دراسات في علم الأصول‏ / تقريرات - ج1

- السيد علي الهاشمي الشاهرودي المزيد...
387 /
5

تأليف آية اللَّه السيد علي الهاشمي ((قدّس سرّه))

كلمة المؤسسة

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

الحمد للّه ربّ العالمين و الصلاة و السلام على سيد المرسلين محمد و آله الطاهرين.

إنّ من أبرز خصائص التشريع الإسلامي الخالد هي خصيصة السعة و الشمول و المرونة و امتداد آفاقه، فما من صغيرة و لا كبيرة في حياة الفرد و الدولة و المجتمع إلّا و تناولها التشريع الإسلامي فنظمها، و حدّد الموقف منها. غير أن أحكام الشريعة ليست بمستوى واحد من الوضوح و الصراحة في مصادرها و أدلتها، مما تطلّب عملية الاجتهاد و الاستنباط، و قد مرت هذه الممارسة العلمية كغيرها من الأعمال العلمية بمراحل تطور، و تفاعل فكري متواصل، و كان لا بد لأي عمل علمي كالاجتهاد في الشريعة من ضوابط و منهج علمي ينظم عمليات الاجتهاد و الاستنباط، فوضع المسلمون علم أصول الفقه بشكله المبرمج المنظّر.

و كان أول من وضع أسس هذا العلم هما الإمامان الباقر و ولده الصادق (عليهما السّلام) و قد جمع ما ورد عنهما في هذا المجال و بوّب وفق مباحث علم الأصول في كتب مثل:

(أصول آل الرسول) و (الأصول الأصليّة) و غيرهما. و أول من دوّن في هذا العلم من علماء الشيعة الإمامية تدوينا متكاملا و منظرا هو الشيخ المفيد- أعلى اللّه مقامه- المتوفى (413 ه) و قد سبقه بعض من كتب في هذا العلم من أصحاب الأئمة (عليهم السّلام) كهشام بن الحكم الّذي كتب في مباحث الألفاظ، و يونس بن عبد الرحمن الّذي كتب كتاب (اختلاف الحديث) و كان محمد بن إدريس الشافعي المتوفى (204 ه) أول من صنف في هذا العلم من علماء المدرسة السنيّة، مع التسليم بأن عمليات الاستنباط في مراحلها الأولى كانت تجري بعفويتها وفق أسس أصوليّة.

6

و علم أصول الفقه هو علم الاستنباط أو منطق الفقه كما يعبر عنه بعض العلماء و عبر قرون عديدة بلغ هذا العلم في مدرسة الشيعة الإمامية أوجه و رقيّه.

و قد شهد القرن الأخير نضجا أصوليا فذا و آراء و نظريات أصولية عملاقة كشفت عن عبقرية العقل الأصولي في المدرسة الإمامية.

و من جملة العلماء و المحققين الذين كان لهم الدور البارز في خدمة هذه المدرسة الأصولية و تنضيجها و تطوير نظرياتها سماحة آية اللّه العظمى السيد أبو القاسم الخوئي (قدّس سرّه) و الّذي تزعم الحوزة العلمية في النجف الأشرف قرابة نصف قرن و كان من أبرز أساتذتها، و قد تخرج على دروسه في البحث الخارج المئات من العلماء و المجتهدين كما و قرّرت آراؤه و أبحاثه في الفقه و الأصول من قبل جملة من كبار تلامذته ضمن دورات عديدة. و قد كان أول تقريرات بحثه على يد المرحوم آية اللّه السيد علي الشاهرودي (قدّس سرّه) و الّذي كان من كبار تلامذته الأوائل تحت عنوان (دراسات في علم الأصول) طبع منه الجزء الثالث قبل أربعين عاما في النجف الأشرف، مع تقريرات أخرى له أيضا في فقه المعاملات طبعت تحت عنوان (محاضرات في الفقه الجعفري) و قد كان هذا التقرير متميزا فريدا في نوعه و كان موضع اعتماد و إقرار و إشادة من قبل الجميع و بالأخص من قبل أستاذه السيد الخوئي (قدّس سرّه)، كما يظهر من تقريظه للتقريرين المطبوعين طبعتهما الأولى وقتئذ.

و مؤسسة دائرة المعارف إذ تقوم اليوم بطبع و نشر كامل هذا التقرير بأجزائه الأربعة- بعد أن أتحفنا نجل المرحوم المقرّر سماحة آية اللّه السيد الهاشمي (دام ظله) رئيس المؤسسة- انما تساهم في خدمة العلم و حفظ هذه الثروة الفكرية و العلمية لأبناء هذه المدرسة و تخليد أمجادها.

نسأل المولى جلّ شأنه ان يتقبّل هذا العمل و يوفقنا للسداد انه سميع مجيب، و آخر دعوانا ان الحمد للّه ربّ العالمين.

7

[تمهيد]

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم

الحمد للّه ربّ العالمين و صلّى اللّه على محمّد و آله، و اللّعنة على أعدائهم أجمعين.

غير خفي انّ المتكفل للبحث عن المبدأ و المعاد و ما يتعلق بالاعتقاديات هو علم الكلام، كما انّ المتكفل لما يتعلق بالعمل من الأحكام هو علم الفقه، و المتكفل لتنقيح مبانيه هو علم الأصول، فلا بد للفقيه من البحث عنه إما في مقدمة الفقه كما كان عليه دأب الفقهاء قبل زمان الشيخ الطوسي، و إمّا مستقلا كما هو المتعارف في زماننا، و ليس التعرّض له مستقلا من البدعة كما توهم، فمن لم يجتهد في المباحث الأصولية، لا يكون مجتهدا، بل هو مقلد ناقل للمسائل و لو كان قادرا على تطبيق القواعد الفرعية، و بهذا ظهرت أهميّة علم الأصول.

ثم في الأصول، تارة: يبحث عن الحكم المتعلّق بالشي‏ء بلحاظ الشك في الواقع، و يعبّر عن دليله بالدليل الفقاهتي و الأصل العملي، و سيأتي بيان وجه التسمية.

و أخرى: يبحث فيه عن لوازم الحكم الواقعي عقلا من دون نظر إلى الألفاظ أصلا، كمبحث مقدّمة الواجب و بحث النهي عن الضد، و مسألة اجتماع الأمر

8

و النهي، و تسمى بالمباحث العقلية، و كان المناسب أن يبحث عنها مستقلا في باب مخصوص و لا يدرج في مباحث الألفاظ.

و ثالثة: يبحث عن ظهورات الألفاظ عرفا، إمّا اللفظ الواحد كبحث الأوامر و النواهي، و إمّا أكثر كالبحث عن المطلق و المقيّد، و ما يفهم منهما عرفا من حمل المطلق على المقيّد، أو حمل المقيّد على الفرد الأفضل، و بحث العام و الخاصّ.

و رابعة: يبحث عن دليليّة الدليل، كالبحث عن حجّية الخبر و حجّية الظواهر و الشهرة و أمثال ذلك.

و خامسة: في علاج التعارض بين الأدلة و يسمّى بمسألة التعادل و التراجيح.

هذا و قد جرت سيرة الأعلام سيّما المتأخرين منهم على البحث أولا في مبادئ علم الأصول عن تعريفه و بيان موضوعه، و البحث عن الحقيقة الشرعية، و الصحيح و الأعم، و بيان حقيقة الوضع، و البحث عن المشتق و نحوه، فتكون مقدمة لهذا العلم.

و الكلام فيها يقع في أمور، ثم نتكلّم في المقاصد.

9

الأمر الأول: في بيان موضوع علم الأصول‏

عرف موضوع العلم بأنه «ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتيّة دون الغريبة».

و لتوضيح ذلك لا بدّ من التكلّم في جهات ثلاث:

إحداها: هل تتوقف علميّة كلّ علم على أن يكون له موضوع جامع لموضوعات مسائله؟

ثانيها: في الفرق بين العوارض الذاتيّة و الغريبة.

ثالثها: على تقدير ثبوت الموضوع للعلم هل يلزم ان يكون البحث في مسائله عن عوارض الموضوع الذاتيّة فقط، أو يبحث فيها عن عوارضه الغريبة أيضا؟

[الجهة الأولى: هل تتوقف علمية كل علم على أن يكون له موضوع جامع لموضوعات مسائله؟]

الجهة الأولى: استدلوا على توقف كل علم على موضوع بما برهنوا عليه في الفلسفة العالية من أنّ الواحد لا يصدر إلّا عن الواحد، و إلّا لزم توارد علّتين على معلول واحد، و طبّقوه على المقام بدعوى: أنّ الغرض المترتب على كل علم غرض واحد، و يستحيل أن يكون معلولا لمسائله المتباينة بما هي متباينة، فلا بد و ان يكون بينها جهة جامعة، بها تكون مؤثرة فيه.

و فيه: بعد تسليم أصل البرهان في محلّه، لا وجه لتطبيقه على المقام، لأنه:

أولا: أخصّ من المدّعى، إذ لا ملزم لأن يكون في كل علم غرض مباين لنفس العلم وجودا مترتبا عليه ترتّب المعلول على علّته أو المقتضى على مقتضية،

10

أو المشروط على شرطه، بل ربما لا يكون الغرض من العلم إلّا نفس المعرفة و كمال النّفس، كما في التاريخ و نحوه، و لا يستلزم ذلك كون البحث عنه سفهيا كما هو ظاهر.

و ثانيا: ان البرهان على فرض صحّته إنّما يصحّ فيما إذا كان الصادر واحدا شخصيا، و أما الواحد النوعيّ فمن البديهي أنه يصدر كل فرد منه من علّة مستقلة ليس بينها جامع في العلية، كالحرارة الناشئة من النار تارة و من الشمس أو الغضب أو الحركة أخرى.

و قد ذكرنا في بحث التجزّي‏ (1) من الاجتهاد انّ القدرة على استنباط كل حكم ملكة مباينة مع القدرة على استنباط حكم آخر، فليس هناك غرض واحد يستكشف من وحدته وجود موضوع جامع بين موضوعات المسائل.

و ثالثا: لو سلمنا انّ هناك غرضا واحدا شخصيا، فمع ذلك نقول: انه انّما يلزم الإشكال فيما لو كان ذاك الغرض الواحد الشخصي مترتبا على كل واحد من المسائل مستقلا، و امّا إذا فرضنا انّ العلّة لتحقّقه مجموع المسائل من حيث المجموع، كالمصلحة في الصلاة المترتبة على مجموع أجزائها التي لا يعقل وجود الجامع بينها، فلا يلزم عندئذ من عدم وجود الجامع بين موضوعات المسائل محذورا أصلا، لأنّ المجموع سوف يكون علّة واحدة و كل واحد منها يكون جزء العلّة.

و رابعا: انّ المسائل بوجوداتها الواقعة في الوعاء المناسب لها لا تكون علّة لحصول الغرض، و إلّا لزم أن يكون كل أحد قادرا على حفظ اللسان عن الخطأ، أو على الاستنباط فعلا.

و بعبارة أخرى: لزم ان يكون الغرض من كل علم حاصلا لكل أحد، و يكون كل شخص عالما بكل علم، فالعلّة انما هي معرفة المسائل و العلم بها،

____________

(1) التنقيح في شرح العروة الوثقى- الاجتهاد و التقليد- ص 33.

11

فلا بدّ من تصوير الجامع بين افراد العلم، و لو لا ذلك كان لا بدّ من تصوير الجامع بين محمولات المسائل و النسب أيضا لا خصوص موضوعاتها، و ذلك واضح.

و خامسا: إنّا نرى بالوجدان استحالة تصوير الجامع بين موضوعات مسائل كثير من العلوم.

فمثلا في علم الفقه ربّما يبحث عن الأمر العدمي، و أخرى عن الوجوديّ، و عن الجواهر تارة، و عن الاعراض الحقيقية الداخلة تحت المقولات التسع العرفية أخرى، و عن الأمور الاعتبارية كالغصب مثلا ثالثة، و من الواضح انه لا جامع بين شي‏ء من هذه الأمور.

فما ذكره بعض من انّ موضوع الفقه هو فعل المكلّف خطأ ظاهر، إذ البحث عن طهارة كثير من الجواهر كالمياه و غيرها، و مبحث الإرث و الضمان من مباحث الفقه و مسائله مع انّ الموضوع فيها ليس فعل المكلّف كما لا يخفى.

و بالجملة فلا وجه للزوم وجود الموضوع للعلم أصلا.

و بهذا ظهر انه لا وجه لما قيل من انّ تمايز العلوم انما يكون بتمايز موضوعاتها، بل ربما يكون بذلك كما لو فرضنا انّ المدوّن أراد البحث عن تاريخ نبي أو وصي خاصّ مثلا، و ربما يكون بتمايز المحمول و وحدته كما لو فرضنا انه أريد البحث عن المتحرك مثلا، فانه يبحث حينئذ عن الأين و المتى و الكيف و غيرها مما هو معروض الحركة، فالموضوعات متغايرة إلّا انّ المحمول يكون واحدا فتميز هذا العلم يكون بوحدة المحمول، و ثالثة: يكون بالاعراض كما هو الغالب مثلا يأخذ المدوّن في نظره فائدة خاصة، فيتعرض لكل مسألة يكون لها دخل في تلك الفائدة، و لو لم يكن بينها جامع أصلا كما في علم الأصول و الفقه، فانّ غرض الأصولي انما هو البحث عن كل ما له دخل قريب في الاستنباط، و غرض الفقيه البحث عن كل ما يكون مقربا إلى المولى و مبعدا عنه، و لذا يبحث فيهما عن ذلك مع انه لا جامع بين‏

12

مسائلهما أصلا لا موضوعا و لا محمولا.

[الجهة الثانية: الفرق بين العوارض الذاتيّة و الغريبة]

الجهة الثانية: قسّم اللواحق و المحمولات إلى الذاتي و غير الذاتي. و قد وقع هذا التقسيم في باب الكليات تارة، و في كتاب البرهان أخرى.

اما الذاتي في باب الكلّيات فالمراد منه ما يكون مقوّما للشي‏ء، و هو إمّا يكون مشتملا على ما به الاشتراك و ما به الامتياز معا و يسمى بالنوع، أو على خصوص ما به الاشتراك و يسمى بالجنس، أو خصوص ما به الامتياز و يعبّر عنه بالفصل.

و في مقابل الذاتي بهذا المعنى العرض، و يقسم إلى الخاصّ و العام، و المقسم لهذا التقسيم مطلق اللاحق و المحمول على الشي‏ء الأعم من ان يكون من مقوماته أو لا.

و اما ذاتي باب البرهان فهو: العارض الّذي ينتزع من مقام ذات الموضوع و يكون وضعه كافيا في حمل المحمول عليه.

و بعبارة أخرى: ما يكون بيّن الثبوت له: كما أشير إليه في المنظومة بقوله:

«ذاتي شي‏ء بيّن الثبوت له» (1) كالإمكان للماهيات الممكنة، و الزوجية بالقياس إلى الأربعة.

فان العقل بمجرد وضع الإنسان مثلا يحكم بتساوي نسبة الوجود و العدم إليه و هكذا في الأربعة حيث ينتزع العقل منها الزوجيّة من دون حاجة إلى لحاظ شي‏ء آخر معه.

و في مقابله ما لا يكون بيّن الثبوت و لا يكفي مجرّد وضع الشي‏ء في انتزاعه عنه كالقائم مثلا، و المقسم في هذا التقسيم خصوص العوارض.

____________

(1) شرح المنظومة- ص 29 (ط. ناصري).

13

و اما الذاتي في المقام فليس المراد منه ذاتي باب الكليات، لوضوح انّ محمولات المسائل ليست جنسا للموضوع و لا فصلا له، و لا ذاتي باب البرهان، إذ ليست المحمولات بيّنة الثبوت للموضوع بأجمعها، بل المراد منه ما يكون عروضه بلا واسطة، و في مقابله الغريب أي ما يكون عروضه مع الواسطة.

فالمقسم لهذا التقسيم انما هو خصوص العوارض لا الذاتيات.

ثم انه ليس المراد من الواسطة في المقام الواسطة في الثبوت أي علّة الوجود، لأن المحمولات في مسائل غالب العلوم تكون حادثة و محتاجة إلى العلم.

نعم ربما يكون ثبوت بعض المحمولات لموضوعاتها غير محتاج إليها كجملة من مباحث الفلسفة العالية، فمثلا ثبوت الإمكان للماهيات غير محتاج إلى العلّة و الواسطة في الثبوت، إلّا انه في الغالب تكون محتاجة إليها.

و لا الواسطة في الإثبات أي علّة العلم بالشي‏ء، فانّ مسائل العلوم غالبا لا تكون من البديهيات، و إلّا لعرفها كل أحد.

بل المراد من الواسطة هو الواسطة في العروض، فانّ اسناد جملة من المحمولات إلى بعض الموضوعات يكون إسنادا حقيقيا، و إلى البعض الآخر إسنادا مجازيا، كما في اسناد المناعة إلى زيد في قولك «زيد منع جاره» مثلا، نعم اسناد مناعة الجار إليه يكون حقيقيّا.

و قد قالوا: بأنه لا بدّ و ان يكون البحث في كل علم عن عوارض موضوعه التي تكون من قبيل الأول دون الثاني، و لذا لو فرضنا انّ الموضوع لعلم كان هو الميزاب فالبحث عن الجريان في ذلك العلم لا يكون من مسائله، لأنّ اسناد الجريان إلى الميزاب يكون مجازيا و إلى غير من هو له.

و بالجملة نقول في بيان العرض الذاتي و الغريب: انه تارة: يعرض الشي‏ء على موضوع بلا واسطة في العروض أصلا كعروض العلم و الإدراك على النّفس‏

14

الناطقة، و هذا يكون عرضا ذاتيا بلا إشكال.

و أخرى: يكون مع الواسطة، و الواسطة هذه تكون على ستة أقسام، لأنها:

اما ان تكون امرا داخليا أخص، كعوارض الفصل بالنسبة إلى النوع فتأمّل، مثل اسناد الإدراك إلى الإنسان بواسطة النّفس الناطقة. و اما أعم كعوارض الجنس بالقياس إلى النوع، كما لو أسند عارض الجسم إلى الإنسان من الطول و العرض مثلا.

و اما أن تكون الواسطة امرا خارجيا، امّا مباينا للموضوع، أو مساويا، أو أعم، أو أخص، فهذه أقسام ستة.

اما ما يكون عروضه بواسطة امر داخلي أخص فقد تسالموا على كونه ذاتيا، فالعلم عرض ذاتي للإنسان.

كما انهم تسالموا على انّ ما يكون عروضه بواسطة امر خارج مباين يكون غريبا.

و اما ما يكون بواسطة امر داخلي أعم، كعوارض الجنس بالقياس إلى النوع، فقد وقع الخلاف في كونه ذاتيا أو غريبا، و ذهب إلى كل من الأمرين فريق.

و اما ما يكون بواسطة امر خارج مساو، أو أعم، أو أخص، فقد تسالموا على كونه غريبا، و ان وقع الخلاف أيضا في خصوص المساوي.

و لا يخفى انه لا ثمرة في البحث عن ذلك و تحقيقه.

[الجهة الثالثة: على تقدير ثبوت الموضوع للعلم هل يلزم أن يكون البحث في مسائله عن عوارض الموضوع الذاتيّة فقط، أو يبحث فيها عن عوارضه الغريبة أيضا؟]

الجهة الثالثة: في الإشكال المعروف و هو انّ موضوعات المسائل غالبا تكون أخص من موضوعات العلوم، فمثلا موضوع النحو هو الكلمة و موضوعات مسائله هو الفاعل و المفعول و الحال و التمييز، و هي أخص من الكلمة، و نسبتها إليها نسبة النوع إلى الجنس أو الصنف إلى النوع، و هكذا في الفقه فانّ الوجوب مثلا يعرض الصلاة و يحمل عليها حقيقة، و لا معنى لأن يقال: فعل المكلّف واجب مثلا إلّا

15

مسامحة، حيث تكون عوارضها و محمولاتها عوارض عرفيّة لموضوع العلم، مع انهم تسالموا على انّ العارض بواسطة أمر خارج أخص يكون من العوارض الغريبة، فكيف يجمع ذلك مع اتفاقهم على انّ البحث في العلم لا بدّ و ان يكون عن العوارض الذاتيّة لموضوعه؟! هذا ما يقع في أغلب العلوم.

و اما في خصوص علم الأصول فالأمر بالعكس، لأنّ عروض محمولاته على موضوعه يكون بواسطة امر داخلي أعم فانّ موضوع علم الأصول هو الأدلة، و موضوعات مسائله هي الأمر و النهي و نحو ذلك، و من الواضح انها أعم منها، و نسبتها إلى الدليل نسبة الجنس إلى النوع.

و عليه، فان قلنا: بأنّ العارض بواسطة الأمر الداخل الأعم يكون ذاتيا انتفى الإشكال بلحاظ هذا العلم، و إلّا فتجري فيه أيضا هذه الشبهة كما في غيره من العلوم، فيكون الكل من واد واحد.

و قد ذهب الأصحاب في الجواب عنها يمينا و شمالا، و لم يأت أحد منهم بما يشفي الغليل أصلا فانه بعد اتفاقهم على انه لا بدّ و ان تكون محمولات المسائل عوارض ذاتيّة لموضوع العلم، و اتفاقهم على انّ العارض بواسطة امر خارج أخص من العوارض الغريبة وقعوا في الإشكال، فانّ محمولات المسائل في غالب العلوم انما تعرض لموضوعها بواسطة امر خارج أخص إلّا ما شذّ و ندر.

و قد أجيب عنه بوجوه، نقتصر على ذكر واحد منها و هو ما أفاده المحقّق النائيني، و لا يبعد ان يكون أحسنها.

و حاصل ما أفاد (1): انّ الإشكال انما كان واردا لو كان الموضوع في العلوم غير مقيّد بالحيثيّة، كما لو قلنا انّ الموضوع في النحو و الصرف نفس الكلمة و الكلام،

____________

(1) أجود التقريرات- المجلد الأوّل- ص 5.

16

و في الفقه عنوان فعل المكلّف، بينما ليس الأمر كذلك، بل الموضوع في كل علم يكون مقيّدا بالحيثيّة، لوضوح انّه في الفقه مثلا لا يبحث عن فعل المكلّف من جميع حيثيّاته كحيثيّة كونه من أي المقولات؟! و كذا الحال في مثل النحو و الصرف فانّه يبحث عن حيثيّة الإعراب و البناء في الأول و عن حيثيّة الصحّة و الإعلال في الثاني.

اذن فالموضوعات دائما تكون مقيّدة بالحيثيّات، و ما يكون للقيد و الحيثية يثبت للمقيّد بها لا محالة، كما نرى وجدانا ان المقيد بالممتنع يكون ممتنعا، مثلا الإنسان الفاعل و التارك في آن واحد يكون ممتنعا لامتناع قيده، و الحيثيّات المأخوذة في موضوعات العلوم تكون أمورا انتزاعيّة من موضوعات المسائل.

و الأمور الانتزاعيّة كالاعتبارية- و لا فرق بينهما فيما نحن فيه و ان كان بينهما فرق، و لعلنا نتعرض لذلك في طيّ بعض المباحث- تكون على نحو بسائط ذهنيّة و خارجيّة، خلافا للجواهر و الاعراض.

فان الجوهر يكون مركّبا خارجا من المادّة و الصورة، و لذا نرى بقاء المادّة فيه و انقلاب صورته النوعيّة كما في الكلب الواقع في المملحة، و هذا يكشف عن تركبه خارجا و يكون مركّبا ذهنا من الجنس و الفصل، فانّ العقل يحلّله إليهما.

و الأعراض و ان كانت بسائط خارجيّة و غير مركبة من المادّة و الصورة، و لذا لا يعقل بقاء مادّة القيام و تبدد صورته بالعقود، بل إذا قعد القائم مثلا ينعدم ذاك العرض بأسره و يوجد عرض آخر، و لكنّها مركبات ذهنيّة و يحللها العقل إلى الجنس و الفصل كما هو واضح.

و اما الأمر الانتزاعي و الاعتباري فهو نحو وجود ضعيف بسيط خارجا و ذهنا، و عليه فيكون المقيّد بالأمر الانتزاعي بسيطا انتزاعيا لا محالة، و يكون ما به الامتياز فيه عين ما به الاشتراك.

و حيث أنّ الأمر الانتزاعي متّحد مع منشأ انتزاعه بمعنى انه لا وجود للأمر

17

الانتزاعي الا بوجود منشائه، فلا محالة ترتفع أخصيّة موضوعات المسائل عن موضوع العلم من البين، و لا تكون نسبة موضوع العلم إلى موضوعات مسائله نسبة الجنس إلى النوع، فيندفع الإشكال.

و فيه: مع كونه امتن الوجوه المذكورة في المقام.

أولا: انّ الحيثيّة لا تكون قيدا للموضوع و انما هي جهة البحث، و الموضوع ذوات تلك العناوين، مثلا يبحث عن الدار تارة من حيث مساحتها، و أخرى من حيث قيمتها، و ثالثة من حيث طول جدرانها، و الموضوع في الجميع نفس الدار و حيثيّة البحث تختلف. و في علم النحو مثلا يبحث عن الكلمة و الكلام، و حيثيّة البحث هي الإعراب و البناء لا الفصاحة و البلاغة، و هكذا في الفقه و غيره.

و ثانيا: لو سلّمنا انّ الحيثيّة تكون قيد الموضوع و لكن ان جعلنا المقيّد بالحيثيّة معرفا محضا لموضوعات المسائل و عنوانا مشيرا إليها، ففي الحقيقة لا يكون ذلك جامعا بين موضوعات المسائل، فمرجعه إلى إنكار موضوع العلم رأسا.

و ان جعلناه جامعا حقيقيّا بان يكون كليا و تكون موضوعات المسائل افراده و مصاديقه لا معرفا محضا كما في جميع موارد الكلّي و افراده غاية الأمر إنه كلي انتزاعي لتقيده بأمر انتزاعي، فيكون الإشكال حينئذ أشد، و ذلك لأنّ المحمولات حينئذ تكون عارضة له بواسطة أمر أخص، فإذا كان العارض بواسطة النوع للجنس غريبا مع انّ الجنس متّحد مع النوع ذاتا و خارجا فبطريق أولى يكون العارض بواسطة النوع عرضا غريبا للعنوان الانتزاعي، لأنّ اتحاده مع منشأ انتزاعه يكون أضعف من اتحاد الجنس مع النوع.

و ثالثا: المقيّد بالأمر الانتزاعي لا يكون انتزاعيا و لا يثبت كل ما للقيد للمقيّد، نعم خصوص امتناع القيد يسري إلى المقيد، و المقيد بالممتنع يكون ممتنعا، و لا يقاس عليه سائر الخصوصيّات كالبساطة و الانتزاعيّة، و الشاهد عليه: انّ‏

18

الإنسان المقيد بالقيام، أو الغرفة المقيدة بالفوقية، أو الدار المقيّدة بالملكيّة لا تكون بسيطة و لا انتزاعية مع تقيدها بالأمور الانتزاعية، و هذا ظاهر.

و رابعا: سلّمنا انّ الأمر الانتزاعي و المقيّد به أعني موضوع العلم بسيط، و لكن من الواضح انّ موضوعات المسائل لا تكون كذلك، فالموضوع في قولك «كل فاعل مرفوع» هو عنوان الفاعل و هكذا في «كل مفعول منصوب» و كذلك الموضوع للوجوب هو عنوان الصلاتية و موضوع الحرمة هو الغيبة بهذا العنوان، و موضوع الإباحة شرب الماء بهذا العنوان، و ليس الفعل الجامع بين هذه العناوين موضوعا لحكم أصلا، و من الواضح ان هذه العناوين عناوين متغايرة، و لا يكفي في رفع الإشكال بساطة موضوع العلم مع تركب موضوعات المسائل و تغايرها، فانها حينئذ لا محالة تكون أخص من موضوع العلم.

فالتحقيق في الجواب أن يقال: انّ الإشكال مبني على أمرين:

أحدهما: البحث في تعريف الموضوع بكونه ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتيّة.

ثانيهما: الالتزام بكون العارض للشي‏ء بواسطة أمر خارج أخص أو أعم يكون غريبا. و كلاهما محل منع.

أمّا الأول- فلأنّه لم يرد دليل على ذلك، فبعد ما ذكرنا من انّ علميّة العلم و تمايزه كما يمكن ان يكون بموضوعه تارة و بمحموله أخرى، كذلك يمكن ان يكون بغرض الباحث، و لا مانع من البحث في العلم عن العوارض الغريبة لموضوعه إذا كانت دخيلة في غرض الباحث.

مثلا: لو فرض انّ موضوع العلم هو الميزاب و كان البحث عن اسناد الجريان إليه دخيلا في الغرض الّذي دوّن لأجله العلم يبحث فيه عن ذلك و لو كان عرضا غريبا لموضوع العلم و لم يذكروا لذلك الا مبعدات لا أساس لها أصلا.

19

و اما الثاني: فلو فرض ان الدليل قام على لزوم ان يكون موضوع كل علم ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتيّة لكن نقول: لا دليل على صحّة التقسيم المتقدم و ان العارض بواسطة أمر خارج أخص أو أعم من العوارض الغريبة بل هو عارض ذاتي.

فان الميزان في الذاتيّة و الغرابة هو ما ذكره أهل الأدب من كون الإسناد حقيقيا أو مجازيا، فإذا كان اسناد المحمول إلى الموضوع إسنادا إلى من هو له و كان المحمول وصفا له بحال نفسه، فلا محالة يكون عرضا ذاتيا له و لو كان مع الواسطة، و ان كان وصفا له بحال متعلقه و اسناده إليه إسنادا إلى غير من هو له فيكون غريبا.

فالميزان اذن هو صحة الإسناد، و نحن نرى ان اسناد أوصاف الجنس إلى النوع و إلى الفرد يكون حقيقيّا. فالانقسام مثلا إلى الأبعاد الثلاثة يكون من لواحق الجسم و مع ذلك لو قلنا ان زيدا قابل للانقسام يكون ذلك إسنادا حقيقيّا، و هكذا لو قلنا بان الإنسان متحرّك بالإرادة و حساس، مع انهما من لواحق الجنس.

و السرّ فيه واضح، فان الجنس متّحد مع الشخص و النوع وجودا فعوارضه تكون عارضة لهما أيضا حقيقة و بلا عناية، و هكذا عوارض الفرد بالنسبة إلى النوع أو إلى الجنس، فانها تكون عوارض ذاتية له و يكون إسنادها إليه حقيقيا، و الشاهد عليه ما نرى من صحّة هذه الاستعمالات العرفية بلا مسامحة، فمثلا يقال: «أكلت الخبز» فيسند الأكل إلى الكلي مع ان المأكول ليس إلّا فردا خاصا منه، و يقال: «اشتريت اللحم» مع ان المشتري ليس إلّا فردا خاصا، و يقال «البشر نبي» مع ان النبي فرد منه، و ذلك لأن المهملة تكون في قوّة الجزئية و هي متّحدة مع الفرد خارجا.

و يحتمل ان يكون هذا هو مراد المحقق السبزواري مما ذكره في حاشية الأسفار

20

من اتحاد الكلي لا بشرط مع الفرد. فالإشكال اذن غير وارد من أصله، و أظن ان التسالم على هذين الأمرين ناشئ من التقليد المحض ليس إلّا.

هذا كلّه في بيان الموضوع.

21

الأمر الثاني: في تعريف علم الأصول‏

عرّفه القوم بأنه: «القواعد الممهدة لاستنباط الأحكام الشرعية الفرعية» و قد ذهب المحقق الخراسانيّ‏ (1) إلى قصور هذا التعريف، و أضاف إليه قوله: «أو التي ينتهي إليها الفقيه في مقام العمل» فيقع الكلام في جهتين:

إحداهما: في وجه الإشكال على تعريف القوم و إضافة هذا الذيل إليه.

و الأخرى: في تحقيق أصل المطلب.

[الجهة الأولى: في وجه الإشكال على تعريف القوم‏]

الجهة الأولى:

الظاهر ان الإشكال ناشئ من تخيّل كون المراد من الأحكام في التعريف خصوص الأحكام الواقعيّة كما هو المراد من الحكم في كلام الشيخ في أول الرسائل و هو قوله: «اعلم ان المكلّف إذا التفت إلى حكم شرعي» (2) فانه لو لم يكن المراد منه خصوص الواقعي لم يكن وجه لجعله مقسما للاقسام الثلاثة، إذ الحكم الظاهري دائما يكون متيقنا إلّا في موارد نادرة مثل موارد الأصول العقليّة و الظن الانسدادي‏

____________

(1) كفاية الأصول- المجلد الأول- ص 9.

(2) الرسائل- ص 3.

22

على الحكومة.

و بالجملة فحيث رأى أن المراد من الحكم خصوص الواقعي أشكل عليه الأمر في كثير من المسائل الأصولية التي لا يستنبط منها حكم شرعي واقعي أصلا، كمباحث الأصول العملية فانها وظائف مقرّرة للشاك في مقام التحير، و كذا مبحث الظن الانسدادي على الحكومة، فان من تمّت عنده المقدّمات كذلك إذا سئل هل تعرف الحكم؟ يقول: لا، و لكن أعرف وظيفتي و ان العقل حاكم لي بجواز العمل بالظن و لذلك أضاف إليه القيد، و عليه فتكون المسائل الأصولية هي الجامع بين الأمرين، أي أحدهما كما لا يخفى.

[الجهة الثانية: في تحقيق أصل المطلب‏]

الجهة الثانية:

التحقيق: ان القيد الّذي أضافه (قدّس سرّه) لغو و غير محتاج إليه، فتعريف القوم لا قصور فيه، و ذلك لأنهم قد عرفوا الفقه بأنه «العلم بالأحكام الشرعية الفرعية عن أدلّتها التفصيليّة» فأخذوا في تعريفه العلم، و يكشف ذلك عن ان مرادهم بالاحكام الأعم من الظاهرية و الواقعية لا خصوص الواقعية، و إلّا لم يكن لأخذ العلم في تعريفه وجه أصلا، إذ الأحكام الواقعية لا تكون معلومة غالبا في الفقه، و الأصول قواعد ممهدة لاستنباط تلك الأحكام و مقدّمة للفقه.

فالمراد من الحكم في تعريفه أيضا هو الأعم فندفع الإشكال المزبور و لا يخفى انه ليس غرضنا مما قلناه من كون المراد من الأحكام أعم من الواقعية و الظاهرية إدخال موارد قيام الحجج و الأمارات في العلم بالحكم الظاهري ليقال انه على مختاركم ليس المجعول في تلك الموارد إلّا الطريقيّة و الوسطيّة في الإثبات فأين هناك علم بالحكم الظاهري؟! بل الغرض إدخال موارد الأصول العملية التي هي وظائف‏

23

مجعولة للمتحير تحت تلك الكبرى، و اما في موارد الحجج فيعلم بالواقع غايته بالعلم التعبدي لا الوجداني على ما هو البحث.

و لا يخرج عن التعريف الا قبح العقاب بلا بيان، و وجوب دفع الضرر المحتمل في أطراف العلم الإجمالي، و مسألة التخيير في دوران الأمر بين محذورين، و مسألة حجية الظن الانسدادي على الحكومة، فان قبح العقاب بلا بيان ليس إلّا حكم العقل بعدم استحقاق العقاب عند عدم البيان، كما ان وجوب دفع الضرر المحتمل إدراك صحته عند عدم ثبوت المؤمن، و التخيير حقيقته حكم العقل بقبح الترجيح من دون مرجّح.

أما قبح العقاب بلا بيان فهو ليس من المسائل الأصوليّة، بل هو مما اتفق عليه الاخباري و الأصولي، و انما النزاع في تماميّة اخبار الاحتياط و عدمها، فلو تمّت الأخبار ينتفي موضوع قبح العقاب بلا بيان، كما انه لو لم تتم لا يكون نزاع في جريانه.

و هكذا وجوب دفع الضرر المحتمل بهذا العنوان لا يكون معنونا في الأصول بل هو أمر مفروغ عنه في علم الكلام، و انما يبحث في الأصول عن جريان أصالة البراءة في أطراف العلم الإجمالي، أما تعينا و اما تخييرا.

و هكذا في التخيير لا يبحث في علم الأصول عن قبح الترجيح بلا مرجح، و انما يبحث عن جريان البراءة عند دوران الأمر بين محذورين أو تقدم جانب الحرمة من جهة تقدم دفع الضرر على جلب المنفعة أو العكس.

و أما حجّية الظن على الحكومة فليست مبحوثا عنها بهذا العنوان، و انما يبحث عن انه بعد تماميّة مقدمات الانسداد هل تكون هناك حجّة لنا أم لا؟ و على الأول هل يستكشف العقل من المقدمات ان الشارع جعل الظن حينئذ حجّة، أو لا يستكشف ذلك و انما يحكم بالتنزل إلى الامتثال الظنّي؟ و يترتب الاستنباط على هذه المسألة و لو بعض تقاديره دون بعض، و لا يلزم في المسألة الأصولية ان يترتب‏

24

الاستنباط على جميع تقاديرها كما ان في مسألة حجّية الخبر لا يترتب الاستنباط إلّا على تقدير ثبوت الحجّية لا على فرض عدم الحجّية، و هذا ظاهر.

اذن لا قصور في تعريف القوم من هذه الجهة.

[إشكال على تعريف القوم مع الجواب عنه‏]

يبقى في التعريف إشكال آخر عليه و هو: انه ان كان المراد من الممهدة للاستنباط ان يترتب ذلك على المسائل الأصولية مستقلا و من دون انضمام مسألة أخرى إليها فقلّما توجد مسألة من المسائل الأصولية تكون كذلك، و إذا أريد منها دخلها في تحقيق الاستنباط فمبادئ الاستنباط كعلم اللغة و النحو و الصرف جميعهما كذلك.

و الجواب عن ذلك: انه لا بد و ان يترتب الاستنباط على المسألة الأصولية مستقلا و دون حاجة إلى ضم ضميمة لكن لا مطلقا و دائما بل في الجملة و موجبة جزئية و لو في مورد واحد، و جميع المسائل الأصولية كذلك، مثلا مبحث حجّية الخبر يترتّب عليه الاستنباط كذلك فيما لو فرضنا قيام خبر قطعي الدلالة غير مبتلى بالمعارض على وجوب شي‏ء أو حرمته فانه حينئذ يترتّب الاستنباط على نفس مسألة حجّية الخبر حينئذ من دون حاجة إلى ضم ضميمة.

و اما حجّية الظواهر فليست من مسائل الأصول، و انما هي من المسلمات، و إلّا لانهدم أساس الشرائع، و انما المبحوث عنه في الأصول بعض خصوصياتها مثل اختصاص حجيّة الظاهر بعدم الظن على خلافه، أو بخصوص من قصد افهامه، أو بغير الكتاب، أما بدعوى ان الكتاب ليس له ظاهر أو انّ ظاهره غير حجّة لقرائن على ذلك، و يترتب الاستنباط بالنحو المذكور على كل من هذه المسائل، هذا في الحجج.

و أما مباحث الألفاظ كمبحث الأمر و النهي فكذلك، إذ يترتب عليه الاستنباط فيما لو ورد أمر قطعي السند و الدلالة غير مبتلى بالمعارض، و اما بعض‏

25

مباحث الألفاظ مثل جواز تخصيص العام الكتابي بالخبر و عدمه، ففي الحقيقة مرجعه إلى البحث عن السند و حجّية الخبر في هذا الفرض، فيكون داخلا في ذلك المبحث، و قد عرفت انطباق ما ذكرناه عليه.

و أما المباحث العقلية كمبحث الضد و الترتب و اجتماع الأمر و النهي و مقدمة الواجب فالأمر فيها واضح، فجميع المسائل الأصولية تكون كذلك، و هذا بخلاف غيرها من العلوم كمسائل اللغة مثلا فلا يمكن استنباط حكم واحد من شي‏ء منها مستقلا و بلا ضم ضميمة، ففي اللغة يبحث عن معنى الصعيد فهل يمكن استنباط الحكم من ذلك حتى فيما لو كان الدليل المشتمل عليه قطعي السند و الدلالة و لم يكن مبتلى بالمعارض؟ لا يمكن ذلك، و سره ظاهر، فان الأحكام دائما تكون مستفادة من الهيئات، و اللغة انما تتكفّل بيان الموضوعات فقط، و لذا لا يمكن استنباط الحكم منها مطلقا مستقلا، و هكذا غير اللغة من العلوم، و قد ألغى المتأخرون جملة من المباحث هي حاصلة في الكبرى التي ذكرناها من جهة وضوح فسادها، كمبحث حجّية القياس الّذي كان موردا للنزاع إلى زمان العلّامة بل و بعده أيضا، و مبحث الملازمة و ان كل ما حكم به العقل حكم به الشرع و هذا غير حجّية القطع كما سنعرفه إن شاء اللّه تعالى.

و بالجملة فالميزان في المسألة الأصولية ان تكون بحيث لو انضم إليها صغراها أنتجت حكما فرعيا كليا و لو في الجملة قابلا للإلقاء إلى المقلدين و يكون تطبيقه على جزئياته بيدهم، و على هذا تكون قاعدة الطهارة في الشبهات الحكمية داخلة في المباحث الأصوليّة.

و اما القواعد الفقهية، فهي بنفسها أحكام كلية قابلة للإلقاء إلى المقلدين، و من ضم صغرياتها إليها تستفاد الأحكام الجزئية الشخصية كما هو ظاهر فظهر ان مثل قاعدة التجاوز و الفراغ و قاعدة اليد و قاعدة ما يضمن، و نظائرها جميعها

26

داخلة في القواعد الفقهيّة، لأنها بأنفسها قابلة لأن تلقى إلى المقلدين كما هو واضح.

فتخلص: ان تعريف القوم صحيح لا إشكال فيه، و ظهر بما بيناه أيضا انه لا حاجة لنا إلى تأويل لفظ الاستنباط المذكور في التعريف كما عن بعض أعاظم مشايخنا (قدّس سرّه)، حيث جعله بمعنى تحصيل الحجّة (1) بمعنى المنجز و المعذر ليدخل فيه البراءة العقلية و وجوب دفع الضرر المحتمل و التخيير العقلي، فان التعريف المشهور يتم لو جعلنا الحكم أعم من الظاهري و الواقعي من دون حاجة إلى التأويل و ما ذكره (قدّس سرّه) و ان كان جامعا كما أفاد إلّا انه:

أولا: خلاف ظاهر لفظ الاستنباط، فان كلامنا في توجيه ذلك التعريف، و إلّا فلا ننكر إمكان تعريف الأصول بوجه آخر يكون مطردا و منعكسا.

و ثانيا: ان ذلك انما يتم فيما إذا كان الحكم الواقعي إلزاميا و قامت الحجّة على وفقه أو على خلافه، و أما لو فرض ان الواقع كان هو الإباحة فحينئذ لا معنى لتحصيل المعذر و المنجز أصلا.

هذا تمام الكلام في الأمر الثاني.

____________

(1) نهاية الدراية- ج 1- ص 42.

27

الأمر الثالث: في الوضع‏

اختلفوا في أن دلالة اللفظ على معناه هل هي ذاتية أم هي جعليّة؟ ذهب بعضهم إلى الأول.

[بطلان الدلالة الذاتيّة]

و فيه: لو أريد من الذاتيّة ان تكون تلك المناسبة الذاتيّة كالعلة التامة لدلالة اللفظ على معناه فلازمه ان يكون كل شخص عالما بكل لغة، لوجود علة الدلالة حينئذ دائما، و هذا لا يمكن الالتزام به.

و لو أريد من ذلك علّة اختيار الواضع كل لفظ خاص لمعنى مخصوص بمعنى المرجح لاختباره، فهذا و ان كان ممكنا إلّا ان الجزم به يحتاج إلى دليل و لا، دليل عليه، و الاستدلال عليه بأنه لو لا ذلك لزم الترجيح بلا مرجّح و هو قبيح، ففيه:

أوّلا: انه لا قبح في الترجيح بلا مرجّح بين الأفراد بعد ما كان أصل الجامع راجحا، مثلا لو فرضنا ان أصل المشي فيه مصلحة للشخص لمرض و نحوه فاختيار المشي إلى جانب اليمين دون الشمال أو العكس لا يلزم أن يكون فيه مرجح أيضا.

و ثانيا: لو سلمنا قبح الترجيح بلا مرجح حتى في الافراد فنقول: لا يلزم لأن يكون المرجح هو المناسبة الذاتيّة، بل ربما يكون المرجح الأمور الخارجية، و نظير ذلك في وضع الاعلام الشخصية، مثلا يضع الوالد لفظ محمد لولده لكونه متولدا في يوم الجمعة مثلا أو لأن اسم جده كان ذلك و هكذا.

28

و بالجملة فلا معنى لكون المناسبة بين اللفظ و المعنى ذاتية أصلا. هذا كله في الدلالة.

في حقيقة الوضع:

[- ما يظهر من الكفاية من أنّ الوضع أمر واقعي، و الجواب عنه‏]

و أما الوضع فيظهر مما ذكره في الكفاية (1) بقوله: «الوضع نحو اختصاص بين اللفظ و المعنى ناشئ ... إلخ»، ان الوضع عنده أمر واقعي ينشأ من وضع الواضع تارة و من كثرة الاستعمال أخرى، و هذا غير صحيح، و ذلك لأن الأمور الحقيقية لا تخلو عن أمور ثلاثة:

أحدها: أن تكون من الأمور النّفس الأمرية، بمعنى يدرك العقل تحققه من دون فرض فارض و اعتبار معتبر، و يكون الخارج ظرف نفسه لا ظرف وجوده، كنفس الوجود و لوازم الماهيات، كالزوجية للأربعة و الإمكان للماهيات الممكنة و الاستحالة لاجتماع النقيضين و أمثال ذلك، فان الوجود ثابت في الخارج لكن بنفسه لا بوجود آخر و هكذا بقية المذكورات.

ثانيها: أن تكون من قبيل الجواهر أي الوجودات المستقلة في الخارج.

ثالثها: أن تكون من قبيل الاعراض.

و الارتباط الناشئ من الوضع أو من كثرة الاستعمال غير داخل في شي‏ء من ذلك، أما عدم كونه من قبيل الأول، فلأنه لو كان من قبيل الملازمة الثابتة بين الأربعة و الزوجية فلا معنى لكونه ناشئا من الوضع أو كثرة الاستعمال، لأن الملازمة بين لوازم الماهية و نفسها تكون قديمة أزلية، فأي حاجة إلى الوضع؟ هذا أولا.

و ثانيا: يلزم من ذلك أن يكون كل أحد عالم بكل لغة كما عرفت.

____________

(1) كفاية الأصول- المجلّد الأول- ص 10.

29

و أما عدم كونه من الجواهر فلاحتياجه في وجوده إلى الموضوع، فانه لو لم يكن هناك لفظ و معنى لم يكن مجال لوجود الارتباط، و الجوهر غير محتاج في وجوده خارجا إلى موضوع.

و أما عدم كونه من الاعراض فلأنّ العرض متقوم خارجا بالموضوع الخارجي، و ليس الارتباط بين اللفظ و المعنى كذلك، فان الارتباط ثابت بين طبيعي اللفظ و طبيعي المعنى مع عدم وجودهما في الخارج، و لذا ترى ثبوته بين اللفظ و المعنى الممتنع، مثلا إذا فرضنا وضع لفظ مفرد لاجتماع النقيضين أو لشريك الباري يكون الارتباط بين ذلك اللفظ و هذا المعنى موجودا مع كون المعنى من المستحيلات.

و بالجملة، فلا يمكن ان يكون الوضع من الأمور الحقيقية بهذا المعنى أصلا، بل هو من الأمور الاعتبارية.

و بالجملة الوجوه المحتملة في حقيقة الوضع ثلاثة:

الأول- أن يكون أمرا واقعيّا حادثا.

الثاني- أن يكون أمرا اعتباريا.

الثالث- أن يكون وسطا بين الأمرين.

[- احتمال أن يكون الوضع أمرا اعتباريا]

و يقرب الثاني أي الاعتبارية بوجهين:

أحدهما: أن يكون عبارة عن تنزيل اللفظ منزلة المعنى بان يكون اللفظ وجودا تنزيليا للمعنى بحيث لو أريد إراءة المعنى يؤتى باللفظ، و يكون اللفظ وجودا حقيقيا للكيف المسموع و فردا منه و وجودا تنزيليا للمعنى، و هذا مأخوذ مما ذكره أهل المعقول و أثبتوه من الوجود اللفظي للأشياء في مقابل الوجود العيني و الذهني و الكتبي.

و فيه: أوّلا: أن التنزيل و ان كان خفيف المئونة إلّا انه لا يحسن إلّا فيما كان‏

30

بين المنزل و المنزل عليه مناسبة تامة، مثلا في باب الكنايات و الاستعارات كثيرا ما يقع ذلك مثلا بتنزيل الرّجل الشجاع منزلة الحيوان المفترس فيقال: زيد أسد لكونه مشابها معه في أظهر خواصه و هو الشجاعة، و لكن لا معنى لتنزيل البعوضة منزلة الأسد من غير مناسبة، و هذا واضح، فنقول: أيّ مناسبة تكون بين اللفظ و المعنى قبل الوضع ليكون التنزيل بتلك المناسبة؟

و ثانيا: ان هذا المعنى بعيد عن ذهن عامة الناس مع ان الوضع يتحقق خصوصا في الاعلام الشخصية من جميع الناس بل من الأطفال بل من كثير من الحيوانات أيضا كما هو ظاهر.

و ثالثا: التنزيل لا بدّ و أن يكون بلحاظ ثبوت آثار المنزل عليه على المنزل، كما نرى ذلك في جميع موارد ثبوت التنزيل، و في المقام لا يثبت شي‏ء من خواص المعنى للفظ، مثلا لفظ العدم موضوع لهذا المفهوم الممتنع تحقّقه في الخارج، فهل يثبت هذا الأثر للفظ العين و الدال و الميم و تكون مستحيلة أيضا؟! من الواضح عدمه، فاذن هذا أيضا غير ثابت في المقام، فالاعتبارية بهذا المعنى واضحة الفساد.

[احتمال أن يكون حقيقة الوضع اعتبار الوضع الحقيقي‏]

ثانيهما: أن يكون حقيقة الوضع اعتبار الوضع الحقيقي، فان الوضع الخارجي عبارة عن المعنى المعروف المعبر عنه في الفارسي (گذشتن) فالواضع يعتبر هذا المعنى أي وضع اللفظ على المعنى في عالم اعتباره ليدل عليه، كما ان في الخارج يوضع العلائم على بعض الأمكنة للدلالة على أمور، مثلا وضع العمود على رأس الفرسخ للدلالة على المسافة، أو العلم على الباب لكي يدل على انعقاد مجلس التعزية، و غير ذلك:

و فيه: أولا: انه أيضا بعيد عن ذهن العامّة.

و ثانيا: ان في الوضع الخارجي تكون أمور ثلاثة: الموضوع و الموضوع عليه، و الموضوع له أعنى غاية الوضع، و في المقام ليس إلّا أمران، فالموضوع عليه‏

31

و الموضوع له متحدان، فليست كيفية الوضع فيه ككيفيّة الوضع هناك، مضافا إلى انه على هذا لا بدّ و ان يكون إطلاق الموضوع عليه على المعنى صحيحا من دون عناية مع انه غلط واضح، فالاعتبارية بكلا معنيها غير تام.

و الصحيح: ان الوضع أمر واقعي محض غايته من قبل الأفعال النفسانيّة، فهو فعل النّفس، و هو التعهّد و الالتزام بذكر اللفظ عند إرادة تفهيم المعنى، كما يتّفق هذا المعنى في الأفعال أيضا، نظير ما لو تعهّد المولى و قال لخادمه: بأني متى رفعت العمامة من رأسي فانا أريد الشاي، ففي الألفاظ أيضا كذلك لأجل تسهيل الإفادة و الاستفادة يلتزم الواضع و يتعهد بذكر اللفظ الخارجي عند إرادة المعنى المخصوص، و هذا هو حقيقة الوضع.

[- ما أفاده المحقق النائيني من أنّ الوضع وسط بين التكوين و الجعل‏]

و أما ما أفاده المحقق النائيني (قدّس سرّه) من ان الوضع وسط بين التكوين و الجعل، فبيانه: ان الأمور تكون على نحوين منها ما لا تحقق بها إلّا بالجعل و الاعتبار كالاحكام و الشرائع، و هي التي تحتاج إلى بعث رسل و إنزال كتب، و منها ما لا تحتاج إلى ذلك أصلا كالجواهر و الأعراض الموجودة في الخارج، و منها ما لا يكون من الأول لتحتاج إلى إرسال رسل و لا من الثاني ليكون تكوينيا محضا، بل يكون وسطا بينهما، و الوضع من هذا القبيل، فلما اقتضت الحكمة الإلهية أن يعلّم الإنسان البيان و قد أشير إليه في الآية المباركة عَلَّمَهُ الْبَيانَ‏ (1) فألهم جلّ شأنه واضع كل لغة ان يوضع كل لفظ خاص لمعنى مخصوص بمناسبة بينهما ذاتية تكوينيّة مجهولة عندنا، و هذا هو السر فيما يقال من ان الواضع هو اللّه تعالى، فحقيقة الوضع ليست تكوينيّة محضة لأن لا يحتاج إلى شي‏ء، و لا جعلية صرفة لتكون محتاجة إلى البعث‏

____________

(1) الرحمن- 4.

32

و الإرسال‏ (1)، انتهى.

و فيه: أولا: قد عرفت ان المناسبة بين اللفظ و المعنى تكوينا مما لا دليل عليه في مقام الإثبات.

و ثانيا: لا معنى للواسطة بين التكوين و الجعل، فانه لو كان للشي‏ء مطابق في الخارج فهو من الأمور التكوينيّة، و إلّا فهو من الأمور الاعتبارية.

و ثالثا: ما المراد من الإلهام في المقام؟ ان أريد منه ان اللّه تعالى أعطى الإنسان قوة الإدراك و فهّمه كيفيّة استكشاف المجهولات، و سهّل له مقدماته فهذا موجود بالقياس إلى مطلق المعلومات، و لذا يقول جلّ شأنه: عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ‏ (2) فجميع المعلومات بالنهاية تنجلي إليه تعالى و ان أريد ثبوت معنى آخر في الوضع غير ذلك فلا نتعقّله.

[- المختار في حقيقة الوضع‏]

فالصحيح: ما ذكرناه، و عليه فيكون معنى اللفظ و مدلوله إرادة تفهيم المعنى لا ذات المعنى، و انسباق ذات المعنى إلى الذهن لا يكون مستندا إلى الوضع، بل يكون من جهة أنس الذهن كما يكون ذلك ثابتا في موارد يقطع بعدم إرادته، مثلا لو قال المتكلّم: رأيت أسدا في الحمام فلا يكون الحيوان المفترس مرادا له قطعا و لكن مع ذلك ينتقل الذهن إليه من جهة أنس الذهن بذلك، فالدلالة الوضعيّة منحصرة بما عرفت، و الظاهر ان هذا هو مراد الشيخ النائيني (قدّس سرّه) من كون الدلالة تابعة للإرادة، و إلّا ففي الدلالة التصوّرية الناشئة من الأنس لا مجال لتوهم ذلك لعاقل فضلا عن مثله (قدّس سرّه).

و يشهد على المختار ان فعل الإنسان لا بدّ و ان يتعلّق بما يكون مقدورا له،

____________

(1) أجود التقريرات- المجلد الأول- ص 11- 12.

(2) العلق- 5.

33

و ليس ذلك إلّا التعهّد و الالتزام.

و يؤيّده أيضا ان الغرض من الوضع لا يقتضي في الوضع أكثر من ذلك، فان الغرض انما هو سهولة تفهيم المرادات و تفهمه، و هذا لا يقتضي إلّا ان يوضع اللفظ لتفهيم إرادة المتكلّم ذلك، فالتوسعة لغير المرادات أيضا بحيث تثبت الدلالة الوضعيّة فيما لو صدر اللفظ عن لافظ بلا شعور يكون لغوا و لا يصدر من الحكيم.

[- ثمرات تترتب على حقيقة الوضع‏]

هذا، و انما أطلنا الكلام في حقيقة الوضع لأنه يترتب عليه ثمرات مهمة، في صحّة استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد، إذ على ما ذكرناه يكون جوازه من الواضحات، إذ ليس معنى الاستعمال الا العمل على وفق التعهّد و إعماله خارجا، و كما يمكن ان يجعل الفعل الواحد علامة لأمرين إذا تعهد المولى بإيجاده إذا أراد كلّا منهما كذلك في اللفظ يمكن ان يجعل لفظ واحد علامة لإرادة تفهيم أمرين، و يأتي الكلام فيه إن شاء اللّه تعالى.

و يترتّب عليه أيضا تبعيّة الدلالة للإرادة، و ان الموضوع له ليس هو ذات المعنى بل هو قصد تفهيمه كما عرفت، و على هذا فالوضع غير مختص بالواضع، بل كل أحد من أهل اللغة يكون ملتزما و متعهدا كالواضع، غايته ان تعهد الواضع و التزامه بذكر اللفظ عند إرادة المعنى ابتكاري و ابتدائي، و تعهد تابعيه يكون بالتبع و بالارتكاز.

و بهذا ظهر انه لا فرق بين الوضع التعييني و التعيّني الحاصل بكثرة الاستعمال من حيث كونه في كليهما بمعنى التعهّد، إلّا ان المبرز لذلك في الأول هو قول الواضع، و في الثاني كثرة الاستعمال.

هذا كلّه في حقيقة الوضع.

[أقسام الوضع:]

و اما اقسامه، فلا ريب في ان الواضع لا بدّ له من تصوّر اللفظ و تصوّر المعنى عند إرادته الوضع، اما تصور اللفظ فسيأتي الكلام فيه، و اما تصور المعنى و لحاظه‏

34

فيعبر عنه اصطلاحا بالوضع، فتارة يكون الوضع عاما و كليّا، و أخرى يكون خاصّا و جزئيّا، و على كل من التقديرين تارة يكون الموضوع له عاما، و أخرى خاصا، فالأقسام أربعة.

[المقام الأول: في إمكان الوضع العام و الموضوع له الخاصّ‏]

أما الوضع الخاصّ و الموضوع له كذلك، فلا إشكال في وقوعه، كوضع أعلام الأشخاص، و هكذا الوضع عام و الموضوع له عام و أما الوضع العام و الموضوع له الخاصّ، فيقع الكلام فيه في مقامين:

المقام الأول: في إمكانه، و قد أنكر إمكانه جماعة بدعوى انه لا بدّ في الوضع من تصور المعنى بجميع خصوصياته، و تصور العام و الكليّ لا يكون وافيا بلحاظ افراده كذلك. و أثبته جمع آخر، و لكن قاسوا عليه القسم الرابع، أعني الوضع خاص و الموضوع له عام، و ذكروا انه لو كان لحاظ المعنى بالوجه و العنوان كافيا في مقام الوضع فيصح كلا القسمين، إذا كما يكون لحاظ الكلّي لحاظ افراده بالوجه كذلك يكون لحاظ الفرد تصوّر كلّيه بالعنوان، و ان لم يكن ذلك كافيا فلا يكفي في كليهما، فانه كما لا يكون تصوّر الفرد عين لحاظ الكلّي بما هو كلّي، كذلك لحاظ العام و الكلّي ليس لحاظ الفرد بجميع خصوصياته.

هذا و في كلا الأمرين ما لا يخفى: فان الكلّي تارة: يلحظ من حيث هو أي الطبيعة المهملة، و لا يحمل عليه حينئذ الا الأحكام المختصّة به المعبّر عنها بالمعقولات الثانويّة، مثلا يقال الإنسان نوع أو الحيوان جنس، و لا يحمل هذه الأحكام على افراده، فلا يقال زيد إنسان و الإنسان نوع فزيد نوع كما هو واضح.

و أخرى: يلحظ بنحو السريان أي الكلّي الموجود، و حينئذ لا يحمل عليه إلّا أحكام الافراد، و يعبّر عنه في اصطلاح الأصوليّين باللابشرط القسمي كما هو الشأن في جميع القضايا الحقيقيّة، فيكون الحكم المترتّب عليه مترتّبا على افراده، مثلا لو قيل الخمر حرام فمعناه ان هذا الفرد منه حرام و ذلك الفرد حرام و هكذا، و لذا ذكرنا

35

انه لو قال أحد كل مسلم فاسق فهو يعاقب بعدد أفراد المسلمين، لأنه اغتابهم، أو افترى عليهم.

و بالجملة فكما يأتي القسمان في غير الوضع يتصوّر في الوضع أيضا فإذا تصوّر الواضع المعنى بنحو السريان يكون متصوّرا للفرد، و إذا وضع اللفظ له كذلك يكون الموضوع له ذوات الأفراد مثلا يتصوّر عنوان المتولد في يوم الجمعة و يضع اللفظ لمصاديقه و أفراده، و هذا المعنى غير جار في تصوّر الخاصّ و الجزئي، فانه لو الغي عنه في مقام الوضع الخصوصيات الشخصية حتى الوجود فلا محالة يكون المتصور عاما و كليا أي نفس الطبيعي، و إلّا فيكون الموضوع له خاصا كالوضع.

و ما قيل: من انه ربما لا يكون إلغاء الخصوصية أيضا موجبا للحاظ الطبيعي، كما لو فرضنا انه يرى من بعيد جسما و لا يميّزه، و بمعرفيّته يضع اللفظ لطبيعي هذا الفرد، فان الطبيعي حينئذ لا يكون معلوما للواضع ليتصوره، فمغالطة ظاهرة، و ذلك لأن الطبيعي في هذا الفرض أيضا ملحوظا غايته بعنوان كلي هذا الفرد المعلوم عند اللّه سبحانه و تعالى المجهول لديه، فالمعنى العام ملحوظ و لكنه غير مميّز عنده.

فالصحيح: إمكان الوضع العام و الموضوع له الخاصّ بخلاف العكس.

[المقام الثاني: في وقوع الوضع العام و الموضوع له الخاصّ و تحقيق الكلام عن المعاني الحرفية]

المقام الثاني: في وقوعه، و ربما يقال: ان وضع الحروف و ما شابهها من الموصولات و أسماء الإشارة و نظائرها من هذا القبيل، فلا بدّ من البحث عن المعاني الحرفيّة، و بيان ذلك و الفارق بينها و بين المعاني الاسمية ليعلم انها من هذا القبيل أم لا؟ فنقول: المحتمل في المعاني الحرفية وجوه:

[- ما نسب إلى الرضي من أنّ المعاني الحرفية علائم لكيفية استعمال المعاني الاسمية و لحاظها]

الأول: ما نسب إلى الرضي من انها ليست إلّا علائم لكيفيّة استعمال المعاني الاسمية و لحاظها كالإعراب و التقدّم و التأخّر، فان المعنى الاسمي تارة: يلاحظ بما انه عين و من حيث هو فيقال: «الدار قيمتها كذا» و أخرى: يلاحظ بما هو أين و ظرف مكان فيقال: «زيد في الدار» فلفظ «في» يكون علامة على ان الدار

36

ملحوظة ظرفا لا استقلالا كما ان الرفع يؤتى به ليكون علامة على الابتداء، أو على الفاعلية إلى غير ذلك، ففي الحقيقة ليس للحروف معنى أصلا.

و فيه: انا نرى بالوجدان ان دلالة الحروف على تلك الخصوصيّات ليست دلالة طبعية و لا دلالة عقلية و إلّا لما اختصت بأهل اللسان، و لعرفها الجاهل باللغة أيضا، و قد نرى ان الجاهل باللغة لا يميّز ما أريد من كلمة «من» عما أريد من كلمة «إلى» في قولك «سرت من البصرة إلى الكوفة» كما ان الأمر في الإعراب و التقديم و التأخر أيضا كذلك، فالجاهل باللغة لا يعرف من تقديم موسى على عيسى في قولك «ضرب موسى عيسى» ان الأول فاعل و المتأخّر مفعول، فلا بدّ و ان يكون للحروف و للحركات و للتقدم و التأخر معنى و وضعا كما في الأسماء.

[- ما ذكره صاحب الكفاية من اتحاد المعاني الاسمية مع المعاني الحرفية، و الجواب عنه‏]

و يقابل هذا القول و يكون على طرف نقيضه ما ذهب إليه المحقّق الخراسانيّ‏ (1) من اتحاد المعاني الاسميّة مع المعاني الحرفيّة، و ان اختلافهما يكون في ناحية الاستعمال و ناشئا من اشتراط الواضع، فانه وضع الأسماء كلفظ الابتداء ليستعمل في الابتداء الملحوظ استقلالا، و وضع لفظ «من» ليستعمل في الابتداء الملحوظ آليا، فالفرق بينهما يكون من ناحية الاستعمال و اشتراط الواضع، و إلّا فكل من الآلية و الاستقلالية يكون خارجا عن حريم المعنى الموضوع له.

هذا و يرد عليه:

أولا: انه لو كان المعنى الحرفي متّحدا مع المعنى الاسمي و كان الموضوع له في الأسماء و الحروف معنى واحد للزم صحّة استعمال الحرف في موضع الاسم و بالعكس، لأن شرط الواضع ليس لازم الاتباع حتى على نفسه، إذ لم يكن في ضمن عقد لازم، و ليس له ولاية على غيره ليجب اتباعه.

____________

(1) كفاية الأصول- المجلد الأول- ص 13.

37

و على تسليم ذلك فلتكن مخالفته موجبا للعقاب و محرما، مع انا نرى ان ذلك من أفحش الأغلاط، مثلا لو يقال بدل «سرت من البصرة إلى الكوفة»، «سرت ابتداء التعريف الانتهاء التعريف الكوفة» يكون فساده من أوضح الواضحات، و هكذا لو يقال بدل ابتداء البصرة من البصرة.

و قد وجه بعض الأعاظم كلامه بما حاصله:

ان المعاني تارة تكون ملحوظة باللحاظ الاستقلالي، و أخرى تلاحظ آليا، كما انه تارة ينظر في المرآة بما هي و يراد بذلك تمييز خصوصيات المرآة من طولها و عرضها، و أخرى ينظر فيها ليرى صورته.

و في الأول يكون النّظر إلى المرآة استقلاليا، و في الثاني يكون آليا، و الحروف تكون موضوعة لذوات الحصص الملحوظة باللحاظ الآلي، و الأسماء موضوعة للحصص الملحوظة باللحاظ الاستقلالي بنحو يكون التقيد داخلا و القيد خارجا لأن لا يلزم المحاذير المذكورة في كلامه، و عليه فيكون اتحادهما بالذات و بالنوع أي يكون المعنى الاسمي و المعنى الحرفي من نوع واحد، فالمراد من اتحادهما هذا المعنى.

و فيه: أولا- ان لازم ذلك ان يكون الوضع فيها عاما و الموضوع له خاصا، إذ يكون الملحوظ حال الوضع المعنى الملحوظ استقلاليا أو آليا و الموضوع له يكون افراد المعنى الملحوظة كذلك و مصاديقه بمشيرية ذلك العنوان، و هذا مخالف لمبناه.

و ثانيا- يلزم عدم صدقه على الخارج، و ذلك لأن في باب المقيّدات و ان لم يكن القيد داخلا فيها إلّا ان التقيد يكون داخلا في المقيد، و مأخوذا فيه لا محالة، مثلا لو قال: «أكرم العالم العادل» فان نفس العدالة و ان لم تكن مأخوذة في الموضوع و لكن التخصص و التقيد بها يكون داخلا فيه، و في المقام التقيد باللحاظ لا محالة يكون داخلا في الموضوع له على هذا و المعنى المقيد باللحاظ يكون من‏

38

الأمور الذهنيّة و حسب قوله (قدّس سرّه) هو من الكلّيات العقليّة، و هي لا تصدق على الخارج.

و الّذي ينبغي ان يقال: في توجيه كلامه، بل يظهر ذلك مما يذكره في المشتق من انه لو استعمل الأسماء في موضع الحروف لما كان مجازا و استعمالا في غير ما وضع له و ان كان بغير ما وضع له، ان الواضع جعل اعتباره أو التزامه بذكر لفظ «من» مثلا في الحروف عند إرادة تفهيم الابتداء مشروطا بكونه ملحوظا آليا، و جعل اعتباره على المشهور أو التزامه على المختار وضع لفظ الابتداء مشروطا بان يكون ملحوظا استقلالا، و عليه فتكون العلقة الوضعيّة ثابتة في حال دون حال، و يكون أصل الوضع مشروطا، و في غيره لا محالة يكون الاستعمال غلطا و بلا علقة وضعية، و على هذا فيسلم ما أفاده من الإشكالات المذكورة، و بما ذكرنا ظهر انه لا مجال لما أورده المحقق النائيني عليه‏ (1).

ثانيا: من انه لا معنى لإلغاء الآلية و الاستقلالية معا و نفي كلا الأمرين عن الموضوع له، مع ان المعنى لا يخلو اما ان يكون آليا و اما استقلاليا، فيكون ذلك من قبيل ارتفاع النقيضين، و ذلك لأن المنفي في كلامه ليس آلية المعني و استقلاليته، و انما المنفي تعلق اللحاظ الآلي و اللحاظ الاستقلالي به و ان الموضوع له ذات المعنى من دون دخل اللحاظ فيه أصلا، و من الواضح ان بين الملحوظ آليا و الملحوظ استقلاليا لهما واسطة و ثالث و هو ذات المعنى كما عرفت، فنفي كلا الأمرين ليس مثل نفي القيام و اللاقيام و الموجودية و اللاموجودية ليكون ارتفاع النقيضين عن زيد مثلا، بل يكون كنفي العلم و الجهل عن شي‏ء واحد فلا إشكال فيه.

و بالجملة فالذي يستفاد من ما ذكره (قدّس سرّه) ان مراده من الاشتراط هو

____________

(1) أجود التقريرات- المجلد الأول- ص 15.

39

اختصاص ثبوت العلقة الوضعيّة بين اللفظ و ذات الحروف بما إذا كان المعنى ملحوظا آلة و حالة للغير، فالوضع يكون مشروطا.

هذا و يرد عليه: انه ما المراد من الآلية و الحالية؟

أما الآلية فان كان المراد منها كون المعنى الحرفي آلة للحاظ طرفيه كالسير و البصرة في المثال المعروف، فيستحيل ان يكون الابتداء مرآتا لما هو مباين معه و يلحظ فانيا فيه، إذ لا مناسبة بين المتباينين ليجعل أحدهما مرآتا للآخر، و ان أريد منه آلية لحاظ الكلي للحاظ أفراده و مصاديقه، فان الكلي كما عرفت تارة يلحظ بما هو و يحمل عليه المعقولات الثانوية، و أخرى يلحظ مرآتا لافراده و ساريا فيها، و يحمل عليه الأحكام الثابتة للافراد فيقال «النار حارة» أو «الماء يرفع العطش» و عليه فيلزم ان تكون المعاني الاسمية حرفيا إذا لوحظت مرآتا لمصاديقها، و فانية فيها، و لا يمكن الالتزام بشي‏ء من ذلك.

و أما كون المعاني الحرفية حالة للغير فالحالية هي التي تكون فارقة بين المعنى المصدري و المعنى الاسم المصدري، فان الاعراض حيث ان وجودها لنفسها عين وجودها لموضوعاتها فيمكن لحاظها بما هي موجودات مستقلة، و يمكن لحاظها بما هي أوصاف لغيرها، و الأول هو المعنى الاسم المصدري كالحمرة، و لذا لا يشتق منها الأفعال، لأنها تكون من الجوامد بهذا اللحاظ، فلا يقال حمر يحمر. و الثاني هو المصدر كالاحمرار، و عليه فيلزم ان يكون الاعراض الملحوظة بما هي صفات للغير أي المصادر معاني حرفية، و لذا ذهب بعض الإعظام إلى الاحتمال الثالث في المعاني الحرفية، و ذكر ان الحروف لا تكون علائم محضة، بل لها معنى هي موضوعة لها، و هو النسب و الربط، إذ كما تقتضي حكمة الوضع ان يوضع الألفاظ لتفهيم المعاني المستقلة كذلك تقتضي ان يوضع اللفظ لتفهيم النسب الموجودة بينها، فان الضرب مثلا تارة ينسب إلى الفاعل، و أخرى إلى المفعول، و ثالثة إلى الآلة، و رابعة إلى‏

40

الظرف فيقال: «ضرب زيدا عمرا بالعصا في الدار» فما يدل على ثبوت النسبة بين العصي و الضرب بالآلة انما هو لفظ «ب» و ما يدل على النسبة بينه و بين الدار بالظرفية انما هو لفظ «في».

و هذه النسب وجودها وجود ربطي و لا في نفسه، و قد عبّر بعض الفلاسفة بأنها متدليات بأنفسها و الدال عليها هو الحروف، و عليه فتكون مباينة مع الأسماء رأسا و نقول: ان هذا الوجه كان جميلا لو لا صحّة استعمال الحروف في غير الجواهر و الأعراض مما هو فوقها و دونها، مثلا يستعمل في البارئ و يقال: «قال اللّه تعالى لموسى» و يستعمل بين الشي‏ء و نفسه فيقال: «زيد في نفسه عادل» و يستعمل فيما دون الجواهر و الأعراض من الاعتبارات فيقال: «الإنسان ممكن في الخارج» أو المستحيلات فيقال: «اجتماع النقيضين مستحيل في الخارج» إلى غير ذلك، و من الواضح انه لا معنى لوجود النسبة خارجا في هذه الموارد أصلا، فهذا الوجه أيضا لا يتم.

و بالجملة بناء على ثبوت المعنى للحروف و كون معانيها مباينة مع الأسماء قد قيل في تعيين ذلك وجهان:

الأول: ما تقدم من بعض أعاظم مشايخنا (قدّس سرّهم) من كون الحروف موضوعة لحقيقة النسب النّفس الأمرية، و قد عرفت ما فيه.

الثاني: ما أفاده المحقق النائيني‏ (1)، و حاصله: ان الأسماء كلها معانيها إخطارية و ينتقل الذهن من سماعها إلى معانيها، مثلا ينتقل من لفظ زيد إلى تلك الذات و يكون حاكيا عنها، و أما الحروف فهي إيجادية و يوجد به الربط بين الألفاظ.

____________

(1) أجود التقريرات- المجلد الأول- ص 18.

41

مثلا لفظ زيد يكون أجنبيا عن الدار و بالعكس و إذا جي‏ء بلفظ «في» يرتبط أحد اللفظين بالآخر، فالحروف موجدة للربط الكلامي و موضعة لذلك، و عليه فكل من الربط اللفظي و النسبة الكلامية الثابتة بالحروف و الربط الخارجي أي النسبة النّفس الأمرية يكون مصداقا لمفهوم النسبة و الربط الّذي هو معنى اسمي، فكلاهما يكونان مصداقا لذلك، لا ان الربط يكون من مصاديق الربط الكلامي، و حينئذ فان كان الربط الكلامي مطابقا و مشابها مع الربط النّفس الأمري بأن كانا تحت طبيعة واحدة و صنف واحد، فيكون الربط الكلامي صدقا، و إلّا فيكون كذبا.

و إلى هذا أشار المحقّق المير شريف حيث يقول: لو كانت النسبة الكلامية مطابقة مع النسبة الخارجية تكون صادقة، فالتعبير بالمطابقة أي تطابق الربطين يكون بهذا المعنى لا انطباق الكلي على الفرد كما هو واضح.

هذا و نقول: ما المراد من كون الحروف موجدة للربط الكلامي؟ فان أريد به ان الربط الكلامي يكون من لوازمها الذاتيّة فهو مما نقطع بخلافه، و إلّا لزم صحّة الإتيان بكل حرف مكان كل حرف، فتأمل. و ان أريد ان ذلك ثابت بالوضع و الجعل فما الموضوع له فيها.

و بعبارة أخرى: لو أريد: ان الحروف موجدة للربط بين الألفاظ فقط من دون إيجاد تغير في معانيها، فهو ممنوع، إذ لا معنى للربط بين أصوات يبقى جزء منها، فيوجد الجزء الآخر. و ان أريد ان الربط بين الكلمات يكون من جهة إيجاد الربط بين معانيها و وجود معنى حرفي، فنسأل عن ذاك المعنى و انه أي شي‏ء فيكون حاكية عنه.

فالصحيح ان يقال: ان الأسماء و الحروف متباينة سنخا، و لكن معاني الحروف في أنفسها مختلفة، فلا بدّ من الاستقراء في ذلك و نعرف بمقدار ما استقرأنا، و نقول: ما يكون من قبيل كلمة «في» و أمثالها تكون موضوعة لتفهيم تضييق‏

42

المعاني الاسمية، فان المعاني الاسمية جزئية كانت أو كلّية معانيها غير مقيّدة بشي‏ء، و نعبر عنها بلا شرط- فيكون لها حصص و أصناف، و هذا التغيير في الجزئي غير خال عن مسامحة، و المراد واضح- بحيث لو كان المتكلّم بها في مقام البيان يستفاد منها الإطلاق، و ان لم يكن في مقام البيان تكون تلك الأسماء المستعملة من قبيل المجملات كما لو قال: «أكرم العالم» و هذه الأسماء قابلة للتخصيص و التقييد، و حيث ان الغرض كثيرا ما يتعلق بتفهيم الحصص و كان الوضع لكل من الحصص متعذرا لعدم تناهي الحصص، أو متعسرا لكثرتها فلا محالة وضعت الحروف للدلالة على إرادة تفهيم ذلك، مثلا لفظ «في» في قولك «الصلاة في المسجد خير» يدل على ان الموضوع ليس مطلق الصلاة بل الحصة الخاصة منها، و هذا يجري في جميع موارد استعمالاته، مثلا يقال: «الغني في اللّه تعالى ضروري» أي الحصة الخاصة منها، أو «الفقر في اللّه تعالى مستحيل» أو «الفقر في الممكنات ضروري» أو «اجتماع النقيضين في الخارج محال» أي الحصة الخاصة منه إلى غير ذلك من الأمثلة، فيقيد الموضوعات أولا ثم يحكم عليها بهذه الأحكام، و بالجملة فالأسماء معانيها مطلقة بهذا المعنى، و لا يخلو هذا التعبير عن مسامحة خصوصا في الأسماء الجزئية، و الحروف وضعت للدلالة على إرادة تضييق تلك المعاني و تخصصها، كما ان التوصيف و الإضافة أيضا يكونان كذلك، مثلا إضافة غلام إلى زيد يدل على تضييق الغلام و تخصصه بزيد، و هكذا في التوصيف.

[- المختار في بيان المعاني الحرفية]

و بالجملة نذكر قبل بيان المعاني الحرفية مقدمة و هي: ان المفاهيم الاسمية الكلية أعم من ان تكون من قبيل الجواهر، أو من الاعراض، أو من الأمور الاعتبارية التي تكون هي الموضوع له لتلك الأسماء بنحو اللابشرط المقسمي على مسلك القدماء و بنحو الماهية المهملة على ما هو الحق فهي غير مقيّدة بالوجود و لا بالعدم و لا بشي‏ء آخر، و هذه المفاهيم نفسها تكون بعضها أوسع من بعض كما في‏

43

مفهوم الإنسان و مفهوم الحيوان، فان العقل يرى أضيقيّة الأول عن الثاني و أكثرية أصناف الثاني عن أصناف الأول حتى مع قطع النّظر عن الوجود الخارجي فتأمّل.

فالأسماء الكلّية غالبا تكون موضوعة لهذه المفاهيم، و من الواضح ان لكل من هذه المفاهيم حصص و أصناف، مثلا الإكرام تارة يكون في الليل و أخرى في النهار، و تارة يكون بالقيام و أخرى بالضيافة أو بغيرها إلى غير ذلك بحسب اختلاف المكرم و المكرم، و سبب الإكرام و نحوها، و كما نحتاج في التفهيم و التفهّم إلى وضع الألفاظ لتلك المفاهيم الكلّية كذلك يحتاج إلى ألفاظ تدل على تلك الحصص، إذ كثيرا ما يتعلّق الغرض بتفهيمها و لم يوضع للحصص لفظ مخصوص إلّا نادرا كما في القعود و الجلوس، فانهم يقولون ان الجلوس موضوع لما إذا حصلت تلك الهيئة عن قيام أي لهذه الحصة منها، و القعود لما إذا حصلت عن اضطجاع، و بعضهم قال بالعكس، فالحروف غالبا موضوعة لإفادة التضييق و بيان الحصص، مثلا لو أراد المتكلم تفهيم حصة خاصة من القيام أي القيام على قدم واحد فيقول: «قام فلان على قدم» و هكذا لو أراد بيان صوم خاص فيقول: «الصوم في يوم عاشوراء مكروه» أو «صوم العيدين حرام» و هكذا، و على هذا فيكون لهذا القسم من الحروف حيثيتان، فهي من حيث انها تكون مرحلة لتضييق المفاهيم تكون إيجادية، و هي من حيث كونها دالة على ان المتكلم أراد تفهيم الحصة الخاصة تكون حكائية، و نعبر عن هذا القسم اصطلاحا بالحروف الاختصاصية [1]، و على هذا

____________

[1] ذكر الأستاذ دام ظله ان الحروف المشبهة بالفعل تكون لتضييق الاخبار، فان الاخبار قابل لأن يكون اخبارا مع التحقيق و بدونه، و الاستفهام لتضييق المعنى بكونه مورد استفهام لا غير، و أداة الحصر لحصر المحمول في الموضوع أو العكس، و أداة النفي لتضييق ما يستفاد من الجملة إلى النفي دون الإثبات، إلى غير ذلك.

44

ينطبق ما نقل عن علي (عليه السّلام) في تعريف الحرف «انه ما أوجد معنى في غيره» هذا هو القسم الأول.

أما القسم الثاني من الحروف ما يكون اسما حقيقة و ان كان يعامل معه معاملة الحرف فهو يكون حرفا اصطلاحا فقط، و إلّا فمعناه مستقل اسمي، كما انهم يعتبرون عن بعض الأسماء التي يدخل عليها خواص الاسم كالتنوين باسم الفعل لاشتماله على معنى الفعل، و هذا القسم من الحروف كحروف التشبيه «مثل الكاف» فان معناه انما هو المثل، أو الشبه بحسب اختلاف الموارد، إذ التشبه لو كان بلحاظ الذاتيات يعبر بالمثل، و ان كان من حيث الصفات يعبر بالشبه.

و هذا المعنى اسمي، و لذا لم نجد مرادفا للكاف في الفارسية، مع انه لو كان حرفا حقيقة لكان مما يحتاج إليه في جميع اللغات.

القسم الثالث ما يكون لقلب ما يستفاد من الجملة الخبرية- على ما نبيّنه- من الإثبات إلى النفي كما في لفظ «لا»، و «ما»، و «لن» و أمثال ذلك، و «ليس» و ان كان فعلا و ينصرف منه بعض الاشتقاقات إلّا انه أيضا معنى حرفي بهذا المعنى، و الجامع بين الجميع هو التضييق.

و الحاصل: بعد ما أثبتنا ان الحروف لا تكون علامة محضة كالنصب، و لا تكون متحدة مع الأسماء من حيث المعنى، بل يكونا متباينين من حيث المعنى، و أبطلنا ما ذكره المحقق النائيني من كون الحروف موضوعة لإيجاد الربط الكلامي، و ما ذكره بعض الأعاظم من كونها موضوعة للنسب الخارجية، فثبت مدّعانا لا محالة، و ان الأسماء موضوعة للمعاني المستقلة، و الحروف لإيجاد التضييق بين تلك‏

____________

نعم ألفاظ النداء ليس لها معنى، بل هي موضوعة لتوجيه المخاطب بهذا الصوت كما يتحقق ذلك في بعض الأوقات لسائر الأصوات، فتأمّل.

45

المفاهيم و الدلالة على تخصصها، فمعاني الحروف نفسها تكون غير مستقلة و متدلية بالغير، ففي قولك «الصلاة في المسجد» لفظ الصلاة تدل على المفهوم الخاصّ و المسجد القيد و لفظ «في» على تقيد الصلاة بهذا القيد، فالحروف كلها موضوعة للتضييق، غايته بعضها لتضييق المفرد كما هو الغالب، و بعضها لتقييد الجملة كأداة الشرط، فانها تضيق مفاد الجملة إنشائية كانت كقوله «ان جاءك زيد فأكرمه» أو إخبارية كما تقول «ان كانت الشمس طالعة فالنهار موجود».

و لا يخفى ان المعاني الحرفية على هذا تكون قابلة للّحاظ الاستقلالي كالأسماء، بل ربما يكون المقصود الأصلي في الكلام هو المعنى الحرفي كما لو سئل عن تحصص الصلاة بالأين أو «متى» و قيل: «أين صلى زيد»؟ و «متى صلى زيد»؟

و لم يكن السؤال عن نفس الزمان و المكان.

[- الثمرة التي تترتب في المقام‏]

ثم انا انما أطلنا الكلام في المقام لأنه يترتب عليه ثمر مهم في مفهوم الشرط، فان المنكرين له استدلوا على مدعاهم بان مفاد الهيئة معنى حرفي و ملحوظ آلي، و لا يكون قابلا للإطلاق و التقييد، فلا يمكن رجوع القيد إليه، بل لا بدّ و ان يرجع إلى المادّة، فلا يتحقّق للشرط مفهوم، و بما ذكرنا ظهر ان مفاد الهيئة و ان كان معنى حرفيا إلّا انه قابل للّحاظ الاستقلالي، و لا ينافي ذلك كون المعنى غير مستقل، لأن عدم الاستقلال الذاتي لا ربط له بعدم الاستقلال في اللحاظ، و عليه فيكون قابلا للإطلاق و التقييد كالمعاني الاسمية فإذا لا مانع من رجوع القيد إلى الهيئة، فيثبت مفهوم الشرط، و هذه ثمرة مهمة.

[- هل يكون الموضوع له في الحروف عاما أيضا أم لا؟]

ثم ان الوضع في الحروف عام، فان الحصص كما ذكرنا كثيرة، بل غير متناهية، و لا يمكن تصور كل منها بخصوصية لغير المتناهي، فهل يكون الموضوع له فيها عاما أيضا أم لا؟

أما على مسلك المحقق الخراسانيّ (قدّس سرّه) فيكون الموضوع له فيها عام واضح،

46

و أما على المختار فالموضوع له فيها خاص، فالواضع تصور عنوانا عاما كالتحصص من حيث الظرفية، و وضع كلمة «في» لمصاديقه أي لأصنافه، فيكون الوضع فيها عاما و الموضوع له خاصا.

ثم انه روى عن مولانا أمير المؤمنين (عليه السّلام) انه قال: «الاسم ما أنبأ عن المسمّى، و الفعل ما أنبأ عن حركة المسمّى، و الحرف ما أوجد معنى في غيره» و نقول: ان تعريف الاسم بأنه ينبئ عن المسمّى واضح، و هكذا تعريف الحرف على ما ذكرناه، و أما تعريف الفعل، فان كان المراد بالحركة فيه ما يكون في مقابل السكون فمن الواضح ان غالب الأفعال لا تدل على ذلك، مضافا إلى ان الحركة بهذا المعنى مختصة ببعض الاعراض أعني الأين و المتى و لا تجري في سائرها، فما المراد من الحركة في تعريف الفعل؟!

[الهيئات:]

و لبيان ذلك: لا بدّ من التعرّض لمعنى الهيئات. و المشهور ان الهيئة في الجمل الاسمية تدل على ثبوت النسبة الخارجية في الكلام الموجب، و على سلبها أو النسبة السلبية في الكلام المنفي، و لكنه غير صحيح.

أما الأول: فلان ثبوت النسبة فرع تحقق الطرفين في نفس الأمر الأعم من الخارج و وعاء الاعتبار ليشمل مثل «الإنسان ممكن»، لكن مع انّا نرى صحة استعمال الهيئة في مثل «الإنسان حيوان ناطق» مما يكون الحمل فيه أوليّا، فان الإنسان متّحد مع الحيوان الناطق في جميع المراحل خارجا مفهوما و تصورا، و لا فرق بينهما إلّا بالإجمال و التفصيل، و لا معنى لثبوت النسبة بين الشي‏ء و نفسه، و في قولك «العنقاء معدوم» مع عدم تحقق طرفيها، فلا بدّ على مبنى المشهور من الالتزام بالتجريد، أو بالمسامحة في أمثال هذه الموارد، مع انّا نرى صحّة الاستعمال فيها بلا عناية كاستعمال الهيئة في قولك «زيد قائم».

و ثانيها: ان الواضع أي شخص كان لم يكن رجلا لاغيا و عابثا في مقام‏

47

الوضع بان يوضع الألفاظ للمعاني بلا غرض و غاية، بل كان غرضه سهولة التفهيم و التفهم، و حينئذ نسأل أي شي‏ء يستفيده السامع و ينتقل إليه من سماع هذه الهيئة؟

وجدانا نرى انا لا ننتقل من سماعها الا إلى تصور نسبة المحمول إلى الموضوع مع احتمال وقوعها و عدم وقوعها في الخارج، و لا نستفيد منها أكثر من ذلك.

و هذا المعنى نستفيده من الهيئات المفردة أيضا مثل «قيام زيد» مثلا، و من الجملة السلبية أيضا كقولك «ما زيد بقائم»، و لا كاشفية لها عن التصديق بثبوت النسبة، و المفروض انها من القضايا التصديقية، فلا بد و ان تكون موضوعة لمعنى آخر، فما هو ذلك المعنى؟

و الصحيح ان يقال: انها موضوعة لقصد الحكاية و الاخبار، و يتضح هذا بما ذكرناه في حقيقة الوضع، و انه عبارة عن تعهد الواضع و التزامه بذكر اللفظ عند إرادة تفهيم المعنى، و في وضع الهيئة في الجمل الخبرية: التزام بالإتيان بها عند قصد الحكاية، فهي تدل على ان المتكلم قصد بإيجادها الحكاية و الاخبار و ان داعيه على الإتيان بها هو ذلك.

و عليه فالهيئة من حيث مدلولها لا تحمل الصدق و الكذب، لأن دلالتها على قصد اللافظ تكون كدلالة لفظ زيد على معناه، و انما يكون الصدق و الكذب فيها بلحاظ متعلق مدلولها و هو الاخبار و الحكاية من حيث مطابقتها مع المحكي و عدمها، و حيث ان الداعي في الأفعال الاختيارية يكون عنوانا للفعل، مثلا إذا قام بقصد التعظيم يصدق على القيام انه تعظيم، و إذا فعله بداعي السخرية يكون الفعل سخرية و هكذا، ففي المقام حيث ان الداعي على الإتيان بالهيئة الخاصة يكون هو الاخبار، فيصدق الحكاية و الاخبار على نفس الهيئة بلا عناية، كما يصدق على رفع الرّأس و الإشارة بالأعضاء في مقام الحكاية و الاخبار عن شي‏ء، فتكون الجملة كالفعل الخارجي بنفسها مصداقا للخبر.

48

و على هذا يتم ما يقال: من ان معاني الهيئات حرفية، إذ على ما ذكرناه تكون الهيئة موجدة للخبر و الحكاية في الخارج، فتكون إيجادية كالحروف.

هذا في هيئة الجمل الاسمية، و أما غيرها من الهيئات فهي كثيرة، منها هيئة الأفعال و توابعها من المشتقات.

و ليعلم ان المشتقات تكون مشتملة على مادة مشتركة بينها و على هيئة، و قد وقع الخلاف في تعيين تلك المادة المشتركة، فذهب قدماء النحويين إلى انها هي المصدر و متأخروهم إلى انها اسم المصدر.

و لكن التحقيق: عدم صحة ذلك لأن المادة المشتركة لا بد و ان تكون موجودة في جميع المشتقات لاعتبار وجود المقسم في الأقسام، و إلّا لخرج عن كونه مقسما، و نحن نرى ان كل واحد من المشتقات من حيث الهيئة و المعنى يكون مشتملا على خصوصيّة لا توجد في غيره مثلا ضرب مشتمل على معنى و خصوصية لا توجد في بقية المشتقات، فلا وجه لتوهم كونه أصلا في الكلام كما ذهب إليه الكوفيون من النحويين، و هكذا المصدر معناه العرض الملحوظ بما انه صفة للغير و اسم المصدر معناه العرض إذا لوحظ بما هو موجود خاص، و ليس هذا اللحاظ دخيلا في معاني المشتقات أصلا.

فإذا لا بد و ان تكون المادة المشتركة هو نفس المعنى اللابشرط الغير المقيد بشي‏ء حتى من حيث التقييد بعدم الاشتراط، و يعبر عنه بالمهملة، و من حيث اللفظ للألفاظ المرتبة من حيث التقديم و التأخير لا غير في مثل لفظ الضاد و الراء و الباء في ضرب و يضرب و نظائره. هذا في مادة المشتقات.

و أما الهيئات، فهيئة فعل الماضي موضوعة لتفهم قصد الحكاية عن تحقق المبدأ خارجا أي قبل زمان التكلّم، و حينئذ ان كان المبدأ المشتمل عليه الفعل مسندا إلى الزمانيات فبالالتزام يدل الفعل الماضي على الزمان الماضي، فان لازم‏

49

تحققه قبل زمان التكلم هو ذلك، و ان كان مسندا إلى نفس الزمان أو ما فوق الزمان فلا يدل إلّا على مجرد التحقق كما في قولك «مضى الزمان أو الدهر أو علم اللّه» و أمثال ذلك، فيكون استعمال الماضي في هذه الموارد بلا عناية و تجريد، لأن الزمان لم يكن مأخوذا في معناه أصلا و انما كان مدلولا التزاميا له إذا كان فاعله من الزمانيات، و هذا هو الّذي أوجب توهّم جملة من النحويّين كون الزمان الماضي مأخوذا في مدلوله.

و أما المستقبل فهيئته موضوعة للحكاية عن التلبس بالمبدإ فعلا و إذا دخل عليه السين أو سوف ينقلب إلى الاستقبال، و على هذا يظهر الوجه في كون مفاد هيئة الأفعال معنى حرفيا، لأنها تدل على تضييق تلك الصفة بالتحقيق في الفعل الماضي و بالتلبس في المستقبل.

و أما هيئة المصدر و اسم المصدر فقد ظهر الحال فيهما مما تقدم. و أما هيئة بقية المشتقات من اسم الفاعل و المفعول و الصفة المشبهة و اسم الآلة و المكان و الزمان و نحوها فهي موضوعة لقصد تفهم ذات مبهمة من جميع الجهات سوى اسناد المبدأ و انتسابه إليه، مثلا هيئة القائم تدل على ذات متصفة بتلك الصفة أما إنسان و أما حائط و أما رمح و أما حيوان و أما غير ذلك.

نعم تختلف أنحاء التلبسات فهيئة الفاعل دالّة على الذات المنتسب إليه المبدأ بالنسبة الصدورية، و في المفعول بالنسبة الوقوعية، و في الآلة بالنسبة الآلية إلى غير ذلك.

و على هذا فتكون الذات داخلة في مدلول المشتقات، و لا وجه لما ذكره بعضهم من بساطة المشتقات بمعنى خروج الذات عن مدلولها، نعم البساطة بمعنى آخر صحيح كما سنتعرض لذلك إن شاء اللّه تعالى في محله مفصّلا.

استدراك: ذكرنا ان هيئة الجمل الاسمية تدل على قصد المتكلم الاخبار

50

و الحكاية، و ليعلم انه ليس مرادنا من ذلك ان معنى «زيد قائم» مثلا قصد الحكاية عن قيام لتحتمل الصدق و الكذب بحسب مدلوله، فليس معناها الاخبار عن القصد و لا يكون بابها باب الاخبار عن القصد و انما يكون بابها باب الدال و المدلول، فان نظام العالم يتوقّف على تفهّم المقاصد و تفهيمها، و لذا نرى ان كثيرا ما يتعلق الجعل و المواضعة بتفهيم المقاصد بالافعال كالتعظيم بالقيام عند طائفة، و برفع العمامة عند قوم، و بوضع إحدى اليدين على الأخرى عند آخرين إلى غير ذلك، فيكون القيام و رفع العمامة أو اليد مصداقا للتعظيم نظير الأفعال التوليدية، و حيث انه من الأفعال الاختيارية فيدل على قصد التعظيم أيضا.

فالقيام مثلا بعنوانه الأولي قيام و بعنوانه الثانوي تعظيم، و رفع الرّأس مثلا في بعض الأحيان بعنوانه الأولى يكون فعلا خاصا و بعنوانه الثانوي يكون مصداقا للاخبار و الحكاية، و لذا لا يبعد القول ببطلان الصوم بذلك إذا كان افتراء على النبي أو أحد الأئمة (عليهم السّلام)، هذا في الأفعال الخارجية، و اما في الألفاظ فهيئة الجملة الاسمية لم تجعل لثبوت النسبة، و انما جعلت للحكاية و الاخبار بالثبوت أو بالنفي، و حيث ان الحكاية و الاعتبار من الأفعال القصدية فلا محالة تدل على قصد ذلك، فان شئت فعبّر بأنها موضوعة للاخبار القصدي، و ان شئت فقل بأنها موضوعة لقصد الاخبار، و على هذا فالصدق و الكذب فيها ليس بلحاظ مدلولها بل بلحاظ مطابقة الحكاية مع المحكي و عدمها.

و أما الأفعال فالمادة المشتركة بينها انما هي المعنى اللابشرط من جميع أنحاء النسب، و أما هيئتها فهيئة فعل الماضي موضوعة للحكاية عن تحقق قيام المبدأ بالذات و سبقه على زمان التكلم ان لم يكن الفعل مقيدا، و ان كان مقيدا فبالقياس إلى القيد مثلا لو قال يجيئني زيد بعد عشرة أيام و قد صام قبله بيوم يكون السبق فيه بالقياس إلى المجموع لا مطلقا و يكون الاستعمال بلا عناية.

51

و أما هيئة فعل المستقبل فموضوعة للحكاية عن التلبس بالمبدإ، أما حال أو الأعم منه و من الاستقبال.

و أما هيئة اسم الفاعل و نظائره فهي موضوعة لذات مبهمة من جميع الجهات مقيدة من جهة الانتساب إلى المبدأ، فهي تدل على التضييق و التقييد كالحروف كما ان لفظ الخمر أيضا لا يدل إلّا على شي‏ء مسكر مبهم من حيث كونه مأخوذا من تمر أو عنب أو غيره، و هكذا لفظ النار تدل على ذاك العنوان المبهم من حيث كونه من خشب أو نفط أو غيره، و ما يقال من خروج الذات عن حقيقة المشتق سيأتي انه غير تام بل الذات مقوم فيه.

و أما هيئة فعل الأمر و النهي فهي موضوعة للدلالة على تعلق الطلب و البعث في الأول و الزجر في الثاني بالمعنى الّذي نبيّنه في حقيقة الطلب بالمادة فتكون من حيث دلالتها كدلالة الهيئة في الجمل الخبرية، فكما ان الجمل الخبرية من حيث مدلولها لا تتصف بالصدق و الكذب، غايته حيث ان مدلولها و هو الاخبار و الحكاية يكون من الأمور التعليقية و يكون له تعلق بالخارج يحتمل فيه الصدق و الكذب، و مدلول فعل الأمر و النهي لا تعلق له بالخارج أصلا، و تكون نظير دلالة الكلمات المفردة مثل زيد على معناه، فلا مجال فيها للاتصاف بالصدق و الكذب أبدا كما في الألفاظ المفردة.

إذا عرفت هذا فنقول: ان الأسماء انما تدل على ذوات المعاني لا بشرط من حيث الوجود و العدم من غير فرق بين الجوامد و المشتقات و المصدر و غير المصدر، مثلا: لفظ الإنسان يدل على الطبيعة الخاصة الغير المقيدة بالوجود و العدم القابلة للاتصاف بهما، و هكذا لفظ قائم يدل على ذات مبهم إلّا من حيث انتساب المبدأ إليه، و مثله لفظ ضرب الّذي هو مصدر معناه العرض الخاصّ بما انه صفة للغير، فيصح ما يقال ان الاسم ما أنبأ عن المسمى.

52

و أما الأفعال: ففعل الماضي و المضارع يدلان على فعلية المعنى الّذي كان قابلا لكل من الفعلية و عدمها، فهما يدلان على حركة المبدأ من القوة إلى الفعلية.

و أما فعل الأمر و النهي، فهما يدلان على ان المعنى الّذي كان قابلا لتعلق الطلب به وجودا و عدما تعلق به الطلب و صار كذلك فعلا، و بهذا ظهر الوجه في كون معانيها حرفية، فانها تدل على تضييق المعنى الاسمي و تقييده بالوجود و الفعلية تارة و بفعلية العدم أخرى كما في الحروف، و الفرق بينهما هو ان التضييق في الحروف كان تضييق المفهوم بالمفهوم، و في الأفعال يكون التضييق تضييقا بالوجود أو بالعدم، و هما مشتركان من حيث أصل التضييق، و بهذا يظهر بيان الخبر المسند إلى أمير المؤمنين (عليه السّلام) من «ان الاسم ما أنبأ عن المسمّى، و الفعل ما أنبأ عن حركة المسمّى و الحرف ما أوجد معنى في غيره».

بقي في المقام أمران:

أحدهما: النقض بأسماء الأفعال، فانها أيضا تدل على حركة المسمّى بهذا المعنى.

و فيه: ان المعرّف في الخبر انما هو الفعل أي الهيئة الفعلية، و من الواضح انه ليس لأسماء الأفعال مادة موضوعة و هيئة موضوعة استقلالا، بل المادة و الهيئة معا فيها موضوعة لمعنى خاص، فهي حقيقة من الجوامد غايته ان معناها معنى الفعل، و لذا يدخل عليها خواص الاسم من التنوين و غيره، فهي كالخنثى فتأمل [1].

ثانيهما: ان هيئة الجملة الاسمية أيضا تدل على حركة المسمى بهذا المعنى كما في «زيد قائم» فانها تدل على فعلية القيام من زيد، فالتعريف لا يكون مانعا.

و فيه: ان المعرّف انما هو الكلمة- كما يستفاد من المقسم المذكور في الخبر-

____________

[1] وجهه انه ينتقض بها تعريف الاسم لا محالة (منه).

53

و الجمل الاسمية تكون كلاما، و بعبارة أخرى لم يرد في الخبر ان كلّ ما أنبأ عن حركة المسمى فهو فعل لينتقض بالجمل الاسمية، و انما قال: الفعل الّذي هو كلمة ما ينبأ عن حركة المسمى، و لا ينافي ذلك ان يكون شيئا آخر أيضا دال على ذلك.

هذا كله في بيان الخبر و الفرق بين الاسم و الفعل و الحرف و بيان معانيها.

[- الفرق بين الاخبار و الإنشاء]

ثم انه يقع الكلام في الفرق بين الاخبار و الإنشاء، و ان ظهر إجماله مما تقدم،

[- ما ذكره المشهور من أنّ الاختلاف بينهما يكون باختلاف الدواعي‏]

فنقول: المشهور كما في الكفاية (1) انه لا فرق بين الاخبار و الإنشاء من حيث المعنى، و ان اختلافهما انما يكون باختلاف الدواعي، بل ذكروا ان دلالة الجمل الخبرية المستعملة في الطلب على ذلك يكون آكد من دلالة صيغة افعل عليه، خصوصا إذا كانت بصيغة الماضي و واقعة في جزاء الشرط كما في قولك «من قهقه في صلاته أعادها أو يعيدها» فان المتكلم لكثرة اشتياقه بذلك الأمر كأنه يعتبره مفروض الوجود و التحقق فيخبر عن ذلك.

و كيف كان على ما سلكناه في بيان الموضوع له في الجمل الخبرية و غيرها لا مجال لهذا التوهم أصلا.

بيان ذلك: هو ان الإنشاء عندهم عبارة عن إيجاد المعنى باللفظ، و الظاهر انه مجرد لقلقة لسان و لا معنى لإيجاد المعنى باللفظ أصلا، فان الموجودات على ما مرّ مرارا منحصرة في الموجودات الحقيقة، و هي وجود الجواهر و الأعراض الشاملة للأمور الانتزاعية أيضا، و في الموجودات الاعتبارية و لا ثالث.

فان أريد من إيجاد المعنى باللفظ الإيجاد الحقيقي فبالبداهة نرى انه لا يوجد باللفظ إلّا فرد من الكيف المسموع ليس إلّا، و لا يكون اللفظ سببا و لا آلة لوجود المعنى أصلا، و ان أريد إيجاده بالوجود الاعتباري في وعاء الاعتبار، و حينئذ لا

____________

(1) كفاية الأصول- المجلد الأول- ص 16.

54

يخلو الحال من ان يراد وجوده في اعتبار المتكلم، أو يراد وجوده في اعتبار الشرع أو العقلاء.

أما الأول: فلا شبهة في انه متقوم باعتبار المعتبر و توجه نفسه، سواء كان هناك لفظ أو لم يكن.

و أما الثاني: فاللفظ و ان كان موضوعا لاعتبار الشارع و العقلاء و نسبة الموضوع إلى حكمه تكون كنسبة العلة إلى معلوله فتحقق اللفظ يكون علّة لثبوت الاعتبار النوعيّ أو العقلائي بمعنى انطباقه على المورد لا أصل ثبوته و إنشائه، و لكن الموضوع لاعتبار الشارع و العقلاء ليس هو اللفظ المجرد، و انما هو اللفظ الّذي يكون مستعملا في المعنى، فما هو ذلك المعنى؟! فيكون القول بان الإنشاء إيجاد اللفظ بالمعنى لقلقة لسان كما ذكرناه.

[- الصحيح في بيان حقيقة الاخبار و الإنشاء]

و الصحيح ان يقال: ان الإنشاء انما هو إبراز الاعتبار النفسانيّ، فان حقيقة الإيجاب ليس إلّا اعتبار الأبدية و ثبوت متعلق طلبه على رقبة المكلف، كاعتبار الدين في ذمة المديون و العمل على رقبة الأجير، و لذا ربما يتعدى ذلك بلفظ «على» كما في قوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ‏ (1).

و ينتزع من هذا الاعتبار عنوان الإلزام من جهة كونه لازما على رقبة المكلف، و ينتزع منه الوجوب بمعنى الثبوت لثبوته في ذمته، و التكليف من جهة إيقاعه المكلف في الكلفة إلى غير ذلك، و لفظ افعل يكون بحسب تعهد الواضع مبرزا لهذا الاعتبار، فكما ان الهيئة في الجمل الخبرية تكون مبرزة لقصد الحكاية، فليس فيها من حيث دلالتها احتمال الصدق و الكذب، كذلك الهيئة في الجمل الإنشائية مبرزة لنفس الاعتبار، فليس فيها احتمال الصدق و الكذب أصلا، و ليس معناها

____________

(1) البقرة- 183.