دروس في أصول الفقه(الحلقة الثانية) - ج2

- محمد حسين‏ الأشكناني المزيد...
419 /
3

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ‏

اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ

اللَّهُمَّ كُنْ لِوَلِيِّكَ الحُجَّةِ ابْنِ الحَسَنِ صَلَوَاتُكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آبَائِهِ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ وَفِي كُلِّ سَاعَةِ وَلِيًّا وَحَافِظًا وَقَائِدًا وَنَاصِرًا وَدَلِيلًا وَعَيْنًا حَتَّى تُسْكِنَهُ أَرْضَكَ طَوْعًا وَتُمَتِّعَهُ فِيهَا طَوِيلًا

بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ‏

اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ

4

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

5

الأدلة

أقسام الأدلة:

تنقسم الأدلة (1) إلى قسمين:

1- الأدلة المحرِزة- بكسر الراء- (هي الأدلة الاجتهادية).

2- الأدلة غير المحرِزة أو الأصول العملية أو الأدلة العملية (هي الأدلة الفقاهية).

سوف نرى في بحث الأدلة أن حركة الأصولي تتناسب مع حركة الفقيه، فعندما يأتي الفقيه ليستنبط حكما شرعيا فإنه يبحث أولا عن الدليل المحرِز القطعي، وإذا لم يجده فإنه يبحث عن الدليل المحرِز الظني، والدليل المحرِز ينقسم إلى قسمين، فهو إما أن يعطي يقينا بالحكم وهو الدليل المحرِز القطعي وهو الذي يحرِز الواقع إحرازا تاما ويكشف عن الحكم الشرعي كشفا تاما، وإما أن يعطي ظنا بالحكم وهو الدليل المحرِز الظني وهو الذي يحرِز الواقع إحرازا ناقصا ويكشف عن‏

____________

(1) الدليل في علم أصول الفقه هو القاعدة الأصولية العامة أو العنصر المشترك الذي يستنبط الفقيه بواسطته حكما شرعيا أو وظيفة عملية.

- 5-

6

الحكم الشرعي كشفا ناقصا، ويكون الحكم حكما ظاهريا، والدليل الظني يطلق عليه" الأمارة"، وقد يعطي الشارع الحجية لهذا الظن وقد لا يعطيه الحجية، فإذا لم يجد الفقيه دليلا محرِزا تاما أو ناقصا يأتي دور الأصول العملية، فينتقل من الأدلة المحرِزة إلى الأصول العملية، فيبحث في الأصول العملية عن الاحتياط أو البراءة أو الاستصحاب أو التخيير، والأصول العملية لا تكشف عن الواقع وإنما تبيِّن وتحدِّد الوظيفة العملية في حالة الشك في التكليف، فيؤدي المكلف عملا ولكنه لا يعرف الحكم الشرعي لعدم وجود الكاشفية في الأصول العملية، والأصل العملي هو بنفسه حكم ظاهري‏ (1).

وفي كتاب الحلقات يتحرّك الأصولي حسب حركة الفقيه، والكتب الأصولية الأخرى ليست بهذه الطريقة وخاصة الكتب القديمة، وقد يكون البحث فيها عن حجية القطع في آخر الكتاب مع أنها يجب أن تكون في أول الكتاب، لذلك بحث السيد الشهيد (قدس سره) عنها في أول الحلقات لأن الفقيه يحتاج إلى القطع وحجيته قبل استنباط أي حكم شرعي، فحركة الأصولي تسير بنفس حركة الفقيه، والسيد الشهيد (قدس سره) سار بهذه الطريقة في كتابه الحلقات، وأما في بحوث الخارج فلم يتّخذ (قدس سره) هذه‏

____________

(1) الدليل القطعي يعطي حكما واقعيا، والدليل الظني يعطي حكما ظنيا وهو حكم ظاهري، والأصل العملي يعطي حكما ولنطلق عليه" حكما شَكِّيًّا" لأننا لا نعلم بالحكم الشرعي، وهذا الحكم الشَّكِّيّ الناتج من الأصل العملي هو حكم ظاهري أيضا، والأصل العملي هو بنفسه هذا الحكم الشّكّيّ الظاهري.

7

الطريقة لأن الحوزة تعوّدت على طريقة معيَّنة، فالسيد الشهيد (قدس سره) سار على نفس الطريقة التقليدية الموجودة في الحوزات العلمية وعلى نفس أعراف الحوزة، ولم يُردِ السيد الشهيد (قدس سره) في ذاك الوقت أن يكسر أعراف الحوزة، ولكن يمكن الآن أن يطرح أحد المجتهدين بحوث الخارج على طريقة الحلقات لأن الطلبة الآن تعوّدوا على هذه الطريقة.

وهنا يبحث الشهيد (قدس سره) أولا في الأدلة المحرِزة ثم في الأصول العملية.

8

تمهيد عام لبحث الأدلة

تحديد المنهج في الأدلة المحرِزة والأصول العملية

نبدأ أولا بتحديد المنهج في الأدلة المحرِزة والأصول العملية، والمنهج يختلف حسب المسلك الذي يتبنّاه الأصولي، فيوجد منهجان: منهج بناء على مسلك حق الطاعة، ومنهج آخر بناء على مسلك قبح العقاب بلا بيان، وخلاصة اختلاف المنهج بين المسلكين هي أن التكليف المنكشف بالقطع أو بالظن والاحتمال يكون منجَّزا بناء على مسلك حق الطاعة، وأما بناء على مسلك قبح العقاب بلا بيان فإن التكليف لا يكون منجَّزا إلا في حالات القطع، ولا يكون منجَّزا في حالات الظن والاحتمال، ويأتي بعد قليل الفرق بين المنهجين بناء على كلّ مسلك من المسلكين.

نأتي أولا إلى بيان أقسام الأدلة التي يستند إليها الفقيه في استدلاله الفقهي واستنباطه للحكم الشرعي عندما يواجه أي واقعة من الوقائع، وتوجد طوليّة ورُتْبِيَّة بين هذه الأقسام، فالفقيه لا ينتقل من دليل إلى آخر إلا إذا فقد القسم الذي يسبقه، فلا ينتقل إلى الدليل اللاحق إلا إذا فقد الدليل السابق، فيأتي إلى الدليل المحرِز الظني إذا فقد الدليل المحرِز القطعي، ويأتي إلى الأصل العملي إذا فقد الدليل المحرِز القطعي والدليل المحرِز الظني، والأقسام هي:

9

[اقسام الادلة]

القسم الأول: الأدلة المحرِزة:

الأدلة المحرِزة- بكسر الراء على صيغة اسم الفاعل- هي أدلة يُطلب بها كشف الواقع حيث تُحْرِزُ- بكسر الراء- وتعيِّن الحكم الشرعي بسبب كاشفيّتها، فهي تكشف عن الحكم الشرعي كشفا تاما أو كشفا ناقصا، ويكون الحكم الشرعي محرَزا- بفتح الراء على صيغة اسم المفعول-، والكشف والإحراز والتعيين بنفس المعنى، والأدلة المحرِزة تكون مستنَدا للفقيه بلحاظ كاشفيّتها عن الواقع وإحرازها وإثباتها للحكم الشرعي‏ (1).

إذن: يوجد واقع ونحن نريد أن نكشف عن هذا الواقع، فنأتي إلى الأدلة المحرِزة التي تعطينا ضوءاً نكشف بواسطته عن واقع الحكم الشرعي أي ما نحن نراه من الواقع ونعتقد أنه مطابق للأحكام في اللوح المحفوظ، فالأدلة المحرِزة تكشف عن الواقع.

أنواع الأدلة المحرِزة:

يوجد نوعان من الأدلة المحرِزة: الأدلة القطعية، والأدلة الظنية.

النوع الأول: الأدلة المحرِزة القطعية:

وهي الأدلة التي تؤدي إلى القطع والعلم واليقين بالحكم الشرعي الواقعي، وتكشف عن الواقع كشفا تاما، أي بنسبة 100%، فالكشف التام يأتي من الدليل القطعي كالخبر المتواتر، فالدليل القطعي كاشف‏

____________

(1) المقصود هو الحكم الشرعي بالمعنى الأخص وهو الناتج من الدليل المحرِز، وأما الحكم الشرعي بالمعنى الأعم فيشمل الحكم الشرعي بالمعنى الأخص والوظيفة العملية الناتجة من الأصول العملية.

10

تام عن الحكم الشرعي، وهذا الدليل محرِز للواقع إحرازا قطعيا، والدليل القطعي حجّة بنفسه بحكم العقل لأن القطع له حجية ذاتية ولا نحتاج إلى دليل شرعي لإثبات حجيته، ولا يحتاج إلى إعطائه الحجية من الخارج لوجود التلازم بين القطع والحجية، فلا يحتاج لأن يأتي الشارع ويقول" اعمل بقطعك" أو أن" القطع حجة"؛ لأنه تحصيل للحاصل لأن المكلف سيعمل بقطعه سواء قال له الشارع ذلك أم لم يقل، كالزوجية والأربعة، فإن الأربعة لا تحتاج إلى جعل الزوجية لها لأنها زوج بذاتها والزوجية لازم ذاتي للأربعة، وإذا قال الشارع بذلك فهو من باب التأكيد والتنبيه والإرشاد والإشارة لا من باب إقامة الدليل الشرعي على حجية القطع، فالدليل القطعي يستمدّ شرعيّته وحجيته من حجية القطع، والقطع حجة بحكم العقل، والحجية تعني المنجّزية والمعذّرية.

النوع الثاني: الأدلة المحرِزة الظنية (الأمارات):

وهي الأدلة التي تؤدي إلى الظن بالحكم الشرعي الواقعي، وتكشف عن الواقع كشفا ظنيا ناقصا محتمَل الخطأ، والكشف الناقص يأتي من الدليل الظني كخبر الثقة أو ظهور الكلمة في معنى معيَّن أو ظهور مادة الأمر وصيغته في الوجوب، والأدلة الظنية التي يعطيها الشارع الحجية تُسَمَّى" الأمارات" بمعنى العلامات أي علامات على الحكم الشرعي، والدليل الظني كاشف ناقص عن الحكم الشرعي ويعطينا حكما شرعيا ظاهريا، والحكم الشرعي الذي نستنبطه من الدليل الظني نظن أنه مطابق للواقع، فهذا الدليل يحرز لنا الواقع إحرازا ظنيا ناقصا.

11

سؤال: هل يمكن الاعتماد على الظن مع أن الظن لا يغني من الحق شيئا؟

الجواب:

لا يمكن الاعتماد على الدليل الظني إلا إذا سمح الشارع بالأخذ به وحكم بحجيته وثبت بالدليل القطعي أنه سمح لنا الأخذ به والاعتماد عليه وأمر بالاستناد إليه في عملية الاستنباط، ويحتاج الظن إلى غطاء شرعي حتى يمكن الاعتماد عليه، ولا بد أن يوجد دليل قطعي على حجية الدليل الظني حتى يمكن الاعتماد على الدليل الظني لئلا يلزم الدور حينما نقول بأن الدليل الظني دليل على الدليل الظني، فدليل جعل الحجية للدليل الظني الناقص لا بد أن يكون دليلا قطعيا، وبعد قيام الدليل الشرعي القطعي على حجية الدليل الظني فإن العمل بالحكم الشرعي المستنبط على أساس الدليل الظني المعتبر يكون مبرئا لذمة المكلف ويصير كالدليل القطعي أو قل بمنزلة الدليل القطعي، ويتحتم على الفقيه الاعتماد عليه، وإذا لم يحكم الشارع بحجيته فلا يكون حجة ولا يجوز الاعتماد عليه في الاستنباط، فالشارع يعطي الحجية لبعض الظنون، فيقول اعتمد على خبر الثقة، وأما القياس- مثلا- فلا يوجد دليل شرعي على حجيته بل على العكس يوجد دليل شرعي على عدم حجيته، فالدليل الظني إذا حكم الشارع بحجيته على الرغم من نقصانه أصبح كالدليل القطعي في الأخذ به والاعتماد عليه، وإذا لم يحكم الشارع بحجية الدليل الناقص فلا يكون حجة ولا يجوز الاعتماد عليه في الاستنباط لأنه ناقص يحتمل فيه‏

12

الخطأ.

مثال:

خبر الثقة دليل ظني لأن الثقة لا يكذب ولكنه قد يخطئ أو يشتبه، ولكن توجد روايات قطعية الصدور وقطعية الدلالة على أن الشارع أمر بتصديق الثقة واتّباعه والأخذ بخبره، فهذه الروايات دليل قطعي على أن الشارع سمح لنا الأخذ بخبر الثقة، فارتفع خبر الثقة إلى مستوى الدليل القطعي.

سؤال: إذا شككنا أو احتملنا بأن الشارع جعل الحجية للدليل الظني فما هو موقفنا؟

الجواب:

القاعدة الأولية تقول:" إن كل دليل ناقص ليس حجة ما لم يثبت بالدليل الشرعي القطعي أنه حجة" أو" الأصل في الظن هو عدم الحجية إلا ما خرج بدليل قطعي" أو" الشك في الحجية كافٍ للقطع بعدمها"، فلا يمكن الاعتماد على الدليل الظني حتى لو احتملنا حجيته بنسبة 99%، وإنما نحتاج إلى دليل قطعي لإثبات شرعية الدليل الظني.

النتيجة:

الدليل إما أن يكون بذاته قطعيا فيكون بذاته حجة، وإما أن يكون ظنيا ولكن قام الدليل القطعي على حجيته، فيوجد غطاء شرعي للأخذ بالدليل الظني والاعتماد عليه واستنباط الحكم الشرعي على أساسه، فالدليل الذي يُعْتَمَدُ عليه فقهيا هو:

13

1- الدليل القطعي: وهو حجة بذاته بحكم العقل.

2- الدليل الظني المعتبَر: وهو الدليل الناقص الذي أعطاه الشارع الحجية وثبتت حجيته شرعا بدليل قطعي.

ملاحظة:

هناك تقسيم آخر للدليل المحرز من حيثية أخرى، فينقسم الدليل المحرز إلى دليل شرعي ودليل عقلي، والدليل الشرعي ينقسم إلى دليل شرعي قطعي كالخبر المتواتر، وإلى دليل شرعي ظني كخبر الثقة أو الأمر يدل ظاهرا على الوجوب، والدليل العقلي ينقسم إلى دليل عقلي قطعي مثل وجوب الشي‏ء يستلزم وجوب مقدمته، وإلى دليل عقلي ظني كالقياس والاستحسان.

القسم الثاني: الأصول العملية:

الأصول العملية أو الأدلة العملية لا تكشف عن الواقع وعن الحكم الشرعي ولا تعيِّن الحكم الشرعي، وإنما هي أدلة تبيِّن وتعيِّن الوظيفة العملية للشاك الذي لا يعلم بالحكم الشرعي للواقعة- سواء كان علما مباشرا أم علما غير مباشر بأن يعطي الشارع الحجية للظن فيكون الظن بمنزلة العلم-، وتحدّد كيف يتصرّف الإنسان الذي لا يعرف الحكم الشرعي للواقعة، أي تحلّ له المشكلة وتوضِّح له ماذا يفعل من الوجهة والناحية العملية فقط حتى لا يظل المكلف متحيِّرا لا يدري ماذا يفعل، ولكنها لا تبيِّن لنا ما هو الحكم الموجود في اللوح المحفوظ ولا تشير إلى الحكم الشرعي الواقعي لا من قريب ولا من بعيد، فالشارع لا يقول لك‏

14

إنه يجب عليك أن تصل إلى الحكم الواقعي لأنه يتعسَّر عليك أن تصل إليه لعدم وجود الدليل الذي يبيِّن لك الحكم الواقعي، وما دام لا يوجد عندك دليل يكشف لك عن الحكم الموجود في اللوح المحفوظ لا قطعا ولا ظنّا فإن الشارع يبيِّن لك الوظيفة العملية المطلوب منك القيام بها مع عدم معرفتك بالحكم الشرعي الواقعي في هذه الواقعة، فأنت من ناحية عملية افعل كذا لأنه لا بد أن تأتي بعمل ما، فإذا كان لا يوجد عندك دليل- لا قطعي ولا ظني- على الحكم الشرعي الواقعي فافعل كذا أو لا تفعل كذا.

إذن: يبيِّن الشارع الوظيفة من الناحية العملية لعدم توصّل المكلف إلى معرفة الحكم الشرعي الواقعي وعدم كشفه عنه لا كشفا تاما ولا كشفا ناقصا، فيظل الحكم الواقعي مجهولا عند المكلف، ويعطيه الشارع وظيفة عملية.

والأصل العملي- كالبراءة أو الطهارة- هو بنفسه حكم شرعي ظاهري، مثلا عند الشك بين طهارة هذا الإناء ونجاسته، الأصل العملي يقول لك من ناحية عملية ابْنِ على طهارته وتعامل معه من ناحية عملية معاملة الطاهر حيث تقول أصالة الطهارة" كل شي‏ء طاهر حتى تعلم أنه نجس"، ولكن الأصل العملي لا يقول لك إن هذا الإناء طاهر واقعا أو ليس بطاهر واقعا، فليس للأصل العملي كشف عن الواقع لا كشفا تاما ولا كشفا ناقصا، وهذا بخلاف الأمارة كخبر الثقة الذي يكشف عن الواقع كشفا ناقصا، فالأمارة لا تقول لك ماذا تفعل من ناحية عملية فقط، بل تقول لك إن هذا الإناء نجس واقعا ولكن بالكشف الناقص‏

15

بخلاف الدليل المحرز القطعي الذي يقول بأن هذا الإناء نجس واقعا قطعا بلا أي شك، ولكن الدليل غير المحرز لا يبين الحكم الشرعي ولا يكشف عن الواقع، وإنما يبين الوظيفة العملية التي قد تكون مختلفة عن الحكم الشرعي الواقعي، وعلى أي حال فإن العمل بالوظيفة العملية يكون مبرئا لذمة المكلف لقيام الدليل الشرعي القطعي على حجية الأصل العملي.

النتيجة:

1- الدليل المحرز القطعي يكون بذاته حجة.

2- الدليل المحرز الظني لا بد أن يوجد دليل قطعي على حجيته.

3- الدليل غير المحرز (الأصل العملي) لا بد أن يوجد دليل قطعي على حجيته.

16

نمايش تصوير

17

ملاحظة (1):

يمكن القول بشكل عام أنه في كل واقعة يستطيع الفقيه أن يرجع إلى الأصل العملي الذي يحدد الوظيفة العملية لغير العالم بالحكم، ولكن لا يمكن للفقيه أن يتمسك بالأصل العملي إلا إذا لم يجد دليلا محرزا قطعيا أو ظنيا، فإذا حصل على دليل محرِز أخذ به وترك الأصل العملي وفقا لقاعدة" تقدّم الأدلة المحرِزة على الأصول العملية" كما سيأتي في مباحث تعارض الأدلة إن شاء الله تعالى، فالدليل المحرِز يرفع موضوع الأصل العملي لأن موضوعه الشك في التكليف، ومع وجود الدليل المحرز لا يوجد شك في التكليف، وكذلك فإن الدليل المحرز القطعي يرفع موضوع الدليل المحرز الظني لأن موضوعه عدم الدليل القطعي، وهذا هو معنى الطوليّة والرّتبيّة بين الأدلة، فإذا فقد الدليل المحرز القطعي فإن النّوبة تصل إلى الدليل المحرز الظني، وإذا فقد الدليل المحرز الظني فإن النّوبة تصل إلى الأصول العملية، والأصل العملي هو المرجع العام للفقيه حيث لا يوجد دليل محرِز لا قطعي ولا ظني.

بعبارة أخرى: إن الأصل العملي هو المرجع العام للفقيه في الحالات التي لا يوجد فيها دليل محرِز، فإذا وجد الفقيه دليلا محرزا رفع يده عن الأصل العملي وأخذ بالدليل المحرِز لوجود قاعدة تقول بتقدّم الأدلة

____________

(1) هذه الملاحظة تكرار للعبارات الواردة في الحلقة الثانية تحت عنوان" تنويع البحث"، فراجع هناك، ويظهر أن السيد الشهيد (قدس سره) قد كتبها في الموضعين ليلغي إحداهما، ومن الممكن أنه قد نسي ذلك.

18

المحرزة بقسميها القطعية والظنية على الأصول العملية عند التعارض.

مثال:

إذا كان خبر الثقة يقول بنجاسة الإناء، وأصالة الطهارة تقول بطهارة الإناء، فيقع التعارض بينهما، وعند التعارض يتقدم خبر الثقة على أصالة الطهارة لأن الأمارة تتقدّم على الأصل العملي عند وقوع التعارض بينهما ولا تصل النوبة إلى الأصل العملي.

إن موضوع الأصل العملي هو الشك في التكليف، والدليل المحرز القطعي يرفع الشك حقيقة لأنه إذا حصل في نفسك قطع فإن الشك يزول لأن القطع والشك متضادان لا يجتمعان، والقطع يطرد الشك، والدليل الظني يرفع الشك تعبّدا، فالشارع يقول:" إذا حصل عندك ظن بالحكم فتعامل مع الشك كأنه غير موجود"، فالظن لا يرفع الشك حقيقة لأنك إذا ظننت بالحكم فإنه تبقى نسبة من الشك في هذا الحكم، ففي الواقع يبقى الشك ولا يزول من النفس تماما، ولكن نرفع هذا الشك تعبدا، فالشارع يتعبّدنا بهذا الظن.

المنهج على مسلك حق الطاعة

سؤال: ما هو الأصل العملي الأولي أو القاعدة العملية الأساسية بناء على مسلك حق الطاعة كما ورد في الحلقة الأولى؟

الجواب:

قال السيد الشهيد (قدس سره) سابقا إن الأصل العملي هو المرجع العام للفقيه حيث لا يوجد دليل محرز، لذلك لا بدّ أن يحدّد الفقيه الأصل‏

19

[تحديد الاصل العملى‏]

العملي العام عنده قبل الدخول في البحث عن الأدلة، والأصل العملي الأولي أو أعم الأصول العملية وهو ما يحكم به العقل- أي ما يدركه العقل- بناء على مسلك حق الطاعة هو" المنجزية" أو" الاحتياط العقلي" أو" الاشتغال العقلي" أو" اشتغال الذمة"،

[مفاد أصالة الاحتياط العقلي‏]

ومفاد أصالة الاحتياط العقلي هو أن كل تكليف محتمَل تشتغل به ذمّة المكلف ويتنجّز عليه بحكم العقل إلا إذا ثبت إذن الشارع في ترك التحفظ وترك الاحتياط تجاهه، فإذن الشارع في ترك التحفظ هو الأصل العملي الثانوي، والأصل العملي الثانوي هو ما يحكم به الشرع، فالعقل يحكم بأنه يجب على المكلف أن يحتاط بهذا التكليف إلا إذا أتى دليل آخر من الشارع ورخّص في عدم الأخذ بالاحتياط، وحق الطاعة حكم من أحكام العقل، وكل حكم عقلي له موضوع، وهنا موضوع حق الطاعة هو (التكليف المنكشف+ عدم ورود الترخيص من الشارع في ترك الاحتياط)، إذن كل تكليف أحتمله فإن عقلي يقول لي:" احتط به إلا إذا ورد ترخيص من الشارع بعدم الاحتياط"، فيكون الحكم العقلي معلَّقا على عدم ورود الترخيص من الشارع، فإذا ورد ترخيص من الشارع فإن المكلف لا يحتاط، وهنا لا بدّ من البحث في الشرع عن أن هذا الترخيص ورد من المولى أو لا.

وبناء على مسلك حق الطاعة نبدأ من الاحتياط العقلي أي نبدأ من التنجيز، لذلك لا بدّ من البحث في الشرع عن دليل على الترخيص والمؤمِّن حتى نرفع اليد عن الحكم العقلي، فإذا وجدنا الترخيص نرفع اليد عن الاحتياط العقلي، وإذا لم نجد الترخيص فإن حكم العقل باقٍ‏

20

على حاله.

وأما بناء على مسلك قبح العقاب بلا بيان فنبدأ من أصالة البراءة العقلية أي نبدأ من الترخيص والمؤمِّن، لذلك لا بدّ من البحث في الشرع عن دليل على التكليف والتنجيز حتى نرفع اليد عن الحكم العقلي، فإذا وجدنا التكليف نرفع اليد عن البراءة العقلية، وإذا لم نجد التكليف يظل حكم العقل على حاله.

وسبب كون الأصل هو الاحتياط العقلي هو أن حق الطاعة للمولى يشمل كل ما ينكشف من التكاليف سواء كان الكشف كشفا قطعيا أم ظنيا أم احتماليا، فكل تكليف ينكشف ولو كشفا ناقصا يكون منجَّزا على المكلف، فالتكاليف المقطوعة والمظنونة والمحتمَلة يأتي المكلف بها أي كل تكليف منكشف بالقطع أو الظن أو الاحتمال.

رفع اليد عن أصالة الاحتياط العقلي:

يذكر السيد الشهيد (قدس سره) هنا أربع حالات، تُرْفَع اليد عن أصالة الاحتياط العقلي في بعضها وهي الحالة الأولى والحالة الثالثة، وفي الحالة الثانية يشتد تنجّز التكليف، وفي الحالة الرابعة الاحتياط الشرعي يؤيّد الاحتياط العقلي فيشتد تنجّز التكليف، والحالات هي:

الحالة الأولى: القطع بالترخيص الواقعي:

إذا حصل الفقيه على دليل شرعي محرِز قطعي يدل على عدم التكليف ونفي التكليف أو يدل على الترخيص فإن المكلف يكون معذورا بحكم العقل لأن القطع حجة بذاته، فالقطع بعدم التكليف يكون معذِّرا

21

عن امتثال هذا التكليف بحكم العقل، فالعقل يقول بالاحتياط، ولكن يأتي دليل قطعي من الشارع على عدم التكليف فنرفع اليد عن أصالة الاحتياط العقلي، والدليل القطعي ترخيص من الشارع في عدم التحفظ وعدم الاحتياط.

بعبارة أخرى: يأتي دليل محرِز قطعي على عدم التكليف فيكون معذِّرا فلا نتمسّك بالاحتياط العقلي، إذن هنا نرفع اليد عن الاحتياط العقلي لأن الدليل القطعي على عدم التكليف يرفع موضوع الاحتياط العقلي فلا يبقى موضوع الاحتياط العقلي لأن الموضوع هو احتمال التكليف، ولا وجود لاحتمال التكليف في موارد القطع بعدم التكليف، فالاحتياط العقلي نأخذ به مع عدم وجود الدليل على عدم التكليف، فإذا وجد الدليل على عدم التكليف فلا نأخذ بأصالة الاشتغال، والقطع بعدم التكليف يُقَدَّم على احتمال التكليف لأن القطع يقدَّم على الاحتمال، إن نسبة احتمال عدم التكليف هو 100%، ونسبة احتمال التكليف هو صفر% لأنه مع القطع بعدم التكليف لا يوجد احتمال التكليف أي لا يوجد موضوع لأصالة الاشتغال، والقطع بعدم التكليف من البداية ليس داخلا في دائرة حق الطاعة حتى نحتاج إلى إخراجه، فمن البداية لا يوجد تنجيز حتى نقول بالتعذير بعد ذلك، فالتعذير هو الموجود من البداية عند القطع بعدم التكليف لا أن الاشتغال كان موجودا ثم أتى القطع بعدم التكليف ورفع الاشتغال لأن عدم التكليف ليس داخلا في حق الطاعة أصلا، وهنا الاستثناء من باب الاستثناء المنقطع المنفصل لا من‏

22

باب الاستثناء المتصل، كما نقول جاء القوم إلا حصانا لا من باب جاء القوم إلا محمدا، فهنا القضية سالبة بانتفاء الموضوع لا بانتفاء المحمول، فلا يبقى لأصالة الاشتغال موضوع لأن الموضوع هو احتمال التكليف وهنا لا يوجد احتمال التكليف حيث إنه يوجد قطع بعدم التكليف، فلا يوجد تنجيز من البداية، ولا نقول هنا إنه كان يوجد المحمول- وهو التنجيز- ثم أتى القطع بعدم التكليف ورفع التنجيز، فالبراءة كانت موجودة من البداية لا أن التنجيز العقلي كان موجودا ثم أتت البراءة الشرعية، إذن يرفع الفقيه يده عن الاشتغال العقلي عند القطع بعدم التكليف.

الحالة الثانية: القطع بالتكليف الواقعي:

إذا حصل الفقيه على دليل شرعي محرز قطعي يدل على ثبوت التكليف أي قطع بوجود التكليف، والعقل في حالة احتمال التكليف يقول بالاحتياط، فهذا الاحتمال ينقلب إلى قطع، هنا يتأكّد الاحتياط ويصير أقوى ويشتدّ، والتنجّز يظل على حاله ولكنه يصير أقوى وأشدّ لأن الشرع أكّد حكم العقل، فالشرع أيّد العقل، فما يقول به العقل يأتي الشرع ويؤيّده، إذا حصل الإنسان من الشرع على ما يقول به العقل فإنه سيشعر بالراحة أكثر لأنه حصل على تأييد من الشارع، فلو خطرت في ذهنك فكرة معيَّنة فإنك تشعر بالراحة إذا وجدت رواية تؤيّد ما وصل إليه فكرك، إذن هنا يصير التنجّز أقوى وأشدّ (1)، وهنا يمكن أن نقول إن‏

____________

(1) سؤال: كيف يكون التنجّز أشدّ مع أن الواجبات كلّها مطلوبة ولا يمكن تركها؟

الجواب: الواجبات متفاوتة في الدرجة وفي المطلوبية، فبعض الواجبات تكون مطلوبة عند المولى عز وجل أكثر من غيرها من الواجبات لأن المصلحة المترتبة عليها أكثر، فمثلا إذا كان الدليل على الحكم دليلا عقليا ودليلا شرعيا فهذا يدل على مطلوبيته بدرجة أعلى، فقد تأتي أدلة كثيرة تدل على أن هذا الواجب المعيَّن لا يترك بأي حال من الأحوال فهذا يدل على مطلوبيته الشديدة من الشارع، فالواجبات والمحرمات وكذلك المستحبات والمكروهات متفاوتة في الدرجة حسب المصالح أو المفاسد التي يراها الشارع، فإذا أتت 50 رواية تدل على وجوب شي‏ء وأتت رواية واحدة تدل على وجوب شي‏ء آخر فإن كثرة الروايات تدل على المطلوبية الشديدة للشي‏ء عند الشارع، فكلاهما واجب ولكن ملاك الأول أشد من ملاك الثاني، إذن توجد درجات مختلفة في الأحكام الشرعية، وكذلك المحرمات متفاوتة، مثلا شرب الخمر أشد في الحرمة من حلق اللحية مع أن كليهما محرّم.

23

الفقيه يرفع يده عن أصالة الاشتغال لأنه قطع بالتكليف عن طريق الدليل الشرعي، والاعتماد هنا يكون على الدليل الشرعي لا على الدليل العقلي، واشتراك الأصل العملي الأولي مع الدليل الشرعي على التكليف يؤكد الحكم ويقوِّيه.

الحالة الثالثة: القطع بالترخيص الظاهري:

إذا حصل الفقيه على دليل شرعي ظني معتبر- أي له الحجية عن طريق دليل قطعي- يدل على الترخيص الظاهري في ترك التحفظ وعدم الاحتياط، والعقل يقول بالاحتياط، فيرفع اليد عن الاحتياط العقلي لأن الشارع رخّص بعدم الاحتياط وإن كان ترخيصا ظاهريا لأن القطع بالترخيص الظاهري في قوة القطع بالترخيص الواقعي الذي جاء في الحالة

24

الأولى، وحكم العقل بمنجزية الاحتمال على مسلك حق الطاعة معلَّق على عدم ورود الترخيص، ومع ثبوت الترخيص لا توجد منجزية، مثلا إذا أتى خبر ثقة وقال الشارع خذ بخبر الثقة واعتمد عليه، وكان مفاد الخبر" لا تحتط في هذه الواقعة"، فنرفع اليد عن أصالة الاحتياط العقلي، ويوجد فرق بين الحالة الأولى والحالة الثالثة وهو أنه في الحالة الأولى ينتفي موضوع الاحتياط العقلي حقيقة، وهنا ينتفي بالتنزيل والتعبّد لأن احتمال التكليف موجود في النفس ولا يزول.

طرق ثبوت الترخيص الظاهري:

يثبت الترخيص الظاهري بإحدى الطرق التالية:

أ- عن طريق الأمارة:

أي الدليل الظني المعتبر الذي جعل الشارع له الحجية كخبر الثقة أو الإجماع المنقول أو الشهرة الفتوائية- إذا قيل بحجيتهما-، فإذا أخبر الثقة المظنون الصدق بعدم الوجوب، وقال الشارع:" صَدِّقِ الثقة وخذ بخبره"؛ أي أعطى الحجية لخبر الثقة، فلا يؤخذ بالاحتياط العقلي أي يرفع الفقيه اليد عن أصالة الاشتغال.

ب- عن طريق الأصول العملية كأصل الحِلِّيَّة الشرعية:

التي تقول" كل شي‏ء حلال حتى تعلم أنه حرام"، فإذا علمت بأنه حرام فهو لا يكون حلالا، وإذا لم تعلم بأنه حرام فهو حلال، وعند الشك في التكليف أنت لا تعلم بالتكليف فلا يكون الاحتياط مطلوبا منك، وهذا ترخيص من الشارع في ترك الاحتياط، وجعل الشارع له الحجية،

25

فهنا يترك الاحتياط أي يرفع اليد عن أصالة الاشتغال.

ج- عن طريق الأصول العملية كأصل البراءة الشرعية:

وهو الترخيص الشرعي الظاهري في موارد الشك في التكليف الإلزامي مثل" رُفِعَ ما لا يُعْلَم"، فالذي تعلمه غير مرفوع، والذي لا تعلمه مرفوع، وعند الشك في التكليف أنت لا تعلم بالتكليف فالاحتياط ليس مطلوبا منك، وجعل الشارع الحجية له، فهنا يترك الاحتياط أي يرفع اليد عن أصالة الاشتغال.

إن الأمارة والأصل العملي يعطيان حكما ظاهريا لأن الشارع سمح لنا الأخذ بهما حيث أعطاهما الحجية، فلولا وجود الدليل الشرعي القطعي على حجية الأمارة لما جاز الأخذ بالأمارات، ولولا وجود الدليل الشرعي القطعي على حجية البراءة لما جاز الأخذ بالبراءة، فلا بدّ من وجود دليل شرعي قطعي على حجية كل أمارة من الأمارات، وعلى حجية كل أصل من الأصول العملية.

الحالة الرابعة: القطع بعدم الترخيص الظاهري:

إذا حصل الفقيه على دليل شرعي ظني معتبر- أي يوجد دليل قطعي على حجية هذا الظن- يدل على حكم ظاهري بعدم ترك الاحتياط، والعقل يقول بالاحتياط، فأتى الشرع وأيّد العقل وقال بالاحتياط أيضا، فيكون التنجّز أشد، إذن منجزية الاحتمال تظل ثابتة ولكنها تشتدّ وتقوى.

26

طرق ثبوت عدم الترخيص الظاهري:

يثبت عدم إذن الشارع بترك الاحتياط بإحدى الطرق التالية:

أ- عن طريق الأمارة:

كخبر الثقة، فإذا أخبر الثقة المظنون الصدق بالوجوب، وقال الشارع" صَدِّق الثقة"، فهنا يشتدّ التنجّز ويقوى.

ب- عن طريق الأصول العملية:

كأصالة الاحتياط الشرعية المجعولة في بعض الحالات، وهذه الحالات هي النفوس أو الدماء، والأموال، والأعراض أو الفروج.

فائدة المنجزية والمعذرية الشرعية

ذكر السيد الشهيد (قدس سره) أنه توجد معذرية في حالتين ومنجزية في الحالتين الأخريين، الحالة الأولى والثالثة فيهما معذرية، والحالة الثانية والرابعة فيهما منجزية، نسأل السؤال التالي:

هل المعذرية والمنجزية في جميع الحالات قابلة لجعل الشارع أو في بعضها دون البعض الآخر؟

الجواب:

إذا كانت المعذرية والمنجزية عن طريق الحكم الظاهري يكون الجعل من الشارع، وإذا كانتا من العقل فلا نحتاج إلى جعل الشارع لأن جعله يكون لغوا وتحصيلا للحاصل، وإذا لم تكونا بحكم العقل فنحتاج إلى جعل الشارع لأنه لن يكون تحصيلا للحاصل، وهذا ما يظهر في الحالات‏

27

التي ذكرت سابقا، وهي كما يلي:

الحالة الأولى والثانية:

يقول السيد الشهيد (قدس سره) إنه في‏

[الحالة الأولى- وهي القطع بالترخيص الواقعي‏]

الحالة الأولى- وهي القطع بالترخيص الواقعي-

[الحالة الثانية- وهي القطع بالتكليف الواقعي‏]

والحالة الثانية- وهي القطع بالتكليف الواقعي- لا يتدخّل الشارع لإيجاد المعذرية والمنجزية بسبب القطع لأن القطع بذاته حجّة وله المنجزية والمعذرية الكاملة بقطع النظر عن حكم الشارع، والقطع كاشف تام عن متعلَّقه، لذلك لا تحتاج المعذرية والمنجزية إلى تتميم من الشارع، ومعنى الكاملة أن حجية القطع غير معلَّقة على شي‏ء بل هي مطلقة، ففي الحالة الأولى يوجد دليل قطعي على عدم التكليف، وفي الحالة الثانية يوجد دليل قطعي على وجود التكليف، فالشارع لا يتدخل ليقول هذا حجة لأن الحجية لازم ذاتي للقطع ومن آثار القطع، والحجية ثابتة للقطع بحكم العقل، واللازم الذاتي لا يحتاج إلى جعل شرعي لأن القاطع حتما سيعمل بقطعه.

الحالة الثالثة والرابعة:

وأما في‏

[الحالة الثالثة- وهي القطع بالترخيص الظاهري‏]

الحالة الثالثة- وهي القطع بالترخيص الظاهري-

[الحالة الرابعة- وهي القطع بعدم الترخيص الظاهري‏]

والحالة الرابعة- وهي القطع بعدم الترخيص الظاهري-، والحكم الظاهري بحاجة إلى غطاء شرعي أي إلى دليل قطعي على حجيته، ففي الحالة الثالثة عندنا يقين بأن الشارع يأذن بترك الاحتياط، والشارع تنازل عن حقّه، فيجعل هنا ترخيصا ظاهريا، مثلا إذا احتمل المكلف وجوب الدعاء عند رؤية الهلال فهذا الوجوب يتنجّز عليه بحكم العقل، ولكن الشارع‏

28

يقول له:" لا تحتط لأنني أذنت لك بترك الدعاء عند رؤية الهلال"، وفي الحالة الرابعة عندنا يقين بأن الشارع لا يأذن بالترخيص للمكلف، فيجعل هنا حكما ظاهريا بعدم الترخيص، مثلا يقول الشارع:" لا آذن لكم بترك الدعاء عند رؤية الهلال لأنني لا أعطيكم الترخيص بترك الدعاء".

والشارع في الحالتين الثالثة والرابعة يتدخل لإيجاد المعذرية والمنجزية بأحد طريقين:

أ- إذا ثبت من الشارع أنه جعل الحجية للأمارة- أي للدليل الظني المعتبر- النافية للتكليف كخبر الثقة، أو جعل أصلا مرخِّصا كأصالة الحلّ، وكلاهما يعطي ترخيصا ظاهريا، فهنا ترتفع منجزية الاحتمال والظن لأن منجزية الظن والاحتمال مشروطة بعدم ورود الإذن من الشارع في ترك التحفظ، فجعل الحجية للأمارة وجعل أصل مرخِّص يكونان إذنا في ترك الاحتياط أي" لا تحتط"، فترتفع أصالة الاحتياط العقلي.

ب- إذا ثبت عن الشارع أنه جعل الحجية لأمارة مثبتة للتكليف، أو جعل أصلا عمليا يقول بالتحفّظ والاحتياط كأصالة الاحتياط الشرعية، فهنا تتأكّد المنجزية وتشتد، فهذا الجعل هو عدم إذن في ترك الاحتياط أي" لا تترك الاحتياط"، العقل يقول:" لا تترك الاحتياط"، والشرع يقول أيضا:" لا تترك الاحتياط"، فالشرع يؤيّد العقل، وهنا تكون المنجزية أشدّ، فلا تترك هذا التكليف لأن ثبوت ذلك الجعل معناه العلم واليقين بعدم الإذن في ترك الاحتياط، والعلم بنفي أصالة الحلّ، مثلا

29

عندما أقول هل هذا الماء يجوز شربه أو لا يجوز شربه؟ ماذا يقول العقل؟ هل يقول أعلم بعدم الإذن أو لا أعلم بالإذن؟

يقول لا أعلم بأني مأذون أي عدم العلم بالإذن، فإذا لا يوجد علم بالإذن فالعقل يقول بالمنجزية، وإذا جاء خبر الثقة بأنه لا يوجد إذن، وقال الشارع خذ بخبر الثقة، فيصير عندك علم بعدم الإذن، وحكم العقل بالتنجيز هو عدم العلم بالإذن، وعندما جاءت الأمارة المثبتة للتكليف صار عندك علم بعدم الإذن، لذلك قال السيد الشهيد (قدس سره) إذا قامت الأمارة المثبتة للتكليف فإن منجزية الاحتمال تتأكّد وتشتدّ وتقوى لأن حكم العقل كان عدم العلم بالإذن وجاء حكم الشرع بالعلم بعدم الإذن، والعلم بعدم الإذن أقوى من عدم العلم بالإذن، لذلك تشتد المنجزية، والمعذرية والمنجزية هنا قابلة للجعل من الشارع.

المنهج على مسلك قبح العقاب بلا بيان‏

انتهينا من المنهج على مسلك حق الطاعة، والآن نأتي إلى مسلك قبح العقاب بلا بيان لنرى الاحتمالات الأربعة على مسلكهم.

سؤال: ما هو الأصل العملي الأولي والقاعدة الأساسية على مسلك قبح العقاب بلا بيان؟

الجواب:

الأصل العملي الأولي على مسلك قبح العقاب هو" البراءة العقلية" والمعذرية بحكم العقل في مقابل الاشتغال والاحتياط العقلي على مسلك‏

30

حق الطاعة، فيكون الأمر على العكس تماما والبداية من الناحية النظرية مختلفة،، فبناء على مسلك حق الطاعة كانت البداية من الاشتغال والمنجزية، وأما بناء على مسلك قبح العقاب بلا بيان فالبداية من البراءة والمعذرية.

إن البراءة العقلية تقول إن التكليف الذي لم يقطع به المكلف لا يكون منجَّزا ولا يجب الاحتياط فيه بل يكون المكلف بريئا عن امتثاله، أو المكلف غير ملزم عقلا بالتحفظ والاحتياط تجاه أي تكليف ما لم ينكشف بالقطع واليقين، فالتكليف المقطوع به يتنجّز، والتكليف غير المقطوع به لا يتنجّز، فلو احتمل أو ظن بتكليف فإنه يكون بريئا عن الإتيان بهذا التكليف، فالتكاليف المقطوع بها يحتاط المكلف تجاهها، وأما التكاليف المظنونة والمحتمَلة فالمكلف بري‏ء عن الإتيان بها، فالبراءة العقلية تنفي التكليف في مورد الشك والاحتمال والظن، وتثبت التكليف في مورد القطع بالتكليف فقط، وهذا بخلاف ما ذكرناه على مسلك حق الطاعة القائل بالاحتياط العقلي الذي يقول بالاحتياط حتى في حالات الظن والاحتمال، ورأينا أن حكم العقل على مسلك حق الطاعة كان معلَّقا على عدم ورود ترخيص من الشارع، ولكن على مسلك قبح العقاب بلا بيان فلم يذكروا أن حكم العقل معلَّق على عدم ورود التكليف من الشارع، فتكون البراءة العقلية غير معلَّقة على شي‏ء وإنما مطلقة أي سواء ورد التكليف من الشارع أم لم يرد فإن حكم العقل باقٍ على حاله، لذلك فإن القائلين بمسلك قبح العقاب بلا بيان يواجهون مشكلة في الحالة الرابعة.

31

نأتي الآن إلى الحالات الأربعة لنرى في أي حالة نرفع اليد عن قاعدة البراءة العقلية، وسنرى أن الفقيه يرفع اليد عن قاعدة قبح العقاب بلا بيان في الحالة الثانية والرابعة:

الحالة الأولى: القطع بعدم التكليف:

إذا دل دليل شرعي محرز قطعي على عدم التكليف فإن القطع بعدم التكليف يكون معذِّرا، فإذا كان معذِّرا فتتأكّد البراءة العقلية، فهنا الشرع يؤيّد العقل، فالعقل والشرع متوافقان ومتّحدان في النتيجة، فالقاعدة تتأكّد بحصول القطع بعدم التكليف.

مثلا إذا دل خبر متواتر على عدم وجوب الدعاء عند رؤية الهلال فإن القطع يكون معذّرا، فتتأكد قاعدة قبح العقاب لأن العقل يقول بقبح العقاب بلا قطع بالتكليف، وهنا القطع بعدم التكليف عن طريق الدليل الشرعي يؤدي إلى عدم تنجز التكليف، وإذا لم يتنجز التكليف يقبح عقاب المكلف عليه إذا لم يأت بالتكليف، فهنا الشرع أيّد العقل، قبح العقاب يقول أنت معذور لأنك لا تعلم بالتكليف فعندك عدم العلم بالتكليف، وإذا قطعت فأنت معذور لأنك تعلم بعدم التكليف فعندك علم بعدم التكليف، لذلك فإن قبح العقاب يشتد لأن العلم بعدم التكليف أقوى من عدم العلم بالتكليف.

الحالةالثانية: القطع بالتكليف:

إذا دل دليل شرعي محرز قطعي على إثبات التكليف، فترتفع البراءة العقلية لأن القطع بالتكليف منجِّز للتكليف، فالقطع بالتكليف بيان‏

32

للتكليف، وهم يقولون بقبح العقاب بلا بيان أي بلا قطع، وهذا قطع، فإذا قطع بالتكليف فإن موضوع البراءة العقلية- وهو عدم البيان- يرتفع حقيقة لأن القطع بيان، فيحسن العقاب مع القطع بالتكليف، فلا تجري البراءة العقلية، فإذا لم يأت بالتكليف المقطوع فإنه يكون مستحِقّا للعقاب ولا يقبح العقاب.

الحالة الثالثة: القطع بترخيص ظاهري:

إذا قطع بترخيص ظاهري من الشارع بترك الاحتياط أي يقول الشارع:" لا تحتط"، والترخيص الظاهري سواء كان من الأمارة- كخبر الثقة- أم من الأصل العملي- كالبراءة الشرعية-، فالعقل يقول إنك بري‏ء، والشرع يقول لا تحتط أي أنت بري‏ء، فتثبت البراءة العقلية وتتأكّد وتشتدّ.

مثلا إذا ورد خبر الثقة على عدم وجوب الدعاء عند رؤية الهلال، وقال الشارع بحجية خبر الثقة، فلا يجب على المكلف أن يحتاط، فإذا لم يأت بالدعاء فلا يستحق العقاب، فهنا تتأكّد قاعدة قبح العقاب لأن العقل يحكم بالبراءة، والشرع قال بالترخيص الظاهري، فأيّد الشرع حكم العقل.

الحالة الرابعة: القطع بعدم الترخيص الظاهري:

إذا قطع بحكم ظاهري- بالأمارة أو الأصل العملي- بأن الشارع لا يأذن بترك الاحتياط أي" خذ بالاحتياط"، مثلا إذا دل خبر الثقة على وجوب الدعاء، وقال الشارع بحجية خبر الثقة، أو جعل الشارع أصالة

33

الاحتياط الشرعية، فإذا كان الدليل الشرعي يقول" احتط" فالتكليف يتنجز بناء على مسلك حق الطاعة لأن الأصل العملي الأولي هو الاحتياط العقلي عند احتمال التكليف، ولكن بناء على مسلك قبح العقاب فإن التكليف لا يتنجز لأنه دليل ظني، والدليل الظني بناء على قاعدتهم لا حجية فيه، فيثبت طلب الشارع للاحتياط عن طريق الأمارة مثلا، والأصل العملي الأولي يقول بالبراءة العقلية، ويوجد دليل ظني على الاحتياط، وهم يقولون بقبح العقاب بلا بيان أي بلا قطع، والدليل الظني ليس بيانا على التكليف، فلا يمكن الأخذ بالدليل الظني ولا حجية فيه لأنه ليس بيانا، فلا بد أن نأخذ بحكم العقل في حالة وجود دليل ظني على الاحتياط أي يجب الأخذ بالبراءة العقلية ولا نأخذ بالاحتياط الشرعي على أساس الدليل الظني، فالدليل الظني بالاحتياط لا يتقدّم على البراءة العقلية، وحكم العقل لا نرفع اليد عنه إلا بالقطع بناء على قاعدتهم، فمع القطع لا يقبح العقاب، ومع الظن وعدم القطع يقبح العقاب، وهنا يقولون بالاحتياط مع أنه لا يوجد قطع بل يوجد ظن على التكليف، فإذا لم يحتط المكلف فإنه يعاقب مع أن عنده ظن بالتكليف، والظن عدم قطع، وهم يقولون مع عدم القطع يقبح العقاب، فبناء على مبناهم أنه مع عدم الإتيان بالتكليف المقطوع فإنه يستحق العقاب، وأما مع عدم الإتيان بالتكليف المظنون فإنه لا يستحق العقاب، ولكن في الحالة الرابعة يقولون بأنه يستحق العقاب مع عدم الإتيان بالتكليف المظنون، وهو خلاف مبناهم، وهذا إشكال يَرِدُ عليهم، فهم يقولون بالأخذ بالقطع‏

34

فقط، ولكن هنا يأخذون بالظن، فكيف يأخذون بالظن في هذه الحالة ويتركون حكم العقل القطعي؟! وكيف يقولون بالاحتياط اعتمادا على الدليل الظني وأنه إذا لم يحتط المكلف فإنه يُعاقب مع أن هذا خلاف مسلكهم القائل بقبح العقاب بلا قطع وليس بقبح العقاب بلا ظن؟

هم من ناحية عملية يلتزمون بالاحتياط وأن التكليف غير المعلوم يتنجّز اعتمادا على الدليل الظني مع أنهم من ناحية نظرية يقولون بالعمل اعتمادا على الدليل القطعي فقط، فعندهم القطع فقط ينجِّز التكليف، فكيف الظن هنا ينجِّز التكليف مع أن الظن يكون منجِّزا بناء على مسلك حق الطاعة لا على مسلكهم؟! فهل هذا دليل على أن مسلك حق الطاعة هو المسلك الصحيح؟

هم في الحالة الرابعة يلتزمون من ناحية عملية بمبنى مسلك حق الطاعة مع أنهم من ناحية نظرية يقولون بمسلك قبح العقاب بلا بيان، فبالظن يكون التكليف غير معلوم وغير مقطوع به فكيف يأخذون بالظن وعدم العلم؟

مع الظن بالتكليف لا يوجد تكليف، ولكنهم يقولون إن الظن بالتكليف ينجز التكليف، فكيف يقوم الظن الطريقي مقام القطع الطريقي في تنجيز التكليف؟

وهناك بحث أن الأمارة والأصل العملي هل يقومان مقام القطع الطريقي أو لا؟

هل ما يلتزمون به في الحالة الرابعة استثناء للقاعدة التي يقولون بها

35

أو أن التزامهم كسر لقاعدتهم؟

ويتحير أصحاب هذا المسلك في تخريج الحالة الرابعة نظريا على قاعدتهم القائلة بقبح العقاب بلا بيان، فالأمارة المثبتة للتكليف أو أصالة الاحتياط الشرعية بعد جعل الحجية لها كيف تقوم مقام القطع الطريقي حيث يتنجز التكليف مع أنه لا يزال مشكوكا وداخلا في نطاق قاعدة قبح العقاب بلا بيان، بالطبع هم يحاولون طرح بعض الحلول للخروج من هذا الإشكال كما سيأتي في الحلقة الثالثة في الجواب على (شبهة تنجز الواقع المشكوك) إن شاء الله تعالى.

ومن الحلول المطروحة القول بتنزيل الظن منزلة البيان والقطع واعتباره بيانا وقطعا وعلما تعبديا، ومعنى جعل الحجية لخبر الثقة هو جعل الطريقية والكاشفية والعلمية، وأن العلم التعبدي الجعلي تترتب عليه آثار العلم الحقيقي، ولكن يَرِدُ عليهم أنه ما هو الدليل الشرعي على هذا الاعتبار؟

إذا كان يوجد دليل شرعي على قولهم فنقول نعم قولكم صحيح، وأما إذا كان لا يوجد دليل شرعي على قولهم فنقول إن الاعتبار سهل المؤونة، ولكن كلامنا في القضايا الشرعية فلا يكون الاعتبار بمزاجنا، يمكن أيضا أن نعتبر أن الوهم بمنزلة القطع، فيكون كل ما تتوهمه من التكاليف منجَّزا، فيجب الإتيان بالتكاليف الموهومة أيضا، نحتاج إلى إثبات أن الشارع نَزَّل الظن منزلة القطع واعتبره بمنزلة القطع، فما هو الدليل الشرعي على إثبات ذلك عند القائلين بمسلك قبح العقاب بلا بيان‏

36

وبلا قطع؟ وكيف نرفع اليد عن الحكم العقلي القطعي بحكم ظني؟ وكيف يقدَّم حكم الشرع الظني على حكم العقل القطعي مع أن القطع يجب أن يقدَّم على الظن؟

بعبارة أخرى: إذا وردت أمارة أو أصل عملي يأمر بالاحتياط فأمام أصحاب مسلك قبح العقاب بلا بيان طريقان:

1- البقاء على البراءة العقلية.

2- الأخذ بالاحتياط الشرعي لورود أمارة أو أصل عملي.

إن قاعدتهم تقول إنه لا بدّ من حصول القطع بالتكليف، فهم إذا اعتمدوا على قاعدتهم النظرية فلا بدّ من الأخذ بالبراءة العقلية، ولكنهم من الناحية العملية يلتزمون في هذه الحالة بالاحتياط الشرعي، وهم بذلك يخالفون القاعدة العقلية الأولية لأن الأمارة والأصل العملي ليسا قطعيين، فكيف يأخذون بالاحتياط الشرعي عمليا مع أنه نظريا يخالف قاعدتهم؟

لذلك وقع الإشكال بأنه كيف يقدَّم الظن على الحكم العقلي المقطوع به، فكان لا بد من الالتزام بالبراءة العقلية أي أن التكليف لا يحتاط تجاهه، وكان جوابهم أن الشارع نزل الأمارة والأصل العملي منزلة القطع والبيان، وبذلك يمكن الاعتماد عليهما والعمل بالاحتياط الشرعي وترك البراءة العقلية (1).

____________

(1) يمكن رد الإشكال بعدة ردود:

37

____________

1- لا يرد هذا الإشكال على مسلك قبح العقاب بلا بيان لأن الشارع جعل الحجية للأمارة والأصل العملي أي ورد دليل قطعي على حجيتهما، فهما وإن لم يكونا قطعيين ولكن لورود القطع على الحجية يكونان قطعيين بالعرض لا بالذات، وبهذا الجواب يمكن أن نحلّ الإشكال الذي يرد عليهم.

2- يمكن رد الإشكال أيضا بأن يقيدوا قاعدتهم بأن يقولوا قبح العقاب بلا بيان إلا إذا تدخل الشارع بحكم ظاهري، ولكنهم لا يستطيعون الاستثناء لأن القاعدة عقلية والحكم العقلي لا يمكن تخصيصه والاستثناء منه.

3- البراءة العقلية تسقط لأنها تكون في احتمال التكليف مع عدم وجود النص الشرعي، ومع وجود النص الشرعي يسقط الاجتهاد بالاعتماد على الحكم العقلي، فهنا يوجد حكم عقلي في مقابل الحكم الشرعي، والحكم الشرعي مقدّم على الحكم العقلي لأننا هنا نحن بين أحد أمرين:

أ- الشرع يخالف العقل القطعي: وهذا غير صحيح.

ب- الشرع يوافق العقل القطعي: وهذا هو الصحيح لأنه لا يمكن أن يأتي حكم شرعي ويخالف العقل القطعي، ومعنى ذلك أن الحكم العقلي الذي قالوا به ليس قطعيا، وهذا يدل أن مسلك حق الطاعة هو المسلك الصحيح وأن احتمال التكليف ينجزه عقلا لا أن المكلف يكون معذَّرا وبريئا عنه عقلا.

38

الأدلّة المحرِزة

1- الدليل الشرعي.

2- الدليل العقلي.

تمهيد خاص للأدلة المحرِزة

تقسيم البحث في الأدلة المحرِزة

يقدم السيد الشهيد (قدس سره) بعض المقدمات كتمهيد قبل الدخول في بحوث الأدلة المحرزة، ويقدم السيد الشهيد فهرسا للأدلة المحرزة، وقد قسم السيد الشهيد سابقا الأدلة إلى أدلة محرزة وتشمل الأدلة القطعية والأدلة الظنية المعتبرة، وإلى أدلة غير محرزة وهي الأصول العملية، ثم أخذنا منهج مسلك حق الطاعة ومنهج مسلك قبح العقاب بلا بيان، وكان هناك إشكال على مسلك قبح العقاب، وجواب الإشكال يأتي في الحلقة الثالثة، وقلنا سابقا إن السيد الشهيد بدأ بتمهيد عام لبحث الأدلة، والآن يأتي إلى تمهيد خاص للأدلة المحرزة، فالأدلة المحرزة قسمناها إلى أدلة قطعية وأدلة ظنية، ومن حيثية أخرى يمكن تقسيم الأدلة المحرزة إلى أدلة شرعية وأدلة عقلية، والحيثيّات تختلف، ويمكن تقسيم‏

39

الشي‏ء إلى عدة أقسام من حيثيات مختلفة حسب الفائدة والثمرة التي نريدها من التقسيم كما درسنا في علم المنطق.

قلنا إن حركة الأصولي تتناسب مع حركة الفقيه، فالفقيه أول ما يبحث عنه هو الأدلة المحرزة وهي كاشفة عن الحكم الشرعي، ويبدأ أولا بالبحث عن الدليل القطعي وهو كاشف عن الحكم الشرعي كشفا تاما، فإذا لم يجده ينتقل للبحث عن الدليل الظني أو الأمارة وهي كاشفة عن الحكم الشرعي كشفا ناقصا، وإذا لم يجد دليلا محرِزا فإنه ينتقل للبحث عن الأصل العملي وهو لا يكشف عن الحكم الشرعي وإنما يحدد الوظيفة العملية في حالة الشك وعدم العلم بالتكليف والحكم الشرعي، وبهذا الترتيب تكون حركة الأصولي، وبهذا الترتيب تكون سلسلة البحوث في حلقات السيد الشهيد (قدس سره)، فيبدأ البحث في الأدلة المحرِزة ثم يأتي البحث في الأصول العملية، ثم يأتي بحث التعارض بين الأدلة.

البحث في الأدلة المحرِزة:

يعتمد الفقيه في عملية الاستنباط على عناصر مشتركة تسمى بالأدلة المحرزة، يأتي السيد الشهيد أوّلا ويقسّم البحث في الأدلة المحرزة ويذكر أنواع الأدلة المحرزة التي ذكرهما سابقا وهي الأدلة القطعية والأدلة الظنية المعتبرة التي تسمى ب-" الأمارات"، والأدلة المحرزة تنقسم من حيثيات ولحاظات واعتبارات مختلفة إلى عدّة أقسام، فالأدلة المحرزة تنقسم من حيثيّة معيَّنة إلى قسمين: أدلة قطعية، وأدلة ظنية؛ وتنقسم‏

40

من حيثية أخرى إلى قسمين: أدلة شرعية وردت من الشارع، وأدلة عقلية يقول بها العقل.

ونأتي إلى الأدلة المحرزة التي تقسّم من حيث مقدار كشفها إلى أقسام، وهي:

1- الدليل القطعي:

الدليل القطعي هو الدليل الذي يؤدي إلى القطع واليقين بالحكم الشرعي كالخبر المتواتر، أو مثل الآية الكريمة:

حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ (1).

فإن هذه الآية الكريمة نصّ في حرمة الميتة وليست ظاهرة في التحريم، وتأتي حجيته من حجية القطع لأن القطع بنفسه وبذاته حجة عقلا، فالعقل يَحْكُم- أي يُدْرِك- أن الحجية ثابتة للقطع، فحجية الدليل القطعي تكون على أساس حجية القطع، وحجية القطع تكون ثابتة بحكم العقل وبقطع النظر عن الشارع، فلا نحتاج إلى أن يأتي الشارع ويقول:" جعلت الدليل القطعي حجة"، فالدليل القطعي لا يحتاج إلى تتميم وإعطاء الحجية له من الشارع لأنه بنفسه حجة، نعم قد يساهم الشارع في إيجاد القطع عن طريق إيجاد مقدمات شرعية تؤدي إلى القطع لمن يطّلع عليها، ولكن هذا ليس هو الحجية التي نتحدّث عنها، إذا نشأ القطع عند المطّلِع فإن القطع يكون حجة، والشارع هنا لم يقل بالحجية

____________

(1) المائدة: 3.

41

ولم يساهم في إيجاد الحجية وإنما ساهم في إيجاد القطع، فالقطع لا بدّ أن يكون موجودا في رتبة سابقة على الحجية لأن القطع هو موضوع الحجية، والمحمول يدور مدار الموضوع، فإذا وُجد الموضوع ترتب المحمول عليه، وإذا لم يوجد الموضوع لم يترتّب المحمول لأن القضية تكون سالبة بانتفاء الموضوع.

ومعنى حجية القطع كونه منجِّزا ومعذِّرا، فالقطع بالتكليف منجِّز للتكليف، والقطع بعدم التكليف معذِّر للمكلف، فالقطع منجِّز ومعذِّر، والحجية لها جانبان هما المنجزية والمعذرية، فالدليل القطعي يكون منجِّزا للتكليف إذا دلّ على ثبوت التكليف، ويكون معذِّرا للمكلف إذا دلّ على نفي التكليف.

2- الدليل الظني:

الدليل الظني هو الدليل الذي يعطي ظنّا بالحكم الشرعي ويؤدي إلى الظن بالحكم الشرعي، ولكن يأتي الشارع ويعطي هذا الظن الحجية أو لا يعطيه الحجية فيقول:" خذ بهذا الدليل الظني وتعامل معه معاملة القطع" أو" لا تأخذ بهذا الدليل الظني"، فيتم البحث عن أن الشارع جعله حجة أو لم يجعله حجة.

فإذا أتى الشارع وقال خذ به فنسمّي هذا الدليل الظني" أمارة"، وإذا لم يعط الشارع الحجية لهذا الدليل الظني فإنه ساقط ولا حجية له.

مثال عدم الحجية:

القياس لا قيمة له في الاستنباط لأنه توجد أدلة كثيرة تمنع من‏

42

الاعتماد على القياس، منها:

عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله:

" من قاس شيئا من الدين برأيه قرنه الله تبارك وتعالى مع إبليس في النار فإنه أول من قاس حيث قال: خلقتني من نار وخلقته من طين، فدعوا الرأي والقياس فإن دين الله لم يوضع على القياس"

(1)

. عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال:".

. ولم يُبْنَ دين الإسلام على القياس..." (

(2)

. عن علي بن الحسين زين العابدين (عليهما السلام) قال:

" إن دين الله لا يُصَاب بالعقول الناقصة والآراء الباطلة والمقائيس الفاسدة، ولا يصاب إلا بالتسليم، فمن سَلَّمَ لنا سَلِمَ، ومن اهْتَدَى بنا هُدِيَ، ومن دان بالقياس والرأي هلك..."

(3)

الروايات ليست ساكتة عن القياس بل تدل على عدم حجية القياس؛ لأن السكوت عن الدليل الظني دليل على عدم حجيته حيث يشترط وجود دليل قطعي على الحجية لأن الأصل عند الشك في الحجية هو عدم الحجية، ويشترط في الدليل على الدليل الظني أن يكون قطعيا، فمن ناحية شرعية لا بدّ من وجود دليل قطعي على حجية الدليل الظني، فإذا علمنا بأن المولى عز وجل أمر باتّباعه فإنه يكون حجة بموجب الجعل‏

____________

(1) بحار الأنوار ج 2 ص 286 ح 3

(2) بحار الأنوار ج 2 ص 287 ح 4

(3) بحار الأنوار ج 2 ص 303 ح 41.

43

الشرعي، والقياس مثال الدليل الظني الذي لم يحصل على دليل قطعي على حجيته، بل على العكس هناك أدلة تدل على عدم حجيته.

مثال الحجية:

خبر الثقة دليل ظني يعطي ظنا بالحكم الشرعي، وأقصى ما يعطيه خبر الثقة هو الظن، فلا بدّ أن يأتي دليل قطعي من الشارع على حجية خبر الثقة، وخبر الثقة مثال الدليل الظني الذي دلّ دليل قطعي على حجيته، وحجية الدليل الظني مجعولة من الشارع وليست بحكم العقل.

ولو قلنا إنه يكفي الدليل الظني على حجية الدليل الظني للزم الدور أو التسلسل، فإذا كان الدليل الظني يسنده دليل ظني آخر فإنه يلزم منه الدور إذا كان الدليل الظني الثاني دليل على الدليل الظني الأول، والأول دليل على الثاني، أو يلزم منه التسلسل إذا كان الدليل الظني الثاني دليل على الدليل الظني الأول، ونحتاج إلى وجود دليل ثالث على الدليل الثاني، فإن كان الدليل هو دليل ظني ثالث نأتي إلى هذا الدليل الثالث ونسأل: ما هو الدليل عليه؟

فإذا كان الدليل عليه هو دليل ظني رابع فنأتي إلى هذا الدليل الرابع ونسأل: ما هو الدليل عليه؟

وهكذا يتسلسل إلى ما لا نهاية ولا ننتهي إلى حد نقف عنده.

إذن: نحتاج إلى دليل قطعي لإثبات حجية الدليل الظني، فالدليل الظني يكون حجة لأن الشارع جعله حجة، فأعطاه الشارع الجعل الشرعي بأن يكون حجة، وإن لم يعطه الشارع الحجية فإن الأصل أن الظن ليس‏

44

بحجة، ولكن عندما يعطيه الشارع الحجية فإن الدليل الظني يخرج من دائرة هذا الأصل- وهي دائرة عدم الحجية- ويدخل إلى دائرة الحجية لوجود الدليل القطعي على حجيته.

وهكذا نرى أنه نحتاج إلى وجود أدلة قطعية دائما، تارة الدليل القطعي بنفسه يعطيك حكما، وتارة أخرى الدليل القطعي يعطيك حجية للظنون، فلا بد من وجود الأدلة القطعية دائما إما بنفسها وإما بكونها أدلة على الأدلة الظنية بأن تعطي الحجية للدليل الظني.

أقسام الدليل المحرز في الفقه:

الدليل المحرز في المسألة الفقهية في علم الفقه‏ (1) سواء كان قطعيا أم ظنيا معتبرا ينقسم‏ (2) من حيث منشئه ومصدره وسبب كشفه إلى قسمين:

____________

(1) في علم الأصول نبحث عن الدليل المحرز، وفي الفقه نبحث عن العنصر الخاص وهو الآية والرواية، وأما في علم الأصول فنبحث عن العناصر المشتركة في عملية الاستنباط، فهذا التقسيم الذي ذكره السيد الشهيد هو للدليل المحرز في علم الفقه، ولا يكون صالحا لعلم الأصول لأن بحثنا في علم الأصول يكون عن العنصر المشترك لا العنصر الخاص.

(2) يقسم السيد الشهيد في كتابه" المعالم الجديدة للأصول" تقسيما آخر، فيقول (قدس سره): والدليل في المسألة الفقهية سواء كان قطعيا أو لم يكن ينقسم إلى ثلاثة أقسام:

1- الدليل اللفظي: وهو الدليل المستمد من كلام المولى، كما إذا سمعت مولاك يقول:" أقيموا الصلاة"، فنستدل بذلك على وجوب الصلاة.

45

____________

2- الدليل البرهاني: وهو الدليل المستمد من قانون عقلي عام، كما إذا ثبت لديك وجوب الوضوء بوصفه مقدمة للصلاة استنادا إلى القانون العقلي العام الذي يقول:" كلما وجب الشي‏ء وجبت مقدمته"، ويقول السيد الشهيد في هامش الكتاب: لا نريد بكلمة البرهان مصطلحها المنطقي، بل نريد بها الطريقة القياسية في الاستدلال، غير أنا تحاشينا عن استخدام كلمة" القياس" بدلا عن كلمة" البرهان" لأن لها معنى في المصطلح الأصولي يختلف عن مدلولها المنطقي الذي نريده هنا.

3- الدليل الاستقرائي: وهو الدليل المستمد من تتبّع حالات كثيرة، كما إذا استطعت أن تعرف أن أباك يأمرك بالإحسان إلى جارك الفقير عن طريق تتبّعك لذوقه وأمره بالإحسان إلى فقراء كثيرين في حالات مماثلة.

ثم يقول السيد الشهيد (قدس سره): وعلى هذا الأساس سوف نقسم البحث إلى ثلاثة أقسام، فندرس في القسم الأول الدليل اللفظي وعناصره المشتركة، وفي القسم الثاني الدليل البرهاني وعناصره المشتركة، وفي القسم الثالث الدليل الاستقرائي وعناصره المشتركة.

ثم يأتي السيد الشهيد ويتناول في الدليل اللفظي العناوين التالية: ويتعرض في التمهيد لما يلي: الوضع والعلاقة اللغوية، الاستعمال، الحقيقة والمجاز، انقلاب المجاز إلى حقيقة، تصنيف اللغة، هيئة الجملة، الرابطة التامة والرابطة الناقصة، المدلول اللغوي والمدلول النفسي، الجملة الخبرية والجملة الإنشائية، الظهور اللفظي، ثم يتناول في الفصل الأول تحديد ظهور الدليل اللفظي، ويتعرّض فيه لصيغة الأمر، صيغة النهي، الإطلاق، أدوات العموم، أداة الشرط، ويتناول في الفصل الثاني حجية الظهور.

ويتناول السيد الشهيد في الدليل البرهاني في التمهيد ما يلي: دراسة العلاقات العقلية، الطريقة القياسية، ويتعرض في الفصل الأول إلى العلاقات القائمة بين نفس الأحكام، ويتناول علاقة التضاد بين الوجوب والحرمة، واستلزام حرمة العقد

46

1- الدليل الشرعي:

الدليل الشرعي هو كل ما يصدر من الشارع مما له دلالة على الحكم الشرعي التكليفي أو الوضعي، ويشتمل الدليل الشرعي على الكتاب الكريم والسنة الشريفة، والسنة هي قول المعصوم وفعله وتقريره، والمعصوم يتمثّل في رسول الله صلى الله عليه وآله والأئمة (عليهم السلام) وفاطمة الزهراء (عليها السلام)، مثلا كلام الله تعالى في الكتاب الكريم وكلام المعصوم (عليه السلام) في السنة الشريفة يعتبران دليلين شرعيين‏ (1)،

--------------

____________

لفساده، ويتعرض في الفصل الثاني للعلاقات القائمة بين الحكم وموضوعه، ويتناول فيه الجعل والفعلية، موضوع الحكم، ويتعرض في الفصل الثالث للعلاقات القائمة بين الحكم ومتعلّقه، وفي الفصل الرابع للعلاقات القائمة بين الحكم ومقدماته، وفي الفصل الخامس للعلاقات القائمة داخل الحكم الواحد.

ويتناول السيد الشهيد في الدليل الاستقرائي في الفصل الأول الاستقراء في الأحكام ويتعرض فيه لبحث القياس خطوة من الاستقراء، وفي الفصل الثاني الدليل الاستقرائي غير المباشر، ويتعرض فيه للإجماع والشهرة، الخبر، سيرة المتشرعة، السيرة العقلائية.

(1) قول الشهيد (قدس سره): الدليل الشرعي ونعني به كل ما يصدر من الشارع مما له دلالة على الحكم الشرعي، ويشتمل ذلك على الكتاب الكريم وعلى السنة، والسنة هي قول المعصوم وفعله وتقريره.

فيأتي هنا السؤال التالي: هل الدليل الشرعي في علم الأصول هو ما يصدر من الشارع أم أنه شي‏ء آخر؟

الجواب: لا بدّ أن نلاحظ أولا تعريف القدماء للحكم الشرعي وتعريف السيد الشهيد للدليل المحرز، الحكم الشرعي عند القدماء هو الخطاب الشرعي المتعلِّق بأفعال‏

47

____________

المكلَّفين، والحكم الشرعي عند السيد الشهيد هو التشريع الصادر من الله تعالى لتنظيم حياة الإنسان، والخطابات الشرعية في الكتاب والسنة مبرزة للحكم وكاشفة عنه وليست هي الحكم الشرعي بنفسه.

والدليل المحرز عند السيد الشهيد هو الدليل الذي يحرز الحكم الشرعي ويكشف عنه، ثم قال السيد الشهيد إن الدليل المحرز الشرعي هو ما يصدر من الشارع مما له دلالة على الحكم الشرعي ويشتمل على الكتاب والسنة.

ولكننا نعلم أن الكتاب والسنة ليسا دليلين شرعيين بل هما خطابات شرعية كاشفة عن الحكم الشرعي، والخطاب الشرعي والمتن الشرعي يقع مقدمة صغرى القياس المنطقي في عملية استنباط الحكم الشرعي، والسيد الشهيد يقسم الأدلة- أي العناصر المشتركة- إلى دليل عقلي أي عنصر مشترك عقلي، ودليل شرعي أي عنصر مشترك شرعي، والعنصر المشترك لا يكون صادرا من الشارع لأن الدليل الشرعي في الأصول لا بد أن يكون عنصرا مشتركا لا خاصا، فالعنصر المشترك في علم أصول الفقه هو القاعدة الأصولية التي تطبّق على المتن الشرعي الذي يصدر من الشارع، والمتن الشرعي- أي الآية والرواية- هو الصادر من الشارع لا العنصر المشترك الذي هو الدليل الشرعي، والمتن الشرعي هو عنصر خاص لا مشترك، فيكون الدليل الشرعي هو القاعدة الأصولية التي تطبّق على ما يصدر من الشارع، والتعريف السابق بأن الدليل الشرعي هو ما يصدر من الشارع وله دلالة على الحكم الشرعي هذا التعريف في الواقع يكون للمتن الشرعي لا للدليل الشرعي.

مثال: الدليل الشرعي في الأصول هو القاعدة الأصولية مثل: صيغة الأمر ظاهرها الوجوب، هذه القاعدة تطبّق على الكتاب والسنة، فالكتاب والسنة ليسا دليلين شرعيين في علم الأصول، بل هما مجال تطبيق القواعد الأصولية، فالدليل الشرعي ليس مصدره الشرع، بل الدليل الشرعي هو ما يكون مجال الاستفادة والتطبيق فيه هو الشرع، وإذا قلنا بأن الدليل العقلي ما يكون مصدره العقل، فالمفروض أن يكون‏

48

____________

الدليل الشرعي هو ما يكون مصدره الشرع، وقلنا بأن الدليل الشرعي ليس مصدره الشرع، فتكون جهة وحيثية تقسيم الدليل مختلفة، وهذا التقسيم للدليل إلى عقلي وشرعي ليس تقسيما تاما، وكذلك فإن مجال الاستفادة من الدليل العقلي هو الشرع أيضا لأنه لا بدّ أن يكون لدينا حكم شرعي حتى تطبّق القاعدة العقلية مثل" مقدمة الواجب واجبة"، فهذه القاعدة العقلية لا بد أن تعطيها وجوب الشي‏ء لتعطيك وجوب المقدمة، وهذه قاعدة عقلية غير مستقلة، وهناك قواعد عقلية مستقلة مثل" كل ما حسّنه العقل حسّنه الشرع"، فهذه القاعدة لا تعطيها حكما شرعيا، وإنما تعطيها ما ثبت حسنه أو قبحه بنظر العقل كي تعطيك حكما شرعيا، فالعقل يكتشف الملازمة بينهما، وهذه القاعدة تنتج حكما شرعيا بدون أن تقدّم لها حكما شرعيا، وتسمى بالملازمة العقلية المستقلة لأن الطرف الأول في الملازمة عقلي غير شرعي.

نعم يطلق على الكتاب والسنة أنهما دليلان شرعيان في علم الفقه لأننا في الفقه نأخذ الكتاب والسنة كأدلة، فيكون الدليل الشرعي في الفقه عنصرا خاصا، ولكن الدليل الشرعي في الأصول هو العنصر المشترك وهو القاعدة الأصولية التي تطبق على الكتاب والسنة، والقاعدة الأصولية ليست كتابا ولا سنة وإن كنا استفدناها من الكتاب والسنة.

إشكال: إن تعريف المقسم لا بد أن يسري في الأقسام، وقد عرَّف السيد الشهيد الدليل المحرز بأنه الدليل الذي يحرز الحكم الشرعي ويكشف عنه، ومن أقسامه الدليل الشرعي الذي يعرِّفه السيد الشهيد بأنه ما يصدر من الشارع وهو الكتاب والسنة مع أن الكتاب والسنة لا يحرزان الحكم الشرعي إلا مع تطبيق القاعدة الأصولية عليهما.

وأيضا لو كان الدليل الشرعي في علم الأصول يصدر من الشارع ويكون واضحا فلا نحتاج إلى تأسيس علم باسم علم الأصول، بل يكفي أن نأخذ ما أعطانا الشارع ونطبقه ونستنبط الأحكام الشرعية منه دون جهد وتعب.

49

____________

رد الإشكال: يمكن أن يقال إن هذا التقسيم للدليل المحرز إلى الدليل الشرعي والدليل العقلي ناظر إلى مجال التطبيق، فإذا كان مجال التطبيق هو الكتاب والسنة سمينا الدليل المحرز دليلا شرعيا، مثلا قاعدة" صيغة الأمر ظاهرها الوجوب" إذا لم توجد آية أو رواية فإنه لا يمكن الاستفادة من هذه القاعدة، فهناك حاجة إلى متن شرعي دائما ليتم تطبيق الدليل الشرعي، فالدليل الشرعي يُقَدَّم له متن شرعي دائما، وإذا لم يكن مجال التطبيق هو الكتاب والسنة سميناه دليلا عقليا، والدليل العقلي لا يُقَدَّم له متن شرعي بل يُقَدَّم له حكم شرعي، فالدليل الشرعي هو ما يستفاد منه في التطبيق على المتون الشرعية، والدليل العقلي هو ما يكون مصدره العقل ويستفاد منه في التطبيق على الأحكام الشرعية.

رد الرد: ولكننا في أصول الفقه لا ننظر إلى مجال التطبيق حتى يقال بالرد السابق، بل التقسيم يكون على حيثية أنه إذا كانت القاعدة الأصولية عقلية بحتة- أي مصدرها العقل فقط- سمينا الدليل دليلا عقليا، وإذا كان مصدره الشرع أي هناك آية أو رواية دلت عليه واستنبطنا القاعدة منها حتى لو كان الدليل عقليا سمي الدليل المحرز دليلا شرعيا، فكل ما ورد من الشرع يعتبر دليلا شرعيا حتى لو كان عقليا، وكل ما كان عقليا بحتا فهو دليل عقلي.

رد آخر للإشكال: صحيح أن ما يصدر من الشارع هو الخطابات الشرعية من آيات وروايات وأفعال المعصوم وتقريراته، ولكن يمكن أن نجعل لكل ما مر عنوانا جامعا هو (الكتاب والسنة)، وهو عنوان جامع فيكون عنصرا مشتركا لا عنصرا خاصا، بمعنى آخر ننظر إلى الكتاب والسنة بالحمل الأولي الكاشف عن مصاديقه الجزئية لا بالحمل الشايع أي لا ننظر إلى المصاديق.

رد الرد: ولكن حتى هذا العنوان بالحمل الأولي لا ينفعنا هنا لأنه في الدليل الشرعي اللفظي ندرس مثلا أن صيغة الأمر تدل ظاهرا على الوجوب، وصيغة النهي تدل ظاهرا على الحرمة، والإطلاق والتقييد، والعموم والتخصيص، ومفهوم‏

50

____________

الشرط، وهذه الأشياء لا تندرج تحت الكتاب والسنة حيث لم تأت آية ولا رواية تقول بهذه القواعد.

النتيجة: من الأفضل تعريف الدليل الشرعي في علم الأصول بأنه هو القاعدة الأصولية التي تطبق على الكتاب والسنة.

بعبارة أخرى:

إن كلام الله تعالى وكلام المعصوم (عليه السلام) عبارة عن الخطابات الشرعية، والخطابات الشرعية هي عناصر خاصة، الآية والرواية عنصر خاص لا مشترك، وإذا كان الدليل الشرعي هو ما يصدر من الشارع وله دلالة على الحكم، فيكون الدليل الشرعي هو الخطاب الشرعي الذي هو عنصر خاص، ونحن في الأصول نبحث عن العنصر المشترك، فكيف يُعَرَّف الدليل الشرعي بأنه ما يصدر من الشارع فيكون الدليل الشرعي خاصا مع أنه من المفروض أن يكون الدليل الشرعي عنصرا مشتركا؟

نحن أمام طريقين: إما أن نقول إن التعريف تام وإما أن نغيِّر التعريف بما يتناسب مع علم الأصول.

الجواب: الكتاب الكريم عنصر مشترك، والعنصر الخاص هو مصداق الكتاب الكريم وهو الآية المعيَّنة، وكلام المعصوم (عليه السلام) عنصر مشترك، والعنصر الخاص هو مصداق كلام المعصوم (عليه السلام) وهو الرواية المعيَّنة، ويمكن القول بأن الدليل في علم الأصول هو العنصر المشترك وهو القاعدة التي تطبق على الآيات والروايات حتى يُسْتَنْبَط منها حكما شرعيا، والدليل الأصولي على نوعين: دليل شرعي، ودليل عقلي، والدليل الشرعي هو القاعدة التي يكون مصدرها الشرع وتكون مستفادة مما يصدر من الشارع، وهذه القواعد تأتي عن طريق البحث عن الدلالات العامة المتكررة في الآيات والروايات، مثل صيغة الأمر تدل ظاهرا على الوجوب، وصيغة النهي تدل ظاهرا على الحرمة، فالدليل الشرعي هو القاعدة الأصولية التي نستفيدها مما يصدر من الشارع ونطبقها على ما يصدر من الشارع، وما يصدر من الشارع هو العنصر

51

وسمي الدليل هنا بالشرعي لأنه جاء من الشارع ومُنْتَسِب إلى الشارع، فهذا الدليل مصدره الشرع لا العقل‏ (1).

مثال:

الصغرى: كلمة" حَيُّوا" صيغة أمر (الآية أو الرواية في علم الفقه).

الكبرى: كل صيغة أمر ظاهرها الوجوب (الدليل الشرعي من علم الأصول).

____________

الخاص ويكون له الدلالة على الحكم الشرعي بواسطة تطبيق القاعدة عليها، وما يصدر من الشارع هو الآيات والروايات، والدليل العقلي هو القاعدة التي يكون مصدرها العقل، مثل مقدمة الواجب واجبة.

وأيضا لو راجعنا الأدلة لوجدنا أن الدليل الشرعي لا يكون مصدره الشارع دائما، فأحيانا يكون مصدره اللغة أو العرف أو العقل، مثلا حجية الخبر مصدرها الشارع لأن مصدرها السيرة العقلائية وسكت عنها المعصوم (عليه السلام)، ولكن صيغة الأمر ظاهرها الوجوب مصدرها اللغة لا الشارع، والإطلاق مصدره العقل لأن العقل يرى أن المتكلم لم يذكر قيدا ومعنى ذلك أنه لا يريد القيد.

(1) من الأفضل أن نقول إن الدليل الشرعي هو ما صدر من الشرع لا من الشارع لأن ما يصدر من الشارع لا يوجد فيه اختلاف، وأما ما يوجد في الشرع فيوجد فيه التعارض، وعلى الفقيه أن يعرف كيف يحلّ هذا التعارض بين الأدلة الموجودة في الشرع لا الأدلة الصادرة من الشارع، وما نريد قوله هنا هو تنزيه الشارع من وجود التعارض والاختلاف في كلامه، وإنما الاختلاف والتعارض يقع في الأدلة التي نصل إلى أنها صدرت عن الشارع عن طريق الظن أحيانا وإن كان ظنا معتبرا وحجة، فنقول التعارض يقع في الأدلة الموجودة في الشرع لا الأدلة التي صدرت من الشارع من أجل تنزيه الشارع.

52

النتيجة: كلمة" حَيُّوا" ظاهرها الوجوب‏ (1) (الحكم الشرعي).

وقد أطلق على هذا الدليل دليل شرعي لأن الصغرى شرعية، والكبرى شرعية، وتكون النتيجة حكما شرعيا.

2- الدليل العقلي:

الدليل العقلي هو كل قضية يدركها العقل ونستطيع أن نستدل بها على الحكم الشرعي، ويمكن أن يستنبط منها الحكم الشرعي، وهذا الدليل مصدره العقل لا الشرع، والقضية تكون عبارة عن ملازمة عقلية، وهذه القضية تكون من باب الملازمات العقلية، وهذه الملازمات العقلية تنشئ قواعد عقلية تساهم في إثبات الحكم الشرعي مثل" قاعدة الحسن والقبح العقليين"، وكل ما يحسّنه العقل القطعي يحسّنه الشرع، ودور العقل أن يكتشف الملازمة بين حكمين.

إذا قلنا بوجود ملازمة عقلية بين شيئين فإنك إذا قلت بوجود الشي‏ء

____________

(1) القواعد مختلف فيها بين العلماء، فمثلا" صيغة الأمر تدل على الوجوب" قاعدة مختلف فيها بين العلماء فكيف نقول عنها إنها دليل شرعي وأنها صادرة عن الشارع مع وجود هذا الاختلاف بينهم؟

الجواب: إن العالم حينما يعتقد بصحة شي‏ء فإنه يعتقد بها على أساس الدليل، وهذا الدليل يأتي به من الشرع، فتكون القاعدة مستمدة من الشرع، وكل عالم لديه اليقين بأن القاعدة التي يقول بها هي الصحيحة مع احتمال أن تكون القاعدة الأخرى التي يقول بها العالم الآخر صحيحة، فهو على يقين من قاعدته مع احتمال صحة القاعدة الأخرى، ولكن الدليل دل على صحة القاعدة التي يعتقد بها، ولو تبيّن له فيما بعد أن القاعدة الأخرى صحيحة بأدلتها فإنه سيأخذ بها بدون أي تردّد.