دروس في أصول الفقه(الحلقة الثالثة)

- محمد حسين‏ الأشكناني المزيد...
342 /
3

مقدمة

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ‏

الحمد لله رب العالمين و صلى الله على سيدنا محمد و أهل بيته الطيبين الطاهرين.

تتمة لخلاصة الحلقة الأولى و خلاصة الحلقة الثانية بقسميها أقدم لطلبة الحوزة العلمية الأعزاء توضيحا للحلقة الثالثة، و أطلقت عليه‏ دروس في أصول الفقه‏، و قد تمّ إعداد هذه الدروس من عدة مصادر هي" الحلقة الثالثة في أسلوبها الثاني" للشيخ باقر الإيرواني، و من دروس السيد علي أكبر الحائري، و من دروس السيد كمال الحيدري، و من" الحلقة الثالثة أسئلة و أجوبة" للسيد علي حسن مطر، و من ملاحق الحلقة الثالثة و هي الأبحاث المستلّة من التقرير، حفظهم الله تعالى جميعا و حفظ علماء الدين و وفّقهم إلى ما فيه خير الإسلام و المسلمين.

هذا و أسأل الله تعالى أن يجعل هذا الكتاب مقبولا عند سيدي و مولاي صاحب العصر (عجل الله تعالى فرجه) و جعلني من أنصاره و أعوانه، و أن يجعل في هذه الدروس تسهيلا لمطالب أصول الفقه على دارسي حلقات آية الله العظمى الشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر (قدس سره) الشريف، و أن يجعله في صحيفة أعمالي في يوم الحساب، إنه سميع مجيب.

و الحمد لله رب العالمين و صلى الله على سيدنا محمد و آله الطيبين الطاهرين.

محمد حسين أشكناني‏

28 صفر 1421 ه الموافق 2000 6 1 م‏

4

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

5

تمهيد

1- تعريف علم الأصول.

2- موضوع علم الأصول.

3- الحكم الشرعي و تقسيماته.

4- تقسيم بحوث الكتاب.

تعريف علم الأصول‏

تعريف المشهور:

علم الأصول: هو العلم بالقواعد الممهِّدة لاستنباط الحكم الشرعي.

إشكالات على التعريف‏

الإشكال الأول: التعريف غير مانع من دخول الأغيار لأنه يشمل القواعد الفقهية إذ أنها تمهّد لاستنباط الحكم الشرعي مع أنها يجب أن تكون خارجة عن علم الأصول.

مثال: القاعدة الفقهية" ما يُضْمَن بصحيحه يُضْمَن بفاسده" يستنبط منها ضمان السلعة في البيع الفاسد لأن البيع الصحيح فيه ضمان.

الإشكال الثاني: التعريف غير جامع للأفراد لأنه لا يشمل الأصول العملية مع أنها يجب أن تكون داخلة في علم الأصول، فالأصول العملية مجرّد أدلة

6

عملية و ليست أدلة محرزة كاشفة عن الحكم الشرعي، فلا يثبت بها الحكم الشرعي، و إنما تحدّد بها الوظيفة العملية، و طالما أنها لا تحدد الحكم الشرعي فلا تكون داخلة في علم الأصول.

الإشكال الثالث: التعريف غير مانع لدخول المسائل اللغوية فيه مع أنها يجب أن تكون خارجة، فهذه المسائل اللغوية تمهّد لاستنباط الحكم الشرعي.

مثال: ظهور كلمة" الصعيد"، فكلمة" الصعيد" ظاهرة في مطلق وجه الأرض، و هذا الظهور يمهِّد لاستنباط حكم شرعي هو وجوب التيمم بمطلق وجه الأرض‏ أجوبة الإشكالات السابقة

جواب الإشكال الأول: المراد بالحكم الشرعي في التعريف هو جعل الحكم الشرعي على موضوعه الكلي، و بذلك تخرج القواعد الفقهية عن التعريف.

إن القاعدة الأصولية هي ما يُسْتَنْبَط منها ذلك الحكم الكلي، أما القاعدة الفقهية فلا يُسْتَنْبَط منها ذلك، بل هي بنفسها حكم و جعل كلي، و يُسْتَنْتَج منها تفصيلات و تطبيقات ذلك الجعل الكلي على مصاديقه.

إذن: يوجد فرق بين الاستنباط في القاعدة الأصولية، و التطبيق في القاعدة الفقهية.

مثال: القاعدة الأصولية" حجية خبر الثقة" يُستنبط منها جعل وجوب السورة في الصلاة و جعل حرمة العصير العنبي إذا غلى و جعل...، و كل واحد من هذه الأحكام حكم كلي.

أما القاعدة الفقهية" ما يُضمن بصحيحه يُضمن بفاسده" فهي بنفسها جعل شرعي للضمان على موضوع كلي، و تُطَبَّق على مصاديقه المختلفة كالإجارة و البيع، و نثبت بذلك ضمانات متعددة مجعولة كلها بذلك الجعل الكلي الواحد، و كل من هذه الضمانات حكم جزئي، و المراد من الحكم الشرعي في التعريف هو الحكم الشرعي الكلي لا الحكم الجزئي.

7

جواب الإشكال الثاني‏

1- جواب صاحب الكفاية (قدس سره): أضاف قيدا جديدا فصار التعريف علم الأصول هو" العلم بالقواعد الممهِّدة لاستنباط الحكم الشرعي أو التي يُنْتَهَى إليها في مقام العمل"، و بذلك تدخل الأصول العملية في علم الأصول لأنها هي القواعد التي يُنتهى إليها في مقام العمل و في تحديد الوظيفة العملية عند الجهل بالحكم الشرعي.

2- جواب السيد الخوئي‏ (قدس سره): كان معنى الاستنباط هو استخراج الحكم من الأدلة الشرعية، لذلك ورد إشكال خروج الأصول العملية لأن الأدلة الشرعية التي يُستخرج منها الحكم هي الأدلة القطعية و الأمارات دون الأصول العملية، و لكن لو أُعطي للاستنباط معنى آخر لما ورد الإشكال، و المعنى الجديد هو" الإثبات التنجيزي و التعذيري"، و هو إثبات تشترك فيه الأدلة المحرزة و الأصول العملية معا، فيكون تعريف علم الأصول هو:" العلم بالقواعد الممهِّدة لإثبات تنجيز أو تعذير الحكم الشرعي"، و بذلك تدخل الأصول العملية في علم الأصول، فالأصول العملية كالأمارات تنجِّز الحكم الشرعي أو تعذِّر عند مخالفته.

جواب الإشكال الثالث:

1- جواب المحقق النائيني‏ (قدس سره): أضاف قيد" الكبروية" في التعريف، فيكون تعريف علم الأصول هو:" العلم بالقواعد الكبروية الممهِّدة لاستنباط الحكم الشرعي"، فالقاعدة الأصولية يجب أن تقع كبرى في القياس المنطقي للاستنباط، و بذلك تخرج المسائل اللغوية عن التعريف لأنها تقع صغرى في قياس الاستنباط و تحتاج إلى كبرى حجية الظهور.

مثال: الصغرى: كلمة" الصعيد" ظاهرة في مطلق وجه الأرض (هذه ليست قاعدة أصولية).

8

الكبرى: كل ظهور حجة (هذه قاعدة أصولية).

النتيجة: يجب التيمم بمطلق وجه الأرض.

رد الشهيد على جواب المحقق النائيني: بعض القواعد الأصولية لا تقع كبرى في قياس الاستنباط، بل تقع صغرى فيه.

أمثلة:

أ- الصغرى: صيغة الأمر مثل" صلِّ" ظاهرة في الوجوب.

الكبرى: كل ظهور حجة.

ب- الصغرى: الجمع المُحَلَّى ب" أل" ظاهر في العموم.

الكبرى: كل ظهور حجة.

ج- الصغرى: أداة الشرط مثل" إِنْ" ظاهرة في المفهوم.

الكبرى: كل ظهور حجة.

د- مسألة اجتماع الأمر و النهي:

في استحالة الاجتماع:

الصغرى: يمتنع اجتماع الأمر و النهي مثل" صَلِّ" و" لا تَغْصَبْ".

الكبرى: كل ما امتنع اجتماعهما تحقق بينهما تعارض.

النتيجة: يقع تعارض بين الخطابين، فلا بد من تقديم أحدهما كالأقوى سندا أو الموافق للكتاب أو المخالف للعامة أو تقديم دليل النهي لكونه شموليا أو التساقط و الرجوع إلى الأصول و القواعد الأخرى.

في جواز الاجتماع:

الصغرى: يجوز اجتماع الأمر و النهي مثل" صلِّ" و" لا تغصب".

الكبرى‏: كل ما جاز اجتماعهما لم يقع بينهما تعارض.

9

النتيجة: لا يقع تعارض بين الخطابين، فيتمسك بإطلاق كل منهما، فيكون المكلف ممتثلا و عاصيا في نفس الوقت.

2- جواب السيد الخوئي‏ (قدس سره): ذكر أن القاعدة تكون أصولية في حالتين:

أ- إذا كانت وحدها كافية للاستنباط بلا حاجة إلى ضم قاعدة أصولية أخرى.

مثال: ظهور كلمة" الصعيد" ليس قاعدة أصولية لأنه يحتاج إلى ضم قاعدة أصولية أخرى هي ظهور صيغة" افْعَلْ" في الوجوب للتطبيق علي صيغة" تَيَمَّمُوا".

ب- إذا كانت محتاجة إلى قاعدة أخرى، و لكن القاعدة الأخرى ليست أصولية.

مثال: ظهور صيغة" افْعَلْ" في الوجوب يعتبر قاعدة أصولية لأنه و إن كان محتاجا إلى كبرى حجية الظهور (أي كل ظهور حجة)، و لكن هذه الكبرى ليست من المباحث الأصولية بسبب الاتفاق عليها من الجميع و لأنها بديهية و واضحة عند كل الناس.

رد الشهيد على جواب السيد الخوئي‏ (قدس سرهما):

الرد الأول: ما هو المراد من عدم احتياج القاعدة الأصولية إلى قاعدة أخرى؟

أ- إن كان المراد عدم الاحتياج دائما و في جميع الموارد:

يلزم من ذلك خروج كثير من القواعد الأصولية عن علم الأصول.

مثال: إذا وردت صيغة فعل الأمر في رواية ظنية الصدور فإن" ظهور صيغة الأمر في الوجوب" بحاجة إلى قاعدة أصولية أخرى‏

10

هي: دليل حجية السند أي خبر الثقة حجة إذ بدون ضم هذه القاعدة لا يمكن استنباط الحكم من الرواية.

ب- إن كان المراد عدم الاحتياج و لو في مورد واحد:

يلزم من ذلك دخول مسألة ظهور كلمة" الصعيد" في علم الأصول، و ذلك إذا وردت في رواية قطعية من سائر الجهات كالسند و الدلالة و غيرهما، فإذا عرفنا أنها ظاهرة في معنى معيَّن كمطلق وجه الأرض فلا نحتاج إلى ضم شي‏ء آخر للحكم بوجوب التيمم.

الرد الثاني: إن مجرّد الوضوح و عدم الخلاف في مسألة لا يخرجها عن كونها أصولية لأن المسألة لا تكتسب أصوليتها من الخلاف فيها و الخلاف ليس سببا لجعل المسألة أصولية، بل على العكس من ذلك فإن الخلاف ينصب على المسألة الأصولية، لذلك فإن قاعدة حجية الظهور تعتبر قاعدة أصولية.

النتيجة النهائية

الإشكال الثالث ما زال واردا على تعريف المشهور لعلم الأصول بعد رد جوابي‏ المحقق النائيني و السيد الخوئي‏ (قدس سرهما)، لذلك لا بد أن نأتي بتعريف آخر لا يَرِدُ عليه هذا الإشكال.

تعريف الشهيد لعلم الأصول‏

علم الأصول: هو العلم بالعناصر المشتركة لاستنباط جعل شرعي.

و بذلك تخرج المسألة اللغوية كظهور كلمة" الصعيد" لأنها عنصر يُسْتَنْبَط منها الحكم المتعلق بهذه المادة فقط و هو وجوب التيمم بمطلق وجه الأرض و غيره من الأحكام المرتبطة بكلمة" الصعيد"، و لا تكون عنصرا مشتركا لأنها لا تتكرر في كثير من أبواب الفقه.

11

موضوع علم الأصول‏

سؤال: كيف يتم تحديد موضوع أي علم من العلوم؟

الجواب: يتم تحديد موضوع العلم بطريقتين:

1- نأتي إلى مسائل العلم لنرى أنها تبحث عن أحوال أي شي‏ء، فإذا حدَّدنا هذا الشي‏ء كان هو موضوع العلم.

مثال: مسائل علم النحو تبحث عن الكلمة، فيقال: الكلمة تُرفع إذا كانت فاعلا، و تُنصب إذا كانت مفعولا، و تُجرّ إذا كانت مضافا، و...، فتكون الكلمة هي موضوع علم النحو.

2- الموضوع لكل علم هو الجامع بين موضوعات المسائل.

مثال: مسائل علم النحو هي: الفاعل مرفوع، و المفعول منصوب، و المضاف إليه مجرور، و الموضوعات في هذه المسائل الفاعل و المفعول و المضاف إليه، و الجامع بين هذه الموضوعات هو الكلمة لأن الفاعل كلمة، و المفعول كلمة، و المضاف إليه كلمة، فيكون موضوع علم النحو هو الكلمة.

إذن: موضوع العلم هو إما الشي‏ء الذي يُبحث عن عوارضه و إما الجامع بين موضوعات مسائله.

سؤال: هل من الضروري أن يوجد موضوع لكل علم؟

الجواب: لم يتمكن بعض المحققين من تصوير موضوع لعلم الأصول مما أدى إلى التشكك في ضرورة أن يكون لكل علم موضوع، و وقع ذلك‏

12

موضعا للبحث، و يوجد هنا قولان: قول بضرورة وجود موضوع لكل علم، و قول آخر بعدم الضرورة، و قال البعض باستحالة وجود موضوع لبعض العلوم.

ضرورة وجود موضوع لكل علم‏

اسْتُدِلّ على هذه الضرورة بالأدلة التالية:

الدليل الأول: إن التمايز بين العلوم يكون بالموضوعات، فلا بد من افتراض الموضوع لكل علم حتى تتعدد العلوم، فاختلاف الموضوعات في العلوم أدى إلى استقلال و تمايز كل علم عن الآخر.

مثال: يختص كل من علم النحو و علم الطب بموضوع كلي يتميز عن الموضوع الكلي للآخر، فعلم النحو موضوعه الكلمة، و علم الطب موضوعه بدن الإنسان.

رد الدليل الأول: هذا الدليل فيه مصادرة أي أن الدليل هو عين المُدَّعى لأن وجود التمايز بين العلوم بالموضوعات فرع وجود موضوع لكل علم، فلا بد أن نسلِّم أولا بوجود موضوع لكل علم حتى بالتالي نقول بوجود التمايز بين العلوم بالموضوعات، فإذا لم نسلِّم بوجود موضوع لكل علم فلا بد أن يكون التمايز بين العلوم قائما على أساس آخر كالغرض مثلا، فمثلا الغرض من علم النحو يختلف عن الغرض من علم الطب.

الدليل الثاني: إذا قيل إن التمايز بين العلوم يكون بالأغراض مثلا فهذا يستلزم وجود موضوع لكل علم كما يلي: إن الغرضَ من كل علم واحدٌ، و توجد قاعدة فلسفية تقول" إن الواحد لا يصدر إلا من واحد"، فلا بد أن يكون الغرض الواحد صادرا من مؤثّر واحد، فما هو هذا المؤثّر الواحد؟

إذا قيل إن هذا المؤثّر هو مسائل العلم فيُرَدّ عليه بأن مسائل العلم متعدّدة و متغايرة فيستحيل أن تكون هي المؤثّرة لأنها كثيرة و لأن الواحد لا يصدر من الكثير، بل يتعيَّن أن تكون المسائل مؤثّرة بما هي مصاديق لأمر

13

واحد، و هذا الأمر الواحد يمكن فرضه مسألة أو قضية كلية واحدة يكون موضوعها واحدا جامعا بين موضوعات المسائل، و محمولها واحدا جامعا بين محمولات المسائل، و هذه القضية الكلية الواحدة هي المؤثّرة، و بذلك يثبت أن لكل علم موضوع هو الموضوع الجامع في القضية الكلية.

رد الدليل الثاني: إن الواحد على أقسام:

1- واحد بالشخص: أن يكون الشي‏ء شخصا واحدا حقيقة مثل زيد، و هو جزئي حقيقي لا يصدق إلا على واحد.

2- واحد بالنوع: أن يكون الشي‏ء واحدا بالنوع و هو الكلي الجامع الذاتي لأفراده مثل زيد و عمرو، فإنهما بالرغم من تعددهما و تغايرهما واحد من حيث الإنسانية التي هي نوع، فتوجد هنا أشياء متعددة يجمعها جامع ذاتي واحد، و لا يقصد بالنوع هنا النوع بالمصطلح المنطقي، بل يقصد كل أمر ذاتي سواء كان جنسا منطقيا أم نوعا منطقيا أم فصلا منطقيا.

3- واحد بالعنوان: أن يكون الشي‏ء واحدا بالعنوان و هو الجامع الانتزاعي الذي يُنتزع من أنواع متخالفة، فتوجد هنا أشياء متعددة يجمعها عنوان واحد، مثل الثلج و القطن فإنهما شيئان حقيقة و لكنهما واحد من حيث عنوان الأبيض الذي هو عنوان منتزع منهما.

سؤال: في أي الأقسام يكون الواحد واحدا حقيقيا؟

الجواب: الواحد في القسم الأول أي الواحد الشخصي واحد حقيقة، و لكنه متعدد في القسمين الثاني و الثالث أي الواحد النوعي و الواحد العنواني.

النتيجة النهائية: قاعدة استحالة صدور الواحد من الكثير تختص بالقسم الأول فقط لأنه واحد حقيقة، أما الواحد بالنوع و الواحد بالعنوان فَلَيْسا واحدا حقيقة، بل كل منهما كلي له أفراد متعددة كثيرة، لذلك يمكن صدوره من أشياء متعددة، و غرض العلم ليس واحدا شخصيا بل‏

14

نوعيا أو انتزاعيا، فيمكن صدوره من المتعدد، فلا توجد حاجة لافتراض قضية كلية جامعة للمسائل ليكون موضوعها موضوعا للعلم.

إذن: قاعدة استحالة صدور الواحد من الكثير لا تنطبق في مقامنا لأن غرض العلم ليس واحدا شخصيا بل نوعيا أو انتزاعيا.

مثال: الغرض من علم النحو هو صون اللسان من الخطأ، و هذا الغرض ليس واحدا بالشخص، بل هو واحد بالنوع أو بالانتزاع، لذلك يمكن صدوره من الكثير فإن صون اللسان له حصص متعددة، حصة منه تحصل من مسألة" الفاعل مرفوع"، و حصة ثانية تحصل من مسألة" المفعول منصوب"، و حصة ثالثة تحصل من مسألة" المضاف إليه مجرور".

استحالة وجود موضوع لبعض العلوم:

بعد رد الدليلين السابقين برهن بعض المحققين ( (1) 1) على استحالة وجود موضوع لبعض العلوم بالدليلين التاليين:

الدليل الأول: بعض العلوم تشتمل على مسائل موضوعها الفعل و الوجود و على مسائل أخرى موضوعها الترك و العدم، كما في علم الفقه حيث إن موضوع بعض مسائله الفعل مثل" الوضوء واجب"، و موضوع البعض الآخر الترك مثل" ترك الأكل في نهار شهر رمضان واجب"، و لا يمكن أن يوجد موضوع جامع بين الوجود و العدم لأنهما نقيضان.

الدليل الثاني: بعض العلوم تشتمل على مسائل بحيث تنتسب موضوعات هذه المسائل إلى مقولات ماهوية و أجناس متباينة، فإن لكل مقولة ماهية مختلفة عن المقولة الأخرى، كما في علم الفقه الذي قد يكون موضوعه من مقولة الجوهر مثل" الدم نجس" فإن الدم جوهر، أو من‏

____________

(1) الشيخ العراقي في نهاية الأفكار ج 1 ص 9، و مقالات الأصول ص 4، و السيد الخوئي في المحاضرات ج 1 ص 20، و السيد البجنوردي في منتهى الأصول ص 9

15

مقولة الوضع مثل" الركوع واجب"، أو من مقولة الكيف مثل" القراءة واجبة في الصلاة" فإن القراءة كيف مسموع، و لا يوجد جامع بين المقولات المختلفة لأنها أجناس عالية لا يوجد فوقها جنس أعلى جامع بينها، و هي ماهيات متباينة تباينا تاما لا تشترك في شي‏ء حتى يوجد لها جامع يجمعها.

إذن: لا يوجد جامع بين موضوعات مسائل العلم حتى يكون هذا الجامع موضوعا للعلم.

موضوع علم الأصول عند الشهيد:

يوجد موضوع كلي لعلم الأصول هو:" الأدلة أو العناصر المشتركة في الاستدلال الفقهي"، فموضوعه هو كل ما يُتَرَقَّب أن يكون دليلا مشتركا، و البحث الأصولي يدور دائما حول إثبات أو نفي دليليتها و حجيتها، مثل القياس يبحث عنه في علم الأصول و لكن تُرْفَض دليليته و حجيته.

16

الحكم الشرعي و تقسيماته‏

الأحكام التكليفية و الوضعية

تعريف الحكم: الحكم هو الخطاب الصادر من الله تعالى لتنظيم حياة الناس.

أقسام الحكم الشرعي:

1- الحكم التكليفي: هو الحكم الذي يرتبط بعمل المكلف مباشرة، و له خمسة أقسام: الوجوب و الحرمة و الاستحباب و الكراهة و الإباحة.

2- الحكم الوضعي: هو الحكم الذي لا يرتبط بعمل المكلف مباشرة، كالنجاسة و الزوجية و الجزئية و الشرطية، و هو على نحوين:

النحو الأول: الحكم الوضعي الذي يكون موضوعا للحكم التكليفي:

مثال: أ- الزوجية الواقعة موضوعا لوجوب الإنفاق على الزوج فيقال: الزوجية تؤدي إلى وجوب إنفاق الزوج على الزوجة.

ب- الملكية الواقعة موضوعا لحرمة التصرف في المال بدون إذن المالك فيقال: الملكية تؤدي إلى حرمة التصرف في المال بدون إذن المالك.

النحو الثاني: الحكم الوضعي الذي يكون مُنْتَزَعا من الحكم التكليفي:

مثال: جزئية السورة للواجب المُنتزعة من الأمر بالصلاة المركَّبة من السورة و غيرها، و شرطية الزوال لوجوب صلاة الظهر المُنتزعة من جعل الوجوب المشروط بالزوال.

17

رأي الشهيد (قدس سره):

يأتي الشهيد و يتكلم أولا عن النحو الثاني، ثم عن النحو الأول.

النحو الثاني: الحكم الوضعي الذي يكون مُنتزعا عن الحكم التكليفي:

سؤال: هل يمكن أن يجعل المولى جزئية السورة بجعل استقلالي بأن يقول:" أَجْعَلُ السورة جزءا من الصلاة"؟

الجواب: لا يمكن ذلك لوجهين:

الوجه الأول: إن الجزئية إنما هي مُنتزَعة عن جعل الحكم التكليفي عند الأمر بالصلاة المركَّبة من السورة و غيرها، و هذا الأمر التكليفي يكفي في أن ينتزع العقل عنوان الجزئية للواجب، فلا نحتاج إلى جعل استقلالي لجزئية السورة لأن الجزئية لا يمكن أن تتحقق للواجب بمجرد إنشائها و جعلها بشكل مستقل، إن المولى إذا قال" إن هذا الشي‏ء جزء" فهذا القول لا يصيِّره جزءا إلا إذا كان جزءا قبل هذا القول، و إذا كان جزءا من قبل فلا حاجة لأن يقول" إني أجعله الآن جزءا" لأننا ننتزع الجزئية من كونه جزءا قبل أن يقول ذلك، فيكون قوله لغوا و تحصيلا للحاصل.

الوجه الثاني: إن جزئية شي‏ء للواجب تعتبر من الأمور الحقيقية الواقعية كجزئية الجزء في المركَّبات الخارجية و إن اختلفت الجزئيتان في وعاء الواقع و منشأ الانتزاع، و وعاء الواقع للجزئية هنا هو عالم جعل الوجوب، و ما دامت الجزئية أمرا واقعيا فلا يمكن إيجادها بالجعل و الاعتبار لأن الأمور الواقعية لا يمكن إيجادها بالجعل التشريعي.

بعبارة أخرى: إن الشارع لا يمكن أن يأتي و يقول:" إني أجعل الآن السورة جزءا من الصلاة"، بل يأتي أولا و يجعل الوجوب على الصلاة كاملة بما فيها السورة، ثم نأتي نحن و ننتزع جزئية السورة في‏

18

الصلاة، فالشارع يكون لديه أمر بالمركَّب، و نحن نعرف أن المركب يحتوي على أجزاء، فنقول نحن" إن السورة جزء و الركوع جزء و السجود جزء"، و هذه عملية انتزاعية من الأمر بالمركب و لا نحتاج أن يقول الشارع لنا" إني أجعل الآن السورة جزءا" بدون أن يجعل قبل ذلك أمرا بالمركب، فإذا جعل أمرا بالمركب و انتزعنا جزئية السورة من هذا المركب فلا يوجد داعٍ لأن يقول الشارع" إنها جزء" لأنه تحصيل للحاصل، أما إذا أراد الشارع أن يقول" إنها جزء" قبل الأمر بالمركب فيقال إن هذا غير ممكن لأن الجزء لا يكون موجودا إلا بعد وجود المركب، فإذا لم يكن المركب موجودا فلا يمكن أن يجعل المولى السورة جزءا لشي‏ء غير موجود.

النتيجة: إن الجعل الاستقلالي للجزء قبل وجود المركب غير ممكن لأن الجزء لا يوجد إلا بعد وجود المركب، و الجعل الاستقلالي للجزء بعد وجود المركب لا يمكن أيضا لأنه لغو و تحصيل للحاصل لأن الجزئية من الأمور الانتزاعية الواقعية و لا تحتاج إلى جعل استقلالي لأننا نعرف أن المركب له أجزاء.

النحو الأول: الحكم الوضعي الذي يكون موضوعا للحكم التكليفي:

إن كون الحكم الوضعي موضوعا للحكم التكليفي عقلائيا كوجوب عمل المرأة في المنزل، و شرعا كوجوب الإنفاق على الرجل، و كون الموضوع سابقا على الحكم من حيث الرتبة يقتضي جعل الحكم الوضعي في هذا النحو بالجعل الاستقلالي و لا يكون منتزعا عن الحكم التكليفي لأن الانتزاع يقتضي التأخر في الرتبة، فالزوجية مثلا لا بد أن تكون مجعولة أولا حتى ينصب عليها حكم وجوب الإنفاق ثانيا، فكون الحكم الوضعي موضوعا للحكم التكليفي يقتضي تقدّمه من حيث الرتبة، و كونه منتزعا عنه يقتضي تأخّره من حيث الرتبة،

19

و يستحيل أن يكون الشي‏ء الواحد متقدّما و متأخّرا في آن واحد من نفس الحيثية.

إشكال: قد يقال بأن الجعل الاستقلالي للحكم الوضعي في هذا النحو يكون لغوا لأنه بدون جعل الحكم التكليفي لا حاجة للحكم الوضعي إذ يمكن جعل الحكم التكليفي ابتداءً على نفس الموضوع الذي يُفترض جعل الحكم الوضعي عليه، فما الفائدة من جعل الزوجية إذا لم يترتب عليها أي حكم من الأحكام؟

جواب الإشكال: الجعل الاستقلالي للحكم الوضعي في هذا النحو لا يكون لغوا للسببين التاليين:

1- إن الأحكام الوضعية في هذا النحو تعود إلى اعتبارات ذات جذور عقلائية، فهي متداولة بين العقلاء في كل المجتمعات في كل زمان و مكان بقطع النظر عن التشريع الإلهي فإن الشارع ليس هو المؤسِّس لها حتى يقال بلزوم اللغوية من تشريع الشارع لها، فإن الشارع أمضى هذه الأحكام الموجودة بين العقلاء و لم يخترع طريقة جديدة قد تكون غريبة عندهم.

2- إن الغرض من جعل الأحكام الوضعية في هذا النحو بجعل استقلالي هو تنظيم الأحكام التكليفية و تسهيل صياغتها التشريعية، فيجعل المولى الزوجية أولا بجعل استقلالي ثم يأتي بالأحكام المترتِّبة عليها، فيقول مثلا يجب إنفاق الرجل على الزوجة و يجب التمكين عليها.

شمول الحكم للعالم و الجاهل‏

سؤال: هل أحكام الشريعة التكليفية و الوضعية تختص بالعالم بها أو تشمل جميع الناس بما فيهم الجاهل؟

20

الجواب: إن الأحكام التكليفية و الوضعية تشمل في الغالب ( (2) 1) العالم بالحكم و الجاهل به على السواء و لا تختص بالعالم للوجوه التالية: الوجه الأول: قول‏ الشيخ الأنصاري‏ (قدس سره) في رسائله أن الأخبار الدالة على ذلك مستفيضة، منها ما مضمونه: يؤتى بالعبد يوم القيامة فيقال له: هلّا عملت. فيقول: لم أعلم. فيقال: هلّا تعلّمت ( (3) 2). فهذا الحديث يدل على ثبوت الأحكام في حق الجاهل و إلا لم يكن للتوبيخ معنى.

الوجه الثاني: يكفي دليلا على ذلك إطلاقات أدلة الأحكام كدليل وجوب الصلاة و الصوم... حيث إنها لم تُقَيَّد بالعالم بها.

ملاحظات:

1- قاعدة اشتراك الحكم الشرعي بين العالم و الجاهل تكون بلحاظ عالم التشريع لا بلحاظ استحقاق العقاب و عدمه لأن الجاهل لا يتنجز عليه الحكم فلا يستحق العقاب، و العالم بالحكم يتنجز عليه الحكم، فإذا لم يعمل بقطعه فإنه يستحق العقاب، لذلك فإن الحكم الشرعي بلحاظ استحقاق العقاب يكون مختصا بالعالم فقط و لا يشمل الجاهل، أما بلحاظ عالم التشريع فإن الحكم عند تشريعه لا يكون مختصّاً بالعالم به، بل يشمل جميع الناس بما فيهم الجاهل.

2- الحكم الشرعي مشترك بين العالم و الجاهل إلا إذا دلَّ دليل خاص على خلاف ذلك، كما في مورد الجهر و الإخفات، أو القصر و التمام في الصلاة، فالحكم الشرعي في هذه الموارد مقيَّد بالعالم.

الوجه الثالث: برهان عقلي على القاعدة: من المستحيل اختصاص الحكم بالعالم لأن ذلك يعني أخذ العلم بالحكم في موضوع الحكم، و ينتج عن ذلك تأخّر الحكم رتبة عن العلم به و توقفه عليه مع أن الحكم متقدّم على العلم‏

____________

(2) (1) إشارة إلى أن بعض الأحكام لا تعم الجاهل كوجوب القصر و الإتمام و الجهر و الإخفات في الصلاة

(3) (2) البحار ج 1 ص 177 ح 58.

21

به و علة له حيث إن العلم بالحكم متوقف على ثبوت الحكم لأن العلم بالشي‏ء فرع ثبوت الشي‏ء، فيلزم منه الدور حيث يصير العلة معلولا و المعلول علة.

حل إشكال الدور: مر في الحلقة السابقة أن المستحيل الذي يلزم منه الدور هو في الصورة الأولى و هي صورة أخذ العلم بالحكم المجعول قيدا في موضوع نفس الحكم المجعول، و ليس من المستحيل أخذ العلم بالجعل قيدا في موضوع الحكم المجعول حيث لا يأتي إشكال الدور في الصورة الثانية و هي صورة أخذ العلم بالجعل قيدا في المجعول، بمعنى أن المكلف إذا علم بتشريع الحكم كان الحكم فعليّا عليه.

ثمرة البحث: القول بالتخطئة:

بعد أن عرفنا أن الحكم الشرعي شامل للعالم و الجاهل تترتب على ذلك ثمرة هي أنه توجد أحكام واقعية في اللوح المحفوظ محفوظة في حق الجميع نحاول كشفها و معرفتها و الوصول إليها، و المكلف الجاهل في الشبهة الحكمية أو الموضوعية يرجع إلى الأمارات و الأصول العملية التي قد تصيب الواقع و قد تخطئه إلا أن خطأها مغتفر و المكلف يكون معذورا و لا يستحق العقاب لأن الشارع جعلها حجة، و هذا هو معنى القول ب" التخطئة" أي أن الأمارة أو الأصل العملي قد تصيب أو تخطئ الواقع.

القول بالتصويب:

و هو في مقابل القول بالتخطئة، و معناه أن أحكام الله تعالى هي ما يؤدي إليها الأمارة أو الأصل العملي، و له صورتان:

الصورة الأولى: لا يوجد لله عز و جلّ في حق الجاهل أحكام واقعية في اللوح المحفوظ، و إنما يحكم الشارع تَبَعًا للأمارة أو الأصل حيث إن الحكم الواقعي لا يتخلف عنهما، فهما يولِّدان الواقع.

22

رد الصورة الأولى: هذه الصورة واضحة البطلان لأن الأدلة جاءت لتكشف لنا عن حكم الله الموجود في الواقع، فكيف نفترض أنه لا توجد أحكام واقعية عند الله أصلا؟ و ما الذي ستكشف عنه هذه الأدلة؟!

الصورة الثانية: و هي صورة مخففة للتصويب و أقل محذورا، و مؤداها أن الله تعالى له أحكام واقعية مشتركة بين العالم و الجاهل في اللوح المحفوظ، و لكنها مقيَّدة بعدم قيام الأمارة أو الأصل على خلافها، فإن قامت أمارة أو أصل عملي على خلافها تبدّلت إلى ما أدّيا إليه.

رد الصورة الثانية: هذه الصورة باطلة أيضا لأنها مخالفة لإطلاق أدلة الأحكام حيث لم تقيَّد بخصوص العالم بها، فهي تشمل بإطلاقها جميع الناس العالم و الجاهل منهم، و مخالفة أيضا للأدلة المستفيضة الدالة على اشتراك العالم و الجاهل في الأحكام الواقعية.

الحكم الواقعي و الظاهري‏

أقسام الحكم الشرعي:

1- الحكم الواقعي: هو الحكم الذي لم يؤخذ في موضوعه الشك أو عدم العلم.

2- الحكم الظاهري: هو الحكم الذي أُخذ في موضوعه الشك أو عدم العلم في حكم شرعي واقعي.

مراحل الحكم الواقعي:

1- مرحلة الثبوت: و تشتمل على ثلاثة عناصر:

أ- الملاك: أو المصلحة و المفسدة.

ب- الإرادة: أو المحبوبية و المبغوضية.

ج- الاعتبار: أي جعل الحكم و اعتباره في ذمة المكلف.

2- مرحلة الإثبات: أو إعلان الحكم و إبرازه.

23

ملاحظة: نفس هذه المراحل تمر بها القوانين الوضعية في جميع الدول.

خصائص الاعتبار:

1- إن الاعتبار ليس عنصرا ضروريا في مرحلة الثبوت، فروح الحكم و مبادؤه و حقيقته تكمن في الملاك و الإرادة فقط، أما الاعتبار فيستخدم غالبا كعمل تنظيمي و صياغي، فالاعتبار عبارة عن صياغة للحكم.

مثال: تارة يقول الشارع:" أريد منك الصلاة"، هذه العبارة لا تبرز الاعتبار بل الإرادة فقط، و هي كافية في وجوب الامتثال عقلا.

و تارة أخرى يقول الشارع:" الصلاة واجبة"، أو" وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا" ( (4) 1)، فمثل هذه العبارات تبرز الاعتبار لأنها جعلت الحكم و اعتبرته في عهدة المكلف، فهنا استخدم الاعتبار كعمل تنظيمي صياغي فقط.

2- إن حقيقة الاعتبار هي أنه يستخدم للكشف عن مصبّ حق الطاعة، و قد يتّحد الاعتبار مع مصبّ إرادة المولى و قد يغايره.

التوضيح: إن للمولى حق الطاعة على المكلف فيما يريده منه، و كذلك له حق تحديد مركز و مصبّ حق الطاعة، فقد يتم الملاك في شي‏ء و يريده المولى، و لكنه لا يجعل هذا الشي‏ء نفسه في عهدة المكلف، بل يجعل مقدمة ذلك الشي‏ء التي يعلم المولى بأنها مؤدية إليه في عهدته، فيكون حق الطاعة منصبّا على المقدمة ابتداءً و إن كان الشوق المولوي أي الإرادة متعلِّقا بها تبعا.

____________

(4) (1) آل عمران: 97.

24

مثال: إن الله سبحانه يريد منا الانتهاء عن الفحشاء و المنكر، و لكنه لا يوجب ذلك، و إنما يأتي إلى مقدمة الانتهاء عن الفحشاء و المنكر و يجعلها مركزا و مصبّا لحق طاعته، فيقول:" الصلاة واجبة"، و إن لم توصل المقدمة إلى النتيجة أحيانا.

مثال عرفي: صاحب بستان يريد أن يسقي الحديقة، فيأمر العامل أن يفتح الماء ليجري في مجرى معيّن في ساعة معيّنة و العامل لا يدري إلى أين يذهب الماء، الملاك و الإرادة هنا في سقي الحديقة، و لكن مركز حق الطاعة انصبّ على فتح العامل الماء.

الجمع بين الأحكام الظاهرية و الواقعية

لقد وُجِّهَت عدة اعتراضات على الحكم الظاهري تبرهن على استحالة جعله عقلا، و هذه الاعتراضات هي:

الاعتراض الأول: شبهة التضاد و التماثل:

بناء على قاعدة اشتراك الأحكام الواقعية بين العالم و الجاهل لا على القول بالتصويب يكون الحكم الواقعي ثابتا في فرض الشك، فإن كان الحكم الظاهري مغايرًا للحكم الواقعي كالحلية و الحرمة لزم اجتماع الضدين، و إن لم يكن مغايرًا لزم اجتماع المثلين.

و ما تقدم في الحلقة السابقة من أنه لا تنافي بين الحكم الواقعي و الحكم الظاهري لأنهما من سنخين و نوعين مختلفين مجرّد كلام إذا لم يُعْطَ تفسيرا محدّدا لأن مجرّد التسمية بالواقعي و الظاهري لا يخرجهما عن كونهما من الأحكام التكليفية و هي متضادّة لأن لكل حكم مبادئ خاصة به، فيلزم من اجتماع الحكمين اجتماع المصلحتين أو المفسدتين أو المصلحة و المفسدة، فلا بد من إبراز الفرق بين مضمون و روح الحكم الواقعي و مضمون و روح الحكم الظاهري حتى يرتفع الإشكال.

25

الاعتراض الثاني: شبهة نقض الغرض:

إن الحكم الظاهري إذا خالف الحكم الواقعي يلزم منه نقض المولى لغرضه الواقعي إما بإلقاء المكلف في المفسدة إذا كان الحكم الواقعي هو الحرمة و الحكم الظاهري هو الإباحة، و إما بتفويت المصالح المهمة عليه إذا كان الحكم الواقعي هو الوجوب و الحكم الظاهري هو الحرمة، و كلاهما قبيح.

الاعتراض الثالث: شبهة تنجّز الواقع المشكوك:

من المستحيل أن يكون الحكم الظاهري منجِّزا للتكليف الواقعي المشكوك لأن الواقع يظل مشكوكا عند قيام الأمارة أو الأصل بإثبات التكليف لأن الأمارة تعطي ظنا بالتكليف و الأصل يعطي وظيفة عملية، و مع كون الواقع مشكوكا يشمله حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان، فالعقل يحكم بقبح العقاب في حالة عدم العلم بالتكليف الواقعي، و الأحكام العقلية التي هي مدركات العقل العملي غير قابلة للتخصيص لأن قاعدة قبح العقاب بلا بيان قاعدة عقلية، و العقل لا يحكم بحكم عام إلا بعد عموم العلة، و مع عموم العلة لا يمكن التخصيص، و التخصيص يكون من شئون مرحلة الإثبات و الدلالة لا مرحلة الثبوت لأن التخصيص معناه الكشف عن عدم إرادة العموم من ظاهر الخطاب العام.

الرد على الاعتراضات:

الرد على الاعتراض الأول: شبهة التضاد و التماثل:

أجيب عليه بثلاثة وجوه:

الوجه الأول للمحقّق النائيني: مسلك جعل الطريقية أو العلمية أو تتميم الكشف:

قبل الدخول في توضيح هذا المسلك يطرح سؤال هو: ما هو المقصود من كلمة" حجة" عند ما يقال" جعل الشارع خبر الثقة حجة"؟

26

الجواب: يوجد في ذلك ثلاثة مسالك:

1- مسلك جعل الطريقية: إن خبر الثقة لا يفيد إلا الظن، و الشارع يجعل له الحجية بأن يرفعه إلى درجة العلم و الطريق التام بعد أن كان ظنا و طريقا ناقصا، فالشارع جعل خبر الثقة عِلْما و كاشفا تاما عن مؤداه أي مضمون الخبر بالاعتبار، فالعلم منجِّز سواء كان علما حقيقة كالقطع أم علما تعبدا بحكم الشارع كالأمارة.

2- مسلك جعل المنجزية: إن حجية الأمارة معناها أن الشارع جعلها منجِّزة للواقع بمعنى استحقاق العقوبة على المخالفة.

3- مسلك جعل الحكم المماثل: إن كل ما تقوله الأمارة يجعل الشارع له حكما مماثلا، فإذا أخبر الثقة بوجوب شي‏ء و كان حراما في الواقع تمثلت حجيته في جعل وجوب ظاهري لذلك الشي‏ء وفقا لما أخبر به الثقة.

رأي المحقق النائيني‏ (قدس سره):

إن إشكال التضاد و التماثل ينشأ من مسلك جعل الحكم المماثل في تفسير حجية الأمارة أو الأصل لأنه يؤدي إلى اجتماع الضدين كالوجوب الظاهري و الحرمة الواقعية، أو اجتماع المثلين كالوجوب الظاهري و الوجوب الواقعي، فعلى هذا المسلك يفترض أن الحكم الظاهري حكم تكليفي و أن حجية خبر الثقة مثلا معناها جعل حكم تكليفي يطابق ما أخبر عنه الثقة من أحكام.

و هذا الافتراض خاطئ لأن الصحيح أن معنى حجية خبر الثقة جعله علما و كاشفا تاما عن مؤداه بالاعتبار و التعبد و الادعاء على طريقة المجاز العقلي دون أن يثبت على طبقها حكم جديد، و بذلك تتنجز الأحكام الشرعية، فعلى مسلك جعل العلمية أو الطريقية لا يوجد حكم تكليفي ظاهري زائدا على الحكم التكليفي الواقعي ليلزم اجتماع حكمين متضادين أو متماثلين.

27

رد الشهيد على رأي المحقق النائيني‏ (قدس سرهما):

إن التضاد و التماثل بين الحكمين ليس بلحاظ اعتباريهما حتى تندفع الشبهة بتغيير الاعتبار و الاعتبار سهل المئونة حيث يمكن اعتبار أمرين متنافيين واردين على شي‏ء واحد، فلا يكفي تغيير الاعتبار في الحكم الظاهري من اعتبار الحكم التكليفي إلى اعتبار العلمية و الطريقية، بل بلحاظ مبادئ الحكم، فالمشكلة تنشأ من اجتماع المصلحتين أو المفسدتين أو المصلحة و المفسدة مهما كانت الصيغة الاعتبارية لجعل الحكم الظاهري.

الوجه الثاني للسيد الخوئي: مبادئ الحكم الظاهري في نفس جعله:

إن مبادئ الحكم الظاهري يكون في نفس جعله لا في المتعلَّق المشترَك بينه و بين الحكم الواقعي.

التوضيح: إن التنافي بين الحرمة الواقعية و الوجوب الظاهري على سبيل المثال:

1- ليس بين اعتباريهما لأن الوجوب هو اعتبار الفعل في ذمة المكلف، و الحرمة هو اعتبار عدم الفعل في الذمة، و اعتبار الأمرين المتنافيين في ذمة المكلف شي‏ء معقول و لا إشكال فيه لأن الاعتبار سهل المئونة و لا يحتاج إلى جهد.

2- و ليس بين امتثاليهما لأن الحرمة الواقعية مجهولة لنا و غير واصلة إلينا و استحقاق الحكم للامتثال فرع الوصول و التنجّز.

3- و ليس بين مباديهما لأن مبادئ الحكم الظاهري يكون في نفس جعل الحكم الظاهري لا في المتعلَّق المشترك بين الحكم الظاهري و الحكم الواقعي، فيجعل المولى وجوبا لملاك و مصلحة في نفس جعل الوجوب، فلا يلزم اجتماع المصلحة و المفسدة في شي‏ء واحد.

28

إذن: يمكن اجتماع الحرمة الواقعية و الوجوب الظاهري لعدم وجود التنافي بينهما لا في الاعتبار و لا في الامتثال و لا في المبادئ.

رد الشهيد على رأي السيد الخوئي‏ (قدس سرهما):

لا يمكن أن يجعل المولى وجوبا أو حرمة لملاك في نفس الوجوب أو الحرمة، فافتراض أن الأحكام الظاهرية ناشئة من مبادئ في نفس الجعل يعني:

أ- تفريغ الأحكام الظاهرية من حقيقة الحكم لأن الحكم الذي لا مصلحة في متعلَّقه ليس حكما حقيقيا لعدم اهتمام المولى بامتثاله حيث إن غرض المولى قد تحقق بمجرد جعل الوجوب و ليس غرضه امتثال المكلف و إيجاد الفعل في الخارج، و بعبارة مختصرة إن الحكم الظاهري ليس حكما حقيقيا.

ب- تفريغها من أثره لأن العقل لا يحكم بوجوب امتثال هذا الحكم لعدم وجود المصلحة في متعلقه و عدم اهتمام المولى بالامتثال، و بالتالي لا يستحق المكلف العقاب على مخالفته، و بعبارة مختصرة إن الحكم الظاهري لا يجب امتثاله عقلا.

و هذان الأمران لا يمكن الالتزام بهما لأن الحكم الظاهري حكم حقيقي و العقل يحكم بوجوب امتثاله، لذلك نحتاج إلى التوفيق بينه و بين الحكم الواقعي.

الوجه الثالث للشهيد: التزاحم الحفظي:

إن رأي‏ السيد الخوئي‏ (قدس سره) غير تام من جهة، و تام من جهة أخرى، ففي افتراضه أن المصلحة في نفس الجعل غير تام، و لكن في افتراضه أن الحكم الظاهري لا ينشأ من مبادئ في متعلَّقه بالخصوص تام،

29

فنحتاج في تصوير الحكم الظاهري إلى افتراض أن مبادئه ليست موجودة في متعلقه لئلا يلزم التضاد بين الحكم الواقعي و الحكم الظاهري، و ليست قائمة بالجعل فقط لئلا يلزم تفريغ الحكم الظاهري من حقيقة الحكم، بل إن مبادئ الأحكام الظاهرية هي نفس مبادئ الأحكام الواقعية.

التوضيح: إن حقيقة الأحكام الظاهرية هي أنها خطابات تُعَيِّن الأهم من الملاكات و المبادئ الواقعية حينما يتطلب كل نوع منها الحفاظ عليه بنحو ينافي ما يُضْمَن به الحفاظ على النوع الآخر، فالأحكام الظاهرية جاءت لحفظ ملاكات الأحكام الواقعية، فملاكات الأحكام الظاهرية غير مستقلة عن ملاكات الأحكام الواقعية، فملاك الحكم الواقعي سبب للحكم الواقعي و سبب للحكم الظاهري.

إن كل حرمة واقعية لها ملاك اقتضائي هو المفسدة و المبغوضية، و كل وجوب واقعي له ملاك اقتضائي أيضا هو المصلحة و المحبوبية، أما الإباحة فملاكها إما أن يكون اقتضائيا بأن يكون المكلف مطلق العنان و إما غير اقتضائي لخلو الفعل من أي ملاك، فيوجد نوعان من الإباحة: الإباحة الاقتضائية، و الإباحة غير الاقتضائية.

مثال: في حالة شك المكلف بين المحرمات و المباحات يكون أمام المولى أحد طريقين:

أ- الترخيص فيما يحتمل إباحته، و هو أصالة البراءة.

ب- المنع عن ارتكاب ما يحتمل حرمته، و هو أصالة الاحتياط.

و يزن المولى درجة اهتمامه بمحرماته و مباحاته و يقدّم الأهم، فالحكم الظاهري هو الحكم الذي يوجد في حالة الشك و ينشأ بسبب تقديم الملاك الأهم، و توجد هنا حالتان:

الحالة الأولى: وجود الملاك الاقتضائي للإباحة:

و يوجد هنا قسمان:

30

أ- إذا كان الملاك الاقتضائي للمباحات الواقعية كما في غير النفوس و الأعراض و الأموال أقوى و أهم من ملاك المحرّمات الواقعية رَخَّص المولى في المحتملات، و هذا الترخيص سيشمل الحرام الواقعي أيضا إذا كان محتمل الإباحة، و هذا لا يكون منافياً لحرمته لأنه لم ينشأ عن ملاك للإباحة في نفس متعلَّقه، بل عن ملاك الإباحة في المباحات الواقعية و الحرص على ضمان ذلك الملاك.

ب- إذا كان ملاك المحرمات الواقعية كما في النفوس و الأعراض و الأموال أهم من ملاك المباحات الواقعية مَنَعَ المولى عن الإقدام في المحتملات، و هذا المنع لا يكون منافياً للإباحة الواقعية لأنه لم ينشأ عن مبغوضية نفس متعلَّق الإباحة، بل عن مبغوضية المحرَّمات الواقعية و الحرص على ضمان اجتنابها.

الحالة الثانية: وجود الملاك اللااقتضائي للإباحة:

هنا يقدّم المولى المنع عن ارتكاب ما يحتمل حرمته لأن الإباحة الواقعية تخلو من أي ملاك، فيقدّم ملاك الحرمة الواقعية.

الرد على الاعتراض الثاني: شبهة نقض الغرض:

من الجواب السابق يتضح الجواب على الاعتراض الثاني الذي هو أن الحكم الظاهري يؤدي إلى تفويت المصلحة و الإلقاء في المفسدة، نعم صحيح أن الحكم الظاهري يسبب ذلك، و لكنه إنما يسببه من أجل الحفاظ على الملاك الأهم.

الرد على الاعتراض الثالث: شبهة تنجّز الواقع المشكوك:

رأي المحقق النائيني: على مسلك جعل العلمية و الطريقية فإن المولى حينما يجعل خبر الثقة حجة فإنه يعطيه صفة العلم و الكاشفية التامة،

31

و بذلك يخرج التكليف الواقعي عن دائرة قبح العقاب بلا بيان لأنه يصبح معلوما بالتعبد الشرعي و إن كان مشكوكا وجدانا.

رد الشهيد على رأي المحقق النائيني: نعم صحيح أن هذا الجواب يتم في الأمارات لأن المجعول فيها هو العلمية، و يتم أيضا في الأصول العملية المحرزة كالاستصحاب لأن الاحتمال فيها مُنَزَّل منزلة اليقين، و لكنه لا يتم في الأحكام الظاهرية المجعولة في الأصول العملية غير المحرزة كأصالة الاحتياط في الدماء و الأعراض و الأموال لأن المكلف لا يكون عالما فلا يتنجَّز عليه التكليف، بل أكثر من ذلك فإن هذا الرأي غير تام أصلا كما سيأتي.

رأي الشهيد: الصحيح على مسلك حق الطاعة أنه لا موضوع للاعتراض الثالث لأن احتمال التكليف منجِّز أيضا، فمسلك حق الطاعة ينكر قاعدة قبح العقاب بلا بيان من أصله.

النتيجة النهائية:

إن جعل الأحكام الظاهرية ممكن.

الأمارات و الأصول‏

أقسام الأحكام الظاهرية:

القسم الأول: الأحكام الظاهرية في باب الأمارات: هي الأحكام التي تُجعل لإحراز و كشف الواقع، و هي تتطلب وجود طريق ظني له درجة كشف عن الحكم الشرعي، ويحكم الشارع على طبقه بأن يتمّ كشفه بجعل الحجية له، و بذلك يلزم على المكلف التصرف بموجبه.

و هذا الطريق الظني و الكاشف الناقص يسمى‏" الأمارة"، و الحكم الظاهري يسمى‏" حجية الأمارة"، مثل حجية خبر الثقة.

32

القسم الثاني: الأحكام الظاهرية في باب الأصول العملية: هي الأحكام التي تُجعل لتقرير الوظيفة العملية تجاه الحكم الواقعي المشكوك، و لا يراد بها إحرازه، و الحكم الظاهري يسمى‏" الأصل العملي".

الفارق الأساس بين الأمارات و الأصول:

سؤال: بما ذا تختلف حقيقة الحكم الظاهري في الأمارة عنها في الأصل العملي؟

الجواب:

رأي المحقق النائيني‏ (قدس سره):

ميَّز المحقق بينهما على أساس المجعول الاعتباري في الحكم الظاهري أي ما جُعِلَ في عالم الاعتبار:

1- إن كان المجعول في الحكم الظاهري في ألفاظ الدليل بلسان جعل الطريقية و العلمية و الكاشفية دخل في الأمارات.

2- إن كان المجعول في الحكم الظاهري في ألفاظ الدليل بلسان جعل الوظيفة العملية دخل في الأصول العملية.

أقسام الأصول العملية عند المحقق النائيني:

أ- الأصل التنزيلي: و ذلك فيما إذا كان إنشاء الوظيفة العملية بلسان تنزيل مُؤَدَّى الأصل أي المُحْتَمَل منزلة الواقع أي الحكم المقطوع في جانبه العملي، بعبارة أخرى: بلسان تنزيل المشكوك و المُحْتَمَل منزلة الواقع و المعلوم، كأصالة الطهارة و الحلية، فكل ما يشك في طهارته فهو بمنزلة الطاهر الواقعي.

ب- الأصل المُحْرِز: و ذلك فيما إذا كان إنشاء الوظيفة العملية بلسان تنزيل نفس الأصل أو الاحتمال منزلة اليقين في جانبه العملي لا الإحرازي لأن الجانب الإحرازي يكون في الأمارة، بعبارة أخرى: بلسان تنزيل الشك و الاحتمال منزلة العلم، كالاستصحاب.

33

ج- الأصل البحت الصِّرف: و ذلك فيما إذا كان إنشاء الوظيفة العملية بلسان تحديد الوظيفة العملية فقط دون تنزيل المشكوك و المُحْتَمَل منزلة المعلوم و لا تنزيل الشك و الاحتمال منزلة العلم.

النتيجة: على رأي‏ المحقق النائيني‏ ينشأ الفرق بين الأمارات و الأصول من كيفية صياغة الحكم الظاهري في عالم الجعل و الاعتبار، و كيفية الصياغة تعني ألفاظ و تعبير و لسان الدليل، فإن كان التعبير بلسان جعل العلمية كان المورد أمارة، و إن كان بلسان جعل الوظيفة العملية كان المورد أصلا عمليا.

رأي الشهيد (قدس سره):

إن الفرق بين الأمارات و الأصول أعمق مما ذكره‏ المحقق النائيني‏ (قدس سره)، فالفرق أعمق من ألفاظ الدليل لأن روح و مبادئ الحكم الظاهري في موارد الأمارة تختلف عن روحه في موارد الأصل بقطع النظر عن ألفاظ الدليل و نوع الصياغة، فإن الاختلاف الصياغي تعبير عن الاختلاف بين مبادئ الحكمين.

التوضيح: قال‏ الشهيد (قدس سره) سابقا إن حقيقة الأحكام الظاهرية مردّها إلى خطابات تعيِّن الأهم من الملاكات و المبادئ الواقعية حينما يتطلب كل نوع منها ضمان الحفاظ عليه بنحو ينافي ما يُضْمَن به الحفاظ على النوع الآخر، فالحكم الظاهري مجعول لحفظ الملاك الواقعي الأهم.

سبب ذلك: إن كل ذلك يحصل بسبب الاختلاط بين الأنواع عند المكلف و عدم تمييزه المباحات عن المحرّمات مثلا.

الفرق بين الأمارات و الأصول عند الشهيد (قدس سره):

إن أهمية الملاك التي ينشأ على طبقها الحكم الظاهري لها ثلاثة لحاظات:

34

أ- لحاظ الاحتمال: إن كانت أهمية الملاك ناشئة من قوة الاحتمال و الكشف و غلبة المصادفة للواقع دون لحاظ قوة المحتمل أو ضعفه يكون الحكم الظاهري من باب الأمارة، مثل حجية خبر الثقة، فإن الثقة إذا أخبرنا بشي‏ء فإننا نحتمل صدقه و عدم خطئه دون النظر إلى مؤدّى الخبر و ما يخبر عنه أي المحتمل، سواء كانت الصياغة الاعتبارية بلسان جعل الطريقية أم بلسان وجوب الجري العملي على وفق الأمارة.

ب- لحاظ المُحْتَمَل: إن كانت أهمية الملاك ناشئة من قوة المحتمل دون لحاظ الاحتمال كان الحكم الظاهري من الأصول العملية البحتة، كأصالة الإباحة حيث تلاحظ أهمية الحكم الترخيصي المحتمل، و أصالة الاحتياط حيث تلاحظ أهمية الحكم الإلزامي المحتمل بدون ملاحظة درجة الاحتمال، ففي أصالة الإباحة إذا شك المكلف في شي‏ء أنه مباح أم لا فإن الشارع يحكم عليه بالإباحة من دون النظر إلى قوة احتمال الإباحة أو ضعفه نسبة إلى احتمال الحرمة، سواء كان لسان الإنشاء لسان جعل الطريقية أم تسجيل وظيفة عملية.

ج- لحاظ الاحتمال و المُحْتَمَل معاً: إن كانت أهمية الملاك ناشئة من قوة الاحتمال و المحتمل معاً كان الحكم الظاهري من الأصول العملية التنزيلية أو المُحْرِزَة، كالاستصحاب و قاعدة الفراغ، ففي قاعدة الفراغ توجد قوة الاحتمال لأنه عند أداء العمل يكون المكلف أذكر فيحتمل أنه أدّى العمل بصورة صحيحة، و توجد قوة المحتمل بسبب ترجيح الصحة على البطلان.

ملاحظة:

الأنسب في موارد قوة الاحتمال أي موارد الأمارة أن يصاغ الحكم الظاهري بلسان جعل الطريقية و العلمية فيقول المولى:" جعلت خبر الثقة علما"، و الأنسب في موارد قوة المحتمل أو قوة الاحتمال و المحتمل‏

35

معاً أي الأصل العملي أن يصاغ الحكم الظاهري بلسان تسجيل الوظيفة العملية فيقول المولى:" جعلت الإباحة وظيفتك العملية"، و لكن الاختلاف الصياغي ليس هو جوهر الفرق بين الأمارات و الأصول كما يظهر من التفصيل السابق.

التنافي بين الأحكام الظاهرية

ملاحظة:

عرفنا سابقا أن الأحكام التكليفية الواقعية متضادة كالوجوب و الحرمة حيث يستحيل اجتماع الضدين على شي‏ء واحد في الواقع سواء علم المكلف بهما أم لم يعلم لأن مبادئهما مختلفة، فلا يمكن اجتماع المصلحة و المفسدة في شي‏ء واحد.

سؤال: هل اجتماع حكمين ظاهريين متغايرين معقول أم لا؟

بعبارة أخرى: هل يمكن أن يشرّع المولى للشي‏ء المشكوك حكمين ظاهريين في نفس الوقت أم لا؟

الجواب: يختلف الجواب باختلاف المبنى في تصوير حقيقة الحكم الظاهري:

1- رأي السيد الخوئي‏ (قدس سره): إن مبادئ الحكم الظاهري ثابتة في نفس جعله لا في متعلَّقه، لذلك يمكن جعل حكمين ظاهريين متنافيين على شي‏ء واحد بشرط أن لا يكونا واصلين و معلومين معاً فإنه إذا لم يصل كلاهما أو لم يصل أحدهما فلا تنافي بينهما على جميع اللحاظات:

أ- لحاظ عالم الجعل: لا تنافي بينهما لأنه مجرد اعتبار.

ب- لحاظ عالم المبادئ: لا تنافي بينهما لأن مركزهما ليس واحدا فإن مبادئ كل حكم في نفس جعله لا في متعلَّقه، فلا تجتمع المبادئ في شي‏ء واحد حتى يقع التنافي بينهما.

36

ج- لحاظ عالم الامتثال: لا تنافي بينهما لأن أحدهما على الأقل غير واصل فلا امتثال له، نعم في حالة وصولهما معاً يكونان متنافيين متضادين لأن أحدهما ينجّز و الآخر يؤمِّن، فلا يمكن امتثالهما معا.

2- رأي الشهيد (قدس سره): إن الأحكام الظاهرية خطابات تحدّد الأهم من الملاكات الواقعية المختلطة على المكلف، فيكون الحكمان الظاهريان متضادين سواء وصلا و علم المكلف بهما أم لا، كالإباحة الظاهرية و الحرمة الظاهرية لأن الأول يثبت أهمية ملاك المباحات الواقعية، و الثاني يثبت أهمية ملاك المحرمات الواقعية، و لا يمكن أن يكون كل من الملاكين أهم من الآخر في نفس الوقت.

وظيفة الأحكام الظاهرية

إن وظيفة الخطاب الظاهري هي تنجيز الأحكام الواقعية المشكوكة في صورة إصابتها و التعذير عنها في صورة عدم إصابتها، و الحكم الظاهري ليس موضوعا مستقلا لحكم العقل بوجوب الطاعة في مقابل الأحكام الواقعية لأن ليس له مبادئ خاصة مغايرة لمبادئ الأحكام الواقعية.

مثال: إذا دار الأمر بين الوجوب و الإباحة فإن الشارع يصدر حكما ظاهريا بوجوب الاحتياط، هنا يستكشف العقل أن الملاك الواقعي الأهم هو المصلحة فيحكم بشكل مستقل بلزوم التحفظ على هذا الملاك و استحقاق العقاب على عدم التحفظ عليه لا على مخالفة نفس الحكم الظاهري.

الأحكام الظاهرية طريقية لا حقيقية:

إن الأحكام الظاهرية طريقية لا حقيقية لأنها مجرّد وسائل و طرق لتنجيز الواقع المشكوك و التعذير عنه، و لا تكون بنفسها موضوعا مستقلا للتنجيز و التعذير لعدم استقلالها بمبادئ في نفسها، و الطريقية تعني أن الحكم‏

37

الظاهري طريق إلى الحكم الواقعي لا بمعنى الطريقية و العلمية التي طرحها المحقق النائيني‏ (قدس سره).

الدليل على ذلك: إن من يخالف وجوب الاحتياط في مورد و يتورط في ترك الواجب الواقعي لا يكون مستحقا لعقابين: عقاب على مخالفة الوجوب الواقعي، و عقاب آخر على مخالفة وجوب الاحتياط الظاهري، بل يكون مستحقا لعقاب واحد على مخالفة الوجوب الواقعي فقط.

الدليل على استحقاق عقاب واحد: لأنه لو كان مستحقا لعقابين لكان حال الجاهل بالواجب الواقعي أشد من حال العالم به إذا تركه، فالعالم يكون مستحقا لعقاب واحد لمخالفة الحكم الواقعي، بينما الجاهل يكون مستحقا لعقابين لمخالفة الحكم الواقعي و مخالفة الحكم الظاهري، و هذا شي‏ء لا يقبله العقل.

الأحكام الواقعية حقيقية لا طريقية:

إن الأحكام الواقعية حقيقية لا طريقية لأنها ناشئة من ملاكات خاصة بها، فتكون موضوعا مستقلا للدخول في العهدة و لحكم العقل بوجوب امتثالها و استحقاق العقاب على مخالفتها.

التصويب بالنسبة إلى بعض الأحكام الظاهرية

ملاحظات: تقدم سابقا:

1- أن الأحكام الواقعية مشتركة بين العالم و الجاهل.

2- أن الأحكام الظاهرية تجتمع مع الأحكام الواقعية على الجاهل دون منافاة بينهما، و هذا يعني أن الحكم الظاهري لا يتصرف بالحكم الواقعي و لا يبدّله إلى حكم آخر، و هذا معناه نفي التصويب لأن تشريع الحكم الظاهري لا يعني تغيير الحكم الواقعي إلى حكم آخر.

38

الأصول الجارية في الشبهات الموضوعية:

ذهب البعض إلى أن الأصول العملية الجارية في الشبهات الموضوعية أي الأصول المثبتة للموضوع أو المثبتة للشرط تتصرف في الأحكام الواقعية، و هذا نحو من التصويب.

مثال: الحكم الواقعي بشرطية الثوب الطاهر في الصلاة يتسع موضوعه بأصالة الطهارة، فيشمل الثوب المشكوك طهارته الذي جرت فيه أصالة الطهارة حتى لو كان نجسا في الواقع، فينتج أن الصلاة في الثوب المشكوك طهارته تكون صحيحة واقعا و لا تجب إعادتها حتى لو انكشفت فيما بعد المخالفة للواقع لأن الشرطية قد اتسع موضوعها، فشرط صحة الصلاة يكون أعم من الطهارة الواقعية و الطهارة الظاهرية، فيكون مشكوك الطهارة طاهر بالاعتبار و التنزيل.

الاستدلال: إن دليل أصالة الطهارة الذي يقول:" كل شي‏ء طاهر حتى تعلم أنه قذر" يعتبر حاكما على دليل شرطية الثوب الطاهر في صحة الصلاة الذي يقول:" طهارة الثوب شرط في صحة الصلاة"، لأنه يوسِّع موضوع دليل الشرطية و يوجد فردا جديدا له، و هو فرد تعبدي، و بذلك تشمل الطهارةُ الطهارةَ الواقعية و الطهارةَ الظاهرية، فهنا دليل الحكم الظاهري حاكم على دليل الحكم الواقعي من نوع الحكومة الموسِّعة لا المضيِّقة.

الأمارات الجارية في الشبهات الموضوعية:

و ليس الأمر كذلك لو ثبتت الطهارة بالأمارة لأن مفاد دليل حجية الأمارة ليس جعل الحكم المماثل لما تقوله الأمارة حيث لا تثبت طهارة ظاهرية، بل جعل الطريقية و المنجزية على مبنى‏ المحقق النائيني‏ (قدس سره)، فهو لا يوسّع موضوع دليل الشرطية لأن موضوع دليل الشرطية هو الثوب الطاهر، و دليل حجية الأمارة لا يقول إن الثوب المشكوك الطهارة

39

طاهر، بل يقول إن الثوب المشكوك الطهارة محرز الطهارة بالأمارة كخبر الثقة، فلا يكون حاكما و يبقى الشرط منحصرا بالطهارة الواقعية فقط و لا يشمل الطهارة الظاهرية، فإذا انكشف فيما بعد المخالفة للواقع بأن ظهر نجاسة الثوب تجب إعادة الصلاة.

رأي صاحب الكفاية (قدس سره): لذلك فصَّل صاحب الكفاية بين الأمارات و الأصول المنقّحة للموضوع، فبنى على أن الأصول الموضوعية كالأصول التي تثبت الطهارة أو الحلية المأخوذة في موضوع الحكم بصحة الصلاة توسّع دائرة موضوع الحكم الواقعي المترتب على ذلك الموضوع دون الأمارات.

رأي الشهيد (قدس سره): هذا غير صحيح لأنه على هذا القول يكون الأصل العملي أفضل حالا من الأمارة، و سيأتي الحديث عنه فيما بعد إن شاء الله تعالى في مباحث التعارض ( (5) 1).

القضية الحقيقية و الخارجية للأحكام‏

القضية الخارجية: هي القضية التي يجعل فيها الحاكم حكمه على أفراد موجودين فعلا في الخارج في زمان إصدار الحكم أو في أي زمان آخر.

مثال: لو عرف الحاكم بالضبط من وُجِدَ و من هو موجود و من سوف يوجد في المستقبل من العلماء فأشار إليهم جميعا و أمر بإكرامهم و قال:" أكرم العلماء"، فهذه قضية خارجية.

القضية الحقيقية: هي القضية التي يلتفت فيها الحاكم إلى تقديره و ذهنه بدلا عن الواقع الخارجي، فيشكل قضية شرطية شرطها هو الموضوع المقدَّر المفترض الوجود، و جزاؤها هو الحكم.

____________

(5) (1) و لكن الشهيد لم يتعرض له في الحلقة الثالثة، و لكنه تعرّض له في بحث الإجزاء في التقريرات.

40

مثال: يقول المولى:" إذا كان الإنسان عالما فأكرمه"، و إذا قال:" أكرم العالم"، و هو قاصد هذا المعنى فالقضية شرطية من حيث الروح و إن كانت حملية من حيث اللفظ و الصياغة.

أوجه الفرق بين القضيتين الحقيقية و الخارجية:

الفرق الأول: و هو فرق نظري، ففي القضية الحقيقية نستطيع الإشارة إلى أي جاهل و نقول:" لو كان هذا عالما لوجب إكرامه" لأن الحكم بالوجوب ثبت على الطبيعة المقدَّرة، و كلما صدق الشرط صدق الجزاء، خلافا للقضية الخارجية التي تعتمد على الإحصاء الشخصي للحاكم، فهذا الفرد الجاهل ليس داخلا فيها لأن ليس فيها تقدير و افتراض بل تنصب على موضوع موجود فعلا في الخارج، فالحكم لم يوجه لعنوان العالم بل لأفراد معيَّنين.

الفرق الثاني: و هو فرق نظري أيضا، فالموضوع في القضية الحقيقية عنوان كلي يُرَتَّب عليه الحكم سواء كان وصفا عَرَضِيّاً كالعالم أم ذاتيّا كالإنسان.

و أما الموضوع في القضية الخارجية فهو الذوات الخارجية التي تقبل الإشارة إليها في الخارج بلحاظ الأزمنة الثلاثة، فيكون محقّق الوجود لا مقدَّر و مفترض الوجود، و في القضية الخارجية يتصدّى المولى بنفسه لإحراز و تشخيص وجود الوصف إذا كان دخيلا في ملاك الحكم.

مثال: إذا أراد المولى أن يحكم على ولده بوجوب إكرام أبناء عمه و كان لتديّنهم دخل في الحكم فإنه يتصدّى بنفسه لإحراز تديّنهم ثم يقول:" أكرم أبناء عمك إلا زيدا"، تبعا لما أحرزه من تديّنهم.

و أما إذا قال المولى:" أكرم أبناء عمك إن كانوا متدينين"، فهذه القضية حقيقية من حيث الشرط و إن كانت خارجية من حيث الموضوع.

41

الفرق الثالث: و هو فرق عملي، ففي القضية الحقيقية إذا انتفى الوصف ينتفي الحكم لأنه مأخوذ في موضوعه لأنه شرط، أما في القضية الخارجية فإن الوصف ليس شرطا ليزول الحكم بزواله، و في القضية الحقيقية يتحمل المكلف مسئولية تطبيق الوصف على أفراده، أما في القضية الخارجية فإن المولى يتحمل هذه المسئولية، فإذا أحرز الوصف جعل الحكم و وجب على المكلف طاعة الأمر.

مثال: إذا أحرز المولى تديّن أبناء العم فحكم بوجوب إكرامهم على نهج القضية الخارجية ثبت الحكم و لو لم يكونوا متدينين في الواقع، فالمكلف عليه الطاعة حتى لو كان يعرف أنهم غير متدينين لأن إحراز التدين ليس من مسئولية العبد حتى لو علم بزوال الوصف فإن الحكم لا يزول.

تعلق الأحكام بالصور الذهنية

عند ما يصدر الحاكم حكمه سواء كان حكمه على نهج القضية الحقيقية أم على نهج القضية الخارجية، و سواء كان حكمه تشريعيا مثل وجوب الحج على المستطيع أم تكوينيا مثل النار محرقة أم إخباريا مثل النار في الموقد فهو يصب هذا الحكم على الصورة الذهنية لا على الموضوع الخارجي للحكم لأن الحكم أمر ذهني فلا يمكن أن يتعلَّق إلا بأمر ذهني هو الصورة الذهنية، و لا يستطيع الذهن أن يحكم على الخارج مباشرة بدون واسطة.

لحاظات الصورة الذهنية:

إن الصورة الذهنية لها لحاظان:

1- اللحاظ التصوري و الحمل الأولي: بهذا اللحاظ تكون الصورة الذهنية عين الموضوع الخارجي حيث نتصور صورة ذهنية معبِّرة عن الخارج بدون وجود تصور ثان عن هذا التصور،

42

فنحكم عليها بنفس ما هو ثابت للموضوع الخارجي من خصوصيات، كالإحراق بالنسبة للنار.

2- اللحاظ التصديقي الثانوي و الحمل الشائع: بهذا اللحاظ تكون الصورة الذهنية مباينة للموضوع الخارجي حيث نلقي نظرة ثانوية إلى الصورة الأولية، فنلحظ صورة الشي‏ء بتصور ثان، فنرى صورة ثانية للصورة الذهنية، و هذا مثل أن يتصور شخص النار ثم يأتي شخص آخر و يتصور ما في ذهن الشخص الأول.

مثال: إذا تصورت النار ترى بتصورك نارا، و لكنك إذا لاحظت بنظرة ثانية إلى ذهنك وجدت فيه صورة ذهنية للنار لا النار نفسها.

و من أجل إصدار حكم على الخارج يكفي إحضارُ صورة ذهنية تكون عين الخارج باللحاظ التصوري و ربطُ الحكم بها و إن كانت بنظرة ثانوية فاحصة و تصديقية مغايرة للخارج.

ملاحظة هامة ( (6) 1):

قد يقال إن‏ الشهيد (قدس سره) لم يستعمل الحمل الأولي و الحمل الشائع في معناهما الاصطلاحي كما ورد في علم المنطق حيث درسنا أن" الجزئي بالحمل الشائع جزئي"، و" الجزئي بالحمل الأولي كلي"، يقول‏ الشيخ المظفر (قدس سره): مفهوم الجزئي أي الجزئي بالحمل الأولي كلي لا جزئي، فيصدق على كثيرين، و لكن مصداقه أي حقيقة الجزئي يمتنع صدقه على الكثير، فهذا الحكم بالامتناع للجزئي بالحمل الشائع لا للجزئي بالحمل الأولي الذي هو كلي ( (7)).

____________

(6) هذه الملاحظة طرحها أستاذنا السيد علي أكبر الحائري حفظه الله تعالى في درسه‏

(7) المنطق ص 64.

43

و يقول أيضا تحت عنوان" الحمل ذاتي أولي و شائع صناعي": و اعلم أن معنى الحمل هو الاتحاد بين شيئين لأن معناه أن هذا ذاك، و هذا المعنى كما يتطلب الاتحاد بين الشيئين يستدعي المغايرة بينهما ليكونا حسب الفرض شيئين، و لولاها لم يكن إلا شي‏ء واحد لا شيئان.

وعليه لا بد في الحمل من الاتحاد من جهة و التغاير من جهة أخرى كي يصح الحمل، و لذا لا يصح الحمل بين المتباينين إذ لا اتحاد بينهما، و لا يصح حمل الشي‏ء على نفسه إذ الشي‏ء لا يغاير نفسه.

ثم إن هذا الاتحاد إما أن يكون في المفهوم، فالمغايرة لا بد أن تكون اعتبارية، و يقصد بالحمل حينئذ أن مفهوم الموضوع هو بعينه مفهوم المحمول و ماهيته بعد أن يلحظا متغايرين بجهة من الجهات، مثل قولنا:" الإنسان حيوان ناطق"، فإن مفهوم الإنسان و مفهوم حيوان ناطق واحد إلا أن التغاير بينهما بالإجمال و التفصيل، و هذا النوع من الحمل يسمى" حملا ذاتيا أوليا".

و إما أن يكون الاتحاد في الوجود و المصداق، و المغايرة بحسب المفهوم، و يرجع الحمل حينئذ إلى كون الموضوع من أفراد مفهوم المحمول و مصاديقه، مثل قولنا:" الإنسان حيوان"، فإن مفهوم إنسان غير مفهوم حيوان، و لكن كل ما صدق عليه الإنسان صدق عليه الحيوان، و هذا النوع من الحمل يسمى" الحمل الشائع الصناعي" أو" الحمل المتعارف" لأنه هو الشائع في الاستعمال المتعارف في صناعة العلوم ( (8) 1).

و عند الشهيد (قدس سره) النار بالحمل الأولي تحرق، و النار بالحمل الشائع لا تحرق و هي صورة ذهنية مغايرة للخارج، فيبدو أن الاستعمالين متناقضان، فهل يوجد معنى آخر لهما عند الشهيد (قدس سره) أم لا؟

____________

(8) (1) المنطق ص 83 82.

44

الجواب: إن معناهما عند الشهيد (قدس سره) نفس المعنى الاصطلاحي، و لكنه طبَّقهما بشكل مختلف، و هذا يحتاج إلى بعض التوضيح:

إن الحمل عبارة عن حمل المفهوم على نفسه، و لكن الموضوع و المحمول متغايران بالإجمال و التفصيل، فمفهوم" الإنسان" و مفهوم" الحيوان الناطق" واحد، و لكن التغاير بينهما في الإجمال و التفصيل، أو حمل الكلي على مصداقه مثل" زيد إنسان".

سؤال: ما ذا يقصد المناطقة بقولهم: الجزئي بالحمل الأولي كلي، و الجزئي بالحمل الشائع جزئي؟

الجواب: لا يقصدون بالحمل الأولي هنا حمل المفهوم على نفسه لأن مفهوم الجزئي يختلف عن مفهوم الكلي، بل يقصد أن" الجزئي" يلاحظ كليا في قضية مقدّرة، و هذه القضية المقدرة هي القضية التي يكون فيها الجزئي بالمعنى الذي يمكن حمله على نفسه كصورة ذهنية في مثل" الجزئي جزئي"، و المحمول هنا يكون كليا.

و بالحمل الشائع تكون القضية بالكيفية التي يكون فيها الجزئي بالمعنى الذي يمكن حمله على مصداقه في مثل" زيد جزئي"، و المحمول هنا يكون جزئيا لأنه يصدق على واحد فقط و يفنى في الخارج.

إن معنى الجزئي كمحمول في المثالين مختلفان، فالمحمول في" الجزئي جزئي" كلي، و المحمول في" زيد جزئي" جزئي.

إذن: في العبارتين:" الجزئي بالحمل الأولي كلي"، و" الجزئي بالحمل الشائع جزئي"، توجد قضيتان حمليتان مقدّرتان هما:" الجزئي جزئي"، و هنا المحمول كلي لأن الجزئي يصدق على كثيرين، و" زيد جزئي"، و المحمول هنا جزئي لأنه يصدق على واحد فقط، و هذا ما يقول به المناطقة حيث يطبّقون على قضية مقدّرة.

45

أما الشهيد (قدس سره) فيطبّق بطريقة مختلفة، ففي مثل" النار بالحمل الأولي حارة"، و" النار بالحمل الشائع ليست حارة"، توجد هنا أيضا قضيتان مقدرتان و لكنهما تختلفان عن القضيتين المقدّرتين عند المناطقة.

إن النار تقع موضوعا لنفسها، و تكون النار بالمعنى الذي يمكن أن نحمل عليها النار في مثل" النار نار"، و المحمول هنا هو النار الخارجية لا الذهنية، فتكون حارة، و هذا المعنى يكون معبِّرا عن الخارج، فتكون النار بالحمل الأولي حارة.

أما النار بالمعنى الذي يقع موضوعا لصورة ذهنية في مثل" النار نوع" أو" النار مفهوم كلي"، فالنار هنا ليست حارة، و الحمل هنا شايع لأن النار مصداق للنوع و للمفهوم الكلي، فتكون النار بالحمل الشائع ليست حارة.

إن الاختلاف بين المناطقة و الشهيد (قدس سره) أن المناطقة جعلوا كلمة" الجزئي" في القضيتين المقدرتين محمولا، و الشهيد جعل كلمة" النار" في القضيتين المقدرتين موضوعا، و لو جعلناها كما في المنطق لقلنا" النار بالحمل الأولي ليست حارة"، و" النار بالحمل الشائع حارة".

إذن: التعريف عند المناطقة و عند الشهيد (قدس سره) نفس التعريف الاصطلاحي، و لكن اختلف التطبيق عندهما، فالمناطقة يطبّقون على المحمول و الشهيد طبّق على الموضوع.

تنسيق البحوث المقبلة

لقد رتّب‏ الشهيد (قدس سره) المباحث الأصولية و العناصر المشتركة وفق حركة الفقيه في استنباطه للأحكام الشرعية، فبحث أولا عن حجية

46

القطع لأنه عنصر مشترك عام ثم عن الأدلة المحرزة أو الأدلة الاجتهادية التي تتمثل بالأمارات ثم عن الأدلة غير المحرزة التي تعطي الوظيفة العملية و لا تحرز الحكم الشرعي و هي الأصول العملية، ثم عن حالات التعارض بين الأدلة.

بعبارة أخرى: تقسَّم الأبحاث الأصولية بشكل عام إلى أربعة أقسام:

1- البحث عن القطع.

2- البحث عن الأمارات.

3- البحث عن الأصول العملية.

4- البحث عن التعارض بين الأدلة.

47

العناصر المشتركة في عملية الاستنباط

1- حجية القطع.

2- الأدلة المحرزة.

3- الأصول العملية.

4- حالات التعارض.

حجية القطع‏

ملاحظات:

1- للمولى الحقيقي سبحانه حق الطاعة، و حق الطاعة هو عين المولوية لا شي‏ء آخر، فهما وجهان لعملة واحدة.

2- حجية القطع‏ لها جانبان:

أ- المنجزية: حق الطاعة يمتد إلى ما يقطع المكلف به من التكاليف، فتتنجز التكاليف المقطوع بها عليه بمعنى أن المولى يمكن له أن يعاقب المكلف إذا لم يلتزم بهذه التكاليف.

ب- المعذرية: حق الطاعة لا يمتد إلى ما يقطع المكلف بعدمه من التكاليف لأنه لا توجد محركية باتجاه امتثالها، فيكون معذورا إذا تبين أن ما قطع بعدمه مخالف للواقع.

إذن: القطع حجة بمعنى أنه منجّز و معذّر.

48

3- الصحيح في حق الطاعة عند الشهيد شموله للتكاليف المظنونة و المحتملة أيضا، فيكون الظن و الاحتمال منجِّزا.

4- المنجزية عند المشهور موضوعها القطع بالتكليف و لا يشمل الظن و الاحتمال، و عند الشهيد موضوعها مطلق انكشاف التكليف و لو كان انكشافا احتماليا لسعة دائرة حق الطاعة، و هذا ما يحكم به العقل، لكن هذا الحق و التنجيز يتوقف على عدم صدور ترخيص جاد من المولى في مخالفة التكليف المنكشف.

5- يكون للمولى الحق بالترخيص الجاد في مخالفة التكليف المنكشف بالاحتمال أو الظن دون القطع، و ذلك بجعل حكم ظاهري ترخيصي في موردها، كأصالة الإباحة و البراءة الشرعية ( (9) 1)، و مع الترخيص لا يحكم العقل بوجوب الطاعة.

6- لا يوجد تنافٍ بين الترخيص الظاهري و التكليف المحتمل أو المظنون لما سبق من التوفيق بين الأحكام الظاهرية و الأحكام الواقعية لأن الأحكام الظاهرية غير ناشئة من ملاكات خاصة بها، بل هي ضمان للأهم من المبادئ و الملاكات الواقعية حين اختلاطها و عدم التمييز بينها عند المكلف.

7- التكليف المنكشف بالقطع لا يمكن ورود ترخيص جاد من المولى في مخالفته لا ترخيصا واقعيا و لا ترخيصا ظاهريا، و ذلك لأن هذا الترخيص أحد أمرين:

أ- حكم واقعي حقيقي: و هو ما له ملاكات مستقلة، و هذا صدوره مستحيل لأنه يلزم منه اجتماع حكمين واقعيين متنافيين كالحرمة الواقعية و الإباحة الواقعية إما حقيقة في حالة كون التكليف المقطوع ثابتا

____________

(9) (1) يقول الشيخ باقر الإيرواني حفظه الله تعالى: مصطلح أصالة الإباحة يستعمل عند احتمال الحرمة و لا يستعمل عند احتمال الوجوب، بخلاف مصطلح أصالة البراءة فإنه يستعمل في كلتا الحالتين.

49

في الواقع و مصيبا له، و إما في نظر القاطع إذا لم يكن قطعه مصيبا للواقع لأنه يرى أن قطعه مصيب له دائما.

ب- حكم ظاهري طريقي: و هذا صدوره مستحيل أيضا لأن الحكم الظاهري هو ما يؤخذ في موضوعه الشك في الحكم الواقعي، و لا يوجد شك مع القطع بالحكم الواقعي.

سؤال: إذا افترضنا أن المولى اطلع بعلمه الغيبي على كثرة وقوع القاطعين بالتكاليف في الخطأ و أن الواقع في تلك الموارد هو الإباحة، فلما ذا لا يصدر ترخيصا يقول فيه:" أيها القاطعون بالتكليف أنتم مرخّصون في مخالفة قطعكم"، و ذلك ضمانا للحفاظ على ملاكات الإباحة الاقتضائية؟، نعم هذا ليس حكما ظاهريا لعدم تقوّمه بالشك، و لكنه يحمل روح الحكم الظاهري لأن روحه هي أنه خطاب يجعل لغرض التحفظ على الملاك الواقعي الأهم في موارد اختلاط المبادئ الواقعية و عدم تمييز المكلف لها.

الجواب: إن كل قاطع يرى نفسه غير مقصود بشكل جِدِّي بهذا الترخيص لأنه يرى أن قطعه بالتكليف مصيب دائما للواقع و أن هذا الترخيص موجَّه إلى غيره من الخاطئين في قطعهم، فهو ترخيص غير جادّ في حقه، و يكون هذا الحكم مرفوضا من الجميع، لذلك لا يمكن للمولى أن يصدر مثل هذا الترخيص لأنه لغو و لا يصدر مثله من الحكيم.

إذن: ورود الترخيص الجاد من المولى في مخالفة القطع بالتكليف معناه سلب المنجزية عن القطع، و هو مستحيل.

الخلاصة:

1- كل انكشاف للتكليف سواء كان انكشافا تاما أم ناقصا منجِّز، و لا تختص المنجِّزية بالقطع، بل تشمل الظن و الاحتمال لسعة دائرة حق الطاعة.

50

2- المنجزية مشروطة بعدم صدور ترخيص جاد من المولى في المخالفة.

3- صدور مثل هذا الترخيص معقول في موارد الانكشاف غير القطعي، و مستحيل في موارد الانكشاف القطعي لأن القطع لا يُعْقَل سلب المنجزية عنه.

النتيجة النهائية: هذا هو التصور الصحيح عند الشهيد (قدس سره) لحجية القطع و منجزيته و لعدم إمكان سلب المنجزية عنه.

استدلال المشهور على أصل المنجزية:

استدل المشهور على أصل المنجزية بأنها من لوازم القطع الذاتية مثل الزوجية للأربعة، فالمنجزية مترتبة على القطع فقط لا على مطلق الانكشاف، فلا تترتب على الظن و الاحتمال، لذلك قالوا بانتفاء المنجزية عند انتفاء القطع، فالتكليف لا يتنجز إلا بالقطع دون غيره من الظن و الاحتمال، و أطلقوا على مسلكهم‏" قاعدة قبح العقاب بلا بيان" أي بلا علم و قطع.

نقاش الشهيد للمشهور:

إن المنجزية تثبت في موارد القطع بتكليف المولى فقط لا بتكليف من لا يكون في مقام المولوية، فتكليف المولى حجة لا تكليف أي أحد آخر، و هذا يفترض مولى في الرتبة السابقة، و المولوية معناها حق الطاعة، و المولى من له حق الطاعة، فلا بد أولا من تحديد دائرة حق الطاعة: هل يختص حق الطاعة بالتكاليف المقطوعة فقط أو يشمل غير المقطوعة أيضا؟، و عند الشهيد حق الطاعة ثابت في مطلق التكاليف المنكشفة لا خصوص التكاليف المقطوعة، فيشمل التكاليف المظنونة و المحتملة أيضا، فالظن و الاحتمال ينجِّزان التكليف أيضا.

51

استدلال المشهور على استحالة سلب المنجزية عن القطع:

إن المكلف إذا قطع بالتكليف حكم العقل بقبح معصيته، فلو ردع المولى عن العمل بالقطع و رخّص في مخالفته لكان ترخيصا في المعصية، و المعصية قبيحة، و الترخيص في القبيح محال في حق الله تعالى و منافٍ لحكم العقل.

نقاش الشهيد للمشهور:

القول بأن الترخيص في مخالفة الحكم المقطوع يناقض حكم العقل متفرع على كون حق الطاعة غير متوقف على عدم ورود الترخيص من المولى، و هو متوقف حتما لأن من يرخّص بصورة جادة في مخالفة تكليف لا يمكن أن يطالب بحق الطاعة فيه، و بصدور الترخيص يخرج التكليف من دائرة حق الطاعة، فلا تكون مخالفته مع صدور الترخيص معصية قبيحة.

إن البحث هنا يجب أن ينصبّ على أنه هل يمكن صدور هذا الترخيص في المخالفة بحد ذاته بنحو يكون جادا و منسجما مع التكاليف الواقعية أم لا؟

و قد تبيّن سابقا أنه غير ممكن، و قد تم الاستدلال عليه بالبرهان التالي: هو أنه لا يمكن أن يصدر الترخيص من المولى في مخالفة الحكم المقطوع لا بترخيص واقعي لأنه يؤدي إلى التنافي بين الحكمين الواقعيين إما حقيقة و إما في نظر القاطع، و لا بترخيص ظاهري لأن الحكم الظاهري متوقف على الشك في الحكم الواقعي و لا يوجد شك عند المكلف حينما يقطع بالتكليف.

دليل الشهيد على استحالة سلب المعذرية عن القطع بالإباحة:

لو قطع المكلف بإباحة شي‏ء و ارتكبه ثم تبيّن أنه محرم في واقع اللوح المحفوظ فإنه معذور و لا يعاقبه المولى على ارتكاب هذا الشي‏ء، و لا

52

يمكن للمولى أن يسلب المعذرية عن القطع بالإباحة بأن يقول:" إن الشي‏ء الذي قطعت بإباحته لا يجوز لك ارتكابه"، و الدليل على ذلك كالدليل على استحالة سلب منجزية القطع بالتكليف، فسلب المعذرية يكون بأحد أمرين:

أ- بجعل تكليف إلزامي واقعي: و هو مستحيل للتنافي بين الحكمين الواقعيين الإباحة المقطوعة و الإلزام إما واقعا و إما في نظر القاطع.

ب- بجعل تكليف إلزامي طريقي: و هو مستحيل أيضا لأن التكليف الطريقي وسيلة لتنجيز التكليف الواقعي، و المكلف القاطع بالإباحة لا يحتمل تكليفا واقعيا في مورد قطعه حتى يجعل له حكما ظاهريا طريقيا إلى هذا التكليف الواقعي، فهو سالب بانتفاء الموضوع، فالحكم الظاهري يتوقف على الشك و لا يوجد شك مع القطع بالإباحة.

ملاحظة: إن الحديث فيما مضى كان يدور حول العلم التفصيلي، و قد تبيّن أن المنجّزية و المعذريّة ثابتة له، و يستحيل سلبهما عنه، و الآن ندخل في الحديث عن العلم الإجمالي.

العلم الإجمالي‏

كما أن القطع التفصيلي حجة، كذلك القطع الإجمالي و هو ما يسمى ب‏" العلم الإجمالي".

مثال: إذا قطع بوجوب صلاة الظهر فهذا علم تفصيلي، و أما إذا قطع بوجوب صلاة ما هي إما صلاة الظهر و إما صلاة الجمعة، فهذا علم إجمالي.

مراحل منجزية العلم الإجمالي:

هل حجية القطع تشمل العلم الإجمالي أم لا؟، و يتم البحث في مرحلتين: