دروس في الرسائل - ج6

- غلام علي‏ المحمدي البامياني المزيد...
505 /
7

[تتمة المقام الثانى فى الاستصحاب‏]

تعارض الاستصحابين‏

و أمّا الكلام في تعارض الاستصحابين- و هي المسألة المهمّة في باب تعارض الاصول التي اختلفت فيها كلمات العلماء في الاصول و الفروع، كما يظهر بالتتبّع- فاعلم أنّ الاستصحابين المتعارضين ينقسمان إلى أقسام كثيرة من حيث كونهما موضوعيّين، أو حكميّين، أو مختلفين وجوديّين، أو عدميّين، أو مختلفين، و كونهما في موضوع واحد أو موضوعين، و كون تعارضهما بأنفسهما أو بواسطة أمر خارج، إلى غير ذلك.

____________

[الكلام في تعارض الاستصحابين و أقسامهما]

و أمّا الكلام في تعارض الاستصحابين، و هي المسألة المهمّة في باب تعارض الاصول التي اختلفت فيها كلمات العلماء في الاصول و الفروع، كما يظهر بالتتبّع‏.

و المراد من التعارض في المقام هو مجرّد التقابل و التنافي بين الاستصحابين في أوّل الأمر المجامع مع الورود و الحكومة، لا ما هو المراد من ظاهره عند الإطلاق غير المجامع معهما، كما في بحر الفوائد، إلى أن قال: ثمّ إنّ ما أفاده من كثرة الأقسام المتصوّرة في المقام و عدم تأثير الاختلاف في حكم المتعارضين إلّا من جهة واحدة جامعة لجميع صور الاختلاف و التعارض أمر واضح لا سترة فيه أصلا، كوضوح ما أفاده من عدم تعقّل كون الشكّ في كلّ منهما مسبّبا عن الشكّ في الآخر ضرورة استحالة كون الشي‏ء علّة لشي‏ء و معلولا له.

و أمّا ما توهّم من المثال له بالعامّين من وجه فهو فاسد جدّا، لأنّ الشكّ فيهما بالنسبة إلى مادّة الاجتماع و التعارض مسبّب عن العلم الإجمالي بعدم إرادة الظاهرين كما هو ظاهر، فنرجع إلى بيان الأقسام المتصوّرة في المقام مع أمثلتها طبقا لما في شرح الاستاذ الاعتمادي دام ظلّه، كما أشار إليها بقوله:

فاعلم أنّ الاستصحابين المتعارضين ينقسمان إلى أقسام كثيرة من حيث كونهما موضوعيّين‏ كاستصحاب عدم كرّيّة الماء إلى زمان ملاقاة النجاسة و استصحاب عدم حصول الملاقاة إلى زمن الكرّيّة، أو حكميّين‏ كاستصحاب نجاسة الثوب المغسول و بقاء طهارة الماء المغسول به‏ أو مختلفين‏ كاستصحاب كرّيّة الماء و استصحاب نجاسة الثوب الواقع فيه‏ وجوديّين‏ كالمثال الثاني و الثالث‏ أو عدميّين‏ كالمثال الأوّل‏ أو مختلفين‏

8

إلّا إنّ الظاهر أنّ اختلاف هذه الأقسام لا يؤثّر في حكم المتعارضين إلّا من جهة واحدة، و هي أنّ الشكّ في أحد الاستصحابين إمّا أن يكون مسبّبا عن الشكّ في الآخر من غير عكس، و إمّا أن يكون الشكّ فيهما مسبّبا عن ثالث. و أمّا كون الشكّ في كلّ منهما مسبّبا عن‏

____________

كاستصحاب طهارة الجلد المطروح الثابتة حال الحياة و استصحاب عدم التذكية، و كونهما في موضوع واحد سواء كان المستصحب فيهما موضوعين أو حكمين أو مختلفين.

مثال تعارض الاستصحابين الموضوعيّين في موضوع واحد: هو استصحاب عدم التذكية في اللحم المطروح في الطريق، لاستصحاب عدم الموت حتف الأنف على زعم البعض.

و مثال تعارض الاستصحابين الحكميّين في موضوع واحد: هو استصحاب طهارة اللحم المطروح مع استصحاب حرمة أكله الملازم لنجاسته على زعم بعض.

و مثال تعارض الاستصحاب الحكمي و الموضوعي في موضوع واحد: هو اللحم المطروح أيضا، حيث يكون عدم التذكية معارضا مع استصحاب الطهارة على قول.

أو موضوعين‏.

مثال تعارض الاستصحابين الموضوعيّين في موضوعين: هو استصحاب حياة زيد مع استصحاب حياة عمرو مع العلم الإجمالي بموت أحدهما و بقاء الآخر.

و مثال تعارض الاستصحابين الحكميّين في موضوعين: هو استصحاب طهارة الملاقي لماء كان نجسا سابقا ثمّ شكّ في بقاء نجاسته مع استصحاب نجاسة الماء.

و مثال تعارض الاستصحاب الحكمي و الموضوعي في موضوعين: هو استصحاب عدم تذكية الصيد المعارض لاستصحاب طهارة الماء القليل الواقع ذلك الصيد فيه، و قد علم ممّا ذكرناه من الأمثلة مثال تعارض الاستصحابين بأنفسهما، كما هو في أكثر الأمثلة المتقدّمة.

و مثال التعارض بواسطة أمر خارج: كالعلم الإجمالي بموت أحد شخصين و بقاء الآخر.

إلّا إنّ الظاهر أنّ اختلاف هذه الأقسام لا يؤثّر في حكم المتعارضين إلّا من جهة واحدة، و هي أنّ الشكّ في أحد الاستصحابين إمّا أن يكون مسبّبا عن الشكّ في الآخر من غير عكس‏ كما في بعض الأمثلة المتقدّمة و إمّا أن يكون الشكّ فيهما مسبّبا عن ثالث‏

9

الشكّ في الآخر فغير معقول، و ما توهّم له: «من التمثيل بالعامّين من وجه و أنّ الشكّ في أصالة العموم في كلّ منهما مسبّب عن الشكّ في أصالة العموم في الآخر» مندفع: بأنّ الشكّ في الأصلين مسبّب عن العلم الإجمالي بتخصيص أحدهما.

و كيف كان، فالاستصحابان المتعارضان على قسمين:

القسم الأوّل: ما إذا كان الشكّ في أحدهما مسبّبا عن الشكّ في الآخر القسم الأوّل: ما إذا كان الشكّ في مستصحب أحدهما مسبّبا عن الشكّ في الآخر.

فإن كان الشكّ في أحدهما مسبّبا عن الشكّ في الآخر فاللازم تقديم الشكّ السببي و إجراء الاستصحاب فيه و رفع اليد عن الحالة السابقة للمستصحب الآخر، مثاله:

____________

كمورد العلم الإجمالي بارتفاع أحد الحادثين، كما يأتي تفصيل ذلك في كلام المصنف (قدّس سرّه).

و أمّا كون الشكّ في كلّ منهما مسبّبا عن الشكّ في الآخر فغير معقول، و ما توهّم له من التمثيل بالعامّين من وجه‏.

كما إذا قال: أكرم العلماء و قال أيضا: لا تكرم الفساق، فإنّهما متعارضان في مادة الاجتماع، أعني: العالم الفاسق، فأحد العامّين قد خصّص قطعا، لأنّ مادّة الاجتماع إمّا داخل في: أكرم العلماء، فهو مخصّص لقوله: لا تكرم الفساق، و إمّا داخل في: لا تكرم الفساق، فهو مخصّص لقوله: أكرم العلماء، فيستصحب عموم كلّ منهما، مع أنّ الشكّ في كلّ منهما مسبّب عن الآخر، كما أشار إليه بقوله:

و إنّ الشكّ في أصالة العموم في كلّ منهما مسبّب عن الشكّ في أصالة العموم في الآخر إلّا إنّ التوهّم المذكور مندفع بأنّ الشكّ في الأصلين مسبّب عن‏ ثالث، أعني: العلم الإجمالي بتخصيص أحدهما نظير تعارض استصحاب بقاء طهارة البدن مع استصحاب بقاء الحدث مع العلم الإجمالي بارتفاع أحدهما عند التوضّؤ غفلة بمائع مردّد بين الماء و البول، حيث يكون الشكّ في بقاء كلّ منهما مسبّبا عن العلم الإجمالي بارتفاع أحدهما.

[القسم الاول: فيما إذا كان الشكّ في أحدهما مسبّبا عن الشكّ في الآخر]

و كيف كان، فالاستصحابان المتعارضان على قسمين:

القسم الأوّل: ما إذا كان الشكّ في مستصحب أحدهما مسبّبا عن الشكّ في الآخر ...

فاللازم تقديم الشكّ السببي و إجراء الاستصحاب فيه و رفع اليد عن الحالة السابقة للمستصحب الآخر.

[الاحتمالات العقليّة في الشكّ المأخوذ في موضوع الاستصحابين المتعارضين‏]

و حاصل الكلام في المقام هو أنّ المأخوذ في موضوع الاستصحابين بحسب التصوير

10

استصحاب طهارة الماء المغسول به ثوب نجس، فانّ الشكّ في بقاء نجاسة الثوب و ارتفاعها مسبّب عن الشكّ في بقاء طهارة الماء و ارتفاعها، فتستصحب طهارته و يحكم بارتفاع نجاسة الثوب، خلافا لجماعة، و يدلّ على المختار امور:

____________

العقلي لا يخلو عن أحد احتمالات:

الاحتمال الأوّل: أن يكون الشكّ في أحدهما مسبّبا عن الشكّ في الآخر.

و الاحتمال الثاني: أن يكون الشكّ في كلّ منهما مسبّبا عن سبب مغاير لسبب الآخر.

و الاحتمال الثالث: أن يكون الشكّ فيهما مسبّبا عن ثالث.

و الاحتمال الرابع: أن يكون الشكّ في كلّ منهما مسبّبا عن الآخر.

و الاحتمال الأخير غير معقول كما مرّ. ثمّ الاحتمال الثاني غير مذكور في كلام المصنف (قدّس سرّه) و لعلّ عدم إشارة المصنف (قدّس سرّه) إليه مع صحّته و وقوعه شرعا يكون لأجل استفادة حكمه من حكم الاحتمال الثالث.

و كيف كان، فقد ذكر المصنف (قدّس سرّه) الاحتمال الأوّل و الثالث، و قد أشار إلى مثال الاحتمال الأوّل بقوله:

مثاله: استصحاب طهارة الماء المغسول به ثوب نجس‏.

حيث يكون الشكّ في بقاء نجاسة الثوب مسبّبا عن الشكّ في بقاء طهارة الماء، كما أشار إليه بقوله:

فإنّ الشكّ في بقاء نجاسة الثوب و ارتفاعها مسبّب عن الشكّ في بقاء طهارة الماء و ارتفاعها، فتستصحب طهارته و يحكم بارتفاع نجاسة الثوب‏ فلا يجري استصحاب نجاسة الثوب، خلافا لجماعة.

ثمّ الجماعة المخالفة منهم من حكم بالتعارض و التساقط، و منهم من جمع بين الأصلين و العمل بهما في موردهما، و ممّن يقول به هو صاحب الرياض و المحقّق القمّي (قدّس سرّهما) كما في الأوثق، و منهم من قال بإعمال مرجّحات التعارض ثمّ الحكم بالتخيير إن لم يثبت الترجيح، و ممّن يقول به هو الفاضل الكلباسي في آخر مسألة التعارض و الترجيح على ما في الأوثق.

و كيف كان، فلتقديم الاستصحاب السببي على الاستصحاب المسبّبي وجوه سبعة،

11

الأوّل: الإجماع على ذلك في موارد لا تحصى، فإنّه لا يحتمل الخلاف في تقديم الاستصحاب في الملزومات الشرعيّة- كالطهارة من الحدث و الخبث، و كرّيّة الماء و إطلاقه، و حياة المفقود، و براءة الذمّة من الحقوق المزاحمة للحجّ و نحو ذلك- على استصحاب عدم لوازمها الشرعيّة.

كما لا يخفى على الفطن المتتبّع. نعم، بعض العلماء في بعض العلماء في بعض المقامات يعارض أحدهما بالآخر، كما سيجي‏ء.

____________

أربعة منها ذكرها المصنف (قدّس سرّه) بعنوان مستقل، و اثنان منها و هما السيرة و بناء العقلاء ذكرهما في تأييد الوجه الأوّل، و واحد منها سينقله عن الشيخ بعنوان تقديم الأصل الموضوعي على الحكمي إجماعا، كما في شرح الاعتمادي.

الأوّل: الإجماع على ذلك في موارد لا تحصى، فإنّه لا يحتمل الخلاف في تقديم الاستصحاب في الملزومات الشرعيّة- كالطهارة من الحدث و الخبث، و كرّيّة الماء و إطلاقه، و حياة المفقود، و براءة الذمّة من الحقوق المزاحمة للحجّ و نحو ذلك- على استصحاب عدم لوازمها الشرعيّة.

و توضيح ذلك على ما في شرح الاعتمادي: إنّه إذا شكّ في بقاء الطهارة المستلزم لصحّة الصلاة و البراءة عنها و انتقاضها المستلزم لعدم البراءة عنها، يستصحب الملزوم، أي: الطهارة و يحكم بصحّة الصلاة، و لا يستصحب عدم اللازم، أي: عدم البراءة عنها، و كذا إذا شكّ في بقاء وصف الكرّيّة أو الإطلاق المستلزم لطهارة المغسول به أو ارتفاعه المستلزم لعدم حصول الطهارة، يستصحب الملزوم، أي: وصف الكرّيّة و الإطلاق و يحكم بطهارة المغسول، و لا يستصحب عدم اللازم، أي: عدم الطهارة المستلزم لبقاء النجاسة.

و كذا إذا شكّ في حياة الولد المفقود المستلزمة لارثه من أبيه أو موته المستلزم لعدم انتقال شي‏ء من الإرث إليه، يستصحب الملزوم، أي: حياة المفقود فيعزل نصيبه من الميراث، و لا يستصحب عدم اللازم، أي: عدم انتقال شي‏ء من المال إليه، و إذا شكّ في اشتغال الذمّة بالديون المستلزم لعدم وجوب الحجّ أو البراءة عنها المستلزمة لوجوبه، يستصحب الملزوم، أي: عدم الاشتغال بالدين لا عدم اللازم، أي: عدم وجوب الحجّ.

كما لا يخفى على الفطن المتتبّع. نعم، بعض العلماء في بعض المقامات يعارض أحدهما

12

و يؤيّده السيرة المستمرة بين الناس على ذلك بعد الاطّلاع على حجيّة الاستصحاب، كما هو كذلك في الاستصحابات العرفيّة.

____________

بالآخر، كما سيجي‏ء تثليث الأقوال في كلام المصنف (قدّس سرّه) و قد عرفت الأقوال.

قال غلام رضا (رحمه اللّه) في المقام ما هذا لفظه: «لازم الأوّل جواز الدخول في الصلاة، و لازم الثاني طهارة الماء الملاقي للنجس، و لازم الثالث جواز التوضّؤ منه، و لازم الرابع وجوب النفقة، و لازم الأخير وجوب الحجّ». انتهى مع تصرّف منّا.

[و الاستدلال بالسيرة على تقديم الاستصحاب السببي على الاستصحاب المسبّبي‏]

و يؤيّده السيرة المستمرة بين الناس على ذلك بعد الاطّلاع على حجيّة الاستصحاب‏.

قد تمسّك بها في الضوابط، حيث قال: الثاني استمرار طريقة أهل العقول على ذلك، أ لا ترى أنّهم لو علموا بنجاسة شي‏ء سابقا ثمّ شكّوا في ارتفاعها لغسلوا ما لاقى ذلك الشي‏ء و لا يعملون بالأصلين، بأن يقولوا: إنّ الشي‏ء نجس و ملاقيه طاهر؟!.

و بالجملة، إنّه قد جرت سيرة المسلمين على تقديم الأصل السببي على الأصل المسبّبي.

الثاني: إنّ قوله (عليه السلام): لا تنقض اليقين بالشكّ باعتبار دلالته على جريان الاستصحاب في الشكّ السببي مانع للعامّ عن قابليّة شموله لجريان الاستصحاب في الشكّ المسبّبي‏.

و مقتضى هذا الوجه الثاني هو أنّ الأصل السببي حاكم على الأصل المسبّبي.

ثمّ تقريب تقديمه عليه من باب الحكومة يحتاج إلى مقدّمة، و هي:

إنّ الاصوليّين قالوا في باب تعارض الأحوال بتقديم التخصّص على التخصيص إذا دار الأمر بينهما.

إذا عرفت هذه المقدّمة فنقول: إنّ لازم ذلك هو تقديم الأصل السببي على الأصل المسبّبي دون العكس، إذ لازم تقديم الأصل السببي هو خروج الشكّ المسبّبي عن قوله (عليه السلام): لا تنقض اليقين بالشكّ‏ تخصّصا و لازم العكس هو خروج الشكّ السببي عنه تخصيصا، و الأمر يدور بين التخصّص و التخصيص بعد أنّ المفروض هو عدم شموله لكلا الشكّين.

و بيان ذلك: إنّ معنى‏ لا تنقض اليقين بالشكّ‏ هو ترتيب الآثار و اللوازم لا الملزومات، و من المعلوم أنّ ارتفاع المستصحب في الشكّ المسبّبي يكون من الأحكام و اللوازم‏

13

الثاني: إنّ قوله (عليه السلام): (لا تنقض اليقين بالشكّ)

(1)

باعتبار دلالته على جريان الاستصحاب‏

____________

الشرعيّة للمستصحب في الشكّ السببي، فلا يبقى فيه شكّ بعد جريان الاستصحاب السببي فيخرج عن موضوع‏ لا تنقض اليقين بالشكّ‏.

هذا بخلاف جريان الاستصحاب في الشكّ المسبّبي حيث لا يكون ارتفاع المستصحب في الشكّ السببي من الأحكام و لوازم المستصحب في الشكّ المسبّبي.

فإذا فرضنا غسل الثوب النجس بالماء المستصحب الطهارة، يكون زوال النجاسة عن الثوب النجس من آثار غسله بالماء المذكور، فلا يبقى شكّ في نجاسة الثوب النجس، كي يكون مشمولا لقوله: لا تنقض اليقين بالشكّ‏، فيكون خروجه عن دليل‏ لا تنقض اليقين بالشكّ‏ من باب التخصّص.

هذا بخلاف جريان الاستصحاب في الشكّ المسبّبي و الحكم ببقاء نجاسة الثوب في المثال المذكور، حيث يكون خروج الشكّ السببي عن‏ لا تنقض اليقين بالشكّ‏ من باب التخصيص، و ذلك لما عرفت من أنّه ليس ارتفاع طهارة الماء و نجاسته من آثار بقاء نجاسة الثوب شرعا كي لا يبقى شكّ في الطهارة.

و بعبارة اخرى: ليس من لوازم نجاسة الثوب نجاسة الماء شرعا، و ذلك لاحتمال نجاسة الماء من جهة ملاقاته للنجاسة سابقا قبل ملاقاته للثوب النجس.

و حاصل الجميع أنّ خروج الأصل السببي عن عموم‏ لا تنقض اليقين بالشكّ‏ يكون من باب التخصيص و هو مردود بوجهين:

الأوّل: الأصل عدم التخصيص.

[لزوم التخصيص من دون مخصّص من فرض تقديم الأصل المسبّبي على الأصل السببي‏]

و الثاني: إنّ التخصيص لا بدّ له من مخصّص، و هذا التخصيص تخصيص من دون مخصّص يقتضيه، فلا بدّ من الالتزام بتقديم الأصل السببي لئلّا يلزم المحذور المذكور.

هذا تمام الكلام في تقريب الوجه الثاني على تقديم الأصل السببي على الأصل المسبّبي، ثمّ نرجع إلى توضيح ما يحتاج إليه من العبارات طبقا لما في شرح الاستاذ الاعتمادي دام ظلّه.

____________

(1) الكافي 3: 352/ 3. التهذيب 2: 186/ 740. الاستبصار 1: 373/ 1416. الوسائل 8: 217، أبواب الخلل الواقع في الصلاة، ب 10، ح 3.

14

في الشكّ السببي مانع للعامّ عن قابليّة شموله لجريان الاستصحاب في الشكّ المسبّبي.

يعني: إنّ نقض اليقين له يصير نقضا له بالدليل لا بالشكّ، فلا يشمله النهي في (لا تنقض).

____________

الثاني: إنّ قوله (عليه السلام): (لا تنقض اليقين بالشكّ) شامل بالضرورة لمورد الشكّ السببي، و بمجرّد ذلك، أي: باعتبار دلالته على جريان الاستصحاب في الشكّ السببي مانع للعامّ عن قابليّة شموله لجريان الاستصحاب في الشكّ المسبّبي‏ و ذلك لما عرفت من زوال الشكّ المسبّبي بعد جريان الاستصحاب في جانب الشكّ السببي، فلا يبقى شكّ كي يشمله قوله: لا تنقض ... إلى آخره‏، كما أشار إليه بقوله:

يعني: إنّ نقض اليقين له يصير نقضا له بالدليل‏.

أعني: الاستصحاب السببي، فلا يكون نقض اليقين بالشكّ المنهي عنه في قوله: لا تنقض اليقين بالشكّ‏ و نقض اليقين بالدليل لا يكون موردا للنهي‏ فلا يشمله النهي في لا تنقض‏.

[بيان أقسام الحكومة و تقديم الأصل السببي على المسبّبي إنّما هو من باب الحكومة]

توضيح الكلام على ما في شرح الاعتمادي: إنّ الحكومة كما تتصوّر بين دليلين كحكومة قوله (عليه السلام): لا شكّ لكثير الشكّ‏ على قوله (عليه السلام): إذا شككت فابن على الأكثر (1) و كحكومة الأمارات على الاصول، كذلك تتصوّر في دليل واحد بأن يكون شموله لمورد موجبا لخروج المورد الآخر عن موضوعه كدليل الاستصحاب، فإنّه شامل لمورد الشكّ السببي كطهارة الماء، و بمجرّد شموله له يخرج مورد الشكّ المسبّبي، أعني: نجاسة الثوب عن موضوعه، لأنّ أثر الحكم بطهارة الماء هو الحكم بزوال نجاسة المغسول به، فلا يبقى شكّ فيها حتى يشمله دليل الاستصحاب.

إن قلت: و كذا العكس، لأنّ شمول دليل الاستصحاب على مورد الشكّ المسبّبي، أعني: نجاسة الثوب يخرج مورد الشكّ السببي، أعني: طهارة الماء عن موضوعه، فإنّ بقاء نجاسة المغسول كاشف عن نجاسة الماء الذي غسل به، فلا يبقى فيها شكّ حتى يجري الاستصحاب، فلا وجه لتقديم أحد الأصلين على الآخر.

____________

(1) الفقيه 1: 225/ 992. الوسائل 8: 212، أبواب الخلل الواقع في الصلاة، ب 8، ح 1.

15

و اللازم من شمول (لا تنقض) للشكّ المسبّبي نقض اليقين في مورد الشكّ السببي، لا لدليل شرعي يدلّ على ارتفاع الحالة السابقة فيه.

فيلزم من إهمال الاستصحاب في الشكّ السببي طرح عموم (لا تنقض) من غير مخصّص، و هو باطل، و اللازم من إهماله في الشكّ المسبّبي عدم قابليّة العموم لشمول المورد، و هو غير منكر.

و تبيان ذلك: إنّ مقتضى عدم نقض اليقين رفع اليد عن الامور السابقة المضادّة لآثار ذلك المتيقّن،

فعدم نقض طهارة الماء لا معنى له إلّا رفع اليد عن النجاسة السابقة المعلومة في الثوب.

____________

قلت: و اللازم من شمول لا تنقض للشكّ المسبّبي نقض اليقين في مورد الشكّ السببي، لا لدليل شرعي يدلّ على ارتفاع الحالة السابقة فيه‏.

إذ رفع اليد عن طهارة الماء باستصحاب نجاسة الثوب لا يكون من باب الحكومة، بل من باب التخصيص بلا مخصّص، لما عرفت من عدم ارتفاع طهارة الماء من آثار بقاء نجاسة الثوب.

و الحاصل أنّ شمول دليل الاستصحاب للشكّ السببي و رفع اليد عن المسبّبي إنّما هو بالحكومة، و أمّا العكس فهو من باب التخصيص بلا دليل، كما قال:

فيلزم‏ من إجراء الأصل في الشكّ المسبّبي و إهمال الاستصحاب في الشكّ السببي طرح عموم‏ لا تنقض‏ من غير مخصّص، و هو باطل، و اللازم من إجرائه في الشكّ السببي و إهماله في الشكّ المسبّبي عدم قابليّة العموم لشمول المورد، و هو غير منكر لأنّه من باب الحكومة، كما عرفت.

و تبيان ذلك: إنّ مقتضى عدم نقض اليقين رفع اليد عن الامور السابقة المضادّة لآثار ذلك المتيقّن‏.

و هذا يحصل بإبقاء الحالة السابقة في مورد الشكّ السببي و رفع اليد عن الحالة السابقة في مورد الشكّ المسبّبي، إذ من جملة آثار طهارة الماء مثلا طروّ الطهارة للثوب، فنجاسة الثوب من الامور السابقة المضادّة لأثر طهارة الماء، فمعنى استصحاب طهارة الماء رفع اليد عن نجاسة الثوب، كما أشار إليه بقوله:

16

إذ الحكم بنجاسته نقض لليقين بالطهارة المذكورة بلا حكم من الشارع بطروّ النجاسة، و هو طرح لعموم (لا تنقض) من غير مخصّص. أمّا الحكم بزوال النجاسة فليس نقضا لليقين بالنجاسة إلّا بحكم الشارع بطروّ الطهارة على الثوب.

و الحاصل أنّ مقتضى عموم (لا تنقض) للشكّ السببي نقض الحالة السابقة لمورد الشكّ المسبّبي.

و دعوى: «إنّ اليقين بالنجاسة- أيضا- من أفراد العامّ، فلا وجه لطرحه و إدخال اليقين بطهارة الماء» مدفوعة:

____________

فعدم نقض طهارة الماء لا معنى له إلّا رفع اليد عن النجاسة السابقة المعلومة في الثوب‏.

بخلاف العكس، لأنّ طروّ النجاسة للماء ليس من آثار بقاء نجاسة الثوب حتى يكون معنى استصحاب نجاسة الثوب رفع اليد عن طهارة الماء المعلومة سابقا.

إذ الحكم بنجاسته نقض لليقين بالطهارة المذكورة بلا حكم من الشارع بطروّ النجاسة، و هو طرح لعموم‏ لا تنقض‏ من غير مخصّص.

و أمّا الأصل، أعني: استصحاب طهارة الماء و الحكم بزوال النجاسة عن الثوب فليس نقضا لليقين بالنجاسة إلّا بحكم الشارع بطروّ الطهارة على الثوب بطريق حكومة الأصل السببي على الأصل المسبّبي.

و الحاصل أنّ مقتضى عموم‏ لا تنقض‏ للشكّ السببي نقض الحالة السابقة لمورد الشكّ المسبّبي لأنّه أثره، و أمّا مقتضى عمومه للشكّ المسبّبي ليس هو نقض الحالة السابقة لمورد الشكّ السببي، بل هو تخصيص بلا دليل.

[الوجه الاول على تقديم الأصل السببي على الأصل المسبّبي‏]

و دعوى: «إنّ اليقين بالنجاسة- أيضا- من أفراد العامّ، فلا وجه لطرحه و إدخال اليقين بطهارة الماء».

حاصل الكلام في بيان الإشكال هو أنّ كلّ واحد من الشكّ السببي و المسبّبي يكون من أفراد الشكّ المأخوذ في دليل الاستصحاب فيشمل الدليل كلا الشكّين، فلا وجه لإخراج أحدهما من عموم الدليل و إدخال الآخر فيه، بل لا بدّ من إجراء الأصل في كلا الشكّين، غاية الأمر يتعارض الأصلان، و يأتي حكمه.

17

أوّلا: بأنّ معنى عدم نقض يقين النجاسة- أيضا- رفع اليد عن الامور السابقة المضادّة لآثار المستصحب، كالطهارة السابقة لملاقيه و غيرها. فيعود المحذور، إلّا أن يلتزم هنا- أيضا- ببقاء طهارة الملاقي، و سيجي‏ء فساده.

و ثانيا: إنّ نقض يقين النجاسة بالدليل الدالّ على أنّ كلّ نجس غسل بماء طاهر فقد طهر، و فائدة استصحاب الطهارة إثبات كون الماء طاهرا به بخلاف نقض يقين الطهارة بحكم الشارع بعدم نقض يقين النجاسة.

____________

مدفوعة: أوّلا: بأنّ معنى عدم نقض يقين النجاسة- أيضا- رفع اليد عن الامور السابقة المضادّة لآثار المستصحب، كالطهارة السابقة الحاصلة لملاقيه و غيرها. فيعود المحذور.

حاصل الكلام في المقام على ما في التنكابني و شرح الاعتمادي هو أنّه إذا كان هناك ماء مشكوك مسبوق بالطهارة فغسل به ثوب نجس، ثمّ لاقى شي‏ء آخر طاهر بهذا الثوب المغسول، فإن قدّمنا الاستصحاب السببي، لا يلزم أي محذور أصلا، إذ يحكم- حينئذ- بطهارة الماء و يترتّب عليها طهارة الثوب المغسول به و يترتّب عليها عدم انفعال الملاقي للثوب.

و أمّا إذا قلنا بجريان استصحاب طهارة الماء و نجاسة الثوب معا، فيعود محذور التعارض بالنسبة إلى ملاقي الثوب أيضا، أي: تستصحب طهارته و إن كان الأصل فيه مسبّبا بالنسبة إلى استصحاب نجاسة الثوب، لأنّ المفروض هو جريان الأصل المسبّبي إلّا أن يقال بجريان جميع الاصول، أعني: استصحاب طهارة الماء و نجاسة الثوب و طهارة الملاقي، كما أشار إليه بقوله:

إلّا أن يلتزم هنا- أيضا- ببقاء طهارة الملاقي، و سيجي‏ء التعرض به و بيان‏ فساده‏ فانتظر.

[الوجه الثاني على التقديم المذكور، و الفرق بين هذا الإشكال و الإشكال المتقدّم‏]

و ثانيا: إنّ نقض يقين النجاسة بالدليل الدالّ على أنّ كلّ نجس غسل بماء طاهر فقد طهر، و فائدة استصحاب الطهارة إثبات كون الماء طاهرا به‏.

أي: الاستصحاب، فالصغرى تثبت بالأصل و الكبرى تثبت بالدليل، فيقال: هذا الماء طاهر و لو بالاستصحاب، و كلّ نجس غسل بماء طاهر فقد طهر بمقتضى الدليل، ينتج أنّ‏

18

بيان ذلك: إنّه لو عملنا باستصحاب النجاسة كنّا قد طرحنا اليقين بطهارة الماء من غير ورود دليل شرعي على نجاسته، لأنّ بقاء النجاسة في الثوب لا يوجب زوال الطهارة عن الماء.

بخلاف ما لو عملنا باستصحاب طهارة الماء، فإنّه يوجب زوال نجاسة الثوب بالدليل الشرعي، و هو ما دلّ على أنّ الثوب المغسول بالماء الطاهر يطهر، فطرح اليقين بنجاسة الثوب لقيام الدليل على طهارته.

____________

هذا الثوب النجس المغسول بهذا الماء الطاهر قد طهر.

و بالجملة، إنّ السر في دخول أحد الفردين في دليل الاستصحاب دون الآخر هو الحكومة على ما في شرح الاعتمادي، بخلاف نقض يقين الطهارة بحكم الشارع بعدم نقض يقين النجاسة فإنّه من التخصيص بلا دليل كما عرفت غير مرّة، و قد أشار إليه بقوله:

بيان ذلك: إنّه لو عملنا باستصحاب النجاسة كنّا قد طرحنا اليقين بطهارة الماء من غير ورود دليل شرعي على نجاسته، لأنّ بقاء النجاسة في الثوب لا يوجب زوال الطهارة عن الماء ظاهرا، لما عرفت من عدم كون ارتفاع الطهارة عن الماء من آثار نجاسة الثوب شرعا و إن لم ينفكّ زوال الطهارة عن بقاء النجاسة واقعا.

بخلاف ما لو عملنا باستصحاب طهارة الماء، فإنّه يوجب زوال نجاسة الثوب بالدليل الشرعي، و هو ما دلّ على أنّ الثوب المغسول بالماء الطاهر يطهر، فطرح اليقين بنجاسة الثوب لقيام الدليل على طهارته‏ فلا إشكال فيه‏ و قد يشكل‏.

و قبل تقريب هذا الإشكال نذكر الفرق بين هذا الإشكال و الإشكال المتقدّم بعنوان:

دعوى؛ كي لا يتوهّم التكرار.

و ملخّص الفرق بينهما أنّ غرض المدّعي في الإشكال المتقدّم هو عدم الفرق بين الفردين، أعني: الشكّ السببي و المسبّبي في دخولهما تحت العامّ، فلا وجه لإجراء الاستصحاب في أحدهما، أعني: الشكّ السببي دون الآخر، أي: الشكّ المسبّبي.

فأجاب المصنف (قدّس سرّه) عنه بحكومة الأصل السببي على المسبّبي دون العكس، و غرض هذا المستشكل هو أنّ إجراء الأصل في الشكّ السببي أوّلا و إن كان يوجب ارتفاع الشكّ في جانب المسبّب، فيكون حاكما عليه بخلاف العكس كما عرفت غير مرّة، إلّا إنّه لا وجه‏

19

هذا، و قد يشكل بأنّ اليقين بطهارة الماء و اليقين بنجاسة الثوب المغسول به كلّ منهما يقين سابق شكّ فى بقائه و ارتفاعه، و حكم الشارع بعدم النقض نسبته إليهما على حدّ سواء، لأنّ نسبة حكم العامّ إلى أفراده على حدّ سواء. فكيف يلاحظ ثبوت هذا الحكم لليقين بالطهارة أوّلا حتى يجب نقض اليقين بالنجاسة، لأنّه مدلوله و مقتضاه؟!.

و الحاصل أنّ جعل شمول حكم العامّ لبعض الأفراد سببا لخروج بعض الأفراد عن الحكم أو عن الموضوع- كما في ما نحن فيه- فاسد بعد فرض تساوي الفردين في الفرديّة مع قطع النظر عن ثبوت الحكم.

____________

لاعتبار الاستصحاب أوّلا في جانب السبب، كي يكون حاكما على المسبّب، بل ينبغي اعتبار الاستصحابين في عرض واحد دفعة واحدة فيتعارضان.

[اشكال‏]

و الحاصل أنّه قد يشكل‏ بأنّ اليقين بطهارة الماء و اليقين بنجاسة الثوب المغسول به كلّ منهما يقين سابق شكّ في بقائه و ارتفاعه، و حكم الشارع بعدم النقض نسبته إليهما على حدّ سواء، أي: يكون من قبيل صدق الكلّي المتواطئ على أفراده، لا من قبيل صدق المشكّك‏ لأنّ نسبة حكم العامّ إلى أفراده على حدّ سواء. فكيف يلاحظ ثبوت هذا الحكم لليقين بالطهارة أوّلا حتى‏ يكون هو حاكما على اليقين بنجاسة الثوب، أي: يجب نقض اليقين بالنجاسة، لأنّه‏، أي: نقض اليقين بالنجاسة مدلوله‏، أي: استصحاب طهارة الماء.

و الحاصل أنّ جعل شمول حكم العامّ لبعض الأفراد سببا لتخصيص البعض الآخر كما أشار إليه بقوله: سببا لخروج بعض الأفراد عن الحكم‏ كجعل شمول قوله: لا تنقض‏ للشكّ المسبّبي سببا لخروج الشكّ السببي عن حكمه، أعني: الإبقاء أو يكون شمول حكم العامّ لبعض الأفراد سببا لتخصّص البعض الآخر، كما أشار إليه بقوله: أو عن الموضوع كما في ما نحن فيه‏، أي: جعل شمول قوله: لا تنقض‏ للشك السببي يكون سببا لخروج الشكّ المسبّبي عن موضوعه، أعني: الشكّ في البقاء فاسد جدّا، لأنّ الأوّل تخصيص بلا مخصّص، و الثاني ترجيح بلا مرجّح.

و ملخّص الإشكال هو أنّ تقديم ملاحظة شمول العامّ لبعض الأفراد و تخصيص البعض الآخر أو تخصّصه بذلك فاسد بعد فرض تساوي الفردين في الفرديّة مع قطع النظر عن‏

20

و يدفع: بأنّ فرديّة أحد الشيئين إذا توقّفت على خروج الآخر المفروض الفرديّة عن العموم، وجب الحكم بعدم فرديّته و لم يجز رفع اليد عن العموم، لأنّ رفع اليد- حينئذ- عنه يتوقّف على شمول العامّ لذلك الشي‏ء المفروض توقّف فرديّته على رفع اليد عن العموم، و هو دور محال.

____________

ثبوت الحكم‏ لبعض الأفراد الموجب لتخصيص الآخر أو تخصّصه.

[الجواب الاول عن الإشكال المذكور]

و يدفع‏ الإشكال المذكور بوجهين:

أحدهما: ما أشار إليه بقوله: بأنّ فرديّة أحد الشيئين إذا توقّفت على خروج الآخر المفروض الفرديّة عن العموم، وجب الحكم بعدم فرديّته‏.

و ملخّص الكلام في تطبيق المتن في المقام أنّ فرديّة الشكّ المسبّبي للعام- أعني: لا تنقض اليقين بالشكّ‏- تتوقّف على خروج الشكّ السببي المفروض الفرديّة عن العامّ المذكور، إذ مقتضى فرديّة الشكّ السببي له و جريان الاستصحاب فيه هو انتفاء الشكّ في جانب المسبّب فتنتفي- حينئذ- فرديّته، و هذا معنى توقّف فرديّته على خروج الشكّ السببي عن العام، و إذا كان الأمر كذلك وجب الحكم من الأوّل بعدم فرديّة الشكّ المسبّبي لئلّا يلزم رفع اليد عن العموم بإخراج الشكّ السببي المفروض الفرديّة عنه، كما أشار إليه بقوله: و لم يجز رفع اليد عن العموم‏ لأنّ ذلك مستلزم للدور، كما أشار إليه بقوله: لأنّ رفع اليد حينئذ أي: حين توقّف فرديّة الشكّ المسبّبي على عدم فرديّة الشكّ السببي‏ عنه‏، أي: عن الشكّ السببي المفروض الفرديّة يتوقّف على شمول العامّ لذلك الشي‏ء أي: الشكّ المسبّبي‏ المفروض توقّف فرديّته على رفع اليد عن العموم‏ للشكّ السببي‏ و هو دور محال‏.

و تقريب الدور: إنّ فرديّة الشكّ المسبّبي للعامّ موقوف على عدم شموله للشك السببي، و عدم شموله له موقوف على فرديّة الشكّ المسبّبي له و إخراج الشكّ السببي عنه، ففرديّة الشكّ المسبّبي موقوفة على فرديّة الشكّ المسبّبي، غاية الأمر مع الواسطة و هي إخراج الشكّ السببي عن العامّ.

و بعبارة اخرى على ما في التنكابني: «إنّ فرديّة اليقين و الشكّ السببي لقوله (عليه السلام):

لا تنقض اليقين بالشكّ‏ يقينيّ لا يتوقّف على شي‏ء أصلا، و أمّا فرديّة اليقين و الشكّ‏

21

و إن شئت قلت: إنّ حكم العامّ من قبيل لازم الوجود للشكّ السببي، كما هو شأن الحكم الشرعي و موضوعه، فلا يوجد في الخارج إلّا محكوما.

و المفروض أنّ الشكّ المسبّبي- أيضا- من لوازم وجود ذلك الشكّ، فيكون حكم العامّ و هذا الشك لازمين لملزوم ثالث في مرتبة واحدة، فلا يجوز أن يكون أحدهما موضوعا

____________

المسبّبي للعموم المذكور يتوقّف على خروج الفرد الآخر و هو الشكّ السببي عن العموم، لأنّ الشكّ السببي إذا دخل في العموم يرتفع الشكّ المسبّبي و لو حكما، لأنّ مقتضى جريان الاستصحاب في الشكّ السببي ذلك، على ما سبق تحقيقه، و المفروض أنّه لا باعث على خروجه إلّا دخول الشكّ المسبّبي فيه، فيكون خروج السببي متوقّفا على دخول المسبّبي و دخوله متوقّفا على خروج السببي و هو دور محال.

و هذا نظير ما سيأتي في باب التعادل و الترجيح من أنّه إذا تعارض العامّ و المطلق و دار الأمر بين تقييد المطلق و تخصيص العامّ وجب الحكم بتقييد المطلق دون تخصيص العامّ، لأنّ المطلق دليل تعليقي و العامّ دليل تنجيزي، و العمل بالتعليقي موقوف على طرح التنجيزي لتوقّف موضوعه على عدمه، فلو كان طرح التنجيزي متوقّفا على العمل بالتعليقي لزم الدور». انتهى مورد الحاجة.

[الجواب الثانى عن الاشكال‏المذكور]

و كيف كان، فقد أشار إلى الوجه الثاني من وجهي دفع الإشكال بقوله:

و إن شئت قلت: إنّ حكم العامّ‏ أعني: حرمة نقض اليقين بالشكّ‏ من قبيل لازم الوجود للشكّ السببي‏ كما أنّ الحرارة لازم الوجود للنار، لأنّ فرديّة الشكّ السببي للعامّ لا تتوقف على شي‏ء كما هو شأن الحكم الشرعي و موضوعه‏ حيث يكون الحكم الشرعي لازما لوجود موضوعه‏ فلا يوجد في الخارج إلّا محكوما فلا يوجد الشكّ السببي في الخارج إلّا حال كونه محكوما بحرمة النقض.

و المفروض أنّ الشكّ المسبّبي- أيضا- من لوازم وجود ذلك الشكّ‏ السببي، إذ ما لم يكن شكّ في طهارة الماء لم يكن شكّ في بقاء نجاسة الثوب‏ فيكون حكم العامّ و هذا الشكّ لازمين لملزوم ثالث‏ و هو الشكّ السببي، إذ كما أنّ حرمة النقض لازم لوجود الشكّ السببي كذلك الشكّ المسبّبي لازم لوجوده، فيكون كلا اللازمين في عرض واحد و رتبة واحدة، كما أشار إليه بقوله: في مرتبة واحدة فلا يعقل تقدّم أحدهما على الآخر، و لازم‏

22

للآخر، لتقدّم الموضوع طبعا.

فالأولى أن يقال: إنّ ثبوت الحكم لكلّ يقين سابق ينحلّ إلى رفع اليد عن اليقين السابق بما يضادّ لوازمه، لأنّ الشي‏ء إذا توقّف منعه على عدم ثبوت المقتضى للمقتضي- بالكسر- لم يصلح أن يكون مانعا له للزوم الدور.

____________

ذلك‏ فلا يجوز أن يكون أحدهما، أعني: الشكّ المسبّبي‏ موضوعا للآخر، أعني: حرمة النقض، و ذلك‏ لتقدّم الموضوع طبعا.

و من هنا ظهر عدم صحّة قياس ما نحن فيه بالظنّ المانع و الممنوع المشمولين لدليل الانسداد، لأنّ قياس ما نحن فيه بمسألة المانع و الممنوع قياس مع الفارق، فلا بدّ أوّلا: من بيان القياس، و ثانيا: من بيان الفرق.

و أمّا ملخّص القياس: فكما لا وجه لتقديم ملاحظة شمول دليل الانسداد للظنّ المانع كالشهرة- مثلا- على الظنّ الممنوع كالقياس- مثلا- حتى يوجب خروج القياس عن موضوع دليل الانسداد، لأنّ موضوعه ما لم يقم دليل على عدم اعتباره من الظنّ، و الظنّ الممنوع الحاصل من القياس ممّا قام الدليل على عدم اعتباره و هو الشهرة، بل يقال: إنّ دليل الانسداد يشملهما في عرض واحد فيؤخذ بما هو الأقوى لا بالظنّ المانع فقط، كذلك في المقام لا وجه لتقديم ملاحظة شمول العامّ- أعني: لا تنقض اليقين بالشكّ‏- للشكّ السببي على المسبّبي حتى يوجب خروج الشكّ المسبّبي عن العامّ، بل العامّ يشملهما في عرض واحد فيتعارض الأصلان و يتساقطان إن لم يكن لأحدهما ترجيح على الآخر.

و أمّا بيان الفرق فهو: إنّ موضوع دليل الانسداد هو الظنّ الذي لم يقم على عدم اعتباره دليل، و معلوم أنّ كلّا من المانع و الممنوع ممّا لم يقم على عدم اعتباره دليل مع قطع النظر عن دليل الانسداد، فيشملهما دليل الانسداد في عرض واحد، إذ ليس الشكّ في حجيّة أحدهما مسبّبا عن الآخر، بل الشكّ في كلّ منهما مسبّب عن الشكّ في قيام الدليل على الحجيّة، و يكون شمول دليل الانسداد لكلّ منهما مانعا عن شموله للآخر، غاية الأمر أنّ المانعيّة من أحد الطرفين تكون بالدلالة المطابقيّة، و من الطرف الآخر تكون بالدلالة الالتزاميّة على ما في شرح الاعتمادي.

و هذا بخلاف الشكّ في باب الأصل السببي و المسبّبي فإنّ الشكّ في بقاء نجاسة

23

الثالث: إنّه لو لم يبن على تقديم الاستصحاب في الشكّ السببي كان الاستصحاب قليل الفائدة جدّا.

لأنّ المقصود من الاستصحاب غالبا ترتيب الآثار الثابتة للمستصحب. و تلك الآثار إن‏

____________

الثوب مسبّب عن الشكّ في طهارة الماء و هو يوجب التفاوت في شمول‏ لا تنقض‏، حيث إنّ شموله للشكّ السببي يوجب المنع عن شموله للآخر من باب الحكومة، و عكسه تخصيص بلا دليل، مضافا إلى أنّه إذا دار الأمر بين التخصيص و التخصّص تكون أصالة عموم اللفظ نحو لا تنقض اليقين ... إلى آخره‏ قاضيا بالثاني، و ليس في دليل الانسداد عموم لفظي يقضي ذلك.

[الوجه الثالث على تقديم الاستصحاب السببي على المسبّبي‏]

الثالث: إنّه لو لم يبن على تقديم الاستصحاب في الشكّ السببي كان الاستصحاب قليل الفائدة جدّا.

و توضيح هذا الوجه الثالث لتقديم الأصل السببي على المسبّبي يحتاج إلى مقدمة، و هي:

إنّ الاستصحاب إنّما يجري و يعتبر فيما إذا كان المستصحب حكما شرعيّا أو موضوعا يترتّب عليه الحكم الشرعي، ثمّ القسم الأوّل قليل جدّا، و القسم الثاني على قسمين:

أحدهما: إنّ ما يترتّب على المستصحب من الأثر الشرعي يكون ثابتا في السابق، كوجوب نفقة الزوجة المترتّب على استصحاب بقاء حياة الزوج.

و ثانيهما: إنّ ما يترتّب على المستصحب لم يكن ثابتا في السابق، بل كان معدوما في السابق كطهارة الثوب النجس المترتّبة على استصحاب طهارة الماء و توريث الابن المترتّب على استصحاب بقاء حياة الأب.

إذا عرفت هذه المقدّمة فنقول: إنّ كون المستصحب حكما شرعيّا كاستصحاب وجوب الصوم عند الشكّ في مسوّغ الإفطار قليل جدّا، و استصحاب نفس الحكم فيما إذا كان الحكم الشرعي المترتّب على استصحاب الموضوع ثابتا في السابق يغنينا عن استصحاب الموضوع، فاستصحاب وجوب نفقة الزوجة يكفي عن استصحاب بقاء حياة الزوج، فيبقى ما إذا لم يكن الأثر الشرعي موجودا في السابق فيما إذا كان المستصحب موضوعا، كما أشار إليه بقوله:

24

كانت موجودة سابقا أغنى استصحابها عن استصحاب ملزومها، فتنحصر الفائدة في الآثار التي كانت معدومة.

فإذا فرض معارضة الاستصحاب في الملزوم باستصحاب عدم تلك اللوازم و المعاملة معها على ما يأتي في الاستصحابين المتعارضين لغي الاستصحاب في الملزوم، و انحصرت الفائدة في استصحاب الأحكام التكليفيّة التي يراد بالاستصحاب إبقاء أنفسها في الزمان اللاحق.

و يرد عليه: منع عدم الحاجة إلى الاستصحاب في الآثار السابقة، بناء على أنّ إجراء الاستصحاب في نفس تلك الآثار موقوف على إحراز الموضوع لها، و هو مشكوك فيه.

____________

فتنحصر الفائدة في الآثار التي كانت معدومة كاستصحاب طهارة الماء لإثبات طهارة الثوب و استصحاب بقاء حياة الأب لإثبات توريث الابن.

فإذا فرض معارضة الاستصحاب في الملزوم‏ أي: طهارة الماء في المثال الأوّل، و حياة الأب في المثال الثاني‏ باستصحاب عدم تلك اللوازم‏ أي: عدم طهارة الثوب و بقاء نجاسته في المثال الأوّل، و عدم توريث الابن في المثال الثاني‏ و المعاملة معها أي:

المعارضة على ما يأتي في الاستصحابين المتعارضين‏ من التساقط لغي الاستصحاب في الملزوم‏ بالمرّة و انحصرت الفائدة في استصحاب الأحكام التكليفيّة التي يراد بالاستصحاب إبقاء أنفسها في الزمان اللاحق‏ مثل وجوب الصوم عند الشكّ في مسوغ الإفطار، و وجوب الإتمام عند الشكّ في مسوّغ القصر، فيلزم ما ذكر من كون الاستصحاب قليل الفائدة، و ذلك لانحصار الفائدة- حينئذ- فيما إذا كان المستصحب من الأحكام و هو قليل جدّا، لأنّ الغالب هو كون المستصحب من الموضوعات لا من الأحكام.

هذا بخلاف ما إذا قلنا بتقديم الأصل السببي على المسبّبي، حيث يكون الاستصحاب كثير الفائدة، إذ فائدته- حينئذ- لم تنحصر في استصحاب الأحكام كما لا يخفى، فلا بدّ من تقديم الأصل السببي على المسبّبي لئلّا يلزم ما ذكر من كون الاستصحاب قليل الفائدة، إذ على تقدير عدم تقديمه و تعارضه مع الأصل المسبّبي ينحصر الاستصحاب في الاستصحاب الحكمي و لا يجري الاستصحاب الموضوعي أصلا.

و يرد عليه: منع عدم الحاجة إلى الاستصحاب‏ أي: استصحاب الموضوع، بل لا بدّ

25

فلا بدّ من استصحاب الموضوع؛ إمّا ليترتّب عليه تلك الآثار فلا يحتاج إلى استصحاب أنفسها المتوقّفة على بقاء الموضوع يقينا، كما حقّقنا سابقا في مسألة اشتراط بقاء الموضوع، و إمّا لتحصيل شرط الاستصحاب في نفس تلك الآثار كما توهّمه بعض في ما قدّمناه سابقا، من أنّ بعضهم تخيّل أنّ موضوع المستصحب يحرز بالاستصحاب فيستصحب. و الحاصل:

إنّ الاستصحاب في الملزومات محتاج إليه على كلّ تقدير.

الرابع: إنّ المستفاد من الأخبار عدم الاعتبار باليقين السابق في مورد الشكّ المسبّبي.

____________

من استصحاب الموضوع‏ بناء على أنّ إجراء الاستصحاب في نفس تلك الآثار موقوف على احراز الموضوع لها، و هو مشكوك فيه‏.

و حاصل الكلام على ما في شرح الاعتمادي هو: إنّ ما ذكره المستدلّ بالوجه الثالث- من أنّه إذا كان الأثر ثابتا سابقا كوجوب النفقة يغني استصحابه عن استصحاب موضوعه، أعني: حياة الزوج- ممنوع، لأنّ وجوب النفقة موضوعه هو حياة الزوج لا يعقل إثباته إلّا بعد إحراز الموضوع بالاستصحاب‏ فلا بدّ من استصحاب الموضوع‏ فيترتّب عليه الحكم من دون حاجة إلى الاستصحاب، كما هو المشهور، كما أشار إليه بقوله:

إمّا ليترتّب عليه‏، أي: على استصحاب الموضوع‏ تلك الآثار فلا يحتاج إلى استصحاب أنفسها المتوقّفة على بقاء الموضوع يقينا ... إلى آخره‏.

أو يستصحب الموضوع لتحصيل شرط الاستصحاب، لأنّ استصحاب الحكم مشروط بإحراز الموضوع و لو بالأصل كما أشار إليه بقوله:

و إمّا لتحصيل شرط الاستصحاب في نفس تلك الآثار بأن يكون إحراز حياة الزوج بالاستصحاب شرطا لاستصحاب وجوب النفقة كما توهّمه بعض‏ حيث تخيّل أنّ موضوع المستصحب فيما إذا كان حكما يحرز بالاستصحاب فيستصحب. و الحاصل‏ إنّ ما ذكره المستدلّ- من أنّه لو لم يقدّم الأصل السببي لم يبق مورد لاستصحاب الموضوع، إذ مع ثبوت الأثر في السابق يستصحب نفس الأثر كوجوب النفقة دون الموضوع كالحياة- فاسد جدّا، إذ علمت‏ إنّ الاستصحاب في الملزومات‏ كحياة الزوج مثلا محتاج إليه على كلّ تقدير أي: سواء قلنا بأنّ استصحابه يغني عن استصحاب الأثر، أو قلنا بأنّ الأثر- أيضا- يستصحب.

26

بيان ذلك: إنّ الإمام (عليه السلام) علّل وجوب البناء على الوضوء السابق- في صحيحة زرارة

(1)

- بمجرّد كونه متيقّنا سابقا غير متيقّن الارتفاع في اللاحق.

و بعبارة اخرى: علّل بقاء الطهارة المستلزم لجواز الدخول في الصلاة بمجرّد الاستصحاب.

و من المعلوم أنّ مقتضى استصحاب الاشتغال بالصلاة عدم براءة الذمّة بهذه الصلاة.

حتى إنّ بعضهم جعل استصحاب الطهارة و هذا الاستصحاب من الاستصحابين المتعارضين، فلو لا عدم جريان هذا الاستصحاب و انحصار الاستصحاب في المقام‏

____________

[الوجه الرابع لتقدم الاستصحاب السببي هو مفاد الأخبار]

الرابع: إنّ المستفاد من الأخبار عدم الاعتبار باليقين السابق في مورد الشكّ المسبّبي.

بيان ذلك: إنّ الإمام (عليه السلام) علّل وجوب البناء على الوضوء السابق- في صحيحة زرارة- بمجرّد كونه متيقّنا سابقا غير متيقّن الارتفاع في اللاحق‏.

و توضيح ما هو المقصود في المقام هو أنّ الإمام (عليه السلام) قد قدّم الاستصحاب السببي على المسبّبي في هذه الصحيحة، حيث حكم في جواب السؤال عن الخفقة و الخفقتين ببقاء الوضوء، حيث قال: لا حتى يتيقّن أنّه قد نام‏، أي: لا يجب الوضوء حتى يحصل اليقين بالنوم، ثمّ علّل بقوله: فإنّه على يقين من وضوئه‏ فإنّ استصحاب الطهارة سببي بالنسبة إلى استصحاب الاشتغال، لأنّ الشكّ في الثاني مسبّب عن الشكّ في الأوّل.

و بعبارة اخرى: علّل بقاء الطهارة المستلزم لجواز الدخول في الصلاة بمجرّد الاستصحاب‏ لا بأمر آخر و من المعلوم أنّ‏ الاستصحاب يتصوّر في جانب المسبّب أيضا، بمعنى أنّ‏ مقتضى استصحاب الاشتغال بالصلاة عدم براءة الذمّة بهذه الصلاة التي وقعت بالوضوء المشكوك البقاء.

و بالجملة، إنّ تقديم الإمام (عليه السلام) الاستصحاب السببي على المسبّبي دليل على تقديمه عليه في جميع الموارد، و عموم التعليل يوجب زوال توهّم خصوصيّة المورد، و الشاهد على وجود الأصلين في المقام هو ما أشار إليه بقوله:

حتى إنّ بعضهم جعل استصحاب الطهارة و هذا الاستصحاب من الاستصحابين‏

____________

(1) التهذيب 1: 8/ 11. الوسائل 1: 245، أبواب نواقض الوضوء، ب 1، ح 1.

27

باستصحاب الطهارة لم يصحّ تعليل المضيّ على الطهارة بنفس الاستصحاب، لأنّ تعليل تقديم أحد الشيئين على الآخر بأمر مشترك بينهما قبيح، بل أقبح من الترجيح بلا مرجّح.

و بالجملة، فأرى المسألة غير محتاجة إلى إتعاب النظر، و لذا لا يتأمّل العامّي بعد إفتائه باستصحاب الطهارة في الماء المشكوك في رفع الحدث و الخبث به، و بيعه و شرائه و ترتيب الآثار المسبوقة بالعدم عليه.

هذا كلّه إذا عملنا بالاستصحاب من باب الأخبار. و أمّا لو عملنا به من باب الظنّ، فلا ينبغي الارتياب في ما ذكرنا، لأنّ الظنّ بعدم اللازم مع فرض الظنّ بالملزوم محال عقلا، فإذا

____________

المتعارضين، فلو لا عدم جريان هذا الاستصحاب‏ المسبّبي‏ و انحصار الاستصحاب في المقام‏ بالاستصحاب السببي، أي: باستصحاب الطهارة لم يصحّ تعليل المضيّ على الطهارة بنفس الاستصحاب، لأنّ تعليل تقديم أحد الشيئين على الآخر بأمر مشترك بينهما قبيح‏.

و التعليل بالأمر المشترك إنّما يلزم فيما إذا كان كلّ واحد من الاستصحاب السببي و المسبّبي معتبرا، إذ يكون- حينئذ- تقديم جانب السبب بعلّة الاستصحاب مع وجود هذه العلّة في جانب المسبّب أيضا قبيحا.

بل أقبح من الترجيح بلا مرجّح‏.

وجه الأقبحيّة أنّ الترجيح في موارد الترجيح بلا مرجّح يكون لعدم المقتضي للترجيح، و ليس هناك ما يقتضي عدم الترجيح، و الترجيح في المقام يكون مع ما يقتضي عدم الترجيح، أعني: العلّة المشتركة. إلّا أن يقال: إنّ الترجيح بلا مرجّح إنّما هو في المتساويين من جميع الجهات و لو في العلّة، فيكون المقام من الترجيح بلا مرجّح فقط.

و كيف كان، فالمسألة واضحة و لذا لا يتأمّل العامّي‏ كما عرفت تمسّك صاحب الضوابط لتقديم الاستصحاب في الشكّ السببي باستمرار طريقة أهل العقول على ذلك.

هذا كلّه إذا عملنا بالاستصحاب الطهارة من باب الأخبار. و أمّا لو عملنا به من باب الظنّ، فلا ينبغي الارتياب في ما ذكرنا من تقديم الأصل السببي على المسبّبي، لأنّ‏ الاستصحاب في جانب الملزوم مفيد للظنّ بلا إشكال، و إذا حصل الظنّ ببقاء الملزوم- كطهارة الماء مثلا- لا بدّ أن يحصل الظنّ بوجود اللازم، كزوال نجاسة الثوب فلا يعقل حصول الظنّ بعدم اللازم أيضا، أعني: بقاء نجاسة الثوب كما أشار إليه بقوله: الظنّ بعدم‏

28

فرض حصول الظنّ بطهارة الماء عند الشكّ فيلزمه عقلا الظنّ بزوال النجاسة عن الثوب.

و الشكّ في طهارة الماء و نجاسة الثوب و إن كانا في زمان واحد، إلّا إنّ الأوّل لمّا كان سببا للثاني كان حال الذهن في الثاني تابعا لحاله بالنسبة إلى الأوّل، فلا بدّ من حصول الظنّ بعدم النجاسة في المثال، فاختصّ الاستصحاب المفيد للظنّ بما كان الشكّ فيه غير تابع لشكّ آخر يوجب الظنّ، فافهم فإنّه لا يخلو عن دقّة.

____________

اللازم‏، أي: الظنّ بنجاسة الثوب‏ مع فرض الظنّ بالملزوم‏، أي: الظنّ بطهارة الماء محال عقلا.

إن قلت: يمكن فرض عكس ذلك، فيقال بأنّ الظنّ بالملزوم مع فرض الظنّ بعدم اللازم محال عقلا.

قلت: إنّ الأمر و إن كان كذلك إلّا إنّ هذا مجرّد فرض، لأنّ اللازم تابع للملزوم، فلا يحصل الظنّ الاستصحابي بعدمه بعد حصوله بالملزوم، و ذلك فإنّ حصول الظنّ في الأصل السببي نظرا إلى السببية يكون أوّلا، فلا يحصل الظنّ بعدم اللازم كما مرّ، بل يحصل الظنّ باللازم كما أشار إليه بقوله:

فإذا فرض حصول الظنّ بطهارة الماء عند الشكّ فيلزمه عقلا الظنّ بزوال النجاسة عن الثوب‏ فلا يحصل الظنّ بعدم اللازم، أي: بقاء النجاسة في الثوب.

قوله: و الشكّ في طهارة الماء و نجاسة الثوب ... إلى آخره‏.

دفع لما يقال من أنّه إذا كانت طهارة الماء و نجاسة الثوب متّحدين من حيث زمان الشكّ في البقاء فلا وجه لملاحظة الحالة السابقة في الطهارة أوّلا حتى يحصل الظنّ ببقائها المستلزم للظنّ بزوال النجاسة، كما لا وجه لعكسه أيضا، بل لا بدّ أن يلاحظ في عرض واحد فيحصل التعارض بينهما، فيرجع إلى ما يجري في باب التعارض من التساقط أو الترجيح.

و حاصل الدفع هو أنّ الشكّ في طهارة الماء و نجاسة الثوب‏ و إن كانا في زمان واحد، إلّا أنّ الأوّل لما كان سببا للثاني كان حال الذهن في الثاني‏ شكّا و ظنّا و قطعا تابعا لحاله بالنسبة إلى الأوّل، فلا بدّ من حصول الظنّ بعدم النجاسة في المثال، فاختصّ الاستصحاب المفيد للظنّ‏ شخصا و نوعا، كما في شرح الاعتمادي‏ بما كان الشكّ فيه غير تابع لشكّ آخر

29

و يشهد لما ذكرنا أنّ العقلاء البانين على الاستصحاب في امور معاشهم- بل معادهم- لا يلتفتون في تلك المقامات إلى هذا الاستصحاب أبدا، و لو نبّههم أحد لم يعتنوا، فيعزلون حصّة الغائب من الميراث و يصحّحون معاملة وكلائه، و يؤدّون عنه فطرته إذا كان عيالهم، إلى غير ذلك من موارد ترتيب الآثار الحادثة على المستصحب.

ثمّ إنّه يظهر الخلاف في المسألة من جماعة، منهم الشيخ، و المحقّق، و العلّامة في بعض أقواله، و جماعة من متأخّري المتأخّرين، فقد ذهب الشيخ في المبسوط إلى عدم وجوب‏

____________

يوجب الظنّ‏ و ذلك كطهارة الماء، حيث لا يكون الشكّ فيها تابعا لشك آخر يوجب الظنّ بالبقاء.

هذا بخلاف الشكّ في بقاء نجاسة الثوب، حيث يكون تابعا لشكّ آخر يوجب الظنّ بالبقاء، أعني: الشكّ في طهارة الماء.

فافهم فإنّه لا يخلو عن دقّة.

إذ لا يفرق في عدم حصول الظنّ بعدم اللازم بعد حصوله بالملزوم بين الظنّ الشخصي و النوعي، و مع ذلك توقّف المحقّق و العلّامة و غيرهما ممّن قال باعتبار الاستصحاب من باب الظنّ في تقديم الاستصحاب السببي على المسبّبي، و لعلّ ذلك لتوهّم حصول الظنّ النوعي بعدم اللازم على تقدير اعتبار الاستصحاب من باب الظنّ النوعي. و كيف كان فالأمر يحتاج إلى الدقّة و التأمّل.

و يشهد لما ذكرنا من اختصاص الاستصحاب المعتبر بمناط الظنّ بما كان الشكّ فيه غير تابع لشكّ آخر أنّ العقلاء البانين على الاستصحاب‏ من باب الظنّ‏ في امور معاشهم- بل معادهم- لا يلتفتون في تلك المقامات‏ أي: موارد الشكّ السببي و المسبّبي‏ إلى هذا الاستصحاب‏ أي: الاستصحاب المسبّبي‏ أبدا، و لو نبّههم أحد لم يعتنوا، فيعزلون حصّة الغائب من الميراث و يصحّحون معاملة وكلائه، و يؤدّون عنه فطرته إذا كان عيالهم، إلى غير ذلك من موارد ترتيب الآثار الحادثة أي: كما يرتّبون الآثار السابقة كوجوب نفقة الزوجة كذلك يرتّبون الآثار الحادثة، كما في الأمثلة المتقدّمة، فلا يحكمون بأصالة عدم الإرث و عدم صحّة المعاملات و عدم وجوب الفطرة.

[كلام القائلين بعدم تقديم الأصل السببي على المسبّبي‏]

ثمّ إنّه يظهر الخلاف في المسألة من جماعة أي: يظهر منهم عدم تقديم الأصل السببي‏

30

فطرة العبد إذا لم يعلم خبره، و استحسنه المحقّق في المعتبر مجيبا عن الاستدلال للوجوب بأصالة البقاء بأنّها معارضة بأصالة عدم الوجوب، و عن تنظير وجوب الفطرة عنه بجواز عتقه في الكفّارة، بالمنع عن الأصل تارة و الفرق بينهما اخرى.

____________

على المسبّبي‏ منهم الشيخ، و المحقّق، و العلّامة ... إلى آخره‏ حيث قال الشيخ (قدّس سرّه) في المبسوط بعدم وجوب فطرة العبد إذا لم يعلم أنّه حيّ أو ميّت‏ و استحسنه المحقّق في المعتبر مجيبا عن الاستدلال للوجوب بأصالة البقاء بأنّها معارضة بأصالة عدم الوجوب‏.

حاصل الكلام في هذا المقام كما في شرح الاعتمادي: إنّ القائلين بوجوب الفطرة استدلّوا عليه باستصحاب حياة العبد الموجبة للفطرة، فأجاب عنه المحقّق بأنّ استصحاب الحياة معارض بأصالة عدم وجوب الفطرة فيتساقطان، فيحكم بعدم وجوب الفطرة بدليل أنّ الزكاة انتزاع مال على المكلّف يتوقّف على العلم بسبب الانتزاع و لم يعلم.

و عن تنظير وجوب الفطرة عنه بجواز عتقه في الكفّارة، بالمنع عن الأصل تارة و الفرق بينهما اخرى‏.

و حاصل الكلام أنّ القائلين بوجوب الفطرة استدلّوا عليه بعد استصحاب الحياة بأنّ العبد المشكوك البقاء يجوز عتقه عن الكفّارة بالإجماع، فتجب فطرته أيضا، و أجاب عنه المحقّق:

أوّلا: بأنّ جواز العتق- أيضا- لم يثبت، فإنّ الإجماع لا يتحقّق من رواية واحدة و فتوى اثنين أو ثلاثة.

و ثانيا: بالفرق بين العتق و الفطرة، فإنّ العتق إسقاط ما في الذمّة من حقّ اللّه تعالى، المبني على التخفيف فيكفي عتق العبد المشكوك الحياة، و الفطرة انتزاع مال على مكلّف فلا يجب ما لم يثبت سبب النزع، أعني: حياة العبد، كما في شرح الاعتمادي، و الفرق بينهما باعتبار آخر و هو أنّ مناط العتق هو الملكيّة، لما ورد من أنّه‏ لا عتق إلّا في ملك‏ (1) و الآبق و الغائب لا يخرجان عن ملك المولى، و مناط وجوب الفطرة هو إمّا العيلولة أو

____________

(1) غوالي اللآلئ 2: 299/ 4. الوسائل 23: 15، كتاب العتق، ب 5، ح 2.

31

و قد صرّح في اصول المعتبر بأنّ استصحاب الطهارة عند الشكّ في الحدث معارض باستصحاب عدم براءة الذمّة بالصلاة بالطهارة المستصحبة.

و قد عرفت أنّ المنصوص في صحيحة زرارة

(1)

العمل باستصحاب الطهارة، على وجه يظهر منه خلوّه عن المعارض و عدم جريان استصحاب الاشتغال.

و حكي عن العلّامة في بعض كتبه الحكم بطهارة الماء القليل الواقع فيه صيد مرميّ لم يعلم استناد موته إلى الرمي.

____________

وجوب الإنفاق، و هما منتفيان بالنسبة إليه غالبا على ما في التعليقة.

و قد صرّح في اصول المعتبر بأنّ استصحاب الطهارة عند الشكّ في الحدث معارض باستصحاب عدم براءة الذمّة بالصلاة بالطهارة المستصحبة.

مع أنّ استصحاب الطهارة أصل سببي و استصحاب عدم البراءة أصل مسبّبي قد صرّح المحقّق في المعتبر بتعارضهما و تساقطهما و الرجوع إلى قاعدة الاشتغال، و قد أشار إلى ردّ ما ذكره المحقّق في المعتبر بقوله:

و قد عرفت أنّ المنصوص في صحيحة زرارة الواردة في الخفقة و الخفقتين‏ العمل باستصحاب الطهارة، على وجه يظهر منه خلوّه عن المعارض و عدم جريان استصحاب الاشتغال‏.

حيث إنّ الإمام (عليه السلام) قد حكم ببقاء الطهارة بمجرّد كونها متيقّنة الثبوت سابقا، و الحال أنّ هذه العلّة موجودة في جانب الاشتغال بالصلاة أيضا، فتخصيص الإمام (عليه السلام) العلّة المشتركة بجانب الشكّ السببي دليل على عدم اعتبار الأصل المسبّبي، فلا معارض- حينئذ- لاستصحاب الطهارة الذي يكون أصلا سببيّا.

و حكي عن العلّامة في بعض كتبه الحكم بطهارة الماء القليل الواقع فيه صيد مرميّ لم يعلم استناد موته إلى الرمي‏.

حاصل الكلام على ما في شرح الاعتمادي هو أنّه إذا رمى صيدا ثمّ وجده قد مات و وقع رجله مثلا في ماء قليل، فشك في أنّ موته مستند إلى الرمي ليكون مذكّى، أو إلى‏

____________

(1) التهذيب 1: 8/ 1. الوسائل 1: 245، أبواب نواقض الوضوء، ب 1، ح 1.

32

لكنّه اختار في غير واحد من كتبه الحكم بنجاسة الماء، و تبعه عليه الشهيدان و غيرهما و هو المختار، بناء على ما عرفت تحقيقه، و أنّه إذا ثبت بأصالة عدم التذكية موت الصيد جرت عليه جميع أحكام الميتة التي منها انفعال الماء الملاقي له.

نعم، ربّما قيل: إنّ تحريم الصيد إن كان لعدم العلم بالتذكية فلا يوجب تنجيس الملاقي،

____________

أمر آخر ليكون ميتة، حكم العلّامة (رحمه اللّه) بطهارة الماء، مع أنّ مقتضى الأصل السببي- أعني:

استصحاب عدم التذكية- نجاسته الموجبة لتنجّس الماء، فالعلّامة لم يقدم الأصل السببي على المسبّبي قطعا و إلّا لحكم بنجاسة الماء، فحكمه بطهارة الماء؛ إمّا من جهة قاعدة الطهارة بعد الحكم بتعارض الأصل السببي و المسبّبي و تساقطهما، و إمّا من جهة الجمع بينهما، و الشاهد على ذلك على ما في التنكابني:

قد حكى في مفتاح الكرامة عنه في التحرير أنّه بعد اختياره التنجيس قوّى العمل بالأصلين، و لازم ذلك هو طهارة الماء و حرمة الصيد و احتمله في القواعد، ثمّ قال: و الوجه المنع، و اختار العمل بالأصلين جامع المقاصد و الذخيرة و غيرهما و إليه ذهب السيد صدر الدين في شرح الوافية على ما حكي، و اختاره المحقّق القمّي في القوانين، و في مفتاح الكرامة: إنّ العلّامة في المنتهى نقل عن الشيخ إنّه اختار العمل بالأصلين في بعض كتبه، ثمّ قال: و ليس بجيّد.

و كيف كان، فالعمل بالأصلين ثابت و لو عن بعض.

لكنّه اختار في غير واحد من كتبه الحكم بنجاسة الماء تقديما للأصل السببي على المسبّبي‏ و تبعه عليه الشهيدان و غيرهما و هو المختار، بناء على ما عرفت تحقيقه‏ من تقدم الاستصحاب في الشكّ السببي على الاستصحاب في الشكّ المسبّبي‏ و أنّه إذا ثبت بأصالة عدم التذكية موت الصيد أي: من دون تذكية جرت عليه جميع أحكام الميتة التي منها انفعال الماء الملاقي له‏.

هذا الكلام من المصنف (قدّس سرّه) ظاهر في أنّ الحكم بالحرمة و النجاسة مترتّب على الميتة، أي: الموت حتف الأنف لا على عدم التذكية، و أنّ أصالة عدم التذكية تثبت الموت حتف الأنف، و هذا الكلام إنّما يتمّ بناء على كون اعتبار الاستصحاب من باب الظنّ، كما هو مذهب العلّامة و الشهيدين (قدّس سرّه) فيكون الكلام المذكور مبنيّا على مذهبهم لا على مذهبه.

33

و إن كان للحكم عليه شرعا بعدمها اتّجه الحكم بالتنجيس. و مرجع الأوّل إلى كون حرمة الصيد مع الشكّ في التذكية للتعبّد من جهة الأخبار المعلّلة لحرمة أكل الميتة بعدم العلم بتذكيته. و هو حسن لو لم يترتّب عليه من أحكام الميتة إلّا حرمة الأكل، و لا أظنّ أحدا يلتزمه. مع أنّ المستفاد من حرمة الأكل كونها ميتة لا التحريم تعبّدا و إن استفيد بعض ما

____________

نعم، ربّما قيل: إنّ تحريم الصيد إن كان لعدم العلم بالتذكية لأجل الأخبار الخاصّة الدالّة على حرمة غير معلوم التذكية، فيكون الحكم بالتحريم حكما تعبّديا فلا يوجب تنجيس الملاقي، و إن كان للحكم عليه شرعا بعدمها أي: إن كان تحريم الصيد باستصحاب عدم التذكية اتّجه الحكم بالتنجيس. و مرجع الأوّل إلى كون حرمة الصيد مع الشكّ في التذكية للتعبّد من جهة الأخبار المعلّلة لحرمة أكل الميتة بعدم العلم بتذكيته‏.

و حاصل الكلام في المقام على ما في شرح الاعتمادي: إنّ بعضهم لم يحكم بحرمة مشكوك التذكية باستصحاب عدم التذكية؛ إمّا لعدم اعتبار الاستصحاب عنده حتى في العدميّات، و إمّا لزعم تعارض استصحاب عدم التذكية باستصحاب عدم الموت حتف الأنف و تساقطهما، و إنّما حكم بحرمته تعبّدا للأخبار الخاصّة الدالّة بحرمة الصيد المرمي أو المرسل إليه الكلب إذا لم يعلم استناد موته إلى الرمي أو الإرسال معلّلا بعدم العلم بتذكيته.

و بالجملة، إنّ البعض جعل أصالة الحرمة في اللحوم أصلا برأسه غير أصالة عدم التذكية.

و غرض المصنف (قدّس سرّه) هو أنّ من قال بالحرمة تعبّدا للأخبار الخاصّة لا يحكم بنجاسته، لأنّ الحرمة لا تلازم النجاسة إذ ربّ شي‏ء يكون حراما و لا يكون نجسا فلا يتنجّس الملاقي أصلا.

و أمّا من قال بحرمته لكونه ميتة بالاستصحاب، فلا بدّ له من القول بنجاسته- أيضا- فيتنجّس ملاقيه أيضا، و هو حسن‏ أي: الأوّل حسن‏ لو لم يترتّب عليه من أحكام الميتة إلّا حرمة الأكل، و لا أظنّ أحدا يلتزمه‏ أي: تحريم الأكل فقط من دون النجاسة و ملخّص الكلام أنّ القول بالحرمة تعبّدا دون النجاسة لم يلتزمه أحد، كي يقال بعدم تنجّس الملاقي، لأنّ الظاهر أنّ القائل بالحرمة و لو تعبّدا قال بالنجاسة أيضا، فيتنجّس ملاقيه‏

34

يعتبر في التذكية من النهي عن الأكل بدونه.

ثمّ إنّ بعض من يرى التعارض بين الاستصحابين في المقام صرّح بالجمع بينهما، فحكم في مسألة الصيد بكونه ميتة و الماء طاهرا.

و يرد عليه: إنّه لا وجه للجمع في مثل هذين الاستصحابين، فإنّ الحكم بطهارة الماء إن كان بمعنى ترتّب آثار الطهارة من رفع الحدث و الخبث به، فلا ريب أنّ نسبة استصحاب بقاء

____________

أيضا.

مع أنّ المستفاد من حرمة الأكل كونها ميتة لا التحريم تعبّدا أي: الظاهر من الأخبار هو الحكم بالحرمة من جهة الحكم بكونها ميتة فهي إرشاد إلى مفاد الاستصحاب، لا الحكم بالحرمة تعبّدا بأن تكون أصالة حرمة اللحوم أصلا برأسه في مقابل استصحاب عدم التذكية. و إن‏، أي: لاستفادة هذا المعنى من حرمة الأكل‏ استفيد بعض ما يعتبر في التذكية من النهي عن الأكل بدونه‏.

أي: بدون ما يعتبر في التذكية فإنّ ظاهر النهي في قوله تعالى مثلا: وَ لا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ‏ (1) هو الإرشاد إلى كون الحيوان ميتة بدون التسمية لا حرمة الأكل تعبّدا فيستفاد منه أنّ التسمية من شرائط التذكية، و قد علم إلى هنا قولان في الأصل السببي و المسبّبي:

أحدهما: هو تقديم الأصل السببي على المسبّبي.

و ثانيهما: هو تساقطهما بالتعارض.

و هنا قول ثالث أشار إليه بقوله:

[الجمع بين الاستصحابين المتعارضين‏]

ثمّ إنّ بعض من يرى التعارض بين الاستصحابين في المقام صرّح بالجمع بينهما أي:

يعمل بكلّ منهما في مورده‏ فحكم في مسألة الصيد بكونه ميتة بمقتضى استصحاب عدم التذكية و الماء طاهرا باستصحاب بقاء طهارته.

[الإشكال على الجمع بين الاستصحابين المتعارضين‏]

و يرد عليه: إنّه لا وجه للجمع في مثل هذين الاستصحابين‏ أي: الاستصحاب السببي و المسبّبي‏ فإنّ الحكم بطهارة الماء إن كان بمعنى ترتّب آثار الطهارة من رفع الحدث و الخبث‏

____________

(1) الأنعام: 121.

35

الحدث و الخبث إلى استصحاب طهارة الماء بعينها نسبة استصحاب طهارة الماء إلى استصحاب عدم التذكية.

و كذا الحكم بموت الصيد، فإنّه إن كان بمعنى انفعال الملاقي له بعد ذلك و المنع عن استصحابه في الصلاة، فلا ريب أنّ استصحاب طهارة الملاقي و استصحاب جواز الصلاة معه قبل زهاق روحه، نسبتها إليه كنسبة استصحاب طهارة الماء إليه.

و ممّا ذكرنا يظهر النظر فيما ذكره في الإيضاح تقريبا للجمع بين الأصلين في الصيد الواقع‏

____________

به، فلا ريب أنّ نسبة استصحاب بقاء الحدث و الخبث إلى استصحاب طهارة الماء بعينها نسبة استصحاب طهارة الماء إلى استصحاب عدم التذكية.

فكما أنّ استصحاب بقاء الحدث و الخبث مسبّبي و استصحاب طهارة الماء سببي، كذلك استصحاب طهارة الماء مسبّبي و استصحاب عدم التذكية سببي، فلو جرى استصحاب طهارة الماء في المثال الثاني و لم يقدّم عليه استصحاب عدم التذكية لجرى- أيضا- استصحاب الحدث و الخبث في المثال الأوّل، و لا يقدّم عليه استصحاب طهارة الماء، إذ لا وجه للتفكيك بعد كون النسبة واحدة.

و كذا الحكم بموت الصيد، فإنّه إن كان بمعنى انفعال الملاقي له بعد ذلك و المنع عن استصحابه في الصلاة، فلا ريب أنّ استصحاب طهارة الملاقي و استصحاب جواز الصلاة معه قبل زهاق روحه، نسبتها إليه‏ أي: الحكم بالموت‏ كنسبة استصحاب طهارة الماء إليه‏ أي: الحكم بالموت، كما في شرح الاعتمادي.

غرض المصنف (قدّس سرّه) هو أنّه إذا جرى الأصل السببي، أعني: استصحاب عدم التذكية، فإن كان معناه مجرّد حرمة الأكل فهو و إن كان معناه الحكم بتنجّس ما يلاقيه غير هذا الماء و حرمة حمل المصلّي إيّاه، فيرد عليه: إنّ الشكّ في طهارة هذا الماء و الشكّ في طهارة سائر ما يلاقيه و الشكّ في جواز حمل المصلّي إيّاه كلّها مسبّب عن الشكّ في التذكية، فلا وجه للتفكيك، فإن جرى استصحاب طهارة الماء لجرى- أيضا- استصحاب طهارة سائر ما يلاقيه و استصحاب جواز حمل المصلّي إيّاه قبل خروج روحه، و إن لم يجر الأخيران لم يجر الأوّل أيضا، أعني: استصحاب طهارة الماء، على ما في شرح الاعتمادي.

و ممّا ذكرنا من أنّه لا معنى للجمع بين الأصل السببي و المسبّبي‏ يظهر النظر في ما

36

في الماء القليل، من: «أنّ لأصالة الطهارة حكمين: طهارة الماء و حلّ الصيد.

و لأصالة الموت حكمان: لحوق أحكام الميتة للصيد و نجاسة الماء، فيعمل بكلّ من الأصلين في نفسه لأصالته دون الآخر لفرعيّته فيه» انتهى.

و ليت شعري! هل نجاسة الماء إلّا من أحكام الميتة؟ فأين الأصالة و الفرعيّة؟ و تبعه في ذلك بعض من عاصرناه، فحكم بطهارة الجلد المطروح بأصالة الطهارة و حرمة الصلاة فيه، و يظهر ضعف ذلك ممّا تقدّم.

____________

ذكره في الإيضاح تقريبا للجمع بين الأصلين في الصيد الواقع في الماء القليل، من «أنّ لأصالة الطهارة حكمين: طهارة الماء و حلّ الصيد، لأنّ أصالة طهارة الماء تقتضي طهارة الماء بالأصالة، و حلّية الصيد بالتبع و الالتزام.

و لأصالة الموت حكمان: لحوق أحكام الميتة للصيد و نجاسة الماء، لأنّ استصحاب عدم التذكية يقتضي كون الصيد ميتة بالأصالة و تنجّس الماء الملاقي له بالتبع و الالتزام، كما في شرح الاعتمادي مع تصرّف منّا.

فيعمل بكلّ من الأصلين في‏ مورد نفسه لأصالته دون‏ المورد الآخر لفرعيّته‏.

بمعنى أنّه يعمل بأصالة عدم التذكية في الصيد دون الماء، إذ الأوّل أصل و الثاني فرع.

هذا تمام الكلام في ما في إيضاح الفوائد.

و قد أشار إلى ردّه بقوله:

و ليت شعري! هل نجاسة الماء إلّا من أحكام الميتة؟ فأين الأصالة و الفرعية؟.

و الاستفهام إنكاري، بمعنى أنّه ليست نجاسة الماء إلّا من أحكام الميتة فلا يتصوّر هناك الأصالة و الفرعيّة، نعم ليست حلّية الصيد من أحكام طهارة الماء كما لا يخفى.

و تبعه في ذلك بعض من عاصرناه‏، أي: تبع الإيضاح في تقريب الجمع بين الأصلين المحقّق القمّي (قدّس سرّه) فحكم بطهارة الجلد المطروح‏ على الأرض المشكوك التذكية بأصالة الطهارة فلا يتنجّس ملاقيه‏ و حرمة الصلاة فيه‏ لأصالة الاشتغال و عدم حصول البراءة بهذه الصلاة.

و يظهر ضعف ذلك ممّا تقدم‏ من أنّ الشكّ في تنجّس الملاقي و الشكّ في جواز الصلاة فيه كلاهما مسبّبان عن الشكّ في التذكية فلا وجه للتفكيك بينهما بترتيب أحد الأثرين-

37

و أضعف من ذلك حكمه في الثوب الرطب المستصحب النجاسة، المنشور على الأرض بطهارة الأرض، إذ لا دليل على أنّ النجس بالاستصحاب منجّس.

و ليت شعري! إذا لم يكن النجس بالاستصحاب منجّسا و لا الطاهر به مطهّرا، فكان كلّ ما ثبت بالاستصحاب لا دليل على ترتيب آثار الشي‏ء الواقعي عليه، لأن الأصل عدم تلك الآثار، فأيّ فائدة في الاستصحاب؟

قال في الوافية في شرائط الاستصحاب: «الخامس: أن لا يكون هناك استصحاب في أمر

____________

أعني: حرمة الصلاة فيه- دون الآخر، أعني: تنجّس الملاقي.

و أضعف من ذلك حكمه‏ أي: بعض من عاصرناه‏ في الثوب الرطب المستصحب النجاسة، المنشور على الأرض بطهارة الأرض، إذ لا دليل على أنّ النجس بالاستصحاب منجّس‏.

وجه الأضعفيّة هو تعليل الجمع بين الأصلين بقوله: إذ لا دليل على أنّ النجس بالاستصحاب منجّس‏ مع أنّ تنجّس الأرض من آثار نجاسة الثوب، و لو كان ثبوتها بالاستصحاب فلا يجري استصحاب طهارة الأرض، فحكمه بجريان استصحاب نجاسة الثوب و استصحاب طهارة الأرض فاسد، بل يجري استصحاب نجاسة الثوب، و يترتّب عليه تنجّس الأرض التي لاقاها رطبا.

قال المصنف (قدّس سرّه) في ردّ هذا:

و ليت شعري! إذا لم يكن النجس بالاستصحاب منجسا و لا الطاهر به مطهّرا، فكان كلّ ما ثبت بالاستصحاب لا دليل على ترتيب آثار الشي‏ء الواقعي عليه‏.

بمعنى أنّه لا يترتّب على مستصحب النجاسة آثار النجس الواقعي، أعني: تنجّس الملاقي مثلا، و على مستصحب الطهارة آثار الطهارة الواقعيّة، كزوال نجاسة الثوب المغسول بالماء المستصحب الطهارة، لأنّ الأصل عدم تلك الآثار أي: مقتضى الأصل المسبّبي هو عدم انفعال الملاقي في الأوّل، و عدم زوال نجاسة الثوب في الثاني على تقدير جريانه، و حينئذ لا تبقى فائدة للاستصحاب كما أشار إليه بقوله: فأيّ فائدة في الاستصحاب؟.

و قال في الوافية، أي: قال الفاضل التوني في الوافية في شرائط الاستصحاب:

38

ملزوم له بخلاف ذلك المستصحب، مثلا: إذا ثبت في الشرع أنّ الحكم بكون الحيوان ميتة يستلزم الحكم بنجاسة الماء القليل الواقع ذلك الحيوان فيه، فلا يجوز الحكم بنجاسة الماء القليل، و لا بطهارة الحيوان في مسألة الصيد المرمي الواقع في الماء، و أنكر بعض الأصحاب ثبوت هذا التلازم و حكم بنجاسة الصيد و طهارة الماء» انتهى.

ثمّ اعلم أنّه قد حكى بعض مشايخنا المعاصرين عن الشيخ علي في حاشية الروضة:

«دعوى الإجماع على تقديم الاستصحاب الموضوعي على الحكمي».

____________

الخامس: أن لا يكون هناك‏ أي: في مورد جريان الاستصحاب في شي‏ء كاستصحاب نجاسة الثوب المغسول‏ استصحاب في أمر ملزوم له‏ كاستصحاب طهارة الماء الذي غسل به‏ بخلاف ذلك المستصحب‏ فإنّ استصحاب طهارة الماء يقتضي طهارة الثوب المغسول به، فيكون هذا الاستصحاب بخلاف استصحاب نجاسة الثوب، و الحاصل أنّ الأصل في الملزوم مانع عن الأصل في اللازم.

مثلا: إذا ثبت في الشرع أنّ الحكم بكون الحيوان ميتة يستلزم الحكم بنجاسة الماء القليل الواقع فيه‏ الصيد فلا يجوز الجمع بين الاستصحابين، أي: الحكم بنجاسة الماء القليل و لا بطهارة الحيوان في مسألة الصيد المرمي الواقع في الماء، و أنكر بعض الأصحاب‏ كالمحقّق القمّي (رحمه اللّه) ثبوت هذا التلازم‏ بين جريان الأصل السببي و عدم جريان الأصل المسبّبي، بأن يكون الأوّل مانعا عن الثاني، و بعبارة اخرى: أنكر تقديم الأصل السببي على المسبّبي، بل جمع بينهما و حكم بنجاسة الصيد و طهارة الماء في المثال المتقدّم.

[دعوى الإجماع على تقديم الاستصحاب الموضوعي على الحكمي‏]

ثمّ اعلم أنّه قد حكى بعض مشايخنا المعاصرين‏ لعلّه الشيخ الشريف (قدّس سرّه) على ما في شرح الاعتمادي، أو صاحب الضوابط على ما في التنكابني‏ عن الشيخ علي في حاشية الروضة: «دعوى الإجماع على تقديم الاستصحاب الموضوعي على الحكمي».

قال صاحب الضوابط على ما في التنكابني: يدلّ على تقديم الموضوعي على الحكمي- كتقديم استصحاب عدم التذكية على استصحاب الطهارة حال الحياة مثلا- امور:

الأوّل: الإجماع الذي نقله الشيخ علي (رحمه اللّه) في حاشية الروضة من تقديم الموضوعي، و الإجماع الذي نقله و إن لم يكن حجّة في المسألة الاصوليّة، إلّا أنّه يكفي مرجّحا لأحد المتعارضين.

39

و لعلّها مستنبطة حدسا من بناء العلماء و استمرار السيرة على ذلك، فلا يعارض أحد استصحاب كرّيّة الماء باستصحاب بقاء النجاسة في ما يغسل به، و لا استصحاب القلّة باستصحاب طهارة الماء الملاقي للنجس، و لا استصحاب حياة الموكّل باستصحاب فساد تصرّفات وكيله.

لكنّك قد عرفت فيما تقدّم من الشيخ و المحقّق خلاف ذلك، هذا مع أنّ الاستصحاب في‏

____________

الثاني: الإجماع المركّب فإنّ كلّ من عمل باستصحاب المزيل في المسألة السابقة عمل بالاستصحاب الموضوعي هنا.

الثالث: الأخبار كما تمسّكنا بها في تقديم المزيل، يتمسّك بها- أيضا- بنحو ما سبق.

الرابع: عمل الأكثرين. انتهى مورد الحاجة و تركنا الذيل الطويل خوفا من التطويل.

و لعلّها أي: دعوى الإجماع على تقديم الاستصحاب الموضوعي على الحكمي‏ مستنبطة حدسا من بناء العلماء و استمرار السيرة على ذلك‏.

و حاصل الكلام على ما في شرح الاعتمادي هو أنّ غرض المصنف (قدّس سرّه) من استناد دعوى الإجماع إلى الاستنباط أنّ هذه المسألة ليست معنونة في كلماتهم حتى تكون دعوى الإجماع مستندة إلى تتبّع الفتاوى حسّا، و إنّما الموجود في كلامهم هو أنّهم قدّموا بعض الاصول على بعض في جملة من المسائل، و نحدس من ذلك أنّ المناط المجمع عليه هو تقديم الأصل الموضوعي على الحكمي.

فلا يعارض أحد استصحاب كرّيّة الماء باستصحاب بقاء النجاسة في ما يغسل به، و لا استصحاب القلّة باستصحاب طهارة الماء الملاقي للنجس، و لا استصحاب حياة الموكّل باستصحاب فساد تصرّفات وكيله‏.

و ملخّص الكلام هو أنّ استصحاب الموضوع- أعني: الكرّيّة و القلّة و الحياة في الأمثلة المذكورة- و إن كان مقدّما على استصحاب الحكم- أعني: نجاسة المغسول و طهارة الماء و فساد التصرّفات- إلّا إنّ الإجماع الذي ادّعاه الشيخ علي (رحمه اللّه) مخدوش من وجهين:

أحدهما: وجود المخالف كما أشار إليه بقوله: لكنّك قد عرفت فيما تقدم من الشيخ و المحقّق خلاف ذلك‏.

حيث قالا بتعارض استصحاب حياة العبد باستصحاب عدم وجوب الفطرة، مع أنّ‏

40

الشكّ السببي دائما من قبيل الموضوعي بالنسبة إلى الآخر، لأنّ زوال المستصحب بالاستصحاب الآخر من أحكام بقاء المستصحب بالاستصحاب السببي، فهو له من قبيل الموضوع للحكم، فإنّ طهارة الماء من أحكام الموضوع الذي حمل عليه زوال النجاسة عن المغسول به. و أيّ فرق بين استصحاب طهارة الماء و استصحاب كرّيّته؟ هذا كلّه فيما إذا كان الشكّ في أحدهما مسبّبا عن الشكّ في الآخر.

____________

الأوّل موضوعي و الثاني حكمي.

ثانيهما: ما أشار إليه بقوله: هذا مع أنّ الاستصحاب في الشكّ السببي دائما أي: سواء كان مورد الشكّ السببي من الموضوعات الخارجيّة كالأمثلة المتقدّمة، أو غيرها كاستصحاب طهارة الماء الذي غسّل به الثوب النجس‏ من قبيل الموضوعي بالنسبة إلى الآخر أي: الاستصحاب في الشكّ المسبّبي‏ لأنّ زوال المستصحب الآخر من أحكام بقاء المستصحب بالاستصحاب السببي‏.

ففي المثال الأوّل يكون زوال نجاسة الشي‏ء المغسول من أحكام بقاء كرّيّة الماء، و في المثال الثاني يكون زوال طهارة الماء من أحكام قلّة الماء، و في المثال الثالث يكون زوال فساد المعاملات من أحكام حياة الموكّل، كذلك في المثال الرابع يكون زوال نجاسة الثوب من أحكام طهارة الماء.

فهو أي: بقاء المستصحب بالاستصحاب السببي‏ له‏ أي: لزوال المستصحب بالاستصحاب المسبّبي‏ من قبيل الموضوع للحكم، فإنّ طهارة الماء من أحكام الموضوع الذي حمل عليه زوال النجاسة عن المغسول به‏، أي: لما كانت الطهارة حكما للماء الذي هو موضوع لإزالة النجاسة فكانت الطهارة موضوعا لها كما في شرح الاعتمادي.

و أيّ فرق بين استصحاب طهارة الماء لإثبات زوال نجاسة الثوب‏ و استصحاب كرّيّته‏ لإثبات عدم انفعاله و زوال نجاسة الثوب المغسول فيه، أي: لا فرق بين الاستصحابين، لأنّ كلّا من الكرّيّة و الطهارة موضوع للأثر المذكور.

و ملخّص الإشكال على الشيخ علي (رحمه اللّه) على ما في شرح الاعتمادي هو أنّ جانب السبب موضوع دائما لجانب المسبّب، و مع ذلك ذهب بعضهم كما مرّ إلى تعارض الأصلين و بعضهم إلى الجمع بينهما، و لا يخفى أنّ رجوع الشكّ السببي و المسبّبي إلى الموضوعي‏

41

و أمّا القسم الثاني: و هو ما إذا كان الشكّ في كليهما مسبّبا عن أمر ثالث‏

فمورده ما إذا علم ارتفاع أحد الحادثين لا بعينه و شكّ في تعيينه؛ فإمّا أن يكون العمل بالاستصحابين مستلزما لمخالفة قطعيّة عمليّة لذلك العلم الإجمالي، كما لو علم إجمالا بنجاسة أحد الطاهرين، و إمّا أن لا يكون، و على الثاني؛ فإمّا أن يقوم دليل عقلي أو نقلي على‏

____________

و الحكمي يتمّ في بعض الموارد، فالشكّ في وجوب فطرة زيد و إرثه للشك في حياته يرجع إلى الموضوعي و الحكمي، لقيامهما بها، و أمّا الشكّ في طهارة المغسول للشك في كرّيّة الماء أو طهارته فلا يرجع إليه، إذ الطهارة تقوم بالمغسول لا بالماء الكرّ أو الطاهر بخلاف المطهّريّة، نعم، هي من آثارهما.

و ذكروا في باب الموضوعي و الحكمي: إنّه لو لم يجر الأصل في الموضوع لخلل فيه لم يجر، في الحكم أيضا، فإذا شكّ في بقاء النجاسة بعد زوال تغيّر الماء بنفسه لا يستصحب الموضوع، بأن يقال: هذا كان نجسا، لاحتمال مدخليّة التغيّر- هذا الكلام من الاستاذ الاعتمادي ظاهر في استصحاب الحكم لا الموضوع كما لا يخفى- و لا تستصحب النجاسة- أيضا- لعدم إحراز موضوعها بخلاف ما إذا لم يجر الأصل السببي لمانع فإنّه يجري الأصل المسبّبي، فإذا تنجّس أحد الماءين ثمّ لاقى شي‏ء بأحدهما لا يجري استصحاب طهارة الملاقى- بالفتح- لتعارض استصحاب الطهارة فيه مع استصحاب طهارة الماء الآخر، و يجري استصحاب الطهارة في الملاقي بالكسر. هذا تمام الكلام فيما إذا كان الشكّ في أحد الاستصحابين مسبّبا عن الشكّ في الآخر.

[القسم الثاني: و هو ما إذا كان الشكّ في كليهما مسبّبا عن العلم الإجمالي‏]

و أمّا القسم الثاني: و هو ما إذا كان الشكّ في كليهما مسبّبا عن أمر ثالث‏ أعني: العلم الإجمالي بارتفاع الحالة السابقة في أحدهما، كما أشار إليه بقوله: فمورده ما إذا علم ارتفاع أحد الحادثين لا بعينه و شكّ في تعيينه‏ و هنا أربع صور:

الصورة الاولى: ما أشار إليه بقوله:

فإمّا أن يكون العمل بالاستصحابين مستلزما لمخالفة قطعيّة عمليّة لذلك العلم الإجمالي، كما لو علم إجمالا بنجاسة أحد الطاهرين‏ حيث يكون استصحاب طهارة كلّ منهما و التصرّف فيهما بشرب و غيره موجبا للمخالفة العمليّة القطعيّة لخطاب: «اجتنب عن النجس» بعد العلم إجمالا بوجود النجس.

42

عدم الجمع، كما في الماء النجس المتمّم كرّا بماء طاهر، حيث قام الإجماع على اتّحاد حكم الماءين أوّلا.

و على الثاني؛ إمّا أن يترتب أثر شرعي على كلّ من المستصحبين في الزمان اللاحق، كما في استصحاب بقاء الحدث، و طهارة البدن في من توضّأ غافلا بمائع مردّد بين الماء و البول.

و مثله استصحاب طهارة المحلّ في كلّ واحد من واجدي المني في الثوب المشترك، و إمّا أن‏

____________

و الصورة الثانية: ما أشار إليه بقوله:

فإمّا أن يقوم دليل عقلي أو نقلي على عدم الجمع، كما في الماء النجس المتمّم كرّا بماء طاهر، حيث قام الإجماع على اتّحاد حكم الماءين‏ المجتمعين ظاهرا، فلا يمكن الجمع بين الاستصحابين و الحكم ببقاء النجس على نجاسته و الطاهر على طهارته، بل يحكم بالطهارة بمقتضى قاعدة الطهارة، و مثال ذلك: هو ما إذا كان هناك ماء قليل نجس و زيد عليه ماء طاهر حتى بلغ قدر الكرّ، فيعلم إجمالا زوال الحالة السابقة من أحدهما، نظرا إلى اتّحاد حكمهما بالإجماع، و لا يجوز الجمع بين الاستصحابين بنفس ذلك الإجماع، و ليس المانع من الجمع بينهما لزوم المخالفة العمليّة القطعيّة كالصورة الاولى.

و الصورة الثالثة: ما أشار إليه بقوله:

إمّا أن يترتّب أثر شرعي على كلّ من المستصحبين في الزمان اللاحق، كما في استصحاب بقاء الحدث، و طهارة البدن في من توضّأ غافلا بمائع مردّد بين الماء و البول‏.

فإنّ استصحاب طهارة البدن يقتضي ترتيب آثار الطهارة على البدن و استصحاب بقاء الحدث يقتضي ترتيب آثار الحدث، و لا يلزم من الجمع بينهما و الحكم بوجوب الوضوء مخالفة عمليّة للعلم الإجمالي، و لا إجماع- أيضا- على عدم جواز الجمع بينهما فيجري كلّ منهما و يترتّب الأثر عليهما، فيحكم بعدم وجوب غسل مواضع الوضوء و بوجوب الوضوء ثانيا.

و مثله استصحاب طهارة المحلّ في كلّ واحد من واجدي المني في الثوب المشترك‏.

فإنّ كلّا منهما شاكّ في توجّه تكليف عليه فيستصحب طهارته و عدم جنابته، و ليس في عمل شخص واحد باستصحاب واحد مخالفة عمليّة للعلم الإجمالي.

ثم إنّ هذا المثال بملاحظة أنّ كلّا من الاستصحابين له أثر في حقّ صاحبه من دون‏

43

يترتّب الأثر على أحدهما دون الآخر، كما في دعوى الموكّل التوكيل في شراء العبد، و دعوى الوكيل التوكيل في شراء الجارية، فهناك صور أربع:

[الصورة الاولى و الصورة الثانية]: أمّا الاوليان، فيحكم فيهما بالتساقط دون الترجيح و التخيير، فهنا دعويان:

إحداهما: عدم الترجيح بما يوجد مع أحدهما من المرجّحات خلافا لجماعة. قال في محكي‏

____________

لزوم مخالفة عمليّة يكون من أمثلة المقام، و بملاحظة أنّ محلّ الابتلاء لكلّ منهما أحد الاستصحابين يكون من أمثلة الصورة الآتية، على ما في شرح الاعتمادي.

و الصورة الرابعة: ما أشار إليه بقوله:

و إمّا أن يترتّب الأثر على أحدهما دون الآخر، كما في دعوى الموكّل التوكيل في شراء العبد، و دعوى الوكيل التوكيل في شراء الجارية.

حيث يكون الأثر مترتّبا على استصحاب عدم التوكيل في شراء الجارية و هو استرجاع الجارية، لا على استصحاب عدم التوكيل في شراء العبد لكونه أصلا مثبتا، إذ يثبت باستصحاب عدم التوكيل في شراء العبد وقوع التوكيل في شراء الجارية، فيصحّ العقد على ما في شرح الاعتمادي، و ليس في العمل باستصحاب عدم التوكيل في شراء الجارية مخالفة عمليّة و لا مخالفة الإجماع، و التعارض بين الاستصحابين المذكورين ناشئ عن العلم الإجمالي بصدور أصل التوكيل عن الموكّل.

[فهناك صور أربع:]

[الاولى و الثانية محكومتان بحكم واحد و هو التساقط دون الترجيح و التخيير]

و كيف كان‏ فهناك صور أربع‏:

الصورة الاولى و الصورة الثانية محكومتان بحكم واحد نظرا إلى الجامع بينهما و هو عدم إمكان الجمع بين الاستصحابين فيهما، كما أشار إلى حكمهما بقوله:

أمّا الاوليان، فيحكم فيهما بالتساقط دون الترجيح و التخيير، فهنا دعويان:

إحداهما: عدم الترجيح بما يوجد مع أحدهما من المرجّحات‏.

و ثانيتهما: التساقط، فيقع الكلام في الدعوى الاولى، أي: عدم الترجيح، فلو فرضنا في مسألة تتميم الماء النجس كرّا حكم المشهور بالنجاسة، تكون الشهرة مرجّحة لاستصحاب نجاسة الماء الأوّل، إلّا أنّ هذا لا يوجب تقديمه على استصحاب طهارة الماء الثاني، كما أنّ قاعدة الطهارة مرجّحة لاستصحاب طهارة الماء الثاني، إلّا أنّها لا توجب‏

44

تمهيد القواعد: «إذا تعارض أصلان عمل بالأرجح منهما، لاعتضاده بما يرجّحه.

فإن تساويا خرج في المسألة وجهان غالبا.

____________

تقديمه على استصحاب نجاسة الماء الأوّل، كما في شرح الاعتمادي.

ثمّ المراد من المرجّحات إن كان هي الأدلّة الاجتهاديّة مع كون الاستصحاب حجّة من باب التعبّد و الأخبار لكان عدم ترجيح أحد الاستصحابين بها في محلّه، إذ لا يكون الدليل الاجتهادي مرجّحا للأصل العملي، إلّا إنّ ذكر كلام الشهيد الثاني- القائل بكون الاستصحاب حجّة من باب الظنّ- في عداد المخالفين ليس على ما ينبغي، كما قال:

خلافا لجماعة.

قال‏ الشهيد الثاني (رحمه اللّه) في محكي تمهيد القواعد: إذا تعارض أصلان‏، أي: مطلق الأصلين‏ عمل بالأرجح منهما، لاعتضاده بما يرجّحه‏.

فهذا الكلام صريح في الترجيح بما يوجد مع أحد الأصلين المتعارضين من المرجّحات، فيقدم استصحاب طهارة البدن على بقاء الحدث و استصحاب عدم التوكيل في شراء الجارية على استصحاب عدم التوكيل في شراء العبد، و ذلك لاعتضاد الأوّل بقاعدة الطهارة، و الثاني بأصالة الفساد بالنسبة إلى العقد الواقع على الجارية.

فإن تساويا.

بأن لم يكن لأحدهما مرجّح أو كان لكلّ منهما مرجّح، و الأوّل كاستصحاب نجاسة كلّ من النجسين المعلوم إجمالا تطهّر أحدهما.

و الثاني كما إذا فرضنا أنّ الشهرة في مسألة التتميم مرجّحة لاستصحاب نجاسة الماء الأوّل و قاعدة الطهارة مرجّحة لاستصحاب طهارة الماء الثاني، و إنّ قاعدة الطهارة مرجّحة لكلّ من الاستصحابين في مسألة تنجّس أحد الطاهرين.

خرج في المسألة وجهان‏:

أحدهما: هو التساقط و الرجوع إلى أصل ثالث، ثانيهما: العمل بالأصلين، كما في شرح الاعتمادي، و التقييد بالغالب إشارة إلى كون المسألة ذات وجوه ثلاثة أو أزيد.

نعم، ما ذكره من خروج الوجهين إنّما يتمّ في أغلب الموارد، كمسائل واجدي المني في الثوب المشترك و تطهر أحد النجسين، و تتميم الماء النجس كرّا، و الغنم المردّد ذبحه‏

45

ثمّ مثّل له بأمثلة، منها: الصيد الواقع في الماء»، إلى آخر ما ذكره.

____________

بين الوجوب و الحرمة، إذ لا يلزم في هذه المسألة مخالفة عملية للعلم الإجمالي لا في صورة طرح الأصلين و لا في صورة العمل بهما.

ففي المسألة الاولى إمّا يطرح الأصلان و يرجع إلى قاعدة الاشتغال بالصلاة و إمّا يعمل كلّ مكلّف باستصحاب طهارته، و في الثانية إمّا يطرح الأصلان و يرجع إلى قاعدة الاحتياط في الشبهة المحصورة، و إمّا يعمل باستصحاب النجاسة.

و في الثالثة إمّا يطرح الأصلان و يرجع إلى قاعدة الاشتغال بالصلاة، و إمّا يستصحب طهارة اليد و حدث النفس، و في الرابعة إمّا يطرح الأصلان و يرجع إلى قاعدة الطهارة، و إمّا يؤخذ بهما و يجتنب عن المخلوط، و في الخامسة إمّا يطرح الأصلان و يرجع إلى التخيير، و إمّا يجري الأصلان و يحكم بالإباحة.

نعم، لا يتمّ ما ذكره في مسألة تنجّس أحد الطاهرين، إذ لو عمل فيها باستصحاب الطهارة تلزم المخالفة العمليّة القطعيّة، فلا بدّ من طرحهما و الأخذ بالاحتياط، و لا في مسألة التوكيل على فرض عدم الترجيح فيها، إذ لا يمكن العمل بالأصلين و الحكم بالصحّة و الفساد معا، فيطرح و يرجع إلى أصالة الفساد مثلا، كما في شرح الاعتمادي مع تلخيص.

ثمّ مثّل له‏ أي: لتعارض الأصلين‏ بأمثلة، منها: مسألة الصيد الواقع في الماء.

حيث تعارض فيها- بزعمهم- استصحاب عدم التذكية مع استصحاب طهارة الماء، فمع عدم المرجّح؛ إمّا يعمل بهما، و إمّا يطرحان و يرجع إلى الحلّ و الطهارة، و يمكن أن يقال: إنّ المسألة في هذا المثال من باب الأصل السببي و المسبّبي، لا من باب تعارض الأصلين.

إلى آخر ما ذكره‏ و قد ذكر من الأمثلة ما يزيد على أربعين على ما في التنكابني، حيث قال:

«فلنذكر بعض كلماته بطريق الاختصار، قال: و لذلك صور:

منها: إذا وقع في الماء نجاسة و شكّ في بلوغه الكرّيّة، فهل يحكم بنجاسته أم بطهارته؟ فيه وجهان:

أحدهما: الحكم بنجاسته و هو الراجح، لأنّ الأصل عدم بلوغه الكرّيّة.

46

و صرّح بذلك جماعة من متأخّري المتأخّرين.

____________

و الثاني: إنّه طاهر، لأنّ الأصل في الماء الطهارة.

و يضعّف بأنّ ملاقاة النجاسة رفعت هذا الأصل، لأنّ ملاقاتها سبب لتنجيس ما يلاقيه، إلى أن قال:

و منها: مسألة الصيد الواقع في الماء القليل بعد رميه بما يمكن استناد موته به، و اشتبه استناد الموت إلى الماء أو الجرح، فإنّ الأصل طهارة الماء و تحريم الصيد، و الأصلان متنافيان فالعمل بهما مشكل، و كذلك ترجيح أحد الأصلين من غير مرجّح.

و منها: إذا وقع في الماء القليل روثة و شكّ في أنّها من مأكول اللحم أو غيره، أو مات فيه حيوان و شكّ في أنّه هل هو ذو نفس سائلة أم لا؟ و فيه وجهان:

أحدهما: أنّه نجس، لأنّ الأصل في الميتات النجاسة.

و الثاني: أنّه طاهر، لأنّ الأصل في الماء الطهارة.

و منها: إذا وقع الذباب على نجاسة رطبة ثمّ سقط بالقرب على ثوب، و شكّ في جفاف النجاسة، ففيه وجهان:

أحدهما: أنّه ينجس، لأنّ الأصل بقاء الرطوبة.

و الثاني: لا، لأنّ الأصل طهارة الثوب، و يمكن أن يدفع الأصل الأوّل الثاني لأنّه طارئ عليه ما ينافيه، و هو الوجه.

و منها: لو تيقّن الطهارة و الحدث في وقت سابق و شكّ في اللاحق منهما للآخر، فإنّ استصحاب حكم كلّ واحد منهما يوجب اجتماع النقيضين و لا ترجيح. و في المسألة أوجه و في تحقيقها طول.

و منها: العبد الآبق المنقطع خبره هل تجب فطرته؟ فيه وجهان: أصحّها الوجوب، لأصالة بقاء حياته، و وجه العدم أنّ الأصل بقاء الكفّارة إلى أن تتحقّق البراءة بحياته». انتهى ما ذكره التنكابني عن الشهيد الثاني.

و صرّح بذلك‏ أي: بالترجيح مع وجود المرجّح و خروج الوجهين مع عدمه‏ جماعة من متأخّري المتأخّرين‏ كصاحب الضوابط و القوانين و الإشارات و غيرهم على ما في التنكابني.

47

و الحقّ على المختار من اعتبار الاستصحاب من باب التعبّد هو عدم الترجيح بالمرجّحات الاجتهاديّة، لأنّ مؤدّى الاستصحاب هو الحكم الظاهري، فالمرجّح الكاشف عن الحكم الواقعي لا يجدي في تقوية الدليل الدالّ على الحكم الظاهري لعدم موافقة المرجّح لمدلوله حتى يوجب اعتضاده.

و بالجملة، فالمرجّحات الاجتهاديّة غير موافقة في المضمون للاصول حتى تعاضدها.

و كذا الحال بالنسبة إلى الأدلّة الاجتهاديّة، فلا يرجّح بعضها على بعض لموافقة الاصول التعبّديّة.

____________

[الحقّ عند المصنف عدم الترجيح على تقدير اعتبار الاستصحاب من باب التعبّد]

و الحقّ على المختار من اعتبار الاستصحاب من باب التعبّد، هو عدم الترجيح بالمرجّحات الاجتهاديّة.

و ذلك لاختلاف الاصول و الأدلّة من حيث عدم نظر الاصول إلى الواقع أصلا، و نظر الأدلّة الاجتهاديّة إليه، فكيف تعاضدها الأدلّة الاجتهاديّة؟!.

و ملخّص الكلام في المقام: إنّ المرجّح لأحد الأصلين؛ إمّا دليل اجتهادي كترجيح استصحاب النجاسة في الماء النجس المتمّم كرّا بالشهرة الفتوائية فرضا، و إمّا أصل تعبّدي كترجيح استصحاب طهارة البدن بقاعدة الطهارة، و لا يصحّ ترجيح أحد الأصلين أصلا، لا بالدليل الاجتهادي و لا بالأصل، كما يأتي عند قوله:

«و ممّا ذكرنا يظهر أنّه لا فرق في التساقط بين أن يكون في كلّ من الطرفين أصل واحد و بين أن يكون في أحدهما أزبد من أصل واحد» فانتظر.

و أمّا وجه عدم الترجيح بالدليل الاجتهادي فقد أشار إليه بقوله:

لأنّ مؤدّى الاستصحاب هو الحكم الظاهري، فالمرجّح الكاشف عن الحكم الواقعي لا يجدي في تقوية الدليل الدالّ على الحكم الظاهري‏.

لما عرفت من الاختلاف بين الاصول و الأدلّة، بمعنى أنّ الشهرة- مثلا- تفيد الظنّ بنجاسة الماء النجس المتمّم كرّا واقعا، و استصحاب النجاسة يفيد نجاسته ظاهرا، فمرتبتهما مختلفة، فلا يصلح أن يكون أحدهما مرجّحا للآخر، و ذلك‏ لعدم موافقة المرجّح لمدلوله حتى يوجب اعتضاده. و بالجملة، فالمرجّحات الاجتهاديّة غير موافقة في المضمون للاصول حتى تعاضدها. و كذا الحال بالنسبة إلى الأدلّة الاجتهاديّة، فلا يرجّح‏

48

نعم، لو كان اعتبار الاستصحاب من باب الظنّ النوعي أمكن الترجيح بالمرجّحات الاجتهاديّة، بناء على ما يظهر من عدم الخلاف في إعمال التراجيح بين الأدلّة الاجتهاديّة، كما ادّعاه صريحا بعضهم.

____________

بعضها على بعض لموافقة الاصول التعبّديّة.

لما عرفت من اختلافهما مرتبة و ملاكا، فكما أنّ الدليل الاجتهادي لا يعضد الأصل، كذلك الأصل لا يعاضد الدليل، فلو فرضنا أنّه دلّ خبر على طهارة الماء المتغيّر بزوال تغيّره بنفسه، و دلّ خبر آخر على بقاء نجاسته، فاستصحاب النجاسة و إن كان موافقا لما دلّ على النجاسة إلّا أنّه لا يعاضده، لأنّ أحدهما يفيد نجاسته واقعا، و الآخر يفيدها ظاهرا.

نعم، لو كان اعتبار الاستصحاب من باب الظنّ النوعي أمكن الترجيح بالمرجّحات الاجتهاديّة، بناء على ما يظهر من عدم الخلاف في إعمال التراجيح بين الأدلّة الاجتهاديّة كما يأتي في باب التعادل و التراجيح‏ كما ادّعاه صريحا بعضهم‏.

أي: كما ادّعى بعضهم صريحا نفي الخلاف في إعمال التراجيح بين الأدلّة الاجتهاديّة.

و توضيح الكلام في المقام على ما في شرح الاعتمادي: إنّ اعتبار الاستصحاب؛ إمّا هو من باب التعبّد كما هو الظاهر و الحقّ عند المصنف (قدّس سرّه)، أو من باب الظنّ الفعلي كما يظهر من البهائي (رحمه اللّه)، أو الظنّ النوعي المقيّد بعدم الظنّ بالخلاف كما يظهر من العضدي، أو الظنّ النوعي المطلق كما يظهر من جمع.

فعلى الأوّل، قد عرفت عدم صحّة الترجيح لاختلاف مرتبة المرجّح الاجتهادي مع الاستصحاب.

و على الثاني و الثالث، يؤخذ بما هو الراجح من الاستصحابين، لكن لا من باب ترجيح أحدهما على الآخر بعد فرض التعارض بينهما، بل من باب وجود مناط الحجيّة في الراجح، أعني: الظنّ الفعلي في الثاني، و عدم الظنّ بالخلاف في الثالث.

و على الرابع، إن قلنا بأنّ قانون الترجيح مختصّ بتعارض الأخبار، فلا وجه لتقديم الراجح من الاستصحابين، و إن قلنا بدعوى الإجماع على جريان الترجيح في جميع الأدلّة يؤخذ بما هو الراجح من الاستصحابين، إلّا أنّ مختار المصنف (قدّس سرّه) هو الأوّل، كما أشار إليه بقوله:

49

لكنّك عرفت في ما مضى عدم الدليل على الاستصحاب من غير جهة الأخبار الدالّة على كونه حكما ظاهريّا، فلا ينفع و لا يقدح فيه موافقة الأمارات الواقعيّة و مخالفتها، هذا كلّه مع الإغماض عمّا سيجي‏ء من عدم شمول (لا تنقض) للمتعارضين، و فرض شمولها لهما من حيث الذاتيّة نظير شمول آية النبأ من حيث الذات للخبرين المتعارضين و إن لم يجب العمل بهما فعلا، لامتناع ذلك بناء على المختار في إثبات الدعوى الثانية، فلا وجه لاعتبار الراجح أصلا، لأنّه إنّما يكون مع التعارض و قابليّة المتعارضين في أنفسهما للعمل.

____________

لكنّك عرفت في ما مضى‏ في أوائل الاستصحاب و في آخر التنبيهات‏ عدم الدليل على الاستصحاب من غير جهة الأخبار الدالّة على كونه حكما ظاهريّا، فلا ينفع و لا يقدح فيه موافقة الأمارات الواقعيّة و مخالفتها، هذا كلّه‏ أي: عدم اعتضاد الأصل بالدليل مع الإغماض عمّا سيجي‏ء من عدم شمول‏ لا تنقض‏ للمتعارضين، و فرض شمولها لهما من حيث الذاتية أي: مع قطع النظر عن عدم العمل بهما معا نظير شمول آية النبأ من حيث الذات للخبرين المتعارضين و إن لم يجب العمل بهما فعلا، لامتناع ذلك‏ أي: العمل بالمتعارضين.

و بالجملة، إنّ ما تقدّم كلّه مبني على فرض شمول‏ لا تنقض‏ للمتعارضين.

و أمّا بناء على المختار في إثبات الدعوى الثانية حيث يأتي ما هو الحقّ فيهما من تساقط الأصلين من جهة عدم شمول‏ لا تنقض‏ للمتعارضين‏ فلا وجه لاعتبار الراجح أصلا، لأنّه إنّما يكون مع التعارض و قابليّة المتعارضين في أنفسهما للعمل‏.

و ملخّص الكلام أنّ ترجيح أحد الاستصحابين بالمرجّح الاجتهادي مردود لوجهين:

أحدهما: عدم شمول‏ لا تنقض‏ للاستصحابين المتعارضين، و حينئذ لا يبقى موضوع للترجيح أصلا، و ذلك لعدم حجّيّتهما و عدم قابليّتهما للعمل كي يرجّح أحدهما على الآخر بالمرجّح الاجتهادي أو الأصل العملي. هذا بخلاف أدلّة الخبر حيث تشمل الخبرين المتعارضين، فهما قابلان للعمل و الحجيّة و إن امتنع العمل بهما معا، فلا بدّ من ترجيح أحدهما على الآخر.

ثانيهما: إنّه مع الإغماض عمّا ذكر من فرض شمول‏ لا تنقض‏ للمتعارضين لا يصحّ الترجيح بالمرجّح الاجتهادي، لاختلاف الرتبة. هذا تمام الكلام في الدعوى الاولى، اعني: عدم الترجيح.

50

الدعوى الثانية: إنّه إذا لم يكن مرجّح فالحقّ التساقط دون التخيير، لا لما ذكره بعض المعاصرين- من: «أنّ الأصل في تعارض الدليلين التساقط، لعدم تناول دليل حجّيّتهما لصورة التعارض.

لما تقرّر في باب التعارض، من أنّ الأصل في المتعارضين التخيير إذا كان اعتبارهما من باب التعبّد لا من باب الطريقيّة»- بل لأنّ العلم الإجمالي هنا بانتقاض أحد الضدّين يوجب‏

____________

[بيان ما هو الوجه لتساقط الاستصحابين‏]

أمّا الدعوى الثانية و هي الحكم بالتساقط مع عدم الترجيح، فقد أشار إليه بقوله:

الدعوى الثانية: إنّه إذا لم يكن مرجّح‏ كما هو المفروض في المقام من عدم صحّة الترجيح على ما هو مختار المصنف (قدّس سرّه) من اعتبار الاستصحاب من باب التعبّد فالحقّ التساقط دون التخيير، لا لما ذكره بعض المعاصرين، من أنّ الأصل في تعارض الدليلين التساقط، لعدم تناول دليل حجّيّتهما لصورة التعارض‏.

يقول المصنف (قدّس سرّه): بأنّ الحقّ هو تساقط الأصلين المتعارضين، لكن لا لما ذكره المعاصر بل لما يأتي.

و توضيح ردّ المصنف (قدّس سرّه) على ما ذكره المعاصر يحتاج إلى مقدمة، و هي:

إنّ مقتضى الأصل في الدليلين الظنّيين المتعارضين بعد انتفاء الترجيح هل هو التساقط او التخيير في إعمال أحدهما؟ و الحقّ عند المصنف هو التفصيل، أي: التوقّف بناء على الطريقيّة، و التخيير بناء على السببيّة، كما أشار إليه بقوله: من أنّ الأصل في المتعارضين التخيير إذا كان اعتبارهما من باب التعبّد أي: السببيّة.

إذا عرفت هذه المقدّمة فنقول: إنّ الأصل في تعارض الأصل هل هو التساقط أو التخيير؟ و قيل: إنّ الأصل يقتضي التخيير قياسا لها على تعارض الطرق و الأمارات، و قال المعاصر: إنّ الأصل هو التساقط في مطلق المتعارضين لوجه جار في مطلق المتعارضين كانا خبرين أو أصلين، و هو عدم شمول أدلّة الحجيّة للمتعارضين، فيردّه المصنف (قدّس سرّه).

و ملخّص إيراد المصنف: إنّ ما ذكره المعاصر من التساقط لأجل عدم شمول أدلّة الحجيّة للمتعارضين، إنّما يتمّ في تعارض الأصلين بما يأتي في كلام المصنف (قدّس سرّه) و لا يتمّ في تعارض الأمارات الظنّية، لأنّ أدلّة حجيّتها تشمل المتعارضين أيضا، غاية الأمر أنّه بناء

51

خروجهما عن مدلول (لا تنقض)، لأنّ قوله: (لا تنقض اليقين بالشكّ و لكن تنقضه بيقين مثله)

(1)

يدلّ على حرمة النقض بالشكّ و وجوب النقض باليقين، فإذا فرض اليقين بارتفاع الحالة السابقة في أحد المستصحبين فلا يجوز إبقاء كلّ منهما تحت عموم حرمة النقض بالشكّ، لأنّه مستلزم لطرح الحكم بنقض اليقين بمثله.

____________

على السببيّة فالأصل هو التخيير، بمعنى أنّه إذا لم يمكن إدراك المصلحتين لا بدّ من إدراك أحدهما الممكن، كما في الغريقين، و بناء على الطريقيّة فالأصل التوقّف، بمعنى أنّهما لا يكونان دليلين في خصوص مؤدّاهما، و لكن يكونان معا دليلا على نفي الثالث، فيرجع إلى الأصل إن وافق أحدهما و إلّا فإلى التخيير كما في الوجوب و التحريم.

و على كلّ تقدير يشملهما الدليل، و هذه التفاصيل جارية في الاستصحاب- أيضا- على تقدير اعتباره من باب الظنّ كما في الاعتمادي.

و بالجملة، إنّ مقتضى الأصل في تعارض الاستصحابين هو التساقط، لكن لا لما ذكره المعاصر من وجه عامّ جار في مطلق المتعارضين، بل لوجه خاصّ بتعارض الاصول، كما أشار إليه بقوله:

بل لأنّ العلم الإجمالي هنا أي: في تعارض الأصلين‏ بانتقاض أحد الضدّين يوجب خروجهما عن مدلول لا تنقض، لأنّ قوله: لا تنقض اليقين بالشكّ و لكن تنقضه بيقين مثله يدلّ على حرمة النقض بالشكّ و وجوب النقض باليقين، فإذا فرض اليقين بارتفاع الحالة السابقة في أحد المستصحبين فلا يجوز إبقاء كلّ منهما تحت عموم حرمة النقض بالشكّ، لأنّه مستلزم لطرح الحكم بنقض اليقين بمثله‏.

توضيح الكلام في هذا المقام على ما في شرح الاعتمادي: إنّ دليل الاستصحاب صدرا و ذيلا تستفاد منه قاعدتان:

الاولى: حرمة نقض اليقين بالشكّ.

و الثانية: وجوب نقض اليقين باليقين.

فإذا كان هناك مائعان طاهران ثمّ علم إجمالا تنجّس أحدهما، كان كلّ منهما في نفسه‏

____________

(1) التهذيب 1: 8/ 11، الوسائل 1: 245، أبواب نواقض الوضوء، ب 1، ح 1.

52

و لا إبقاء أحدهما المعيّن لاشتراك الآخر معه في مناط الدخول من غير مرجّح. أمّا أحدهما المخيّر فليس من أفراد العامّ، إذ ليس فردا ثالثا غير الفردين المتشخّصين في الخارج، فإذا خرجا لم يبق شي‏ء، و قد تقدّم نظير ذلك في الشبهة المحصورة، و أنّ قوله (عليه السلام): (كلّ شي‏ء حلال حتى تعرف أنّه حرام)

(1)

لا يشمل شيئا من المشتبهين.

____________

مشكوك الطهارة، و كان أحدهما المردّد معلوم النجاسة، و حينئذ لو شمل دليل الاستصحاب كلا المستصحبين يلزم من العمل به عدم العمل به، لأنّه إذا حكم في كليهما بقاعدة حرمة نقض اليقين بالشكّ يلزم منه عدم العمل بقاعدة وجوب نقض اليقين باليقين، فيقع التعارض بين الصدر و الذيل، فلا بدّ من الحكم بعدم شمول‏ لا تنقض‏ لكلا الاستصحابين.

ثمّ إبقاء أحدهما المعيّن تحت دليل الاستصحاب و إخراج الآخر و إن كان موجبا لرفع التعارض، إلّا إنّه ترجيح من غير مرجّح، كما أشار إليه بقوله:

و لا إبقاء أحدهما المعيّن لاشتراك الآخر معه في مناط الدخول من غير مرجّح‏.

و هنا احتمال ثالث أشار إليه بقوله: أمّا أحدهما المخيّر فليس من أفراد العامّ‏.

أي: إبقاء المفهوم الكلّي بعنوان أحدهما المخيّر فليس من أفراد العامّ، إذ ليس فردا ثالثا غير الفردين المتشخّصين في الخارج، فإذا خرجا عن الدليل بسبب التعارض‏ لم يبق شي‏ء.

إذ لم يشملهما الدليل لا مجتمعا لكونه مستلزما للتعارض و لا معيّنا للزوم الترجيح من غير مرجّح و لا مخيّرا لأنّ الدليل يشمل الأفراد الخارجيّة، و مفهوم أحدهما ليس فردا خارجيّا كي يشمله الدليل، بل أمر منتزع من المشتبهين اللذين لا يشملهما الدليل، كما عرفت، و قد تقدّم نظير ذلك في الشبهة المحصورة، و أنّ قوله (عليه السلام): كلّ شي‏ء لك حلال حتى تعرف أنّه حرام لا يشمل شيئا من المشتبهين‏ لحصول الغاية.

و ربّما يقال: إنّ الأصل هو التخيير لا بمعنى دلالة الدليل حتى يقال بأنّه ليس فيه من البدليّة أثر، و لا بمعنى دلالته على إبقاء مفهوم الأحد حتى يقال بأنّه أمر منتزع من‏

____________

(1) الكافي 5: 313/ 40. التهذيب 7: 226/ 989. الوسائل 17: 89، أبواب ما يكتسب به، ب 4، ح 4.

53

و ربّما يتوهّم أنّ عموم دليل الاستصحاب، نظير قوله: أكرم العلماء، و أنقذ كلّ غريق، و اعمل بكلّ خير، في أنّه إذا تعذّر العمل بالعامّ في فردين متنافيين لم يجز طرح كليهما، بل لا بدّ من العمل بالممكن و هو أحدهما تخييرا و طرح الآخر، لأنّ هذا غاية المقدور. و لذا ذكرنا في باب التعارض أنّ الأصل في الدليلين المتعارضين مع فقد الترجيح التخيير بالشرط المتقدّم لا التساقط. و الاستصحاب- أيضا- أحد الأدلّة، فالواجب العمل باليقين السابق بقدر الإمكان، فإذا تعذّر العمل باليقينين من جهة تنافيهما وجب العمل بأحدهما و لا يجوز طرحهما.

و يندفع هذا التوهّم: بأنّ عدم التمكّن من العمل بكلا الفردين إن كان لعدم القدرة على ذلك مع قيام المقتضي للعمل فيهما فالخارج هو غير المقدور، و هو العمل بكلّ منهما مجامعا مع‏

____________

المشتبهين، بل بمعنى أنّه إذا لم يمكن امتثال العامّ في جميع أفراده لا بدّ من الامتثال بقدر الإمكان، أو بمعنى أنّه إذا خرج من العامّ فرد و لا نعرفه و كان العمل بالعامّ مخالفة عمليّة مثلا فلا بدّ من التخيير، كما في شرح الاعتمادي، كما أشار إليه بقوله:

[توهّم التخيير بين الاستصحابين‏]

و ربّما يتوهّم أنّ عموم دليل الاستصحاب، نظير قوله: اكرم العلماء، و أنقذ كلّ غريق، و اعمل بكلّ خير، في أنّه إذا تعذّر العمل بالعامّ في فردين متنافيين لم يجز طرح كليهما، بل لا بدّ من العمل بالممكن و هو أحدهما تخييرا و طرح الآخر، لأنّ هذا غاية المقدور فيؤخذ به.

و لذا أي: لأجل أنّه إذا لم يمكن العمل بالعامّ في جميع أفراده يعمل به بقدر الإمكان‏ ذكرنا في باب التعارض أنّ الأصل في الدليلين المتعارضين مع فقد الترجيح، التخيير بالشرط المتقدّم‏ أي: بناء على اعتبارهما من باب السببية لا التساقط، و الاستصحاب- أيضا- أحد الأدلّة، فالواجب العمل باليقين السابق بقدر الإمكان، فإذا تعذّر العمل باليقينين من جهة تنافيهما الناشئ عن العلم الإجمالي بارتفاع أحدهما وجب العمل بأحدهما و لا يجوز طرحهما.

و الحاصل كما أنّه لو أمر بإكرام العلماء، أو بإنقاذ الغرقى أو بالعمل بالأخبار و لم يتمكّن المكلّف من الامتثال في الكلّ يمتثل بالقدر الممكن، كذلك دليل الاستصحاب يقتضي إبقاء كلّ متيقّن فإذا لم يمكن ذلك في كلا المشتبهين يعمل به في أحدهما.

[دفع التوهّم المذكور]

و يندفع هذا التوهّم: بأنّ عدم التمكّن من العمل بكلا الفردين إن كان لعدم القدرة على‏

54

العمل بالآخر، و أمّا فعل أحدهما المنفرد عن الآخر فهو مقدور فلا يجوز تركه. و في ما نحن فيه ليس كذلك، إذ بعد العلم الإجمالي لا يكون المقتضي لحرمة نقض كلا اليقينين موجودا منع عنهما عدم القدرة.

نعم، مثال هذا في الاستصحاب: أن يكون هناك استصحابان بشكّين مستقلّين امتنع- شرعا أو عقلا- العمل بكليهما من دون علم إجمالي بانتقاض أحد المستصحبين بيقين الارتفاع، فإنّه يجب- حينئذ- العمل بأحدهما المخيّر و طرح الآخر، فيكون الحكم الظاهري‏

____________

ذلك مع قيام المقتضي للعمل فيهما بأن يكون الدليل شاملا لهما فالخارج هو غير المقدور، و هو العمل بكلّ منهما مجامعا مع العمل بالآخر، و أمّا فعل أحدهما المنفرد عن الآخر فهو مقدور فلا يجوز تركه. و في ما نحن فيه ليس كذلك، إذ بعد العلم الإجمالي‏ بارتفاع أحد الحادثين‏ لا يكون المقتضي لحرمة نقض كلا اليقينين موجودا منع عنهما عدم القدرة.

و حاصل دفع التوهّم المذكور يرجع إلى الفرق بين الاستصحابين المتعارضين و بين الخبرين المتعارضين و نحوهما من حيث وجود المقتضي في الثاني دون الأوّل، و ذلك فإنّ دليل الاستصحاب قاصر عن الشمول للمتعارضين، لما عرفت من استلزامه طرح وجوب نقض اليقين باليقين فالمقتضي للعمل فيهما غير موجود أصلا، لأنّ الاستصحاب لا يكون حجّة إلّا مع عدم العلم بالخلاف تفصيلا أو إجمالا، فإذا حصل العلم به بأحد الوجهين لا يكون حجّة فلا يحكم العقل بالتخيير، هذا بخلاف دليل الخبرين المتعارضين و نحوهما حيث يكون الدليل شاملا لهما، و إنّما القصور من ناحية المكلّف، بمعنى أنّه غير قادر على الجمع بينهما و عاجز عن الامتثال التامّ كما عرفت في الأمثلة المذكورة، فيجب حينئذ الاقتصار على ما يقدر عليه المكلّف و هو كلّ واحد منهما تخييرا.

و بالجملة، إنّ المقتضي للعمل في الأمثلة المتقدّمة موجود فيحكم العقل بالتخيير و الاقتصار بقدر الممكن، بخلاف ما نحن فيه، حيث لا يكون المقتضي للعمل موجودا فلا يحكم العقل بالتخيير.

نعم، مثال هذا في الاستصحاب‏ أي: مثال شمول دليل الاستصحاب كلا الفردين فرضا أن يكون هناك استصحابان بشكّين مستقلّين‏ أي: غير مشوبين بالعلم الإجمالي على ما في شرح الاستاذ امتنع شرعا أو عقلا العمل بكليهما من دون علم إجمالي بانتقاض‏

55

مؤدّى أحدهما، و إنّما لم نذكر هذا القسم في أقسام تعارض الاستصحابين لعدم العثور على مصداق له، فإنّ الاستصحابات المتعارضة يكون التنافي بينها من جهة اليقين بارتفاع أحد المستصحبين.

و قد عرفت أنّ عدم العمل بكلا الاستصحابين ليس مخالفة لدليل الاستصحاب سوّغها العجز، لأنّه نقض اليقين باليقين، فلم يخرج عن عموم (لا تنقض) عنوان ينطبق على الواحد التخييري.

____________

أحد المستصحبين بيقين الارتفاع‏.

كما إذا كان هناك إناءان طاهران ثمّ شكّ في بقاء طهارتهما من دون علم إجمالي بارتفاع طهارة أحدهما، فكان دليل الاستصحاب شاملا لهما، فلو فرضنا- حينئذ- منع العقل أو الشرع عن إجراء الاستصحاب في كلا الإناءين وجب إجراؤه في أحدهما تخييرا، إذ المقتضي لإجرائه فيهما- و هو شمول الدليل لهما- و إن كان موجودا إلّا أنّ الدليل الخارجي قد منع عن إجراء الاستصحاب فيهما فلا يمكن العمل بهما، فيعمل بأحدهما مخيّرا كما أشار إليه بقوله:

فإنّه يجب- حينئذ- العمل بأحدهما المخيّر و طرح الآخر إلى أن قال: و إنّما لم نذكر هذا القسم في أقسام تعارض الاستصحابين لعدم العثور على مصداق له، فإنّ الاستصحابات المتعارضة يكون التنافي بينها من جهة اليقين بارتفاع أحد المستصحبين‏.

[و عدم العمل بكلام الاستصحابين ليس مخالفة لدليل الاستصحاب‏]

و قد عرفت أنّ عدم العمل بكلا الاستصحابين ليس مخالفة لدليل الاستصحاب سوّغها العجز.

و حاصل الكلام على ما في شرح الاعتمادي: إنّ آية النبأ شاملة للخبرين المتعارضين فعدم العمل بهما مخالفة لآية النبأ سوّغها عجز المكلّف عن العمل بهما معا، و أمّا عدم العمل بالاستصحابين المتعارضين فليس هو مخالفة لدليل الاستصحاب سوّغها العجز، بل هو امتثال لدليل الاستصحاب كما أشار إليه بقوله:

لأنّه نقض اليقين باليقين‏ المستفاد وجوبه من نفس دليل الاستصحاب‏ فلم يخرج عن عموم لا تنقض عنوان ينطبق على الواحد التخييري‏.

كما خرج عن عموم دليل الخبرين المتعارضين عنوان ينطبق على الواحد التخييري،

56

و أيضا، فليس المقام من قبيل ما كان الخارج من العامّ فردا معيّنا في الواقع غير معيّن عندنا ليكون الفرد الآخر الغير المعيّن باقيا تحت العامّ، كما إذا قال: أكرم العلماء، و خرج فرد واحد غير معيّن عندنا، فيمكن هنا- أيضا- الحكم بالتخيير العقلي في الأفراد، إذ لا استصحاب في الواقع حتى يعلم بخروج فرد منه و بقاء فرد آخر، لأنّ الواقع بقاء إحدى‏

____________

و ذلك لما تقدّم من أنّ الدليل يشمل الخبرين المتعارضين معا، و عجز المكلّف عن العمل بهما معا يوجب مخالفته، فيخرج عنه عنوان وجوب العمل بأحدهما تخييرا بعد عدم التمكّن عن العمل بهما معا.

[توهّم قياس المقام بالعامّ في الحكم بالتخيير العقلي‏]

و أيضا، فليس المقام من قبيل ما كان الخارج من العامّ فردا معيّنا في الواقع غير معيّن عندنا ليكون الفرد الآخر المعيّن في الواقع‏ الغير المعيّن‏ عندنا باقيا تحت العامّ، كما إذا قال: أكرم العلماء، و خرج فرد واحد غير معيّن عندنا فيمكن هنا أيضا أي: فيمكن في مورد تعارض الاستصحابين أيضا، أي: كمورد المثال المذكور الحكم بالتخيير العقلي في الأفراد.

و حاصل توهّم قياس المقام بالعامّ في الحكم بالتخيير العقلي هو أنّه لو أمر المولى عبده بإكرام العلماء ثم استثنى زيدا المردّد بين زيد بن أرقم و زيد بن عمرو، فإن أمكن إكرامهما احتياطا بأن كان الاستثناء جوازيّا وجب الاحتياط، و إن لا يمكن الاحتياط بأن كان الاستثناء تحريميّا حيث يدور أمرهما- حينئذ- بين المحذورين فيتخيّر، فكما أنّ الحكم في مورد العامّ في المثال المذكور هو الاحتياط إن أمكن و التخيير إن لم يمكن، كذلك في مورد تعارض الاستصحابين، فنفرض قبل العلم الإجمالي استصحابين في إناءين مسبوقين بالنجاسة أو الطهارة، و بعد العلم الإجمالي بارتفاع أحد المستصحبين زال أحدهما و بقي الآخر المعيّن عند اللّه، فإن أمكن العمل بالاحتياط كالمثال الأوّل- أعني: العلم الإجمالي بتطهّر أحد النجسين- يعمل بهما احتياطا و إن لم يمكن الاحتياط كالمثال الثاني، أعني:

العلم الإجمالي بنجاسة أحد الطاهرين حيث يكون العمل بالاحتياط مستلزما للمخالفة العمليّة فيتخيّر بين العمل بأحد الاستصحابين، أي: يعمل بأحدهما تخييرا.

و قد أشار إلى دفع التوهّم المذكور بقوله:

إذ لا استصحاب في الواقع حتى يعلم بخروج فرد منه و بقاء فرد آخر، لأنّ الواقع‏ وجود