دروس في الرسائل - ج5

- غلام علي‏ المحمدي البامياني المزيد...
453 /
7

[تتمة المقصد الثالث الشك‏]

[تتمة المقام الثانى فى الاستصحاب‏]

[تتمة التنبيهات‏]

الأمر الثالث‏

إنّ المتيقّن السابق إذا كان ممّا يستقلّ به العقل، كحرمة الظلم و قبح التكليف بما

____________

[الأمر الثالث في استصحاب الحكم العقلي أو الحكم الشرعي المستند إلى الحكم العقلي‏]

الأمر الثالث‏ و قبل الخوض في البحث تفصيلا عن هذا الأمر- الثالث- لا بدّ من تحرير محلّ الكلام فيه، فنقول:

إنّ المتيقّن السابق الثابت أوّلا على أقسام، فإنّه قد يكون من مقولة الموضوع، و قد يكون من مقولة الحكم، و على الثاني قد يكون عقليّا و قد يكون شرعيّا، و على الثاني قد يكون الحكم الشرعي تابعا للحكم العقلي و مستندا إليه، و قد لا يكون كذلك.

و محلّ الكلام من هذه الأقسام هو القسمان منها، أي: الحكم العقلي و الحكم الشرعي التابع له المتحد معه موضوعا، إذ لا إشكال في جريان الاستصحاب فيما إذا كان المتيقّن السابق من مقولة الموضوع و من الحكم الشرعي غير المستند إلى الحكم العقلي.

ثمّ الكلام فيما هو محلّ الكلام من القسمين قد يقع الكلام في جريان الاستصحاب في نفس الحكم العقلي و الحكم الشرعي التابع له و قد يقع في إجراء الاستصحاب في موضوعهما، فلا بدّ من البحث في مقامات أربع:

الأوّل: في إمكان جريان الاستصحاب في نفس الحكم العقلي، كحرمة الظلم العقليّة، بمعنى إلزام العقل بتركه و تقبيح ارتكابه مع قطع النظر عن حكم الشرع به.

الثاني: في إمكان جريان الاستصحاب في الحكم الشرعي المستند إلى الحكم العقلي المستكشف بقاعدة التطابق.

الثالث: في إمكان الاستصحاب في موضوع الحكم العقلي فيما علم به سابقا و شكّ في بقائه ليترتّب عليه الحكم العقلي.

الرابع: في إمكان جريانه في الموضوع ليترتّب عليه الحكم الشرعي المشارك للحكم العقلي في الموضوع بالفرض، كما في بحر الفوائد مع تصرّف منّا.

و قد أشار المصنّف (قدّس سرّه) إلى المقام الأوّل بقوله:

إنّ المتيقّن السابق إذا كان ممّا يستقلّ به العقل، كحرمة الظلم و قبح التكليف بما

8

لا يطاق و نحوهما من المحسّنات و المقبّحات العقليّة، فلا يجوز استصحابه، لأنّ الاستصحاب إبقاء ما كان، و الحكم العقلي موضوعه معلوم تفصيلا للعقل الحاكم به.

فإن أدرك العقل بقاء الموضوع في الآن الثاني حكم به حكما قطعيّا كما حكم أوّلا، و إن أدرك ارتفاعه قطع بارتفاع ذلك الحكم.

____________

لا يطاق و نحوهما من المحسّنات و المقبّحات العقليّة، فلا يجوز استصحابه‏.

وجه عدم جريان الاستصحاب في الحكم العقلي يتّضح بعد ذكر مقدّمة، و هي: بيان الفرق بين حكم العقل و الشرع.

و حاصل الفرق أنّ الموضوع في حكم العقل هو نفس مناط الحكم و علّته، بخلاف الموضوع في حكم الشرع حيث لا يكون نفس المناط و العلّة، إذ لا يجب على الشارع أن يجعل موضوع حكمه في لسان الدليل عين ما هو مناط الحكم و علّته.

فحينئذ يمكن أن يكون الموضوع شيئا و المناط شيئا آخر، و ذلك كحكم الشارع بحرمة الخمر حيث يكون المناط فيه هو الإسكار، و الموضوع هو الخمر، فقد علم من هذا الفرق أنّ الموجود في حكم العقل و القضيّة العقليّة هو أمران: أحدهما الحكم، و الآخر الموضوع المتحد مع المناط. و في حكم الشرع و القضيّة الشرعيّة ثلاثة امور:

الأوّل‏: هو الحكم. و الثاني‏: هو الموضوع. و الثالث‏: هو المناط.

إذا عرفت هذه المقدّمة يتّضح لك وجه عدم جريان الاستصحاب في الحكم العقلي و جريانه في الحكم الشرعي.

أمّا الأوّل؛ فلانتفاء الشكّ في البقاء في حكم العقل، مع أنّ الشكّ في البقاء يكون من أركان الاستصحاب و هو لا يتصوّر في الحكم العقلي، لما عرفت من أنّ الموضوع في حكم العقل هو علّة ذلك الحكم المحمول.

فإن أدرك العقل بقاء الموضوع في الآن الثاني حكم به حكما قطعيّا كما حكم أوّلا، و إن أدرك ارتفاعه‏ حكم بارتفاع ذلك الحكم بطريق القطع فلا يتصوّر الشكّ فيه، و مع عدم الشكّ كيف يتصوّر الاستصحاب ...؟.

و بعبارة اخرى: إنّ الحاكم بشي‏ء لا يحكم به إلّا بعد إحراز جميع ما له دخل في حكمه بذلك الشي‏ء، فإن وجده في الزمان الثاني يحكم به، كما حكم في الزمان الأوّل و إلّا فلا

9

و لو ثبت مثله بدليل لكان حكما جديدا حادثا في موضوع جديد.

و أمّا الشكّ في بقاء الموضوع، فإن كان لاشتباه خارجي، كالشكّ في بقاء الإضرار في السمّ الذي حكم العقل بقبح شربه، فذلك خارج عمّا نحن فيه، و سيأتي الكلام فيه، و إن‏

____________

يحكم به أصلا.

و أمّا الثاني- و هو جريان الاستصحاب في الحكم الشرعي- فلإمكان الشكّ فيه مع بقاء موضوعه المأخوذ في الدليل، كالشكّ في حرمة الخمر بعد زوال السكر لاحتمال مدخليّته فيها فيستصحب الحرمة.

و لو ثبت مثله بدليل لكان حكما جديدا حادثا في موضوع جديد، بأن يفرض مثلا حكم العقل بقبح الكذب لكونه ضارا، ثمّ لو صار الكذب غير ضار يحكم العقل أيضا بقبحه، و هذا الحكم الثاني ليس من جهة استصحاب حكم العقل الأوّل، بل هو حكم جديد في موضوع جديد. هذا تمام الكلام في عدم جريان الاستصحاب في الحكم العقلي بمعنى الإدراك؛ لأنّ العقل لا يشكّ في إدراكه، فإنّه في الزمان الثاني لا يخلو عن أحد احتمالين؛ إمّا يدرك ما أدركه أولا أو لا يدرك.

و أمّا عدم جريان الاستصحاب في الحكم العقلي بمعنى الإنشاء فأوضح من الشمس، إذ لا يعقل شكّ المنشئ في إنشائه عقلا كان أو شرعا؛ لأنّ المنشئ بعد إنشائه في الزمان الأوّل في الزمان الثاني لا يخلو عن أحد احتمالين: إمّا أن ينشئ ما أنشأه أوّلا، أو لا ينشئه، و لا يعقل الشكّ في بقاء ما أنشأه أوّلا، كي يستصحب، كما في بحر الفوائد، مع تصرّف و تلخيص منّا.

و أمّا الشكّ في بقاء الموضوع، فإن كان لاشتباه خارجي، كالشكّ في بقاء الإضرار في السمّ الذي حكم العقل بقبح شربه، فذلك خارج عمّا نحن فيه‏، أي: استصحاب الحكم العقلي؛ لأنّ ما نحن فيه هو إمكان إجراء الاستصحاب في الحكم العقلي.

[صور الشكّ في بقاء الحكم العقلي‏]

و حاصل الكلام على ما في شرح الاستاذ الاعتمادي، هو أنّ الشكّ في بقاء الحكم العقلي يتصوّر على أربعة أقسام:

أحدها: الشكّ فيه مع العلم ببقاء موضوعه.

ثانيها: الشكّ فيه مع العلم بارتفاع موضوعه، و قد عرفت عدم إمكانهما.

10

كان لعدم تعيين الموضوع تفصيلا و احتمال مدخليّة موجود مرتفع أو معدوم حادث في موضوعيّة الموضوع، فهذا غير متصوّر في المستقلّات العقليّة، لأنّ العقل لا يستقلّ بالحكم إلّا بعد إحراز الموضوع و معرفته تفصيلا.

____________

ثالثها: الشكّ فيه للشكّ في بقاء موضوعه من جهة الاشتباه الخارجي، و هذا ما سيأتي الكلام فيه‏ في قوله: و أمّا موضوعه ... إلى آخره‏.

رابعها: الشكّ فيه للشكّ في بقاء موضوعه من جهة عدم تعيّنه من أصله، و قد أشار إليه بقوله:

و إن كان لعدم تعيين الموضوع تفصيلا و احتمال مدخليّة موجود مرتفع أو معدوم حادث في موضوعيّة الموضوع‏؛ و ذلك كحكم العقل بالتخيير في دوران الأمر بين المحذورين، حيث لا يعلم المكلّف بأنّ التخيير ابتدائي، فلا يجوز له العدول عمّا اختاره أوّلا، أو استمراري، فيجوز له العدول عمّا اختاره أوّلا، و منشأ الشكّ فيه هو عدم تعيّن الموضوع.

إذ يحتمل أن يكون موضوع التخيير مجرّد دوران الأمر بين المحذورين، فيكون التخيير حينئذ استمراريا، و يحتمل مدخليّة وجود شي‏ء في الموضوع، بأن يكون موضوع التخيير دوران الأمر بين المحذورين للمتحيّر في أوّل الأمر، فيكون التخيير حينئذ ابتدائيا، إذ بمجرّد الأخذ بالوجوب أو الحرمة يرتفع موضوع التخيير، و يحتمل مدخليّة عدم شي‏ء في الموضوع، بأن يكون الموضوع دوران الأمر بين المحذورين مع عدم الأخذ بأحد الحكمين، فيكون التخيير ابتدائيا أيضا، إذ بعد الأخذ بأحدهما يرتفع الموضوع.

إلّا أنّ الشكّ في بقاء الحكم العقلي من جهة الشكّ في موضوعه لعدم تعيّنه‏ غير متصوّر في المستقلّات العقليّة، لأنّ العقل لا يستقلّ بالحكم إلّا بعد إحراز الموضوع و معرفته تفصيلا.

ففي المثال المذكور؛ إمّا يحكم العقل بالتخيير الابتدائي أو الاستمراري بطريق القطع؛ و ذلك فإنّ حكم العقل بالتخيير الابتدائي مبني على حكمه بقبح المخالفة العمليّة التدريجيّة، و حكمه بالتخيير الاستمراري مبني على حكمه بعدم المخالفة العمليّة التدريجيّة مع الالتزام في كلّ واقعة بأحد الاحتمالين، و على التقديرين لا شكّ في حكم العقل؛ لأنّ العقل؛ إمّا يستقلّ بقبح المخالفة المذكورة أو بعدم قبحها.

11

لأنّ القضايا العقليّة إمّا ضروريّة لا يحتاج العقل في حكمه إلى أزيد من تصوّر الموضوع بجميع ما له دخل في موضوعيّته من قيوده، و إمّا نظريّة تنتهي إلى ضروريّة كذلك، فلا يعقل إجمال الموضوع في حكم العقل.

مع أنّك ستعرف في مسألة اشتراط بقاء الموضوع أنّ الشكّ في الموضوع- خصوصا لأجل مدخليّة شي‏ء- مانع عن إجراء الاستصحاب.

فإن قلت: فكيف يستصحب الحكم الشرعي مع أنّه كاشف عن حكم عقلي مستقلّ،

____________

لأنّ القضايا العقليّة إمّا ضروريّة لا يحتاج العقل في حكمه إلى أزيد من تصوّر الموضوع بجميع ما له دخل في موضوعيّته من قيوده‏، كحكمه بقبح التصرّف في مال الغير من دون إذن المالك أو الشارع.

و إمّا نظريّة تنتهي إلى ضروريّة كذلك‏، أي: لا يحتاج العقل إلى أزيد من تصوّر الموضوع ... إلى آخره، كحكمه بعدم تنجّز التكليف على الجاهل، فإنّه حكم نظري ينتهي إلى حكم ضروري، أعني: قبح العقاب بلا بيان على ما في شرح الاستاذ الاعتمادي.

فلا يعقل إجمال الموضوع في حكم العقل. مع أنّك‏ لو فرضت إجمال موضوع حكم العقل، كما قال النائيني (رحمه اللّه): إنّه يمكن أن يكون الموضوع التخيير هو الدوران بين المحذورين مطلقا أو في أوّل الأمر، فيحكم بالتخيير في أوّل الأمر لأنّه المتيقّن، فبعد الأخذ بأحد الحكمين في واقعة يشكّ في بقاء موضوع التخيير، إلّا أنّه لا يجري استصحاب حكم العقل، لأنّ الشكّ في الموضوع مانع عن الاستصحاب، كما أشار إليه بقوله:

[وجه عدم جريان الاستصحاب في حكم العقل‏]

مع أنّك ستعرف في مسألة اشتراط بقاء الموضوع أنّ الشكّ في الموضوع خصوصا لأجل مدخليّة شي‏ء، كاحتمال مدخليّة التحيّر في أوّل الأمر في حكم العقل بالتخيير في الدوران بين المحذورين‏ مانع عن إجراء الاستصحاب‏، و ذلك لعدم إحراز الموضوع مع أنّ إحراز الموضوع شرط لاستصحاب الحكم.

و قد اكتفينا في الشرح و التوضيح بما في شرح الاستاذ الاعتمادي مع تصرّف ما. هذا تمام الكلام في المقام الأوّل و هو استصحاب حكم العقل.

ثم السؤال بقوله: فإن قلت: فكيف يستصحب الحكم الشرعي‏ تمهيد للبحث عن‏

12

فإنّه إذا ثبت حكم العقل بردّ الوديعة و حكم الشارع على وجوب الردّ، ثمّ عرض ما يوجب الشكّ مثل الاضطرار و الخوف فيستصحب الحكم، مع أنّه كان تابعا للحكم العقليّ؟.

قلت: أمّا الحكم الشرعي المستند إلى الحكم العقلي، فحاله حال الحكم العقلي في عدم جريان الاستصحاب.

____________

المقام الثاني و هو إمكان جريان الاستصحاب في الحكم الشرعي المستند إلى الحكم العقلي، و في عين الوقت ناظر إلى قوله:

إنّ الشكّ في الموضوع ... مانع عن إجراء الاستصحاب‏ في مطلق الحكم عقليّا كان أو شرعيّا، و لازم ذلك عدم جريان الاستصحاب في الحكم الشرعي أيضا، من دون فرق بين أن يكون الحكم الشرعي ابتدائيا أو تابعا لحكم عقلي مستقلّ و مستندا إليه و مستكشفا منه بقاعدة «كل ما حكم به العقل حكم به الشرع» أو واردا في مورد حكم العقل من دون أن يكون مستندا إليه.

و توضيح الإشكال يتوقّف على مقدّمة، و هي: إنّ قاعدة التطابق تستدعي ورود الحكم العقلي في جميع موارد ثبوت الحكم الشرعي و كون موضوعيهما متحدين، فالشكّ في موضوع الحكم العقلي حينئذ مستلزم للشكّ في موضوع الحكم الشرعي. إذا عرفت هذه المقدّمة، فنقول:

إنّ ما ذكر في عدم جريان الاستصحاب في الحكم العقلي- من أنّه على تقدير وقوع الشكّ فيه لا بدّ أن يكون من جهة الشكّ في الموضوع، و من المعلوم عدم إمكان إجراء الاستصحاب مع الشكّ في الموضوع- يجري في الحكم الشرعي أيضا، لما عرفت من أنّ الشكّ في موضوع الحكم العقلي مستلزم للشكّ في موضوع الحكم الشرعي، فلا يجري الاستصحاب فيه، مع أنّ الأمر ليس كذلك، بل يجري الاستصحاب في الحكم الشرعي، كما أشار إليه بقوله:

فإنّه إذا ثبت حكم العقل بردّ الوديعة و حكم الشارع على وجوب الردّ، ثمّ عرض ما يوجب الشكّ مثل الاضطرار و الخوف فيستصحب الحكم‏ الشرعي.

مع أنّه كان تابعا للحكم العقليّ‏ الذي لا يجري الاستصحاب فيه.

قلت: أمّا الحكم الشرعي المستند إلى الحكم العقلي، فحاله حال الحكم العقلي في عدم‏

13

نعم، لو ورد في مورد حكم العقل حكم شرعي من غير جهة العقل و حصل التغيّر في حال من أحوال موضوعه ممّا يحتمل مدخليّته وجودا أو عدما في الحكم، جرى الاستصحاب‏

____________

جريان الاستصحاب‏.

و غرض المصنّف (قدّس سرّه) من هذا الكلام و إن كان بيان أحكام الأقسام الثلاثة للحكم الشرعي بعضها تصريحا و بعضها تلويحا، إلّا أنّه متضمّن للبحث عن المقام الثاني صريحا، و هو إمكان جريان الاستصحاب و عدم جريانه في الحكم الشرعي المستند إلى الحكم العقلي.

فحكم المصنّف (قدّس سرّه) بعدم جريان الاستصحاب في الحكم الشرعي المستند إلى الحكم العقلي، كعدم جريانه في نفس الحكم العقلي، و لقد أجاد الاستاذ الاعتمادي في البيان تفصيلا في هذا المقام حيث قال دام ظله:

[بيان أقسام الأحكام و جريان الاستصحاب في البعض دون البعض‏]

اعلم: إنّ الحكم على خمسة أقسام:

أحدها: أن يستفاد من العقل و يستكشف منه حكم الشرع من دون وجود دليل نقلي أصلا، كأصالة التخيير مثلا في مورد الدوران بين المحذورين.

ثانيهما: أن يستفاد من العقل و يستكشف منه حكم الشرع مع وجود دليل نقلي إمضائي إرشادي، كمسائل الطاعة و المعصية و العقاب بلا بيان و دفع العقاب المحتمل.

ثالثها: أن يستفاد من العقل و يستكشف منه حكم الشرع مع وجود دليل نقلي إمضائي مولوي، كمسائل الإحسان و الظلم و الكذب و ردّ الوديعة، و إلى هذه الأقسام أشار بقوله:

أمّا الحكم الشرعي المستند ... إلى آخره‏.

رابعها: أن يستفاد من الدليل الشرعي، و يستكشف منه حكم العقل، كوجوب الصلاة و غيرها من التعبّديات، و هذا لا إشكال في جريان الاستصحاب فيه لما فصّلنا من الفرق بين حكم العقل و الشرع، فراجع.

خامسها: أن يستفاد من الدليل الشرعي و من الدليل العقلي من دون استناد أحدهما بالآخر، كقبح تكليف الصبي عقلا و رفع القلم عنه شرعا، فإنّ الرفع الشرعي غير مستند إلى القبح العقلي، كيف و قد رفع عن المميّز أيضا مع عدم القبح عقلا، و إليه أشار بقوله:

نعم، لو ورد في مورد حكم العقل حكم شرعي من غير جهة العقل و حصل التغيّر في‏

14

و حكم بأنّ موضوعه أعمّ من موضوع حكم العقل.

و من هنا يجري استصحاب عدم التكليف في حال يستقلّ العقل بقبح التكليف فيه، لكنّ العدم الأزلي ليس مستندا إلى القبح و إن كان موردا للقبح. هذا حال نفس الحكم العقلي.

و أمّا موضوعه- كالضّرر المشكوك بقاؤه في المثال المتقدّم- فالذي ينبغي أن يقال فيه:

____________

حال من أحوال موضوعه‏، كبلوغ الصبي‏ ممّا يحتمل مدخليّته وجودا، كاحتمال مدخليّة الصغر في الحكم‏ أو عدما، كاحتمال مدخليّة عدم البلوغ‏ في الحكم، جرى الاستصحاب و حكم بأنّ موضوعه‏، أي: حكم الشرع‏ أعمّ من موضوع حكم العقل‏.

بأن يقال مثلا بأنّ موضوع حكم العقل بقبح التكليف عنوان الصغر أو غير المميّز و قد انتفى، و موضوع حكم الشرع برفع التكليف هو هذا الشخص الباقي عرفا، و الصغر و البلوغ، كالنوم و اليقظة من الحالات المتبادلة.

[فيجري الاستصحاب في الأوّل دون الثاني‏]

و من هنا، أي: من جريان الاستصحاب في الحكم الشرعي إذا لم يكن مستندا إلى العقل‏ يجري استصحاب عدم التكليف‏ الثابت‏ في حال يستقلّ العقل بقبح التكليف فيه‏، كحال الصغر و قبل الشرع مثلا.

لكنّ العدم الأزلي‏، أي: عدم التكليف قبل الشرع و رفعه حال الصغر ليس مستندا إلى القبح و إن كان موردا للقبح‏؛ لأنّ العقل يقبّح التكليف بلا بيان أو حال الصغر.

هذا حال نفس الحكم العقلي‏، حيث عرفت عدم إمكان الاستصحاب فيه لوجهين:

الأوّل: عدم تصوّر الشكّ فيه.

و الثاني: عدم إحراز الموضوع على فرض تصوّر الشكّ فيه. هذا تمام الكلام في المقام الثاني.

و بقي الكلام في المقام الثالث و هو جريان الاستصحاب في موضوع الحكم العقلي ليترتّب عليه حكم العقل، و المقام الرابع و هو استصحاب موضوع حكم العقل ليترتّب عليه الحكم الشرعي، فقد أشار إليهما بقوله:

و أمّا موضوعه‏، أي: موضوع الحكم العقلي‏ كالضّرر المشكوك بقاؤه في المثال المتقدّم‏، كشرب السمّ.

15

إنّ الاستصحاب إن اعتبر من باب الظنّ عمل به هنا، لأنّه يظنّ الضّرر بالاستصحاب فيحمل عليه الحكم العقلي إن كان موضوعه أعمّ من القطع و الظنّ، كما في مثال الضّرر.

و إن اعتبر من باب التعبّد لأجل الأخبار فلا يجوز العمل به، للقطع بانتفاء حكم العقل مع الشكّ في الموضوع الذي كان يحكم عليه مع القطع، فلا يثبت إلّا الآثار الشرعيّة المجعولة القابلة للجعل الظاهري، و تعبّد الشارع بالحكم العقلي يخرجه عن كونه حكما عقليّا.

[غاية ما في الباب: كون الحكم العقلي في مورد الشكّ المذكور ظنيّا باعتبار ظنيّة الصغرى. و إن اعتبر من باب التعبّد لأجل الأخبار لم يجز العمل به، لما سيجي‏ء من أنّ الثابت‏

____________

فالذي ينبغي أن يقال فيه: إنّ الاستصحاب إن اعتبر من باب الظنّ عمل به هنا، لأنّه يظنّ الضّرر بالاستصحاب فيحمل عليه الحكم العقلي إن كان موضوعه أعمّ من القطع و الظنّ، كما في مثال الضّرر.

و توضيح كلام المصنّف (قدّس سرّه) يتوقّف على البحث عن كلّ واحد من المقام الثالث و الرابع تفصيلا، فنقول:

إنّ ما يظهر من المصنّف (قدّس سرّه) في المقام الثالث هو التفصيل بين القول باعتبار الاستصحاب من باب الظنّ- فيجري الاستصحاب في الموضوع و يترتّب عليه الحكم العقلي، كما يترتّب عليه الحكم الشرعي- و بين اعتباره من باب التعبّد لأجل الأخبار، حيث لا يترتّب على الاستصحاب في الموضوع حينئذ إلّا الحكم الشرعي الظاهري.

غاية الأمر جريان الاستصحاب في الموضوع على القول باعتباره من باب الظنّ مشروط بشرطين:

أحدهما: أن يكون اعتبار الاستصحاب من باب الظنّ.

ثانيهما: أن يكون موضوع حكم العقل أعمّ من القطع و الظنّ كمثال الضّرر مثلا، حيث يكون موضوع حكم العقل بقبح الارتكاب أعمّ من مقطوع الضّرر و مظنونه، إذ لو كان للقطع مدخليّة في موضوع حكم العقل لارتفع بارتفاعه، فلا يعقل حينئذ استصحاب الموضوع.

و بالجملة، إنّ العقل يحكم بقبح شرب السمّ لكونه مضرّا، فإذا شكّ في بقاء السمّية يستصحب الضّرر، و يثبت القبح المستتبع للحرمة الشرعيّة، كما في شرح الاعتمادي.

16

بالأخبار هي الآثار الشرعيّة المجعولة القابلة للجعل الظاهري دون الأحكام العقليّة و العاديّة الغير قابلة للجعل‏].

مثلا: إذا ثبت بقاء الضّرر في السمّ في المثال المتقدّم بالاستصحاب، فمعنى ذلك ترتيب الآثار الشرعيّة المجعولة للضّرر على مورد الشكّ. و أمّا حكم العقل بالقبح و الحرمة فلا يثبت إلّا مع إحراز الضّرر.

نعم، تثبت الحرمة الشرعيّة بمعنى نهي الشارع ظاهرا [لثبوتها سابقا و لو بواسطة الحكم العقلي‏]، و لا منافاة بين انتفاء الحكم العقلي و ثبوت الحكم الشرعي، لأنّ عدم حكم العقل‏

____________

هذا تمام الكلام فيما إذا كان اعتبار الاستصحاب من باب الظنّ.

و أمّا لو كان اعتباره من باب التعبّد، فلا يجوز العمل باستصحاب الموضوع و لا يترتّب عليه إلّا الحكم الشرعي الظاهري، كما أشار إليه بقوله:

و إن اعتبر من باب التعبّد لأجل الأخبار فلا يجوز العمل به، للقطع بانتفاء حكم العقل مع الشكّ في الموضوع الذي كان يحكم عليه مع القطع ... إلى آخره‏.

و هذا الكلام من المصنّف (قدّس سرّه) مبني على أن يكون للقطع مدخليّة في الموضوع، و عليه فلا فرق في عدم جريان الاستصحاب بين القول باعتباره من باب الظنّ و القول باعتباره من باب التعبّد، إذ لا ينفع الاستصحاب المذكور مطلقا، أمّا على القول باعتباره من باب الظنّ، فلأنّ المفروض هو اعتبار القطع الوجداني فلا يفيد الظنّ و إن كان قطعا تعبّدا.

و أمّا على القول باعتباره من باب التعبّد لأجل الأخبار، فلأجل أنّ الاستصحاب المذكور مثبت بالنسبة إلى ترتّب حكم العقل عليه، كما أشار إليه بقوله:

مثلا: إذا ثبت بقاء الضّرر في السمّ في المثال المتقدّم بالاستصحاب، فمعنى ذلك ترتيب الآثار الشرعيّة المجعولة للضّرر على مورد الشكّ‏؛ و ذلك لعدم كون الاستصحاب بالنسبة إلى ترتيب الآثار الشرعيّة عليه أصلا مثبتا.

و أمّا حكم العقل بالقبح و الحرمة فلا يثبت‏ بذلك؛ لكونه حينئذ أصلا مثبتا، كما يأتي تحقيقه.

فحاصل الكلام إلى الآن، هو جريان الاستصحاب في الموضوع و يترتّب عليه الحكم العقلي كالحكم الشرعي على القول باعتباره من باب الظنّ، و لا يترتّب على الاستصحاب‏

17

مع الشكّ إنّما هو لاشتباه الموضوع عنده، و باشتباهه يشتبه الحكم الشرعي الواقعي أيضا، إلّا أنّ الشارع حكم على هذا المشتبه الواقعي بحكم ظاهري هي الحرمة.

و ممّا ذكرنا- من عدم جريان الاستصحاب في الحكم العقلي- يظهر ما في تمسّك بعضهم لإجزاء ما فعله الناسي لجزء من العبادة أو شرطها باستصحاب عدم التكليف الثابت حال النسيان.

____________

المذكور إلّا الحكم الشرعي على القول باعتباره من باب التعبّد. هذا تمام الكلام في المقام الثالث.

و منه يظهر الحكم في المقام الرابع و هو ترتّب الحكم الشرعي على استصحاب الموضوع على فرض الشكّ في بقائه و جريان الاستصحاب فيه، فإنّ الشكّ في بقاء الموضوع مستلزم للشكّ في بقاء الحكم الشرعي، فيجوز للشارع أن يحكم بحكم ظاهري في مورد الشكّ و الاشتباه بالنسبة إلى الحكم الواقعي، لعدم المنافاة بين انتفاء الحكم العقلي و ثبوت الحكم الشرعي، كما أشار إليه بقوله:

و لا منافاة بين انتفاء الحكم العقلي و ثبوت الحكم الشرعي‏. إلى أن قال المصنّف (قدّس سرّه):

[الإشكال على استصحاب عدم التكليف الثابت حال النسيان‏]

و ممّا ذكرنا- من عدم جريان الاستصحاب في الحكم العقلي- يظهر ما في تمسّك بعضهم لإجزاء ما فعله الناسي لجزء من العبادة أو شرطها باستصحاب عدم التكليف الثابت حال النسيان‏.

فلا بدّ أوّلا من بيان الإجزاء بالاستصحاب ثمّ بيان ما يردّ على التمسّك بالاستصحاب ثانيا.

و حاصل تمسّك البعض بالاستصحاب لإجزاء ما فعله الناسي، هو أنّ الناسي لا يكون مكلّفا بما نسيه من الجزء أو الشرط حال النسيان، و ذلك لقبح توجّه التكليف عقلا إلى العاجز، ثمّ إذا تذكّر بما نسيه من الجزء أو الشرط، هل يجب عليه الإعادة أم لا؟.

قال البعض: لا يجب عليه الإعادة، لاستصحاب عدم التكليف حال النسيان. هذا تمام الكلام في بيان إثبات الإجزاء بالاستصحاب.

أمّا بيان الإيراد على التمسّك بالاستصحاب، فقد ظهر ممّا ذكره المصنّف (قدّس سرّه) من عدم الاستصحاب في الحكم العقلي؛ لأنّ عدم التكليف حال النسيان حكم عقلي يرتفع‏

18

و ما في اعتراض بعض المعاصرين، على من خصّ من القدماء و المتأخّرين استصحاب حال العقل باستصحاب العدم بأنّه لا وجه للتخصيص، فإنّ حكم العقل المستصحب قد يكون وجوديّا تكليفيّا- كاستصحاب تحريم التصرّف في مال الغير و وجوب ردّ الأمانة إذا عرض هناك ما يحتمل معه زوالهما، كالاضطرار و الخوف- أو وضعيّا، كشرطيّة العلم للتكليف إذا عرض ما يوجب الشكّ في بقائها.

و يظهر حال المثالين الأوّلين ممّا ذكرنا سابقا.

____________

بارتفاع النسيان فكيف يستصحب مع القطع بانتفاء الموضوع؟!.

و ظهر أيضا الإيراد على‏ ما في اعتراض بعض المعاصرين‏، أي: صاحب الفصول (قدّس سرّه)‏ على من خصّ من القدماء و المتأخّرين استصحاب حال العقل باستصحاب العدم‏.

فلا بدّ أوّلا من بيان الاعتراض ثمّ بيان الإيراد عليه و عدم وروده على من خصّ استصحاب حال العقل باستصحاب العدم.

أمّا الاعتراض فقد أشار إليه بقوله:

بأنّه لا وجه للتخصيص، فإنّ حكم العقل المستصحب قد يكون وجوديّا تكليفيّا، كاستصحاب تحريم التصرّف في مال الغير ... إلى آخره‏.

و حاصل الاعتراض أنّ الأصحاب قسّموا الاستصحاب إلى؛ استصحاب حال الشرع و استصحاب حال العقل، ثمّ ذكروا لاستصحاب حال العقل مثالين، كاستصحاب عدم التكليف قبل الشرع أو قبل البلوغ.

فاعترض عليهم صاحب الفصول بأنّ الأحكام العقليّة لا تنحصر فيما ذكروه من المثالين، بل قد يكون حكم العقل المستصحب أمرا وجوديّا، كما في المتن، فلا وجه لانحصار استصحاب حال العقل بالمثالين.

و أمّا وجه عدم ورود هذا الاعتراض على الأصحاب، فقد ظهر ممّا ذكره المصنّف من عدم جريان الاستصحاب في الحكم العقلي أصلا، و مرادهم من استصحاب حال العقل ليس استصحاب حكم العقل، بل هو استصحاب الحكم الشرعي الوارد في مورد حكم العقل، ثمّ الموجود من الحكم الشرعي الوارد في مورد حكم العقل هو الحكم الشرعي العدمي، دون الوجودي، فيكون حينئذ لما ذكروه من اختصاص المثال بالعدمي وجه.

19

و أمّا المثال الثالث، فلم يتصوّر فيه الشكّ في بقاء شرطيّة العلم للتكليف في زمان.

نعم، ربّما يستصحب التكليف فيما كان المكلّف به معلوما بالتفصيل، ثمّ اشتبه و صار معلوما بالإجمال. لكنّه خارج عمّا نحن فيه.

مع عدم جريان الاستصحاب فيه، كما سننبّه عليه.

____________

و يظهر حال المثالين الأوّلين‏ و هما استصحاب تحريم التصرّف في مال الغير و وجوب ردّ الأمانة ممّا ذكرنا سابقا من عدم إمكان جريان الاستصحاب في الحكم العقلي من جهة عدم تصوّر الشكّ في حكم العقل، و ذلك لما عرفت سابقا من أنّ الحاكم لا يحكم بحكم إلّا بعد إحراز الموضوع بجميع ما له دخل في الحكم.

فحينئذ العقل؛ إمّا أن يحكم بوجوب ردّ الأمانة و تحريم التصرّف في مال الغير مطلقا و لو مع الاضطرار و الخوف، و إمّا أن يحكم بهما بشرط عدمهما. و على التقديرين ليس هناك شكّ حتى يكون مجرى الاستصحاب، مع أنّه لو فرض الشكّ فيه لكان من جهة الشكّ في الموضوع، فلا يجري الاستصحاب من جهة عدم إحراز الموضوع.

و أمّا المثال الثالث، فلم يتصوّر فيه الشكّ في بقاء شرطيّة العلم للتكليف في زمان‏، إذ من البديهي أنّ العلم شرط لتنجّز التكليف عقلا، ثمّ العقل إمّا أن يحكم بشرطيّة العلم مطلقا، أي: تفصيليّا كان أو إجماليّا.

و إمّا أن يحكم بشرطيّة العلم التفصيلي فقط. و على التقديرين لا يتصوّر فيه شكّ، حتى يكون مجرى الاستصحاب.

نعم، ربّما يستصحب التكليف فيما كان المكلّف به معلوما بالتفصيل‏، كالعلم بوجوب الصلاة المعيّنة يوم الجمعة و وجوبها إلى جهة معيّنة.

ثمّ اشتبه و صار معلوما بالإجمال‏، كاشتباه الصلاة بين الظهر و الجمعة، و اشتباه القبلة بين الجهات الأربع، فبعد الإتيان ببعض المحتملات يستصحب التكليف الثابت قبل الإتيان بالبعض.

لكنّه خارج عمّا نحن فيه‏؛ لأنّه ليس استصحابا للحكم العقلي، بل استصحاب للحكم الشرعي و هو جائز و معقول، كما مرّ، إلّا أن يمنع مانع كما في المقام، و المانع هو كونه مثبتا، كما سيأتي في كلام المصنّف (قدّس سرّه)؛ و لهذا قال:

20

و يظهر- أيضا- فساد التمسّك باستصحاب البراءة و الاشتغال الثابتين بقاعدتي البراءة و الاشتغال.

مثال الأوّل: ما إذا قطع بالبراءة عن وجوب غسل الجمعة و الدعاء عند رؤية الهلال قبل الشرع أو العثور عليه.

فإنّ مجرّد الشكّ في حصول الاشتغال كاف في حكم العقل بالبراءة و لا حاجة إلى إبقاء البراءة السابقة و الحكم بعدم ارتفاعها ظاهرا. فلا فرق بين الحالة السابقة و اللّاحقة في استقلال العقل بقبح التكليف فيهما، لكون المناط في القبح عدم العلم.

____________

مع عدم جريان الاستصحاب فيه، كما سننبّه عليه‏ بقولنا: لكنّه لا يقضي بوجوب الإتيان بالصلاة مع السورة .. إلى آخره‏.

[وجه فساد التمسّك باستصحاب البراءة]

و يظهر- أيضا- فساد التمسّك باستصحاب البراءة و الاشتغال الثابتين بقاعدتي البراءة و الاشتغال‏.

مثال الأوّل‏، أي: مثال استصحاب البراءة هو: ما إذا قطع بالبراءة عن حرمة شرب التتن و عن وجوب غسل الجمعة و الدعاء عند رؤية الهلال قبل الشرع أو العثور عليه‏.

و حاصل توهّم التمسّك باستصحاب البراءة أنّ كلّ واحد من وجوب غسل الجمعة و الدعاء و حرمة شرب التتن قبل الشرع أو قبل اطّلاع المكلّف على الشرع كان مجرى قاعدة البراءة، أعني: قبح العقاب بلا بيان، فإذا شكّ في حدوث تكليف بواحد منها في الشرع تستصحب البراءة العقليّة الثابتة قبل الشرع.

و وجه الفساد أنّ موضوع حكم العقل بالبراءة هو عدم البيان، و هو متحقّق بعد الشرع، فالعقل يحكم بالبراءة بعد الشرع كما يحكم بها قبله من دون حاجة إلى الاستصحاب أصلا إذ لا شكّ في حكم العقل بالبراءة، بل يحكم بها بمجرّد الشكّ في ثبوت التكليف بعد الشرع، كما أشار إليه بقوله:

فإنّ مجرّد الشكّ في حصول الاشتغال‏ في الشرع‏ كاف في حكم العقل بالبراءة ... إلى آخره‏.

و حاصل فساد التمسّك بالبراءة الأصليّة، هو أنّ مجرّد الشكّ في اشتغال الذمة علّة تامّة لحكم العقل بالبراءة على نحو القطع من جهة قبح العقاب بلا بيان، فلا يبقى هناك‏

21

نعم، لو اريد إثبات عدم الحكم أمكن إثباته باستصحاب عدمه، لكنّ المقصود من استصحابه ليس إلّا ترتيب آثار عدم الحكم، و ليس إلّا عدم الاشتغال الذي يحكم به العقل في زمان الشكّ، فهو من آثار الشكّ لا المشكوك.

و مثال الثاني: إذا حكم العقل عند اشتباه المكلّف به بوجوب السورة في الصلاة و وجوب الصلاة إلى أربع جهات، و وجوب الاجتناب عن كلا المشتبهين في الشبهة المحصورة، ففعل ما يحتمل معه بقاء التكليف الواقعي و سقوطه، كأن صلّى بلا سورة أو إلى بعض الجهات أو اجتنب أحدهما، فربّما يتمسّك- حينئذ- باستصحاب الاشتغال المتيقّن سابقا، و فيه:

____________

شكّ حتى يحتاج إلى الاستصحاب.

نعم، لو اريد إثبات عدم الحكم أمكن إثباته باستصحاب عدمه‏.

و حاصل الكلام في هذا المقام، هو أنّه لو كان لعدم الحكم الثابت سابقا أثرا شرعيّا مترتّبا عليه، و اريد ترتيبه في اللّاحق في مورد الشكّ ظاهرا لكان الرجوع إلى الاستصحاب فيه صحيحا لا غبار عليه، لكنّ المقصود في المقام ليس ذلك، بل المقصود هو الحكم بالبراءة و عدم الاشتغال في الظاهر، و هو ممّا يحكم به العقل بطريق القطع من دون حاجة إلى الاستصحاب.

و من المعلوم أنّ حكم العقل بعدم الاشتغال من آثار الشكّ لا المشكوك، كي يحتاج إلى إحراز المشكوك إلى الاستصحاب، فالعقل يحكم بعدم الاشتغال بمجرّد الشكّ فيه من دون حاجة إلى استصحاب عدم الاشتغال.

و مثال الثاني‏، أي: مثال استصحاب الاشتغال هو: ما إذا حكم العقل عند اشتباه المكلّف به بوجوب السورة في الصلاة عند دوران الواجب بين الأقلّ و الأكثر و وجوب الصلاة إلى أربع جهات‏ عند اشتباه القبلة بينها، هذا في الشبهة الوجوبيّة، و وجوب الاجتناب عن كلا المشتبهين في الشبهة المحصورة التحريمية.

ففعل ما يحتمل معه بقاء التكليف الواقعي و سقوطه، كأن صلّى بلا سورة أو إلى بعض الجهات أو اجتنب أحدهما، فربّما يتمسّك- حينئذ- باستصحاب الاشتغال المتيقّن سابقا، أي: باستصحاب حكم العقل بوجوب تحصيل البراءة اليقينيّة عند الشكّ في بقاء التكليف.

22

إنّ الحكم السابق لم يكن إلّا بحكم العقل الحاكم بوجوب تحصيل اليقين بالبراءة عن التكليف المعلوم في زمان هو بعينه موجود في هذا الزمان.

نعم، الفرق بين هذا الزمان و الزمان السابق حصول العلم بوجود التكليف فعلا بالواقع في السابق و عدم العلم به في هذا الزمان. و هذا لا يؤثر في حكم العقل المذكور، إذ يكفي فيه العلم بالتكليف الواقعي آناً ما.

نعم، يجري استصحاب عدم فعل الواجب الواقعي و عدم سقوطه عنه، لكنّه لا يقضي بوجوب الإتيان بالصلاة مع السورة إلى الجهة الباقية و اجتناب المشتبه الباقي، بل يقضي بوجوب تحصيل البراءة من الواقع.

____________

و فيه: إنّ الحكم السابق لم يكن إلّا بحكم العقل الحاكم بوجوب تحصيل اليقين بالبراءة عن التكليف المعلوم في زمان هو بعينه موجود في هذا الزمان‏.

و حاصل الإشكال على استصحاب الاشتغال على ما في شرح الاعتمادي، هو أنّ العقل كما كان يحكم بالاشتغال في السابق بمعنى وجوب تحصيل اليقين بالبراءة كذلك يحكم به في اللّاحق لبقاء موضوع حكمه، و هو احتمال العقاب، فلا شكّ في حكم العقل حتى يتصوّر فيه الاستصحاب.

و بعبارة أخرى: إنّ قاعدة الاشتغال الموجودة في السابق بعينها موجودة في اللّاحق من دون حاجة إلى استصحابها أصلا.

غاية الأمر، هو الفرق بين الزمان اللّاحق و السابق بما لا يؤثر في حكم العقل بالاشتغال، و حاصل الفرق هو العلم بالتكليف الواقعي في الزمان السابق دون الزمان اللّاحق، كما أشار إليه بقوله:

نعم، الفرق بين هذا الزمان و الزمان السابق ... إلى آخره‏.

نعم، يجري استصحاب عدم فعل الواجب الواقعي و عدم سقوطه عنه، لكنّه لا يقضي بوجوب الإتيان بالصلاة مع السورة إلى الجهة الباقية و اجتناب المشتبه الباقي، بل يقضي بوجوب تحصيل البراءة من الواقع‏.

و حاصل كلام المصنّف (قدّس سرّه) على ما في شرح الاستاذ الاعتمادي، هو أنّ الاشتغال بمعنى حكم العقل بوجوب تحصيل اليقين بالبراءة لا شكّ فيه حتى يتصوّر استصحابه.

23

لكنّ مجرّد ذلك لا يثبت وجوب الإتيان بما يقتضي اليقين بالبراءة إلّا على القول بالأصل المثبت أو بضميمة حكم العقل بوجوب تحصيل اليقين.

و الأوّل لا نقول به، و الثاني بعينه موجود في محلّ الشكّ من دون الاستصحاب.

____________

و أمّا الاشتغال بمعنى عدم إتيان الواجب الواقعي، فهو مشكوك فيه يمكن استصحابه، إلّا أنّ هذا المستصحب- أي: عدم إتيان الواجب الواقعي- أثره الشرعي بقاء الوجوب الواقعي، فيحكم العقل بوجوب طاعته و تحصيل البراءة عنه، و ليس أثره الشرعي وجوب المحتمل الآخر المستلزم لحكم العقل بوجوب طاعته الموجبة لليقين بالبراءة، لأنّ الملازمة بين عدم إتيان الواجب الواقعي، و كون الواجب الواقعي هو المحتمل الآخر عقليّة، فيكون الأصل مثبتا، كما أشار إليه بقوله:

لكنّ مجرّد ذلك‏، أي: الاستصحاب‏ لا يثبت وجوب الإتيان بما يقتضي اليقين بالبراءة و هو الإتيان بالمحتمل الآخر.

إلّا على القول بالأصل المثبت أو بضميمة حكم العقل بوجوب تحصيل اليقين‏، بأن تنضم قاعدة الاشتغال بالاستصحاب المذكور ليثبت بهما وجوب المحتمل الآخر.

و الأوّل لا نقول به‏ لكونه أصلا مثبتا، و الثاني بعينه موجود في محلّ الشكّ‏، كما عرفته تفصيلا في وجه عدم صحّة استصحاب الاشتغال، فيكفي حكم العقل بالاشتغال من دون حاجة إلى الاستصحاب أصلا.

24

الأمر الرابع‏

قد يطلق على بعض الاستصحابات: الاستصحاب التقديري تارة و التعليقي اخرى، باعتبار كون القضيّة المستصحبة قضيّة تعليقيّة حكم فيها بوجود حكم على تقدير وجود آخر.

فربّما يتوهّم لأجل ذلك الإشكال في اعتباره، بل منعه و الرجوع فيه إلى استصحاب‏

____________

[الأمر الرابع في الاستصحاب التقديري و التعليقي‏]

الأمر الرابع: قد يطلق على بعض الاستصحابات: الاستصحاب التقديري تارة و التعليقي اخرى، باعتبار كون القضيّة المستصحبة قضيّة تعليقيّة حكم فيها بوجود حكم على تقدير وجود آخر.

فلا بدّ أوّلا من بيان محلّ الكلام في المقام، ثمّ بيان الأقوال فيه.

أمّا الأوّل، فيتّضح بعد تقديم مقدّمة، و هي:

إنّ الحكم قد يكون فعليّا من جميع الجهات، و قد يكون فعليّا من بعض الجهات دون بعض. و يعبّر عن القسم الثاني بالحكم التعليقي تارة، و بالحكم التقديري اخرى و يعبّر عن القسم الأوّل بالحكم التنجيزي.

إذا عرفت هذه المقدّمة يتّضح لك أنّ الكلام في جريان الاستصحاب في الأحكام التعليقيّة و عدم جريانه فيها، إنّما هو على القول بجريان الاستصحاب في الأحكام التنجيزيّة.

و أمّا على القول بعدم جريان الاستصحاب في الأحكام الكلّيّة التنجيزيّة، فلا يبقى مجال للبحث عن جريانه في الأحكام التعليقيّة لعدم جريانه حينئذ فيها قطعا، كما لا يخفى.

ثمّ الأمثلة لاستصحاب الحكم التعليقي و إن كانت كثيرة، إلّا أنّ المعروف منها هو حكم الشارع بالحرمة و النجاسة على العنب بشرط غليان مائه و عدم ذهاب ثلثيه. هذا تمام الكلام في بيان محلّ النزاع.

و أمّا الثاني- و هو بيان الأقوال فيه- فقد وقع فيه الخلاف بين الأعلام، كما أشار إليه بقوله:

فربّما يتوهّم لأجل ذلك الإشكال في اعتباره، بل منعه‏.

و قيل في وجه المنع: إنّ الاستصحاب فرع الثبوت سابقا، و الوجود التعليقي كالعدم لا

25

مخالف له.

توضيح ذلك: إنّ المستصحب قد يكون أمرا موجودا في السابق بالفعل، كما إذا وجبت الصلاة فعلا، أو حرّم العصير العنبي بالفعل في زمان ثمّ شكّ في بقائه و ارتفاعه.

و هذا لا إشكال في جريان الاستصحاب فيه. و قد يكون أمرا موجودا على تقدير وجود أمر، فالمستصحب هو وجوده التعليقيّ، مثل: إنّ العنب كان حرمة مائه معلّقة على غليانه، فالحرمة ثابتة على تقدير الغليان، فإذا جفّ و صار زبيبا فهل يبقى بالاستصحاب حرمة مائه المعلّقة على الغليان، فيحرم عند تحقّقه أم لا؟ بل يستصحب الإباحة السابقة لماء الزبيب قبل الغليان.

____________

ثبوت له إلّا فرضا، فيجب الرجوع إلى الاستصحاب المخالف، كاستصحاب الحلّيّة المتحقّق قبل الغليان في المثال المعروف. كما أشار إليه بقوله:

و الرجوع فيه إلى استصحاب مخالف له.

توضيح ذلك: إنّ المستصحب قد يكون أمرا موجودا في السابق بالفعل، كما إذا وجبت الصلاة فعلا، أو حرّم العصير العنبي بالفعل في زمان ثمّ شكّ في بقائه و ارتفاعه‏.

و ذلك على ما في شرح الاستاذ الاعتمادي أن يفرض مثلا أنّ صلاة الجمعة كانت واجبة في زمن الحضور ثمّ شكّ في وجوبها في زمن الغيبة، و أن يفرض أنّ ماء العنب كان حراما كالخمر ثمّ شكّ في حرمته بعد الجفاف، فلا إشكال- حينئذ- في جريان الاستصحاب فيه لوجود المستصحب في السابق بوجود محقّق بالفعل، كما أشار إليه بقوله:

و هذا لا إشكال في جريان الاستصحاب فيه. و قد يكون أمرا موجودا على تقدير وجود أمر، فالمستصحب هو وجوده التعليقي، مثل: إنّ العنب كان حرمة مائه معلّقة على غليانه‏، فالحرمة و إن كانت موجودة حال العنبيّة قبل الغليان إلّا أنّها كانت معلّقة على الغليان، كما أشار إليه بقوله:

فالحرمة ثابتة على تقدير الغليان، فإذا جفّ و صار زبيبا، فيشكّ في أنّ الزبيب هل هو محرّم على تقدير الغليان، كما كان العنب محرّما على تقدير الغليان أم لا؟

غاية الأمر حرمة الزبيب المعلّقة على الغليان تكون بالاستصحاب، كما أشار إليه بقوله:

فهل يبقى بالاستصحاب حرمة مائه المعلّقة على الغليان، فيحرم عند تحقّقه أم لا؟ بل‏

26

ظاهر سيّد مشايخنا في المناهل، وفاقا لما حكاه عن والده (قدّس سرّه)، في «الدرس» عدم اعتبار الاستصحاب الأوّل و الرجوع إلى الاستصحاب الثاني. قال في المناهل في ردّ تمسّك السيّد العلّامة الطباطبائي على حرمة العصير من الزبيب إذا غلى بالاستصحاب:

«و دعوى تقديمه على استصحاب الإباحة أنّه يشترط في حجّيّة الاستصحاب ثبوت أمر أو حكم وضعي أو تكليفي في زمان من الأزمنة قطعا، ثمّ يحصل الشكّ في ارتفاعه من الأسباب، و لا يكفي مجرّد قابليّة الثبوت باعتبار من الاعتبارات، فالاستصحاب التقديري باطل، و قد صرّح بذلك الوالد العلّامة في أثناء «الدرس»، فلا وجه للتمسّك باستصحاب التحريم في المسألة». انتهى كلامه رفع مقامه.

____________

يستصحب الإباحة السابقة لماء الزبيب قبل الغليان‏، بأن يقال: ماء الزبيب كان قبل الغليان حلالا، فإذا شكّ في بقاء ذلك يستصحب بقاء الإباحة و الحلّيّة.

ظاهر سيّد مشايخنا السيّد محمّد المجاهد في المناهل، وفاقا لما حكاه عن والده (قدّس سرّه)‏ السيّد علي صاحب الشرح الكبير على النافع على ما في شرح الاعتمادي‏ في «الدرس» عدم اعتبار الاستصحاب الأوّل‏، أي: استصحاب الحرمة المعلّقة على الغليان، لما عرفت من أنّ الوجود التعليقي بمنزلة العدم، فليس بوجود متحقّق سابقا، كي يستصحب.

و الرجوع إلى الاستصحاب الثاني‏ و هو استصحاب الحلّيّة المتحقّقة قبل الغليان.

قال في المناهل في ردّ تمسّك السيّد العلّامة الطباطبائي‏، أي: بحر العلوم‏ على حرمة العصير من الزبيب إذا غلى بالاستصحاب: و دعوى تقديمه على استصحاب الإباحة.

يعني: قال في ردّ استصحاب الإباحة: إنّه يشترط في حجّيّة الاستصحاب ثبوت أمر، كحياة زيد مثلا أو حكم وضعي‏، كطهارة المتوضّئ مثلا أو تكليفي‏، كوجوب الصوم مثلا في زمان من الأزمنة قطعا، ثمّ يحصل الشكّ في ارتفاعه بسبب من الأسباب‏، كالموت في المثال الأوّل، و خروج المذي في الثاني، و غروب الشمس في الثالث.

و لا يكفي مجرّد قابليّة الثبوت باعتبار من الاعتبارات‏، كثبوت شي‏ء على تقدير ثبوت شي‏ء آخر؛ لأنّ الثبوت التقديري ليس بوجود حتى يستصحب.

و كيف كان، فالاستصحاب التقديري باطل، و قد صرّح بذلك‏، أي: البطلان‏ الوالد العلّامة في أثناء الدرس، فلا وجه للتمسّك باستصحاب التحريم في المسألة، أي: مسألة

27

أقول: لا إشكال في أنّه يعتبر في الاستصحاب تحقّق المستصحب سابقا، و الشكّ في ارتفاع ذلك المحقّق، و لا إشكال أيضا في عدم اعتبار أزيد من ذلك.

و من المعلوم أنّ تحقّق كلّ شي‏ء بحسبه. فإذا قلنا: العنب يحرم ماؤه إذا على أو بسبب الغليان، فهناك لازم و ملزوم و ملازمة. أمّا الملازمة- و بعبارة اخرى: سببيّة الغليان لتحريم‏

____________

الزبيب.

انتهى كلامه رفع مقامه‏.

[ردّ المصنّف على صاحب المناهل، حيث قال ببطلان الاستصحاب التعليقي‏]

و المصنّف (قدّس سرّه) ممّن يقول باعتبار الاستصحاب في الحكم التعليقي، كالحكم التنجيزي، و قد أشار إلى ردّ صاحب المناهل و بيان وجه صحّة الاستصحاب التعليقي بقوله:

لا إشكال في أنّه يعتبر في الاستصحاب تحقّق المستصحب سابقا، و الشكّ في ارتفاع ذلك المحقّق‏، و ذلك لما مرّ غير مرّة من أنّ المستفاد من تعريف الاستصحاب و أدلّته هو اعتبار اليقين بتحقّق المستصحب و الشّكّ في بقائه، و لا يعتبر في الاستصحاب أزيد من ذلك.

غاية الأمر ثبوت المستصحب على قسمين: تارة: يكون وجوده في السابق على نحو التنجيز، و اخرى: يكون وجوده في السابق على نحو التعليق.

ثمّ المعتبر في صحّة الاستصحاب هو مطلق الثبوت و الوجود منجّزا كان أو معلّقا، فالوجود التعليقي نحو من الوجود؛ لأنّ تحقّق كلّ شي‏ء و وجوده بحسبه، كما أشار إليه بقوله:

و من المعلوم أنّ تحقّق كلّ شي‏ء بحسبه‏.

و من هنا يظهر ردّ ما ذكره صاحب المناهل من بطلان الاستصحاب التعليقي، و ذلك أنّ الوجه في بطلان الاستصحاب التعليقي، لا يخلو عن احتمالين:

الأوّل: اعتبار كون وجود الشي‏ء منجّزا في السابق.

و الثاني: إنّ الوجود التعليقي ليس بوجود أصلا، بل هو محض العدم.

فإن كان مراد صاحب المناهل هو الاحتمال الأوّل، ففيه أنّه لا دليل لنا على اعتبار الوجود المنجّز في صحّة الاستصحاب، بل يكفي مطلق الوجود في الصحّة. و إن كان مراده هو الاحتمال الثاني، ففيه أنّ الوجود المعلّق نحوا من الوجود، و ليس عدما محضا.

و حينئذ فإذا قلنا: العنب يحرم ماؤه إذا غلى أو بسبب الغليان، فهناك‏ امور ثلاثة:

28

ماء العصير- فهي متحقّقة بالفعل من دون تعليق.

و أمّا اللّازم- و هي الحرمة- فله وجود مقيّد بكونه على تقدير الملزوم، و هذا الوجود التقديري أمر متحقّق في نفسه في مقابل عدمه و حينئذ فإذا شككنا في أنّ وصف العنبيّة له مدخل في تأثير الغليان في حرمة مائه، فلا أثر للغليان في التحريم بعد جفاف العنب و صيرورته زبيبا. فأيّ فرق بين هذا و بين سائر الأحكام الثابتة للعنب إذا شكّ في بقائها بعد

____________

الأوّل: هو اللّازم و هو الحرمة في مثال غليان ماء العنب.

و الثاني: هو الملزوم و هو الغليان.

و الثالث: هو الملازمة بينهما التي تقتضيها سببيّة الغليان للحرمة شرعا.

ثمّ الملازمة يكون وجودها متحقّقا بالفعل من دون تعليق؛ لأنّ وجود الملازمة لا يستلزم وجود الطرفين، فكما أنّ الملازمة بين طلوع الشمس و وجود النهار متحقّقة بالفعل و إن لم يتحقّق الطرفان، فكذا الملازمة بين غليان العنب و حرمته متحقّقة بالفعل و إن لم يتحقّق الغليان و الحرمة، كما أشار إليه بقوله:

أمّا الملازمة ... فهي متحقّقة بالفعل من دون تعليق. و أمّا اللّازم- و هي الحرمة- فله وجود مقيّد بكونه على تقدير الملزوم، و هذا الوجود التقديري أمر متحقّق في نفسه في مقابل عدمه‏.

و الحاصل أنّ حرمة العنب موجودة بوجود تقديري. و حينئذ فاذا شككنا بعد أن صار العنب زبيبا في أنّ وصف العنبيّة له مدخل في تأثير الغليان في حرمة مائه، فلا أثر للغليان في التحريم بعد جفاف العنب و صيرورته زبيبا.

أو ليس له مدخل فيه فيؤثر الغليان في التحريم بعد الجفاف أيضا، فيجري الاستصحاب في الحكم التعليقي، كما يجري الاستصحاب في الملازمة، بأن يقال: كان بين العنب بشرط الغليان و بين حرمته و نجاسته ملازمة، فإذا شكّ في بقائها بعد أن صار العنب زبيبا تستصحب تلك الملازمة، و لازم ذلك هو الحكم بحرمة الزبيب بعد الغليان.

و كيف كان، فلا فرق بين هذا الحكم التعليقي للعنب و بين سائر أحكامه، كالملكيّة و الحلّيّة مثلا في جريان الاستصحاب، كما أشار إليه قوله:

فأيّ فرق بين هذا و بين سائر الأحكام الثابتة للعنب إذا شكّ في بقائها بعد صيرورته‏

29

صيرورته زبيبا؟.

نعم، ربّما يناقش في الاستصحاب المذكور؛ تارة بانتفاء الموضوع و هو العنب و اخرى بمعارضته باستصحاب الإباحة قبل الغليان، بل ترجيحه عليه بمثل الشهرة و العمومات.

لكنّ الأوّل لا دخل له في الفرق بين الآثار الثابتة للعنب بالفعل و الثابتة له على تقدير دون آخر.

____________

زبيبا، أي: لا فرق بينهما في جريان الاستصحاب.

نعم، ربّما يناقش في الاستصحاب المذكور، أي: استصحاب الحكم التعليقي؛ تارة بانتفاء الموضوع و هو العنب و اخرى بمعارضته باستصحاب الإباحة قبل الغليان، بل ترجيحه عليه بمثل الشهرة.

حيث يكون المشهور هو عدم تنجّس الزبيب بالغليان، فيكون مرجّحا لاستصحاب الحلّ المنجّز.

و العمومات‏، أي: ترجيح استصحاب الإباحة بالعمومات الاجتهاديّة، كقوله تعالى:

وَ أَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً (1) أو الفقاهتيّة، كقوله (عليه السلام): كلّ شي‏ء لك حلال ... إلى آخره‏ (2)، على ما في شرح الاستاذ الاعتمادي. هذا تمام الكلام فيما يمكن أنّ يناقش به الاستصحاب في الحكم التعليقي من الوجهين المذكورين.

و قد ردّ المصنّف (قدّس سرّه) كلا الوجهين، حيث أشار إلى ردّ الوجه الأوّل بقوله:

لكنّ الأوّل لا دخل له في الفرق بين الآثار الثابتة للعنب بالفعل و الثابتة له على تقدير دون آخر.

و ملخّص الكلام في ردّ الوجه الأوّل، هو أنّ تغيّر الموضوع لا يكون مانعا عن جريان الاستصحاب، لأنّ الشكّ في الأحكام المعتبر في الاستصحاب دائما يكون من جهة تغيير حال من حالات الموضوع، و إلّا، فلا يتحقّق الشكّ في حكم من الأحكام.

و حينئذ فلو كان التغيّر في الموضوع مانعا عن الاستصحاب، لكان مانعا عنه مطلقا من دون فرق بين أن يكون المستصحب من الأحكام التعليقيّة أو من الأحكام التنجيزيّة.

____________

(1) الفرقان: 48.

(2) الكافي 5: 313/ 40. الوسائل 17: 89، أبواب ما يكتسب به، ب 4، ح 4.

30

و الثاني فاسد لحكومة استصحاب الحرمة على تقدير الغليان على استصحاب الإباحة قبل الغليان.

فالتحقيق: إنّه لا يعقل فرق في جريان الاستصحاب و لا في اعتباره من حيث الأخبار أو من حيث العقل بين أنحاء تحقّق المستصحب. فكلّ نحو من التحقّق ثبت للمستصحب و شكّ في ارتفاعه، فالأصل بقاؤه.

مع أنّك عرفت أنّ الملازمة و سببيّة الملزوم للّازم موجودة بالفعل، وجد اللّازم أم لم يوجد، لأنّ صدق الشرطيّة لا يتوقّف على صدق الشرط. و هذا الاستصحاب غير متوقف‏

____________

ثمّ أشار إلى ردّ الوجه الثاني بقوله:

و الثاني فاسد لحكومة استصحاب الحرمة على تقدير الغليان على استصحاب الإباحة قبل الغليان‏.

و حاصل الردّ على ما في شرح الاعتمادي، هو أنّ الشكّ في الحلّ و الحرمة على تقدير الغليان مسبّب عن الشكّ في بقاء الحرمة المقدّرة حال العنبيّة.

فإذا جرى الأصل السبي- أعني: استصحاب الحرمة- لكان حاكما على الأصل المسبّبي، أعني: استصحاب الإباحة. هذا مضافا إلى أنّ مقتضى القاعدة في تعارض الأصلين هو التساقط لا الترجيح، سواء كان المرجّح من الاصول أو الظنون، لا سيّما الشهرة حيث لم يثبت اعتبارها في مقام الاستدلال، و لا الترجيح.

[التحقيق هو عدم الفرق في جريان الاستصحاب بين الثابت منجّزا أو معلّقا]

فالتحقيق: إنّه لا يعقل فرق في جريان الاستصحاب و لا في اعتباره من حيث الأخبار أو من حيث العقل بين أنحاء تحقّق المستصحب‏ من حيث التنجيزيّة و التعليقيّة، فكما يجري الاستصحاب في المستصحب المتحقّق تنجيزا، كذلك يجري في المستصحب المتحقّق تعليقا، سواء قلنا باعتباره من باب الأخبار و التعبّد أو من باب الظنّ و بناء العقلاء.

فكلّ نحو من التحقّق ثبت للمستصحب و شكّ في ارتفاعه، فالأصل بقاؤه‏. هذا حال استصحاب الحرمة المعلّقة.

و أمّا استصحاب الملازمة فأمره أوضح كما مر، و أشار إليه بقوله:

مع أنّك عرفت أنّ الملازمة و سببيّة الملزوم للّازم موجودة بالفعل‏، سواء وجد اللّازم‏

31

على وجود الملزوم.

نعم، لو اريد إثبات وجود حكم فعلا في الزمان الثاني اعتبر إحراز الملزوم فيه ليترتّب عليه بحكم الاستصحاب لازمه. و قد يقع الشكّ في وجود الملزوم في الآن اللّاحق، لعدم تعيّنه و احتمال مدخليّة شي‏ء في تأثير ما يتراءى أنّه ملزوم.

____________

و الملزوم بالفعل أم لا، لأنّ صدق الشرطيّة لا يتوقّف على صدق الشرط، فاستصحاب الملازمة الثابتة حال العنبيّة بالفعل يجري بعد الزبيبية من غير توقّف على وجود الملزوم.

نعم، لو اريد إثبات وجود حكم فعلا في الزمان الثاني اعتبر إحراز الملزوم فيه ليترتّب عليه بحكم الاستصحاب لازمه‏، بأن اريد إثبات الحرمة فعلا في الزمان الثاني، فلا بدّ حينئذ من إحراز الملزوم ليترتّب عليه لازمه بالاستصحاب.

و الحاصل أنّ استصحاب الملازمة قبل الغليان يثبت الحرمة المعلّقة و بعد الغليان يثبت الحرمة الفعليّة على ما في شرح الاعتمادي.

و قد يقع الشكّ في وجود الملزوم في الآن اللّاحق، لعدم تعيّنه و احتمال مدخليّة شي‏ء في تأثير ما يتراءى أنّه ملزوم‏.

و ذلك كما إذا غلى الزبيب بالشمس و احتمل مدخليّة كون الغليان بالنّار في الحرمة، فاستصحاب الملازمة- حينئذ- لا يثبت اللّازم- أي: الحرمة- و ذلك لعدم إحراز الملزوم به، كما في شرح الاستاذ الاعتمادي مع تصرّف ما.

32

الأمر الخامس‏

إنّه لا فرق في المستصحب بين أن يكون حكما ثابتا في هذه الشريعة أم حكما من أحكام الشريعة السابقة، إذ المقتضي موجود، و هو جريان دليل الاستصحاب و عدم ما يصلح مانعا، عدا امور:

منها: ما ذكره بعض المعاصرين، من:

«أنّ الحكم الثابت في حقّ جماعة لا يمكن إثباته في حقّ آخرين، لتغاير الموضوع، فإنّ ما ثبت في حقّهم مثله لا نفسه. و لذا يتمسّك في تسرية الأحكام الثابتة للحاضرين أو

____________

[الأمر الخامس في استصحاب أحكام الشريعة السابقة]

الأمر الخامس: إنّه لا فرق في المستصحب بين أن يكون حكما ثابتا في هذه الشريعة أم حكما من أحكام الشريعة السابقة.

و قبل الخوض في البحث ينبغي بيان ما هو عنوان البحث في هذا الأمر، فنقول في تحرير عنوان البحث:

إنّه إذا ثبت حكم في الشريعة السابقة، و لم يعلم خلافه في هذه الشريعة فهل يجوز استصحاب ذلك الحكم في هذه الشريعة أم لا؟ و إلى هذا العنوان أشار المصنّف (قدّس سرّه) بقوله:

إنّه لا فرق في المستصحب بين أن يكون حكما ثابتا في هذه الشريعة أم حكما من أحكام الشريعة السابقة، إذ المقتضي موجود، و هو جريان دليل الاستصحاب‏.

سواء كان دليله الظنّ العقلائي أو التعبّد الأخباري، و إن كان ربّما يتوهّم انصراف الثاني إلى استصحاب أحكام شرعنا فقط، إلّا أنّه انصراف بدويّ ناشئ عن الاستيناس، كما في شرح الاستاذ الاعتمادي.

و عدم ما يصلح مانعا، عدا امور: ذكرت في موارد مختلفة.

منها: ما ذكره بعض المعاصرين‏، أي: صاحب الفصول‏ من: أنّ الحكم الثابت في حقّ جماعة لا يمكن إثباته في حقّ آخرين، لتغاير الموضوع، فإنّ ما ثبت في حقّهم مثله لا نفسه‏.

و حاصل الإشكال من جهة اختلاف الموضوع، هو أنّ المكلّف بأحكام كلّ شريعة إنّما هو المدرك لتلك الشريعة التي يريد استصحاب أحكامها، و من المعلوم أنّ المدرك للشريعة السابقة قد انقرض، و أمّا المدرك لهذه الشريعة لم يكن محكوما بأحكام الشريعة السابقة، فلا

33

الموجودين إلى الغائبين أو المعدومين بالإجماع و الأخبار الدالّة على الشركة لا بالاستصحاب» و فيه:

أوّلا: إنّا نفرض الشخص الواحد مدركا للشريعتين.

فإذا حرم في حقّه شي‏ء سابقا و شكّ في بقاء الحرمة في الشريعة اللاحقة، فلا مانع عن الاستصحاب أصلا. و فرض انقراض جميع أهل الشريعة السابقة عند تجدّد اللاحقة نادر، بل غير واقع.

____________

يجري الاستصحاب في حقّه، فما ثبت في حقّه من الحكم الثابت في الشريعة السابقة يكون مثله لا نفسه.

و لذا، أي: لتغاير الموضوع‏ يتمسّك في تسرية الأحكام الثابتة للحاضرين أو الموجودين إلى الغائبين أو المعدومين بالإجماع و الأخبار الدالّة على الشركة.

أي: شركة الغائبين مع الحاضرين و المعدومين مع الموجودين في زمن الخطاب بالإجماع أو الأخبار لا بالاستصحاب‏.

[الجواب عن الإشكال من جهة اختلاف الموضوع‏]

و فيه: أوّلا: إنّا نفرض الشخص الواحد مدركا للشريعتين‏.

و حاصل الجواب الأوّل: إنّ إشكال تغاير الموضوع إنّما يتوهّم بالنسبة إلى من لم يدرك الشريعة السابقة أصلا أو حال البلوغ، لا بالنسبة إلى من أدرك الشريعتين حال البلوغ، فيجوز له الاستصحاب، فإذا ثبت الحكم في حقّ المدرك للشريعتين بالاستصحاب أمكن إثباته في حقّ غيره بقاعدة الاشتراك في التكليف.

إلّا أن يقال: إنّ إثبات الحكم للآخرين بقاعدة الاشتراك في التكليف مبني على وحدة الصنف، و مدرك الشريعتين لا يتحدّ صنفا مع غيره فيجوز له الاستصحاب؛ لأنّه شاكّ في بقاء حكمه السابق بخلاف غيره، فلا يجوز له الاستصحاب، لانتفاء الموضوع، و لا العمل بالحكم المستصحب لعدم جريان قاعدة الاشتراك في التكليف، كما مرّ.

قوله: و فرض انقراض جميع أهل الشريعة السابقة عند تجدّد اللّاحقة نادر، بل غير واقع‏ دفع لما يتوهّم من ردّ فرض المدرك للشريعتين، بل نفرض انقراض جميع أهل الشريعة السابقة عند تجدّد الشريعة اللّاحقة؛ فإشكال تغاير الموضوع يبقى على حاله.

و حاصل الدفع أنّ فرض انقراض جميع أهل الشريعة السابقة فرض لم يقع أصلا؛ و ذلك‏

34

و ثانيا: إنّ اختلاف الأشخاص لا يمنع عن الاستصحاب و إلّا لم يجر استصحاب عدم النسخ. و حلّه: إنّ المستصحب هو الحكم الكلّي الثابت للجماعة على وجه لا مدخل لأشخاصهم فيه.

____________

أنّه ما هلك قوم نبيّ كهلاكة قوم نوح، و قد بقى معه في الفلك من بقي من المكلّفين.

نعم، يتصوّر ما ذكر من وجود مدرك الشريعتين في أوائل حدوث الشريعة اللاحقة، و ربّما يحصل الشكّ في بقاء حكم بعد مضي مدّة لا يوجد فيها مدرك الشريعتين حتى يتمسّك بالاستصحاب، كما في شرح الاستاذ الاعتمادي. ثمّ أشار إلى الجواب الثاني عن الإشكال المذكور أو إلى ردّه بقوله:

[بطلان قياس استصحاب عدم النسخ باستصحاب أحكام الشريعة السابقة]

و ثانيا: إنّ اختلاف الأشخاص لا يمنع عن الاستصحاب و إلّا لم يجر استصحاب عدم النسخ‏، مع أنّ استصحاب عدم النسخ يكون من المسلّمات عند الاصولي و الأخباري.

و قياس استصحاب عدم أحكام الشريعة السابقة باستصحاب عدم النسخ و الملازمة بينهما نفيا و إثباتا يتّضح بعد مقدّمة، و هي:

إنّ ما ذكر من المانع و هو تغاير الموضوع بعينه موجود في استصحاب عدم النسخ، فكما أنّ الأشخاص الموجودين في الشريعة السابقة ربّما كانوا غير الموجودين في الشريعة اللّاحقة، فكذلك أنّ الأشخاص الموجودين في زمن الخطاب و الصدر الأوّل ربّما كانوا غير الأشخاص الموجودين في زمان الشكّ في النسخ. إذا عرفت هذه المقدّمة يتّضح لك وجه الملازمة بين الاستصحابين المذكورين.

فنقول: إنّه لو كان المانع عن استصحاب أحكام الشريعة السابقة هو تغاير الموضوع باختلاف الأشخاص، لكان هذا المانع بعينه موجودا في استصحاب عدم النسخ، فلو لم يجر استصحاب أحكام الشريعة السابقة لم يجر استصحاب عدم النسخ و التالي باطل، كما مرّ فالمقدّم مثله و الملازمة واضحة كما عرّفت، و النتيجة هي جريان استصحاب أحكام الشريعة السابقة لكون اختلاف الأشخاص غير مانع عنه، كما لا يكون مانعا عن استصحاب عدم النسخ.

و حلّه: إنّ المستصحب هو الحكم الكلّي الثابت للجماعة على وجه لا مدخل لأشخاصهم فيه‏.

35

إذ لو فرض وجود اللّاحقين في السابق عمّهم الحكم قطعا، فإنّ الشريعة اللّاحقة لا تحدث عند انقراض أهل الشريعة الاولى، غاية الأمر احتمال مدخليّة بعض أوصافهم المعتبرة في موضوع الحكم.

و مثل هذا لو أثّر في الاستصحاب لقدح في أكثر الاستصحابات، بل في جميع موارد

____________

و حاصل الحلّ أنّ ما ذكر من الأشكال من جهة مدخليّة الأشخاص في الحكم مبني على أن تكون الأحكام في كلّ شريعة مجعولة على نحو القضايا الخارجيّة المتكفّلة للحكم على الأفراد الموجودة في زمان خاصّ، و ليس الأمر كذلك، بل الأحكام في كلّ شريعة مجعولة على نحو القضايا الحقيقيّة الشاملة لجميع أفراد المكلّفين الموجودة و المقدّرة إلى يوم القيامة.

و حينئذ فلا يلزم إشكال أصلا، إذ بعد فرض ثبوت الحكم من الأوّل لجميع الأفراد الموجودة بالفعل أو بالفرض لو لا النسخ، فإذا شكّ في نسخ حكم من الأحكام و عدم عموم لفظي يقتضي استمراره في جميع الأزمنة، يجري فيه استصحاب البقاء و عدم النسخ، و لازمه ثبوته للأفراد الموجودة في الشريعة اللّاحقة.

إذ لو فرض وجود اللّاحقين في السابق عمّهم الحكم قطعا لما عرفت من أنّ الأحكام مجعولة على نحو القضايا الحقيقيّة، لا على نحو القضايا الخارجيّة، نظير الخطاب الصادر من المولى العرفي إلى عبده أو من الأب إلى ابنه، فكلّ شريعة مستمرّة إلى يوم القيامة ما لم تنسخ.

فإنّ الشريعة اللّاحقة لا تحدث عند انقراض أهل الشريعة الاولى‏، و ذلك فإنّ كثيرا من أمّة عيسى (عليه السلام) مثلا كانوا موجودين عند حدوث شريعتنا و قد صاروا موظّفين بالعمل بها، على ما في شرح الاعتمادي.

غاية الأمر احتمال مدخليّة بعض أوصافهم المعتبرة في موضوع الحكم‏.

و حاصل الكلام فيما يمكن أن يكون مراد المصنّف (قدّس سرّه) في المقام، هو أنّ غاية الأمر كون الشكّ في المقام شكّا في المقتضي من جهة احتمال مدخليّة بعض الأوصاف، مثل كونهم أمّة موسى (عليه السلام) أو عيسى (عليه السلام) مثلا في موضوع الحكم، فلو لم يجر الاستصحاب فيه، فهو من جهة كون الشكّ في المقتضي لا من جهة اختلاف الأشخاص في الشريعتين. هذا على ما ذهب إليه المصنّف (قدّس سرّه) من عدم اعتبار الاستصحاب في مورد الشكّ في المقتضي، و أمّا على ما ذهب إليه القوم من قولهم باعتبار الاستصحاب مطلقا، فيجري فيه الاستصحاب.

36

الشكّ من غير جهة الرافع.

و أمّا التمسّك في تسرية الحكم من الحاضرين إلى الغائبين فليس مجرى للاستصحاب حتى يتمسّك به، لأنّ تغاير الحاضرين المشافهين للغائبين ليس بالزمان، و لعلّه سهو من قلمه (قدّس سرّه). و أمّا التسرية من الموجودين إلى المعدومين، فيمكن التمسّك فيها بالاستصحاب‏

____________

و مثل هذا لو أثّر في الاستصحاب‏، أي: مثل مجرّد تغيّر الوصف الاعتباري ككونهم أمّة عيسى (عليه السلام) لو أثّر في عدم جريان الاستصحاب، و منع عن جريانه‏ لقدح في أكثر الاستصحابات‏.

إذ ما من استصحاب إلّا أن يحصل فيه تغيير من جهة الموضوع أو غيره و صار منشأ للشكّ؛ لأنّه لو لم يحصل تغيّر أصلا لم يطرأ شكّ أبدا، كي يجري الاستصحاب، أ لا ترى أنّه يشكّ في بقاء نجاسة الكرّ المتغيّر لأجل زوال تغيّره بنفسه و مع ذلك يجري الاستصحاب؟

كما في شرح الاعتمادي مع توضيح منّا.

بل في جميع موارد الشكّ من غير جهة الرافع‏.

و ملخّص الكلام في المقام على ما في شرح الاعتمادي، هو أنّ الشكّ في بقاء الحكم من جهة المقتضي دائما يكون من جهة تغيّر الموضوع.

نعم، إذا كان الشكّ في بقاء الحكم من جهة احتمال الرافع، كالشكّ في بقاء الطهارة لاحتمال الحدث، فهو لا يرجع إلى تغيّر في الموضوع. هذا تمام الكلام في ردّ ما استدلّ به صاحب الفصول على عدم جريان الاستصحاب في أحكام الشريعة السابقة من تغاير الموضوع.

ثمّ أيّد هذا الاستدلال بتسرية أحكام الحاضرين إلى الغائبين بالإجماع و الأخبار لا بالاستصحاب؛ و ذلك لعدم جريان الاستصحاب من جهة تغاير الموضوع. فأشار المصنّف (قدّس سرّه) إلى ردّ هذا التأييد أو الجواب عنه بقوله:

و أمّا التمسّك في تسرية الحكم من الحاضرين إلى الغائبين فليس مجرى للاستصحاب حتى يتمسّك به، لأنّ تغاير الحاضرين المشافهين للغائبين ليس بالزمان‏، بل هو بالحضور و الغيبة، و هذا القسم من التغاير مانع عن الاستصحاب؛ لأنّ مجرى الاستصحاب هو ما كان المتيقّن و المشكوك مختلفين بالزمان، لا بالأشخاص.

و أمّا التسرية من الموجودين إلى المعدومين، فيمكن التمسّك فيها بالاستصحاب‏

37

بالتقريب المتقدّم.

أو بإجرائه فيمن بقي من الموجودين إلى زمان وجود المعدومين، و يتمّ الحكم في المعدومين بقيام الضرورة على اشتراك أهل الزمان الواحد في الشريعة الواحدة.

و منها: ما اشتهر من أنّ هذه الشريعة ناسخة لغيرها من الشرائع، فلا يجوز الحكم بالبقاء.

و فيه: إنّه إن اريد نسخ كلّ حكم إلهيّ من أحكام الشريعة السابقة، فهو ممنوع.

____________

بالتقريب المتقدّم‏ في استصحاب أحكام الشريعة السابقة و استصحاب عدم النسخ؛ لأنّ المستصحب حكم كلّي لا مدخليّة لأشخاص الموجودين فيه أصلا، فلو فرض الشكّ في ثبوته للمعدومين يجري الاستصحاب.

أو بإجرائه فيمن بقي من الموجودين إلى زمان وجود المعدومين‏ نظير مدرك الشريعتين.

و يتمّ الحكم في المعدومين‏ المعاصرين‏ بقيام الضرورة على اشتراك أهل الزمان الواحد في الشريعة الواحدة، و ذلك بشرط اتحادهما في الصنف، كما عرفت.

و قد أشار إلى الأمر الثاني من الامور التي تكون مانعة عن استصحاب أحكام الشريعة السابقة بقوله:

[بطلان الاستدلال على عدم استصحاب أحكام الشريعة السابقة بنسخها بالشريعة اللّاحقة]

و منها: ما اشتهر من أنّ هذه الشريعة ناسخة لغيرها من الشرائع، فلا يجوز الحكم بالبقاء بالاستصحاب.

و فيه: إنّه إن اريد نسخ كلّ حكم إلهيّ من أحكام الشريعة السابقة، فهو ممنوع‏ و فاسد بالإجماع، بل يمكن دعوى الضرورة على فساد النسخ كذلك.

و تدلّ على فساده الآيات و الأخبار، و يكفي من الآيات قوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ‏ (1) الآية.

و من الأخبار ما دلّ على حرمة شرب الخمر و اللواط و نكاح المحارم في جميع الشرائع، بل العقل يستقلّ بثبوت بعض الأحكام، كالمستقلّات العقليّة الغير القابلة للتغيّر في جميع‏

____________

(1) البقرة: 183.

38

و إن اريد نسخ البعض فالمتيقّن من المنسوخ ما علم بالدليل، فيبقى غيره على ما كان عليه و لو بحكم الاستصحاب. فإن قلت: إنّا نعلم قطعا بنسخ كثير من الأحكام السابقة، و المعلوم تفصيلا منها قليل في الغاية، فيعلم بوجود المنسوخ في غيره.

قلت: لو سلّم ذلك لم يقدح في إجراء أصالة عدم النسخ في المشكوكات، لأنّ الأحكام المعلومة في شرعنا بالأدلّة واجبة العمل، سواء كانت من موارد النسخ أم لا، فأصالة عدم النسخ فيها غير محتاج إليها. فتبقى أصالة عدم النسخ في محلّ الحاجة سليمة عن المعارض، لما

____________

الشرائع.

و بالجملة: إن اريد بنسخ هذه الشريعة نسخ جميع الأحكام الثابتة في الشرائع السابقة، فهو فاسد بالأدلّة الأربعة.

و إن اريد نسخ البعض فالمتيقّن من المنسوخ ما علم بالدليل، فيبقى غيره على ما كان عليه و لو بحكم الاستصحاب‏ على فرض الشكّ في البقاء، و عدم دلالة الدليل الأوّل على الاستمرار، و بالجملة أنّ نسخ البعض لا يمنع من الاستصحاب.

فإن قلت: إنّا نعلم قطعا بنسخ كثير من الأحكام السابقة، و المعلوم تفصيلا منها قليل في الغاية، فيعلم بوجود المنسوخ في غيره‏.

و حاصل الإشكال على استصحاب أحكام الشريعة السابقة، هو أنّ العلم الإجمالي بنسخ كثير من الأحكام مانع عن الاستصحاب.

قلت:

أوّلا: لا نسلّم وجود العلم الإجمالي بوجود المنسوخ في غير ما علم نسخه تفصيلا.

و ثانيا: لو سلّم ذلك لم يقدح في إجراء أصالة عدم النسخ في المشكوكات‏ بالشكوك البدويّة بعد انحلال العلم الإجمالي- بالظفر بعدّة من موارد النسخ- إلى شكّ بدويّ في غيرها و علم تفصيلي فيها.

و ببيان آخر، كما يظهر من المتن أنّ الاصول في أطراف العلم الإجمالي متعارض بعضها مع البعض، فإذا لم يجر البعض يجري الآخر لكونه سليما عن المعارض، و إليه أشار بقوله:

فتبقى أصالة عدم النسخ في محلّ الحاجة سليمة عن المعارض‏.

و حاصل كلام المصنّف (قدّس سرّه) في المقام على ما في شرح الاستاذ الاعتمادي، هو أنّ‏

39

تقرّر في الشبهة المحصورة، من أنّ الأصل في بعض أطراف الشبهة إذا لم يكن جاريا أو لم يحتج إليه، فلا ضير في إجراء الأصل في البعض الآخر.

و لأجل ما ذكرنا استمرّ بناء المسلمين في أوّل البعثة على الاستمرار على ما كانوا عليه حتى يطّلعوا على الخلاف، إلّا أن يقال: إنّ ذلك كان قبل إكمال شريعتنا، و أمّا بعده، فقد جاء النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) بجميع ما تحتاج إليه الامّة إلى يوم القيامة، سواء خالف الشريعة السابقة أم‏

____________

المنسوخات و إن لم تنحصر في المقدار المعلوم تفصيلا، لكن يحتمل انحصارها فيما بين الأحكام المعلومة في شرعنا.

و حيث إنّ هذه الأحكام واجبة العمل من دون حاجة إلى أصالة عدم النسخ سواء كانت من موارد النسخ أم لا، فيجوز إجراء أصالة عدم النسخ في موارد الحاجة، و هي الأحكام المعلوم وجودها في الشريعة السابقة المشكوك نسخها في شرعنا.

لما تقرّر في الشبهة المحصورة، من أنّ الأصل في بعض أطراف الشبهة إذا لم يكن جاريا لخروجه عن محلّ الابتلاء أو للاضطرار إليه أو لغير ذلك‏ أو لم يحتج إليه‏، كما في المقام لكون أحكام شرعنا واجبة العمل من دون حاجة إلى أصالة عدم النسخ.

فلا ضير في إجراء الأصل في البعض الآخر، لكون الأصل فيه سليما عن المعارض.

و لأجل ما ذكرنا من الاستصحاب المرتكز عند العقلاء استمرّ بناء المسلمين في أوّل البعثة على الاستمرار على ما كانوا عليه حتى يطّلعوا على الخلاف، إلّا أن يقال: إنّ ذلك‏، أي: الاستصحاب‏ كان قبل إكمال شريعتنا، و أمّا بعده، فقد جاء النبي (صلّى اللّه عليه و آله) بجميع ما تحتاج إليه الامّة إلى يوم القيامة، سواء خالف الشريعة السابقة أم وافقها.

كما يدلّ عليه قوله (صلّى اللّه عليه و آله) في خطبة حجّة الوداع: ما من شي‏ء يقرّبكم إلى الجنّة و يبعّدكم عن النار إلّا و قد أمرتكم به، و ما من شي‏ء يبعّدكم عن الجنّة و يقرّبكم إلى النار إلّا و قد نهيتكم عنه حتى الخدش بالأظفار (1).

فالمستفاد من هذا الخبر أنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله) قد جاء بجميع ما تحتاج إليه الامّة، و قد بيّن حكم كلّ فعل و كلّ موضوع، و ما أهمل بيان شي‏ء من الأحكام الشرعيّة.

____________

(1) الكافي 2: 74/ 2. الوسائل 17: 45، أبواب مقدّمات التجارة، ب 12، ح 2، و ليس فيهما عبارة (حتى الخدش بالأظفار).

40

وافقها. فنحن مكلّفون بتحصيل ذلك الحكم موافقا أم مخالفا، لأنّه مقتضى التديّن بهذا الدين.

و لكن يدفعه: إنّ المفروض حصول الظنّ المعتبر من الاستصحاب ببقاء حكم اللّه السابق في هذه الشريعة، فيظنّ بكونه ممّا جاء به النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله). و لو بنينا على الاستصحاب‏

____________

و حينئذ فنحن مكلّفون بتحصيل ذلك الحكم موافقا أم مخالفا، لأنّه مقتضى التديّن بهذا الدين‏.

و حاصل الكلام في عدم جريان الاستصحاب بعد إكمال الشريعة الإسلاميّة، هو أنّ ناسخيّة هذه الشريعة للشرائع السابقة ليست بمعنى كون أحكامها على خلاف أحكام الشرائع السابقة، حتّى يقال بفساد النسخ بهذا المعنى بما تقدّم من الأدلّة الأربعة.

بل بمعنى تبدّل الشريعة السابقة بالشريعة اللّاحقة و إيجاب العمل بالشريعة اللّاحقة بعنوان أنّها ممّا جاء به نبيّنا محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) وافق الحكم الأوّل أو خالفه.

غاية الأمر في صورة الموافقة يكون الحكم المجعول في الشريعة اللّاحقة مماثلا للحكم المجعول في الشريعة السابقة لا بقاء له، فلا يبقى- حينئذ- مجال للاستصحاب، أي:

استصحاب عدم النسخ و الحكم ببقاء ما كان ثابتا في الشريعة السابقة، و ذلك للقطع بارتفاع جميع أحكام الشريعة السابقة.

إذ لا يعقل- حينئذ- أن يكون في شريعتنا حكم جاء به عيسى (عليه السلام)، كي يقال بثبوت ذلك بالاستصحاب، و هذا غاية ما يمكن أن يقال بتقريب الإشكال في قوله: إلّا أن يقال ...

الى آخره‏.

و قد أشار إلى دفعه بقوله:

و لكن يدفعه: إنّ المفروض حصول الظنّ المعتبر من الاستصحاب ببقاء حكم اللّه السابق في هذه الشريعة.

و حاصل الدفع أنّه لو قلنا بأنّ النسخ يكون بمعنى تبدّل الشريعة السابقة بالشريعة اللّاحقة لا يكون ذلك مانعا عن الاستصحاب؛ لأنّ النسخ بالمعنى المذكور لا يوجب تقييد أحكام الشريعة السابقة بكونها ممّا جاء به عيسى (عليه السلام) حتى يكون مانعا عن الاستصحاب، بل المستصحب هو نفس الحكم، فيجوز- حينئذ- إثبات الحكم بالاستصحاب سواء قلنا

41

تعبّدا فالأمر أوضح، لكونه حكما كلّيّا في شريعتنا بإبقاء ما ثبت في السابق.

و منها: ما ذكره في القوانين من: «أنّ جريان الاستصحاب مبني على القول بكون حسن الأشياء ذاتيّا، و هو ممنوع، بل التحقيق أنّه بالوجوه و الاعتبار».

و فيه: إنّه إن اريد ب «الذاتي» المعنى الذي ينافيه النسخ، و هو الذي أبطلوه بوقوع النسخ، فهذا المعنى ليس مبنى الاستصحاب، بل هو مانع عنه للقطع بعدم النسخ حينئذ، فلا

____________

باعتباره من باب الظنّ أو التعبّد.

أمّا على الأوّل، فنقول: إنّ ثبوت الحكم سابقا يوجب الظنّ بثبوته لا حقا، بمعنى أنّه يظنّ بأنّه ممّا جاء به نبيّنا (صلّى اللّه عليه و آله)، فيلتزم به بهذا العنوان.

و أمّا على الثاني، فقد حكم الشارع بنحو الكلّي بإبقاء ما كان على ما كان، فالحكم الثابت في الشريعة السابقة بعد الاستصحاب يكون حكما ظاهريا في شريعتنا، فيلتزم به بهذا العنوان على ما في شرح الاعتمادي مع تصرّف منا.

[بطلان كون الاستصحاب في الشريعة السابقة مبنيّا على أن يكون حسن الأشياء و قبحها ذاتيّين‏]

و منها: ما ذكره في القوانين من: أنّ جريان الاستصحاب مبني على القول بكون حسن الأشياء ذاتيّا، و هو ممنوع، بل التحقيق أنّه بالوجوه و الاعتبار.

و حاصل ما ذكره القمّي (قدّس سرّه) على ما في شرح الاعتمادي، هو أنّ أحكام الشرع تابعة للحسن و القبح العقليين، و كلّ واحد منهما؛ تارة ذاتي كحسن العدل و قبح الظلم، و اخرى بالوجوه و الاعتبارات كضرب اليتيم تأديبا أو إيذاء.

و الاستصحاب إنّما يتمّ على الأوّل؛ لأنّ الذاتي لا يتغيّر باختلاف الأزمنة و الحالات، فيستعدّ الحكم للبقاء لا على الثاني، لإمكان اختلاف الفعل في الحسن و القبح باختلاف الأزمنة، و نحن لا نقول بكونهما ذاتيين؛ لأنّه يستلزم امتناع النسخ مع أنّ وقوعه ضروري، بل نقول بكونهما بالوجوه و الاعتبارات، فلا يجري الاستصحاب.

و فيه: إنّه إن اريد ب «الذاتيّ» المعنى الذي ينافيه النسخ‏ و هو ما لا يمكن تخلّفه عن الشي‏ء عقلا، فذاتي الفعل ما يكون ذات الفعل علّة تامّة له كالعدل و الظلم.

و الذاتي بهذا المعنى‏ هو الذي أبطلوه بوقوع النسخ‏؛ لأنّ النسخ هو الرفع و لا يعقل رفع المعلول مع وجود العلّة.

فهذا المعنى ليس مبنى الاستصحاب، بل هو مانع عنه‏، أي: الذاتي بهذا المعنى مانع عن‏

42

يحتمل الارتفاع. و إن اريد غيره، فلا فرق بين القول به و القول بالوجوه و الاعتبارات.

فإنّ القول بالوجوه لو كان مانعا عن الاستصحاب لم يجر الاستصحاب في هذه الشريعة.

ثمّ إنّ جماعة رتّبوا على إبقاء الشرع السابق في مورد الشكّ- تبعا لتمهيد القواعد- ثمرات: منها: إثبات وجوب نيّة الإخلاص في العبادة، بقوله تعالى، حكاية عن تكليف أهل الكتاب:

وَ ما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ وَ يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَ يُؤْتُوا الزَّكاةَ وَ

____________

الاستصحاب؛ و ذلك‏ للقطع بعدم النسخ حينئذ، فلا يحتمل الارتفاع‏ حتى يحتاج إلى الاستصحاب، فكيف يكون الاستصحاب مبنيّا على الذاتي بالمعنى المذكور؟!

و إن اريد غيره‏ بأن يكون مراده من الذاتي ما يكون الذات مقتضيا له و إن أمكن تخلّفه عنه من جهة المانع، كما في الصدق و الكذب، حيث يكون الأوّل مقتضيا للحسن لو لا المانع، و الثاني مقتضيا للقبح كذلك.

فلا فرق بين القول به و القول بالوجوه و الاعتبارات‏ في عدم جريان الاستصحاب.

إذ على كلا القولين يمكن تخلّف الفعل عن الحسن و القبح، فلو كان هذا مانعا عن الاستصحاب لكان مانعا عنه على كلا القولين، و إلّا فيجري الاستصحاب على كلا القولين من دون فرق بينهما أصلا، و ذلك أنّه كما يمكن كون فعل حسنا باعتبار زمان و قبيحا باعتبار زمان آخر، كذلك يمكن كون فعل مقتضيا للحسن في زمان، و يحصل المانع عنه في زمان آخر.

و أنت أيّها القمّي تجوّز الاستصحاب على القول بالاقتضاء، إذ المفروض أنّ المراد بالذاتي هو ذلك، فلا بدّ لك من أنّ تجوّزه على القول بالوجوه أيضا.

فإنّ القول بالوجوه لو كان مانعا عن الاستصحاب لم يجر الاستصحاب في هذه الشريعة، و الحال أنّك أيّها القمّي مع قولك بالوجوه تتمسّك بالاستصحاب فى شريعتنا، على ما في شرح الاعتمادي.

[التحقيق في الثمرات المستفادة من بعض الآيات‏]

ثمّ إنّ جماعة رتّبوا على إبقاء الشرع السابق في مورد الشّك- تبعا لتمهيد القواعد- ثمرات: منها: إثبات وجوب نيّة الإخلاص في العبادة، بقوله تعالى، حكاية عن تكليف أهل الكتاب: وَ ما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ.

أي: طالبين دينا مستقيما؛ لأنّ الحنفاء هو جمع الحنيف، و الحنيف هو المسلم الذي‏

43

ذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (1)

.

____________

تحرّى الدين المستقيم.

و منه قوله (عليه السلام): دين محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) حنيف‏ (2) أي: مستقيم لا عوج فيه، و الحنيف عند العرب من كان على دين ابراهيم (عليه السلام)، كما في الأوثق مع تلخيص منّا.

و كيف كان، فقد استدلّ بالآية المذكورة؛ تارة على اعتبار قصد القربة و نيّة الإخلاص في العبادات، بمعنى أنّ المستفاد منها هو ثبوت الملازمة بين وجوب شي‏ء و اشتراط قصد القربة و الإخلاص في صحّته في الشريعة السابقة، فتستصحب الملازمة المذكورة، و يحكم ببقائها في شريعتنا أيضا.

و استدلّ بها اخرى على أنّ الأصل في كلّ أمر أن يكون تعبّديا.

فالمستفاد من الآية هو الملازمة بين الأمر بشي‏ء، و بين تعبديّته، فتستصحب هذه الملازمة في شرعنا، فإذا شكّ في واجب أنّه تعبّدي أو توصلي يرجع إلى أصالة التعبّديّة.

ثمّ المصنّف (قدّس سرّه) تعرّض للثمرة الاولى و هي اعتبار نيّة الإخلاص في العبادة، و يتعرّض للثمرة الثانيّة و هي كون الأصل في كلّ أمر هو التعبّديّة في مقام الردّ، و الجواب عن الثمرة الاولى، فلا بدّ أوّلا من تقريب دلالة الآية على الثمرتين، و ثانيا من بيان ما يردّ عليها.

فنقول: إنّ دلالة الآية على الثمرتين تتوقف على إثبات امور:

الأوّل: أن يكون اللّام في قوله تعالى: (لِيَعْبُدُوا ... إلى آخره) للغاية كي يفيد أنّ الغرض و الغاية من الأوامر مطلقا هو إبقاءها على وجه العبادة، حتى يكون مفاد الآية: و ما امروا بشي‏ء لغاية من الغايات إلّا لغاية التعبّد و العبوديّة، فيكون المفعول- حينئذ- محذوفا.

و الثاني: أن يكون المراد بالعبادة في الآية معناها المصطلح، أعني: ما يشترط في صحّته قصد القربة في مقابل المعاملة بالمعنى الأعمّ.

و الثالث: أن يكون الإخلاص بمعنى قصد القربة و الإخلاص في نيّة العبادة.

و الرابع: أن يكون الدين في قوله تعالى: مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ‏ بمعنى القصد، حتى يكون المعنى هو الإخلاص في القصد.

____________

(1) البينة: 5.

(2) الكافي 3: 395/ 8. الوسائل 4: 393، أبواب لباس المصلّي، ب 23، ح 1. و الحديث عن أبي جعفر (عليه السلام).

44

و يردّ عليه- بعد الإغماض عن عدم دلالة الآية على وجوب الإخلاص بمعنى القربة في كلّ واجب، و إنّما تدلّ على وجوب عبادة اللّه خالصة عن الشرك، و بعبارة اخرى: وجوب‏

____________

[الجواب عن الاستدلال بالآيات على الثمرات‏]

و بعد إثبات هذه الامور يكون مفاد الآية المباركة: و ما امروا بعمل إلّا لغاية إتيانه متقرّبا مخلصا للقصد عن الرياء، فتدلّ الآية على كلتا الثمرتين و الحكمين في الشريعة السابقة، ثمّ يثبت الحكمان بالاستصحاب في شريعتنا. هذا تمام الكلام في تقريب دلالة الآية.

أمّا بيان ما يردّ عليها، فهو مبني على عدم إثبات الامور المذكورة و الأمر كذلك، بل الكلّ فاسد، و ذلك فإنّ‏ اللّام‏- في قوله تعالى: لِيَعْبُدُوا نظير اللّام‏- في قوله تعالى:

لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ‏ (1) الآية، و قوله: لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ‏ (2) لِيُطَهِّرَكُمْ‏ (3) زائدة في المفعول به على تقدير أن المصدرية، فتكون للتأكيد و التقويّة، و ليست للغاية.

و كون‏ اللّام‏ في هذه الموارد زائدة لا للغاية معروف من المفسّرين و النحويين، فيكون التقدير- حينئذ-: و ما امروا إلّا لعبادة اللّه، كما يكون التقدير في قوله تعالى‏ «لِيُطْفِؤُا»:

إطفاء، و في قوله تعالى‏ «لِيُذْهِبَ»: إذهاب، و هكذا.

و من هنا يظهر أنّ العبادة ليست بمعناها المصطلح في مقابل المعاملة، بل بالمعنى الأصلي المصدري، أعني: العبوديّة.

و كذا الإخلاص ليس بمعنى الإخلاص في نيّة العبادة عن الرياء، بل يكون بمعنى التوحيد و نفي الشريك له تعالى، و ذلك بشهادة استعمالاته كقوله تعالى: قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً (4)، و قوله تعالى: فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً (5) و غير ذلك.

حيث لم يكن الإخلاص في هذه الموارد بمعنى خلوص النيّة عن الرياء في العبادة، بل بمعنى نفي الشريك، و الدين لم يوجد بمعنى القصد.

فلم يثبت شي‏ء من الامور، فيكون مفاد الآية حينئذ: أنّه ما امروا إلّا للعبوديّة له تعالى‏

____________

(1) الصف: 8.

(2) الأحزاب: 33.

(3) المائدة: 6.

(4) الزمر: 14.

(5) الزمر: 2.

45

التوحيد، كما أوضحنا ذلك في باب النيّة من الفقه- أنّ الآية إنّما تدلّ على اعتبار الإخلاص، لا على وجوب الإخلاص عليهم في كلّ واجب.

و فرق بين وجوب كلّ شي‏ء عليهم لغاية الإخلاص، و بين وجوب قصد الإخلاص عليهم‏

____________

وحده و إقامة الصلاة و الزكاة، فكان المأمور به في الآية منحصرا في التوحيد و هو أصل الاصول و الصلاة و الزكاة و هما ركن الفروع، فالحصر حينئذ ليس بحقيقي حقيقة، بل حقيقي مبالغة. هذا تمام الكلام في مفاد الآية المباركة.

أمّا شرح ما يحتاج إليه من المتن، فنكتفي بما ذكره الشارح الماهر الاستاذ الاعتمادي دام ظلّه العالي، حيث قال:

و على تقدير الإغماض عمّا ذكر أنّ الآية إنّما تدلّ على اعتبار الإخلاص‏ في واجباتهم، أي: عباداتهم، فإن وجبت هذه العبادات علينا وجب فيها الإخلاص‏ لا على وجوب الإخلاص عليهم في كلّ واجب‏.

و حاصل الجواب عن الثمرة المذكورة، هو أنّ كون‏ اللّام‏ للغاية فاسدا لا يمكن الإغماض عنه، و أمّا كون العبادة مقابل المعاملة، و الإخلاص بمعنى إخلاص العبادة، و الدين بمعنى القصد، فيمكن تسليمه و الإغماض عمّا فيه.

و يكون التقدير حينئذ: و ما امروا إلّا بإيقاع العبادات بقصد الخلوص، إلّا أنّ الآية- حينئذ- تدلّ على الثمرة الاولى و الحكم الأوّل فقط، أعني: اعتبار الإخلاص في العبادة.

و بعبارة اخرى: تدلّ الآية على ثبوت الملازمة بين وجوب شي‏ء و اشتراط قصد القربة و الإخلاص فيه، و لا تدلّ على الثمرة الثانية و الحكم الثاني، أعني: الملازمة بين وجوب شي‏ء و تعبّديّته؛ و ذلك لظهور توجّه الحصر إلى القيد- أعني: مخلصين- لا المقيّد، أعني: ليعبدوا.

فكأنّه قال: و ما امروا بإتيان عباداتهم بوجه إلّا بوجه الإخلاص عن مثل الرياء، بل الأمر كذلك حتى على فرض تسليم جميع الامور حتى الأمر الأوّل، بأن تكون‏ اللّام‏ للغاية، و العبادة مقابل المعاملة، و الإخلاص بمعنى عدم الرياء، و الدين بمعنى القصد.

بمعنى أنّ الآية تدلّ على الحكم الأوّل فقط- أعني: اعتبار الإخلاص في العبادة- دون الثاني، أعني: الملازمة بين الوجوب و التعبّديّة على تقدير تسليم الامور المذكورة كلّها.

إذ فرق بين وجوب كلّ شي‏ء عليهم لغاية الإخلاص‏، بأن تكون الغاية في كلّ أمر مجرّد

46

في كلّ واجب. و ظاهر الآية هو الأوّل، و مقتضاه أنّ تشريع الواجبات لأجل تحقّق العبادة على وجه الإخلاص، و مرجع ذلك إلى كونها لطفا.

و لا ينافي ذلك كون بعضها، بل كلّها توصّليّا لا يعتبر في سقوطه قصد القربة.

و مقتضى الثاني كون الإخلاص واجبا شرطيّا في كلّ واجب، و هو المطلوب، فتأمّل.

____________

تمكّن الناس من إتيان العمل متقرّبا و مخلصا، و إن لم يجب ذلك، و بين وجوب قصد الإخلاص عليهم في كلّ واجب‏، بأن تكون الغاية في كلّ أمر تعبّدية العمل و احتياجه إلى قصد القرب و الخلوص.

و ظاهر الآية هو الأوّل، و مقتضاه أنّ تشريع الواجبات لأجل تحقّق العبادة، أي: تمكّن المكلّف من الإتيان بقصد العبادة على وجه الإخلاص، و مرجع ذلك‏، أي: كون الغاية هو التمكّن من العبادة. إلى كونها- أي: الواجبات- لطفا في الواجب العقلي و مقرّبا إليه.

و بيان ذلك أنّ شكر المنعم واجب عقلا و يحصل بطاعته، و هي متوقّفة على طلب المولى الحقيقي من العبد شيئا بأن يأمره بفعل، فيأتي العبد ذلك الفعل المأمور به بقصد الطاعة الواجبة عقلا بعد صدور الأمر من المولى، و هذا معنى كون الواجب الشرعي لطفا في الواجب العقلي، حيث بالواجب الشرعي يتمكّن المكلّف من الواجب العقلي، أي: الطاعة، فيكون الواجب الشرعي مقرّبا إلى الواجب العقليّ، حيث إنّه يوجب التمكّن منه.

فالحاصل، هو أنّ غاية الأوامر هو تمكّن المكلّفين من الطاعة الواجبة عقلا، و هي العبادة.

فمفاد الآية- حينئذ- هو: و ما امروا بشي‏ء إلّا لغاية التمكّن من العبادة و الطاعة مخلصا.

و لا ينافي ذلك‏، أي: كون الغاية التمكّن من التعبّد كون بعضها، أي: الواجبات، بل كلّها توصّليّا لا يعتبر في سقوطه قصد القربة؛ لأنّه إذا كانت الغاية مجرّد التمكّن من التعبّد، فإن كان الواجب تعبّديا يجب فيه التقرّب و الإخلاص لعدم سقوطه بدونه، و إن كان توصليّا فهو متمكّن من التعبّد به، بمعنى أنّ له أن يقصد القرب و الإخلاص، فيستحقّ الثواب و له الإتيان بلا نيّة، فإنّه يسقط به بدون ثواب.

و مقتضى الثاني‏، أي: كون الغاية في كلّ واجب كونه تعبّديا كون الإخلاص واجبا شرطيّا في كلّ واجب‏ بحيث لا يسقط بدونه، و هو المطلوب‏ للمستدلّ، إلّا أنّه خلاف‏

47

هذا كلّه مع أنّه يكفي في ثبوت الحكم في شرعنا قوله تعالى:

وَ ذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (1)

بناء على تفسيرها بالثابتة التي لا تنسخ.

و منها: قوله تعالى، حكاية عن مؤذّن يوسف (عليه السلام):

وَ لِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَ أَنَا بِهِ زَعِيمٌ‏ (2)

فدلّ على جواز الجهالة في مال الجعالة، و على جواز ضمان ما لم يجب.

____________

ظاهر الآية، فلا يمكن الالتزام به إلّا مع القرينة و هي منتفية.

و لعلّ قوله: فتأمّل‏ في بعض النسخ إشارة إليه.

هذا كلّه مع أنّه يكفي في ثبوت الحكم في شرعنا قوله تعالى: وَ ذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ بناء على تفسيرها- أي: القيّمة- بالثابتة التي لا تنسخ‏. و هذا هو الجواب الثالث.

و حاصله أنّه على فرض دلالة الآية على ثبوت الحكمين في الشريعة السابقة لا يحتاج إثباتهما في شرعنا إلى الاستصحاب، بل نفس الآية تكفي للإثبات إن كانت «القيّمة» بمعنى الثابتة لا بمعنى المستقيمة. هذا تمام الكلام في الثمرة الاولى. و قد أشار إلى الثمرة الثانية بقوله:

[توضيح مفاد قوله تعالى: وَ لِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ الآية]

و منها: قوله تعالى، حكاية عن مؤذّن يوسف (عليه السلام)‏ و يمكن أن يستدلّ بهذه الآية على إثبات امور و أحكام في الشريعة السابقة، ثمّ إثباتها بالاستصحاب في شرعنا:

الأوّل: هو مشروعيّة أصل الجعالة.

و الثاني: هو جواز الجهالة في مال الجعالة.

و الثالث: هو صحّة ضمان مال الجعالة قبل العمل.

و يدلّ على الأوّل و الثاني قول المؤذّن: وَ لِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ و دلالته على مشروعيّة أصل الجعالة واضحة لا تحتاج إلى البيان، و أمّا دلالته على جواز الجهالة في مال الجعالة، فلأجل أنّ حمل البعير الذي جعل مال الجعالة مجهول جنسا و قدرا، أمّا كونه مجهولا بحسب الجنس فواضح، و أمّا كونه مجهولا بحسب المقدار، فلاختلافه بالزيادة و النقصان.

و يدلّ على الثالث قوله: وَ أَنَا بِهِ زَعِيمٌ‏، أي: ضامن، حيث يدلّ على جواز ضمان ما لم يستقرّ في الذمّة بالعمل، و هو معنى قول المصنّف (قدّس سرّه): جواز ضمان ما لم يجب‏، ثمّ تثبت هذه الأحكام في شرعنا بالاستصحاب. هذا تمام الكلام فيما يرتبط بالمقام.

____________

(1) البيّنة: 5.

(2) يوسف: 72.

48

و فيه: إنّ حمل البعير لعلّه كان معلوم المقدار عندهم، مع احتمال كونه مجرّد وعد، لا جعالة، مع أنّه لم يثبت الشرع بمجرّد فعل المؤذّن، لأنّه غير حجّة، و لم يثبت إذن يوسف (عليه السلام)

____________

و لا بأس بذكر ما لا يرتبط بالمقام، و هو ملخّص تفسير الآية المباركة: و هو أنّ يوسف (عليه السلام) أراد أن يفصل بنيامين عن إخوته و يبقيه عنده، و لم يكن ذلك ممكنا إلّا بمبرّر، فأمر غلمانه بإخفاء الصاع- و هو آلة الكيل أو جام شرب الماء- في رحل أخيه بنيامين حيلة لإبقائه عنده.

ثم نادى المنادي في أولاد يعقوب: يا أصحاب العير إنّكم سارقون، فلا ترحلوا حتى ننظر في أمركم، فدهش أولاد يعقوب لهذه المفاجأة العنيفة.

قالُوا وَ أَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ ما ذا تَفْقِدُونَ‏ (1) قالوا هذا و هم على يقين من براءتهم.

و هذه هي المرّة الاولى التي يسمعون فيها مثل هذه التهمة.

قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ الْمَلِكِ‏ (2)، أي: غلمان يوسف فقدنا صواع الملك‏ وَ لِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَ أَنَا بِهِ زَعِيمٌ‏.

[ردّ الاستدلال بالآية على مشروعيّة الجهالة في الجعالة]

و فيه: إنّ حمل البعير لعلّه كان معلوم المقدار عندهم‏ بحسب عرفهم و كان معلوم الجنس بالقرائن، فلا يمكن الاستدلال على جواز الجهالة في مال الجعالة، و ذلك لما هو المعروف من أنّه إذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال، فلا تدلّ الآية على الحكم الثاني و هو جواز الجهالة في مال الجعالة، كما لا تدلّ على الحكم الأوّل و هو مشروعيّة أصل الجعالة، كما أشار اليه بقوله:

مع احتمال كونه مجرّد وعد لا جعالة، أي: مع احتمال قول المؤذّن: وَ لِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ مجرّد وعد فقط.

إذ كما أنّ مجرّد طلب فعل من شخص معيّن بلا تعيين اجرة لا يكون إجارة اصطلاحية، إلّا أنّ العامل يستحق أجرة المثل، كذلك طلب فعل من شخص مبهم من دون تعيين مال الجعالة لا يكون جعالة اصطلاحية، إلّا أنّ العامل يستحق الاجرة، كما في شرح الاعتمادي، هذا مع ضميمة ما ذكرنا من أنّ الاحتمال يمنع عن الاستدلال، يكفي في ردّ دلالة الآية على مشروعيّة أصل الجعالة.

____________

(1) يوسف: 71.

(2) يوسف: 72.

49

في ذلك و لا تقريره.

و منه يظهر عدم ثبوت شرعيّة الضمان المذكور.

خصوصا مع كون كلّ من الجعالة و الضمان صوريّا قصد بهما تلبيس الأمر على إخوة يوسف. و لا بأس بذكر معاملة فاسدة يحصل به الغرض مع احتمال إرادة أنّ الحمل في ماله و أنّه ملتزم به، فإنّ الزعيم هو الكفيل و الضامن، و هما لغة مطلق الالتزام، و لم يثبت كونهما في ذلك الزمان حقيقة في الالتزام عن الغير. فتكون الفقرة الثانية تأكيدا لظاهر الاولى، و دفعا لتوهّم كونه من الملك فيصعب تحصيله.

____________

هذا مع أنّه لم يثبت الشرع بمجرّد فعل المؤذّن، لأنّه غير حجّة، و لم يثبت إذن‏ قبلي من‏ يوسف (عليه السلام) في ذلك و لا تقريره‏ بعده.

إلّا أن يقال: بأنّ قوله تعالى: كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ‏ (1) الآية، قد يدلّ على كون ذلك بإذن يوسف (عليه السلام).

إذ معنى قوله تعالى: كِدْنا لِيُوسُفَ‏، أي: أوحينا إليه بهذا التدبير، كما في بعض التفاسير، أو ألهمناه هذا الكيد و الحيلة ليكون ذلك سببا لما هو المقصود.

و كيف كان، فقد سمّي هذا كيدا؛ لأنّ ظاهره غير واقعه، و جاز شرعا لأنّه لا يحلّل حراما و لا يحرّم حلالا.

و منه يظهر عدم ثبوت شرعيّة الضمان المذكور، أي: ضمان ما لم يجب. خصوصا مع كون كلّ من الجعالة و الضمان صوريّا قصد بهما تلبيس الأمر على إخوة يوسف. و لا بأس بذكر معاملة فاسدة يحصل به الغرض‏ و هو تلبيس الأمر مع احتمال إرادة أنّ الحمل في ماله‏، أي: المؤذّن، و قوله: وَ أَنَا بِهِ زَعِيمٌ‏ تأكيد له، و معناه ما أشار إليه بقوله:

و أنّه ملتزم به، فإنّ الزعيم هو الكفيل و الضامن، و هما لغة مطلق الالتزام‏، أي: سواء كان عن نفسه أو عن غيره، و لم يثبت كونهما في ذلك الزمان حقيقة في الالتزام عن الغير ... إلى آخره‏.

و الحاصل أنّه لم تثبت إرادة المؤذّن كون الحمل من مال يوسف (عليه السلام)، ليكون ضمان المؤذّن‏

____________

(1) يوسف: 76.

50

و منها: قوله تعالى، حكاية عن أحوال يحيى على نبيّنا و (عليه السلام):

وَ سَيِّداً وَ حَصُوراً وَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ‏ (1)

، فإنّ ظاهره يدلّ على مدح يحيى بكونه حصورا، أي: ممتنعا عن مباشرة النسوان، فيمكن أن يرجّح في شريعتنا التعفّف على التزويج.

و فيه: إنّ الآية لا تدلّ على حسن هذه الصفة، لما فيه من المصالح و التخلّص عمّا يترتّب عليه. و لا دليل فيه على رجحان هذه الصفة على صفة أخرى، أعني: المباشرة لبعض المصالح الاخرويّة.

____________

له ضمانا اصطلاحيا و ضمانا لما لم يجب، فلا تدلّ الآية على شي‏ء من الأحكام المذكورة حتى يقال باستصحابها في شرعنا.

و منها: قوله تعالى، حكاية عن أحوال يحيى على نبيّنا و (عليه السلام): وَ سَيِّداً وَ حَصُوراً وَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ‏، فإنّ ظاهره يدلّ على مدح يحيى بكونه حصورا، أي: ممتنعا عن مباشرة النسوان‏ بعقد أو شراء.

فكان التعفّف أولى من التزويج في الشريعة السابقة، فيمكن أن يرجّح في شريعتنا لتعفّف على التزويج‏ بالاستصحاب.

و فيه: إنّ الآية لا تدلّ على حسن هذه الصفة على تقدير كون الحصور بمعنى التعفّف.

بل قيل: إنّ الحصور هو من يملك زمام نفسه و يمنعها عن الذنوب، فدلالة الآية على كون لتعفّف أولى من التزويج، مبنيّة على كون الحصور بمعنى الامتناع عن مباشرة النسوان لا عن مباشرة الذنوب.

بل يمكن أنّ الآية لا تدلّ على ترجيح التعفّف بالنسبة إلى التزويج حتى بناء على كون الحصور بمعنى الامتناع عن مباشرة النساء، بل أنّها لا تدلّ على حسن هذه الصفة، لما فيه من المصالح و التخلّص عمّا يترتّب عليه‏ من التكاليف.

و لا دليل فيه على رجحان هذه الصفة على صفة اخرى، أعني: المباشرة لبعض المصالح الاخرويّة.

و قد قيل: من أنكح قد أحرز نصف دينه‏ (2).

____________

(1) آل عمران: 39.

(2) الكافي 5: 329/ 2. الفقيه 3: 241/ 1141. الوسائل 20: 17، أبواب مقدّمات النكاح و آدابه، ب 1، ح 11.

51

فإنّ مدح زيد بكونه صائم النهار متهجّدا لا يدلّ على رجحان هاتين الصفتين على الإفطار في النهار، و ترك التهجّد في الليل للاشتغال بما هو أهمّ منها.

و منها: قوله تعالى:

وَ خُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ‏ (1)

دلّ على جواز برّ اليمين على ضرب المستحق مائة بالضرب بالضغث. و فيه ما لا يخفى.

____________

و بالجملة ليس التعفّف و لا التزويج علّة تامّة للحسن، بل حسنهما إنّما هو بالوجوه و الاعتبارات، فيتفاوت باختلاف الأشخاص و الأحوال، كما في شرح الاعتمادي.

فمدح يحيى (عليه السلام) بكونه متعفّفا عن التزويج لا يدلّ على رجحان صفة التعفّف على صفة التزويج، كما أشار إلى نظيره بقوله:

فإنّ مدح زيد بكونه صائم النهار متهجّدا لا يدلّ على رجحان هاتين الصفتين على الإفطار في النهار، و ترك التهجّد في الليل للاشتغال بما هو أهمّ منها.

و منها: قوله تعالى: في قصّة أيّوب (عليه السلام) حيث حلف على زوجته بضرب المائة و خذ بيدك ضغثا، أي: ربطة من الخشب‏ فاضرب به‏ الآية إنّما دلّ على جواز برّ اليمين على ضرب المستحق مائة، أي: يجوز لمن حلف على ضرب المقصّر مائة ضربة أن يعمل بحلفه بطريق أسهل، أي: بالضرب بالضغث‏، كما في شرح الاعتمادي.

و نكتفي بما أفاده الاستاذ من الشرح في هذا المقام:

و فيه ما لا يخفى‏.

أي: في الاستدلال بالآية على حصول برّ اليمين بضرب المستحق مائة بالضغث ما لا يخفى، فإنّ مقتضى القاعدة في الحلف بضرب المائة ملاحظة العدد في الضرب، فلعلّ هذا من خواص أيّوب (عليه السلام) ترحّما على امرأته، فجعل الضرب بالضغث بدلا عمّا يحصل به برّ اليمين، كما ثبت مثله في حدود المرضى و نحوها على ما في شرح الاعتمادي.

و بالجملة جعل اللّه هذا الضرب بدلا عن منذوره حتى لا يحنث نذره، و لم يثبت في حقّ امّته حتى يستصحب.

____________

(1) ص: 44.

52

و منها: قوله تعالى:

أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَ الْعَيْنَ بِالْعَيْنِ‏ (1)

إلى آخر الآية، استدلّ بها في حكم من قلع عين ذي العين الواحدة.

و منها: قوله تعالى، حكاية عن شعيب:

إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى‏ أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ‏ (2)

.

و فيه: إنّ حكم المسألة قد علم من العمومات و الخصوصات الواردة فيها، فلا ثمرة في الاستصحاب.

نعم، في بعض تلك الأخبار إشعار بجواز العمل بالحكم الثابت في الشرع السابق لو لا المنع عنه، فراجع و تأمّل.

____________

و منها: قوله تعالى: أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَ الْعَيْنَ بِالْعَيْنِ‏ إلى آخر الآية، استدلّ بها في حكم من قلع عين ذي العين الواحدة.

و حاصل الكلام في هذا المقام على ما هو في شرح الاعتمادي، هو أنّ للمجني عليه أخذ دية كاملة، إلّا أنّه لو اقتصّ بقلع عين الجاني هل له أخذ نصف الدّية أيضا أم لا؟ مقتضى ظاهر الآية هو العدم فيستصحب.

[الاستدلال بقوله (تعالى) حكاية عن شعيب: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ‏ الآية على جواز جعل المنفعة صداقا]

و منها: قوله تعالى، حكاية عن شعيب (عليه السلام): إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى‏ أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ‏، حيث يكون ظاهر كلام شعيب (عليه السلام) جواز جعل المنفعة صداقا فيستصحب.

و فيه: إنّ حكم المسألة و هو جواز جعل المنفعة صداقا قد علم من العمومات و الخصوصات الواردة فيها، فلا ثمرة في الاستصحاب‏؛ و ذلك لعدم الحاجة إليه مع الدليل الاجتهادي.

نعم، في بعض تلك الأخبار الدالّة على جواز جعل العمل صداقا إشعار بجواز العمل بالحكم الثابت في الشرع السابق‏ من جهة الاستشهاد بقصة شعيب‏ لو لا المنع عنه‏ بالنسخ، فراجع و تأمّل‏ حتى تعرف أنّ الاستشهاد بقصة شعيب على جواز العمل بذلك الحكم يكون من جهة عدم ثبوت النسخ لا من باب الاستصحاب.

____________

(1) المائدة: 45.

(2) القصص: 27.

53

الأمر السادس‏

____________

[الأمر السادس في الأصل المثبت و ما هو المراد منه‏]

الأمر السادس‏: الذي يبحث فيه عن الأصل المثبت، و قد اختلف الاصوليون في اعتباره و عدم اعتباره بعد اتفاقهم ظاهرا على اعتبار مثبتات الأمارات، و المصنّف (قدّس سرّه) ممّن يقول بعدم اعتبار مثبتات الاصول، ثمّ الوجه في عدم اعتبار مثبتات الاصول يتّضح بعد بيان أمرين:

الأوّل: بيان ما هو المراد بالمثبت في المقام.

و الثاني: بيان الفرق بين الأمارات و الاصول من حيث مناط الحجّيّة و الاعتبار.

و أمّا الأمر الأوّل، فملخّصه أنّ المراد بالمثبت في خصوص المقام أمارة كان أو أصلا على ما يظهر من كلماتهم؛ هو ترتيب الآثار الشرعيّة على مؤدّى الأمارة أو الأصل بواسطة الآثار و اللوازم العقليّة أو العاديّة.

و أمّا الأمر الثاني، و هو الفرق بينهما من حيث مناط الحجّيّة، فحاصله أنّ المناط في اعتبار الأمارات إنّما هو جهة طريقيّتها إلى الواقع و كشفها و حكايتها عمّا تؤدّي إليه، بمعنى أنّ الشارع نزّلها بمنزلة القطع و ألغى احتمال الخلاف.

و توضيح ذلك: إنّ القطع كاشف عن الواقع بالكشف التامّ لا يجتمع مع احتمال الخلاف، و الأمارة كاشفة بالكشف الناقص يجتمع مع احتمال الخلاف، ثم الشارع أكمل كشفها الناقص بأدلّة اعتبارها، فصارت بعد ذلك كالقطع و العلم.

غاية الأمر تكون طريقيّة القطع ذاتيّة لا تنالها يد الجعل، كما عرفت في بحث القطع، و تكون طريقيّة الأمارات مجعولة بنحو تتميم الكشف، و بعد انكشاف المؤدّى بها يترتّب عليه جميع ما للمؤدّي من الخواص و الآثار.

و أنّ المناط في اعتبار الاصول ليس جهة الكشف و لو كانت لها جهة الكشف كالاصول المحرزة، بل المناط فيها هو مجرّد تطبيق العمل على المؤدّى، و هو لا يقتضي أزيد من إثبات نفس المؤدّى أو ما يترتّب عليه من الحكم الشرعي بلا واسطة أصلا، و الأوّل فيما إذا كان نفس المستصحب حكما شرعيا، و الثاني فيما إذا كان من الموضوعات.

إذا عرفت هذين الأمرين يتّضح لك الوجه فيما ذهب إليه المصنّف (قدّس سرّه) و هو المشهور بين‏

54

قد عرفت أنّ معنى عدم نقض اليقين و المضيّ عليه هو ترتيب آثار اليقين السابق الثابتة بواسطته للمتيقّن، و وجوب ترتيب تلك الآثار من جانب الشارع لا يعقل إلّا في الآثار الشرعيّة المجعولة من الشارع لذلك الشي‏ء، لأنّها القابلة للجعل دون غيرها من الآثار العقليّة و العاديّة، فالمعقول من حكم الشارع بحياة زيد و إيجابه ترتيب آثار الحياة في زمان الشكّ هو حكمه بحرمة تزويج زوجته و التصرّف في ماله، لا حكمه بنموّه و نبات لحيته، لأنّ هذه غير قابلة لجعل الشارع.

____________

المتأخّرين من اعتبار مثبتات الأمارات دون مثبتات الاصول، و ذلك لما عرفت في الفرق بينهما من أنّ مناط الحجّيّة في باب الأمارات هو ما يقتضي اعتبار مثبتاتها، بخلاف ما هو المناط في باب الاصول العمليّة، حيث لا يقتضي أزيد من اعتبار نفس مؤدّى الاصول أو ما يترتّب عليه من الأحكام الشرعيّة بلا واسطة أصلا، و هذا ما أشار إليه بقوله:

قد عرفت أنّ معنى عدم نقض اليقين‏.

أي: قد عرفت سابقا في تقريب دلالة الأخبار على حجّيّة الاستصحاب أنّ حرمة نقض اليقين بالشكّ كناية عن لزوم الالتزام بالمتيقّن عملا، بمعنى الالتزام بمثل الحكم السابق ظاهرا فيما إذا كان المستصحب المتيقّن حكما شرعيّا. و ترتيب الآثار الشرعيّة الثابتة للمتيقّن بواسطة اليقين السابق فيما إذا كان المستصحب من الموضوعات، كما أشار إليه بقوله:

هو ترتيب آثار اليقين السابق الثابتة بواسطته للمتيقّن‏، ثمّ المراد من آثار اليقين هي الآثار الشرعيّة، لأنّها القابلة للجعل الشرعي دون غيرها، كما أشار إليه بقوله:

و وجوب ترتيب تلك الآثار من جانب الشارع لا يعقل إلّا في الآثار الشرعيّة المجعولة من الشارع لذلك الشي‏ء كوجوب نفقة الزوجة على زيد في استصحاب حياته.

لأنّها القابلة للجعل دون غيرها من الآثار العقليّة و العادّية، فالمعقول من حكم الشارع بحياة زيد و إيجابه ترتيب آثار الحياة في زمان الشكّ هو حكمه بحرمة تزويج زوجته و التصرّف في ماله‏، لكونها من الآثار الشرعيّة، لا حكمه بنموّه و نبات لحيته‏، لكونهما من الآثار العاديّة، و لا حكمه بالتنفّس و التحيّز، لكونهما من الآثار العقليّة.

و الجامع بين الآثار العاديّة و العقليّة هو أنّها غير قابلة لجعل الشارع، كما أشار إليه بقوله:

لأنّ هذه غير قابلة لجعل الشارع‏، أي: لأنّ الآثار العاديّة كالعقليّة غير قابلة لجعل‏

55

نعم، لو وقع نفس النّمو و نبات اللحية موردا للاستصحاب أو غيره من التنزيلات الشرعيّة، أفاد ذلك جعل آثارهما الشرعيّة دون العقليّة و العاديّة، لكنّ المفروض ورود الحياة موردا للاستصحاب.

____________

الشارع فلا يجوز ترتيب هذه الآثار على المستصحب فيما إذا كان المستصحب من الموضوعات، كحياة زيد مثلا.

نعم، لو وقع نفس النّمو و نبات اللحية موردا للاستصحاب أو غيره من التنزيلات الشرعيّة، أفاد ذلك جعل آثارهما الشرعيّة دون العقليّة و العاديّة.

و حاصل الكلام في هذا المقام على ما في شرح الاستاذ الاعتمادي، هو أنّ مفاد حرمة نقض اليقين بحياة زيد هو جعل آثارها الشرعيّة و ترتيبها عليها كما عرفت.

أمّا غيرها فإن كان له حالة سابقة كالتنفّس و التحيّز و النّمو، فيكون هو بنفسه موردا للاستصحاب و تنزيل المشكوك منزلة المتيقّن، فيترتّب عليه أثره الشرعي، كما لو نذر درهما للفقير كلّ يوم ما دام زيد ناميا، فإذا شكّ في نموّه يستصحب و يترتّب عليه أثره الشرعي و هو وجوب إعطاء الدرهم للفقير، و كذا في غير الاستصحاب من التنزيلات، كما إذا قال الشارع: يستحب العقيقة للولادة ثمّ قال: نمو الولد بمنزلة ولادته في استحباب العقيقة، و هو الأثر الشرعي.

و بعبارة أخرى: لو نزّل الشارع نموّ الولد بمنزلة ولادته في الأثر الشرعي كاستحباب العقيقة يترتّب عليه ذلك الأثر الشرعي فقط، هذا فيما إذا كان للأثر العادي حالة سابقة حيث يستصحب و يترتّب أثره الشرعي.

و أمّا إذا لم يكن له حالة سابقة كإنبات اللحية مثلا، فلا يترتّب عليه الأثر الشرعي، و ذلك لعدم ثبوته في ظرف الشكّ لا باستصحابه؛ لعدم كونه موردا للاستصحاب على الفرض، و لا باستصحاب الحياة لما عرفت من أنّ ما يترتّب على استصحاب الحياة هو الأثر الشرعي دون غيره.

فالمتحصّل من الجميع أنّ الكلام إنّما هو في عدم إثبات النمو و الإنبات باستصحاب الحياة، أمّا كون النّمو موردا للاستصحاب، فخارج عن محلّ الكلام. كما أشار إليه بقوله:

لكنّ المفروض ورود الحياة موردا للاستصحاب‏ الحياة دون النّمو.

56

و الحاصل: أنّ تنزيل الشارع المشكوك منزلة المتيقّن كسائر التنزيلات إنّما يفيد ترتيب الأحكام و الآثار الشرعيّة المحمولة على المتيقّن السابق، فلا دلالة فيها على جعل غيرها من الآثار العقليّة و العاديّة لعدم قابليّتها للجعل، و لا على جعل الآثار الشرعيّة المترتّبة على تلك الآثار، لأنّها ليست آثار نفس المتيقّن، و لم يقع ذوها موردا لتنزيل الشارع حتى تترتّب هي عليه.

____________

و الحاصل: أنّ تنزيل الشارع المشكوك منزلة المتيقّن كسائر التنزيلات‏ الشرعيّة، مثل قوله: الطواف بالبيت صلاة (1) و المطلقة رجعيّة زوجة (2)، و الفقاع خمر (3)، كما في شرح الاعتمادي.

إنّما يفيد ترتيب الأحكام و الآثار الشرعيّة المحمولة بلا واسطة أصلا على المتيقّن السابق‏.

و ذلك كوجوب نفقة الزوجة حيث يكون من الآثار الشرعيّة المترتّبة على حياة زيد مثلا من دون واسطة عقليّة أو عاديّة.

فلا دلالة فيها، أي: في التنزيلات الشرعيّة على جعل غيرها، أي: غير الآثار الشرعيّة من الآثار العقليّة و العاديّة، و ذلك‏ لعدم قابليّتها للجعل‏ الشرعي كما مرّ غير مرّة.

[لا تترتّب على التنزيلات الشرعيّة إلّا الآثار الشرعيّة]

و لا دلالة في التنزيلات الشرعيّة أيضا على جعل الآثار الشرعيّة المترتّبة على تلك الآثار العاديّة، مثل وجوب إعطاء الدرهم بالنذر المترتّب على النّمو المترتّب على الحياة.

لأنّها، أي: الآثار الشرعيّة المترتّبة على الآثار الغير الشرعيّة ليست آثار نفس المتيقّن‏ و هو الحياة في المثال المتقدّم، حيث لا يكون وجوب إعطاء الدرهم بالنذر المترتّب عليها بواسطة النّمو من آثار نفس الحياة حتى يترتّب على استصحابها.

و لم يقع ذوها، أي: صاحب الآثار كالنّمو مثلا موردا لتنزيل الشارع حتى تترتّب هي‏

____________

(1) غوالي اللآلئ 2: 167/ 3. و المعجم الكبير (الطبراني) 11: 29/ 10955.

(2) الكافي 6: 74/ 2. الوسائل 22: 137، أبواب أقسام الطلاق و أحكامه، ب 15، ح 1. و فيهما: (إذا أشهد على رجعته فهي زوجته).

(3) الكافي 6: 424/ 13. الوسائل 25: 360، أبواب الأشربة المحرّمة، ب 27، ح 4.