دروس في الرسائل - ج3

- غلام علي‏ المحمدي البامياني المزيد...
518 /
7

[تتمة المقصد الثالث الشك‏]

[تتمة المقام الأول‏]

[تتمة الموضع الأول‏]

[تتمة المطلب الأول‏]

[تتمة المسألة الرابعة]

تنبيهات و ينبغي التنبيه على امور:

الأوّل: إنّ محلّ الكلام في الشبهة الموضوعيّة المحكومة بالإباحة ما إذا لم يكن هناك أصل موضوعي يقضي بالحرمة.

فمثل المرأة المردّدة بين الزوجة و الأجنبيّة خارج عن محلّ الكلام، لأنّ أصالة عدم علاقة الزوجيّة المقتضية للحرمة، بل استصحاب الحرمة حاكمة على أصالة الإباحة،

____________

(و ينبغي التنبيه على امور:

الأوّل: إنّ محلّ الكلام في الشبهة الموضوعيّة المحكومة بالإباحة ما إذا لم يكن هناك أصل موضوعي يقضي بالحرمة

... إلى آخره).

المصنّف (قدّس سرّه) بعد فراغه من أصالة الإباحة في الشبهة الموضوعيّة التحريميّة يبيّن ما يكون شرطا فيها، حيث يقول:

(إنّ محلّ الكلام في الشبهة الموضوعيّة المحكومة بالإباحة ما إذا لم يكن هناك أصل موضوعي يقضي بالحرمة ... إلى آخره).

ثمّ إنّ ذكره لهذا الشرط في المقام، مع كفاية ذكره في الشبهة الحكميّة على ما مرّ تفصيله، لعلّه يكون لأجل كون ذكر الشرط في بابه أولى من الاكتفاء بذكره في باب آخر، ثمّ إنّ هذا الشرط يوجب عدم جريان أصالة الإباحة في باب الفروج و الأموال و اللحوم لوجود أصل موضوعي في هذه الأبواب، كما يأتي ذكره عن قريب إن شاء اللّه تعالى.

(فمثل المرأة المردّدة بين الزوجة و الأجنبيّة خارج عن محلّ الكلام ... إلى آخره) و ذلك لوجود أصل موضوعي حاكم على أصالة الإباحة، و هو أصالة عدم حدوث علاقة الزوجيّة بينهما، و أصالة عدم وقوع النكاح عليها، حيث تقتضي الحكم بالحرمة، و مع قطع النظر عن هذا الأصل الموضوعي- أيضا- لا يجوز الرجوع إلى أصالة الإباحة من جهة استصحاب الحرمة، كما في المتن، و هذا الاستصحاب و إن كان خارجا عن المقام لكونه أصلا حكميا، إلّا إنّه حاكم على أصالة الإباحة، فتأمّل تعرف. هذا تمام الكلام في مثال الفروج.

ثم أشار المصنّف (قدّس سرّه) إلى مثال الأموال بقوله:

8

و نحوها المال المردّد بين مال نفسه و ملك الغير مع سبق ملك الغير له.

و أمّا مع عدم سبق ملك أحد عليه، فلا ينبغي الإشكال في عدم ترتّب أحكام ملكه عليه من جواز بيعه و نحوه ممّا يعتبر فيه تحقّق الماليّة.

و أمّا إباحة التصرّفات الغير المترتبة في الأدلّة على ماله و ملكه فيمكن القول به للأصل و يمكن عدمه، لأنّ الحليّة في الأملاك لا بدّ لها من سبب محلّل بالاستقراء، و لقوله (عليه السلام): (لا يحل مال إلّا من حيث أحلّه الله)

(1)

.

____________

(و نحوها المال المردّد بين مال نفسه و ملك الغير مع سبق ملك الغير له ... إلى آخره).

و صورة الاشتباه في المال المردّد بين مال نفسه و ملك الغير تكون أكثر ممّا أشار إليه المصنّف (قدّس سرّه) في المتن، فنذكر بعض هذه الصور في المقام ليتّضح ما فيها من الأحكام فنقول:

الصورة الأولى: ما إذا علم أنّه كان ملك غيره، إلّا إنّه شكّ في انتقال المال إليه قهرا كالإرث، أو اختيارا كالنقل بأحد الأسباب الشرعيّة، و قد أشار إليها (قدّس سرّه) بقوله: (مع سبق ملك الغير له ... إلى آخره) و هنا استصحاب بقاء ملك الغير وارد على أصالة الإباحة، و بذلك لا يبقى مجال لاصالة الإباحة أصلا، كما هو واضح.

و الصورة الثانية: التي أشار إليها بقوله:

(و أمّا مع عدم سبق ملك أحد عليه ... إلى آخره) أي: مع عدم العلم بسبق ملك أحد إليه، لا مع العلم بعدم سبق ملك أحد إليه، و الفرق بين التعبيرين لا يخفى على أحد، و حكم هذه الصورة هو التفصيل بين التصرف المتوقّف على الملك، كالبيع مثلا، و بين ما لم يتوقّف عليه، كالأكل و الشرب مثلا، فلا يجوز القسم الأوّل لأصالة عدم الملكيّة، و لقوله (صلّى اللّه عليه و آله): (لا بيع إلّا فيما تملك) (2).

و أمّا القسم الثاني فيجوز لكفاية أصالة عدم تملّك الغير له في جواز التصرف، فيمكن الحكم بإباحة التصرف غير المتوقّف على الملك بأصالة الإباحة لعدم أصل موضوعي‏

____________

(1) الكافي 1: 548/ 25. الوسائل 27: 156، أبواب صفات القاضي، ب 12، ح 8.

(2) غوالي اللآلئ 2: 247/ 16.

9

و مبنى الوجهين أنّ إباحة التصرّف هي المحتاجة إلى السبب فيحرم مع عدمه و لو بالأصل.

و أنّ حرمة التصرف محمولة في الأدلّة على ملك الغير، فمع عدم تملّك الغير و لو بالأصل تنتفي الحرمة.

____________

مانع عنها، إذ أصالة عدم كونه مالكا لا تمنع عن جواز التصرف، لعدم كونه متوقّفا على الملك، و يمكن الحكم بعدم جواز هذا القسم من التصرف أيضا؛ و ذلك لأنّ الحليّة في الأموال و الأملاك تحتاج إلى سبب محلّل من إذن أو ملك، و هو منتف في المقام، إذ غير الملكيّة و هو الإذن يكون منتفيا بالفرض، و الملكيّة منتفية بالأصل، فإذا انتفى السبب انتفى المسبّب، و هو إباحة التصرف غير المتوقّف على الملكيّة.

و الحاصل هو عدم جواز التصرف المتوقّف على الملكيّة، و في جواز التصرف غير المتوقّف على الملكيّة وجهان، و تقدّم مبناهما، و قد أشار إليه المصنّف (قدّس سرّه) بقوله:

(و مبنى الوجهين أنّ إباحة التصرّف هي المحتاجة إلى السبب فيحرم مع عدمه).

أي: عدم السبب و لو احرز عدمه بالأصل، كما تقدّم من أصالة عدم كونه مالكا، هذا هو الوجه لعدم جواز التصرف.

ثمّ الوجه لجوازه ما أشار إليه (قدّس سرّه) بقوله:

(و أنّ حرمة التصرف محمولة في الأدلّة على ملك الغير، فمع عدم تملّك الغير و لو بالأصل تنتفي الحرمة) و المطلب واضح لا يحتاج إلى الشرح و التوضيح.

و الصورة الثالثة: هي أن يكون المال من المباحات، إلّا إنّه نشكّ في حيازة مسلم له، أو عدمها، فحينئذ يدور أمره بين كونه من المباحات حتى يجوز التصرّف فيه، و بين كونه مال الغير حتى لا يجوز التصرّف فيه، و حكم هذه الصورة هو جواز التصرّف بأصالة الإباحة و عدم وقوع يد عليه.

و الصورة الرابعة: هي أن يكون المال ملكا له، إلّا إنّه يشك في انتقاله عن ملكه بسبب من الأسباب الشرعيّة، أو عدمه، و حكمها هو ترتّب آثار الملك عليه بأصالة عدم انتقاله عن ملكه. هذا تمام الكلام في مثال المال المردّد بين كونه مالا له أو لغيره.

و بقي الكلام في مثال اللحوم و قد أشار إليه (قدّس سرّه) بقوله:

10

و من قبيل ما لا تجري فيه أصالة الإباحة اللحم المردّد بين المذكّى و الميتة، فإنّ أصالة عدم التذكية المقتضية للحرمة و النجاسة حاكمة على أصالة الإباحة و الطهارة.

و ربّما يتخيّل خلاف ذلك:

تارة: لعدم حجيّة استصحاب عدم التذكية.

و اخرى: لمعارضة أصالة عدم التذكية بأصالة عدم الموت و الحرمة و النجاسة من أحكام الميتة.

و الأوّل مبني على عدم حجيّة الاستصحاب و لو في الامور العدمية.

و الثاني مدفوع:

____________

(و من قبيل ما لا تجري فيه أصالة الإباحة) هو (اللحم المردّد بين المذكّى و الميتة).

أي: و ممّا لا تجري فيه أصالة الإباحة، و هو اللحم المردّد بين المذكّى و الميتة، حيث يرجع إلى أصالة عدم التذكية المقتضية للحرمة و النجاسة، و هي حاكمة على أصالتي الإباحة و الطهارة؛ لكون الشكّ في الحليّة مسبّب عن الشكّ في التذكية، و من المعلوم أنّ الأصل السببي حاكم على الأصل المسبّبي.

(و ربّما يتخيّل خلاف ذلك:

تارة: لعدم حجيّة استصحاب عدم التذكية.

و اخرى: لمعارضة أصالة عدم التذكية بأصالة عدم الموت ... إلى آخره).

تخيّل جماعة كصاحب المدارك و الفاضل التوني، و السيد الصدر خلاف ما ذكر من حكومة أصالة عدم التذكية على أصالتي الإباحة و الطهارة، و ذلك لأنّهم تمسّكوا بأصالة الإباحة و الطهارة في باب الجلود و اللحوم تضعيفا لاستصحاب عدم التذكية؛ إمّا لكون المستصحب من الامور العدميّة، و عدم حجيّة الاستصحاب في الامور العدميّة، كما عن المدارك، أو لكونه معارضا باستصحاب عدم الموت، فيرجع إلى أصل آخر بعد التساقط و هو أصالة الإباحة.

و أمّا الوجه الأوّل و هو عدم حجيّة الاستصحاب في الامور العدميّة فمدفوع بحجيّة الاستصحاب في الامور العدميّة، بل اعتباره فيها مجمع عليه، كما في شرح الاعتمادي.

و أمّا الثاني و هو عدم حجيّة الاستصحاب من جهة التعارض، فمدفوع:

11

أوّلا: بأنّه يكفي في الحكم بالحرمة عدم التذكية و لو بالأصل، و لا يتوقّف على ثبوت الموت حتى ينتفي بانتفائه و لو بحكم الأصل، و الدليل عليه استثناء

ما ذَكَّيْتُمْ‏ (1)

من قوله‏

وَ ما أَكَلَ السَّبُعُ‏ (2)

، فلم يبح الشّارع إلّا ما ذكّي، و إناطة إباحة الأكل بما ذكر اسم اللّه عليه و غيره من الامور الوجوديّة المعتبرة في التذكية، فإذا انتفى بعضها و لو بحكم الأصل انتفت الإباحة.

و ثانيا: إنّ الميتة عبارة عن غير المذكّى، إذ ليست الميتة خصوص ما مات حتف أنفه،

____________

أوّلا: بكفاية إحراز عدم التذكية و لو بالأصل في الحكم بالحرمة و لا يتوقّف على ثبوت الموت حتى ينتفي بانتفائه و لو بأصالة عدم الموت، و الشاهد على أنّ الموضوع للحكم بالحرمة هو عدم التذكية لا الموت هو الاستثناء في قوله تعالى: إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ‏ (3).

فالمستفاد من هذا الاستثناء هو أنّ الحليّة منوطة بالتذكية، فتكون الحرمة منوطة بعدم التذكية، فيكفي فيها استصحاب عدم التذكية.

و ثانيا: إنّ الميتة عبارة عن غير المذكّى الشامل لما مات حتف أنفه، و ليس المراد منها خصوص ما مات حتف أنفه حتى يجري استصحاب عدم الموت كذلك، فيعارض استصحاب عدم التذكية.

و الحاصل أن الأصل المعارض لاستصحاب عدم التذكية- و هو استصحاب عدم الموت- مبنيّ على أمرين:

أحدهما: أن يكون الموضوع في الحكم بالحليّة عدم الموت.

و ثانيهما: أن يكون المراد بالميتة خصوص ما مات حتف أنفه، و كلا الأمرين محل للمنع.

أمّا الأمر الأوّل، فلأجل أنّ الموضوع في الحكم بالحليّة هو التذكية بدليل الاستثناء كما تقدّم، لا عدم الموت.

و أمّا الأمر الثاني، فلأجل أنّ الميتة في الشرع عبارة عن كلّ زهاق روح انتفى فيه شرط

____________

(1) المائدة: 3.

(2) المائدة: 3.

(3) المائدة: 3.

12

بل كلّ زهاق روح انتفى فيه شرط من شروط التذكية فهي ميتة شرعا، و تمام الكلام في الفقه.

الثاني: إنّ الشيخ الحرّ (قدّس سرّه) أورد في بعض كلماته اعتراضا على معاشر الأخباريّين.

و حاصله أنّه ما الفرق بين الشبهة في نفس الحكم و بين الشبهة في طريقه، حيث أوجبتم الاحتياط في الاوّل دون الثاني؟ و أجاب بما لفظه:

____________

من شرائط التذكية، فحينئذ لا يجري استصحاب عدم الموت حتى يعارض استصحاب عدم التذكية، فيبقى استصحاب عدم التذكية من دون معارض، فيترتّب الحكم بالحرمة و النجاسة عليه، و هو المطلوب.

(فهي ميتة شرعا).

أي: غير المذكّى الشامل لما مات حتف أنفه، أو مات بقتل فاقد لشرائط التذكية ميتة شرعا، فتكون أمرا عدميّا يحرز بالأصل عند الشكّ.

[الثاني اعتراض الشيخ الحرّ على الأخباريّين‏]

(الثاني: إنّ الشيخ الحرّ (قدّس سرّه) أورد في بعض كلماته اعتراضا على معاشر الأخباريّين ... إلى آخره).

و ما أورده الشيخ الحرّ العاملي- الذي هو من الأخباريّين- عليهم يتّضح بعد ذكر مقدمة و هي:

إنّ الأخباريّين موافقون للاصوليين في الشبهة الموضوعيّة التي تسمّى عندهم بالشبهة في طريق الحكم، حيث يقولون بالبراءة فيها كالاصوليّين، و إنّما الخلاف بينهما في الشبهة الحكميّة، حيث يقول الأخباريّون فيها بوجوب الاحتياط، فهم يفرّقون بين الشبهتين الموضوعيّة و الحكميّة في الحكم، حيث يقولون في الاولى بالبراءة، و في الثانية بوجوب الاحتياط.

إذا عرفت هذه المقدّمة يتضح لك ما أورده الحرّ العاملي بقوله:

(ما الفرق بين الشبهة في نفس الحكم و بين الشبهة في طريقه، حيث أوجبتم الاحتياط في الأوّل دون الثاني؟).

و قد تنبّه إلى هذا السؤال الحرّ العاملي (قدّس سرّه) فأجاب عنه بما يتّضح بعد بيان أقسام الشبهة و هي عنده ثلاثة:

13

«إنّ حدّ الشبهة في الحكم ما اشتبه حكمه الشرعي، أعني: الإباحة و التحريم، و حدّ الشبهة في طريق الحكم الشرعي ما اشتبه فيه موضوع الحكم، كاللحم المشترى من السوق لا يعلم أنّه مذكّى أو ميتة، مع العلم بحكم المذكّى و الميتة، و يستفاد هذا التقسيم من أحاديث و من وجوه عقليّة مؤيّدة لتلك الأحاديث و يأتي بعضها و قسم متردّد بين القسمين، و هي الأفراد التي ليست بظاهرة الفرديّة لبعض الأنواع، و ليس اشتباهها بسبب شي‏ء من الامور الدنيويّة كاختلاط الحلال بالحرام، بل اشتباهها لأمر ذاتي، أعني: اشتباه صنفها في نفسها كبعض أفراد الغناء الذي قد ثبت تحريم نوعه و اشتبه أنواعه في أفراد يسيرة، و بعض أفراد الخبائث الذي قد ثبت تحريم نوعه و اشتبه بعض أفراده حتى اختلف العقلاء فيها، و منها شرب التتن و هذا النوع يظهر من الأخبار دخوله في الشبهات التي ورد الأمر باجتنابها.

و هذه التفاصيل تستفاد من مجموعة الأحاديث، و نذكر ممّا يدلّ على ذلك وجوها:

____________

القسم الأوّل: هي الشبهة الحكميّة التي تسمّى بالشبهة في نفس الحكم، و هي ما اشتبه حكمه الشرعي، و هذا التعريف للشبهة الحكميّة مخالف لما تقدّم من المصنّف (قدّس سرّه) من أنّ الشبهة الحكميّة ما يكون منشأ الاشتباه فيه عدم النصّ، أو إجماله أو تعارضه، سواء كان المشتبه نفس الحكم أو موضوعه الكلّي.

و القسم الثاني: هي الشبهة الموضوعيّة التي تسمّى بالشبهة في طريق الحكم و هي ما اشتبه موضوع الحكم الشرعي، كاللحم المشترى من السوق، حيث يكون مردّدا بين المذكّى و هو معلوم الحليّة، و بين الميتة و هي معلومة الحرمة، و هذا التعريف للشبهة الموضوعيّة- أيضا- مخالف لما تقدّم من المصنّف (قدّس سرّه) في تعريف الشبهة الموضوعيّة، كما لا يخفى.

و القسم الثاني: هو المردّد بينهما، حيث يكون المشتبه هو الحكم و الموضوع معا، و ذلك كبعض أفراد الغناء، مثل الصوت المرجّع بلا طرب المشكوك دخوله في الغناء المحرّم شرعا، فيكون مردّدا بين ما هو المحرّم، و بين ما ليس بمحرّم، و يكون حكمه- أيضا- مردّدا بين الحرمة و الإباحة، ثمّ إنّ القسم الثالث يلحق حكما بالقسم الأوّل فيجب فيه الاحتياط كالقسم الأوّل، و القسم الثاني لا يجب فيه الاحتياط، و الدليل على هذا الفرق و التفصيل وجوه:

14

منها: قوله (عليه السلام): (كلّ شي‏ء فيه حلال و حرام فهو لك حلال)

(1)

.

فهذا و أشباهه صادق على الشبهة في طريق الحكم- إلى أن قال-:

و إذا حصل الشكّ في تحريم الميتة لم يصدق عليها أنّ فيها حلالا و لا حراما».

أقول: إن كان مطلبه أنّ هذه الرواية و أمثالها مخصّصة لعموم ما دلّ على وجوب التوقّف و الاحتياط في مطلق الشبهة، و إلّا فجريان أصالة الإباحة في الشبهة الموضوعيّة لا

____________

(منها: قوله (عليه السلام): (كلّ شي‏ء فيه حلال و حرام فهو لك حلال).

إذ أخبار الحلّ تدلّ على الحليّة في الشبهة الموضوعيّة، كما أشار (قدّس سرّه) إلى وجه ذلك بقوله:

(فهذا و أشباهه صادق على الشبهة في طريق الحكم) فيكون دليلا على الحليّة في الشبهة الموضوعيّة.

(و إذا حصل الشكّ في تحريم الميتة لم يصدق عليها أنّ فيها حلالا و حراما).

قال الحرّ العاملي: إذا شكّ في تحريم الميتة من باب الفرض، لم يصدق عليها أنّ فيها حلالا و حراما، حتى تكون الشبهة فيها شبهة في طريق الحكم، و لذلك يحكم فيها بالحليّة لقوله (عليه السلام): (كلّ شي‏ء فيه حلال و حرام فهو لك ... إلى آخره).

و أمّا إذا شكّ في تحريم اللحم المشترى من السوق، فإنّه يصدق عليه أنّ فيه حلالا و هو المذكّى، و حراما و هو الميتة، فيحكم بالحليّة لما دلّ على الحلّ في موارد الشبهة الموضوعيّة، لكون الشبهة- حينئذ- شبهة موضوعيّة.

و بالجملة، إنّ المستفاد من أخبار الحلّ هو الحكم بالحليّة و الإباحة في الشبهة التي في طريق الحكم فقط.

ثم أورد المصنّف (قدّس سرّه) على استدلال الحرّ العاملي بقوله:

(أقول: إن كان مطلبه أنّ هذه الرواية و أمثالها مخصّصة لعموم ما دلّ على وجوب التوقّف و الاحتياط في مطلق الشبهة ... إلى آخره).

و حاصل الإيراد هو أن مراد الحرّ العاملي، إن كان وجوب التوقّف و الاحتياط بما دلّ‏

____________

(1) الفقيه 3: 216/ 1002. التهذيب 9: 79/ 337. الوسائل 17: 88، أبواب ما يكتسب به، ب 4، ح 1.

15

ينفي جريانها في الشبهة الحكميّة مع أنّ سياق أخبار التوقّف و الاحتياط يأبى عن التخصيص من حيث اشتمالها على العلّة العقليّة لحسن التوقّف و الاحتياط، أعني: الحذر من الوقوع في الحرام و الهلكة.

فحملها على الاستحباب أولى.

____________

على وجوب التوقّف و الاحتياط في مطلق الشبهة، حكميّة كانت أو موضوعيّة، إلّا إنّ أخبار الحلّ كالرواية المتقدّمة و أمثالها مخصّصة لعموم أخبار التوقّف و الاحتياط، كانت النتيجة وجوب التوقّف و الاحتياط في الشبهة الحكميّة فقط دون الموضوعيّة، و هو المطلوب.

و لا بدّ أن يكون مراده ذلك‏ (و إلّا فجريان أصالة الإباحة في الشبهة الموضوعيّة لا ينفي جريانها في الشبهة الحكميّة).

و إن لم يكن مراده ما ذكر من التخصيص، بل كان المراد أنّ أخبار الحلّ تدلّ على الإباحة في الشبهة الموضوعيّة فقط، لما تمّ ما ذكره من الفرق و التفصيل بين الشبهة الموضوعيّة و الحكميّة؛ و ذلك لأنّ جريان أصالة الإباحة في الشبهة الموضوعيّة لأخبار الحلّ لا ينافي جريانها في الشبهة الحكميّة بما دلّ على الإباحة و الحليّة فيها كقوله (عليه السلام): (كلّ شي‏ء مطلق حتى يرد فيه نهي) (1) من الشارع.

فالحاصل أنّه لا بدّ من الالتزام باختصاص ما دلّ على الإباحة و الحليّة بالشبهة الموضوعيّة، ثمّ الالتزام بكونه مخصّصا لعموم ما دلّ على وجوب التوقّف، و الاحتياط حتى يتمّ التفصيل المذكور، فيكون التفصيل المتقدّم مبنيّا على التخصيص.

و التخصيص غير صحيح، لأنّ سياق أخبار التوقّف و الاحتياط يأبى عن التخصيص من جهة كونها مشتملة على العلّة العقليّة الجارية في جميع أفراد الشبهة، و هي الحذر من الوقوع في الحرام و الهلكة، فتخصيص الحكم بوجوب التوقّف و الاحتياط ببعض الأفراد ينافي مقتضى العلّة العقليّة المشتركة بينها.

(فحملها على الاستحباب أولى).

أي: حمل أخبار التوقّف و الاحتياط على الاستحباب أولى، سواء كانت الشبهة حكميّة

____________

(1) الفقيه 1: 208/ 937. الوسائل 27: 174، أبواب صفات القاضي، ب 12، ح 67.

16

ثمّ قال: «و منها: قوله (صلّى اللّه عليه و آله): (حلال بيّن و حرام بيّن و شبهات)

(1)

و هذا انّما ينطبق على الشبهة في نفس الحكم و إلّا لم يكن الحلال البيّن و لا الحرام البيّن و لا يعلم أحدهما من الآخر إلّا علّام الغيوب، و هذا ظاهر واضح».

أقول: فيه- مضافا إلى ما ذكرنا من إباء سياق الخبر عن التخصيص- إنّ رواية التثليث التي هي العمدة من أدلّتهم ظاهرة في حصر ما يبتلى به المكلّف من الأفعال في ثلاثة، فإن‏

____________

أو موضوعيّة، و بذلك لا يتمّ ما ذكره الحرّ العاملي (قدّس سرّه) من التفصيل بين الشبهة الموضوعيّة و الحكميّة بوجوب الاحتياط في الثاني دون الأوّل.

نعم، يمكن أن يكون مراد الحرّ العاملي (قدّس سرّه) اختصاص أخبار التوقّف و الاحتياط في الشبهة الحكميّة، كما يكون مراده اختصاص أخبار الحلّ في الشبهة الموضوعيّة، و حينئذ يتمّ التفصيل من دون حاجة إلى التخصيص، و لا يرد عليه ما أورده المصنّف (قدّس سرّه).

(ثمّ قال: «و منها: قوله (صلّى اللّه عليه و آله): (حلال بيّن و حرام بيّن و شبهات) و هذا إنّما ينطبق على الشبهة في نفس الحكم و إلّا لم يكن الحلال البيّن، و لا الحرام البيّن، و لا يعلم أحدهما من الآخر إلّا علّام الغيوب).

و ملخّص الكلام أنّ هذا التثليث ينطبق على الشبهة الحكميّة، إذ البيّن هو الحكم الشرعي لا الموضوع الخارجي، إذ ليس موضوع من الموضوعات الخارجيّة إلّا و يحتمل فيه الحرمة لجهة من الجهات فقول النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) في ذيل الحديث المنطبق على الشبهة الحكميّة: (فمن ترك الشبهات نجى من المحرّمات، و من أخذ بالشبهات وقع في المحرّمات، و هلك من حيث لا يعلم) (2)، يدلّ على وجوب الاجتناب عن الشبهات في الشبهة الحكميّة فقط، و هو المطلوب.

(أقول: فيه مضافا إلى ما ذكرنا من إباء سياق الخبر عن التخصيص أنّ رواية التثليث التي هي العمدة من أدلّتهم ظاهرة في حصر ما يبتلى به المكلّف من الأفعال في ثلاثة ... إلى‏

____________

(1) الكافي 1: 68/ 10. الفقيه 3: 6/ 18. التهذيب 6: 302/ 845. الوسائل 27: 157، أبواب صفات القاضي، ب 12، ح 9.

(2) الكافي 1: 68/ 10. الفقيه 3: 6/ 18. التهذيب 6: 302/ 845. الوسائل 27: 157، أبواب صفات القاضي، ب 12، ح 9.

17

كانت عامّة للشبهة الموضوعيّة- أيضا- صحّ الحصر، و إن اختصّت بالشبهة الحكميّة كان الفرد الخارجي المردّد بين الحلال و الحرام قسما رابعا لأنّه ليس حلالا بيّنا و لا حراما بيّنا و لا مشتبه الحكم.

و لو استشهد بما قبل النبوي من قول الصادق (عليه السلام): (إنّما الامور ثلاثة)

(1)

كان ذلك أظهر

____________

آخره).

و حاصل إيراد المصنّف (قدّس سرّه) على استدلال الحرّ العاملي (قدّس سرّه) بحديث التثليث على وجوب الاحتياط في الشبهة الحكميّة هو فساد استدلال الحرّ العاملي لوجهين:

الوجه الأوّل: إنّ حديث التثليث يشمل الشبهة الحكميّة الوجوبيّة، فلو دلّ على وجوب الاحتياط في الشبهة الحكميّة، لدلّ على وجوبه في الشبهة الحكميّة الوجوبيّة، و التالي باطل لعدم وجوب الاحتياط في الشبهة الحكميّة الوجوبيّة بالاتّفاق، فالمقدّم- أيضا- باطل و إلّا لزم تخصيص الخبر بإخراج الشبهة الوجوبيّة عنه، و لا يجوز الالتزام بالتخصيص لما في المتن‏ (من إباء سياق الخبر عن التخصيص).

فلا بدّ من القول بعدم دلالة رواية التثليث على وجوب الاحتياط في الشبهة الحكميّة مطلقا، و بذلك يكون الاستدلال بها على وجوب الاحتياط فيها فاسدا، هذا ما أشار إليه المصنّف (قدّس سرّه) بقوله:

(مضافا إلى ما ذكرنا من إباء سياق الخبر عن التخصيص).

الوجه الثاني: إن حديث التثليث ظاهر في حصر ما يبتلى به المكلّف من الأفعال في ثلاثة أي: حلال بيّن، و حرام بيّن، و شبهات بين ذلك، و حينئذ فإن كان شاملا للشبهة الموضوعيّة صحّ الحصر، و إن كان مختصّا بالشبهة الحكميّة لا يصحّ الحصر، و ذلك لخروج الفرد الخارجي المردّد بين الحلال و الحرام عنه بالفرض لكون الشبهة فيه موضوعيّة، فلا يدخل في المشتبه بالشبهة الحكميّة حتى يكون من الشبهات بين ذلك، و إنّما سيكون أمرا رابعا، و بذلك يبطل حصر ما يبتلى به المكلّف من الأفعال في الثلاثة، فلا بدّ حينئذ من القول بشمول حديث التثليث للشبهة الموضوعيّة، حتى يتمّ الحصر المذكور، فيكون‏

____________

(1) الكافي 1: 68/ 10. الفقيه 3: 6/ 18. التهذيب 6: 302/ 845. الوسائل 27: 157، أبواب صفات القاضي، ب 12، ح 9.

18

في الاختصاص بالشبهة الحكميّة، إذ المحصور في هذه الفقرة الامور التي يرجع فيها إلى بيان الشارع فلا يرد إخلاله بكون الفرد الخارجي المشتبه أمرا رابعا للثلاثة.

و امّا ما ذكره: «من المانع لشمول النبوي للشبهة الموضوعيّة من أنّه لا يعلم الحلال من الحرام إلّا علّام الغيوب».

____________

الاستدلال به على وجوب الاحتياط في الشبهة الحكميّة فقط فاسدا.

(و لو استشهد بما قبل النبوي من قول الصادق (عليه السلام): (إنّما الامور ثلاثة)).

أي: أمر بيّن رشده فيتبع، و أمر بيّن غيّه فيجتنب، و أمر مشكل يردّ حكمه إلى اللّه تعالى و رسوله (صلّى اللّه عليه و آله).

(كان ذلك أظهر في الاختصاص بالشبهة الحكميّة) بقرينة ردّ الأمر المشكل إلى الشارع.

و من المعلوم أنّ ما يرجع إلى بيان الشارع في رفع الاشتباه عنه تكون الشبهة فيه حكميّة، فالمحصور في هذه الرواية هي الامور التي يرجع فيها إلى بيان الشارع، و هي منحصرة في الثلاثة، فلا يرد على هذا الحصر ما ورد في الحصر المذكور في النبوي من أنّ الفرد الخارجي المردّد بين الحلال و الحرام أمر رابع، إذ الفرد الخارجي المردّد بين الحلال و الحرام خارج عن المحصور في الرواية، فوجوده لا يضرّ بحصر ما هو المقصود حصره، هذا بخلاف المحصور في النبوي حيث يكون ما يبتلى به المكلّف من الأفعال و الفعل الخارجي المردّد بين الحلال و الحرام يكون ممّا يبتلى به المكلّف فيكون داخلا في المحصور، فلو قلنا بخروجه عن النبوي باعتبار اختصاصه بالشبهة الحكميّة، لكان أمرا رابعا، فلا يصحّ حصر ما يبتلى به المكلّف من الأفعال في الثلاثة على ما تقدّم.

(و أمّا ما ذكره: «من المانع لشمول النبوي للشبهة الموضوعيّة من أنّه لا يعلم الحلال من الحرام إلّا علّام الغيوب»).

أي: إنّ ما ذكره الحرّ العاملي (قدّس سرّه) من المانع العقلي من شمول النبوي للشبهة الموضوعيّة، من أنّ البيّن عندنا هو الحلال و الحرام من حيث الحكم، و أمّا الحلال و الحرام من حيث الموضوع فلا يعلمهما إلّا اللّه العلّام لجميع الغيوب، و الحديث النبوي يبيّن لنا ما هو البيّن عندنا و هو الحلال و الحرام من حيث الحكم، لا ما هو البيّن عند اللّه حتى يشمل الشبهة الموضوعيّة، فمردّد، كما أشار إليه بقوله:

19

ففيه: إنّه إن اريد عدم وجودهما، ففيه ما لا يخفى. و إن أريد ندرتهما، ففيه: إنّ الندرة تمنع من اختصاص النبوي بالنادر لا من شمولها له، مع أنّ دعوى كون الحلال البيّن من حيث الحكم أكثر من الحلال البيّن من حيث الموضوع قابلة للمنع، بل المحرّمات الخارجيّة المعلومة أكثر بمراتب من المحرّمات الكلّيّة المعلوم تحريمها.

ثم قال: «و منها: ما ورد من الأمر البليغ باجتناب ما يحتمل الحرمة و الإباحة بسبب تعارض الأدلّة و عدم النصّ، و ذلك واضح الدلالة على اشتباه نفس الحكم الشرعي».

____________

(ففيه: إنّه إن اريد عدم وجودهما ففيه ما لا يخفى).

إذ كلاهما موجود، فإنّ ماء النبع و الغزال في الجبال- مثلا- من الحلال البيّن، و الخمر و الميسر- مثلا- من الحرام البيّن.

(و إن اريد ندرتهما ففيه ... إلى آخره).

أي: و إن اريد ندرة الحلال و الحرام البيّنين من حيث الموضوع، ففيه:

أوّلا: إنّ الندرة لا تمنع عن شمول النبوي للنادر، بل تمنع عن اختصاصه به.

و ثانيا: نمنع كثرة الحلال و الحرام البيّنين من حيث الحكم، و ندرتهما من حيث الموضوع، بل الأمر بالعكس؛ لأنّ المحرّمات الخارجيّة المعلومة أكثر بمراتب من المحرّمات الكلّيّة المعلومة.

و بالجملة، إنّا نمنع أوّلا: من أكثريّة المحلّلات من حيث الحكم من المحلّلات من حيث الموضوع. و ثانيا: ندّعي أكثريّة المحرّمات من حيث الموضوع من المحرّمات من حيث الحكم.

(ثم قال: «و منها: ما ورد من الأمر البليغ باجتناب ما يحتمل الحرمة و الإباحة بسبب تعارض الأدلّة، و عدم النصّ، و ذلك واضح الدلالة على اشتباه نفس الحكم الشرعي»)

قال الحرّ العاملي (قدّس سرّه) في مقام الاستدلال على التفصيل المزبور: إنّ من جملة ما يدلّ على وجوب الاحتياط في الشبهة الحكميّة ما ورد من الأمر باجتناب ما يحتمل الحرمة و الإباحة فيما إذا كان الاشتباه من جهة تعارض النصّين، أو عدم النصّ، و من المعلوم أنّ الشبهة فيما إذا كان الاشتباه فيها من جهة تعارض النصّين، أو عدم النصّ حكميّة، فالمستفاد ممّا دلّ على وجوب الاجتناب عن محتمل الحرمة في مورد تعارض الأدلّة،

20

أقول: ما دلّ على التخيير و التوسعة مع التعارض و على الإباحة مع عدم ورود النهي، و إن لم يكن في الكثرة بمقدار أدلّة التوقّف و الاحتياط، إلّا إنّ الانصاف أنّ دلالتها على الإباحة و الرخصة أظهر من دلالة تلك الأخبار على وجوب الاجتناب.

قال: و منها: «إنّ ذلك وجه للجمع بين الأخبار لا يكاد يوجد وجه أقرب منه».

أقول: مقتضى الإنصاف أنّ حمل أدلّة الاحتياط على الرجحان المطلق أقرب ممّا ذكره.

____________

كخبر الغوالي‏ (1)، و ما دلّ على وجوب التوقّف و الاحتياط في مورد عدم النصّ هو وجوب الاحتياط في الشبهة الحكميّة، فيكون دليلا على التفصيل.

(أقول: ما دلّ على التخيير و التوسعة مع التعارض و على الإباحة مع عدم ورود النهي، و إن لم يكن في الكثرة بمقدار أدلّة التوقّف و الاحتياط ... إلى آخره).

و حاصل إيراد المصنّف (قدّس سرّه) على الاستدلال المذكور هو أنّ ما دلّ على وجوب الاحتياط في باب التعارض معارض بما دلّ على التخيير في هذا الباب.

و كذلك ما دلّ على وجوب التوقّف و الاحتياط في ما لا نصّ فيه معارض بما دلّ على الرخصة و الإباحة.

ثمّ مجموع ما دلّ على وجوب الاحتياط في الموردين و إن كان كثيرا عددا إلّا إنّ دلالة ما دلّ على البراءة فيهما تكون أقوى و أظهر، فيتقدّم على ما دلّ على وجوب الاحتياط.

(قال: و منها: «إنّ ذلك وجه للجمع بين الأخبار لا يكاد يوجد وجه أقرب منه»).

و حاصل هذا الاستدلال هو أنّ الأخبار متعارضة فمنها ما يدلّ على وجوب الاحتياط مطلقا، و منها ما يدلّ على البراءة كذلك، و مقتضى قاعدة الجمع العرفي- الجمع مهما أمكن أولى من الطرح- هو التفصيل بحمل ما دلّ على وجوب الاحتياط على الشبهة الحكميّة، و ما دلّ على البراءة على الشبهة الموضوعيّة.

(أقول: مقتضى الإنصاف أنّ حمل أدلّة الاحتياط على الرجحان المطلق أقرب ممّا ذكره).

و حاصل ما ذكره المصنّف (قدّس سرّه) هو أن نحمل ما دلّ على وجوب الاحتياط على الطلب‏

____________

(1) غوالي اللآلئ 4: 133/ 229.

21

ثمّ قال ما حاصله: «و منها: إنّ الشبهة في نفس الحكم يسأل عنها الإمام (عليه السلام) بخلاف الشبهة في طريق الحكم، لعدم وجوب السؤال عنه، بل علمهم بجميع أفراده غير معلوم أو معلوم العدم لأنّه من علم الغيب، فلا يعلمه إلّا اللّه و إن كانوا يعلمون منه ما يحتاجون إليه و إذا شاءوا أن يعلموا شيئا علموه» انتهى.

أقول: ما ذكره من الفرق لا مدخل له، فإنّ طريق الحكم لا يجب الفحص عنه و إزالة الشبهة فيه، لا من الإمام (عليه السلام) و لا من غيره من الطرق المتمكّن منها، و الرجوع إلى الإمام (عليه السلام) إنّما يجب فيما تعلّق التكليف فيه بالواقع على وجه لا يعذر الجاهل المتمكّن من العلم،

____________

المشترك بين الوجوب و الندب، فنحكم بوجوب الاحتياط في موارد الشكّ في المكلّف به و استحبابه في موارد الشكّ في أصل التكليف مطلقا.

(ثمّ قال ما حاصله: «و منها: إنّ الشبهة في نفس الحكم يسأل عنها الإمام (عليه السلام) بخلاف الشبهة في طريق الحكم لعدم وجوب السؤال عنه ... إلى آخره).

و حاصل تقريب هذا الوجه على التفصيل كما في شرح الاعتمادي أنّ الشبهة الحكميّة يسأل عنها الإمام (عليه السلام) عند التمكّن، كزمان حضوره (عليه السلام)، فيجب الاحتياط عند عدم تمكّن المكلّف لرفع الشبهة بالسؤال عنه، كزمان غيبته (عليه السلام)، و هذا بخلاف الشبهة الموضوعيّة حيث لا يجب السؤال عن الإمام (عليه السلام) عند التمكّن، فلا يجب فيها الاحتياط عند التعذر، و هو المطلوب.

(بل علمهم) الحضوري‏ (بجميع أفراده) أي: الموضوع‏ (غير معلوم أو معلوم العدم لأنّه من علم الغيب، فلا يعلمه إلّا اللّه و إن كانوا يعلمون منه) أي: الغيب‏ (ما يحتاجون إليه و إذا شاءوا أن يعلموا شيئا علموه).

(أقول: ما ذكره من الفرق لا مدخل له).

و حاصل إيراد المصنّف (قدّس سرّه) على الاستدلال المذكور هو أنّ ما ذكره الحرّ العاملي (قدّس سرّه) من الفرق من جهة أنّ وجوب السؤال من الإمام (عليه السلام) في الشبهة الحكميّة عند التمكّن يلازم وجوب الاحتياط عند التعذّر، لا مدخل له في المقام أصلا، لعدم الملازمة بين وجوب السؤال عند التمكّن و بين وجوب الاحتياط عند التعذّر.

و ما ذكره من الفرق إنّما يتمّ في صورة الملازمة، و أمّا على فرض عدم الملازمة، كما هو

22

و أمّا مسألة مقدار معلومات الإمام (عليه السلام) من حيث العموم و الخصوص و كيفيّة علمه بها من حيث توقّفه على مشيّتهم أو على التفاتهم إلى نفس الشي‏ء أو عدم توقّف على ذلك، فلا يكاد يظهر من الأخبار المختلفة في ذلك ما تطمئن به النفس، فالأولى و وكول علم ذلك إليهم (صلوات اللّه عليهم أجمعين).

ثم قال: «و منها: إنّ اجتناب الشبهة في نفس الحكم أمر ممكن مقدور، لأنّ انواعه محصورة بخلاف الشبهة في طريق الحكم فاجتنابها غير ممكن، لما أشرنا إليه من عدم وجود الحلال البيّن و لزوم تكليف ما لا يطاق، و الاجتناب عمّا يزيد على قدر الضرورة حرج عظيم‏

____________

كذلك، لا يجب الاحتياط في الشبهة الحكميّة عند عدم تمكّن المكلّف من السؤال، بل يجب الرجوع إلى البراءة بأدلّة البراءة بعد الفحص و اليأس عن الدليل الدال على الحرمة، هذا في الشبهة الحكميّة، و أمّا في الشبهة الموضوعيّة، فلا يجب السؤال من الإمام (عليه السلام) حتى عند التمكّن، و لا من غيره؛ لأنّ الجاهل بالموضوع معذور مطلقا كما سيأتي.

فالحاصل هو الرجوع إلى البراءة في الشبهة الموضوعيّة مطلقا، و في الشبهة الحكميّة عند عدم تمكّن إزالة الشبهة بالسؤال عن الإمام (عليه السلام)، أو بالفحص عن الأدلّة، و بذلك لا يتمّ التفصيل المذكور.

(و أما مسألة مقدار معلومات الإمام (عليه السلام) من حيث العموم و الخصوص و كيفيّة علمه بها من حيث توقّفه على مشيّتهم).

بمعنى: إنّ الأئمة (عليهم السلام) إن شاءوا أن يعلموا شيئا علموه، فيكون علمهم إراديا.

(أو عدم توقف على ذلك).

أي: على المشيّة و الالتفات، فيكون علمهم حضوريا.

(فلا يكاد يظهر من الأخبار المختلفة في ذلك ما تطمئن به النفس، فالأولى و وكول علم ذلك إليهم (عليهم السلام)) لأنّهم أعلم بكيفيّة علمهم، هذا ما ينبغي ذكره في المقام.

و أمّا بسط الكلام في علم الإمام (عليه السلام) فهو خارج عن المقام.

(ثمّ قال: «و منها: إنّ اجتناب الشبهة في نفس الحكم أمر ممكن مقدور لأنّ أنواعه محصورة بخلاف الشبهة في طريق الحكم فاجتنابها غير ممكن ... إلى آخره).

و حاصل تقريب هذا الوجه الذي استدل به الحرّ العاملي (قدّس سرّه) على التفصيل هو أن‏

23

و عسر شديد؛ لاستلزامه الاقتصار في اليوم و الليلة على لقمة واحدة و ترك جميع الانتفاعات» انتهى.

أقول: لا ريب أنّ أكثر الشبهات الموضوعيّة لا يخلو عن أمارات الحلّ و الحرمة كيد المسلم و السوق و أصالة الطهارة و قول المدّعي بلا معارض و الاصول العدميّة المجمع عليها عند المجتهدين و الأخباريّين على ما صرّح به المحدّث الاسترآبادي، كما سيجي‏ء نقل كلامه في الاستصحاب، و بالجملة، فلا يلزم حرج من الاجتناب في الموارد الخالية عن هذه الأمارات لقلّتها.

قال: «و منها: إنّ اجتناب الحرام واجب عقلا و نقلا و لا يتمّ إلّا باجتناب ما يحتمل التحريم ممّا اشتبه حكمه الشرعي و من الأفراد الغير الظاهرة بالفرديّة و ما لا يتمّ الواجب إلّا

____________

اجتناب الشبهة في نفس الحكم أمر ممكن مقدور؛ لأنّ أنواعه قليلة محصورة، بخلاف الشبهة في طريق الحكم، فإنّ اجتنابها غير ممكن، لكثرة الأنواع التي ورد النص بإباحتها، فالاجتناب عنها يسبب الحرج العظيم، و العسر الشديد، و التكليف بما لا يطاق.

فالحاصل هو التفصيل بوجوب الاحتياط في الشبهة الحكميّة، لكونه مقدورا، و عدمه في الشبهة الموضوعيّة لكون الاحتياط فيها مستلزما لما ذكر من المحاذير التي لا يجوز الالتزام بها عقلا و شرعا.

(أقول: لا ريب أنّ أكثر الشبهات الموضوعيّة لا يخلو عن أمارات الحلّ و الحرمة كيد المسلم و السوق ... إلى آخره).

و حاصل إيراد المصنّف (قدّس سرّه) على الاستدلال المذكور هو أن الشبهات الموضوعيّة و إن كانت كثيرة إلّا إنّه لا يجب الاجتناب عن جميع مواردها حتى يقال: إنّ الاجتناب عنها غير ممكن، بل يجب الاجتناب عنها في الموارد التي تكون خالية عن أمارات الحلّ و الحرمة و هي قليلة محصورة، فيكون الاجتناب عنها أمرا ممكنا مقدورا، كالاجتناب عن الشبهة في نفس الحكم.

(قال: «و منها: إنّ اجتناب الحرام واجب عقلا و نقلا، و لا يتمّ إلّا باجتناب ما يحتمل التحريم ... إلى آخره).

و أصل هذا الوجه مبنيّ على وجوب مقدّمة الواجب، فيقال: إنّ الاجتناب عن الحرام‏

24

به و كان مقدورا فهو واجب إلى غير ذلك من الوجوه، و إن أمكن المناقشة في بعضها، فمجموعها دليل كاف شاف في هذا المقام، و اللّه أعلم بحقائق الامور و الأحكام» انتهى.

أقول: الدليل المذكور أولى بالدلالة على وجوب الاجتناب من الشبهة في طريق الحكم، بل لو تمّ لم يتمّ إلّا فيه، لأنّ وجوب الاجتناب عن الحرام لم يثبت إلّا بدليل حرمة ذلك الشي‏ء، أو أمر وجوب إطاعة الأوامر و النواهي ممّا ورد في الشرع و حكم به العقل، فهي كلّها تابعة لتحقّق الموضوع، أعني: الأمر و النهي، و المفروض الشكّ في تحقّق النهي، و حينئذ فإذا فرض عدم الدليل على الحرمة فأين وجوب ذي المقدّمة حتى يثبت وجوبها؟

نعم، يمكن أن يقال في الشبهة في طريق الحكم بعد ما قام الدليل على حرمة الخمر: يثبت وجوب الاجتناب عن جميع أفرادها الواقعيّة، و لا يحصل العلم بموافقة هذا الأمر العام إلّا بالاجتناب عن كلّ ما احتمل حرمته.

لكنّك عرفت الجواب عنه سابقا، و أنّ التكليف بذي المقدّمة غير محرز إلّا بالعلم التفصيلي أو الإجمالي، فالاجتناب عمّا يحتمل الحرمة احتمالا مجرّدا عن العلم الإجمالي لا يجب لا نفسا و لا مقدّمة، و اللّه العالم.

____________

الواقعي واجب عقلا و شرعا و لا يتمّ إلّا بالاجتناب عن كلّ ما يحتمل تحريمه ممّا اشتبه حكمه الشرعي، سواء كان الاشتباه فيه من جهة عدم النصّ، أو تعارض النصّين أو إجماله، كما أشار إلى الأخير بقوله: (و من الأفراد الغير الظاهرة) أي: من الأفراد المحتملة فرديّتها لموضوع الحرمة، كبعض الأصوات المحتمل كونه فردا للغناء المحرّم.

فالحاصل هو وجوب الاجتناب عن كلّ ما يحتمل تحريمه من باب ما لا يتمّ الواجب إلّا به على القول بوجوب ما لا يتمّ الواجب إلّا به.

هذا تمام الكلام في الوجوه التي استدل بها الحرّ العاملي (قدّس سرّه) على ما تقدّم من التفصيل، ثمّ قال: إنّ المناقشة في بعض هذه الوجوه و إن كان ممكنا إلّا إنّ مجموعها كاف في مثل ذلك التفصيل.

(أقول: الدليل المذكور أولى بالدلالة على وجوب الاجتناب من الشبهة في طريق الحكم ... إلى آخره).

و ملخّص إيراد المصنّف (قدّس سرّه) على هذا الدليل هو أنّ الدليل المذكور لا يدلّ على‏

25

الثالث: إنّه لا شكّ في حكم العقل و النقل برجحان الاحتياط مطلقا حتى فيما كان هناك أمارة على الحلّ مغنية عن أصالة الإباحة، إلّا إنّه لا ريب في أنّ وجوب الاحتياط في الجميع موجب لاختلال النظام، كما ذكره المحدّث المتقدّم.

بل يلزم أزيد ممّا ذكره فلا يجوز الأمر به من الحكيم لمنافاته للغرض و التبعيض بحسب‏

____________

التفصيل، بل يجري في الشبهة الموضوعيّة أيضا، بل لا يتمّ إلّا في الشبهة الموضوعيّة؛ لأنّ وجوب المقدّمة فرع لوجوب ذيها، و هو ثابت في الشبهة الموضوعيّة دون الشبهة الحكميّة، و ذلك لأنّ ورود النهي في الشبهة الموضوعيّة؛ كالنهي عن الخمر معلوم، و لا يتمّ وجوب الاجتناب عن الخمر إلّا بالاجتناب عن كلّ محتمل الخمريّة، و هذا بخلاف الشبهة الحكميّة حيث يكون النهي فيها مشكوكا بالفرض، فلم يثبت وجوب الاجتناب عمّا لا يعلم ورود النهي فيه حتى يجب ما لا يتمّ الاجتناب إلّا به من باب المقدّمة.

فالمتحصّل من الجميع هو عدم تماميّة ما استدل به الحرّ العاملي (قدّس سرّه) على التفصيل المذكور.

[الثالث: إنّه لا شكّ في حكم العقل و النقل برجحان الاحتياط]

(الثالث: إنّه لا شكّ في حكم العقل و النقل برجحان الاحتياط مطلقا حتى فيما كان هناك أمارة على الحلّ مغنية عن أصالة الإباحة ... إلى آخره).

و حاصل ما أفاده المصنّف (قدّس سرّه) في الأمر الثالث هو رجحان الاحتياط و حسنه في جميع موارد الشبهات الحكميّة و الموضوعيّة معا، و مقتضى حسن الاحتياط في جميع الموارد هو العمل بالاحتياط في جميع الموارد، بحيث لا يبقى مجال للرجوع إلى البراءة و أصالة الإباحة، إذ الرجوع إليها يكون على خلاف الاحتياط، فالأولى ما ذكره الأخباريّون من القول بالاحتياط.

إلّا إنّ الاحتياط في جميع الموارد موجب لاختلال النظام، بل موجب للتكليف بما لا يطاق، كما أشار إليه بقوله:

(بل يلزم أزيد ممّا ذكره فلا يجوز الأمر به من الحكيم لمنافاته للغرض) و هو حفظ النظام.

و حينئذ فلا بدّ من الجمع بين حسن الاحتياط و حفظ النظام، و الجمع لا يمكن إلّا بالتبعيض في الاحتياط.

ثمّ إنّ التبعيض فيه يمكن أن يكون بحسب الموارد، أو بحسب الاحتمالات أو بحسب‏

26

الموارد، و استحباب الاحتياط حتى يلزم الاختلال- أيضا- مشكل، لأنّ تحديده في غاية التعسّر، فيحتمل التبعيض بحسب الاحتمالات، فيحتاط في المظنونات.

و أمّا المشكوكات فضلا عن انضمام الموهومات إليها، فالاحتياط فيها حرج مخلّ بالنظام و يدلّ على هذا العقل بعد ملاحظة حسن الاحتياط مطلقا و استلزام كلّيّته الاختلال،

____________

المحتملات.

و التبعيض بحسب الموارد يمكن أن يكون طوليا و هو الاحتياط إلى حدّ لزوم اختلال النظام و عدمه بعد الحدّ المذكور. و يمكن عرضا، بأن يحتاط في موارد لا يوجد فيها إلّا أصالة الإباحة، و عدم الاحتياط في موارد وجود الأمارات الاخرى على الحلّ، كاليد و السوق مثلا، فالتبعيض يمكن بأحد الوجوه الأربعة التي ذكرها المصنّف (قدّس سرّه) و قد أشار إلى الوجه الأوّل من التبعيض بحسب الموارد بقوله:

(و التبعيض بحسب الموارد، و استحباب الاحتياط حتى يلزم الاختلال- أيضا- مشكل، لأنّ تحديده في غاية التعسّر).

إذ لا يعلم الاختلال، إلّا بعد الوقوع فيه، لأنّ تعيين موارد عدم لزوم اختلال النظام قبل الوقوع فيه يكون في غاية العسر.

ثمّ أشار إلى الوجه الثاني و هو التبعيض بحسب الاحتمالات بقوله:

(فيحتمل التبعيض بحسب الاحتمالات، فيحتاط في المظنونات ... إلى آخره).

و حاصل التبعيض هو التبعيض بحسب الاحتمالات قوّة و ضعفا، فيحتاط في الأوّل، كما إذا كان احتمال الحرمة مظنونا بالظنّ غير المعتبر، و لا يحتاط في الثاني، كما إذا كان احتمال الحرمة من المشكوكات أو الموهومات.

و لا يخفى أنّ العقل يحكم على هذا التبعيض بعد ملاحظة امور:

منها: حسن الاحتياط مطلقا.

و منها: استلزام كلّيّته- أي: الاحتياط- اختلال النظام.

و منها: إنّ الاحتياط في المشكوكات و الموهومات و إن كان موجبا لعدم اختلال النظام، إلّا إنّه ترجيح للمرجوح على الراجح، و هو قبيح عقلا، فيتعيّن الاحتياط في المظنونات فقط، لئلّا يلزم المحذور.

27

و يحتمل التبعيض بحسب المحتملات، فالحرام المحتمل إذا كان من الامور المهمّة في نظر الشارع، كالدماء و الفروج، بل مطلق حقوق الناس بالنسبة إلى حقوق اللّه تعالى يحتاط فيه و إلّا فلا.

و يدلّ على هذا جميع ما ورد من التأكيد في أمر النكاح، و أنّه شديد، و أنّه يكون منه الولد.

منها: ما تقدّم من قوله (عليه السلام): (لا تجامعوا على النكاح بالشبهة)

(1)

قال (عليه السلام): (فإذا بلغك امرأة أرضعتك- إلى أن قال-: إن الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة)

(2)

.

و قد تعارض هذه بما دلّ على عدم وجوب السؤال و التوبيخ عليه، و عدم قبول قول من يدّعي حرمة المعقودة مطلقا أو بشرط عدم كونه ثقة، و غير ذلك.

و فيه: إنّ مساقها التسهيل و عدم وجوب الاحتياط فلا ينافي الاستحباب، و يحتمل‏

____________

ثم أشار المصنّف (قدّس سرّه) إلى الوجه الثالث و هو التبعيض بحسب المحتملات بقوله:

(و يحتمل التبعيض بحسب المحتملات، فالحرام المحتمل إذا كان من الامور المهمّة في نظر الشارع، كالدماء و الفروج، بل مطلق حقوق الناس بالنسبة إلى حقوق اللّه تعالى يحتاط فيه و إلّا فلا).

فإنّ حقوق الناس أهمّ عند الشارع من حقوق اللّه لمكان الرحمة و المغفرة الإلهيّة الشاملة للمطيعين و العاصين معا؛ و لذلك يحتاط في المال المحتمل كونه للغير و لا يحتاط في المائع المحتمل كونه خمرا، و يدلّ على التبعيض قوله:

(لا تجامعوا على النكاح بالشبهة).

لأنّه من الفروج، فيحتاط فيه، إلّا إنّه معارض‏ (بما دلّ على عدم وجوب السؤال و التوبيخ عليه، و عدم قبول قول من يدّعي حرمة المعقودة مطلقا، أو بشرط عدم كونه ثقة).

ثمّ يرد توهّم التعارض بقوله:

(و فيه: إنّ مساقها التسهيل و عدم وجوب الاحتياط، فلا ينافي الاستحباب).

و يردّ على توهّم التعارض، بأنّ مساق الرواية المانعة عن الاحتياط هو تسهيل الأمر

____________

(1) التهذيب 7: 474/ 1904. الوسائل 20: 259، أبواب مقدمات النكاح، ب 157، ح 2.

(2) التهذيب 7: 474/ 1904. الوسائل 20: 259، أبواب مقدمات النكاح، ب 157، ح 2.

28

التبعيض بين مورد الأمارة على الإباحة و مورد لا يوجد إلّا أصالة الإباحة. فيحمل ما ورد من الاجتناب عن الشبهات و الوقوف عند الشبهات على الثاني دون الأوّل، لعدم صدق الشبهة بعد الأمارة الشرعيّة على الإباحة، فإنّ الأمارات في الموضوعات بمنزلة الأدلّة في الأحكام مزيلة للشبهة، خصوصا إذا كان المراد من الشبهة ما يتحيّر في حكمه، و لا بيان من الشارع لا عموما و لا خصوصا بالنسبة إليه، دون مطلق ما فيه الاحتمال. و هذا بخلاف أصالة الإباحة، فإنّها حكم في مورد الشبهة لا مزيلة لها، هذا و لكن أدلّة الاحتياط لا تنحصر في ما ذكر فيه لفظ الشبهة، بل العقل مستقلّ بحسن الاحتياط مطلقا. فالأولى الحكم برجحان الاحتياط في كلّ موضع لا يلزم منه الحرام، و ما ذكر من أن تحديد الاستحباب بصورة لزوم الاختلال عسر، فهو إنّما يقدح في وجوب الاحتياط لا في حسنه.

____________

على العباد، و نفي وجوب الاحتياط لا حرمته، و هذا لا ينافي استحباب الاحتياط.

ثم أشار المصنّف (قدّس سرّه) إلى الوجه الرابع و هو التبعيض في الاحتياط بحسب الموارد- أيضا- بقوله:

(و يحتمل التبعيض بين مورد الأمارة على الإباحة و مورد لا يوجد إلّا أصالة الإباحة).

فيحتاط في موارد أصالة الإباحة، و لا يحتاط في موارد وجود الأمارة على الإباحة؛ و ذلك لعدم شمول ما دلّ على وجوب الاحتياط لموارد الأمارة الشرعيّة على الإباحة، إذ لا تصدق الشبهة بعد قيام الأمارة الشرعيّة على الإباحة و ما دلّ على وجوب الاحتياط عند الشبهات لا يشمل موارد الأمارات، لعدم صدق الشبهة عليها بخلاف موارد أصالة الإباحة، فإنّ أصالة الإباحة حكم في مورد الشبهة، فيشمل ما دل على وجوب الاحتياط عند الشبهات موارد أصالة الإباحة، و لذلك يحتاط فيها.

(فالأولى الحكم برجحان الاحتياط في كلّ موضع لا يلزم منه الحرج) أو (الحرام)، نسخة.

أي: الأولى من هذه الوجوه الأربعة هو الوجه الأوّل، و هو التبعيض بحسب المورد بأن يحكم برجحان الاحتياط في كل موضع لا يلزم منه الحرج، و لا يرد عليه ما تقدّم من أنّ تحديد الاستحباب بصورة لزوم اختلال النظام و العسر؛ لأنّ دليل الحرج ينفي التكليف الإلزامي، و لا ينفي الحكم الندبي، كما أشار إليه المصنّف (قدّس سرّه) بقوله:

(فهو إنّما يقدح في وجوب الاحتياط لا في حسنه).

29

الرابع: إباحة ما يحتمل الحرمة غير مختصّة بالعاجز عن الاستعلام، بل تشمل القادر على تحصيل العلم بالواقع، لعموم أدلّته من العقل و النقل.

و قوله (عليه السلام) في ذيل رواية مسعدة بن صدقة: (و الأشياء كلّها على هذا حتى يستبين لك غيره أو تقوم به البيّنة)

(1)

، فإنّ ظاهره حصول الاستبانة و قيام البيّنة لا بالتحصيل.

و قوله: (هو لك حلال حتى يجيئك شاهدان)

(2)

.

لكن هذا و أشباهه، مثل قوله (عليه السلام) في اللحم المشترى من السوق: (كل و لا تسأل)

(3)

، و قوله (عليه السلام): (ليس عليكم المسألة، إنّ الخوارج ضيقوا على أنفسهم)

(4)

، و قوله (عليه السلام) في حكاية

____________

(الرابع: إباحة ما يحتمل الحرمة غير مختصّة بالعاجز عن الاستعلام،

بل تشمل القادر على تحصيل العلم بالواقع ... إلى آخره).

و حاصله بيان الفرق بين الشبهات الموضوعيّة و بين الشبهات الحكميّة، حيث لا يكون الحكم بالبراءة و الإباحة في الشبهات الموضوعيّة مشروطا بالفحص و اليأس عن الدليل المعتبر على الحرمة، بل تجري أصالة الإباحة في الشبهات الموضوعيّة من دون فحص حتى لمن كان متمكّنا من تحصيل العلم بالواقع؛ و ذلك لعموم أدلّته عقلا و نقلا، فإنّ العقل يحكم بقبح عقاب الجاهل بالموضوع مطلقا، كما أنّ المستفاد من النقل، كقوله (عليه السلام):

(في ذيل رواية مسعدة بن صدقة: (و الأشياء كلّها على هذا حتى يستبين لك غيره، أو تقوم به البيّنة)).

هو أنّ الأشياء كلّها على الإباحة حتى تظهر حرمتها، أو تقوم البيّنة بحرمتها من الخارج، فإنّ الظاهر من هذا الذيل هو إباحة الأشياء حتى تحصل الاستبانة بنفسها لا بالفحص، و حتى تقوم البيّنة كذلك.

و ما دلّ على عدم وجوب الفحص مثل قوله (عليه السلام) في اللحم المشترى من السوق: (كل و لا تسأل)، و قوله (عليه السلام) في الجلد المشترى: (ليس عليكم المسألة، إنّ الخوارج ضيّقوا على‏

____________

(1) الكافي 5: 314/ 40. الوسائل 17: 89، أبواب ما يكتسب به، ب 4، ح 4.

(2) الكافي 6: 339/ 2. الوسائل 25: 118، أبواب الأطعمة المباحة، ب 61، ح 2.

(3) الكافي 6: 237/ 2. الوسائل 24: 70، أبواب الذبائح، ب 29، ح 1.

(4) الفقيه 1: 167/ 787. الوسائل 4: 456، أبواب لباس المصلّى، ب 55، ح 1.

30

المنقطعة التي تبيّن لها زوج: (لم سألت) واردة في موارد وجود الأمارة الشرعيّة على الحليّة، فلا يشمل ما نحن فيه، إلّا إنّ المسألة غير خلافيّة مع كفاية الإطلاقات.

____________

أنفسهم) باحتياطهم المفرط الناشئ عن جهلهم، حيث اجتنبوا عن بعض ما رزقهم اللّه تعالى. و هذا بخلاف الشبهات الحكميّة حيث لا يجوز الرجوع إلى البراءة فيها إلّا بعد الفحص و اليأس عن الدليل المعتبر على الحرمة، لأنّ طريق الامتثال فيها منحصر بالفحص عن الدليل الشرعي، و هذا بخلاف الشبهة الموضوعيّة حيث لا يرجع فيها إلى الشارع.

(مع كفاية الإطلاقات).

أي: اطلاقات أخبار الحلّ كقوله (عليه السلام): (كلّ شي‏ء لك حلال) و أمثاله، و لا ينافي هذا القول من المصنّف (قدّس سرّه) ما تقدّم من قوله: لعموم أدلّته من العقل و النقل، ثمّ مثّل لعموم النقل بأخبار الحلّ، لأنّ المراد بالعموم هو الشمول لا ما هو الظاهر منه من المعنى المصطلح عند الاصوليّين. هذا تمام الكلام في الشبهة التحريميّة.

***

31

المطلب الثاني في دوران حكم الفعل بين الوجوب و غير الحرمة من الأحكام و فيه- أيضا- مسائل المسألة الاولى فيما اشتبه حكمه الشرعي الكلي من جهة عدم النص المعتبر كما إذا ورد خبر ضعيف أو فتوى جماعة بوجوب فعل، كالدعاء عند رؤية الهلال، و كالاستهلال في رمضان و غير ذلك، و المعروف من الأخباريّين هنا موافقة المجتهدين في العمل بأصالة البراءة و عدم وجوب الاحتياط.

قال المحدّث الحر العاملي في باب القضاء من الوسائل: «إنّه لا خلاف في نفي الوجوب‏

____________

(المطلب الثاني: في دوران حكم الفعل بين الوجوب و غير الحرمة

من الأحكام).

بعد ما فرغ المصنّف (قدّس سرّه) من المطلب الأول و هو الشبهة التحريميّة بدأ في المطلب الثاني و هو الشبهة الوجوبيّة، و تقدّم منه (قدّس سرّه) أنّه جعل الشبهة التحريميّة مسائل أربع باعتبار منشأ الاشتباه فيها، فتأتي نفس تلك المسائل في الشبهة الوجوبيّة- أيضا- حيث يقول (قدّس سرّه) مشيرا إليها:

(و فيه- أيضا- مسائل:

المسألة الاولى: فيما اشتبه حكمه الشرعي الكلّي من جهة عدم النصّ المعتبر).

المعروف توافق الأخباريّين مع المجتهدين في العمل بأصالة البراءة في الشبهة الوجوبيّة الناشئة عن فقدان النصّ المعتبر.

و يذكر المصنّف (قدّس سرّه) كلام من يظهر توافقه مع المجتهدين في هذه المسألة، و ممّن يظهر توافقه مع المجتهدين في القول بالبراءة و نفي الوجوب هو المحدّث الحرّ العاملي (قدّس سرّه) حيث قال في باب القضاء من الوسائل:

( «إنّه لا خلاف في نفي الوجوب عند الشكّ في الوجوب، إلّا إذا علمنا اشتغال الذمّة

32

عند الشكّ في الوجوب، إلّا إذا علمنا اشتغال الذمّة بعبادة معيّنة و حصل الشكّ بين الفردين، كالقصر و الإتمام، و الظهر و الجمعة، و جزاء واحد للصيد أو اثنين، و نحو ذلك، فإنّه يجب الجمع بين العبادتين، لتحريم تركهما معا للنصّ و تحريم الجزم بوجوب أحدهما بعينه عملا بأحاديث الاحتياط»، انتهى موضع الحاجة.

و قال المحدّث البحراني في مقدّمات كتابه، بعد تقسيم أصل البراءة إلى قسمين: «أحدهما:

إنّها عبارة عن نفي وجوب فعل وجودي، بمعنى: إنّ الأصل عدم الوجوب حتى يقوم دليل على الوجوب، و هذا القسم لا خلاف في صحّة الاستدلال به، إذ لم يقل أحد: إنّ الأصل‏

____________

بعبادة معيّنة ... إلى آخره).

و المستفاد من هذا الكلام هو نفي الخلاف في نفي الوجوب عند الشكّ فيه، كما إذا شكّ المكلّف في أصل وجوب فعل، كالدعاء عند رؤية الهلال مثلا، فيحكم بعدم وجوبه، إلّا فيما إذا علم أصل التكليف بالوجوب و شكّ في المكلّف به.

(كالقصر و الإتمام، و الظهر و الجمعة، و جزاء واحد للصيد أو اثنين و نحو ذلك).

كدوران أمر الصلاة بين كونها مركّبة من عشرة أجزاء، بأن تكون الاستعاذة جزء منها، و بين كونها مركّبة من تسعة أجزاء، بأن لا تكون الاستعاذة واجبا فيها، فكان الحكم في الجميع هو الاشتغال و وجوب الاحتياط.

و مقتضى الاحتياط هو الجمع بين العبادتين فيما إذا كان المكلّف به مردّدا بين المتباينين، كالمثال الأوّل و الثاني، و الإتيان بالأكثر فيما إذا كان المكلّف به مردّدا بين الأقل و الأكثر الاستقلاليّين، كالمثال الثالث، أو الارتباطيّين، كالمثال الرابع.

(و تحريم الجزم بوجوب أحدهما بعينه عملا بأحاديث الاحتياط).

أي: لا يجوز الجزم بوجوب أحدهما معيّنا مخيّرا في التعيين بمقتضى أصل البراءة، بل يجب الحكم بوجوب كليهما في الظاهر بمقتضى أحاديث الاحتياط. انتهى مورد الحاجة من كلام المحدّث الحرّ العاملي (قدّس سرّه).

(و قال المحدّث البحراني في مقدّمات كتابه، بعد تقسيم أصل البراءة إلى قسمين:

«أحدهما: إنّها عبارة عن نفي وجوب فعل وجودي، بمعنى: إنّ الأصل عدم الوجوب حتى يقوم دليل على الوجوب، و هذا القسم لا خلاف في صحّة الاستدلال به، إذ لم يقل أحد: إنّ‏

33

الوجوب».

و قال في محكيّ كتابه المسمّى بالدرر النجفيّة: «إن كان الحكم المشكوك دليله هو الوجوب، فلا خلاف و لا إشكال في انتفائه حتى يظهر دليل لاستلزام التكليف بدون دليل الحرج و التكليف بما لا يطاق»، انتهى.

لكنّه (رحمه اللّه) في مسألة وجوب الاحتياط قال بعد القطع برجحان الاحتياط:

«إنّ منه ما يكون واجبا، و منه ما يكون مستحبا، فالأوّل كما إذا تردّد المكلّف في الحكم؛ إمّا لتعارض الأدلّة أو لتشابهها و عدم وضوح دلالتها، أو لعدم الدليل بالكلّيّة بناء على نفي البراءة الأصليّة، أو لكون ذلك الفرد مشكوكا في اندراجه تحت بعض الكليّات المعلومة الحكم أو نحو ذلك.

____________

الأصل الوجوب»).

المستفاد من هذا الكلام هو نفي الخلاف في صحّة الاستدلال بأصل البراءة، و عدم الوجوب في هذه المسألة، إلى أن قال:

و أمّا الاستدلال بالقسم الثاني، أي: أصالة البراءة من الحرمة في الشبهة التحريميّة، فمحلّ خلاف، و المصنّف (قدّس سرّه) لم يذكر القسم الثاني لكونه خارجا عمّا نحن فيه.

و بالجملة، إنّ ظاهر كلام المحدّث البحراني (قدّس سرّه) في مقدّمات كتابه الحدائق و في محكي الدرر النجفيّة، و إن كان عدم الخلاف في نفي الوجوب عند الشكّ فيه، إلّا إنّه يظهر منه في مسألة وجوب الاحتياط وجوبه في المقام أيضا، حيث‏ (قال بعد القطع برجحان الاحتياط:

«إنّ منه ما يكون واجبا، و منه ما يكون مستحبا، فالأوّل كما إذا تردّد المكلّف في الحكم).

أي: مورد وجوب الاحتياط هو ما إذا كان المكلّف شاكّا و متردّدا في الحكم الوجوبي أو التحريمي، سواء كان منشأ الشكّ و الاشتباه تعارض الأدلّة، أو إجمالها، أو عدم الدليل بالكلّيّة، بناء على نفي البراءة الأصليّة.

إذ على القول بالبراءة الأصليّة و موافقة الشرع لها لم يبق لعدم الدليل بالكلّيّة مجال؛ لأنّ البراءة الأصليّة- حينئذ- دليل على الجواز.

ثمّ أشار إلى ما إذا كان منشأ الاشتباه الامور الخارجيّة، و الشبهة الموضوعيّة بقوله:

(أو لكون ذلك الفرد مشكوكا في اندراجه تحت بعض الكلّيات ... إلى آخره).

34

و الثاني: كما إذا حصل الشكّ باحتمال وجود النقيض لما قام عليه الدليل الشرعي احتمالا مستندا إلى بعض الأسباب المجوّزة كما إذا كان مقتضى الدليل الشرعي إباحة شي‏ء و حلّيّته.

لكن يحتمل قريبا بسبب بعض تلك الأسباب أنّه ممّا حرّمه الشارع، و منه جوائز الجائر و نكاح امرأة بلغك أنّها ارتضعت معك الرضاع المحرّم و لم يثبت شرعا، و منه- أيضا- الدليل المرجوح في نظر الفقيه.

أمّا إذا لم يحصل ما يوجب الشكّ و الريب فإنّه يعلم على ما ظهر له من الأدلّة و إن احتمل النقيض في الواقع و لا يستحب له الاحتياط، بل ربّما كان مرجوحا لاستفاضة الأخبار بالنهي عن السؤال عند الشراء من سوق المسلمين».

ثمّ ذكر الأمثلة للأقسام الثلاثة لوجوب الاحتياط، أعني: اشتباه الدليل و تردّده بين الوجوب و الاستحباب، و تعارض الدليلين، و عدم النصّ، قال: «و من هذا القسم ما لم يرد

____________

كالخمر غير المسكر المشكوك دخوله في الخمر المحرّم.

(أو نحو ذلك).

أي: كالشكّ في المكلّف به على ما في شرح الاعتمادي.

فالحاصل هو وجوب الاحتياط في هذه الموارد، من غير فرق بين كون الحكم المشتبه وجوبيّا حتى تكون الشبهة شبهة وجوبيّة، أو تحريميّا لتكون الشبهة تحريميّة.

(و الثاني: كما إذا حصل الشكّ باحتمال وجود النقيض لما قام عليه الدليل الشرعي).

مثل اليد مثلا، و يحتمل وجود النقيض كالحرمة مثلا.

(احتمالا مستندا إلى بعض الأسباب المجوّزة).

أي: المحتملة عقلا، كاحتمال الغصبيّة مثلا، كجوائز الجائر، فإنّ مقتضى اليد هو ملكيّة الجائر، فتحلّ لمن أخذها، إلّا إنّه يحتمل كونها ممّا اخذ غصبا أو رشوة، فيحرم لمن يأخذه، و كذلك‏ (نكاح امرأة بلغك أنّها ارتضعت معك الرضاع المحرّم، و لم يثبت شرعا).

فيجوز نكاحها نظرا إلى أصالة عدم المانع من النكاح، لأنّ المانع و هو المحرميّة بسبب الرضاع و إن كان محتملا إلّا إنّه لم يثبت شرعا لعدم شهادة العدلين به.

(ثم ذكر الأمثلة للأقسام الثلاثة لوجوب الاحتياط ... إلى آخره).

و هي ما إذا كان منشأ الاشتباه تعارض الأدلّة أو إجمالها أو فقدانها، و لم يذكر مثالا لما

35

فيه نصّ من الأحكام التي لا تعمّ به البلوى عند من لم يعتمد على البراءة الأصليّة، فإنّ الحكم فيه ما ذكرنا، كما سلف» انتهى.

و ممّن يظهر منه وجوب الاحتياط هنا المحدّث الاسترآبادي، حيث حكي عنه في الفوائد المدنيّة أنّه قال:

«إنّ التمسّك بالبراءة الأصليّة إنّما يجوز قبل اكمال الدين، و أمّا بعد تواتر الأخبار بأنّ كل واقعة محتاج إليها فيها خطاب قطعي من قبل اللّه تعالى فلا يجوز قطعا.

و كيف يجوز و قد تواتر عنهم (عليهم السلام) وجوب التوقّف في ما لم يعلم حكمها معلّلين بأنّه بعد أن كملت الشريعة لا تخلو واقعة عن حكم قطعي وارد من اللّه تعالى. و من حكم بغير ما أنزل اللّه تعالى فاولئك هم الكافرون.

____________

إذا كان الاشتباه من جهة الامور الخارجيّة، و هو القسم الرابع، و قد تقدّم مثاله في الشرح، ثمّ يظهر منه التفصيل بين الأحكام التي لا تعمّ بها البلوى عند من لم يعتمد على البراءة الأصليّة كاستصحاب البراءة الأصليّة، فإنّ الحكم فيها هو ما ذكرنا من الاحتياط، و بين الأحكام التي تعمّ بها البلوى، فالحكم فيها هو استصحاب البراءة الأصليّة و عدم الاحتياط، إذ لو وجب شي‏ء أو حرم لوصل إلينا عادة مع فرض عموم البلوى فيكون الحكم الذي لم يكن ممّا تعمّ به البلوى من القسم الأوّل الذي يكون الاحتياط فيه واجبا.

و بالجملة، إنّه يظهر من كلام المحدّث البحراني (قدّس سرّه) وجوب الاحتياط في الشبهة الوجوبيّة، و ممّن يظهر منه وجوب الاحتياط في المقام هو المحدث الاسترآبادي‏ (حيث حكي عنه في الفوائد المدنيّة أنّه قال: «إنّ التمسّك بالبراءة الأصليّة إنّما يجوز قبل إكمال الدين، و أمّا بعد تواتر الأخبار بأنّ كلّ واقعة محتاج إليها فيها خطاب قطعي من قبل اللّه تعالى فلا يجوز قطعا ... إلى آخره).

و حاصل ما أفاده المحدّث الاسترآبادي (قدّس سرّه) في كلام طويل من استنتاجه وجوب الاحتياط في محتمل الوجوب و الحرمة من مقدّمة مشتملة على ما هو محلّ النزاع بين الأشاعرة و العدليّة من الحسن و القبح الذاتيّين عقلا، حيث أنكرهما الأشاعرة و أثبتهما العدليّة، و ما هو محلّ النزاع بين الأخباريّين و المجتهدين من الملازمة بين حكم العقل بالقبح و الحسن، و بين حكم الشرع بالحرمة و الوجوب، حيث أنكرها الأخباريّون و أثبتها

36

ثمّ أقول: هذا المقام ممّا زلّت فيه أقدام أقوام من فحول العلماء، فحريّ بنا أن نحقّق المقام و نوضّحه بتوفيق الملك العلّام و دلالة أهل الذكر (عليهم السلام). فنقول: التمسّك بالبراءة الأصليّة إنّما يتمّ عند الأشاعرة المنكرين للحسن و القبح الذاتيّين، و كذلك عند من يقول بهما و لا يقول بالحرمة و الوجوب الذاتيّين، كما هو المستفاد من كلامهم (عليهم السلام)، و هو الحقّ عندي.

ثمّ على هذين المذهبين إنّما يتمّ قبل إكمال الدين لا بعده إلّا على مذهب من جوّز من العامّة خلوّ الواقعة عن حكم.

____________

المجتهدون، إنّ- خبر لقولنا: و حاصل ما أفاده- التمسّك بالبراءة الأصليّة إنّما يجوز قبل إكمال الدين بعد الالتزام بأحد أمرين على نحو منع الخلوّ، أي:

إمّا القول بإنكار الحسن و القبح العقليّين، كما عليه الأشاعرة.

و إمّا إنكار الملازمة بين حكم العقل و الشرع كما هو الحقّ عند الأخباريّين، إذ أكثر الوقائع كانت قبل إكمال الدين خالية عن الحكم الشرعي، فيمكن الظن فيها بانتفاء الحرمة أو الوجوب واقعا بمقتضى استصحاب البراءة الأصليّة، لانتفائهما سابقا و عدم الدليل عليهما عقلا و شرعا، لأنّ العقل لم يحكم بالحسن و القبح على عقيدة الأشاعرة، أو يحكم بهما، إلّا إنّ الشرع لا يحكم بالحرمة أو الوجوب على القول بعدم الملازمة بينهما، فيحكم بانتفاء الحرمة في محتمل الحرمة بالبراءة الأصليّة، و انتفاء الوجوب في محتمل الوجوب بها.

و الحاصل أنّ التمسّك بالبراءة الأصليّة مبنيّ على أمر باطل بالضرورة و الوجدان، و هو عدم إكمال الدين، و خلوّ بعض الوقائع عن الحكم الشرعي، و قد تواترت الأخبار بأنّ ما من واقعة إلّا و قد تعلّق بها حكم شرعي، كما هو المستفاد من قول النبي (صلّى اللّه عليه و آله) في خطبة الوداع، حيث قال (صلّى اللّه عليه و آله):

(ما من شي‏ء يقرّبكم إلى الجنة إلّا و قد أمرتكم به، و ما من شي‏ء يقرّبكم إلى النار إلّا و قد نهيتكم عنه) (1).

فلا يصحّ التمسّك بالبراءة الأصليّة بعد إكمال الدين، و على القول بالملازمة

____________

(1) الكافي 2: 74/ 2. الوسائل 17: 44، أبواب مقدمات التجارة، ب 12، ح 2.

37

لا يقال: بقي هنا أصل آخر، و هو أن يكون الخطاب الوارد في الواقعة موافقا للبراءة الأصليّة.

لأنّا نقول: هذا الكلام ممّا لا يرضى به لبيب، لأن خطابه تعالى تابع للمصالح و الحكم، و مقتضيات الحكم و المصالح مختلفة- إلى أن قال:- هذا الكلام ممّا لا يرتاب في قبحه، نظير أن يقال: الأصل في الأجسام تساوي نسبة طبائعها إلى جهة السفل و العلوّ، و من المعلوم بطلان هذا المقال.

____________

بين حكم العقل و حكم الشرع، و ذلك لاحتمال الحرمة و الوجوب في كلّ واقعة، و احتمال قبح محتمل الحرمة عقلا الملازم للحكم بالحرمة شرعا. فإذا لم يصحّ التمسّك بالبراءة الأصليّة، كان مقتضى الأخبار هو وجوب التوقّف أو الاحتياط مطلقا.

(لا يقال: بقي هنا أصل آخر، و هو أن يكون الخطاب الوارد في الواقعة موافقا للبراءة الأصليّة).

أي: يرد على ما تقدّم من أنّ التمسّك بالبراءة الأصليّة إنّما يصحّ قبل إكمال الدين لا بعده، و يقال: إن التمسّك بها يصحّ حتى بعد إكمال الدين و ذلك لاحتمال أن يكون الحكم الشرعي في واقعة موافقا لما قبل الشرع من عدم الحرمة- مثلا- الذي تقتضيه البراءة الأصليّة، فلا يجب- حينئذ- أن يكون الخطاب الوارد في المشتبه هو الوجوب أو الحرمة، بل الأصل موافقته لما قبل الشرع، و بذلك لا تبقى منافاة بين إكمال الدين و البراءة الأصليّة.

(لأنّا نقول: هذا الكلام ممّا لا يرضى به لبيب، لأنّ خطابه تعالى تابع للمصالح و الحكم، و مقتضيات الحكم و المصالح مختلفة ... إلى آخره).

و حاصل ما أجاب به عن الإيراد المذكور هو أنّ حكم الشارع على مذهب العدليّة تابع للمصالح و الحكم، و من المعلوم أنّ مقتضيات المصالح مختلفة، فحينئذ لا يمكن أن يكون الحكم الشرعي بعد الشرع و إكمال الدين موافقا لما قبل الشرع من الحكم غير الشرعي، إذ الحكم بعد الشرع تابع للمصلحة، فإذا كانت في الفعل تقتضي الوجوب، و إذا كانت في الترك تقتضي الحرمة، فالخطاب الوارد من الشارع في الفعل المشتبه حكما لا يخلو من الوجوب أو الحرمة، فما ذكر في الإشكال من أصالة موافقة ما بعد الشرع لما قبله فاسد.

كما أنّ القول بأن الأصل في الأجسام تساوي نسبة طبائعها إلى جهة السفل و العلوّ

38

ثمّ أقول: هذا الحديث المتواتر بين الفريقين المشتمل على حصر الامور في الثلاثة و حديث (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)

(1)

، و نظائرهما، أخرج كلّ واقعة لم يكن حكمها مبيّنا من البراءة الأصليّة و أوجب التوقّف فيها».

ثمّ قال، بعد أن الاحتياط قد يكون في محتمل الوجوب و قد يكون في محتمل الحرمة: «إنّ عادة العامّة و المتأخّرين من الخاصّة جرت بالتمسّك بالبراءة الأصليّة، و لمّا أبطلنا جواز التمسّك بها في المقامين، لعلمنا بأن اللّه تعالى أكمل لنا ديننا و علّمنا بأنّ كلّ واقعة يحتاج إليها ورد فيها خطاب قطعي من اللّه تعالى خال عن المعارض، و بأنّ كلّ ما جاء به نبيّنا (صلّى اللّه عليه و آله) مخزون عند العترة الطاهرة، و لم يرخّصوا لنا في التمسّك بالبراءة الأصليّة، بل أوجبوا التوقّف في كلّ ما لم يعلم حكمه، و أوجبوا الاحتياط في بعض صوره، فعلينا أن نبيّن ما يجب أن يفعل في المقامين، و سنحقّقه فيما يأتي إن شاء اللّه تعالى».

و ذكر هناك ما حاصله: وجوب الاحتياط عند تساوي احتمال الأمر الوارد بين الوجوب‏

____________

فاسد لأنّ نسبة الأجسام مختلفة، فالخفيف يميل إلى العلو و الثقيل إلى السفل، إلى أن قال ما حاصله: من أنّ ما دلّ على وجوب التوقّف كحديث التثليث‏ (و حديث (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك) و نظائرهما، أخرج كلّ واقعة لم يكن حكمها مبيّنا من البراءة الأصليّة و أوجب التوقّف فيها).

فلا يبقى مجال للتمسّك بالبراءة الأصليّة بعد ما دلّ على وجوب الاحتياط أو التوقّف في الفعل المشتبه حكمه الواقعي.

(ثمّ قال: بعد أن الاحتياط قد يكون في محتمل الوجوب، و قد يكون في محتمل الحرمة ... إلى آخره).

و هذا الكلام منه صريح في وجوب الاحتياط في الشبهة الوجوبيّة.

نعم، يظهر منه اختصاص وجوب الاحتياط في الشبهة الوجوبيّة في صورة إجمال النصّ، حيث قال ما حاصله:

(وجوب الاحتياط عند تساوي احتمال الأمر الوارد بين الوجوب و الاستحباب).

____________

(1) غوالي اللآلئ 1: 394/ 40. الوسائل 27: 167، أبواب صفات القاضي، ب 12، ح 43. سنن النسائي 8:

732/ 5727.

39

و الاستحباب و لو كان ظاهرا في الندب بني على جواز الترك.

و كذا لو وردت رواية ضعيفة بوجوب شي‏ء، و تمسّك في ذلك بحديث ما حجب اللّه علمه‏

(1)

، و حديث رفع التسعة

(2)

. قال: و خرج عن تحتهما كلّ فعل وجوديّ لم يقطع بجوازه لحديث التثليث‏

(3)

.

أقول: قد عرفت فيما تقدّم في نقل كلام المحقّق (رحمه اللّه) أنّ التمسّك بأصل البراءة منوط بدليل عقلي هو قبح التكليف بما لا طريق إلى العلم به، و هذا لا دخل فيه لإكمال الدين و عدمه، و لكون الحسن و القبح أو الوجوب و التحريم عقليّين أو شرعيّين في ذلك.

____________

فظاهر هذا الكلام هو وجوب الاحتياط فيما إذا كان الاشتباه ناشئا عن إجمال النصّ، كالأمر المردّد بين الوجوب و الاستحباب، فلو كان الأمر ظاهرا في الندب لما وجب الاحتياط، بل جاز ترك الفعل لحجيّة الظواهر، ثمّ قال:

(و كذا لو وردت رواية ضعيفة بوجوب شي‏ء).

أي: و كذا لا يجب الاحتياط، بل بني على جواز الترك فيما إذا كان الاشتباه ناشئا عن عدم نصّ معتبر على الوجوب، بل وردت رواية ضعيفة بوجوب شي‏ء.

(و تمسّك في ذلك).

أي: نفي الاحتياط بحديث الحجب و الرفع، ثمّ قال:

(و خرج عن تحتهما كلّ فعل وجودي لم يقطع بجوازه).

أي: خرج عن حديث الحجب و الرفع كل فعل محتمل الحرمة (لحديث التثليث).

فيجب فيه الاحتياط بحديث التثليث.

و الحاصل المستفاد من جميع ما أفاده المحدّث الاسترآبادي (قدّس سرّه) في هذا المقام هو وجوب الاحتياط في الشبهة التحريميّة مطلقا، و في الوجوبيّة في الجملة.

(أقول: قد عرفت فيما تقدّم في نقل كلام المحقّق (قدّس سرّه) أنّ التمسّك بأصل البراءة منوط بدليل عقلي هو قبح التكليف بما لا طريق إلى العلم به، و هذا لا دخل فيه لإكمال الدين و عدمه،

____________

(1) الكافي 1: 164/ 3. التوحيد: 413/ 9. الوسائل 27: 163، أبواب صفات القاضي، ب 12، ح 33.

(2) المحاسن 2: 69/ 1195. الوسائل 23: 226، كتاب الأيمان، ب 12، ح 12.

(3) الكافي 1: 68/ 10. التهذيب 6: 302/ 845. الوسائل 27: 157، أبواب صفات القاضي، ب 12، ح 9.

40

و العمدة فيما ذكره هذا المحدّث من أوّله إلى آخره، تخيّله أنّ مذهب المجتهدين التمسّك بالبراءة الأصليّة لنفي الحكم الواقعي، و لم أجد أحدا يستدلّ بها على ذلك.

نعم، قد عرفت سابقا أنّ ظاهر جماعة من الإماميّة جعل أصل البراءة من الأدلّة الظنيّة، كما تقدّم في المطلب الأوّل استظهار ذلك من صاحبي المعالم و الزبدة.

لكنّ ما ذكره من إكمال الدين لا ينفي حصول الظنّ بجواز دعوى أنّ المظنون بالاستصحاب أو غيره موافقة ما جاء به النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) للبراءة. و ما ذكره من تبعيّة خطاب اللّه‏

____________

و لكون الحسن و القبح أو الوجوب و التحريم عقليّين أو شرعيّين في ذلك ... إلى آخره).

و قد أجاب المصنّف (قدّس سرّه) عمّا أفاده المحدّث الاسترآبادي (قدّس سرّه) في المقام بما حاصله:

من أنّ التمسّك بأصل البراءة ليس لنفي الحكم الواقعي، بل لنفي تنجّز التكليف على المكلّف مع بقاء الحكم الواقعي على ما هو عليه من الوجوب أو الحرمة، و ذلك لأنّ العقل يحكم بقبح التكليف بما لا طريق للمكلّف إلى العلم به، و من المعلوم أنّ نفي تنجّز التكليف ظاهرا بحكم العقل على قبح العقاب بلا بيان لا ينافي إكمال الدين، لأنّ مقتضى إكمال الدين هو ثبوت الحكم لكل واقعة في الواقع، و مقتضى أصل البراءة هو نفي تنجّزه عن الجاهل في الظاهر، فلا دخل لأصل البراءة بإكمال الدين و عدمه، و لا بكون الحسن و القبح الذاتيّين و عدمهما و لا بالملازمة بين حكم العقل و حكم الشرع و عدمها، كما أشار إلى الملازمة بقوله:

(أو الوجوب و التحريم عقليّين) و إلى عدمها بقوله: (أو شرعيّين) بل يصحّ التمسّك بأصل البراءة على جميع التقادير المذكورة.

فما تخيّله المحدّث الاسترآبادي من أنّ مذهب المجتهدين هو التمسّك بأصل البراءة لنفي الحكم الواقعي لا يرجع إلى محصّل صحيح، إذ لم يوجد أحد يستدلّ بها على ذلك.

نعم، يظهر من جماعة من الإماميّة- كصاحبي المعالم و الزبدة- جعل أصل البراءة من الأدلّة الظنيّة، فيكون استصحاب البراءة عندهم مفيدا للظنّ بعدم الحكم الواقعي، و لا يرد عليهم اعتراض المحدّث الاسترآبادي، لأنّ ما ذكره المحدّث من إكمال الدين لا ينفي حصول الظنّ من استصحاب البراءة بعدم الحكم الإلزامي لجواز أن يكون المظنون بالاستصحاب موافقا لما جاء به النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله).

41

تعالى للحكم و المصالح لا ينافي ذلك.

لكن الإنصاف أنّ الاستصحاب لا يفيد الظنّ خصوصا في المقام، كما سيجي‏ء إن شاء اللّه تعالى في محلّه و لا أمارة غيره تفيد الظنّ، فالاعتراض على مثل هؤلاء إنّما هو منع حصول الظنّ و منع اعتباره على تقدير الحصول، و لا دخل لإكمال الدين و عدمه، و لا للحسن و القبح العقليّين في هذا المنع.

و كيف كان فيظهر من المعارج القول بالاحتياط- في المقام- عن جماعة، حيث قال:

«الاحتياط غير لازم، و صار آخرون إلى لزومه و فصل آخرون»، انتهى، و حكى عن المعالم نسبته إلى جماعة.

فالظاهر أنّ المسألة خلافيّة، لكن لم يعرف القائل به بعينه، و إن كان يظهر من الشيخ و السيّدين، رحمهم اللّه، التمسّك به أحيانا، لكن يعلم مذهبهم من أكثر المسائل، و الأقوى فيه جريان أصالة البراءة للأدلّة الأربعة المتقدّمة مضافا إلى الإجماع المركّب.

____________

(و ما ذكره من تبعيّة خطاب اللّه تعالى للحكم و المصالح لا ينافي ذلك).

أي: الظنّ، فإنّ الظنّ الحاصل من الاستصحاب أو غيره كاشف عن أنّ المصلحة الكامنة في الفعل مقتضية للإباحة، لأنّها كانت بقدرها، إلّا إنّ الإنصاف هو توجّه الاعتراض على مثل هؤلاء إنّما هو من جهة منع حصول الظنّ من الاستصحاب أوّلا، و منع اعتبار هذا الظنّ على تقدير حصوله ثانيا، لعدم الدليل على اعتباره.

و الحاصل من الجميع هو أنّ المسألة خلافيّة، و لكن الأقوى فيها:

(جريان أصالة البراءة للأدلّة الأربعة المتقدّمة مضافا إلى الإجماع المركّب).

إذ كلّ من قال بالاحتياط في الشبهة الوجوبيّة قال به في التحريميّة، و كلّ من قال بالبراءة في الشبهة التحريميّة قال بها في الوجوبيّة، و لم يقل أحد بالبراءة في الشبهة التحريميّة و الاحتياط في الشبهة الوجوبيّة، فالقول بالتفصيل بينهما خرق للإجماع المركّب، كما في شرح الاستاذ الأعظم الاعتمادي دامت إفاداته.

إلّا إنّ المستفاد من المحقّق الآشتياني هو تحقّق الإجماع المركّب من جانب واحد، أي:

كلّ من قال بالبراءة في الشبهة الحكميّة التحريميّة قال بها في المقام لا من جانبين، أي: كلّ من قال بالبراءة في الشبهة الوجوبيّة لم يقل بها في الشبهة التحريميّة، بل قال بعضهم فيها بوجوب الاحتياط، و الحقّ ما أفاده المحقّق الآشتياني (قدّس سرّه).

42

تنبيهات و ينبغي التنبيه على امور:

الأوّل: إنّ محلّ الكلام في هذه المسألة هو احتمال الوجوب النفسي المستقل، و أمّا إذا احتمل كون شي‏ء واجبا لكونه جزء أو شرطا لواجب آخر فهو داخل في الشكّ في المكلّف به، و إن كان المختار جريان أصل البراءة فيه أيضا، كما سيجي‏ء إن شاء اللّه تعالى، لكنّه خارج عن هذه المسألة الاتّفاقيّة.

الثاني: إنّه لا إشكال في رجحان الاحتياط بالفعل حتى فيما احتمل كراهته.

____________

(و ينبغي التنبيه على امور:

الأوّل: إنّ محلّ الكلام في هذه المسألة هو احتمال الوجوب النفسي المستقل‏

... إلى آخره).

و حاصل الأمر الأوّل هو أنّ محلّ الكلام في الشبهة الوجوبيّة الناشئة عن عدم النصّ المعتبر هو احتمال الوجوب النفسي، كوجوب الدعاء عند رؤية الهلال.

و أما الوجوب الغيري كاحتمال جزئيّة الاستعاذة للصلاة، أو احتمال شرطيّة الوضوء مع غسل الجنابة لها مثلا، فهو خارج عن المقام، و هو الشكّ في أصل التكليف، بل داخل في الشكّ في المكلّف به، حيث يكون مردّدا بين الأقل و الأكثر الارتباطيّين، و مختار المصنّف (قدّس سرّه) و إن كان جريان أصل البراءة فيه- أيضا- لرجوعه إلى الشكّ في أصل التكليف بالنسبة إلى الزائد، لأنّ وجوب الأقل متيقّن و وجوب الزائد مشكوك فيجري فيه أصل البراءة، إلّا إنّه خارج عن المقام، و هو الشكّ في أصل الوجوب من الأوّل.

(الثاني: إنّه لا إشكال في رجحان الاحتياط بالفعل حتى فيما احتمل كراهته‏

... إلى آخره).

و قبل تحرير محلّ الكلام نذكر السبب الذي دعا المصنّف (قدّس سرّه) لبيان رجحان الاحتياط في المقام مع أنّه تقدّم بيان رجحانه في المطلب الأوّل، حينما قال في الأمر الثالث من الامور المذكورة تحت عنوان التنبيه على امور: (لا إشكال في رجحان الاحتياط عقلا و نقلا). دفعا للّغويّة من كلام المصنّف.

و السبب هو أنّ الغرض من بيان رجحان الاحتياط فيما سبق، هو الرجحان على نحو الكلّي في جميع الموارد، و الغرض منه في المقام هو تحقّق موضوعه في العبادات فيما إذا دار الأمر فيها بين الوجوب و غير الاستحباب، فيكون ذكره في المقام تمهيدا للبحث عن‏

43

جريان الاحتياط و عدمه في الفعل المحتمل كونه عبادة، و بذلك يخرج كلام المصنّف (قدّس سرّه) من التكرار و اللغو، كما لا يخفى على المتأمّل.

و أما تحرير محلّ الكلام فيتضح بعد ذكر مقدّمة و هي:

إنّ الوجوب المشتبه بغير الحرمة يمكن أن يكون تعبديّا، و يمكن أن يكون توصّليّا، و الثاني خارج عن محلّ الكلام، لإمكان الاحتياط فيه من دون إشكال. و الأوّل يتصوّر على أقسام و هي سبعة، كما تقدّم في الجدول، و نكرّره ثانيا تسهيلا لفهم المحصّلين:

() ثمّ إنّ الصورة الاولى و هي اشتباه الوجوب مع الاستحباب خارجة عن محلّ الكلام؛ و ذلك لجريان الاحتياط فيها، و لا إشكال فيه لثبوت أصل الرجحان الكاشف عن الأمر فيها، و الشكّ إنّما هو في تحقّقه في ضمن فصل الوجوب أو الاستحباب، و لهذا لم يذكرها المصنّف (قدّس سرّه).

و أما بقيّة الصور فداخلة في محلّ الكلام و كما يجري فيها ما يأتي من الأخبار الدالّة على التسامح في أدلّة السنن. و يظهر حكم جميع الصور الستة من حكم واحدة منها جوازا و منعا.

فيقول المصنّف (قدّس سرّه):

(إنّه لا إشكال في رجحان الاحتياط بالفعل ... إلى آخره).

أي: بفعل ما يحتمل كونه واجبا (حتى فيما احتمل كراهته).

44

و الظاهر ترتّب الثواب عليه إذا اتي به لداعي احتمال المحبوبيّة لأنّه انقياد و إطاعة حكميّة.

و الحكم بالثواب هنا أولى من الحكم بالعقاب على تارك الاحتياط اللّازم، بناء على أنّه في حكم المعصية و إن لم يفعل محرّما واقعيّا.

____________

أي: كراهة الفعل، و هو يشمل دوران حكم الفعل بين كونه واجبا أو مكروها فقط، فيكون الاحتمال ثنائيّا، أو يشمل- أيضا- دوران حكم الفعل بين كونه واجبا أو مكروها أو مباحا حتى يكون الاحتمال ثلاثيّا، أو مع إضافة كونه مستحبّا حتى يكون الاحتمال رباعيّا.

فقوله (قدّس سرّه): حتى فيما احتمل كراهته، صادق على الصور الثلاث و هي: اشتباه الوجوب مع الكراهة أوّلا، و اشتباهه مع الكراهة و الإباحة ثانيا، و اشتباهه معهما و الاستحباب ثالثا.

و بالجملة، إنّ الاحتياط حسن حتى فيما احتمل كراهة الفعل، لأنّ جلب المنفعة الملزمة بإتيان محتمل الوجوب على تقدير كون الفعل واجبا في الواقع أولى من دفع المفسدة غير الملزمة بالترك على تقدير كونه مكروها في الواقع.

(و الظاهر ترتّب الثواب عليه إذا اتي به لداعي احتمال المحبوبيّة لأنّه انقياد و إطاعة حكميّة).

أي: و الظاهر هو ترتّب الثواب على إتيان فعل محتمل الوجوب احتياطا إذا أتى المكلّف بفعل محتمل الوجوب بداعي كونه محبوبا و مطلوبا للمولى، لأنّه إطاعة حكميّة يحكم العقل بحسنها كالإطاعة الحقيقيّة.

و الاولى عبارة عن امتثال الأمر المحتمل، و الثانية عبارة عن امتثال الأمر المعلوم، فيثاب العبد بالإطاعة الحكميّة كما يثاب بالإطاعة الحقيقيّة، غاية الأمر: الثواب على الاولى تفضّل من المولى، و على الثانية جزاء منه تعالى للعبد في مقابل عمله، و من هنا يظهر الفرق بين الانقياد و التجرّي، كما أشار إليه المصنّف (قدّس سرّه) بقوله:

(و الحكم بالثواب هنا أولى من الحكم بالعقاب على تارك الاحتياط اللّازم، بناء على أنّه في حكم المعصية) عقابا و إن لم يرتكب محرّما في الواقع، كما إذا ترك الاحتياط الواجب، كما لو علم إجمالا بوجوب الظهر أو الجمعة فأتى بأحدهما مع أنّ الاحتياط يقتضي الإتيان بهما معا، و كان الواجب في الواقع ما أتى به، فكان متجرّيا، و التجرّي يكون في حكم‏

45

و في جريان ذلك في العبادات عند دوران الأمر بين الوجوب و غير الاستحباب وجهان، أقواهما العدم، لأن العبادة لا بدّ فيها من نيّة التقرّب المتوقّفة على العلم بأمر الشارع تفصيلا أو إجمالا، كما في كلّ من الصلوات الأربع عند اشتباه القبلة.

و ما ذكرنا من ترتّب الثواب على هذا الفعل لا يوجب تعلّق الأمر به، بل هو لأجل كونه‏

____________

المعصية، بمعنى: أن المتجرّي يعاقب عليه كما يعاقب عليها.

و المستفاد من كلام المصنّف (قدّس سرّه) هو أنّ الحكم بترتّب الثواب على الاحتياط أولى من الحكم بالعقاب على التجرّي، و ذلك؛ إمّا لما قلنا من: أنّ الثواب على الانقياد يمكن أن يكون من باب التفضّل، لأنّ التفضّل يناسب رحمة اللّه تعالى التي سبقت غضبه، أو لما في شرح الاستاذ الاعتمادي من أنّ الاحتياط مستلزم للموافقة القطعيّة، و تركه ليس مستلزما للمخالفة القطعيّة.

(و في جريان ذلك في العبادات عند دوران الأمر بين الوجوب و غير الاستحباب وجهان، أقواهما العدم ... إلى آخره).

أي: في جريان الاحتياط في العبادات، فخرج بقيد العبادات التوصّليّات، حيث لا إشكال في جريانه فيها، و خرج بقوله: عند دوران الأمر بين الوجوب و غير الاستحباب، دوران الأمر بين الوجوب و الاستحباب حيث يجري فيه الاحتياط، و ذلك للعلم بالأمر فيه كما تقدّم.

و بذلك يقتصر محلّ النزاع في العبادات عند دوران الأمر بين الوجوب و غير الاستحباب من الكراهة أو الإباحة.

و الأقوى عند المصنّف (قدّس سرّه) عدم جريان الاحتياط في العبادات‏ (لأنّ العبادة لا بدّ فيها من نيّة التقرّب المتوقّفة على العلم بأمر الشارع تفصيلا أو إجمالا ... إلى آخره).

فعباديّة الفعل لا تتحقّق إلّا بإتيان الفعل الواجب بجميع ما يعتبر فيه، و منه نيّة التقرّب المتوقّفة على العلم بالأمر، و المفروض انتفاء العلم بالأمر، فكيف يتمكّن المكلّف من قصد امتثال الأمر المعتبر في العبادات احتياطا؟!

ثمّ يشير المصنّف (قدّس سرّه) إلى وجوه ذكرها القائلون بإمكان الاحتياط في العبادات:

منها: ما أشار إليه بقوله: (و ما ذكرنا من ترتّب الثواب على هذا الفعل لا يوجب تعلّق‏

46

انقيادا للشارع، و العبد معه في حكم المطيع، بل لا يسمّى ذلك ثوابا.

و دعوى: «إنّ العقل إذا استقلّ بحسن هذا الإتيان ثبت بحكم الملازمة الأمر به شرعا».

مدفوعة، بما تقدّم في المطلب الأوّل، من أنّ الأمر الشرعي بهذا النحو من الانقياد

____________

الأمر به ... إلى آخره).

و لا بدّ أوّلا من تقريب هذا الوجه على إمكان الاحتياط في العبادات، ثمّ تقريب جواب المصنّف (قدّس سرّه) عنه، و هذا الوجه يتصيّد من كلام المصنّف (قدّس سرّه) المتقدّم حيث قال: (و الظاهر ترتّب الثواب عليه ... إلى آخره) فيقال: إنّ ترتّب الثواب على إتيان محتمل الوجوب احتياطا كاشف عن تعلّق أمر استحبابي من الشارع بالاحتياط، لأنّ الثواب معلول للأمر فيكشف به إنّا عن وجود الأمر، ثمّ يأتي المكلّف بمحتمل العبادة بقصد امتثال هذا الأمر.

و الجواب عنه أوّلا: لا نسلّم كشف الأمر بالثواب، لأنّ ترتّب الثواب على فعل لا يكشف عن تعلّق أمر به، بل يمكن أن يكون الثواب تفضّلا من الشارع لا من جهة امتثال الأمر، لأنّ الثواب من جهة امتثال الأمر عبارة عن الجزاء في مقابل إطاعة العبد للمولى، التي هي عبارة عن إطاعة الأمر المعلوم، و لذلك لا تتحقّق الإطاعة إلّا بعد وجود الأمر من المولى، و في حالة عدم معلوميّة الأمر يكون ترتّب الثواب على الفعل المحتمل الأمريّة من باب التفضّل و حكم العقل بحسن الانقياد، و هذا لا يكشف عن وجود الأمر.

ثانيا: لو سلّمنا ذلك، فنقول: إنّ ترتّب الثواب و إن كان كاشفا بالإنّ عن تعلّق أمر بالاحتياط، إلّا إنّ هذا الكشف لا يتمّ في الاحتياط في العبادات للزوم الدور، إذ أنّ الاحتياط في العبادات يتوقّف على وجود الأمر، و تعلّق الأمر به يقتضي تقدّمه على الأمر و هو دور.

نعم، هذا الكشف يمكن بالنسبة إلى الاحتياط في التوصّليّات، لأنّه لا يتوقّف على وجود أمر، كما لا يخفى، و ترتّب الثواب عليه يكشف عن استحبابه.

(بل لا يسمّى ذلك ثوابا).

لأنّ الثواب على ما تقدّم ما يكون في مقابل إطاعة الأمر المحقّق المعلوم.

و منها: ما أشار إليه بقوله: (و دعوى: «إن العقل إذا استقلّ بحسن هذا الإتيان ثبت بحكم الملازمة الأمر به شرعا» مدفوعة).

47

كأمره بالانقياد الحقيقي و الإطاعة الواقعيّة في معلوم التكليف إرشادي محض، لا يترتّب على موافقته و مخالفته أزيد ممّا يترتّب على نفس وجود المأمور به أو عدمه، كما هو شأن الأوامر الإرشاديّة، فلا إطاعة لهذا الأمر الإرشادي، و لا ينفع في جعل الشي‏ء عبادة. كما أنّ إطاعة الأوامر المتحقّقة لم تصر عبادة بسبب الأمر الوارد بها في قوله تعالى:

أَطِيعُوا اللَّهَ وَ رَسُولَهُ‏ (1)

.

____________

و تقريب هذه الدعوى: إنّ حكم العقل بحسن إتيان محتمل الوجوب احتياطا اتّفاقي لا إشكال فيه، كما نفى عنه الإشكال بقوله: (إنّه لا إشكال في رجحان الاحتياط بالفعل ... إلى آخره).

و نكشف أمر الشارع بالاحتياط بقاعدة الملازمة بين حكم العقل و حكم الشرع، ثمّ يأتي المكلّف بمحتمل العبادة بقصد امتثال هذا الأمر، فيتم الاحتياط في العبادات.

و هذه الدعوى مدفوعة:

أوّلا: لما تقدّم في الأمر الأوّل من أنّ الاحتياط في العبادات يتوقّف على الأمر، و حكم العقل بالحسن لا يكون إلّا بعد تحقّق الاحتياط و هو منتف بانتفاء الأمر، فكيف يحكم العقل بالحسن؟! و بذلك يختصّ حكم العقل بحسن الاحتياط في التوصّليّات فقط لإمكان جريان الاحتياط فيها دون التعبديّات.

و ثانيا: بما تقدّم في الشبهة التحريميّة، من أنّ الأمر الشرعي بهذا النحو من الانقياد، كأمره بالانقياد الحقيقي إرشادي محض، فيكون خارجا عن المقام أصلا.

و ما ذكر من الملازمة على تقدير تسليمها إنّما هي بين حكم العقل في جانب علل الأحكام و تبعيّتها للمصالح و المفاسد و بين حكم الشرع، و ذلك كحكم العقل بحسن الإحسان و قبح الظلم حيث يكون ملازما لحكم الشرع بالأمر بالإحسان و النهي عن الظلم.

و أمّا حكم العقل في جانب معلولات الأحكام، فلا يكون ملازما له، كما ذكر في محلّه، و ذلك كحكم العقل بلزوم الإطاعة في موارد العلم بالتكاليف الشرعيّة، و حكمه بحسن الاحتياط في موارد الشكّ فيها، حيث يكون حكم العقل بالإطاعة- حقيقيّة كانت كموارد

____________

(1) الأنفال: 1.

48

و يحتمل الجريان بناء على أن هذا المقدار من الحسن العقلي يكفي في العبادة و منع توقّفها على ورود أمر بها.

____________

العلم بالتكاليف، أو حكميّة كموارد الشكّ فيها- معلولا للحكم الشرعي، و إلّا لا معنى للإطاعة أصلا.

فإن ورد أمر من الشارع بالاحتياط في موارد الشكّ في التكليف، و بالإطاعة في موارد العلم به كقوله تعالى: وَ أَطِيعُوا اللَّهَ وَ رَسُولَهُ* كان إرشاديا، فلا يترتّب على موافقته و لا على مخالفته إلّا ما يترتّب على وجود المأمور به و عدمه، كما هو شأن الأوامر الإرشاديّة.

و بالجملة، الأمر بالاحتياط على فرض الأمر به إرشادي، لا ينفع في جعل الشي‏ء عبادة، فعباديّة الدعاء لا تحصل بالأمر بالاحتياط، كما أنّ عباديّة الصلاة لا تحصل من الأمر بالإطاعة في قوله تعالى: وَ أَطِيعُوا اللَّهَ وَ رَسُولَهُ* بل تتحقّق عباديّتها بالأمر المولوي المتعلّق بنفس الصلاة في قوله تعالى: وَ أَقِيمُوا الصَّلاةَ (1) و في قول النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله): (صلّوا كما رأيتموني اصلّي) (2).

و منها: ما أشار إليه بقوله: (و يحتمل الجريان بناء على أنّ هذا المقدار من الحسن العقلي يكفي في العبادة و منع توقّفها على ورود أمر بها).

و ملخّص هذا الوجه لجريان الاحتياط في العبادات هو كفاية مطلق الحسن العقلي في كون الشي‏ء عبادة، و لا يحتاج إلى الأمر المتعلّق بها و لو احتمالا، حتى يتوقّف الاحتياط فيها على قصد امتثال ذلك الأمر، بل يكفي في الاحتياط في العبادة إتيان محتمل الوجوب بداعي كونه محبوبا للمولى، و إن لم يكن مأمورا به في الواقع، و لكنه مردود بما ذكرنا في الجواب عن الوجه الأوّل و الثاني، من أنّ حكم العقل بحسن الاحتياط يتوقّف على تحقّقه.

و حينئذ لو قلنا بأنّ تحقّق الاحتياط موقوف على حكم العقل بالحسن لزم الدور- كما لا يخفى- فالأولى أن يقال: إنّ حكم العقل بحسن الاحتياط مختصّ بالاحتياط في التوصّليّات فقط.

____________

(1) الروم: 31.

(2) غوالي اللآلئ 1: 198/ 8. البحار 82: 279. صحيح البخاري 1: 226/ 605.

49

بل يكفي الإتيان به لاحتمال كونه مطلوبا، أو كون تركه مبغوضا، و لذا استقرّت سيرة العلماء و الصلحاء فتوى و عملا على إعادة العبادات لمجرّد الخروج عن مخالفة النصوص الغير المعتبرة و الفتاوى النادرة.

و استدلّ في الذكرى في خاتمة قضاء الفوائت على شرعيّة قضاء الصلاة لمجرّد احتمال خلل فيها موهوم بقوله تعالى:

فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ‏ (1)

، و

اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ‏ (2)

، و قوله:

وَ الَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَ قُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى‏ رَبِّهِمْ راجِعُونَ‏ (3)

.

____________

و منها: ما أشار إليه بقوله: (بل يكفي الإتيان به لاحتمال كونه مطلوبا، أو كون تركه مبغوضا).

و حاصل هذا الوجه في تصحيح الاحتياط في العبادات هو أنّه يكفي في كون الشي‏ء عبادة إتيانه بقصد امتثال الأمر المحتمل، و لا يتوقّف على الأمر المعلوم تفصيلا أو إجمالا حتى ينتفي في مورد الشكّ، غاية الأمر هو الفرق بين مورد العلم بالأمر و بين مورد الشكّ فيه، فيعتبر قصد امتثال الأمر المعلوم في الأوّل و يكفي قصد امتثال الأمر المحتمل في الثاني، و حينئذ لا يبقى فرق بين العبادات و التوصّليّات في جريان الاحتياط.

و يدلّ على هذا الوجه ما استقرّ به من‏ (سيرة العلماء و الصلحاء فتوى و عملا على إعادة العبادات لمجرّد الخروج عن مخالفة النصوص الغير المعتبرة و الفتاوى النادرة).

فإنّهم كانوا يعيدون الصلاة الواقعة بلا استعاذة، لاحتمال الأمر بها معها حينما يجدون رواية ضعيفة على وجوب الاستعاذة أو فتوى نادرة على وجوبها فيها.

و يدلّ على هذا الوجه- أيضا- ما استدلّ به‏ (في الذكرى في خاتمة قضاء الفوائت على شرعيّة قضاء الصلاة لمجرد احتمال خلل فيها موهوم بقوله تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ، و اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ، و قوله: وَ الَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَ قُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى‏ رَبِّهِمْ راجِعُونَ‏).

و حاصل تقريب ما استدلّ به في الذكرى في المقام هو استحباب الإتيان بمحتمل‏

____________

(1) التغابن: 16.

(2) آل عمران: 102.

(3) المؤمنون: 60.

50

و التحقيق أنّه إن قلنا بكفاية احتمال المطلوبيّة في صحة العبادة في ما لا يعلم المطلوبيّة و لو إجمالا فهو، و إلّا فما أورده (رحمه اللّه) في الذكرى كأوامر الاحتياط لا يجدي في صحتها.

____________

الوجوب احتياطا، فإنّ مقتضى التقوى و الخوف من اللّه تعالى هو الإتيان بمحتمل الوجوب، و هو المطلوب، كما تدلّ عليه هذه الآيات، فإذا أتى المكلّف بمحتمل الوجوب خوفا من اللّه تعالى، فقد اتّقى اللّه حقّ تقاته.

و لعلّ ما ذكرناه أولى ممّا ذكره الاستاذ الاعتمادي حيث جعل آيات الاتّقاء وجها خامسا لتصحيح الاحتياط في العبادات؛ و ذلك لأنّ المستفاد من ظاهر كلام المصنّف (قدّس سرّه) هو أن نظره كان إلى استدلال الشهيد لا إلى ما استدلّ به، فأراد أن يجعل استدلاله دليلا على تصحيح الاحتياط في العبادات كسيرة العلماء و الصلحاء، فتدبّر حتى تعرف أنّ الظاهر هو عطف قوله: و استدلّ في الذكرى، على قوله: استقرّت سيرة العلماء ... إلى آخره.

(و التحقيق أنّه إن قلنا بكفاية احتمال المطلوبيّة في صحّة العبادة في ما لا يعلم المطلوبيّة و لو إجمالا فهو ... إلى آخره).

و حاصل كلام المصنّف (قدّس سرّه) هو أنّه إن قلنا بكفاية احتمال المطلوبيّة في صحّة العبادة، لكان الاحتياط فيها صحيحا، و كان الاستدلال بما ذكر من سيرة العلماء و استدلال الشهيد في الذكرى في محلّه، و إلّا فلا يصحّ الاستدلال بالسيرة، و ما في الذكرى.

أما عدم صحّة الاستدلال بالسيرة فواضح، و لم يتعرّضه المصنّف (قدّس سرّه)، فإنّ السيرة جرت على استحباب الفعل من حيث هو هو، و محلّ الكلام هو استحبابه بعنوان الاحتياط.

و أما عدم صحّة الاستدلال بما في الذكرى، فقد أشار إليه بقوله:

(فما أورده (رحمه اللّه) في الذكرى كأوامر الاحتياط لا يجدي في صحّتها).

أوّلا: لما تقدّم من أن أوامر الاحتياط كأوامر الإطاعة إرشادية و هي خارجة عن المقام.

و ثانيا: على فرض كونها مولويّة، لم تكن مجدية في صحّة العبادة؛ و ذلك لأنّ إثبات صحّة الاحتياط في العبادات بأوامر الاحتياط و الاتّقاء مستلزم للدور الباطل، و ذلك لأنّ موضوع هذه الأوامر هو الاحتياط و التقوى لا يتحقّق إلّا بها؛ لأنّ الاحتياط كالتقوى هو الإتيان بمحتمل العبادة مع جميع ما يعتبر فيه، و منه قصد القربة المتوقّف على وجود الأمر، فالاحتياط موقوف على الأمر من باب توقّف المقيّد على القيد، و الأمر- أيضا-

51

لأنّ موضوع التقوى و الاحتياط الذي تتوقّف عليه هذه الأوامر لا يتحقّق إلّا بعد إتيان محتمل العبادة على وجه يجتمع فيه جميع ما يعتبر في العبادة حتى نيّة التقرّب، و إلّا لم يكن احتياطا، فلا يجوز أن تكون تلك الأوامر منشأ للقربة المنويّة فيها، اللّهم إلّا أن يقال:- بعد النقض بورود هذا الإيراد في الأوامر الواقعيّة بالعبادات مثل قوله:

أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ آتُوا الزَّكاةَ (1)

حيث أنّ قصد القربة ممّا يعتبر في موضوع العبادة شطرا أو شرطا، و المفروض ثبوت مشروعيّتها بهذا الأمر الوارد فيها- إنّ المراد من الاحتياط و الاتّقاء في هذه الأوامر هو مجرّد الفعل المطابق للعبادة من جميع الجهات عدا نيّة القربة، فمعنى الاحتياط بالصلاة

____________

موقوف على الاحتياط، لتوقّف كلّ حكم على موضوعه، و هذا هو الدور الواضح، و قد أشار إليه بقوله:

(فلا يجوز أن تكون تلك الأوامر منشأ للقربة المنويّة فيها، اللّهم إلّا أن يقال- بعد النقض بورود هذا الإيراد في الأوامر الواقعيّة بالعبادات مثل قوله: أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ آتُوا الزَّكاةَ ... إلى آخره).

و قد أجاب المصنّف (قدّس سرّه) عن لزوم الدور بالنقض تارة و بالحلّ اخرى.

أمّا النقض فهو أنّ إيراد الدور لا يختصّ بأوامر الاحتياط، بل يأتي و يجري في الأوامر الواقعيّة بالعبادات أيضا، ك أَقِيمُوا الصَّلاةَ* مثلا، حيث يكون قصد القربة معتبرا فيها شطرا أو شرطا، و المفروض أنّ ثبوت مشروعيّتها و كونها عبادة هو بنفس الأمر المتعلّق بها، فيلزم ما ذكر من الدور، و ذلك؛ لأنّ كون الصلاة عبادة موقوف على الأمر بها لاعتبار قصد القربة فيها، و الأمر بها موقوف على كونها عبادة لتوقّف الحكم على الموضوع، و حينئذ لا بدّ من الجواب الحلّي في كلا الموردين.

و قد أجاب بالحلّ عن الاحتياط، و منه يعلم الجواب عن العبادات الواقعيّة، فأشار إليه بقوله:

(إنّ المراد من الاحتياط و الاتّقاء في هذه الأوامر هو مجرّد الفعل المطابق للعبادة من جميع الجهات عدا نيّة القربة).

____________

(1) البقرة: 110.

52

الإتيان بجميع ما يعتبر فيها عدا قصد القربة، فأوامر الاحتياط تتعلّق بهذا الفعل، و حينئذ فيقصد المكلّف فيه التقرّب بإطاعة هذا الأمر.

و من هنا يتّجه الفتوى باستحباب هذا الفعل، و إن لم يعلم المقلّد كون هذا الفعل ممّا شكّ في كونها عبادة، و لم يأت به بداعي احتمال المطلوبيّة.

و لو اريد بالاحتياط في هذه الأوامر معناه الحقيقي، و هو إتيان الفعل لداعي احتمال المطلوبيّة لم يجز للمجتهد أن يفتي باستحبابه إلّا مع التقييد بإتيانه بداعي الاحتمال حتى يصدق عليه عنوان الاحتياط مع استقرار سيرة أهل الفتوى على خلافه، فيعلم أنّ المقصود

____________

فلا يتوقّف تحقّق الاحتياط و الاتّقاء على الأمر حتى يلزم الدور.

فإنّ معنى الاحتياط- حينئذ- هو إتيان محتمل العبادة بجميع ما يعتبر فيه عدا نيّة القربة، ثمّ يقصد المكلّف في مقام الإتيان بمحتمل العبادة إطاعة هذا الأمر المتعلّق بالاحتياط، كما يقصد في مقام امتثال الأمر بالعبادة الواقعيّة إطاعة الأمر المتعلّق بها، ثمّ إنّ لزوم قصد امتثال الأمر في الموردين، إمّا بأمر ثان أو بحكم العقل، و على التقديرين لا يلزم الدور.

و بالجملة، إنّ الموضوع في أوامر الاحتياط هو الاحتياط المتحقّق بمجرد إتيان محتمل العبادة، فلا يتوقّف تحقّقه على الأمر حتى يلزم الدور. فتأمّل جيدا.

(و من هنا يتّجه الفتوى باستحباب هذا الفعل، و إن لم يعلم المقلّد كون هذا الفعل ممّا شكّ في كونها عبادة، و لم يأت به بداعي احتمال المطلوبيّة).

يبيّن المصنّف (قدّس سرّه) الفرق بين الاحتياط بمعنى: إتيان محتمل العبادة من دون قصد امتثال الأمر المحتمل، و بين ما إذا كان الاحتياط بمعنى: إتيان محتمل العبادة بداعي المطلوبيّة و امتثال الأمر، فيقول:

(و من هنا).

أي: من أنّ الاحتياط يتحقّق بإتيان محتمل العبادة شرعا من دون قصد امتثال الأمر تتّجه الفتوى باستحباب هذا الفعل المحتمل كونه عبادة و إن لم يعلم المقلّد كون هذا الفعل ممّا شكّ في كونه عبادة، فلم يأت به بداعي احتمال الأمر و المطلوبيّة، و ذلك لعدم توقّف الاحتياط- حينئذ- على الإتيان بداعي احتمال المطلوبيّة.

53

إتيان الفعل بجميع ما يعتبر فيه عدا نيّة الداعي.

ثمّ إنّ منشأ احتمال الوجوب إذا كان خبرا ضعيفا فلا حاجة إلى أخبار الاحتياط و كلفة إثبات أنّ الأمر فيها للاستحباب الشرعي دون الإرشاد العقلي، لورود بعض الأخبار باستحباب فعل كلّ ما يحتمل فيه الثواب.

____________

و هذا بخلاف ما إذا كان الاحتياط بالمعنى الحقيقي، و هو إتيان محتمل العبادة بداعي احتمال المطلوبيّة، فحينئذ لم يجز للمجتهد أن يفتي باستحباب هذا الفعل إلّا مع التقييد بإتيانه بداعي الاحتمال المذكور حتى يصدق عليه عنوان الاحتياط.

ثمّ يقول المصنّف (قدّس سرّه): إنّ المعنى الثاني للاحتياط مخالف لسيرة أهل الفتوى، إذ فتواهم باستحباب الفعل لم يكن مقيّدا بإتيانه بداعي الأمر المحتمل، و من هنا نكشف أنّ المراد بالاحتياط لم يكن معناه الحقيقي، بل المراد به هو إتيان محتمل العبادة بجميع ما يعتبر فيه عدا نيّة الداعي المذكور.

و منها: ما أشار إليه بقوله:

(ثمّ إنّ منشأ احتمال الوجوب إذا كان خبرا ضعيفا فلا حاجة إلى أخبار الاحتياط ... إلى آخره).

و حاصل هذا الوجه هو تصحيح الاحتياط في العبادات بأخبار من بلغ، من دون حاجة إلى القول بكفاية الحسن الذاتي في نيّة القربة، أو كفاية إتيان محتمل العبادة بنيّة احتمال الأمر أو أوامر الاحتياط، و إثبات كونها مولويّة لا إرشاديّة، فإنّ الأخبار الواردة في هذا الباب المعروفة بأخبار (من بلغه عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) شي‏ء من الثواب فعمله كان أجر ذلك له و إن كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لم يقله) كافية في استحباب فعل احتمل وجوبه نظرا إلى ما هو المشهور بين الفقهاء من التسامح في أدلّة السنن، فيثبت استحباب محتمل الوجوب بهذه الأخبار فيؤتى بمحتمل الوجوب بقصد امتثال هذا الأمر، فيصحّ الاحتياط في العبادات بهذه الأخبار.

غاية الأمر مورد هذه الأخبار مختصّ بما إذا كان منشأ احتمال الوجوب خبرا ضعيفا لا فتوى الفقيه، لأنّ المفتي ليس مخبرا عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)، فلا يصدق عليه البلوغ عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله).

و هذه الأخبار و إن كانت كثيرة إلّا إنّا نكتفي بما ذكره المصنّف (قدّس سرّه) حذرا من التطويل:

منها: ما أشار إليه (قدّس سرّه) بقوله:

54

كصحيحة هشام بن سالم المحكيّة عن المحاسن عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: (من بلغه عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) شي‏ء من الثواب فعمله كان أجر ذلك له و إن كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لم يقله)

(1)

.

و عن البحار، بعد ذكرها: «إنّ هذا الخبر من المشهورات رواه العامّة و الخاصّة بأسانيد».

و الظاهر أنّ المراد من (شي‏ء من الثواب) بقرينة ضمير (فعمله) و إضافة الأجر إليه هو الفعل المشتمل على الثواب.

و في عدّة الداعي عن الكليني (رحمه اللّه) أنّه روى بطرقه عن الأئمّة (عليهم السلام): (أنّه من بلغه شي‏ء من الخير فعمل به كان له من الثواب ما بلغه و إن لم يكن الأمر كما بلغه)

(2)

.

و أرسل نحوه السيّد (رحمه اللّه) في الإقبال عن الصادق (عليه السلام) إلّا إنّ فيه: (كان له ذلك)

(3)

.

____________

(كصحيحة هشام بن سالم المحكيّة عن المحاسن عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: (من بلغه عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) شي‏ء من الثواب، فعمله كان أجر ذلك له و إن كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لم يقله)).

ثمّ قوله: (و الظاهر أنّ المراد من شي‏ء من الثواب ... إلى آخره).

دفع لما يتوهّم من أنّ بلوغ الثواب لا يفيد في إثبات أصل الاستحباب في المقام، بل الظاهر من بلوغ الثواب هو بلوغ قدر معيّن من الثواب فيما إذا كان أصل الاستحباب أو الوجوب ثابتا بدليل معتبر، كإحياء ليلة القدر مثلا، ثمّ بلغ بطريق غير معتبر مقدار معيّن من الثواب، كما إذا بلغ عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) فرضا أنّ إحياء ليلة القدر كفّارة للذنوب، و إن كانت بعدد النجوم عددا، و ثقل الجبال ثقلا! فهذه الأخبار خارجة عن محلّ الكلام، لأنّ محلّ الكلام إثبات أصل الاستحباب بها، و هذه الأخبار ناظرة إلى مقدار الثواب مع ثبوت الاستحباب مع قطع النظر عنها.

و بالجملة، إنّ هذه الأخبار ناظرة إلى بيان مقدار الثواب لا إلى أصل الاستحباب.

و حاصل الدفع هو أنّ المراد من‏ (شي‏ء من الثواب) بقرينة رجوع ضمير (فعمله) إليه، و إضافة الأجر إليه هو الفعل المشتمل على الثواب لا نفس الثواب، لأنّ الثواب لم يعمل، و لا أجر له، فلا بدّ من أن يكون المراد منه فعلا مشتملا على الثواب حتى يكون معنى‏

____________

(1) المحاسن 1: 93/ 53. الوسائل 1: 81، أبواب مقدمة العبادات، ب 18، ح 3.

(2)؟، الوسائل 1: 82، أبواب مقدمة العبادات، ب 18، ح 8.

(3) إقبال الأعمال 3: 170. الوسائل 1: 82، أبواب مقدمة العبادات، ب 18، ح 9.

55

و الأخبار الواردة في هذا الباب كثيرة، إلّا إنّ ما ذكرناه أوضح دلالة على ما نحن فيه.

____________

الحديث حينئذ: من بلغه عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) فعل له ثواب، فعمل الفعل كان له أجر ذلك الفعل.

و من المعلوم أنّ الثواب يترتّب على الفعل إذا كان مستحبا، فيكون مفاد هذه الأخبار استحباب هذا الفعل، و هو المطلوب.

(و الأخبار الواردة في هذا الباب كثيرة، إلّا إنّ ما ذكرناه أوضح دلالة على ما نحن فيه).

لأنّها تدلّ بالمطابقة على ثبوت الثواب، و من المعلوم أنّ ترتّب الثواب كاشف عن وجود أمر، فتدلّ هذه الأخبار بالالتزام على وجود أمر مولوي استحبابي بإتيان الفعل الذي بلغ له الثواب، فيصحّ- حينئذ- إتيان محتمل العبادة بداعي امتثال هذا الأمر. هذا تمام الكلام في تصحيح الاحتياط في العبادات بأخبار من بلغ.

و قبل بيان ما يرد على الاستدلال بهذه الأخبار على تصحيح الاحتياط في العبادات نذكر ما يمكن أن يكون المراد بها من الاحتمالات:

منها: أن يكون المراد بهذه الأخبار إلغاء ما يشترط في حجيّة أخبار الآحاد، فيما إذا كان مدلولها حكما مستحبّا، فلا يشترط في اعتبارها و حجّيتها عدالة الراوي، أو وثاقته، كما يشترط في حجيّتها ذلك فيما لو كان مدلولها حكما إلزاميّا كالوجوب، فيثبت استحباب شي‏ء بخبر ضعيف، و لا يثبت وجوب شي‏ء إلّا بخبر صحيح، و لهذا سمّيت هذه الأخبار بما دلّ على التسامح في أدلّة السنن، كما سميت بأخبار من بلغ، فهذا الاحتمال لا يكون مربوطا بما نحن فيه، بل هذه الاخبار ناظرة إلى اعتبار أخبار الآحاد في السنن- و إن كانت ضعيفة.

و منها: أن يكون المراد بها تحديد الثواب بعد ما ثبت استحباب شي‏ء بدليل معتبر، و هذا الاحتمال- أيضا- خارج عمّا نحن فيه، و تقدّم الكلام فيه بعنوان التوهّم، فراجع.

و منها: أن يكون المراد بها إثبات أصل استحباب فعل احتمل وجوبه بخبر ضعيف، و هذا الاحتمال هو الذي يرتبط بالمقام، حيث يثبت استحباب محتمل الوجوب بهذه الأخبار، فيأتي بمحتمل الوجوب امتثالا لهذا الأمر.

ثمّ إنّ المصنّف أورد على هذه الأخبار بوجوه:

منها: ما أشار إليه بقوله:

56

و إن كان يورد عليه- أيضا- تارة: بأنّ ثبوت الأجر لا يدلّ على الاستحباب الشرعي.

و اخرى: بما تقدّم في أوامر الاحتياط من أنّ قصد القربة مأخوذ في الفعل المأمور به بهذه الأخبار، فلا يجوز أن تكون هي المصحّحة لفعله، فيختص موردها بصورة تحقّق الاستحباب و كون البالغ هو الثواب الخاصّ، فهو المتسامح فيه دون أصل شرعيّة الفعل.

____________

(و إن كان يورد عليه- أيضا- تارة: بأن ثبوت الأجر لا يدلّ على الاستحباب الشرعي).

و ذلك لعدم الملازمة بين الثواب و بين الاستحباب الشرعي، إذ من المحتمل أن يكون الثواب في مقابل الإتيان بمحتمل الوجوب احتياطا لكونه إطاعة حكميّة، فيكون الثواب عليها تفضّلا لا استحقاقا، و قد تقدّم أنّ الأمر بالإطاعة حقيقيّة كانت أو حكميّة إرشادي خارج عن المقام.

و منها: ما أشار إليه بقوله:

(و اخرى: بما تقدّم في أوامر الاحتياط من أنّ قصد القربة مأخوذ في الفعل المأمور به بهذه الأخبار، فلا يجوز أن تكون هي المصحّحة لفعله، فيختصّ موردها بصورة تحقّق الاستحباب).

و ملخّص هذا الإشكال هو عدم إمكان إثبات أصل استحباب ما دلّ على وجوبه خبر ضعيف بهذه الأخبار، لكونه مستلزما للدور، فإنّ المأمور به بهذه الأخبار هو الفعل المستحب المأخوذ فيه قصد القربة، و من باب أنّ الموضوع يجب أن يكون ثابتا قبل الحكم لتوقّف الحكم عليه، فلو توقّف ثبوت الموضوع على الحكم لزم الدور، ففي المقام لو كان استحباب محتمل الوجوب ثابتا بهذه الأخبار لزم الدور، لأنّ شمولها له موقوف على تحقّق استحبابه، و تحقّق استحبابه لو كان موقوفا على شمولها و دلالتها عليه لزم الدور المذكور، فيختصّ موردها بصورة تحقّق الاستحباب مع قطع النظر عن هذه الأخبار، فلا تشمل محتمل العبادة، فهذه الأخبار ناظرة إلى كون البالغ هو الثواب الخاص بعد ثبوت أصل الاستحباب بدليل معتبر كما هو أحد الاحتمالات فيها، فإنّ المتسامح فيه هو الثواب الخاص دون أصل شرعيّة الفعل، بل لا بدّ في إثبات شرعيّة الفعل من دليل معتبر.

و منها: ما أشار إليه بقوله: