درر الفوائد

- الشيخ عبد الكريم الحائري اليزدي المزيد...
736 /
3

[مقدمات التحقيق‏]

[مقدمة المؤسسة]

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

الحمد للّه ربّ العالمين و صلّى اللّه على سيّدنا و نبيّنا محمّد و آله الطاهرين، و لعنة اللّه على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.

إنّ مؤسّسة النشر الإسلامي قد وقفت نفسها لإحياء العلوم الإسلاميّة، عن طريق تحقيق و تصحيح و طبع و نشر الكتب العلميّة التي ألّفها أو يؤلّفها علماؤنا الأبرار قدماؤهم و متأخّروهم. و قد وفّقها اللّه تعالى بهذا الصدد كثيرا- و للّه الحمد أولا و آخرا-، إذ قامت بطبع و نشر عشرات من الذخائر و المواريث الذهبيّة، في العلوم الإسلاميّة المختلفة.

و أنّ لعلم اصول الفقه في العلوم الإسلاميّة مكانة رفيعة، فإنّها قواعد ممهّدة لاستنباط الأحكام الشرعية من أدلّتها، و يبتنى عليه استخراج القوانين الإلهيّة المتكفّلة لسعادة بني آدم في الدنيا و الآخرة، و قد قام المحقّقون من علمائنا الأعلام بتهذيب هذه القواعد الاصولية و إحكامها، و شيّدوا بصرف أعمارهم الشريفة و أفكارهم الدقيقة بنيانها. ثمّ ربّما نظموا حاصل أفكارهم العميقة، و جعلوها في كتب قيّمة خدمة للعلم و أهله.

و ممّا ألّف في هذا النظام مجموعة ألّفها استاذ الأساتذة العظام شيخ المشايخ الكرام مؤسّس الحوزة العلميّة الكبرى بقم المشرّفة، صاحب النفس الزكيّة القدسيّة و الأفكار العلمية القيّمة، و التحقيقات الدقيقة المرضيّة، آية اللّه العظمى مولانا الحاج الشيخ عبد الكريم الحائريّ اليزديّ «(قدّس اللّه سرّه و أعلى اللّه في الخلد درجته) » و سمّاها ب «درر الفوائد» فهي مشتملة على تحقيقات في علم الاصول بديعة، و تفكيرات‏

4

في تمهيد قواعدها بهيّة.

و إنّه «(قدّس سرّه)» كما تشهد به مواضع عديدة من متن الكتاب- و يأتي تفصيله عن قريب- قد ألّفها في زمان شيخه الاستاذ، استاذ المحقّقين، آية اللّه العظمى المحقّق الخراساني صاحب كفاية الاصول «(قدّس سرّه)»، ثمّ جعلها مدار بحثه في دورات مختلفة و سنين متمادية، و زاد على أصلها مطالب جديدة و أبرزها بصورة التعليقة عليها، و في بعض الأحيان جعلها ضمن متنها.

و لنستمع إلى بيان نبذة من تاريخ حياة المؤلّف و هجرته إلى ايران، و كيفيّة أمر تأليف هذا الكتاب، و كيفيّة أمر هذا التعليق و التكميل، إلى ما أفاده شيخ العلماء و المجتهدين صندوق علم استاذه المؤلّف و خزينة سرّه آية اللّه العظمى الزاهد الورع التقي الزكيّ الحاجّ الشيخ محمّد علي الأراكي «أدام اللّه تعالى ظلّه و أطال بقاه» (1).

قال «(دام ظلّه)»: إنّ استاذنا المحقّق المؤلّف «طاب ثراه» قد هاجر بعد وفاة سيّده الاستاذ آية اللّه العظمى المجدّد الحاج الميرزا حسن الشيرازي، و سيّده الاستاذ آية اللّه المحقّق السيّد الفشاركي «(قدّس سرّهما)» حوالي سنة 1316 ه. ق. إلى بلدة أراك في إيران، و أقام بها طيلة ثمان سنوات، و قد أسّس بها حوزة علميّة حضرها جمّ غفير من جهابذة العلم، و ألّف «(رحمه اللّه)» جميع المباحث الاصوليّة من المجلّد الثاني، و مبحث مقدّمة الواجب، و اجتماع الأمر و النهي و الضدّ من مباحث الألفاظ، حين كان قاطنا في بلدة أراك و كفاية الاصول لم تطبع بعد، و لذلك فقد كان ناظرا في هذه المباحث إلى تعليقة استاذه المحقّق الخراساني «(قدّس سرّه)» على الفرائد.

ثمّ عند بدء النهضة الدستوريّة في إيران عاد خفية إلى العراق في سنة 1324 ه. ق، و حضر مجدّدا مدة قليلة بحث المحقّق الخراساني في النجف الأشرف، ثمّ هاجر إلى كربلاء المشرّفة، و أقام بها حوالي ثمان سنوات، و أكمل بقيّة المباحث الاصوليّة طيلة إقامته هناك، و كان ناظرا في تلك المباحث إلى ما أفاده المحقّق الخراساني في الكفاية

____________

(1)- بما أنّه «(دام ظلّه)» وضّح هنا كيفيّة تأليف هذا السفر الجليل و التعاليق العائدة إليه فقد قدّمناها على ما سيأتي في نبذة من حياة المؤلّف «(قدّس سرّه)».

5

و كانت مطبوعة حينذاك.

قال (دام ظلّه): «و لقد كتبت هذه التحقيقات الجديدة التي للاستاذ بصورة تعاليق على كتاب الدرر، ثمّ جعل الاستاذ حلقة و لجنة كنت أحضرها في محضره الشريف، و أقرأ ما كتبته عليه فيصحّحها و يصوّبها، و كثيرا ما يلخّص عبارتها، رغبة منه «(قدّس سرّه)» في إيجاز العبارات، و حذرا من الإطناب المملّ، و ربّما غيّر بعض عبارات المتن و جعل التعليقة في أصل الكتاب، و ربّما عدل عمّا اختار في المتن إلى رأي آخر جعل في الهامش، و فرزت هذه التحقيقات و التعليقات بالصورة النهائيّة على ما يرضاها شيخنا الاستاذ، و قد تمّ أمر البحث عن المباحث اللفظيّة على هذا المنوال، و أدام بعدها أيضا هذه الجلسات، إلا أنّه عاقه عن تتميم المرام بعض حوادث تلك الأيام، إلى أن دعا اللّه تعالى استاذنا إلى جواره، فلبّى ربّه الكريم، و «لدى الكريم حلّ ضيفا عبده» (1) و حرمنا الاستضاءة بأنوار أفكاره «طيّب اللّه ثراه و قدّس أسراره». إلى هنا تنتهي خلاصة ما أفاده آية اللّه العظمى الأراكي «مدّ ظلّه العالي».

ثمّ إنّه قد ظهرت هذه التعليقات و التحقيقات ضمن المجلّد الأوّل من الكتاب، الحاوي لمباحث الألفاظ، و طبعت في حياة المؤلّف المحقّق، و هي الطبعة الثالثة من الكتاب، المطبوعة سنة 1355 ه. ق.

و أمّا بقيّة هذه التحقيقات فقد بقيت محفوظة عند آية اللّه العظمى الشيخ الأراكي «أدام اللّه تعالى ظلّه العالي» و قد تفضّل «(دام ظلّه)» على المؤسّسة- على ما كان هو المأمول من سماحته- فجعل هذه التعليقات مع ضمائم أخر مباركة باختيارنا، فوجدنا أنّها متعلّقة بمباحث القطع و الظنّ، فكتبناها و جعلناها في موضعها من الكتاب. و هذه التحقيقات جميعها تعليقات وضعناها ذيل صفحات الكتاب، إلا موضعا واحدا، و هو آخر البحث عن قيام الأمارات و الاصول مقام القطع، فانّ فيه تغيير عبارة المتن، فجعلنا هذه العبارة المحقّقة هو الأصل و المتن، و جئنا بالعبارة السابقة

____________

(1)- هذه الجملة تاريخ وفاة المؤلّف المحقّق «(قدّس سرّه)» بحساب الجمل الكبيرة، و هي سنة 1355 ه. ق.

6

في الذيل فلعلّها لا تخلو عن إفادة.

ثمّ إنّ لآية اللّه العظمى الأراكي «مدّ اللّه تعالى ظلّه العالي» تعليقات و تحقيقات اصوليّة على كتاب الدرر، في مباحث الألفاظ، و الاصول العمليّة، و مبحث التعادل و الترجيح، قد تفضّل بها على المؤسّسة، و جعلها تحت تصرّفها، و هذه التعليقات و التحقيقات، ما كانت منها متعلّقة بمباحث الألفاظ وضعناها مستقلّة عن متن الكتاب، و جئنا بها بعد انتهاء المجلّد الأوّل، و رمزنا في متن الكتاب رقما منجّما في موارد التعليقة، ليكون تنبيها عليها، و أفردنا هذه التحقيقات و التعليقات عن المتن لجهات ثلاث:

1- اشتمال الكتاب على تعليقات المحقّق المؤلّف «(قدّس سرّه)» فرأينا أنّ الإتيان بهذه التعليقات أيضا ربّما يوجب تشويش ذهن القارئ.

2- انّ هذه التعليقات ربّما كانت مطوّلة جدّا، تزيد على المتن بكثير، لاشتمالها على مطالب جديدة و نكات لم يتعرّض لها في المتن، فكان إفرادها أولى.

3- إنّ قسما من هذه التحقيقات لم يكن بصورة التعليقة على الكتاب- و إن كان ناظرا إلى ما تضمّنه- بل هو بصورة مستقلّة، فلذلك لا يمكن إدراجها بصورة التعليقة في ذيل الكتاب، فأفردناها جميعها في آخر المجلّد الأوّل استطرادا. هذا بالنسبة إلى ما يتعلّق من هذه التحقيقات بمباحث الألفاظ المجموعة في المجلد الأوّل.

و أمّا ما تعلّقت منها بمباحث الاصول العمليّة و مبحث التعادل و الترجيح؛ فحيث لم يكن للمؤلّف المحقّق «(قدّس سرّه)» تعليقات على هذه المباحث، و كانت جميعها في صورة التعليقة المجملة، فلذلك أدرجناها في هامش الكتاب بصورة تعليقات في ذيل الصفحات، مشيرين في المتن برقم إلى موضع التعليقة، و رمزنا في آخر كلّ تعليقة برمز مختصر إلى اسمه الشريف، و كذلك فعلنا مع تعليقات المؤلف المحقّق «(قدّس سرّه)».

ثمّ إنّ الكتاب لمّا كان خاليا عن بحث «الاجتهاد و التقليد» و قد كتب آية اللّه العظمى الأراكي «مدّ ظلّه العالي» ما أفاده استاذه المحقّق في ذلك البحث، في رسالة بصورة مختصرة مناسبة لوضع الكتاب، فزاد «(دام ظلّه)» في منّه علينا، و أذن في طبع هذه الرسالة في آخر الكتاب.

7

فصارت- و للّه الحمد- موسوعتنا هذه كاملة كافلة بهذه المزايا و النكات و التحقيقات.

طبعات الكتاب‏

طبع كتاب «درر الفوائد» قبل هذا أربع طبعات:

1- الطبعة الحجريّة، و قد طبع المجلّد الأوّل منه في سنة 1337 ه، و المجلّد الثاني منه في سنة 1338 ه. بجهد العلامة الحجّة الحاج السيّد إسماعيل ابن آية اللّه الحاج آغا محسن الأراكي «(قدّس سرّهما)».

2- الطبعة الحجريّة أيضا، المطبوعة في سنة 1344 ه، بطهران، في مطبعة «اتّحاد».

3- الطبعة الحجريّة أيضا، المطبوعة في سنة 1355 ه، في أواخر حياة المؤلّف «(قدّس سرّه)» و كان المطبوع في هذه الطبعة خصوص مباحث الألفاظ منه، و هذه الطبعة أصحّ طبعات الكتاب و أتقنها، و قد اشتملت- كما أشرنا إليه- على زيادات في ذيل الصفحات، هي تحقيقات جديدة من المؤلّف المحقّق «(قدّس سرّه)»، و قد مرّ شرح أمرها. و هذه الطبعات الثلاث كلّها كانت زمن حياة المؤلّف «طاب ثراه».

4- الطبعة المنضدة بالحروف الرصاصيّة، و هذه الطبعة طبعت بعد وفاة المؤلّف «(قدّس سرّه)»، و هي أيضا قد اشتملت في مجلّدها الأوّل- و هو الحاوي لمباحث الألفاظ- على تعليقات المؤلّف، كما في الطبعة الثالثة، و مجلّدها الثاني خال عنها كالطبعات السابقة. و هي و إن كانت سهلة التناول للمطالع من جهة طبعها بالحروف الرصاصيّة، إلا أنّها أيضا مشتملة على أخطاء مطبعيّة كثيرة، و على حذف بعض الكلمات بل عبارات أيضا. و مع ذلك فقد قام بعض ناشري الكتب بتجديد هذه الطبعة الرابعة بصورة فتوغرافيّة، لنفاد نسخ الكتاب، و حاجة طلاب العلم إلى تناوله.

الطبعة الخامسة للكتاب و مزاياها

و الآن فقد قامت مؤسّستنا «مؤسّسة النشر الإسلامي» بالطبعة الخامسة للكتاب‏

8

و هي مشتملة على مزايا جديدة، ما يلي بعضها:

1- اشتمالها على تحقيقات و تعليقات المؤلّف المحقّق «(قدّس سرّه)» على مباحث القطع و الظن، بشرح قد مضى.

2- اشتمالها على تحقيقات و تعليقات لآية اللّه العظمى الأراكي «دامت بركاته» على مباحث الألفاظ و الاصول العمليّة و مبحث التعادل و التراجيح، بشرح قد مضى أيضا.

3- اشتمالها على رسالة الاجتهاد و التقليد، من إفادات المؤلّف المحقّق «(قدّس سرّه)» بقلم آية اللّه العظمى الأراكي «مدّ ظلّه العالي» بالشرح الماضي.

4- اشتمالها على الاسلوب الأحسن في الطبع، و على رعاية المحاسن المطبعيّة، و إعمال الدقّة اللازمة في التصحيح المطبعي.

5- إعمال الدقّة في تصحيح أصل النسخة «متنا و هامشا».

كيفيّة عمليّة التصحيح:

برغم ما بذلناه من الفحص و التفتيش عن خطّ المصنّف «(قدّس سرّه)» لم نعثر عليه، إلا أنّه اعتمدنا في تصحيح المتن على نسخة آية اللّه العظمى الأراكي «دامت بركاته» الّتي قد صحّحها «مدّ ظلّه» بنفسه، مقابلة على نسخة المؤلّف «(قدّس سرّه)».

و لمّا لم تكن مشتملة في أوّل بعض الفصول على العناوين الخاصّة، زدناها عليها- تبعا في الأكثر للطبعة الرابعة- و جعلناها داخل معقوفتين بهذه الصورة []، كما أنّه قد اعتمدنا في تصحيح التعليقات المطبوعة سابقا على النسخة الخطّيّة الّتي كانت موجودة عند آية اللّه العظمى الأراكي «مدّ ظلّه العالي» و كما أنّ الاعتماد في التعليقات غير المطبوعة التي للمؤلّف «(قدّس سرّه)» و في رسالة الاجتهاد و التقليد و في جميع تعليقات آية اللّه العظمى «دامت بركاته» كان على نسخة الأصل الّتي تفضّل بها سماحته، و صورتها الفتوغرافيّة موجودة في مكتبة المؤسّسة.

و أخبرا ترى هذه المؤسّسة لزاما عليها أن تقدّم شكرها المتواصل لكلّ من حضرة آية اللّه العظمى الحاج الشيخ محمّد عليّ الأراكي «(دام ظلّه)» إذ أتحفنا بجوانب من‏

9

حياة مؤسّس الحوزة العلميّة بقم المقدّسة مؤلف هذا الكتاب و كيفيّة تأليفه له و تنظيمه و إعطاء النسخ الأصليّة أو المصححة الموجودة عنده.

و هكذا لسماحة العلامة حجة الاسلام و المسلمين الحاج الشيخ محمّد المؤمن القمي حيث كان له السعي الحثيث في تحقيق الكتاب و تقديمه. و كذلك للعلّامة الشيخ محمّد هادي اليوسفي في تنظيمه لحياة المؤلّف «(قدّس سرّه)».

و نسأل اللّه تعالى أن يرزقنا الإخلاص في جميع الأعمال، و أن يتقبّل منّا بكرمه العميم و أن ينصر جنود الإسلام نصر عزيز مقتدر، و يمدّهم بملائكته، و يفتح لهم فتحا يسيرا، و أن يديم بقاء سيّدنا الإمام الخميني إلى قيام مهدي الامّة عليه الصلاة و السّلام بدولته الكريمة التي يعزّ بها الإسلام و أهله، و أن يجعلنا من الدعاة الى طاعته و القادة الى سبيله، و أن يوفقنا لإحياء آثار كبار علماء الاسلام و رجال مدرسة أهل بيت الوحي و الرسالة، آمين.

مؤسّسة النشر الاسلامي‏

التابعة لجماعة المدرّسين بقم المشرّفة

10

الصفحة الاولى من تعليقات آية اللّه الشيخ الأراكي «مدّ ظلّه» على مباحث الألفاظ

11

الصفحة الاولى من تعليقات آية اللّه الشيخ الأراكي «مدّ ظلّه العالي» على مباحث البراءة

12

الصفحة الاولى من تعليقات المرحوم آية اللّه العظمى الشيخ الحائري «(قدّس سرّه)» على مباحث القطع‏

13

الصفحة الاولى من رسالة الاجتهاد و التقليد بخطّ مؤلّفها آية اللّه العظمى الشيخ الأراكي «(دام ظلّه)»

14

الصفحة الأخيرة من درر الفوائد «الجزء الأول» المصحّحة على يد آية اللّه الشيخ الأراكي «مدّ ظلّه»

15

الصفحة الأخيرة من درر الفوائد «الجزء الثاني» المصحّحة على يد آية اللّه العظمى الشيخ الأراكي «أطاله اللّه عمره»

16

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

17

[مقدمة المحقق‏]

حياة المؤلّف‏

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

الشخصيّات الخالدة:

إنّ عجلة الزمن في دورانها المستمرّ لا تلفّ في طيّاتها أشخاصا بارزين فحسب، بل حتّى كثيرا من آثارهم، فلا يبقى منها أثر يذكر. و لكن يستثنى من هذه السنّة الطبيعيّة اولئك النماذج الانسانيّة الذين تقرّبوا بأعمالهم إلى ربّهم حتّى كانوا من أوليائه، فإنّهم لعظمتهم و صلابتهم يستثنون من هذه السنّة الطبيعيّة الجارية، فهم كما قال علي (عليه السلام): «باقون ما بقى الدّهر، أعيانهم مفقودة، و أمثالهم في القلوب موجودة» (1) فكأنّهم مستثنون ممّا يروى عن الرسول الكريم: «إنّ الشمس و القمر يبليان كلّ جديد». هؤلاء هم رجال العلم و الفضيلة، الذين يخلّدون في ذاكرة الناس بما يقدّمون لهم من خدمة صادقة مخلصة.

آية اللّه العظمى الشيخ عبد الكريم الحائري:

و من هؤلاء النماذج النادرة مؤسّس الحوزة العلميّة بمدينة قم المقدّسة المرحوم آية اللّه العظمى الحاج الشيخ عبد الكريم الحائريّ اليزديّ المهرجرديّ الميبديّ «(قدّس اللّه سرّه)» فهو من الأحياء الخالدين الذين لا تنسى الخواطر ذكرهم.

في سنة 1276 ه. ق في قرية «مهرجرد» من نواحي ميبد في محافظة يزد، و في وسط عائلة مؤمنة تعمل في حقل الزراعة، فتح عينيه على الحياة وليد- قدّم في مقتبل حياته‏

____________

(1)- نهج البلاغة، القسم الثالث: قصار الحكم، الكلمة: 147 ط. صبحى الصالح.

18

خدمات مهمّة و قيّمة إلى الامّة و الثقافة الإسلاميّة، و أصبح له حقّ عظيم على علمائنا و حوزاتنا العلميّة- هو المرحوم آية اللّه العظمى الحاج الشيخ عبد الكريم الحائري مؤسّس الحوزة العلميّة بمدينة قم المقدّسة.

قال شيخ المشايخ العظام آية اللّه العظمى الحاجّ الشيخ محمّد علي الأراكي «(دام ظلّه العالي) »: «إنّ للمترجم له قصّة عجيبة من بدء تكوّنه، و كان حدوثه بخرق العادة و دعاء أبيه. و بقاؤه أيضا بدعاء أبي عبد اللّه الحسين (عليه السلام)، و كيفيّة حمل أمّه به تشبه الإعجاز، و هو إنّ أباه محمّد جعفر لم يرزق ولدا رغم مرور سنوات على زواجه، فتزوّج اخرى بالعقد المنقطع رجاء انجاب ولد منها، و في ليلة دخوله بها، أيقظت بنتا لها من زوجها السابق و أخرجتها من البيت، فكانت الطفلة تبكي لذلك، فرقّ قلبه عليها، و توجّه بالدعاء و التضرّع إلى اللّه عزّ و جلّ بقلب منكسر حزين قائلا: اللهمّ أنت القادر على أن تهب لي ولدا من زوجتي الاولى حتّى لا أكون سببا لإيذاء و بكاء هذه الطفلة اليتيمة، فاستجاب له ربّه، و وهب له من زوجته الاولى هذا الولد المبارك».

دراساته و رحلاته:

في أردكان و يزد: تعلّم مبادئ العلوم العربيّة و الإسلاميّة في بلدة أردكان في محضر مجد العلماء الأردكاني و غيره، ثمّ انتقل إلى مدينة يزد فدخل «مدرسة الخان» و التحق بحلقة تلامذة المرحوم الحاج السيّد ميرزا حسين وامق و السيّد يحيى المجتهد اليزديّ الكبير.

في سامراء: قال السيّد الأمين في «أعيان الشيعة»: فكان تتلمذه (أي المرحوم الشيخ عبد الكريم) في المتون على العلّامتين الميرزا إبراهيم الشيروانيّ المحلاتيّ الشيرازي و الحاج الشيخ فضل اللّه نوري، و في الأبحاث الخارجة على العلّامة السيّد محمّد الفشاركي الأصبهاني‏ (1).

و حكى آية اللّه العظمى الأراكي «(دام ظلّه)» إنّه «(قدّس سرّه)» حين إذ ورد

____________

(1)- أعيان الشيعة، ج 8، ص 42، طبعة دار التعارف.

19

العراق ورد مع أمّه على الفاضل الأردكاني بكربلاء، و لمّا كان المؤمن ينظر بنور اللّه فقد تفرّس فيه الخير و المستقبل الجيّد، فكتب كتابا الى سامرّاء إلى العلّامة الحجّة آية اللّه العظمى المؤسّس الحاجّ السيّد الميرزا حسن الشيرازي «(قدّس سرّه)» كتب فيه ما كتب ممّا وجد فيه من آثار النبوغ و شطرا وافيا ممّا تفرّس منه، و أوصى إلى السيّد بمراعاته و تهيئة اموره في التحصيل و المعاش، فلمّا قرأ السيّد الكتاب تولّى اموره و أسكنه في دار مع ولده الحاجّ ميرزا علي آغا، فكان يقرأ العلوم مع ولده تحت رعاية الميرزا و مراقبته التامّة، حتى عدّ من خواصّ أهل بيته و كواحد من أولاده.

في النجف الأشرف: قال الشيخ آغا بزرك الطهراني في «طبقات أعلام الشيعة» ما مضمونه:

و حضر [في سامراء] على السيّد المجدّد الشيرازي و الميرزا محمّد تقيّ الشيرازي و غيرهما، فقد لازم حلقات دروسهم سنوات طويلة. و بعد وفاة المجدّد هاجر السيّد الفشاركي إلى النجف الأشرف فصحبه المترجم له و ظلّ ملازما لدروسه إلى أن توفي في سنة 1316 ه. ق، فلازم درس الشيخ محمّد كاظم الخراساني و كان من أجلّاء تلاميذه و بارزي حوزة درسه.

في كربلاء: و هبط كربلاء قبل وفاة الخراساني، فالتفّ حوله عدد من الطلاب فاشتغل بالتدريس و الإفادة، و كان الميرزا محمّد تقيّ الشيرازي حينئذ في كربلاء يجلّه و يشير إليه و يعترف بفضله و مكانته حتّى أنّه أرجع احتياطاته إليه، فألفت بذلك إليه الأنظار و أحلّه مكانة سامية في النفوس.

حوزته في أراك: و في أوائل سنة 1333 ه. ق. سافر إلى إيران لزيارة مشهد الإمام الرضا (عليه السلام)، في خراسان، و تلقّى دعوة من بعض وجوه أراك للإقامة عندهم، فهبط «سلطان‏آباد» المسمّاة اليوم ب «أراك»، و كان هناك بعض أهل العلم فعنى بتدريسهم و تنمية مواهبهم، فكان أن ازداد عددهم و بلغ نحو ثلاثمائة طالب علم، و أقبل الطلاب عليه و أصبحت المدينة مركزا ثقافيا و علميا على بساطتها. و لما انتقل الشيخ محمّد كاظم الخراساني إلى رحمة اللّه راجع الشيعة في التقليد السيّد محمّد كاظم اليزدي المتوفى سنة 1337 ه، و الشيخ الميرزا محمّد تقيّ الشيرازي المتوفى سنة 1338 ه، و شيخ الشريعة الأصفهاني المتوفى سنة 1339 ه، و اتّجه إليه أيضا عدد من‏

20

المقلّدين و حاز ثقة العامّة فضلا عن الخاصّة (1).

و قال: و قد سمعت على عهد شيخنا الشيرازى أنّه طلب الى المترجم له أن يعود إلى النجف بعد وفاة السيّد اليزدي في 1337 ه لينصّ عليه و يحمّله أعباء المرجعيّة، لو لا أن حال دون ذلك انتقال الشيرازي إلى رحمة اللّه في سنة 1338 ه (2)

هذا ما يوجد في كتابي أعيان الشيعة و طبقات أعلام الشيعة في كيفية إقامة المترجم له بكربلاء المشرّفة و هجرته الى أراك ايران و تأسيس الحوزة بها.

إلا أنّ شيخ المشايخ العظام آية اللّه العظمى الأراكي قد نقل الأمر في هجرته الى ايران و إقامته بكربلاء على مزيد من ذلك و إليكم نصّ مقاله:

قال «(دام ظلّه)»: إنّ استاذنا المحقّق المؤلّف «طاب ثراه» قد هاجر بعد وفاة سيّده الاستاذ آية اللّه العظمى المجدّد الحاج الميرزا حسن الشيرازي و سيّده الاستاذ آية اللّه المحقّق السيد الفشاركي «(قدّس سرّهما)» حوالي سنة 1316 ه. ق الى بلدة أراك في ايران و كان ذلك بان التمس العلامة السيّد محمود الأراكي من المرحوم الشيخ الحائري أن يهاجر الى بلدة أراك فأبى ذلك لسببين: الأوّل ممانعة استاذه الآخوند و الآخر ممانعة أمّه لأنّها جاورت العتبات المقدّسة في كربلاء لتدفن فيها، و لكن السيّد أصرّ على ذلك و استطاع أن يقنع الآخوند الخراساني و كذا والدة الشيخ الحائري فهاجر الشيخ الى أراك سنة 1316 ه. ق و أقام بها طيلة ثمان سنوات، و قد أسّس بها حوزه علميّة قد حضرها جمّ غفير من جهابذة العلم و ألّف «(رحمه اللّه)» جميع المباحث الاصوليّة من المجلّد الثاني، و مبحث مقدّمة الواجب، و اجتماع الأمر و النهي و الضدّ من مباحث الألفاظ حين كان قاطنا في بلدة أراك، و كفاية الاصول لم تطبع بعد، و لذلك فقد كان ناظرا في هذه المباحث إلى تعليقة استاذه المحقّق الخراساني «(قدّس سرّه)» على الفرائد. ثمّ عند بدء النهضة الدستوريّة في ايران عاد مرّة اخرى خفية الى العراق في سنة 1324 ه. ق، و حضر مجدّدا مدة قليلة بحث المحقّق الخراساني في النجف الأشرف، ثم هاجر الى‏

____________

(1)- طبقات أعلام الشيعة: ج 3، ص 1158، 1159.

(2)- طبقات أعلام الشيعة: ج 3، ص 1164.

21

كربلاء المشرّفة، و أقام بها حوالي ثمان سنوات، و أكمل بقيّة المباحث الاصوليّة طيلة إقامته هناك و كان ناظرا في تلك المباحث إلى ما أفاده المحقّق الخراساني في الكفاية و كانت مطبوعة حينذاك، ثمّ هاجر هجرة ثانية إلى إيران بلدة أراك، بدعوة العلّامة الحجّة الحاج السيّد إسماعيل ابن المرحوم آية اللّه الحاجّ الآغا محسن الأراكي «(قدّس سرّهما)» و أنشأ مجدّدا حوزة علميّة، و أفاد إفادات كثيرة مدة ثمان سنوات تقريبا، ثمّ هاجر في سنة 1340 ه. ق. إلى بلدة قم المشرّفة، و أسّس بها الحوزة العلميّة المباركة.

حوزته في قم المقدّسة: و قال صاحب أعيان الشيعة: ثمّ زار (أي الشيخ عبد الكريم (رحمه اللّه)) مدينة قم المباركة، فاتّفقت رغبات جماعة من أهلها و غيرها على إقامته فيها، فسألوه ذلك، فأجابهم و بقى هناك مشتغلا بالتدريس و سائر الامور الدينيّة، فتقاطر إليه الطلّاب من كلّ حدب و صوب، و غصّت بهم المدارس حتى زاد عدد الطلّاب و العلماء على الألف، و قام بأعباء تنظيم دراستهم و إعاشتهم، و اتّخذ في تربية الطلبة و تعليمهم مسلكا صحيحا على أتقن نظام و أحسن أسلوب، حاز شيئا كثيرا من القبول عند العامّة و الخاصّة (1).

و في «طبقات أعلام الشيعة»: هبط (المترجم له) مدينة قم المشرّفة في شهر رجب سنة 1340 ه، فنظّم من كان فيها من طلّاب العلم تنظيما عاليا و أعلن عن عزمه على جعلها مركزا علميّا يكون له شأنه في خدمة الإسلام و إشادة دعائمه، و طفقت الحقوق الشرعيّة و الهبات تتوالى عليه من شتى مدن إيران فوسّع العطاء على الطّلاب و العلماء و بذل عليهم بسخاء، و سنّ نظاما للدراسة و قرّر ترتيبا مقبولا للإشراف على تعليم الطلّاب و إجراء الامتحان السنوي، و أكثر من الترغيب بغية اجتذاب الناس و إدخال من يرغب في الحوزة العلمية، و الناس- بحمد اللّه- منذ ذلك الحين ذو عقيدة راسخة و إيمان ثابت و اهتمام بشأن الدين و رجاله و احترام لحملته و طلّابه، و قد أبدى في كل ذلك كياسة و كفاءة، و دلّل على عقليّة جبّارة، و نفس كبيرة، و صدر رحب و لم يكن ليكنز الأموال الطائلة من الحقوق الشرعيّة عنده و تحت يده، بل ائتمن بعض‏

____________

(1)- أعيان الشيعة: ج 8، ص 42، طبعة دار التعارف.

22

أصحاب المتاجر من الصلحاء عليها، و كان يصدر أمره بتوزيعها من قبله على مستحقّيها و على سائر المشاريع المخصّصة لها (1).

قال آية اللّه العظمى الشيخ الأراكي (دام ظلّه): أنا أعتقد أنّ حدوث الحوزة العلميّة بقم، و إجراء ما أخبر به الائمة المعصومون «(عليهم السلام)» من غروب العلم من الكوفة و طلوعه في قم على يد المرحوم الشيخ عبد الكريم كان من بركات و عنايات سيّد الشهداء ((عليه السلام)). و حكى في ذلك قصّة عجيبة، و القصّة هكذا: حكي عن الحجّة الحاجّ آغا حسن فريد عن أبيه الحجّة الحاجّ آغا مصطفى زميل المترجم له «(قدّس سرّهما)» أنّ المترجم له «(رحمه اللّه)» رأى ليلة- حينما كان قاطنا في كربلاء قبل هجرته الثانية إلى أراك و قم- أنّه ناداه مناد لا يرى شخصه: إنّك ستموت بعد ثلاثة أو عشرة أيّام على الخلاف في النقل، ثمّ إنّه «(رحمه اللّه)» لم يعتن بذلك و نسيه، و كان مشتغلا باشتغالاته العلميّة، حتّى إذا كان يوم الخميس خرج مع عدّة من زملائه إلى البساتين التي حول كربلاء و لم يلبث هناك شيئا حتى أخذه البرد الشديد و ارتعدت فرائصه و لم يمنعه عن البرد لبس الألبسة، فأركبوه و وصل البيت بشق النفس و هو على أردإ حال.

ثمّ اشتدّ مرضه حينا بعد حين حتّى يئسوا منه، و وجد نفسه في حالة الاحتضار إذ جاءه الملك الموكّل بقبض الأرواح لقبض روحه، فتذكر ما رأى في المنام، فتوجّه في تلك الحالة إلى حضرة سيد الشهداء ((عليه السلام)) قائلا: يا أبا عبد اللّه أعلم أنّ الموت حقّ و لكن يديّ صفر من الزاد ليوم المعاد. ألتمس منك الدعاء لتمديد عمري إلى أن لمقرّي و اعدّ له عدّة، فجاء ملك آخر و قال للأول: ارفع يدك عنه فقد مدّ في عمره بدعوة أبى عبد اللّه الحسين، فوجد في نفسه قوة و طلب الماء و فرح أهله و الحاضرون حوله ممّا رأوه فرحا شديدا، بعد ما كانوا قبل لحظات يبكون عليه. ثمّ زال المرض عنه بسرعة من غير معالجة.

و كان الشيخ الحائري (رحمه اللّه) متمسكا بالائمة الأطهار ((عليهم السلام))، و كان في مقدّمة من خرج من أهل العلم بأمر السيّد الشيرازي في أيّام عاشوراء، و هو يردد أشعارا

____________

(1)- طبقات أعلام الشيعة: ج 3، ص 1159، 1160.

23

عليهم كان مطلعها:

يا علي المرتضى غوث الحجى كهف الورى‏* * * قم مغيثا، آلك الأمجاد عن حد الظبى‏

فرأى الإمام المظلوم أبا عبد اللّه ((عليه السلام))، فأعطاه شيئا من السكّر (نقل)، و كان عذوبة بيانه في الدرس و حلاوة محضره في خارج الدرس من آثار تلك العناية الحسينيّة. «انتهى كلام آية اللّه العظمى الأراكي».

سمت مكانة الحائري في نفوس الشعب الايرانى المسلم و غيره، و غطّت شهرته علماء ايران على الإطلاق، و صارت له حوزة علميّة يعتدّ بها، و كيان تعقد عليه الآمال، و صار كعبة الوفّاد، و أصبحت قم شرعة الوارد و نجعة الرائد، و ثنيت له و سادة الزعامة و القيت إليه مقاليد الامور، و أناط به أهل الحلّ و العقد ثقتهم، و أجمعوا على تقديمه و تعظيمه. و قد اتفقت بعض الوقائع و الحوادث في أوائل هجرته إلى قم ساعدت على دعم شخصيته و بناء كيانه و إبرازه إلى الوجود كزعيم روحي له وزنه و مقامه.

إبعاد علماء العراق: منها: أنّ المصلح الكبير الحجّة المرحوم الشيخ مهدي الخالصي عند ما احتجّ على الاستكبار البريطاني لعدم وفائه بما قطع على نفسه من الوعود للشعب العراقي بالاستقلال نفته الحكومة العراقيّة في 12 ذي القعدة سنة 1341 ه إلى ايران، فنهض العلماء تأييدا له و احتجّوا على تبعيده فقامت الحكومة الملكية العميلة بنفي مجموعة منهم أيضا، منهم الحجج السيّد أبو الحسن الاصفهاني، و الميرزا محمّد حسين النائيني، و السيّد على الشهرستاني، و السيّد عبد الحسين الحجّة و غيرهم من العلماء، و احتجّ آخرون على نفي هؤلاء العلماء فخرجوا من العراق مغضبين.

زار الشيخ الخالصي مدينة قم و رحل منها إلى خراسان فسكنها إلى وفاته، و تفرّق الآخرون في البلاد. أمّا الاصفهاني و النائيني فقد كانا يومئذ أكبر علماء النجف و أشهر مراجعها فاستقبلا من الحدود من قبل مختلف طبقات الشعب، و في طليعتهم العلماء، و أمر الحائري رجال العلم باستقبالهم على مسافة من قم، و جاء أحمد شاه القاجاري إلى قم و معه رجال دولته، فصار دار الحائري مهبطا لهم.

[قال آية اللّه العظمى الأراكي: «انّما جاء أحمد شاه إلى قم قبل مجيئهما، و أمّا عند مجيئهما فقد جاء من قبله رضا خان و كان حينذاك رئيس الوزراء لأحمد»].

24

تولّى البهلوي بعد القاجاريّين السلطة، و كان لتولّى البهلوي تأثير بارز في تقليص جهود الحائري و الحدّ من نشاطه، إذ رافقت ذلك أحداث و وقائع جسام، و كانت سيرة البهلوي الخائن واضحة في عزمه الأكيد و تصميمه على القضاء على الدين و محو كلّ أثر لرجاله و شعائره و رسومه، فقد سجن العلماء الكبار و نفى عددا منهم و دسّ السمّ لآخرين و فعل الأفاعيل من هذا القبيل. كما كان الشيخ الحائري أيضا يعرف حقيقة أمر السلطة الّتي قفزت من قزوين إلى دست الحكم في طهران بغتة؛ لقد كان يعلم جيّدا أنّ السلطة كانت تستمدّ قوّتها من الأجانب الذين لا همّ لهم إلا القضاء على الدّين الإسلامي الحنيف و محو تعاليمه و قبر دستوره المقدّس «القرآن الكريم» فهم يطالبون بثاراتهم و الخسائر الّتي منوا بها في الحروب الصليبيّة التي شنّوها ضد المسلمين، كما ظهر للعالم صدق هذه الحقيقة بعد عشرين عاما تقريبا عند ما نحّي البهلوي عن الحكم و ابعد في سنة 1361 ه.

أجل، لقد كان الحائري يعرف خفايا الامور و أسرارها الدقيقة، و يعلم أنّ المخطّط الذي رسمه أسياد ذلك الطاغية سينفّذ لا محالة. و كان يرى نفسه واحدا من المراجع الّذين لا يتورع الطاغية من سجنهم أو دس السمّ لهم، أو خنقهم في غربة النفي أو قعر السجون.

و كانت هناك حوزات علميّة صغيرة في خراسان و طهران و تبريز و أصفهان و غيرها من بلاد إيران، تمكّن الحاكمون من تفريق شملها و القضاء عليها، و بقى همّهم منصرفا للقضاء على حوزة قم. إلا أنّ حنكة الحائري و إخوانه و صبرهم على المكاره و تحمّلهم للصّعاب قد حال دون ذلك، و قد كان في قم على عهد الحائري من العلماء الكبار عدد غير قليل؛ منهم: الشيخ أبو القاسم الكبير، و الشيخ أبو القاسم الصغير، و الميرزا جواد الملكي، و السيّد حسين الكوچه‏حرمي، و الميرزا صادق التبريزي، و السيّد فخر الدّين القمّي (شيخ الإسلام)، و الميرزا محمّد الكبير، و الميرزا محمّد الفيض، و الشيخ مهدي القمّي، و السيّد محمّد باقر القزويني، و الشيخ محمّد تقي الإشراقي، و الشيخ محمّد تقي البافقي اليزدي، و الشيخ محمّد علي الحائري، و الشيخ نور اللّه الأصفهاني، و عشرات غيرهم ممّن أسهم بقسط كبير في التدريس و في مساندة و دعم الشيخ الحائري و مشايعته في الرأي. و قد تعرّض معظم من ذكرناهم لصنوف الإرهاب و التعذيب من لدن الملك‏

25

الجاهل و حاشيته و حكومته الجائرة، كلّ ذلك من أجل هدم ما بناه الشيخ و إضعافه.

و كان الشيخ واثقا بأنّه هو المقصود، و انّ تلك الاستفزازات تستهدف شخصه، فقد كانوا يستفزّونه بين الآونة و الاخرى لعلهم يجدون ذريعة يحتجون بها عليه، ليواجه المصير المرسوم، في وقت لا تتوفر فيه إمكانيات المواجهة و التصدي لكنّه كان يقظا على ذلك و غير غافل عنه.

و في ذلك الوقت، و تلك الظروف السوداء قاوم هذا العالم المخلص ديكتاتوريّة الملك و إباحيته، و وقف في وجهه مجنّدا كلّ إمكانياته و قابلياته، موطنا نفسه للعظام، و مضحّيا في سبيل دعوته بكل ما يملك. و لم تفتّ في عضده أو توهّن من عزمه أو تسرّب اليأس و القنوط إلى نفسه كلّ تلك المحاولات اللئيمة، و المساعي الخبيثة التي بذلها سماسرة السوء و زبانية الشرّ، و أعداء الدّين و الخير و الفضيلة، و هكذا بقي يقاوم كلّ ما يعترض طريقه من عقبات و عراقيل، حتّى كلّل سعيه بالنجاح و انتصر، و باء خصومه بالصفقة الخاسرة، و عادوا يجرّون أذيال الفشل‏ «وَ لَعَذابُ الْآخِرَةِ أَخْزى‏ وَ هُمْ لا يُنْصَرُونَ» (1).

أجل؛ في هذه الظروف كان الحائري يعمل على توسيع دائرة الحوزة العلميّة في قم و نشر الدعوة و دعم هيكل الدّين و إشادة مجد الإسلام بتنفيذ أحكامه و تطبيق نظامه.

و هكذا نمت البذرة الصالحة في تلك التربة الطيّبة، و اتسعت الحوزة العلميّة اتساعا غير منتظر. و ما مضت السنوات و الأعوام حتّى ازدهرت الحياة الدينيّة و الثقافيّة، و تعدّدت الهيئات العلميّة. و إذا بالكيان الذي شادته البطولات الخارقة و الهمم العالية، ضخما جبارا يضاهي الثريّا رفعة و شموخا.

كان «(قدّس سرّه)» كثير البرّ بالطلّاب و العلماء، شديد العطف عليهم و العناية بهم، و يرعى الصغير و الكبير. و بالرغم من تعيينه لموزّعي الرواتب و توكيله للثقات من أصحابه و تلامذته للقيام باللوازم و الاستفسار عن النواقص، مع ذلك كان يتولّى بعض الامور بشخصه و يباشرها بنفسه. و كان أعدّ لهم كلّ شي‏ء قد يحتاجون إليه، حتّى أنّه‏

____________

(1)- سورة فصّلت: الآية 16.

26

بنى مستشفى خاصّا لطلاب العلم‏ (1) ليشعرهم بالكيان المستقلّ و الكرامة الموفورة التي كانوا يتمتّعون بها. و في الوقت الّذي كان فيه رجال السياسة و الامراء و القادة و التجّار يتهافتون على بيته للثم أنامله و عرض أنفسهم لخدمته، كان «(رحمه اللّه)» يدور على غرف الطلاب بمفرده للاطّلاع على أحوالهم و أساليب معيشتهم، و الوقوف على مدى عنايتهم بالدرس و المطالعة. فكان يحثّ الكسالى و يشوّقهم، و يمدح النشطين، و يمنح المتفوّقين في الامتحان جوائز قيّمة. و كان يوصي الكلّ بالإخلاص في العمل و الالتزام بتقوى اللّه تعالى. و لم يسمع عنه- رغم كثرة من كان يعولهم من الطلاب- أنّه ردّ طالبا، أو كسر خاطرا، أو أخجل إنسانا، و لذلك كان الكلّ ينظرون إليه نظرتهم إلى الأب الرءوف.

لما ذا لم يقم بالثورة؟

كان الحائري من أشدّ المسلمين غيرة على نواميس الشرع الشريف، و قد تفانى في خدمة الدين منذ نعومة أظفاره، و بذل نفسه و نفيسه في سبيل ذلك، و لاقى من المتاعب و الأذى ما ألمحنا إلى بعضه. و لم يكن فيه جبن و لا تخاذل، و قد كان يرى بام عينيه ما يجري على مقربة منه، و يسمع أصوات الاستنكار مرتفعة من كلّ جانب، و لكنّه كان يرى نفسه واحدا من سائر المراجع، لو قام بالثورة في وجه الطاغية لما اختلف مصيره عن زملائه، و لذلك رأى أن صبره و سكوته أفضل ما داموا قد تركوه لحاله، و أنّ ذلك أبقى للعمل الذي أوقف نفسه له، و أنفع للكيان العلمي الّذي بدأ يرسخ و يقرب من الكمال، و كان عمله هذا عين الصواب، و الامور مرهونة باوقاتها. و هكذا ظلّ كالطود الأشمّ يدير ذلك الكيان، و يدرأ عنه المخاطر، و يردّ عنه غائلة العدوّ رغم الكوارث و الهنابث التي كانت تنزل بالشعب الإيراني المسلم على يد حاكمه الجبّار يوما بعد يوم، و لا سيّما ما ينزل برجال الإصلاح و الصلاح، فكان يرى كبّار العلماء من‏

____________

(1)- و ذلك في عام 1353 ه. أى قبل وفاته بعامين، من ثلث المرحوم سهام الدّولة. و لذلك سمّي:

مستشفى السهامية، كما في تاريخ قم: صفحة 276 و يقع بين مستشفى فاطميّة و ثانوية الإمام الصادق ((عليه السلام)).

27

زملائه يعانون آلام النفي و السجن، و يعاملون بمنتهى القسوة، و يدسّ لهم السمّ في المنفى و يموتون خنقا في السجون‏ (1). و يرى السفور و قد فرض على المحجّبات و ذوات العفّة و النجابة فرضا. و طلّاب العلوم الدينيّة يساقون إلى الخدمة العسكريّة زرافات و وحدانا، و الخمور تباع علنا حتّى في المدن المقدّسة كخراسان و قم و بالقرب من المراقد الطاهرة. و عزاء سيّد الشهداء و زيارة قبور آل محمّد بالعراق محظورة يعاقب عليها، و أخيرا واقعة خراسان التي قتل فيها الوف من العلماء و السادة و الأشراف و الزوّار و الغرباء في «مسجد گوهرشاد» الملاصق لحرم الإمام الرضا ((عليه السلام)) حيث وجّهت المدافع إليهم فدفنوهم بدمائهم ظلما و عدوانا ... لقد كان يرى ذلك كلّه بعينه أو يسمعه و قلبه يقطر دما، لأنه لا يستطيع دفع الضرّ، و كانوا- مع ذلك- يبدون له الاحترام ظاهرا و يجاملونه، و كان هو يحافظ على الشكليات ليدفع بها الشرّ عن الباقين في بعض الحالات‏ (2).

و قال السيّد الأمين: «نزلنا في داره سنة 1353 في قم، فأنابنا عنه في صلاة الجماعة في الصحن الشريف مدة مقامنا بقم. و كان في مدرسته في قم نحو من 900 طالب، يجري على أكثرهم الأرزاق. و قد انحصرت الرئاسة العلميّة فيه في وقته في بلاد إيران و قلّد فيها. عاشرناه مدّة مقامنا عنده فوجدناه رجلا قد ملئ عقلا و كياسة و علما و فضلا، و من وفور عقله أنّ الأموال كانت تجبى إليه من أقاصي ايران فيضعها عند بعض التجار و يصرفها على الطلبة بواسطة ذلك التاجر، و يأخذ لنفسه معاشا معيّنا منها، و هذا دليل على وفور عقله. و كان قد جاء سيل إلى قم قبيل ورودنا إليها فأتلفت دورا كثيرة تقدّر بثلاثة آلاف دار؛ فأرسل البرقيّات إلى كافّة جهات إيران بطلب الاعانات. فجاءه من الشاه من طهران عشرة آلاف تومان أحضرها الرسول و نحن على الغداء فلم يمسّها، و قال له: ادفعها للتاجر الفلاني، و اختار لجنة تألّفت من حاكم البلد و جماعة من وجهائها تجتمع كلّ ليلة برئاسته للنظر في كيفيّة توزيع الاعانات» (3).

____________

(1)- كالشهيد السيّد حسن المدرّس الذي سمّوه ثم خنقوه بعمامته.

(2)- طبقات اعلام الشيعة: ج 3 ص 1160- 1165.

(3)- اعيان الشيعة: ج 8، ص 42، ط دار التعارف.

28

و لعلّ قبوله لإعانة الشاه و اشراكه حاكم البلد في لجنة توزيع الإعانات من تلك الشكليّات التي قال عنها آغا بزرك الطهراني انّه كان يحافظ عليها ليدفع بها الشرّ عن الباقين في بعض الحالات، و لهذا كانوا يبدون له الاحترام و يجاملونه في الظاهر.

وفاته، و آثاره:

قال آغا بزرك الطهراني: و صار يرغب للعزلة و ينزوي عن الناس، لأنّه يرى ما يحلّ بهم و لا يقدر على مساعدتهم، و هكذا كان حتّى مرض و تغلّبت عليه العوارض فتوفّى في ليلة السبت 17 ذي القعدة الحرام سنة 1355 ه فثلم الاسلام بموته، و خسر المسلمون به زعيما كبيرا و ركنا ركينا، و داخل النفوس من الخوف و الهلع ما لا مزيد عليه؛ إذ كانوا يعتصمون به و يستظلّون بظلّه، و قد جرى له تشييع عظيم قلّ نظيره. و دفن في رواق حرم فاطمة ((عليها السلام)) بقم، حيث مقبرته المعروفة اليوم. و قد اتّجهت نيّة الحاكمين إلى محاربة الهيئة العلميّة منذ اللحظات الاولى لموته، فقد عمدوا إلى تفريق المشيّعين بسرعة، ثمّ منعوا من إقامة الفواتح عليه علنا، فكانت تقام في الزوايا و البيوت شهورا.

و ترك الحائري من الآثار:

كتاب الصلاة في الفقه، و التقريرات في اصول الفقه من بحث استاذه الفشاركي، و قد استخرج منه كتابه الآخر درر الاصول‏ (1)، و هو حاو لمباحث الاصول برمّتها ما عدا الاجتهاد و التقليد، و يقال له: درر الفوائد أيضا. و قد طبع مجلده الأوّل في سنة 1337 ه و الثاني في سنة 1338 ه، و هو هذا الكتاب الّذي نقدّم له.

____________

(1)- و قد ذكر المرحوم العلامة الشيخ محمد رضا الطبسي على ظهر نسخة من الكتاب ما هذا لفظه:

«سمعت منه «طاب ثراه»: أن الجزء الأول استفادة من مجلس السيد المرحوم العلامة السيد محمد الفشاركي الاصفهاني، و الجزء الثاني استفادة من مجلس المحقق المرحوم الآخوند الخراساني صاحب الكفاية «أعلى اللّه مقامهم» و كان «ره» يذكر الآخوند في الدرس بالتعظيم و التجليل».

29

أولاده:

قال: و له من الأولاد: الشيخ مرتضى، و هو أحد علماء قم المعروفين‏ (1). و الشيخ مهدي، و قد أرسله المرحوم السيّد البروجردي «(قدّس سرّه)» وكيلا عنه إلى واشنطن بالولايات المتحدة الأمريكيّة مرشدا للمسلمين هناك‏ (2).

مصادر ترجمته:

قال: و قد ذكر المترجم له و كتب في ترجمة أحواله و رحلاته و رئاسته للحوزة العلميّة مفصّلا صاحب «آئينه دانشوران» المطبوع جزؤه الأوّل في سنة 1353 ه.

و ألّف الفاضل الشيخ محمّد الرازي كتابه «آثار الحجّة- يا- تاريخ و دائرة المعارف حوزه علميّه قم» في جزءين طبعا في سنة 1373 و 1374 ه خصّ الجزء الأوّل به و بسيرته و بزملائه إلى وفاته، و الثاني بالسيّد البروجردي و أعماله و تلامذته» (3). و أرّخ وفاته الحجّة السيّد صدر الدّين الصدر «(قدّس سرّه)» بأبيات نحتت على صخرة قبره قال فيها:

عبد الكريم آية اللّه قضى‏* * * و انحلّ من سلك العلوم عقده‏

أجدب ربع العمر بعد خصبه‏* * * و هدّ أركان المعاني فقده‏

كان لأهل العلم خير والد* * * و بعده أمست يتامى ولده‏

كوكب سعد سعد العلم به‏* * * دهرا و غاب اليوم عنه سعده‏

في شهر ذي القعدة غاله الردى‏* * * بسهمه يا ليت شلّت يده‏

في حرم الائمّة الأطهار في‏* * * شهر الحرام كيف حلّ صيده‏

دعاه مولاه فقل مؤرخا* * * (لدى الكريم حلّ ضيفا عبده) (1355 ه)

و آخر دعوانا أن الحمد للّه رب العالمين.

____________

(1)- المتوفّى في 24/ 6/ 1407 ه. ق، و قد نعاه الإمام الخميني- أطال اللّه عمره الشريف-.

(2)- عاد إلى طهران و هو بها اليوم يكتب و يدرّس احيانا في جامعة طهران في الفلسفة الإسلامية.

(3)- طبقات اعلام الشيعة: ج 3، ص 1167.

30

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

31

[درر الفوائد]

[الجزء الأول في مباحث الألفاظ]

[خطبة الكتاب‏]

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم و به نستعين‏

الحمد للّه الذي علّمنا معالم الدين و معارج اليقين، و أنار قلوبنا بلوامع السنّة و الكتاب المبين، و وفّقنا لتمهيد القواعد و القوانين لاستنباط أحكام سيّد المرسلين، و الصّلاة و السّلام على أشرف سفرائه المقرّبين محمّد خاتم النبيّين و على آله الطيّبين الطاهرين، و لعنة اللّه على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.

أمّا بعد: فيقول العبد المذنب المستجير برحمة ربّه الكريم عبد الكريم الحائريّ غفر ذنوبه، و ستر عيوبه: لمّا صنّفت في سالف الزمان تصنيفا شريفا و تأليفا منيفا في علم الاصول، و أودعت فيه غالب مسائلها المهمّة، مراعيا فيه غاية الإيجاز و الاختصار، مع التوضيح و التنقيح ببيانات شافية و عبارات وافية، بحيث يكون سهل التناول لطالبه، مجتنبا عن ذكر ما لا ثمرة فيه و سمّيته ب «درر الفوائد» فجدّدت النظر فيه، فألحقت به ما خطر ببالي الفاتر و فكري القاصر أخيرا، ممّا اختلف فيه رأيي، و أرجو من اللّه أن يكون نافعا لإخواني من أهل العلم، و أن يجعله خير الزاد ليوم المعاد.

[تعريف علم الاصول‏]

فاعلم أن علم الاصول هو العلم بالقواعد الممهّدة لكشف حال الأحكام‏ (1)

____________

(1) المراد بالأحكام هو الأحكام الكلّيّة، فلا ينتقض بالاصول الجارية في الشبهات الموضوعية (منه) (دام ظلّه).

32

الواقعية المتعلّقة بأفعال المكلّفين‏* 1، سواء تقع في طريق العلم بها، كما في بعض القواعد العقلية، أو تكون موجبة للعلم بتنجزها على تقدير الثبوت، أو تكون موجبة للعلم بسقوط العقاب كذلك و لعل هذا أحسن مما هو المعروف: من أنه العلم بالقواعد الممهدة لاستنباط الأحكام الشرعية الفرعية، لاستلزامه الالتزام بالاستطراد في بعض المسائل المهمة، مثل مسائل الاصول العملية و مسألة حجية الظن في حال الانسداد بناء على الحكومة، لعدم تمهّدها لاستنباط الأحكام، كما هو واضح.

و انما قيدنا القواعد بكونها الممهّدة لكشف حال الأحكام، لخروج مثل علم النحو و الصرف و امثالهما مما احتيج إليها في طريق كشف حال الأحكام و علم الفقه، أما الأول فلأن مسائله ليست ممهّدة لخصوص ذلك، و أمّا الثاني فلأن مسائله هي الأحكام الواقعية الأولية، و ليس ما وراءها أحكام أخر تستكشف حالها بتلك المسائل.

اذا حفظت ما ذكرنا تقدر على دفع ما ربما متوهّم من دخول بعض مسائل الاصول في الفقه، كمسألة الاستصحاب بناء على أخذه من الأخبار، و ما يشابهها. تقريره: أن الاستصحاب على هذا ليس إلا وجوب البناء على طبق الحالة السابقة، بل يمكن هذا التوهّم فيه حتى بناء على اعتباره من باب الظن، فيسري الاشكال في جلّ مسائل الاصول كحجية الخبر و الشهرة و ظاهر الكتاب و ما أشبه ذلك، بناء على أن الحجية ليست إلا وجوب العمل بالمؤدّى.

و حاصل الجواب أن مسائل الفقه ليست عبارة عن كل حكم شرعي متعلق بفعل المكلّف، بل هي عبارة عن الأحكام الواقعية الأولية التي تطلب من حيث نفسها، فكل ما يطلب من جهة كونه مقدمة لاحراز حال الحكم الواقعي فهو خارج عن مسائل الفقه، و لا إشكال في أن تمام مسائل الاصول من قبيل الثاني.

و لا يخفى عليك أن ما ذكرنا من الميزان أسلم مما ذكر من أن مسائل الفقه‏

33

عبارة عن كل حكم يقدر المقلد على العمل به بعد ما أفتى به المجتهد، كحرمة الخمر مثلا و نظائرها، بخلاف مسائل الاصول، فانه لا يقدر على العمل بها و إن أفتى بها المجتهد، كحجية خبر الواحد و أمثال ذلك، فان هذا مخدوش، بأن قاعدة ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده و بالعكس من القواعد الفقهية، و من المعلوم عدم تمكن المقلد من العمل بها بعد فتوى المجتهد بتلك القاعدة، بل يحتاج الى تعيين ما هو صغرى لتلك القاعدة.

[في موضوع علم الاصول‏]

ثم اعلم: أن موضوع هذا العلم‏* 2 عبارة عن أشياء متشتتة تعرضها تلك المسائل كخبر الواحد، و الشهرة، و الشك في الشي‏ء مع العلم بالحالة السابقة، و الشك في التكليف مع عدم العلم بالحالة السابقة، و أمثال ذلك مما يبحث عن عوارضه في هذا العلم.

و لا تجمعها الأدلّة لا بعنوانها و لا بذواتها:

أمّا الأوّل فللزوم خروج مسائل حجية الخبر و الشهرة و الظواهر و أمثال ذلك، مما يبحث فيه عن الحجية، عن علم الاصول، و دخولها في المبادى، بل للزوم ذلك في مسألة التعادل و التراجيح، لآن البحث فيها راجع أيضا الى الحجية في تلك الحالة، و الالتزام بذلك مع كونها معظم ما يبحث عنه في هذا العلم غير جائز.

و أمّا الثاني فلعدم تماميّته في تمام المسائل، كالاصول العمليّة، و الالتزام بكونها استطرادا كما ترى.

و قد تكلّف شيخنا المرتضى «(رحمه اللّه)»* 3 في إرجاع البحث عن حجّيّة الخبر إلى البحث عن الدليل، حيث قال «(قدّس سرّه)» إنّ البحث فيها راجع إلى أنّ السنّة الواقعية هل تثبت بخبر الواحد أم لا؟ (1) و أنت خبير بأنّ هذا على فرض‏

____________

(1) الفرائد، أوائل بحث حجّيّة خبر الواحد، ص 67.

34

تماميّته في مسألة حجّيّة خبر الواحد و أمثالها لا يتمّ في الاصول العمليّة* 4.

فالأوفق بالصواب أن يقال: لا تلتزم بكون الجامع بين شتات الموضوعات هو الأدلّة، و لا بلزوم أن يكون للجامع بينها اسم خاصّ يعبّر به عنه.

فتلخص مما ذكرنا: أن وحدة العلم ليست بوحدة الموضوع و لا بوحدة المحمول، بل إنما هي بوحدة الغرض المتعلق بتدوينه، و لذلك يمكن أن يكون بعض المسائل مذكورا في علمين لكونه منشأ، لفائدتين صار كل منهما سببا لتدوينه في علم.

إذا عرفت ما ذكرنا فلنشرع فيما هو المقصود و قد رتّبته على مقدّمات و مقاصد:

35

أمّا المقدّمات‏

[في الوضع‏]

فمنها: ان الألفاظ ليست لها علاقة مع معانيها مع قطع النظر عن الوضع، و به يوجد نحو ارتباط بينهما، و هل الارتباط المذكور مجعول ابتدائى للواضع بحيث كان فعله ايجاد ذلك الارتباط و تكوينه أوّلا، أو فعل أمرا آخر، و الارتباط المذكور صار نتيجة لفعله؟ لا يعقل جعل العلاقة بين الأمرين اللذين لا علاقة بينهما أصلا، و الذي يمكن تعقّله أن يلتزم الواضع‏* 5 انّه متى أراد معنى و تعقّله و أراد إفهام الغير تكلّم بلفظ كذا، فاذا التفت المخاطب بهذا الالتزام ينتقل الى ذلك المعنى عند استماع ذلك اللفظ منه، فالعلاقة بين اللفظ و المعنى تكون نتيجة لذلك الالتزام، و ليكن على ذكر منك ينفعك في بعض المباحث الآتية ان شاء اللّه، و كيف كان الدالّ على التعهد تارة يكون تصريح الواضع، و اخرى كثرة الاستعمال، و لا مشاحّة في تسمية الأول وضعا تعيينيا و الثاني تعيّنيا.

ثم إنّ الملحوظ حال الوضع إمّا أن يكون معنى عاما كلّيا، و إمّا أن يكون خاصا، و على الأول إمّا أن يوضع اللفظ بازاء ذلك المعنى العام، و إمّا أن يوضع بازاء جزئياته، و على الثاني لا يمكن أن يوضع إلا بازاء الخاصّ الملحوظ، فالأقسام ثلاثة: لأن الخاصّ الملحوظ إن لوحظت الخصوصية فيه حين الوضع فالموضوع له لا يكون إلا خاصا، و إن جرد عن الخصوصية فهو يرجع الى تصور العام، هكذا قال بعض الاساطين «دام بقاه» (1).

____________

(1) في الكفاية، الأمر الثاني من المقدّمة، ج 1، ص 10 (طبعة المشكيني).

36

أقول: يمكن أن يتصور هذا القسم، أعني ما يكون الوضع فيه خاصا و الموضوع له عاما فيما اذا تصور شخصا و جزئيا خارجيا من دون أن يعلم تفصيلا بالقدر المشترك بينه و بين سائر الأفراد، و لكنه يعلم إجمالا باشتماله على جامع مشترك بينه و بين باقي الأفراد مثله، كما اذا رأى جسما من بعيد و لم يعلم بأنه حيوان أو جماد، و على أي حال لم يعلم أنه داخل في أي نوع؟ فوضع لفظا بازاء ما هو متحد مع هذا الشخص في الواقع، فالموضوع له لوحظ إجمالا و بالوجه، و ليس الوجه عند هذا الشخص إلا الجزئي المتصور، لأنّ المفروض أن الجامع ليس متعقّلا عنده إلا بعنوان ما هو متحد مع هذا الشخص.

و الحاصل: أنّه كما يمكن أن يكون العام وجها لملاحظة الخاص‏* 6 لمكان الاتحاد في الخارج كذلك يمكن أن يكون الخاص وجها و مرآة لملاحظة العام لعين تلك الجهة* 7، نعم فيما اذا علم بالجامع تفصيلا لا يمكن أن يكون الخاص وجها له، لتحقق الجامع في ذهنه تفصيلا بنفسه، لا بوجهه، فليتدبّر.

ثم إنه لا ريب في ثبوت القسمين: أعني ما يكون الوضع فيه خاصا و الموضوع له كذلك، كوضع الأعلام الشخصية، و ما يكون الوضع فيه عاما و الموضوع له كذلك، كوضع أسماء الأجناس، و أمّا الأخير فهو على تقدير إمكانه كما مرّ غير ثابت.

و أما الوضع العام و الموضوع له الخاص فقد يتوهّم أنه وضع الحروف و ما أشبهها كأسماء الإشارة و نحوها، و مما يمكن أن يكون منشأ التوهّم أمران:

أحدهما: ان معاني الحروف مفاهيم لوحظت في الذهن آلة* 8 لملاحظة حال الغير، مثلا: لفظه «من» موضوعة للابتداء الذي لوحظ في الذهن آلة و مرآة لملاحظة حال الغير، و لا إشكال في أن مفهوم الابتداء و إن كان بحسب ذاته كلّيا و لكن بعد تقييده بالوجود الذهني يصير جزئيا حقيقيا، كما أن المفهوم بعد تقييده بالوجود الخارجي يصير جزئيا كذلك.

و الثاني: انه لما كان المأخوذ فيها كونها آلة* 9 لتعرف متعلّقاتها الخاصة

37

فهي تصير جزئيا، إذ لا تعقل لها بدونها، مثلا: لا يمكن تعقّل معنى لفظة «من» إلا بعد ارتباطه بالسير و البصرة و نظيرهما، فلهما و لنظائرهما من العناوين الخاصة دخل في مفهوم معنى لفظة «من»، و هكذا غيرها من الألفاظ الأخر التى وضعت لمعنى حرفي.

هذا و الحق: أن معاني الحروف كلّها كلّيات وضعت ألفاظها لها و تستعمل فيها، و لا تحتاج هذه الدعوى بعد تعقل المدعى الى دليل آخر، إذ من المعلوم أنه ما دعى القائل بجزئية المعنى الحرفي إلا عدم تعقل كونه كلّيا، فنقول: إنّه لا إشكال في أن بعض المفاهيم نحو وجودها في الخارج هو الوجود التبعي، فهي موجودة بالغير لا بنفسها، و هذا واضح لا يحتاج إلى البيان.

و أيضا: لا إشكال في ان تلك المفاهيم قد تتصور في الذهن مستقلّة أي من دون قيامها بالغير، كما أن الانسان يلاحظ مفهوم لفظ الضرب في الذهن مستقلا، و هذا المفهوم بهذا النحو من الوجود ليس في الخارج، إذ لا يوجد في الخارج الا تبعا للغير، و قد يتصور تلك المفاهيم على نحو ما تتحقق في الخارج، فكما أنها باللحاظ الأول كلّيات كذلك باللحاظ الثاني، اذ حقيقتها لم تتغير باختلاف اللحاظين، و كما أن قيد الوجود الذهني ملغى في الاول و ينتزع الكليّة منها كذلك في الثاني، نعم تصورها على النحو الثاني في الذهن يتوقف على وجود مفهوم آخر في الذهن يرتبط به، كما أن وجودها في الخارج يتوقف على محلّ يقوم به، و لا يوجب مجرد احتياج الوجود الذهني لتلك المفاهيم الى شي‏ء آخر ترتبط به كون ذلك جزء منها، كما أن مجرد احتياج الوجود الخارجي منها الى محل خاص لا يوجب كونه جزء منها.

مثلا حقيقة الابتداء يتحقق لها ثلاثة أنحاء من الوجود: أحدها الوجود النفس الأمري الواقعي القائم بالغير، و الثاني الوجود الذهني المستقل بالتصور، و الثالث الوجود الذهني على نحو الوجود النفس الأمري، و هو الوجود الآلي و الارتباطي، و كما أن تصور مفهوم الابتداء على الأول من الأخيرين لا يوجب‏

38

صيرورته جزئيا بل ينتزع منه الكلّية بعد تعريته عن الوجود الذهني، كذلك تصوره على الثاني منهما، إذ لا يعقل الاختلاف في المتصور* 10 باختلاف أنحاء التصور، فهذا المفهوم باللحاظ الأول هو معنى لفظ الابتداء، و باللحاظ الثاني معنى لفظة «من»، فمعنى لفظ «من» مثلا حقيقة الابتداء الآلي و الربطي، و لا شكّ أنه كلّي كحقيقة الابتداء الاستقلالي، نعم تحقّق الأول في الذهن يحتاج الى محل يرتبط به، كما أن تحققه في الخارج يحتاج الى محل يقوم به، و كما أن احتياجه في الخارج الى محل خاص خارجي لا يوجب جعل ذلك المحل جزء لمعنى اللفظ كذلك احتياجه في الوجود الذهني الى محل لا يوجب كونه جزء لمعنى اللفظ أيضا.

و أنت اذا احطت بما تلوناه عليك تعرف بطلان كلا الأمرين اللّذين أوجبا توهّم جزئية معاني الحروف:

أمّا تقييدها بالوجود الذهني فلما مرّ في طيّ البيان، من أن المقصود كونها كلّيات مع قطع النظر عن التشخص الذهني، إذ بملاحظة ذلك التشخص ليست معاني أسماء الأجناس أيضا كلّيات، اذ المفهوم المقيد بالوجود الذهني الاستقلالي بقيد انه كذلك أيضا جزئى لا ينطبق على كثيرين، فكما أن الوجود الاستقلالي في الذهن في معاني أسماء الأجناس لا يخرجها عن الكلّية، لكون الوجود الذهني ملغى عند اعتبار المعنى، كذلك الوجود الآلي في الذهن في معانى الحروف.

و أمّا احتياجها الى محال في الذهن ترتبط بها فلما مرّ أيضا، من أن الاحتياج في التحقق الى شي‏ء لا يوجب كون ذلك الشي‏ء جزء للمعنى.

و من هنا تعرف أن الحروف التي معانيها انشاءات‏* 11 أيضا لا تخرج معانيها بما هي معانيها عن كونها كلّيات‏* 12، و إنما التشخص جاء من قبل احتياج تحقق تلك المعاني، مثلا: لفظة «ياء» النداء موضوعة لحقيقة النداء المتحقق في الخارج، و هو يحتاج الى المنادي الخاص بالكسر- و المنادى الخاص‏

39

- بالفتح- و الدالّ على تلك الخصوصيات امور أخر غير هذه اللفظة، و ما يكون مستندا الى لفظة «يا» ليس إلا حقيقة النداء الخارجي، و لا إشكال في أن هذا مع قطع النظر عمّا جاء من قبل أمور أخر كلّي، و بعبارة اخرى: ينتقل السامع من لفظة «يا زيد» الصادر من المتكلّم أن خصوص زيد منادى بنداء هذا المتكلّم، و هذا المعنى ينحل الى أجزاء: أحدها وقوع حقيقة النداء، و الثاني كون المنادي- بالكسر- هذا المتكلم الخاص، و الثالث كون المنادى- بالفتح- زيدا، و الذي أفادت لفظة «يا» هو الجزء الأول، و الباقي جاء من قبل غيره، نعم يحتاج تحقق هذا المعنى- أعني حقيقة النداء الخارجي- الى باقي الخصوصيات.

و هكذا الكلام في هيئة افعل و نظائرها مما يتضمن معنى الانشاء، مثلا:

يقال: إن هيئة افعل موضوعة لحقيقة الطلب الايقاعي من دون أن يكون لمشخصات أخر دخل في معنى الهيئة، و لا إشكال في أن تلك الحقيقة لا تتحقق إلا مع وجود الطالب الخاص، و المطلوب منه كذلك، و الطلوب كذلك، و لكن بعد تحقق الطلب المشخص بهذه المشخصات ما يستند فهمه الى الهيئة هو حقيقة الطلب، و أما المشخصات الأخر فلها دوالّ أخر غيرها، فمدلول الهيئة كلّى و إن صار جزئيا بواسطة تلك الخصوصيات التى جاءت من قبل غيرها.

ثمّ لا يخفى عليك أن المعنى الاسمي و الحرفي مختلفان بحسب كيفية المفهوم، بحيث لو استعمل اللفظ الموضوع للمعنى الحرفي في المعنى الاسمي أو بالعكس يكون مجازا أو غلطا، فان مفهوم الابتداء الملحوظ في الذهن استقلالا يغاير الابتداء الملحوظ في الذهن تبعا للغير، و التقييد بالوجود الذهني و إن كان ملغى في كليهما، لكن المتعقل في مفاد لفظ الابتداء غيره في مفاد لفظ «من».

و بعبارة اخرى: المقامان مشتركان في تعرية المفهوم من حيث كونه متعقلا في الذهن، لكن يختلف ذات المتعقل في مفاد لفظ الابتداء معها في مفاد لفظ «من»، فلا يحتاج الى الالتزام بأن المعنى و الموضوع له في كليهما واحد و انما

40

الاختلاف في كيفية الاستعمال: بأن الواضع- بعد ما وضع لفظ الابتداء و لفظ «من» لمعنى واحد و هو حقيقة الابتداء- جعل على المستعملين ان لا يستعملوا لفظ الابتداء إلا على نحو إرادة المعنى مستقلا، و لفظ «من» إلا على نحو إرادة المعنى تبعا، هذا و قد أطلنا الكلام لكون المقام من مزالّ الاقدام.

[في استعمال اللفظ في ما يناسبه‏]

و منها: أنه لا إشكال في أنه قد يحسن استعمال اللفظ في غير معناه الموضوع له، إمّا لمناسبة بين المعنيين، و إمّا لمناسبة بين اللفظ و المستعمل فيه، كاستعمال اللفظ في اللفظ، فإنه يصحّ و إن لم يكن له معنى وضع له، كاستعمال لفظ ديز في نوعه.

و من هنا يظهر أن استعمال اللفظ في غير معناه لا يحتاج الى ترخيص الواضع، بل هو بالطبع، اذ لو لا ذلك لم يصحّ استعمال اللفظ المهمل في اللفظ، إذ لا وضع له بالفرض.

ثم إن استعمال اللفظ في اللفظ على انحاء: تارة يستعمل في نوعه، و اخرى في صنفه، و ثالثة في شخص مثله، و مثال كل منها واضح، و هل يصحّ استعماله في شخصه أم لا؟ قيل: لا، لاستلزامه اتحاد الدال و المدلول أو تركب القضية من جزءين: بيان ذلك أنه إن اعتبرت دلالته على نفسه حينئذ لزم الاتحاد، و إلّا لزم تركّب القضية من جزءين، فان القضية اللفظية حينئذ حاكية عن المحمول و النسبة، لا الموضوع مع امتناع تركّب القضية إلا من ثلاثة أجزاء، ضرورة امتناع النسبة بدون الطرفين.

اقول: ينبغي للمستدل أن يقتصر على قوله «لاستلزامه اتحاد الدال و المدلول» لأن عدم اعتبار دلالته على نفسه حتى يلزم تركّب القضية من جزءين خلاف الفرض، لأن المفروض إطلاق اللفظ و إرادة شخصه، و الانصاف عدم جواز استعمال اللفظ في شخص نفسه، لما ذكره المستدل من الاتحاد، فان قضية

41

الاستعمال أن يتعقل معنى و يجعل اللفظ حاكيا و مرآة له، و هذا لا يتحقق إلا بالاثنينية و التعدد.

لا يقال: يكفي التعدد الاعتباري، بأن يقال: ان لفظ زيد مثلا من حيث إنه لفظ صدر من المتكلّم دالّ، و من حيث إن شخصه و نفسه مراد مدلول.

لأنا نقول هذا النحو من الاعتبار يطرأ بعد الاستعمال، فلو أردنا تصحيح الاستعمال بهذا النحو من التعدد يلزم الدور (1)، لكن‏* 13 يمكن مع ذلك القول بصحة قولنا «زيد لفظ، أو ثلاثي»* 14 مع كون الموضوع في القضية شخص اللفظ الموجود، بأن يكون المتكلّم بلفظ زيد بصدد ايجاد الموضوع لا بصدد الحكاية عن الموضوع حتى يلزم اتحاد الدالّ و المدلول، فيخرج حينئذ من باب استعمال اللفظ.

فتحصّل أن زيدا في قولنا: زيد لفظ، أو ثلاثي، يمكن أن يراد منه نوعه فيكون هناك لفظ و معنى، و أن يقصد المتكلّم ايجاد الموضوع فلا يكون من باب استعمال اللفظ، هذا في المحمولات التي يمكن أن تحمل على الشخص المذكور في القضية، و أما في المحمولات التي لا تعمّ هذا الشخص كقولنا «ضرب فعل ماض» فلا يمكن إلا أن يكون من باب الاستعمال.

[في ان الالفاظ موضوعة لذوات المعاني او للمعاني المرادة]

و منها: هل الألفاظ موضوعة بازاء المعاني من حيث هي، أو بازائها من حيث انها مرادة للافظها؟

قد اسلفنا سابقا انه لا يتعقل ابتداء جعل علقة بين اللفظ و المعنى، و ما يتعقل في المقام بناء الواضع و التزامه بأنه متى أراد المعنى الخاص و تعلّق غرضه‏

____________

(1) و فيه ان الموضوع في القضية لا بد و ان يتصور و تصور زيد قبل الوجود لا يكفى في الحكم عليه بملاحظة الفراغ من الوجود «منه»

42

بافهام الغير ما في ضميره تكلّم باللفظ الكذائي، فبعد هذا الالتزام يصير اللفظ المخصوص دليلا على إرادته المعنى المخصوص عند الملتفت بهذا البناء و الالتزام، و كذا الحال لو صدر ذلك اللفظ من كل من يتبع الواضع فإن أراد القائل بكون الألفاظ موضوعة لمعانيها من حيث إنها مرادة هذا الذي ذكرنا فهو حق، بل لا يتعقل غيره، و إن أراد أن معانيها مقيدة بالإرادة بحيث لوحظت الارادة بالمعنى الاسمي قيدا لها، حتى يكون مفاد قولنا: «زيد» هو الشخص المتصف بكونه مرادا و متعقلا في الذهن فهو بمعزل عن الصواب.

و الحاصل انه فرق بين القول بأن لفظ زيد مثلا موضوع لأن يدل على تصور الشخص المخصوص، بحيث يكون التصور معنى حرفيا و مرآة صرفا للمتصور عند المتكلّم و السامع، و بين القول بأنه موضوع لأن يدل على الشخص المقيد بالتصور الذهني، على أن يكون القيد المذكور ملحوظا بعنوانه و بمعناه الاسمي، و الاوّل لا يرد عليه إشكال أصلا بل لا يتعقل غيره، و الثاني يرد عليه الاشكالات التي سنذكرها.

قال شيخنا الاستاذ دام بقاه في الكفاية في مقام الرد على هذا القول: إن قصد المعنى على انحائه من مقومات الاستعمال، فلا يكاد يكون من قيود المستعمل فيه، هذا، مضافا إلى ضرورة صحة الحمل و الاسناد في الجملة بلا تصرف في ألفاظ الأطراف، مع أنه لو كانت موضوعة لها بما هي مرادة لما صح بدونه، بداهة أن المحمول على زيد في «زيد قائم» و المسند إليه في «ضرب زيد» مثلا، هما نفس القيام و الضرب، لا بما هما مرادان، مع أنه يلزم كون وضع عامة الألفاظ عاما و الموضوع له خاصا، لمكان اعتبار خصوص ارادة اللافظين فيما وضع له اللفظ، فانه لا مجال لتوهم أخذ مفهوم الارادة فيه، كما لا يخفى، و هكذا الحال في طرف الموضوع. انتهى كلامه أدام اللّه أيامه‏ (1).

____________

(1) الكفاية: الامر الخامس من المقدّمة، ج 1، ص 22.

43

أقول: ليس الاستعمال على ما ذكرنا إلّا الإتيان باللفظ الخاص لإفادة إرادة المعنى الخاص، و هذا لا محذور فيه أصلا، و أمّا ما ذكره ثانيا فلا يرد على ما قررناه، فانه بعد اعتبار التصور الذي هو مدلول الألفاظ طريقا إلى ملاحظة ذات المتصور يصح الاسناد و الحمل في مداليل الألفاظ بلا مئونة و عناية، نعم هذا الاشكال وارد على الطريق الآخر الذي قررناه، و أمّا ما ذكره ثالثا ففيه أن كل لفظ يدل على إرادة المعنى العام بواسطة الوضع جعلوه مما يكون الموضوع له فيه عاما في مقابل الألفاظ التي تدل على ارادة المعنى الخاص، و لا مشاحّة في ذلك.

و من هنا تعرف صحة القول بأن الدلالة تابعة للارادة، و ما يرى من الانتقال إلى المعنى من الألفاظ و إن صدرت من غير الشاعر فهو من باب انس الذهن، و ليس من باب الدلالة، أ لا ترى أنه لو صرّح واحد بأني ما وضعت اللفظ الكذائي بازاء المعنى الكذائي و سمع منه الناس هذه القضية، ينتقلون إلى ذلك المعنى عند سماع ذلك اللفظ، مع أن هذا ليس من باب الدلالة قطعا.

[في وضع المركبات‏]

و منها: اختلف في أنه هل للمركبات- أعني القضايا التامة- وضع آخر غير وضع المفردات، أو ليس لها وضع سوى وضع المفردات؟

أقول: إن كان غرض مدّعي وضع آخر للمركبات أنها بموادها الشخصية لها وضع آخر غير وضع المفردات بمعنى ان لقضية «زيد قائم» وضعا آخر يكون لفظ زيد بمنزلة جزء الكلمة في ذلك الوضع، فهو في غاية الفساد، اذ وجدان كل احد يشهد ببطلان هذا الكلام، مضافا الى لغويته.

و ان كان الغرض أن وضع مفردات القضية لا يفى بصدق القضية التامة التي يصح السكوت عليها، لان معانى المفردات معان تصورية، و تعدد المعاني التصورية لا يستلزم القضية التامة التي يصح السكوت عليها، فلا بد ان يكون‏

44

القضية المستفادة من قولنا «زيد قائم» مسببة من وضع آخر غير وضع المفردات، و هو الوضع النوعى لهذه الهيئة، فهو صحيح فيما لم يشتمل المفردات على وضع تتم به القضية، كالقضايا الخبرية في لسان العرب، فان وضع زيد و وضع قائم مادة و هيئة لا يفى بافادة نسبة تامة يصح السكوت عليها، و اما في مثل القضية الانشائية كاضرب زيدا فلا وجه للالتزام بذلك‏ (1) فليتدبر.

[علامات الحقيقة و المجاز]

و منها: ذكروا لتشخيص الحقيقة عن المجاز امارات كالتبادر و عدم صحة السلب، و استشكل في علاميتهما بالدور، و أجابوا عنه بالاجمال و التفصيل، و لا بحث لنا في ذلك، انما الكلام في أنهم ذكروا في جملتها الاطراد قال شيخنا الاستاذ في الكفاية، و لعله بملاحظة نوع العلائق المذكورة في المجازات، حيث لا يطرد صحة استعمال اللفظ معها، و إلّا فبملاحظة خصوص ما يصح معه الاستعمال فالمجاز مطرد كالحقيقة، و زيادة قيد من غير تاويل او على وجه الحقيقة و ان كان موجبا لاختصاص الاطراد كذلك بالحقيقة إلّا انه حينئذ لا يكون علامة لها الاعلى وجه دائر، و لا يتأتى التفصى عن الدور بما ذكر في التبادر هنا، ضرورة انه مع العلم بكون الاستعمال على نحو الحقيقة لا يبقى مجال لاستعلام حال الاستعمال بالاطراد او بغيره «انتهى» (2).

اقول: يمكن توجيه كونه علامة بدون لزوم الدور بان يقال: ان المراد من الاطراد حسن استعمال اللفظ في كل موقع من غير اختصاص له بمواقع خاصة كالخطب و الاشعار مما يطلب فيها اعمال محاسن الكلام و رعاية الفصاحة

____________

(1) لا يخفى ان بعض الجمل الانشائية ايضا يحتاج الى وضع الهيئة و يشهد له الاختلاف بين قولنا ازيد قائم و هل قام زيد في المفاد (منه) دام ظله العالى على الانام.

(2) الكفاية: الامر السابع من المقدّمة، ص 9- 28.

45

و البلاغة، بخلاف المجاز، فانه انما يحسن في تلك المواقع خاصة، و إلّا ففى مورد كان المقصود ممحضا في افادة المدلول لا يكون له حسن، كما لا يخفى، و هذا كما ترى يمكن حصوله لغير اهل اللسان ايضا اذا شاهد استعمال اهل اللسان.

[في الحقيقة الشرعية]

و منها: اختلف في ثبوت الحقيقة الشرعية و عدمه.

اقول: لا مجال ظاهرا لإنكار ان الفاظ العبادات كانت في زمن النبي «(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)» بحيث يفهم منها عند الاطلاق المعاني المستحدثة، و هل كان ذلك من جهة الوضع التعييني او التعيني، او كانت موضوعة لتلك المعاني في الشرائع السابقة ايضا؟ لا طريق لنا لا ثبات احد الامور، نعم الوضع التعييني بمعنى تصريح النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بالوضع لتلك المعاني بعيد غاية البعد، لكن يمكن الوضع التعييني بنحو آخر، بأن استعمل «(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)» تلك الالفاظ في المعاني المستحدثة بقصد انها معانيها، و هذا ايضا نحو من الوضع التعييني‏ (1) فانك لو اردت تسمية ابنك زيدا فتارة تصرح بانى جعلت اسم هذا زيدا، و اخرى تطلق هذا اللفظ عليه بحيث يفهم بالقرينة أنك تريد ان يكون هذا اللفظ اسما له، و هذا القسم من الوضع التعيينى ليس بمستبعد في الشرع.

و قد يستدل ببعض الآيات‏ (2) من قبيل قوله تعالى: «وَ أَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَ الزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا» (3) و قوله تعالى: «كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى‏

____________

(1) و كون هذا الاستعمال على نحو الحقيقة او المجاز مبنى على ان الوضع هل هو عبارة عن مجرد التعهد في النفس و اللفظ كاشف عنه او هو منتزع عن مرتبة اظهاره «منه».

(2) قد غيّر متن الكتاب بما ترى، من هنا الى قوله «ثم انه تظهر الثمرة آه» في الطبعة الثالثة المنقحة في زمن المؤلف (قدّس سرّه) و مضمونه موجود في تعليقاته (قدّس سرّه) الموجودة عند آية اللّه العظمى الاراكى مد ظلّه العالى. «المصحّح»

(3) سورة مريم، الآية 31.

46

الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ» (1) و قوله تعالى: «وَ أَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ» (2) على كون هذه الالفاظ حقائق لغوية لا شرعية.

تقريب الاستدلال: ان هذه الآيات تدل على وجود معاني هذه الالفاظ في الشرائع السابقة، و يثبت وضع هذه الالفاظ لها فيها بضم مقدمة اخرى، و هى ان العرب المتدينين بتلك الاديان لما سمعوا هذه الآيات فلا يخلو إمّا انهم ما فهموا منها هذه المعاني المعروفة، او فهموها بمعونة القرائن الموجودة في البين، او فهموها من حاقّ اللفظ، و الاول واضح البطلان لا يمكن الالتزام به، و كذلك الثاني، اذ من البعيد جدا احتفاف جميع تلك الالفاظ الموجودة في القرآن بالقرينة، فلم يبق الا الالتزام بانهم فهموا تلك المعاني من حاقّ اللفظ، و هو المطلوب، و لعل هذا هو المراد من بعض العبارات المشتملة على الاستدلال بهذه الآيات لا ما يتوهم من ان المراد اثبات تداول هذه الالفاظ في الشرائع السابقة.

[في بيان الثمرة بين القولين في المسألة]

ثم انه تظهر الثمرة بين القولين في حمل الالفاظ الصادرة من الشارع بلا قرينة على معانيها الشرعية بناء على ثبوت الوضع و العلم بتاخر الاستعمال عنه‏ (3)، و على معانيها اللغوية بناء على عدمه، و لو شك في تأخر الاستعمال و تقدمه إمّا بجهل التاريخ في احدهما او كليهما فالتمسك باصالة عدم الاستعمال الى ما بعد زمان الوضع فيثبت بها تأخر الاستعمال مشكل، فانه مبنى على القول بالاصول المثبتة إما مطلقا او في خصوص المقام، مضافا الى معارضتها بالمثل‏ (4) في القسم‏

____________

(1) سورة البقرة، الآية 183.

(2) سورة الحج، الآية 27.

(3) و هنا قيد آخر: و هو ان يكون المعنى الاول مهجورا، و إلّا فمجرد ثبوت الحقيقة الشرعية و العلم بتاخر الاستعمال لا يوجب الحمل على المعاني الشرعية كما لا يخفى «منه».

(4) هذا بناء على جريان الاصل في مجهولى التاريخ ذاتا و سقوطهما بالمعارضة، و لكن التحقيق كما يأتي في محله ان شاء اللّه تعالى عدم الجريان رأسا لكون النقض في كل منهما شبهة مصداقية للنقض بالشك او باليقين. «منه».

47

الثاني، نعم يمكن اجراء اصالة عدم النقل فيما اذا جهل تاريخه و علم تاريخ الاستعمال، بناء على أن خصوص هذا الاصل من الاصول العقلائية فيثبت به تاخر النقل عن الاستعمال و لا معارض له، أما على عدم القول بالاصل المثبت في الطرف الآخر فواضح، و أمّا على القول به فلان تاريخه معلوم بالفرض، و احتمال ان يكون بناء العقلاء على عدم النقل في خصوص ما جهل رأسا لا فيما علم اجمالا و شك في تاريخه بعيد، لظهور ان بنائهم على هذا من جهة ان الوضع السابق عندهم حجة، فلا يرفعون اليد عنها الا بعد العلم بالوضع الثاني.

[في الصحيح و الاعم‏]

و منها: قد اختلفوا في ان الفاظ العبادات هل هي موضوعة بازاء خصوص الصحيحة او الاعم منها و من الفاسدة.

اعلم ان جريان النزاع على القول بثبوت الحقيقة الشرعية واضح، و أما على القول بالعدم فيمكن جريانه ايضا بان يقال: هل الاصل في استعمال الشارع بعد العلم بعدم ارادة المعنى اللغوى هو المعاني الشرعية الصحيحة الى ان يعلم خلافها ام لا؟ فمن يدعى الاول يذهب الى ان العلاقة بينها و بين المعانى اللغوية اشد، فحملها بعد العلم بعدم ارادة المعانى الحقيقة على المعانى الشرعية الصحيحة اولى و اسد.

و كيف كان يتم هذا المبحث بذكر امور:

احدها: انه لا اشكال في ان الصحيحى ان قال بان الصلاة الصحيحة على اختلافها اجزاء و شرائط كلها افراد للمعنى الجامع الواحد الذي هو الموضوع له للفظ الصلاة فلا بد له من تصور معنى واحد جامع لشتات تلك الحقائق المختلفة، كما أنّ الاعمى ايضا لا بد له من تصور جامع يكون اوسع دائرة من الاول، نعم لو ادعى كل واحد منهما ما ادعاه على نحو الاشتراك اللفظي يمكن هذه الدعوى مع عدم القدر الجامع بين تلك الحقائق، لكن هذه المقالة مع كونها بعيدة في‏

48

نفسها لا تناسب كلماتهم كما لا يخفى.

[في عدم معقولية أخذ القدر الجامع بين أفراد الصحيحة]

اذا عرفت هذا فنقول: لا يتعقل اخذ القدر الجامع بين ذوات تلك الحقائق المختلفة المتصفة بالصحة مع قطع النظر عن اعتبار امر خارج عنها، لان معنى اخذ القدر الجامع الغاء الخصوصيات و اخذ ما هو مشترك سار في جميع الافراد، و المفروض ان لتلك الخصوصيات دخلا في الصحة، مثلا: الصلاة التي ياتي بها القادر قائما يتقوم صحتها بالقيام، فلو اعتبر القيام مثلا في الموضوع له فلا يصدق على الصلاة التي ياتي بها المريض جالسا، و ان لم يعتبر فيلزم صدقها على الصلاة التي ياتى بها القادر جالسا، و كلاهما خلاف مذهب الصحيحي.

و الذي يمكن ان يقال في تصوير الجامع بين الافراد الصحيحة ان كل واحد من تلك الحقائق المختلفة اذا اضيفت الى فاعل خاص يتحقق لها جامع بسيط يتحد مع هذه المركبات اتحاد الكلى مع افراده، مثلا، قيام الشخص القادر لتعظيم الوارد و ايماء الشخص المريض له يشتركان في معنى واحد، و هو اظهار عظمة الوارد بقدر الامكان، و هذا المعنى يتحد مع قيام القادر، كما انه يتحد مع ايماء المريض، و على هذا فالصلاة بحسب المفهوم ليست هي التكبيرة و القراءة و الركوع و السجود و كذا و كذا، بل هي بحسب المفهوم هو المعنى الواحد البسيط الذي يتحد مع تمام المذكورات تارة، و مع بعضها اخرى، و مع ما قيد بكيفية خاصة تارة، و بنقيضها اخرى.

و هذا المعنى و إن كان امرا متعقلا بل لا محيص عن الالتزام به بعد ما يعلم ان لتلك الحقائق المختلفة فائدة واحدة و هي النهي عن الفحشاء و المنكر و لا يكاد ان تؤثر الحقائق المتباينة في الشى‏ء الواحد من دون رجوعها الى جهة واحدة و لكن كون هذا المعنى مفاد لفظ الصلاة محل اشكال من وجهين:

احدهما ان الظاهر مما ارتكز في اذهان المتشرعة هو ان الصلاة عبارة عن نفس تلك الاجزاء المعهودة (1) التى اولها التكبير و آخرها التسليم.

____________

(1) لا يخفى ان اعتبار الوحدة بين اجزاء الصلاة على وجه ياتى في تصوير الجامع‏

49

و الثاني أن مقتضى ما ذكر من الجامع ان الصحيحى لا بد ان يلتزم بالاشتغال في موارد الشك في الجزئية او الشرطية، و ان بنى في الاقل و الاكثر على البراءة عقلا لانه مكلف باتيان ذلك المعنى الواحد فمتى شك في جزئية شي‏ء او شرطيته يرجع شكه الى ان ذلك المعنى الواحد هل يتحقق بدون الاتيان بالمشكوك ام لا، مع ان القائلين بالصحيح قائلون بالبراءة فيهما.

[تصوير الجامع في الكفاية، و بيان الاشكال عليه‏]

و قد تصدى لدفع هذا الاشكال شيخنا الاستاذ «دام بقاه» في الكفاية بان الجامع انما هو مفهوم واحد منتزع من هذه المركبات المختلفة زيادة و نقيصة بحسب اختلاف الحالات، يتحد معها نحو اتحاد، و في مثله يجرى البراءة، و انما لا يجرى فيما اذا كان المامور به أمرا واحدا خارجيا مسببا عن مركب مردد بين الاقل و الاكثر، كالطهارة المسببة عن الغسل و الوضوء فيما اذا شك في اجزائهما «انتهى كلامه» (1).

اقول: لا اشكال في انه اذا كان الشي‏ء مجمعا و مصداقا لعناوين عديدة فكلّ عنوان منها وقع في حيز التكليف كان المكلّف مأخوذا بذلك العنوان، و العناوين الأخر و ان كانت متحققة مع العنوان الواقع في حيز التكليف و لكن ليس لوجودها و لا لعدمها دخل في براءة ذمة المكلف و اشتغاله، و هذا واضح جدا، فحينئذ ان قلنا بان الواقع في حيز التكليف هو هذا المركب من التكبيرة و الحمد و كذا و كذا يصح للقائل بالبراءة ان يقول: ان ما علم انه متعلق للتكليف من هذه الاجزاء يؤتى به و ما يشك فيه يدفع بالبراءة، و أمّا ان قلنا بان ما وقع في حيز التكليف ليس هذا المركب بهذا العنوان، بل هو عنوان بسيط ينطبق على قسم من هذا المركب في بعض‏

____________

للاعمى مع قيد كون هذا الواحد الاعتباري بحد مفيد لذلك المعنى البسيط بحيث يكون الحد خارجا عن الموضوع له رافع لهذا الاشكال، و ان كان الاشكال الثاني اعنى لزوم القول بالاشتغال في العبادات باقيا بحاله فينحصر القول بالبراءة فيها في اختيار القول بالاعم كما هو الصحيح «منه» (دام ظلّه).

(1) الكفاية، الامر العاشر «مبحث الصحيح و الاعم»، ج 1، ص 37.

50

الحالات فلا يتصور معلوم و مشكوك حتى يقال: ان المعلوم قد أتى به و المشكوك يدفع بالاصل، بل في ما نحن فيه معلوم شك في وقوعه، و لا شبهة في انه مورد للاشتغال.

الثاني: قد يستشكل في تصوير القدر الجامع بين افراد الصلاة الصحيحة و الفاسدة بحيث ينطبق عليها انطباق الكلى على الافراد.

و حاصل الاشكال ان اجزاء الصلاة ان كان لكل منها دخل في الموضوع له فلا يطلق تلك اللفظة الا على ما اشتمل على الكل، و ان كان لبعضها دخل دون الآخر فيلزم ان لا يحمل مفهوم لفظ الصلاة إلا على الأبعاض المأخوذة في الموضوع له، فيكون المركب من تلك الأبعاض و غيرها بعضها صلاة و بعضها خارجا عنها، و كل منهما مما لا يقول به المدعى للاعم.

و قد قيل في تصوير الجامع وجوه لا يهمنا ذكرها.

[في تصوير الجامع على الأعم، و ذكر أدلّة الأعمّي‏]

و الحق ان يقال: ان القدر المشترك بين افراد الصلاة الموجودة في الخارج امر متعقل.

بيان ذلك أن الوحدة كما انها قد تكون لشي‏ء حقيقة كذلك قد تكون لشي‏ء اعتبارا: مثال الاول مفاد الأعلام الشخصية، فانه لا ينثلم وحدة معانيها على اختلاف حالاتها المختلفة العارضة لها، و مثال الثاني الاشياء العديدة التي يوجدها الموجد بقصد واحد، فان تلك الاشياء و ان كانت وجودات مختلفة متعددة، لكن عرضت لها وحدة اعتبارية بملاحظة وحدة الغرض و القصد يطلق على كل منها عنوان الجزء بتلك الملاحظة.

اذا عرفت هذا فنقول: يصح للاعمى ان يقول: ان الواضع لاحظ جميع اجزاء الصلاة المأتى بها بقصد واحد، و قد قلنا بان الاشياء المتعددة بهذه الملاحظة واحدة اعتبارا، و بعد طرو الوحدة الاعتبارية حال تلك الاشياء باجمعها حال الواحد الحقيقي، فكما ان الواحد الحقيقي يمكن اخذه في الموضوع له على نحو لا ينثلم وحدته باختلاف الحالات الطارية عليه، كذلك الواحد الاعتباري قد يعتبر على نحو ليس فيه حد خاص، و لازم ذلك انه متى يوجد

51

مقدار من ذلك المركب مقيدا بما يوجب وحدة الاجزاء اعتبارا- و هو وحدة القصد- يصدق عليه ذلك المعنى، سواء وجد في حد التام او الناقص، فالذي وضع له اللفظ هو مقدار من تلك الاشياء الملحوظة على سبيل الاهمال او تعيين ما، مثل ان لاحظ عدم كونه اقل من ثلاثة اجزاء او اربعة اجزاء، و هكذا، على اختلاف نظر الواضع، فاذا وجد في الخارج غير زائد على مقدار ما وضع له فلا اشكال في صدق معنى اللفظ عليه، و اذا وجد زائدا على ذلك المقدار فلكون الزائد جزء و متحدا مع ما يقوم به المعنى يصدق عليه المعنى ايضا، فالزائد في الفرض الثاني جزء للفرد، لا جزء لمقوم المعنى، و لا خارج عنه. فافهم و تدبر.

الثالث: بعد ما عرفت ما ذكرنا من تصور الجامع على كلا القولين، فاعلم:

ان طريق احراز المعنى و تصديق احد القائلين ليس إلّا التبادر و صحة السلب و عدمهما، فان قطعنا بالمعنى بالتبادر القطعى فهو، و إلّا فمقتضى القاعدة التوقف، و الوجوه الأخر التى استدل بها كل من الفريقين لا تخلو عن شي‏ء كما سننبه عليه.

و الانصاف انا لا نفهم من الصلاة و نظائرها الا الحقيقة التي تنطبق على الصحيح و الفاسد، و نرى ان لفظ الصلاة في قولنا: الصلاة اما صحيحة او فاسدة، ليس فيه تجوز و ملاحظة علاقة صورية بين ما اردنا من اللفظ و بين المعنى الحقيقي له، و هذا ظاهر عند من راجع وجدانه و انصف، و كذا نرى من انفسنا ان من صلى صلاة فاسدة لا يصح سلب معنى لفظ الصلاة عما فعله في الخارج و لو قلنا احيانا بان ما فعله ليس بصلاة فليس نفى الصلاة عن فعله كنفى الصلاة عن الصوم و غيره من موضوع آخر كالحجر و الانسان، اذ يصح الثاني بلا عناية اصلا، بخلاف الاول.

و استدل ايضا لمذهب الاعمى بان الصلاة استعملت في غير واحد من الاخبار في الفاسدة، كقوله (عليه السلام): بنى الاسلام على الخمس: الصلاة و الزكاة و الحج و الصوم و الولاية، و لم يناد احد بشي‏ء كما نودى بالولاية، فاخذ الناس بالاربع و تركوا هذه، فلو أن احدا صام نهاره و قام ليله و مات بغير ولاية لم‏

52

يقبل له صوم و لا صلاة» (1) و محل الاستشهاد قوله (عليه السلام): «فاخذ الناس بالاربع» و قوله: «فلو ان احدا صام نهاره و قام ليله الخ» و كقوله (عليه السلام):

«دعى الصلاة ايام اقرائك» (2) حيث ان المراد لو كان الصحيحة لم تكن بقادرة عليها، فلا يجوز نهيها عنها.

و الجواب ان الاطلاق اعم من الحقيقة، مضافا الى ان لفظ الصلاة في الخبر الثاني استعمل في المعنى المجازى حتى على مذهب الاعمى، لان المنهى عنه من الحائض ليس كلما يطلق عليه معنى لفظ الصلاة، فان الحائض لو أتت بالصلاة فاقدة لبعض الشرائط او الاجزاء المعتبرة فيها من غير جهة الحيض لم يكن ما فعلته محرما، فالصلاة في قوله (عليه السلام): «دعى الصلاة» استعملت في الفرد الخاص اعنى المستجمع لجميع الاجزاء و الشرائط ما عدا كونها حائضا، و استعمال العام في الخاص مجاز إلّا ان يقول بارادة الخاص هنا من غير اللفظ.

هذا.

و استدل لهم ايضا بانه لا شبهة في صحة تعلق النذر و شبهه بترك الصلاة في مكان تكره فيه، و حصول الحنث بفعلها، و لو كانت الصلاة المنذور تركها خصوص الصحيحة لا يحصل بها الحنث، لان الصلاة الماتى بها فاسدة لاجل النهى عنها، بل يلزم ان يكون فسادها موجبا لصحتها، لانها لو كانت فاسدة لم تكن مخالفة للنهى، و لا وجه لعدم كونها صحيحة الا كونها مخالفة للنهى، هذا بخلاف ما لو كانت الصحة خارجة عن معناها فانه على هذا لا يلزم محذور.

و الجواب أن مدعى الوضع للصحيح لا يدعى انها موضوعة للصحيح من جميع الجهات، حتى من الجهات الطارية كالنذر و شبهه، بل يدعى أنها موضوعة

____________

(1) الظاهر ان الحديث منقول بالمعنى، فراجع: باب دعائم الاسلام من اصول الكافي، ج 2، ص 18.

(2) الوسائل، الباب 7 من ابواب الحيض، الحديث 2