقتله. ثم مات فخلفه ابنه (پير بوداق). و هذا استولى على ناحية (سوماقلق) انتزعها من أيدي القزلباشية. ثم توفي عن أولاد:

1- الأمير سيف الدين.

2- الأمير حسين.

فولي بعده (الأمير سيف الدين). و لم يطل أمد حكمه فمات و خلفه‏

54

أخوه (الأمير حسين). و هذا توفي. فصار بعده ابنه الأكبر سيف الدين.

و بعد وفاته خلفه عمه (مير سيدي بن شاه علي بك).

و هذا توسع حكمه إلى إربل بل زاد نطاق حكمه إلى أنحاء كركوك و الموصل. و دامت بلاد سهران مستقلة تحت حكمه. و ترك من الأولاد:

1- أمير سيف الدين.

2- مير عز الدين شير.

3- سليمان.

و من هؤلاء مير عز الدين شير ولي الإمارة بعد والده. و في سنة 941 ه أيام ورود السلطان سليمان إلى (گوگ تپه) قرب إربل بدر منه ما أوجب الشبهة و النفرة، اطلع على مراسلة بينه و بين الشاه طهماسب، فأمر بقتله.

و من ثم أمر السلطان بنصب (حسين بك الداسني) أميرا حاكما على إربل. و هو من اليزيدية لكن هذا الحادث لم يفل من عزم الصورانيين، و بقوا في نزاع مع الداسنيين و إن كانوا انحسروا إلى الجبال، و تقلص حكمهم، فاعتزوا بالمواقع الجبلية المستعصية. حفظوا إمارتهم. فخلف عز الدين شير أخوه سليمان بك. و هذا كان له من الأولاد:

1- قلي بك.

2- أمير عيسى.

3- أمير سيف الدين.

و الأخير من هؤلاء اعتز بلواء (سوماقلق). و وقعت حروب دامية بينه و بين حسين بك الداسني، فلم يتمكن من مقاومة الداسنية، فالتجأ إلى أمير أردلان بيكه بك (الظاهر أولاده أو أحدهم) فلم يجد فيهم بغيته، فعاد، فمالت إليه الطوائف الصهرانية فتمكن من اكتساح إربل.