دروس في الكفاية - ج1

- غلام علي‏ المحمدي البامياني المزيد...
446 /
5

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏

الحمد للّه على نعمائه و الصلاة و السلام على خاتم أنبيائه محمّد و آله و الخيرة من أصحابه.

أمّا بعد: فلمّا لقي كتابنا (دروس في الرسائل) رواجا و شهرة في الحوزات العلميّة عند أهل العلم و الفضل عرض علينا القيام بتأليف شرح للكفاية بأسلوب كتابنا (دروس في الرسائل).

و إجابة لذلك العرض قمنا بتأليف شرح للكفاية تحت عنوان (دروس في الكفاية) متجنّبا فيه عن التطويل الممل و الاختصار المخلّ.

نسأل اللّه أن يجعله نافعا للمحصلين، و ذخرا لنا في يوم لا ينفع مال و لا بنون، و أستعين به، كي يوفقني لخدمة الدين فإنه خير مسئول و خير معين.

محمديّ البامياني‏

دمشق. السّيدة زينب. الحوزة العلمية الزينبيّة في 12 ذي القعدة. سنة 1419 هجرية.

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

[اما المقدمة]

بسم اللّه الرحمن الرحيم الحمد للّه ربّ العالمين، و الصلاة و السلام على محمد و آله الطاهرين، و لعنة اللّه على أعدائهم أجمعين.

و بعد فقد رتبته على مقدمة، و مقاصد و خاتمة أما المقدمة ففي أمور (1):

الأول (2)

____________

[الأمر الأوّل: موضوع علم الأصول‏]

(1) أي: هي 13: 1- موضوع العلم. 2- الوضع. 3- استعمال اللفظ. 4- إطلاق اللفظ و إرادة نوعه. 5- الدلالة تتبع الإرادة أم لا؟ 6- للمركبات وضع مستقل أم لا؟ 7- علامات الحقيقة و المجاز 8- تعارض الأحوال. 9- ثبوت الحقيقة الشرعية و عدمه. 10- الصحيح و الأعم. 11- الاشتراك. 12- استعمال اللفظ في أكثر من معنى. 13- المشتق.

ثم إن الأمور المذكورة خارجة عن مسائل علم الأصول؛ لعدم انطباق ضابط المسألة الأصولية عليها.

(2) الغرض الأساسي في هذا الأمر هو بيان مطلبين:

المطلب الأول: بيان ما هو منزلة موضوع العلم من موضوعات مسائله حيث قال «(قدس سره)»: «إن موضوع كل علم هو نفس موضوعات المسائل».

المطلب الثاني: هو بيان المسائل حيث قال: «و المسائل عبارة عن جملة من قضايا متشتتة ..» إلخ.

نعم؛ تظهر من كلام المصنف في الأمر الأول عدّة أمور غير ما ذكرناه من المطلبين و هي:

1- ما هو موضوع العلم على نحو العام؟

2- ما هو الميزان و المناط في العرض الذاتي؟

3- ما هو الميزان في تمايز العلوم؟

4- ما هو موضوع علم الأصول بشكل خاص؟

8

إنّ موضوع كلّ علم (1)، و هو الذي يبحث فيه عن عوارضه (2) الذاتيّة.

- أي (3): بلا واسطة في العروض-

____________

[رأي المصنف في العرض الذاتي‏]

(1) قد بحث المصنف «(رحمه اللّه)» عن موضوع العلم بشكل عام، و على نحو الكبرى الكلية؛ تمهيدا لما اختاره في موضوع علم الأصول بالخصوص.

(2) عوارض جمع عارض، كما أنّ أعراض جمع عرض، و الفرق بينهما: أنّ العرض يقال على مبدأ الاشتقاق؛ أي: البياض مثلا، و العارض كالعرضي يقال على المشق أي:

الأبيض مثلا. و السّبب في تعبيرهم بالعوارض دون الأعراض: أنّ المراد بها هنا هو المحمولات المنتسبة إلى الموضوعات فكانت عوارض، لأنّ المحمول دائما أو غالبا- يكون من المشتقات.

ثم المراد بالعوارض: ما هو المصطلح عند المنطقي؛ لا ما هو المصطلح عند الفلسفي، لأنّ العرض عند الفلسفي عبارة عن ماهية شأن وجودها في الخارج أن يكون في الموضوع و يقابله الجوهر.

و العرض عند المنطقي ما يكون خارجا عن ذات الشي‏ء و متحدا معه في الخارج، و يقابله الذاتي، و بين الاصطلاحين بعد المشرقين.

ثم أنّ المصنف قد أتى ببيان عوارض العلم على نحو الجملة الاعتراضية ثم فسّر العرض الذاتي بقوله: «أي: بلا واسطة في العروض» ليكون إشارة إلى الخطأ الواقع في تفسير العرض الذاتي على احتمال.

(3) في هذا التفسير احتمالات:

الاحتمال الأوّل: أنّ تفسير الذاتي بقوله: «بلا واسطة في العروض» إنّما هو من باب التنوّع بالعبارة، فيكون العرض الذاتي عند المصنف ما هو العرض الذاتي عند المشهور بمعنى: أنّه جرت عادة المصنفين على ذكر أمور منها: موضوع العلم، و المصنف قد ذكر موضوع العلم تبعا لهم من دون ردّ على من تقدم عنه. إلّا إنّ هذا الاحتمال غير مراد للمصنف قطعا، لأنّ العدول عن تفسير القوم لا بدّ أن يكون لغرض، و الغرض في المقام هو: عدم صحّة تفسيرهم، و خطأهم في تفسير العرض الذاتي.

الاحتمال الثاني: أن يكون التفسير لإعطاء القاعدة الكلية؛ من دون أن يكون ناظرا إلى كلام القدماء ردّا أو إمضاء. بمعنى: أنّ الميزان في الذاتيّة عدم الوساطة في العروض سواء لم يكن له واسطة أصلا، أو تكون الواسطة في الثبوت.

و العوارض الغربية: ما تكون لها واسطة في العروض مثل: الحركة للجالس في السفينة

9

فإنّها غير الذاتية، فلا تدخل في البحث.

و هذا الاحتمال لا يبعد أن يكون مرادا للمصنف؛ حيث إنّ الغرض من عدوله عن كلام القوم: هو إعطاء القاعدة الكلية فلا يكون التفسير لا لغرض.

الاحتمال الثالث: أن يكون التفسير المذكور ردّا على القدماء، و تنبيها على الخطأ الواقع منهم في تفسير العرض الذاتي، و هذا الاحتمال أقرب من الاحتمال الثاني فيكون مرادا له. فلا بد أن نبين ما هو المناط و الميزان في العرض الذاتي على مسلك القدماء؛ كي يتضح الخطأ الواقع منهم في تفسير العرض الذاتي.

فنقول: إنّ المراد بالعرض و العارض هو مقابل الذاتي الذي يطلق في باب الكليات الخمس؛ لا الذاتي الذي يطلق في باب البرهان. ثم الذاتي في باب الكليات الخمس هو ما لم يكن خارجا عن الشي‏ء و هو على ثلاثة أقسام- 1- الجنس. 2- النوع. 3- الفصل؛ كما في علم الميزان. فالمراد من العارض و العرض، هو: مقابل هذا المعنى من الذاتي؛ لا خصوص المقولات التسع العرضية.

و العارض بهذا المعنى على أقسام: إمّا أن يكون عارضا لنفس الشي‏ء بلا واسطة أصلا لا ثبوتا و لا عروضا؛ كالتعجب اللاحق للإنسان، إلّا إنّ هذا المثال لا يخلو عن إشكال، لأنّ التعجب عارض للإنسان بواسطة إدراكه أمرا غريبا، فلا يكون ما يعرض الإنسان بلا واسطة أصلا بل هناك واسطة في الثبوت.

و إمّا أن يكون عارضا له مع الواسطة؛ و هي إمّا داخلية أو خارجية، و الداخلية على قسمين: إمّا مساوية للشي‏ء المعروض كالتكلّم العارض للإنسان لكونه ناطقا، و إمّا أعم منه كالحركة الإرادية له لكونه حيوانا.

و الخارجية و هي على أربعة أقسام:

1- خارجية مساوية للشي‏ء المعروض؛ كعروض الضحك للإنسان بواسطة التعجّب.

2- خارجيّة أعم من المعروض؛ كعروض التحيّز للأبيض بواسطة الجسم الأعم منه.

3- خارجية أخصّ من المعروض؛ كعروض الضحك للحيوان بواسطة الإنسان الأخصّ منه.

4- خارجية مباينة للمعروض؛ كعروض الحرارة للماء بواسطة النار، و الحركة للجالس بواسطة السفينة، فهذه أقسام سبعة.

إذا عرفت ما ذكرنا فاعلم: أنّ القدماء اتفقوا على كون بعض هذه الأقسام ذاتيا و هي‏

10

الثلاثة من السبعة؛ أي: ما يكون عارضا بلا واسطة أصلا، أو بواسطة جزء مساو، أو بواسطة أمر خارج مساو، و اتفقوا أيضا على كون بعضها الآخر غريبا، و هي الثلاثة الأخيرة من الأربعة.

[الفرق بين قول المصنف و غيره في العرض الذاتي‏]

و اختلفوا فيما يكون عارضا بواسطة جزء أعم من المعروض؛ كالحركة الإرادية للإنسان لكونه حيوانا هذا على مذهب القدماء و أمّا على مذهب المصنف فجميع هذه الأقسام من العوارض الذاتيّة؛ إلّا مثال الحركة للجالس بواسطة السفينة حيث تكون الواسطة فيه واسطة في العروض.

و لتسهيل تطبيق رأي المصنف و غيره في الأمثلة المذكورة فعليك بالجدول.

الأمثلة/ رأي المصنف في الذاتي و غيره/ رأي غيره في الذاتي و غيره‏

الإنسان متعجّب/ ذاتي/ ذاتي‏

الإنسان متكلم/ ذاتي/ ذاتي‏

الإنسان متحرّك بالإرادة/ ذاتي/ مختلف فيه‏

الإنسان ضاحك/ ذاتي/ ذاتي‏

الإنسان أبيض/ ذاتي/ غير ذاتي‏

الحيوان ضاحك/ ذاتي/ غير ذاتي‏

الماء حار/ ذاتي/ غير ذاتي‏

جالس السفينة متحرّك/ غير ذاتي/ غير ذاتي‏

و ممّا ذكرنا يتضح الخطأ الواقع من القدماء في تفسير العرض الذاتي، لأنّ المحمولات المبحوث عنها في العلوم يجب أن تكون من العوارض الذاتية، و هي من العوارض الغريبة حسب ما هو المناط في العوارض الذاتيّة عند القوم؛ لأنّ أغلب المحمولات تعرض لموضوعاتها بواسطة المباين أو الأخصّ أو الأعمّ، مثلا: إنّ المحمولات المبحوث عنها في علم الفقه عارضة لأفعال المكلفين بواسطة المصالح في المأمور بها، أو المفاسد في المنهي عنها، لا شك في كونها مباينة لأفعال المكلفين، فيلزم خروج أغلب مسائل الفقه أو كلّها عن كونها مسائله، و كذا علم الأصول، و علم النحو؛ حيث يبحث في علم الأصول عن معنى مطلق الأمر مثلا؛ هل هو حقيقة في الوجوب أو الندب؟ مع إنّ البحث عن مطلق‏

11

الأمر بمنزلة البحث عن عوارض الجنس، فإنّ البحث فيه يكون عن معنى الأمر الواقع في الكتاب و السّنة و هو نوع لمطلق الأمر، و يبحث في علم النحو عن الرفع و النصب مع إنّهما يعرضان الكلمة إمّا بواسطة نوعها أي: الفاعل و المفعول، فتكون الواسطة أخصّ من المعروض، أو بواسطة أمر مباين لها و هو وضع الواضع. فيلزم ما ذكرناه من الإشكال أعني: يكون البحث في العلوم عن العوارض الغريبة لا عن العوارض الذاتية، و لهذا عدل صاحب الكفاية عما قالوه دفعا للإشكال الوارد على تفسيرهم، و لا يرد الإشكال على ما ذكره المصنف إذ المناط في الذاتيّة عنده عدم الوساطة في العروض، و ليست الواسطة واسطة في العروض فيما إذا كانت مباينة للمعروض أو أعم منه أو أخصّ منه كما سبق تفصيله، و يظهر من الأستاذ الاعتمادي: أنّ الواسطة في جميع الأمثلة المذكورة واسطة في الثبوت، فتكون من العوارض الذاتية، على رأي المصنف؛ إلّا مثال حركة جالس السفينة فالواسطة فيه واسطة في العروض. حيث قال:

«ثم العرض إمّا لا واسطة له و هو:

1- إمّا مساو للمعروض؛ كتعجّب الإنسان.

2- أو أعمّ منه؛ كحيوانيّة الناطق.

3- أو أخصّ منه؛ كناطقيّة الحيوان، و إمّا له واسطة في الثبوت و هي علّة العروض و هي:

4- إمّا جزء مساو؛ كتكلّم الإنسان بناطقيّته.

5- أو جزء أعم؛ كحركة الإنسان بحيوانيته.

6- أو أمر خارج مساو؛ كضحك الإنسان بتعجّبه.

7- أو أعم؛ كتحيّز الإنسان بجسميّته.

8- أو أخصّ؛ كضحك الحيوان بإنسانيّته.

9- مباين؛ كحرارة الماء بمقابلة النار.

10- و إمّا له واسطة في العروض؛ أي: يعرضها العرض أوّلا، و ينسب إلى مجاوره ثانيا؛ كحركة الجالس بحركة السفينة». «الهداية إلى أسرار الكفاية، ج 1، ص 5».

إلى أن قال: «و الحق: أنّ ملاكه انتفاء الواسطة في العروض فما عدا الأخير من الأقسام العشرة عرض ذاتي، و لذا يبحث في الفقه عن الأحكام العارضة لفعل المكلف بواسطة مباينة أعني: المصالح و المفاسد» و كيف كان؛ فأضربنا عمّا أورده البعض على‏

12

هو (1) نفس موضوعات مسائله عينا (2).

و ما يتحد (3) معها خارجا، و إن كان يغايرها مفهوما، تغاير الكلّي‏

____________

صاحب الكفاية خوفا من التطويل الممل.

فالعوارض الذاتيّة على رأي المصنف: ما ليس له الواسطة في العروض.

[مسائل العلم عند المصنف‏]

(1) أي: موضوع كل علم نفس موضوعات مسائل ذلك العلم، و هذا من المصنف اعتراض على ما في خاتمة علم الميزان من أنّه قد يكون موضوع العلم مغايرا مع موضوع المسألة.

قال المحقق التفتازاني: في خاتمة كتابه في علم الميزان. «و المسائل و هي قضايا تطلب في العلم و موضوعاتها إمّا موضوع العلم، أو نوع منه، أو عرض ذاتي له، أو مركّب».

هذا صريح في مغايرة موضوع العلم مع موضوع المسألة.

و حاصل اعتراض المصنف عليه: أنّه لا شكّ في كون محمول المسألة من العوارض الذاتيّة لموضوعها، فلو كان موضوعها مغايرا مع موضوع العلم لم يكن ذلك عن عوارضه الذاتيّة و هذا خلاف مقتضى تفسيرهم لموضوع العلم «بأنّه ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية» و لا يستقيم هذا التفسير، إلّا إن يكون موضوع العلم نفس موضوعات مسائله.

(2) أي: ذاتا و خارجا. فالكلمة عين الفاعل في قول النحاة: الفاعل مرفوع، و عين المفعول في قولهم: المفعول منصوب، و عين المضاف إليه في قولهم: المضاف إليه مجرور، و عين الفعل في قولهم: الفعل المدخول لأدوات الشرط مجزوم، و هكذا في موضوع الفقه حيث تكون أمثال الصوم و الصلاة عين أفعال المكلف خارجا.

و موضوع علم الأصول بعينه هو: الأمر و النهي خارجا، فإنّ موضوعه عند المصنف هو: الكلي الذي تقع نتيجة بحثه في طريق الاستنباط لا يقال: إنّه قد يشكل فيه بعلم الطبّ فإنّهم جعلوا موضوعه بدن الإنسان، و هم يبحثون فيه عن العوارض الذاتية للأعضاء، مع إنّ الأعضاء جزء للبدن، و الجزء غير الكل.

فإنّه يقال في دفع الإشكال: بأنّ تعبيرهم عن موضوع الطبّ بالبدن إنّما هو من باب التسامح، فإنّ موضوعه في الحقيقة هو العضو و هو جامع بين موضوعات مسائله.

(3) قوله: «و ما يتحد معها خارجا» عطف على قوله: «نفس موضوعات مسائله»، و هذا العطف إمّا عطف تفسيري أو لا يكون كذلك، فعلى الثاني: كان في الأصل أو ما يتحد معها خارجا، و الاحتمال الأوّل غير صحيح، لأنّ موضوع العلم هو: الجامع بين موضوعات مسائله فيكون أمرا واحدا، و موضوعات المسائل متعددة بتعدد المسائل، و حينئذ فلو كان موضوع العلم متحدا مع موضوعات المسائل لزم أن يكون موضوعه متعددا و هو خلاف الفرض.

13

و مصاديقه (1) و الطبيعي (2) و أفراده.

و المسائل (3) عبارة عن جملة من قضايا متشتتة (4) جمعها اشتراكها في الدخل في الغرض (5)؛ الذي لأجله دوّن هذا العلم.

____________

و الاحتمال الثاني و إن كان صحيحا من حيث المعنى؛ إلّا إنّه لا يصحّ من حيث اللفظ و العبارة، إذ الصحيح حينئذ أن يقال: أو ما يتحد معها خارجا إلّا إن يقال بسقوط الألف من اللفظ، أو كون الواو بمعنى: أو.

(1) أي: كمغايرة مفهوم الإنسان مع مفهوم أفراده، كزيد و عمرو، و إن كان عين أفراده خارجا.

(2) أي: عطف الطبيعي على الكلي عطف تفسيريّ أو تفنّن في العبارة لا من العطف الخاصّ على العام، كما قد يتوّهم، ضرورة: أنّ اتحاد الكلّي مع المصاديق منحصر في الكلّي الطبيعي، إذ لا وجود لغيره من الكلّي المنطقي و العقلي، و الفرق بين الكلّي الطبيعي و غيره أوضح من الشمس مثلا: قولنا: «الإنسان الكلي» الإنسان كلّي طبيعي، و الكلي كلّي منطقي و المجموع كلّي عقلي. هذا تمام الكلام في المطلب الأوّل.

فالحاصل: أنّ موضوع كل علم هو نفس موضوعات مسائله عينا بمعنى: أنّه متحد مع موضوعات المسائل في الخارج، و إن كان الموضوع الكلي يغاير موضوعات المسائل مفهوما.

(3) هذا هو المطلب الثاني: بعد ما بيّن المصنف في المطلب الأوّل ما هو منزلة موضوع العلم من موضوعات مسائله- بأنّه الكلّي المنطبق على موضوعات مسائله، و المتحد معها في الخارج- بدأ ببيان المطلب الثاني؛ و هو: تعريف المسائل، و ما يتعلق بها فقال: «و المسائل عبارة عن جملة من قضايا ...» إلخ.

(4) أي: متفرّقة و مختلفة موضوعا و محمولا مندرجة تحت غرض واحد مثلا: قول النحاة في مسائل علم النحو: «الفاعل مرفوع و المفعول منصوب و المضاف إليه مجرور» واضح في تشتّت القضايا المذكورة و اختلافها موضوعا و محمولا.

و المستفاد من كلام المصنف في المطلب الثاني أمران:

الأوّل: أنّ حقيقة العلم هي المسائل فقط بعد ما كان موضوع العلم نفس موضوعاتها، فأسامي العلوم أسام لما هو مسائلها في الواقع، أو للقدر الجامع بينها؛ و ذلك لما تقدم من أنّ موضوع العلم هو الكلّي المنطبق على موضوعات المسائل.

الثاني: أنّ تمايز العلوم إنّما هو بالأغراض؛ لا بالموضوعات كما هو المشهور، و انتظر توضيح ذلك فيما يأتي من المصنف «(قدس سره)».

(5) تقييد المصنف المسائل بقوله: «جمعها اشتراكها في الدخل في الغرض ..» إلخ.

14

فلذا (1) قد يتداخل بعض العلوم في بعض المسائل؛ مما كان (2) له دخل في مهمين (3)، لأجل كلّ منهما دوّن علم على حدة، فيصير من مسائل العلمين.

____________

مقدمة لما يقول به: من أنّ تمايز العلوم بالأغراض الداعية إلى التدوين؛ لا بالموضوعات.

فيكون ردّا على القول بأنّ تمايز العلوم بتمايز الموضوعات، كما أنّ قوله في المسائل بأنّها عبارة عن جملة من قضايا يكون ردّا على القول: بأنّها محمولات منتسبة إلى الموضوعات، لأنّ القول المذكور مستلزم لأن تكون أجزاء العلم أربعة، مع إنّها ثلاثة، و ذلك لأنّه لا بدّ أن تعدّ الموضوعات من المحمولات المنتسبة إليها جزءا على حدة، فيلزم أن تكون أجزاء العلوم أربعة: 1- الموضوعات. 2- المبادئ. 3- المسائل. 4- موضوعات المسائل. و لم يقل به أحد. فالحق ما ذكره المصنف من أنّ المسائل هي القضايا، كي لا يلزم ما لم يقل به أحد.

نعم؛ هناك قول: بأنّ المسائل هي النسب التامة، إلّا إنّه يرجع إلى قول المصنف «(قدس سره)».

(1) تفريع على قوله: «جمعها اشتراكها ...» إلخ. أي: فلأجل ما ذكرنا من أنّ القضايا جمعها اشتراكها في الدخل في الغرض «قد يتداخل بعض العلوم في بعض المسائل».

(2) أي: مما كان هذا البعض له دخل في غرضين مهمين دوّن لأجل كلّ منهما علم على حدة، و إذا كان كذلك يصبح ذلك البعض من مسائل العلمين.

وجه التفريع: أنّه لو كان تمايز العلوم بالموضوعات لما صحّ اشتراك العلمين أو العلوم في بعض المسائل من حيث الموضوع و التالي باطل، فالمقدم مثله، و الاستدلال بالقياس الاستثنائي يتوقف على ثبوت أمرين: 1- الملازمة. 2- بطلان التالي.

و أمّا بطلان التالي: فلا يحتاج إلى البيان، لأنّ الاشتراك متحقق بين بعض مسائل علم الأصول، و مسائل علم آخر كمسألة التجري مثلا؛ حيث يتداخل فيها علم الأصول و الفقه و الكلام كما بين في محلّه.

و أمّا الملازمة فهي ثابتة، إذ على تقدير الاشتراك لا بد أن يعد علما واحدا لا علمين أو أكثر حيث لا اثنينية، هذا بخلاف ما إذا كان تمايز العلوم بالأغراض، فإنّ الاثنينية حينئذ محفوظة، و الامتياز ثابت، فيصح التداخل لو كان التمايز بالأغراض، و لا يصح لو كان بالموضوعات.

(3) أي: في غرضين مهمين مثاله: «دلالة الأمر» على الوجوب أو الندب فهي من مسائل اللغة و الأصول. أمّا من مسائل اللغة: فالغرض من الأمر هو: العلم بوضع لسان العرب، و أمّا من مسائل الأصول فالغرض منه: الوقوع في طريق الاستنباط، فيصير هذا

15

لا يقال: على هذا (1) يمكن تداخل علمين في تمام مسائلهما، فيما إذا كان هناك مهمان متلازمان في الترتّب على جملة من القضايا لا يكاد انفكاكهما.

____________

البعض من مسائل علمين أي: اللغة و الأصول.

فتحصّل مما ذكرنا: أنّه يصح جعل مسألة من مسائل العلمين على أن يكون الجامع هو الغرض، دون أن يكون هو الموضوع، فهذا أقوى دليل على أنّ الحق ما ذهب اليه المصنف. و بالجملة: فالملاك في اتحاد العلم و وحدته مع تشتت العوارض و اختلاف الموضوعات و المحمولات هو وحدة الغرض، فلو كان الغرض و المهم واحدا يعدّ الجميع علما واحدا و يفرد بالتدوين. و أمّا لو كان الغرض متعددا يتكثّر العلم؛ و إن كان موضوع المسائل واحدا.

(1) أي: على كون بعض المسائل ممّا له دخل في غرضين مهمين يمكن تداخل علمين في تمام مسائلهما. و هو باطل لأجل عدم حصول الميز بين العلمين.

و قبل توضيح هذا الإشكال ينبغي بيان ما يرجع إليه الإشكال المذكور؛ فنقول: إنّه يرجع إلى قوله: «فلذا قد يتداخل بعض العلوم في بعض المسائل» أي: فلأجل كون الجامع بين مسائل كلّ علم هو الغرض؛ يمكن تداخل بعض العلوم في بعض المسائل، و يقصد به عدم جواز التداخل فيما إذا كان الجامع بين مسائل العلم هو الموضوع، فيكون ردّا على القول بأنّ تمايز العلوم بالموضوعات، و ذلك لعدم حصول الامتياز بين علمين فيما إذا اشتركا في بعض المسائل من حيث الموضوع.

و أمّا توضيح ذلك فيقال: إنّ ما ذكرتم من الفرق بين القولين؛ إنّما يتم على فرض اشتراك بعض مسائل علمين في الغرض؛ بمعنى: ترتب غرض كلا العلمين على بعض مسائلهما، و لازم ذلك هو تداخل علمين في بعض مسائلهما، فيجوز على قول المصنف، و لا يجوز على قول من يقول بتمايز العلوم بالموضوعات. و لكن على فرض ترتب غرضين على جميع مسائل علمين بأن كان هناك غرضان متلازمان في الترتّب على جملة من القضايا، فلا يجوز التداخل حتى على مذهب المصنف؛ و ذلك لانتفاء التمايز بين العلمين حينئذ، فهذا الإشكال مشترك الورود، و لا يختص بقول المشهور. و يمكن تقريب ذلك بالقياس الاستثنائي بأن يقال:

لو جاز تداخل بعض العلوم في بعض المسائل ممّا كان له دخل في مهمين؛ لجاز تداخل علمين في تمام مسائلهما فيما إذا كان هناك مهمان متلازمان في الترتب على جملة من القضايا. و التالي باطل؛ فإنّ التداخل مستلزم لانتفاء التمايز، فالمقدم مثله إذ رفع التالي و بطلانه ينتج رفع المقدم و بطلانه.

16

فإنّه يقال (1): مضافا إلى بعد ذلك، بل امتناعه عادة لا يكاد يصح لذلك (2)

____________

و أمّا الملازمة فهي ثابتة، إذ على القول بتمايز العلوم بالأغراض يمكن تداخل علمين في بعض المسائل كما عرفت، فيمكن تداخلهما في تمام مسائلهما، لأنّ حكم الأمثال فيما يجوز و لا يجوز واحد.

[الجواب عن إشكال تداخل علمين في بعض المسائل‏]

(1) و هذا الجواب يتوقف توضيحه على مقدمة؛ و هي: أنّ النسبة بين غرضين من أغراض العلوم على أربعة أقسام: 1- التلازم. 2- التباين. 3- العموم من وجه. 4- العموم المطلق. و لا إشكال في صحّة تدوين علمين على الثاني و الثالث حتى على الرابع إذ قد يتعلق الداعي بتحصيل الغرض الأخص بخصوصه، فيصح لأجله تدوين المسائل المشتركة علما، و لكن على الأول لا يصح تدوين علمين لأجل غرضين متلازمين، بل يدوّن علم واحد.

إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم: أنّ قياس تداخل علمين في بعض المسائل بتداخل علمين في تمام المسائل قياس مع الفارق، و هو باطل، فإنّ ما ذكره المصنف من جواز تداخل علمين في بعض المسائل من القسم الثالث أي: ما إذا كانت النسبة بين الغرضين عموما من وجه. و ما ذكره الخصم من الإشكال من القسم الأوّل أي: التلازم. و الفرق بينهما أوضح من الشمس، و من هنا ظهر: عدم ثبوت الملازمة بين المقدم و التالي في القياس الاستثنائي السابق؛ لعدم المثليّة بين الأمرين حتى يقال بثبوت الملازمة بوحدة حكم الأمثال فيما يجوز و لا يجوز فلا ينتج.

و كيف كان؛ فلا يصح حينئذ تدوين علمين و تسميتهما باسمين، كي يلزم تداخل علمين في تمام مسائلهما، بل يدوّن علم واحد يبحث فيه تارة لكلا المهمين، و أخرى لأحدهما مثاله: إنّنا لو فرضنا اشتراك جميع مسائل النحو و الصرف في إيفاء غرضين متلازمين و هما معرفة أحوال الكلم صحّة و اعتلالا في الصرف، و معرفة أحوال الكلم إعرابا و بناء في النحو، فالجامع بين الغرضين معرفة أحوال اللغة العربية؛ فنبحث تارة لكلا الغرضين: أي: معرفة أحوال اللغة العربية، و أخرى لأحدهما أي: النحو فقط، أو الصرف فقط، هذا أوّلا.

و ثانيا: أنه بعيد جدا، بل ممتنع عادة، فحينئذ ينتفي موضوع الإشكال، إذ هو على تقدير ثبوت غرضين متلازمين و هو بعيد، بل مستحيل عادة، لأنّ الممكن العادي ما يقع في الخارج و لو مرّة، و فرض التلازم بين المهمين لم يقع أصلا.

(2) أي: لا يكاد يصح تدوين علمين لأجل مهمين متلازمين.

17

تدوين علمين و تسميتهما باسمين، بل تدوين (1) علم واحد. يبحث فيه تارة: لكلا المهمين (2) و أخرى: لأحدهما (3)، و هذا (4) بخلاف التداخل في بعض المسائل، فإن حسن تدوين علمين- كانا مشتركين في مسألة، أو أزيد- في جملة مسائلهما المختلفة، لأجل مهمين، مما (5) لا يخفى.

و قد انقدح بما (6) ذكرنا: أن تمايز العلوم إنّما هو باختلاف الأغراض الداعية إلى‏

____________

(1) أي: لأنّ تدوين علم واحد كاف في حصول الغرضين؛ و ذلك لمكان تلازمهما.

(2) أي: كالبحث عن النحو و الصرف؛ نظرا إلى القدر الجامع بينهما و هو: معرفة أحوال اللغة العربية.

(3) أي: النحو فقط؛ بمعنى: يبحث فيه لمعرفة أحوال الكلم إعرابا و بناء لغرض حفظ اللسان عن الخطأ.

(4) قوله: «هذا» إشارة إلى ما مضى من تدوين علم واحد فيما إذا كان هناك مهمان متلازمان.

(5) قوله: «مما لا يخفى» خبر لقوله: «فإن حسن ...» و من هنا أخذ المصنف «(قدس سره)» يجيب عما مضى بما يحكم به العقل و العقلاء، فالملاك في صحة تدوين علم واحد أو علمين هو تحسين العقلاء و تقبيحهم، فهم يحكمون بحسن تدوين علمين في مورد تداخل علمين في بعض المسائل و قبحه في مورد التداخل في تمام المسائل، بل هنا يحكمون بتدوين علم واحد.

فحاصل الكلام: أنّه لا يكاد يصح لأجل تلازم المهمين تدوين علمين، بل يدوّن علم واحد، و يسمى باسم واحد.

[تمايز العلوم بالأغراض لا بالموضوعات‏]

(6) المراد بالموصول أي: ما في قوله: «بما ذكرنا» ما ذكره في تعريف المسائل حيث قال: «جمعها اشتراكها في الدخل في الغرض» و مفاده: أنّ الجامع بين المسائل اشتراكها في الدخل في الغرض؛ الموجب لتحسين العقلاء تدوين علمين أو علوم متعددة لغرضين أو أغراض متعددة، و إن كانت القضايا التي تترتب عليها الأغراض المختلفة متحدة موضوعا و محمولا، و تقبيحهم تدوين علمين مع وحدة الغرض، أو التلازم بين غرضين و إن كان موضوع المسائل مختلفا؛ إذ قد علمت: تحسينهم جعل المسائل المختلفة موضوعا و محمولا علما واحدا لدخلها في الغرض الداعي للتدوين، و إدراج المسألة الواحدة في علمين لدخلها في غرضين؛ من دون تكلّف إرجاع الموضوعات أو المحمولات إلى جامع واحد، و لازم ذلك: أنّ تمايز العلوم إنما هو بالأغراض لا بالموضوعات، و لا بالمحمولات؛ و إلّا لزم كون كل باب، بل كل مسألة علما على حدة، لأن الملاك في تعدد العلوم‏

18

التدوين، لا الموضوعات و لا المحمولات، و إلّا كان كل باب، بل كل مسألة من كل علم علما على حدة، كما هو واضح لمن كان له أدنى تأمل.

فلا (1) يكون الاختلاف بحسب الموضوع أو المحمول موجبا للتعدد، كما لا يكون وحدتهما سببا لأن يكون من الواحد.

____________

و وحدتها هو الموضوع؛ فلو كان متعددا لكان العلم متعددا. فلزم المحذور المذكور نظرا إلى تعدد موضوعات المسائل.

(1) قوله: «فلا يكون الاختلاف ..» إلخ تفريع على قوله: «لا الموضوعات و لا المحمولات» أي: فلا يكون الاختلاف بحسب الموضوع أو المحمول موجبا لتعدد العلم، كما لا تكون وحدتهما في مسألة موجبة لأن تكون المسألة من علم واحد لإمكان دخلها في مهمين، فتكون من علمين مستقلين.

و ملخص البحث: أن فيما هو الملاك في تمايز العلوم أقوالا: قال الجمهور: أن تمايز العلوم إنّما هو بتمايز الموضوعات؛ بمعنى: أنّها تتمايز بوحدة موضوعاتها. و قال بعض: إنّها تتمايز بوحدة محمولاتها. و قال المصنف: إنّها تتمايز بالأغراض؛ لا بالموضوعات و لا المحمولات. و أمّا بطلان القول الثاني فواضح إذ لم يدّعه أحد يعرف.

و أمّا بطلان القول الأول: فلما تقدم من: تحسين العقلاء تدوين علمين أو علوم لأغراض و إن كانت مسائلها متحدة من حيث الموضوع؛ كمسائل الصرف و النحو حيث يقال: الكلمة إمّا ثلاثي أو رباعي، و إمّا معرب أو مبني، فهذه المسألة و إن كانت واحدة من حيث الموضوع إلّا إن تعدّد الغرض يوجب تعددها، و هي باعتبار الأول من الصرف؛ لأن الغرض من الصرف معرفة ذات اللفظ من حيث كونه ثلاثيا أو رباعيا، صحيحا أو معتلا، ماضيا أو مضارعا، مفتوح العين أو مضمومها أو مكسورها. و باعتبار الثاني: من النحو، لأنّ الغرض من النحو هو: معرفة أحوال الكلمة من حيث الإعراب و البناء. هذا أولا.

و ثانيا: ما تقدم من تقبيح العقلاء تدوين علمين مع وحدة الغرض و إن كان موضوع المسائل و محمولها متعددين.

فالمتحصل: أنّ المصنف استدل على ما اختاره من تمايز العلوم بالأغراض بوجهين:

الأول: تحسين العقلاء تدوين علمين لغرضين و إن كانت مسائلهما متحدة من حيث الموضوع.

الثاني: تقبيحهم تدوين علمين مع وحدة الغرض و ان كانت مسائلهما متعددة من حيث الموضوع، و حينئذ لا دخل للموضوعات، و لا المحمولات بالتمايز؛ فلا يصح‏

19

ثم إنّه (1) ربما لا يكون لموضوع العلم- و هو الكلي المتحد مع موضوعات المسائل- عنوان خاص، و اسم مخصوص، فيصح أن يعبّر عنه بكل ما دلّ عليه، بداهة: عدم دخل ذلك (2) في موضوعيته (3) أصلا.

و قد انقدح بذلك (4): أنّ موضوع علم الأصول هو: الكلي المنطبق على موضوعات‏

____________

جعلهما مائزا لأنّ الموضوعات و المحمولات كثيرة في العلم الواحد.

(1) أي: الشأن «ربما لا يكون لموضوع العلم» أيّ موضوع لأيّ علم يفرض أي: لا يكون له عنوان خاص و اسم مخصوص، و هذا الكلام من المصنف نتيجة لما تقدم منه، و تمهيد لما اختاره من أن موضوع علم الأصول هو: الكلي المنطبق على موضوعات مسائله.

و أمّا كونه نتيجة لما تقدم منه من أنّ تمايز العلوم بالأغراض لا بالموضوعات؛ فلأنّه إذا لم يكن التمايز بالموضوعات فلا إشكال أن يكون الموضوع أمرا مجهولا، يشار إليه بأنّه هو الكلي المنطبق على موضوعات المسائل.

و أمّا على القول بأنّ تمايز العلوم هو بالموضوعات: فلا بد أن يكون لموضوع العلم عنوان خاص- كعنوان الأدلة الأربعة- و اسم مخصوص كالكتاب و السنة و الاجماع و العقل، لأنّ الموضوع على هذا القول يكون معرفا للعلم، و المعرف يجب أن يكون معلوما بعنوانه الخاص و اسمه المخصوص. و من هنا يعلم: عدم لزوم معرفة اسم أو عنوان موضوع العلم، لأنّه حينئذ هو الكلي المتحد مع موضوعات المسائل، و لا دخل للاسم و العنوان في موضوعية موضوع العلم.

و أمّا كون كلامه هذا تمهيدا لما ذهب إليه من ان موضوع علم الأصول هو الكلي لا الأدلة الأربعة فلما عرفت: من أنّه لا دخل للاسم و العنوان في موضوعيّة الموضوع، فيصح أن يعبّر عن موضوع العلم بكل ما دلّ عليه فيقال: إنّ موضوع علم الأصول هو:

ما يقع في طريق استنباط الأحكام الشرعية الفرعية، أو يقال: هو الكلي المتحد مع موضوعات مسائله.

(2) أي: الاسم المخصوص.

(3) أي: موضوعية الموضوع. و خلاصة الكلام: أنّه لا يكون لموضوع العلم عنوان خاص و اسم مخصوص؛ ضرورة: عدم دخل الاسم المخصوص في موضوعيّة الموضوع أصلا، لأنّ الغرض مترتب على ذات الموضوع لا على العنوان و الاسم المشيرين إليه، فعدم العلم باسمه لا يقدح في موضوعيّة الموضوع القائمة بذاته.

[موضوع علم الأصول عند المصنف‏]

(4) أي: انقدح بكل ما مر ابتداء من تعريف موضوع مطلق العلم، و انتهاء إلى عدم دخالة الاسم المخصوص في موضوعية الموضوع- «أنّ موضوع علم الأصول هو الكلي‏

20

مسائله المتشتتة، لا خصوص الأدلة الأربعة (1) بما هي أدلة (2)، بل و لا بما هي هي (3) ضرورة: أنّ البحث في غير واحد من مسائله المهمة ليس من عوارضها، و هو واضح لو

____________

المنطبق على موضوعات مسائله المتشتتة؛ لا خصوص الأدلة الأربعة».

وجه الانقداح هو: أنّ المتحصل من جميع ما ذكر- إلى الآن- أمران:

الأول: أنّ موضوع علم الأصول، كموضوع مطلق العلم هو الكلي المنطبق على موضوعات مسائله.

الثاني: عدم دخالة الاسم المخصوص في موضوعيّة الموضوع. و لازم الأمرين هو ثبوت المطلوب المذكور المركب من «إيجاب» أعني: كلية الموضوع و «سلب» أعني: سلب الموضوعية عن خصوص الأدلة الأربعة.

(1) أي: الكتاب و السنة و الإجماع و العقل.

(2) أي: بوصف دليليتها.

(3) أي: ذوات الأدلة دون أن تتصف بأنّها أدلة.

و خلاصة الكلام في المقام: أن موضوع علم الأصول هو: الكلي المنطبق على موضوعات مسائله لا خصوص الأدلة الأربعة بوصفها العنواني أي: مع وصف دليليتها على ما في «القوانين» (*)، و نسب إلى المشهور. «و لا بما هي هي» أي: ذوات الأدلة مع قطع النظر عن دليليتها كما في «الفصول» (**)، لأنّ تخصيص موضوع علم الأصول يوجب خروج كثير من المسائل عن علم الأصول. فيكون غير جامع، و عندئذ كلا القولين مردود، و لكن الفرق بينهما: أنّ قول المشهور الذي ذكره المحقق القمي «(رحمه اللّه)» في «القوانين» مردود لوجهين: أحدهما: مختص به و الآخر مشترك بينهما. و قول صاحب الفصول مردود؛ لوجه واحد.

و توضيح ذلك: أنّ جعل الموضوع الأدلة بانضمام وصف دليليتها يستلزم خروج جملة من المسائل عن علم الأصول، و دخولها في مبادئه التصورية أو التصديقية، لأنّ البحث عن دليليّة الأدلة و حجيتها بحث عن قيد الموضوع، فيندرج البحث عن الحجية في المبادئ، فلا يكون البحث عن حجية ظواهر الكتاب، و الإجماع، و العقل، و خبر الواحد بحثا عن عوارض الأدلة الأربعة، مع إنها من أهم المسائل الأصولية. و هذا الإشكال مختصّ بقول المشهور و منهم صاحب «القوانين» و لهذا عدل صاحب‏

____________

(*) قوانين الأصول، ج 1، ص 9، س 23.

(**) الفصول الغروية، ص 11، س 24.

21

كان المراد بالسنة منها (1) هو نفس قول المعصوم أو فعله أو تقريره، كما هو المصطلح فيها، لوضوح: عدم البحث في كثير من مباحثها المهمة كعمدة مباحث التعادل و الترجيح (2)، بل و مسألة حجية خبر الواحد لا عنها (3) و لا عن سائر الأدلة.

____________

«الفصول» عنه فجعل موضوع علم الأصول الأدلة الأربعة بما هي هي؛ حيث زعم أنّ البحث عن الدليلية و الحجية حينئذ بحث عن عوارضها الذاتية فيندرج في عوارض الأدلة لا في المبادئ. و هذا القول و إن كان سالما عن الإشكال السابق، و لكن يرد عليهما معا ما ذكره المصنف «(قدس سره)» بقوله: «ضرورة: أن البحث في غير واحد من مسائله المهمة ليس من عوارضها». فهذا يمنع من أن تكون الأدلة الأربعة موضوعا لعلم الأصول، لا بما هي أدلة و لا بما هي هي.

(1) أي: من الأدلة. و خلاصة الكلام: أنّه بعد القول بأنّ موضوع علم الأصول هو الكلي المنطبق على موضوعات مسائله، و أنّه ليس خصوص الأدلة الأربعة، أخذ في بيان دليل ذلك، و قد أشار بقوله: «ضرورة أنّ البحث ...» إلخ إلى دليل بطلان ما هو المشهور، و ما هو صريح «الفصول»، فقوله: «ضرورة أنّ البحث ...» إلخ تعليل لبطلان القولين، و توضيح ذلك يتوقف على مقدمة: و هي أنّ المراد بالسنة التي هي من الأدلة الأربعة: إمّا ما هو المصطلح فيها أعني: نفس قول المعصوم، أو فعله، أو تقريره. أو ما هو أعم منها و من الطريق الحاكي عنها كالخبر و غيره.

إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم: أنّه يرد الإشكال على كلا التقديرين، أمّا على التقدير الأوّل: فلأنّ مسألة حجيّة خبر الواحد و نحوها و جملة من مسائل باب التعارض ليس البحث فيها عن عوارض الأدلة الأربعة لا بما هي أدلة، و لا بما هي هي، بل البحث فيها إنّما هو عن عوارض الخبر الحاكي عن السنة، و هو ليس من الأدلة الأربعة، كما هو واضح. و أمّا على التقدير الثاني أعني: كون السنة أعم من الحاكي و المحكي فسيأتي ما فيه فانتظر.

(2) لعل وجه التعبير بعمدة مباحث التعادل و الترجيح لأجل أنّ عمدة مسائلها يكون البحث فيها عن تعارض الخبرين و هما ليسا من السنة، و لكن قد يكون البحث في الباب المذكور عن تعارض نفس السنتين لا عن تعارض حاكيهما. و من البديهي: أنّ البحث عن تعارض السنتين كالبحث عن تعارض الآيتين بحث في الحقيقة عن عوارض الكتاب و السنة، و لذا قال: «كعمدة مباحث التعادل و الترجيح».

(3) أي: لا عن السنة. و معنى العبارة: أنّه يخرج كثير من مباحث السنة كعمدة مباحث التعادل و الترجيح، بل تخرج أيضا مسألة حجية خبر الواحد عن الأصول لأنّ‏

22

و رجوع البحث فيهما (1)- في الحقيقة- إلى البحث عن ثبوت السنة بخبر الواحد في مسألة حجية الخبر- كما أفيد- و بأيّ الخبرين في باب التعارض، فإنّه أيضا بحث في الحقيقة عن حجية الخبر في هذا الحال (2) غير مفيد (3)، فإن البحث عن ثبوت‏

____________

البحث في هذه المباحث ليس من السنة، و لا عن سائر الأدلّة. و أمّا عدم كونه عنها فواضح إذ قد عرفت: أنّ البحث في باب التعارض و مسألة حجية خبر الواحد إنّما هو عن حاكي السنة لا عنها.

و ليس البحث عن سائر الأدلة، بل لو كان عن أحوال الأدلة الأربعة لكان عن أحوال السنة لا عن سائر الأدلة.

(1) أي: رجوع البحث في باب التعادل و الترجيح و مسألة حجية خبر الواحد إلى البحث عن أحوال السنة و عوارضها الذاتية غير مفيد.

و خلاصة الكلام: أن مرادهم من السنة هو نفس قول المعصوم و فعله و تقريره فلا يكون البحث عن حجية خبر الواحد بحثا عن عوارض السنة، كما عرفت.

و لكن الشيخ الأنصاري حاول أن يرجع البحث عن حجية خبر الواحد إلى البحث عن أحوال السنة. و محصل ما أفاده الشيخ «(قدس سره)»: أنّه يرجع البحث عن حجية خبر الواحد و حجية أحد الخبرين المتعارضين إلى البحث عن عوارض السنة، لأنّه في الحقيقة بحث عن ثبوت السنة الواقعية بهما كثبوتها بالخبر المتواتر.

(2) أي: في حال التعارض أي: على كل حال: أنّ ما أفاده الشيخ «(قدس سره)» أيضا في الحقيقة بحث عن حجية الخبر، و ليس له دخل في السنة أصلا.

(3) خبر لقوله: «و رجوع البحث» أي: رجوع البحث إلى البحث عن ثبوت السنة غير مفيد في دفع الإشكال، و وجه عدم الفائدة يتوقف على مقدمة و هي: أن البحث عن ثبوت الموضوع أعني: السنة تارة هو بما هو مفاد كان التامة مثل كان زيد أي: وجد، و هو موجود، و كانت السنة أي: السنة موجودة. و أخرى: يكون البحث عن ثبوت الموضوع بما هو مفاد كان الناقصة مثل: كان زيد قائما، و كانت السنة معتبرة، أو السنة معتبرة.

إذا عرفت هذه المقدمة فنقول: إنّ البحث عن ثبوت الموضوع مطلقا ليس بحثا عن عوارض السنة، بل إمّا بحث عن وجود الموضوع و هو ما إذا كان المراد مفاد كان التامة، لأنّ العوارض مفاد كان الناقصة مثل كانت السنة حجة.

أو بحث عن عوارض الخبر لا السنة و هو: ما إذا كان المراد بالثبوت مفاد كان الناقصة.

23

الموضوع، و ما هو مفاد كان التامة، ليس بحثا عن عوارضه (1) فإنّها (2) مفاد كان الناقصة.

لا يقال: هذا (3) في الثبوت الواقعي، و أمّا الثبوت التعبدي- كما هو المهم في هذه المباحث- فهو (4) في الحقيقة يكون مفاد كان الناقصة.

فإنّه يقال (5): نعم؛، لكنه مما لا يعرض السنة، بل الخبر الحاكي لها، فإنّ الثبوت‏

____________

فمعنى العبارة على الأول: أنّ السنة تثبت بخبر الواحد، كما تثبت بالخبر المتواتر، و على الثاني: أنّ خبر الواحد يثبت به ما بحكم السنة في وجوب العمل، و كيف كان؛ فلا يكون البحث عن ثبوت السنة بخبر الواحد بحثا عن عوارض السنة كما عرفت.

(1) أي: عوارض الموضوع و هو السنة.

(2) أي: العوارض مفاد كان الناقصة و ثبوت السنة بخبر الواحد مفاد كان التامة، فلا يكون البحث عن الثبوت بحثا عن العوارض، بل يكون من المبادئ.

نعم؛ لو كان المراد بالسنة أعم من الحاكي و المحكي كان البحث عن أحوال الخبر بحثا عن عوارض السنة، إلّا إنّ هناك مسائل ليس البحث عنها بحثا عن أحوال الأدلة الأربعة، كمباحث الألفاظ فإنّها لا تختص بألفاظ الكتاب و السنة، و كمبحث الشهرة فإنّه ليس بحثا عن الأدلة الأربعة.

(3) أي: رجوع البحث عن ثبوت السنة بخبر الواحد إلى البحث عن وجود الموضوع، فيكون من المبادئ لا من العوارض إنّما هو في الثبوت الواقعي لا في الثبوت التعبدي.

و ملخّص الكلام: أنّ غرض المصنف من قوله: «لا يقال هذا» هو تصحيح لكلام الشيخ الأنصاري بأن يقال: إن الإشكال المذكور أي: رجوع البحث إلى البحث عن المبادئ إنّما يرد عليه فيما إذا كان المراد بالثبوت الثبوت الواقعي التكويني و هو مفاد كان التامة، فيكون البحث من المبادئ. و أمّا إذا كان المراد بالثبوت الثبوت التعبدي الذي مرجعه إلى حكم الشارع بالحجية و العمل بالخبر تعبدا؛ فيندرج هذا البحث في العوارض، لكونه مفاد كان الناقصة، و يخرج عن المبادئ.

(4) أي: الثبوت التعبدي في الحقيقة داخل في البحث عن عوارض الموضوع.

و بعبارة أخرى: أنّ البحث عن ثبوت السنة تعبدا بالخبر داخل في العوارض، فيخرج بحث حجية الخبر عن المبادئ، و يندرج في المسائل.

(5) أي: يقال في الجواب عن تصحيح كلام الشيخ «(قدس سره)»: إنّ الثبوت‏

24

التعبدي (1) يرجع إلى وجوب العمل على طبق الخبر كالسنة المحكية به، و هذا من عوارضه لا عن عوارضها، كما لا يخفى.

و بالجملة (2): الثبوت الواقعي ليس من العوارض، و التعبديّ و إن كان منها؛ إلّا إنّه ليس للسنة، بل للخبر، فتأمل جيدا.

و أمّا إذا كان المراد (3) من السنة ما يعم حكايتها، فلأنّ البحث في تلك (4)

____________

التعبدي و إن كان مفاد كان الناقصة فيكون من العوارض، إلّا إنّه من عوارض الخبر الحاكي للسنة لا من عوارضها. و المفيد في دفع الإشكال: أن يكون الثبوت التعبدي من عوارض السنة لا من عوارض حاكيها، فلا يندفع الإشكال بارادة الثبوت التعبدي.

(1) أي: فإنّ الثبوت التعبدي الجعلي من قبل الشارع معناه: جعل الحجية و الطريقية للخبر «يرجع إلى وجوب العمل على طبق الخبر». و من المعلوم: أن هذا أي: وجوب العمل على طبق الخبر إنّما هو من عوارض الخبر، و لا ربط له بالسنة، فلا يكون من عوارض السنة، كما أشار إليه بقوله: «لا عن عوارضها» فالبحث عن هذا الوجوب لا يكون من مسائل الأصول، لأنّ الخبر الحاكي للسنة ليس من الأدلة الأربعة كي يكون البحث عن عوارضه من المسائل الأصولية.

(2) أي: خلاصة الكلام: إنّ الثبوت إن كان واقعيا فليس من العوارض للسنة، بل من المبادئ. و ان كان تعبديا فهو و إن كان من العوارض، إلّا إنّه من عوارض الخبر لا السنة التي هي من الأدلة الأربعة. و قيل في الفرق بين لفظة بالجملة و في الجملة: إنّ الأولى يراد منها خلاصة ما تقدم، و الثانية يراد منها إتيان مطلب جديد و قيل: إن مفاد الأولى: موجبة كلية، و مفاد الثانية: موجبة جزئية.

[المراد بالسنة ما يعم حكايتها]

(3) أي: هذا هو الاحتمال الثاني فيما هو المراد من السنة.

و خلاصة الكلام: أنّه إذا كان المراد من السنة ما يعم حكاية السنة- يعني: أعم من القول و الفعل و التقرير و الخبر الحاكي، فهذا و إن كان موجبا لدخول مسألة حجية خبر الواحد و أحد الخبرين المتعارضين في مسائل علم الأصول؛ و لكنه أيضا غير مقبول، و ذلك لأنّ البحث في التعادل و الترجيح و خبر الواحد، و إن كان عن أحوال السنة بهذا المعنى، إلّا إنّ البحث في غير واحد من مسائل الأصول- كمباحث الألفاظ- مثل العام و الخاص، و الملازمة بين وجوب المقدمة و وجوب ذيها و الشهرة و الأصول العملية- لا يخص الأدلة الأربعة؛ بل يعم غير الأدلة الأربعة فإنّ مباحث الألفاظ لا تختص بألفاظ الكتاب و السنة.

(4) أي: في مباحث حجية خبر الواحد و باب التعارض «و إن كان عن أحوال السنة

25

المباحث، و إن كان عن أحوال السنة بهذا المعنى، إلّا إنّ البحث في غير واحد من مسائلها (1)، كمباحث الألفاظ، و جملة من غيرها، لا يخص الأدلة، بل يعم غيرها (2)، و إن كان المهم معرفة أحوال خصوصها (3)، كما لا يخفى. و يؤيد ذلك (4):

تعريف الأصول، بأنّه «العلم بالقواعد الممهدة لاستنباط الأحكام الشرعية».

و إن كان الأولى (5) تعريفه بأنه: «صناعة يعرف بها القواعد التي يمكن أن تقع في‏

____________

بهذا المعنى» أي: السنة بمعنى: الأعمّ من الحاكي و المحكي، فيرتفع إشكال خروج المسألتين عن مسائل علم الأصول.

(1) أي: مسائل السنة.

(2) أي: غير الأدلة الأربعة، لأن البحث عن ظهور الأمر في الوجوب مثلا لا يخص بالأمر الوارد في الكتاب أو السنة فيخرج عن مسائل علم الأصول؛ لأنه ليس بحثا عن خصوص الأدلة الأربعة.

(3) أي: خصوص الأدلة الأربعة كي يكون البحث عن أحوالها بحثا عن عوارضها الذاتية، و كيف كان؛ فقد ثبت مما ذكر: أن الحق هو ما ذهب إليه المصنف من أن موضوع علم الأصول هو الكلي المنطبق على موضوعات مسائله المتشتتة، فلا يرد عليه شي‏ء مما تقدم وروده على القول بحصر الموضوع في الأربعة.

(4) أي: يؤيد كون موضوع علم الأصول هو الكلي المنطبق على موضوعات مسائله المتشتتة لا خصوص الأدلة الأربعة أي: يؤيد ذلك تعريف- القوم المشهور على ألسنتهم- الأصول بأنه «العلم بالقواعد ...» إلخ.

وجه التأييد: أنّ مقتضى صيغة الجمع المعرف باللام- أعني: القواعد- هو العموم، إذن: فكل مسألة تقع في طريق الاستنباط هي من مسائل الأصول؛ سواء كانت من الأدلة الأربعة أم لم تكن.

فلو كان موضوع الأصول هي الأدلة الأربعة؛ لكان الأنسب في تعريف الأصول أن يقال: «بأنّه علم بالمسائل التي يبحث فيها عن أحوال الكتاب و السنة و الإجماع و العقل» فإن قيل: لما ذا جعل مؤيدا و لم يجعل دليلا؟

فإنّه يقال: إنّ هذا التعريف هو من القائلين بكون الموضوع هي الأدلة الأربعة فيمكن أن يكون اللام في القواعد للعهد، فيكون إشارة إلى الأدلة الأربعة. و لعله نظرا إلى هذا الاحتمال قال: «و يؤيد ذلك»، و لم يقل و يدل على ذلك.

[تعريف علم الأصول عند المصنف‏]

(5) أي: كان الأولى للأصوليين أن يعرفوا علم الأصول بأنه «صناعة» أي: فن كفنّ الصياغة و النجارة و غيرهما من الفنون.

26

و خلاصة الكلام: أن تعريف المصنف أولى من تعريف المشهور لوجهين:

الأول: تبديل لفظة العلم بالصناعة.

الثاني: أنه مشتمل على قوله: «أو التي ينتهي إليها في مقام العمل».

و أمّا وجه أولوية تبديل لفظة العلم بالصناعة فلأمرين:

الأول: أن علم الأصول كما سبق عبارة عن نفس المسائل و القواعد لا العلم بها.

الثاني: أنّ العلم هو إدراك فقط، و الإدراك وحده من دون التطبيق العملي لا يكفي لاستنباط الحكم الشرعي.

هذا بخلاف الصناعة فهي إدراك مع العمل على طبق ذلك الإدراك.

و أمّا وجه أولوية تعريف المصنف لاشتماله على الزيادة. فلانّ تعريف المشهور لا يشمل الأصول العملية، و لا الظن الانسدادي على الحكومة. و توضيح خروج الأصول العملية عن تعريف المشهور يتوقف على مقدمة و هي: أنّ الأصول العملية تنقسم إلى العقلية و الشرعية. و العقلية على أقسام و هي: 1- البراءة. 2- الاحتياط. 3- التخيير.

ثم العقلية بأقسامها ليست ممّا يستنبط بها الأحكام الشرعية، بل هي إمّا مجرد تنجيز في مقام العمل كالاحتياط أي: حكم العقل بوجوب دفع العقاب المحتمل، أو تعذير في مقام العمل كحكمه بقبح العقاب بلا بيان في البراءة العقلية و حكمه بالتخيير في الدوران بين المحذورين. و أمّا الأصول الشرعية فهي وظائف ظاهرية للمكلف الشاك في مقام العمل و ليست مما يستنبط بها الأحكام الشرعية.

إذا عرفت هذه المقدمة فيتضح لك خروج الأصول العملية عن تعريف المشهور، و دخولها في قول المصنف أعني: «أو التي ينتهي إليها في مقام العمل»، فيكون تعريف المصنف جامعا.

و أمّا خروج الظن المطلق على الحكومة: فلأنّه لو تمت مقدمات الانسداد يحكم العقل بمتابعة مطلق الظن كان شأنه كالعلم مجرد التنجيز و التعذير لا الاستنباط، هذا بخلاف القول بكشف مقدمات الانسداد عن حكم الشارع بحجيّة مطلق الظن؛ إذ حينئذ يستنبط به الحكم الشرعي. فلا يلزم خروجه عن تعريف المشهور.

فإن قلت: لما ذا قال المصنف: إنّ الأولى هو تعريفه، مع إنّ تعريف المشهور غير صحيح أصلا.

قلت: إنّ الأولوية يمكن أن تكون تعينية كالأولوية في قوله تعالى: أُولُوا الْأَرْحامِ‏

27

طريق استنباط الأحكام، أو التي ينتهي إليها في مقام العمل»؛ بناء (1) على أنّ مسألة حجية الظن على الحكومة، و مسائل الأصول العملية في الشبهات الحكمية (2) من الأصول كما هو كذلك (3)، ضرورة: إنّه لا وجه لالتزام الاستطراد في هذه المهمّات.

____________

بَعْضُهُمْ أَوْلى‏ الأنفال: 57، و الأحزاب: 60، فيجب حينئذ عدول المصنف عن تعريف المشهور إلى ما هو مذكور فلا مجال للسؤال و الإشكال.

و يمكن أن تكون الأولوية ترجيحية فيكون تعريف المشهور صحيحا؛ لكن الأرجح ما ذكره المصنف.

و قد تقدم وجه الاحتمال الأول أي: وجه بطلان تعريف المشهور. و أمّا وجه الاحتمال الثاني: فلأنّ التعاريف عنده تعاريف لفظية لا حقيقية، فلا يجب أن يكون جامعا و مانعا.

(1) أي: بناء على القول- بأنّ مسألة حجية الظن على الحكومة، و مسائل الأصول العملية في الشبهات الحكمية من الأصول- كما هو الحق؛ يلزم خروج المسألتين من الأصول على تعريف المشهور كما عرفت. و أما بناء على القول بأنّهما ليستا من المسائل الأصولية فلا إشكال في خروجهما عن التعريف.

(2) وجه التقييد بالحكمية: لأجل أنّ الأصل الجاري في الشبهة الموضوعية مثل أصالة الحل في المائع المحتمل كونه خمرا مسألة فقهية. هذا بخلاف الأصل الجاري في الشبهة الحكمية، كأصالة البراءة في الشك في حرمة شرب التبغ فإنّها مسألة أصولية.

(3) أي: الحق أنّ مسألة حجية الظن، و مسائل الأصول العملية من المسائل الأصولية؛ إذ لو لم تكن منها لكان ذكرها في الأصول من باب الاستطراد، و ليس هناك دليل على ذلك.

رأي المصنف يتلخص فيما يلي:

1- العرض الذاتي ما ليس بواسطة في العروض.

2- موضوع كل علم هو: نفس موضوعات مسائل ذلك العلم.

3- و المسائل هي: قضايا متشتتة لا المحمولات المنتسبة إلى موضوعاتها.

4- تمايز العلوم بالأغراض لا بالموضوعات.

5- موضوع علم الأصول هو: الكلي المتحد مع موضوعات المسائل من دون أن يكون له عنوان خاص و اسم مخصوص؛ لا خصوص الأدلة الأربعة.

28

الأمر الثاني [مبحث الوضع‏]

الوضع هو نحو اختصاص (1) للفظ بالمعنى، و ارتباط خاص بينهما ناش من تخصيصه به تارة، و من كثرة استعماله فيه أخرى، و بهذا المعنى صح تقسيمه إلى التعييني و التعيّني، كما لا يخفى. ثم إنّ الملحوظ حال الوضع (2): إمّا يكون معنى عاما، فيوضع اللفظ له تارة، و لأفراده و مصاديقه أخرى.

____________

مبحث الوضع‏

[تعريف الوضع‏]

(1) هذا التعريف للوضع تعريف بما هو لازم معناه، و ليس تعريفا لحقيقة الوضع، لأنّه بمعناه المصدري عبارة عن تخصيص اللفظ بالمعنى إمّا بالإنشاء مثل أن يقول: وضعت هذا اللفظ لهذا المعنى، أو بالتعهد بأن يقول: متى أردت تفهيم هذا المعنى استعمل هذا اللفظ فيكون الوضع عندئذ من صفات الواضع. و ما ذكره المصنف هو الوضع بمعناه الاسم المصدري، فيكون من صفات اللفظ، و هو لازم الوضع بمعناه المصدري؛ فإن اختصاص اللفظ بالمعنى يشمل ما إذا حصل الاختصاص المذكور بالإنشاء، أو التعهد أو كثرة الاستعمال.

و لعل الوجه في تعريف الوضع بلازم معناه المصدري هو ما أشار إليه بقوله: «و بهذا المعنى صح تقسيمه إلى التعييني و التعيّني»، فإنّ الوضع بمعنى: اختصاص اللفظ بالمعنى قابل للتقسيم إليهما. أو كان الوجه فيه خوف الطعن، لأنّ تعريف الوضع بالمعنى المذكور يتناسب مع جميع الاحتمالات، و الأقوال في دلالة اللفظ على المعنى بأنّها ذاتية أو وضعية، و على الثاني: هل الواضع هو الله أو الإنسان؟

و كيف كان؛ فقد وقع الخلاف في حقيقة الوضع المتحقق بين اللفظ و المعنى بأنّه تخصيص أو تعهد من الواضع أو غيرهما. و لكن تركنا تفصيل الكلام في المقام خوفا من لزوم التطويل.

(2) أي: الوضع باعتبار تصور الموضوع له على أربعة أقسام.

و توضيح ذلك يتوقف على مقدمة و هي: أنّ الوضع هو: الربط بين اللفظ الموضوع و المعنى الموضوع له فلا بد للواضع أن يلاحظ اللفظ و المعنى، ثم المعنى المتصور حال الوضع إمّا كلي و عام، أو جزئي و خاص، و على كلا التقديرين: اللفظ إما يوضع للعام أو الخاص، فهذه أقسام أربعة. ثم هذه الأقسام تختلف؛ منها: ما لا خلاف في إمكانه و وقوعه و منها: ما لا خلاف في إمكانه، و إنّما الخلاف في وقوعه، ثم في مصداقه.

و منها: ما وقع الخلاف في إمكانه، و المشهور عدم إمكانه و هو رأي المصنف.

29

و إمّا يكون معنى خاصا، لا يكاد يصح إلّا وضع اللفظ له دون العام (1)، فتكون‏

____________

إذا عرفت هذه المقدمة فنقول: إنّ المعنى المتصور حال الوضع إذا كان عاما و كليا فاللفظ إمّا يوضع له أو لمصاديقه، و على الأول: يسمى الوضع عاما، و الموضوع له عاما، و على الثاني: يسمى الوضع عاما، و الموضوع له خاصا. و أمّا لو كان المعنى المتصور خاصا فاللفظ إمّا يوضع لذلك المعنى الخاص أو للعام، فعلى الأول: يكون الوضع خاصا و الموضوع له خاصا.

و على الثاني: الوضع خاص و الموضوع له عام. و لكن هذا الأخير غير ممكن، لأنّ الخاص بما هو خاص لا يكون وجها للعام و لا آلة للحاظه، فإنّ الخاص مع تشخصه يباين العام مع كليته، و المباين لا يكون وجها للمباين، فلهذا يقال في علم المنطق: إنّ الجزئي لا يكون كاسبا و لا مكتسبا، فالخاص لا يكون وجها للعام و لا لسائر الأفراد. هذا بخلاف الوضع العام و الموضوع له الخاص، فإنّ العام يصلح أن يكون آلة للحاظ أفراده مثل:

«حيوان ناطق»؛ فإنّه مرآة لزيد و عمرو و أحمد و هو من وجوه أفراده، و معرفة وجه الشي‏ء معرفة الشي‏ء و لو بوجه هذا في مقام الثبوت. و أمّا في مقام الإثبات فسيأتي تفصيل ذلك في كلام المصنف. و من يريد أن يعرف أمثلة الأقسام مع حكمها من حيث الصحة و البطلان، و وجه الصحة أو البطلان؛ فعليه بالجدول التالي:

الوضع/ الأمثلة/ الحكم/ وجه الصحة و البطلان‏

الأول: الوضع عام و الموضوع له كذلك/ كوضع أسماء الأجناس/ صحيح عند الجميع/ لإمكان جعل العام آلة لتصور المعنى العام‏

الثاني: الوضع خاص و الموضوع له كذلك/ كوضع الأعلام/ صحيح عند الجميع/ لإمكان جعل الخاص آلة لتصور الخاص‏

الثالث: الوضع عام و الموضوع له خاص/ كوضع الحروف و أسماء الاشارة على مذهب غير المصنف/ صحيح عند غير المصنف/ لأنّ العام وجه من وجوه الخاص‏

الرابع: الوضع خاص و الموضوع له عام/ لا مثال له لعدم إمكانه عند المشهور و عدم وقوعه عند الجميع/ باطل عند الجميع/ لعدم إمكانه‏

(1) أي: الوضع الخاص و الموضوع له العام؛ بمعنى: أنّ الواضع يلاحظ معنى خاصا، و يجعل و يضع اللفظ للمعنى العام المنطبق عليه. و قد وقع الخلاف في إمكان هذا القسم.

30

الأقسام ثلاثة (1)، و ذلك (2) لأن العام يصلح لأن يكون آلة للحاظ أفراده و مصاديقه بما هو كذلك فإنّه من وجوهها، و معرفة وجه الشي‏ء معرفته بوجه.

____________

و المصنف يقول بعدم إمكانه، لأنّ الجزئي لا يكون مرآة للكلي و لا لجزئي آخر.

[أقسام الوضع‏]

(1) أي: 1- الوضع العام و الموضوع له عام. 2- الوضع العام و الموضوع له خاص.

3- الوضع الخاص و الموضوع له خاص.

فالأول: أن يلحظ معنى عاما و يوضع اللفظ لذلك المعنى العام.

الثاني: أن يلحظ معنى عاما و يوضع اللفظ لمصاديقه و أفراده الجزئية.

الثالث: أن يلحظ معنى خاصا و يوضع اللفظ لذلك المعنى الخاص.

(2) أي: الفرق بين ما تقدم من الوضع الخاص و الموضوع له العام، و بين الوضع العام و الموضوع له الخاص قال المصنف «(قدس سره)» في الفرق بينهما: «لأنّ العام يصلح لأن يكون آلة للحاظ أفراده و مصاديقه بما هو كذلك أي: «بما هو عام»، فإنّه من وجوهها، و معرفة وجه الشي‏ء معرفته بوجه، بخلاف الخاص، فإنّه بما هو خاص لا يكون وجها للعام، و لا لسائر الأفراد، فلا يكون معرفته و تصوّره معرفة له، و لا لها- أصلا- و لو بوجه».

توضيح ذلك يتوقف على مقدمة: و هي أنّ الوضع- سواء كان بمعنى تخصيص اللفظ بالمعنى أو بمعنى: اعتبار كون اللفظ وجودا تنزيليا للمعنى، أو بمعنى: التعهد- يكون فعلا اختياريا فيتوقف تحققه على تصور اللفظ و المعنى، فلا بد من تصور ما يوضع له اللفظ قبل الوضع و لو إجمالا، و إلّا لا يعقل الوضع.

إذا عرفت هذه المقدمة فنقول في توضيح ما ذكره المصنف «(قدس سره)» من الفرق:

إنّه يمكن تصور المعنى الخاص بتصور المعنى العام بأن يلاحظ الواضع المعنى العام، و يجعله آلة للحاظ أفراده ثم يضع اللفظ للأفراد. هذا في الوضع العام و الموضوع له الخاص.

بخلاف الخاص في الوضع الخاص، و الموضوع له العام؛ فإن الخاص بما هو خاص لا يكون وجها و عنوانا للعام ليكون تصوره تصورا له بوجه، لأنّ الخاص بما هو خاص متخصص بخصوصية مقومة للخاص، و هذه الخصوصية تنافي العموم؛ لأنّه لا يتحصل إلّا بإلغاء الخصوصية، فكيف يعقل تصور العام بتصور الخاص؟! و بدون التصور لا يتحقق الوضع.

فخلاصة الفرق: أنّه يمكن تصور المعنى الخاص بتصور المعنى العام في الوضع العام و الموضوع له الخاص، و لا يمكن تصور العام بتصور المعنى الخاص في الوضع الخاص و الموضوع له العام، فهو غير ممكن.

31

بخلاف الخاص، فإنّه بما هو خاص، لا يكون وجها للعام، و لا لسائر الأفراد، فلا يكون معرفته و تصوره معرفة له (1)، و لا لها- أصلا- و لو بوجه. نعم؛ (2) ربما يوجب تصوره تصور العام بنفسه، فيوضع له اللفظ فيكون الوضع عاما، كما كان الموضوع له عاما.

و هذا (3) بخلاف ما في الوضع العام و الموضوع له الخاص، فإن الموضوع له- و هي الأفراد- لا يكون متصورا إلّا بوجهه و عنوانه، و هو العام.

____________

و من هنا يظهر عدم الإشكال في القسمين الأخيرين من الأقسام الأربعة هما: الوضع العام و الموضوع له العام، و الوضع الخاص و الموضوع له الخاص.

حيث يلاحظ الواضع فيهما المعنى العام أو الخاص، ثم يضع اللفظ بإزاء ذلك المعنى الملحوظ العام أو الخاص، فيعتبر الارتباط بينهما.

(1) أي: للعام و الضمير في قوله: «لها» يرجع إلى الأفراد. و معنى العبارة: لا يكون معرفة الخاص و تصوره معرفة للعام و لا لسائر الأفراد.

(2) هذا الكلام من المصنف لدفع ما يتوهم من إمكان الوضع الخاص و الموضوع له العام، و المتوهم هو صاحب البدائع، فلا بد أولا: من توضيح ما يتوهم، و ثانيا: من توضيح الرد عليه.

و أمّا توضيح التوهم فحاصله: أنّه ربما يكون تصور الخاص موجبا لتصور العام، لأن الخاص كالإنسان مثلا يتضمن العام كالحيوان، فللواضع أن يتصور العام في ضمن الخاص، ثم يضع اللفظ له. فهذا القسم بمكان من الإمكان.

و أمّا توضيح الجواب: فلأن هذا حينئذ يدخل في الوضع العام و الموضوع له العام و هو القسم الأوّل، فلا يكون قسما رابعا.

و بعبارة أخرى: فحاصل كلام المصنف: أنّه إذا تصور الواضع العام بتصور الخاص لأصبح الوضع عاما كالموضوع له، لأنّ تسمية الوضع بالعام و الخاص تابعة لتصور المعنى، فإذا كان المتصور معنى عاما، يسمى الوضع عاما، و إذا كان خاصا، يسمى خاصا، و المفروض في المقام أن المتصوّر هو المعنى العام. غاية الأمر: يكون تصوره بتصور الخاص، فيكون الوضع عاما لا محالة، كما يكون الموضوع له عاما فلا يكون قسما آخر، بل يرجع إلى القسم الأول.

(3) قوله: «و هذا ..» إلخ دفع لتوهم عدم الفرق بين هذا و بين الوضع العام و الموضوع له الخاص.

32

و فرق واضح بين تصور الشي‏ء بوجهه (1) و تصوره بنفسه (2)، و لو كان بسبب تصور أمر آخر (3). و لعل خفاء ذلك (4) على بعض الأعلام و عدم تميزه بينهما كان موجبا لتوهم إمكان ثبوت قسم رابع، و هو: أن يكون الوضع خاصا، مع كون الموضوع له عاما، مع أنّه واضح لمن كان له أدنى تأمل.

ثم إنّه لا ريب (5) في ثبوت الوضع الخاص و الموضوع له الخاص كوضع الأعلام،

____________

و ملخص الكلام في توضيح التوهم: أنّه إذا رجع القسم الرابع- أعني: الوضع الخاص و الموضوع له العام- إلى القسم الأول- أي: الوضع العام و الموضوع له العام- ليرجع القسم الثاني- و هو: الوضع العام و الموضوع له الخاص- إلى القسم الثالث و هو الوضع الخاص و الموضوع له الخاص، لأنّ التسمية كما ذكر تابعة للتصور، ففي القسم الثالث لا بد للواضع أن يتصور المعنى الخاص أي: الأفراد و لو بسبب تصور العام فيكون الوضع خاصا لتصور الخاص، كما أن الموضوع له خاص على الفرض.

فأقسام الوضع ترجع إلى قسمين: 1- الوضع العام و الموضوع له العام. 2- الوضع الخاص و الموضوع له الخاص هذا خلاصة التوهم.

و قد دفعه المصنف بقوله: «و هذا بخلاف ما في الوضع العام و الموضوع له الخاص فإن الموضوع له- و هي الأفراد- لا يكون متصورا إلّا بوجهه و عنوانه و هو العام».

و حاصل ما ذكره المصنف من الفرق بين القسمين: أنّ تصور العام في القسم الرابع في ضمن تصور الخاص يوجب خروج الخاص عن كونه خاصا، لأنّ العام بما هو العام لا يمكن تصوره بالخاص بما هو الخاص، فلا بد من تصوره بعنوان كلي، فيصبح من قبيل الوضع العام هذا بخلاف القسم الثاني، لأنّ تصور الأفراد و المصاديق في ضمن تصور العام لا يوجب خروج العام عن كونه عاما، لأنّ العام عنوان و وجه لجميع الأفراد، فعلى هذا يمكن تصور العام بما هو العام، فيكون الوضع عاما لتصور معنى عام و الموضوع له خاصا.

(1) أي: كما في الوضع العام و الموضوع له الخاص.

(2) أي: كما في الوضع العام، و الموضوع له العام.

(3) أي: الخاص فإن المعنى العام يمكن تصوره بسبب تصور المعنى الخاص.

(4) أي: الفرق بين القسم الثاني و القسم الرابع أي: لخفاء الفرق بينهما على بعض الأعلام كصاحب البدائع الذي التزم بثبوت قسم رابع، مع إن الفرق واضح.

فالمتحصل من جميع ما ذكر: أن الوضع باعتبار الموضوع له على أربعة أقسام تصورا، و ثلاثة أقسام إمكانا. هذا تمام الكلام في مقام الثبوت.

(5) أي: لا ريب في وقوع القسمين من أقسام أربعة؛ و هما: الوضع الخاص‏

33

و كذا الوضع العام و الموضوع له العام كوضع أسماء الأجناس، و أمّا الوضع العام و الموضوع له الخاص: فقد توهم أنّه وضع الحروف و ما ألحق بها من الأسماء (1).

كما توهم (2) أيضا: أنّ المستعمل فيه فيها خاص، مع كون الموضوع له كالوضع عاما.

و التحقيق (3)- حسبما يؤدي إليه النظر الدقيق-: أنّ حال المستعمل فيه و الموضوع له فيها حالهما في الأسماء.

____________

و الموضوع له الخاص، كما في وضع الأعلام، و الوضع العام و الموضوع له العام، كما في وضع أسماء الأجناس، و كذا لا ريب في عدم وقوع الوضع الخاص و الموضوع له العام.

و أمّا الوضع العام و الموضوع له الخاص فقد وقع الخلاف في وقوعه بعد الفراغ عن إمكانه، و المصنف ممن يقول بعدم وقوعه و لذا يقول: «فقد توهم أنه وضع الحروف ...» إلخ.

(1) أي: مثل الضمائر و أسماء الإشارة و الموصولات فقد توهم جماعة أن الوضع في الحروف و ما ألحق بها من الأسماء المذكورة عام و الموضوع له خاص، مثلا: في الضمائر يلاحظ الواضع المعنى الكلي للمفرد المذكر، ثم يضع ذا بإزاء الجزئيات المندرجة تحت ذلك الكلي، فيكون الوضع عاما و الموضوع له خاصا، و مثل ذلك الضمائر و الموصولات.

(2) أي: كما توهم أيضا جماعة آخرون- منهم التفتازاني-: أنّ المستعمل فيه في الحروف و المبهمات خاص، و ذلك لخصوصيّة تنشأ من الاستعمال مع كون الموضوع له كالوضع عاما، مثل: أن يلاحظ الواضع كلي الابتداء، فيضع له لفظة «من». فمن موضوع للابتداء و يطلق على كل ابتداء فحينئذ يكون الموضوع له عاما كنفس الوضع.

و لكن المصنف «(قدس سره)» يردّ كلا التوهمين.

و حاصل التوهمين في وضع الحروف و ما ألحق بها: أنّ الوضع فيها عام و الموضوع له خاص، هذا هو التوهم الأول. أو الوضع و الموضوع له فيها عام و المستعمل فيه خاص، كما في التوهم الثاني. و للمصنف «(قدس سره)» ردّ على كلا التوهمين حيث يقول في وضع الحروف و أمثالها: إنّ حال المستعمل فيه و الموضوع له كحال الوضع كلّها عام كأسماء الأجناس، و سيأتي تحقيق المصنف «(قدس سره)» في وضع الحروف.

التحقيق في وضع الحروف‏

(3) تحقيق ما اختاره المصنف «(قدس سره)» في وضع الحروف يتوقف على مقدمة و هي: التحقيق في المعاني الحرفية ببيان الأقوال فيها:

34

القول الأول: أنّ الحروف لها معان في قبال المعاني الاسميّة؛ بمعنى: أنّ معانيها معان غير مستقلة بخلاف المعاني الاسمية فإنّها معان مستقلة.

القول الثاني: أنّ الحروف لم توضع لمعنى أصلا، بل حالها حال علامات الإعراب فوضعت لأن تكون قرينة على كيفيّة إرادة مدخولها؛ مثلا: وضعت لفظة «في» في قولنا زيد في الدار لأن تكون قرينة على ملاحظة الدار؛ لا بما هو موجود عيني خارجي، بل بما هي موجود أيني و ظرف مكان لزيد مثلا، لأنّ الدار تارة تلاحظ بما أنّ لها وجود عيني خارجي فيقال: دار زيد كذا. و أخرى: بما أنّ لها وجود أيني أي: ظرف مكان لشي‏ء آخر فيقال: زيد في الدار، فكلمة «في» في قولنا زيد في الدار وضعت لتدل على أنّ الدار لوحظت بنحو الأينيّة لا العينية. و هذا القول منسوب إلى نجم الأئمة المحقق الرضي فقال: إنّ الحروف لا معاني لها، بل هي علامات لخصوصية المعاني الموجودة في مدخولاتها.

القول الثالث: أنّ الحروف وضعت للمعاني الكلية، كأسماء الأجناس، فلا فرق بين معاني الحروف و الأسماء في عالم المفهومية، كما لا فرق بينهما من حيث الوضع و الموضوع له و المستعمل فيه، و أنّ الكل فيها عامّ؛ و إنّما الفرق بينهما يكون فيما هو خارج عن حريم المعنى و هو: الاستقلالية في الأسماء، و الآلية في الحروف، و هما من قيود الوضع و مميزاته- على ما سيأتي توضيحه- من دون أن تكونا دخيلتين في الموضوع له، فالمعنى في حدّ ذاته لا يتصف بالاستقلال و لا بعدمه، و إنّما نشأ كل منهما من اشتراط الواضع و هما من توابع الاستعمال و شئونه. هذا ما اختاره المصنف «(قدس سره)»، و قد صرّح به بقوله: «و التحقيق ...» إلخ.

إذا عرفت هذه المقدمة فنقول: إنّ في وضع الحروف و الأسماء المرادفة كلفظي «من و ابتداء» مثلا أقوال:

القول الأول: ما اشتهر بين المتأخرين من أنّهما مختلفان في جزئية الموضوع له و كليته؛ بمعنى: أنّ الموضوع له في الحروف خاص و جزئي، و في الأسماء عام و كلي حيث لاحظ و تصور الواضع مفهوم الابتداء، و وضع لفظه للمفهوم العام الكلي، و وضع لفظة «من» لمصاديق ذلك المفهوم الكلي، فالوضع فيهما عام و الموضوع له و المستعمل فيه في الاسم عام، و في الحرف خاص. هذا ما تقدم في كلام المصنف حيث أشار إليه بقوله: «فقد توهم أنّه وضع الحروف».

35

و ذلك (1): لأنّ الخصوصية المتوهمة إن كانت هي الموجبة لكون المعنى المتخصص بها جزئيا خارجيا، فمن الواضح: أنّ كثيرا ما لا يكون المستعمل فيه فيها كذلك، بل كليا.

____________

القول الثاني: الذي أشار إليه بقوله: «كما توهّم أيضا» و هو ما عن بعض المتأخرين من: أنّ الاختلاف بين الحروف و الأسماء إنّما هو في جزئية المستعمل فيه و كليّته؛ بعد الالتزام بعمومية الوضع و الموضوع له فيهما. بمعنى: أنّ الوضع و الموضوع له فيهما عام.

و المستعمل فيه في الاسم عام، و في الحرف خاص.

القول الثالث: ما اختاره المصنف «(قدس سره)» من: أنّ الموضوع له و المستعمل فيه كالوضع فيهما عام و الاختلاف بينهما جاء من جهة اشتراط الواضع، بمعنى: أنّ معنى (من و ابتداء) متحد ذاتا و هو مفهوم الابتداء، و مختلف لحاظا، فشرط الواضع أن يستعمل لفظ ابتداء إذا لوحظ المعنى استقلاليا، و يستعمل لفظة من إذا لوحظ آليا و حالة للغير.

(1) ينفي المصنف اشتمال معاني الحروف على خصوصية توجب جزئية الموضوع له، فيكون الموضوع له في الحروف عاما. و قوله: «لأنّ الخصوصية» تعليل لكون الموضوع له في الحروف عاما «إذ ليس هناك ما يوجب جزئية الموضوع له من الخصوصية؛ سواء كانت تلك الخصوصية هي الوجود الخارجي أو الوجود الذهني المعبّر عنه باللحاظ».

أمّا الأول: فلوضوح: أنّه كثيرا ما يستعمل الحرف في معنى كلي؛ كما إذا وقع في حيّز الإنشاء و الحكم نظير «سر من البصرة إلى الكوفة» فإنّه من الواضح تحقق الامتثال في الابتداء بأيّ نقطة من نقاط البصرة، و الانتهاء إلى أيّ نقطة من نقاط الكوفة كوضوح تحققه في السير بأيّ نحو كان مع عدم القرينة على التعيين، و هذا ظاهر في عموم الموضوع له للحرف كالاسم؛ و إلّا لكان تحقق الامتثال متوقفا على ابتداء خاص و هو ما قصده الآمر، و لم يقل به أحد.

و أمّا الثاني- أي: الوجود الذهني المعبر عنه باللحاظ-: فقد نفى المصنف أخذه في الموضوع له بوجوه:

منها: أنّ الاستعمال يستدعي تصور المستعمل فيه، فلو كان اللحاظ الآلي مقوّما للمعنى لزم تعلق اللحاظ بالملحوظ، و هو باطل؛ ضرورة: أنّ الموجود لا يقبل الوجود ثانيا. هذا ما أشار إليه بقوله: «و هو كما ترى».

و منها: أنّ اللحاظ لو كان مقوّما للمعنى لزم عدم صدقه على الخارجيات إلّا بالتجريد؛ لأنّ المقيد بالوجود الذهني لا وجود له إلّا في الذهن و بدون التجريد يمتنع‏

36

و لذا (1) التجأ بعض الفحول إلى جعله جزئيا إضافيا.

____________

الامتثال الخارجي، فلا بد من إلغاء الخصوصية، و هذا يستدعي أن يكون استعمال الحروف بلحاظ الخارج استعمالا مجازيا و هو خلاف الضرورة.

هذا ما أشار إليه بقوله: «فامتنع امتثال مثل «سر من البصرة إلّا بالتجريد ...» إلخ.

و منها: أن اللحاظ الآلي في الحروف كاللحاظ الاستقلالي في الأسماء؛ فكما أنّ لحاظ الاستقلالي لا يوجب جزئية الأسماء فكذلك لحاظ الآلي في الحروف.

فإن قال أحد بعدم أخذ الاستقلالي في معنى الاسم؛ فنقول في الحرف كذلك.

فتلخص مما ذكرناه: أنّ حال المستعمل فيه و الموضوع له في الحروف حالها في الأسماء في العمومية.

و من هنا يظهر بطلان كلا التوهمين أي: توهم خصوصية الموضوع له أو خصوصية المستعمل فيه مع عمومية الموضوع له كالوضع، إذ قد عرفت: أنّ الحق عند المصنف: أنّ معاني الحروف معان كلية وضعت ألفاظها لها، و تستعمل فيها كأسماء الأجناس و الاختلاف بينهما إنّما هو في كيفية الاستعمال: بأنّ الواضع- بعد ما وضع لفظ الابتداء و لفظ «من» لمعنى واحد و هو حقيقة الابتداء- جعل على المستعملين أن لا يستعملوا لفظ الابتداء، إلّا على نحو إرادة المعنى مستقلا، و لفظ «من» إلّا على نحو إرادة المعنى تبعا و حالة للغير.

فليس كون المعنى استقلاليا قيدا لمعنى الاسم، كما إنّه ليس كون المعنى آليا قيدا لمعنى الحرف، فالقول بأنّ للحروف معان في قبال المعاني الاسمية و هو القول الأول باطل.

و كذلك ليس الحرف علامة على خصوصية معنى مدخوله بأن لا يكون له معنى أصلا و هو القول الثاني؛ إذ كون الحرف علامة على خصوصية مدخوله كالإعراب على خلاف ما هو المعروف بين النحاة من انقسام الكلمة إلى اسم و فعل و حرف، فإن لازم عزل الحرف عن المعنى هو انحصار الكلمة في الاسم و الفعل و لم يقل به أحد.

فالمتحصل من عبارة المصنف: أن الأقوال في كيفية وضع الحروف ثلاثة: 1- الوضع العام و الموضوع له الخاص. 2- عموميّة كل من الوضع و الموضوع له، مع خصوصية المستعمل فيه. 3- عمومية الكل و هو مختار المصنف «(قدس سره)»، و قد تركنا ما في المقام من النقض و الابرام رعاية للاختصار.

(1) أي: لما ذكرناه سابقا من عموم الوضع و الموضوع له و المستعمل فيه في الحروف «التجأ بعض الفحول»- أي: صاحب الفصول‏ (*)، أو صاحب حاشية المعالم-: إلى جعل‏

____________

(*) الفصول الغروية، ص 20، س 7.

37

و هو (1) كما ترى.

و إن كانت (2) هي الموجبة لكونه جزئيا ذهنيا، حيث (3) إنّه لا يكاد يكون المعنى حرفيا؛ إلّا إذا لوحظ حالة لمعنى آخر، و من خصوصياته القائمة به، و يكون حاله كحال العرض (4)، فكما لا يكون في الخارج إلّا في الموضوع، كذلك هو (5) لا يكون‏

____________

المعنى الحرفي و ملحقاته جزئيا إضافيا على حد ما في علم الميزان، من: أنّ الجزئي الإضافي ما كان فوقه كليا، و كان له أفراد مثل «الإنسان» فهو بالنسبة إلى أفراده و مصاديقه كلي، و بالنسبة إلى الحيوان جزئي إضافي.

(1) أي: هذا القول كما تراه لا يجديهم نفعا؛ لأنّ الجزئي الإضافي كلي، فلا يكون الموضوع له خاصا؛ فإنّ المراد بالخاص هو الجزئي الحقيقي فيرجع الجزئي الإضافي إلى عمومية الموضوع له و هو المطلوب، لأنّ الجزئي الإضافي- بمعنى: ما هو أخص من شي‏ء- قد يكون كليا كما عرفت.

(2) أي: قوله: «و إن كانت هي الموجبة ...» إلخ عطف على قوله: «إن كانت هي الموجبة لكون المعنى المتخصص بها جزئيا خارجيا».

و حاصل الكلام: أنّ الخصوصية المتوهمة من الجماعة المأخوذة في الموضوع له إمّا هي الموجبة لكون المعنى جزئيا خارجيا، أو هي الموجبة لكونه جزئيا ذهنيا. و كلاهما باطل ففرض الخصوصية الموجبة لجزئية المعنى الموضوع له باطل، و قد تقدم وجه بطلان كلا الاحتمالين.

(3) تعليل للجزئية الذهنية للمعنى الحرفي و حاصله: أنّ الخصوصية موجبة لكون المعنى الحرفي جزئيا ذهنيا، فإنّ المعنى الحرفي يفتقر إلى الغير؛ حيث إن المتكلم حين استعمال لفظ «من» لا بدّ له أن يلاحظ الابتداء في ذهنه حالة للغير، فيكون جزئيا ذهنيا، لأنّ الوجود في الذهن كالوجود في الخارج يستلزم التشخص و إن كان المعنى كليا في نفسه.

(4) أي: يكون حال المعنى الحرفي كحال العرض في القيام بالغير، و الفرق بينهما:

أنّ المعنى الحرفي يفتقر إلى الغير ذهنا و خارجا، و العرض يفتقر إلى الموضوع خارجا لا ذهنا و لذا قيل في تعريفه: العرض ماهية إذا وجدت في الخارج وجدت في الموضوع.

و كيف كان؛ فالمعنى الحرفي و إن صار جزئيا ذهنيا بلحاظ كونه حالة للغير إلّا إنّه لا يصح أخذ اللحاظ الذهني جزءا للمعنى الحرفي؛ لاستلزامه المحاذير التي عرفتها. و ستأتي الإشارة إليها في كلام المصنف «(قدس سره)».

(5) أي: المعنى الحرفي أي: وجه الشبه هو الافتقار إلى الغير، غاية الأمر: العرض‏

38

في الذهن إلّا في مفهوم آخر، و لذا (1) قيل في تعريفه: بأنّه ما دل على معنى في غيره.

فالمعنى (2)، و إن كان لا محالة يصير جزئيا بهذا اللحاظ بحيث يباينه إذا لوحظ ثانيا كما لوحظ أولا، و لو كان اللاحظ واحدا (3) إلّا إنّ هذا اللحاظ (4) لا يكاد يكون مأخوذا في المستعمل فيه، و إلّا (5) فلا بد من لحاظ آخر متعلق بما هو ملحوظ بهذا اللحاظ، بداهة (6): أنّ تصور المستعمل فيه ممّا لا بد منه في استعمال الألفاظ، و هو كما ترى.

مع أنّه (7) يلزم أن لا يصدق على الخارجيات، لامتناع صدق الكلي العقلي‏

____________

يفتقر في وجوده الخارجي إلى الموضوع. و المعنى الحرفي يفتقر إلى الغير مطلقا.

(1) أي: لتوقف تحقق المعنى الحرفي على مفهوم آخر «قيل في تعريفه: بأنّه ما دل على معنى في غيره»، و ظاهر هذا التعريف: أنّ المعنى الحرفي كائن في غيره، كما أنّ العرض قائم بغيره و هو الموضوع.

(2) هذا جواب الشرط في قوله: «و إن كانت الموجبة».

(3) و حاصل الكلام: أنّ المعنى المقيد باللحاظ يصير جزئيا بهذا اللحاظ؛ بحيث يباين المعنى المقيد باللحاظ نفسه إذا لوحظ ثانيا، كما لوحظ أولا، و ذلك لكون الملحوظات الذهنية متباينة، كالجزئيات الخارجية و لو كان اللاحظ واحدا، لأنّ وحدة اللاحظ لا توجب انثلام تعدد المعنى لحاظا. فكلمة لو في قوله:- «و لو كان اللاحظ واحدا»- وصلية.

(4) هذا هو المحذور الأول من المحاذير الثلاثة اللازمة؛ على فرض أخذ اللحاظ في المستعمل فيه.

(5) أي: لو أخذنا اللحاظ في المستعمل فيه فلا بد من لحاظ آخر عند الاستعمال، و لا بد أن يكون اللحاظ الثاني متعلقا بما هو ملحوظ بهذا اللحاظ الأول الذي هو جزء المعنى فيتعدد اللحاظ و هو خلاف الوجدان، كما أشار إليه بقوله: «و هو كما ترى».

(6) أي: تعليل للزوم اللحاظ الثاني المتعلق بما هو الملحوظ باللحاظ الأول. فيلزم تعدد اللحاظ الذي هو خلاف الوجدان و خلاف الذوق السليم.

(7) هذا هو المحذور الثاني أي: لو كان المستعمل فيه لألفاظ الحروف مقيّدا باللحاظ؛ للزم عدم صدق المعنى الحرفي على الخارجيات، لأنّ اللحاظ أمر ذهني، و الذهني لا يوجد في الخارج؛ لامتناع صدق الكلي العقلي على الخارجيات حيث لا موطن له إلّا

39

عليها (1)، حيث لا موطن له إلّا الذهن، فامتنع امتثال مثل «سر من البصرة»، إلّا بالتجريد و إلغاء الخصوصية، هذا مع إنّه (2) ليس لحاظ المعنى حالة لغيره في الحروف إلّا كلحاظه في نفسه في الأسماء، و كما لا يكون هذا اللحاظ معتبرا في المستعمل فيه فيها؛ كذلك ذاك اللحاظ في الحروف، كما لا يخفى. و بالجملة: (3) ليس المعنى في كلمة «من» و لفظ الابتداء- مثلا- إلّا الابتداء؛ فكما لا يعتبر في معناه (4) لحاظه‏

____________

الذهن، و لازم ذلك: امتناع امتثال الأمر في مثل: «سر من البصرة»؛ لأن المأمور به عندئذ مقيد بالقيد الذهني المستحيل إيجاده في الخارج.

(1) أي: على الخارجيات «حيث لا موطن له إلّا الذهن». نعم؛ يمكن الإيجاد الخارجي بطريقة التجريد، و إلغاء الخصوصية الذهنية التي أخذت في المعنى؛ إلّا إن الاستعمال حينئذ يكون استعمالا مجازيا من باب استعمال الكل في الجزء و هو خلاف الضرورة.

(2) هذا هو المحذور الثالث اللازم على القول بأنّ معنى الحرف مقيد بلحاظ الآلية.

توضيح ذلك يتوقف على مقدمة: و هي: أنّ لحاظ الآلية في معنى الحرف ليس إلّا كلحاظ الاستقلالية في معنى الاسم، فكما يجب على المستعمل أن يلاحظ الآلية في الحروف عند الاستعمال، فكذلك يجب أن يلاحظ الاستقلالية في الأسماء؛ إذ حكم الأمثال فيما يجوز و لا يجوز واحد.

إذا عرفت هذه المقدمة فنقول: إنّه كما لا يكون لحاظ الاستقلالية معتبرا في الأسماء عند القوم، فكذلك لا يعتبر في الحروف فكلاهما عام و هو المطلوب. و أمّا لو كان لحاظ الآلية معتبرا في الحروف و سببا لجزئيّة معانيها فليكن لحاظ الاستقلالية في الأسماء كذلك، فالتفكيك بينهما تحكم و هو غير مقبول.

(3) أي: خلاصة البحث في الحروف بعد مرور جميع ما تقدم: إنّه ليس المعنى في كلمة «من» الابتدائية، و في لفظ الابتداء- مثلا- إلّا مفهوما واحدا و هو مفهوم الابتداء، فكما لا يعتبر في لفظ الابتداء، لحاظ الابتداء في نفسه و مستقلا، كذلك لا يعتبر في معنى كلمة «من» لحاظ المعنى في غيره و آليا.

و الحاصل: أنّه كما لا تعتبر الاستقلالية جزءا من معنى الاسم، كذلك لا تعتبر الآلية جزءا من معنى الحرف، و كما لا يكون لحاظ الاستقلال في الاسم موجبا لجزئية المعنى فليكن لحاظ الآلية في الحرف كذلك أي: غير موجب لجزئية المعنى. فالوضع و الموضوع له في كليهما عام.

(4) الضمير يرجع إلى لفظ الابتداء، كما أنّ الضمير في «لحاظه و نفسه» عائد إلى معنى لفظ الابتداء.

40

في نفسه و مستقلا كذلك لا يعتبر في معناها (1) لحاظه في غيرها آلة، و كما لا يكون لحاظه (2) فيه موجبا لجزئيته (3) فليكن كذلك فيها.

إن قلت: على هذا (4) لم يبق فرق بين الاسم و الحرف في المعنى، و لزم كون مثل كلمة «من» و لفظ الابتداء مترادفين، صح استعمال كل منهما في موضع الآخر، و هكذا سائر الحروف مع الأسماء الموضوعة لمعانيها (5) و هو باطل بالضرورة، كما هو واضح.

قلت: الفرق بينهما (6) إنما هو في اختصاص كل منهما بوضع، حيث إنّه وضع‏

____________

(1) أي: معنى كلمة «من» و الضمير في «لحاظه» راجع إلى المعنى. و في «غيرها» يرجع إلى كلمة «من».

(2) أي: لحاظ الاستقلال في معنى لفظ الابتداء.

(3) أي: لجزئية معنى لفظ الابتداء، و الضمير في «فيها» يرجع إلى كلمة «من»، أي:

فليكن لحاظ الآلية في معنى كلمة «من» غير موجب لجزئيته.

(4) أي: على ما ذكرتم في التحقيق من: إنّ اللحاظ الذهني لا دخل له في المعنى الحرفي، كما لا دخل له في المعنى الاسمي «لم يبق فرق بين الاسم و الحرف في المعنى».

و لازم ذلك هو الترادف المستلزم لصحة استعمال كلمة «من» مكان لفظ الابتداء و بالعكس، و هو باطل بالضرورة؛ إذ لا يصح أن يقال «سرت ابتداء البصرة» مكان «سرت من البصرة».

و يمكن تقريب الإشكال بالقياس الاستثنائي بأن يقال: لو كان معنى الحرف متحدا مع معنى الاسم- كما بيّنتم- لم يبق فرق بين الاسم و الحرف في المعنى و التالي باطل فالمقدم مثله. و الملازمة بين المقدم و التالي ثابتة بالفرض؛ لأن المفروض اتحاد الموضوع له في الاسم و الحرف؛ بمعنى: أن معنى كلمة «من» و لفظ الابتداء هو مفهوم الابتداء.

و أمّا بطلان التالي فإنّ لازم عدم الفرق هو الترادف المستلزم لصحة استعمال كل منهما مكان الآخر و هو باطل كما عرفت.

(5) أي: الحروف مثل لفظ الاستعلاء، بمعنى: على، و لفظ الانتهاء بمعنى: إلى.

[الفرق بين الاسم و الحرف في الوضع‏]

(6) أي: الفرق بين الحرف و الاسم إنما هو في الوضع بمعنى: أنّ لكل منهما وضع خاص به، فلذا لا يجوز استعمال أحدهما مكان الآخر.

توضيح ذلك يتوقف على مقدمة و هي: أن الواضع و إن كان قد وضع الاسم و الحرف لمعنى واحد و هو المفهوم الكلي؛ إلّا إنّ لهذا المفهوم حالتين: حالة تبعية و في غيره، و حالة

41

الاسم ليراد منه معناه بما هو هو و في نفسه، و الحرف ليراد منه معناه لا كذلك، بل بما هو حالة لغيره كما مرت الإشارة إليه غير مرة، فالاختلاف بين الاسم و الحرف في الوضع؛ يكون موجبا لعدم جواز استعمال أحدهما في موضع الآخر و إن اتفقا فيما له الوضع (1) و قد عرفت- بما لا مزيد عليه- أن نحو إرادة المعنى (2) لا يكاد يمكن أن يكون من خصوصياته و مقوماته.

ثم لا يبعد (3) أن يكون الاختلاف في الخبر و الإنشاء أيضا كذلك؛ فيكون الخبر

____________

استقلالية و في نفسه. ثم اشترط الواضع شرطا و هو: أن المستعمل يستعمل الاسم إذا تصور و لاحظ المعنى مستقلا و في نفسه، و يستعمل الحرف إذا تصوره آليا و حالة لغيره.

و هذا الاشتراط أوجب عدم صحة استعمال أحدهما مكان الآخر و إن اتفق الاسم و الحرف في ذات المعنى الموضوع له فحينئذ يقع الكلام في الشرط بأنّه من قبيل الشرط المتأخر- بمعنى: كون الاستعمال المتأخر كاشفا عن تحقق الوضع في السابق- أو من قبيل الشرط المتقدم فلا يتحقق الوضع إلّا بعد تحقق الاستعمال؛ وجهان أقربهما الأوّل، لكون الثاني مستلزما للدور، إذ الوضع موقوف على تحقق الاستعمال نظرا إلى الشرطية، و الاستعمال موقوف على الوضع نظرا إلى الفرعية إذا لم تكن هناك قرينة المجاز.

و هناك احتمال أن يكون الاختلاف من حيث الداعي بمعنى: أنّه كان الداعي لوضع الاسم أي: لفظ الابتداء ليراد منه معناه بما هو مستقل و في نفسه. و الداعي لوضع الحرف أي: كلمة «من» هو مفهوم الابتداء لا بما هو مستقل و في نفسه، بل بما هو حالة لغيره.

إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم: أن الاختلاف بين معنى الاسم و معنى الحرف- سواء كان في الشرط أو الداعي- مما يكفي في عدم صحة استعمال أحدهما مكان الآخر، فلا يرد الإشكال المذكور. و تركنا ما في المقام من النقض و الإبرام رعاية للاختصار.

(1) أي: في ذات المعنى الموضوع له.

(2) أي: مثل كون المعنى آليا أو استقلاليا لا يكاد يمكن أن يكون من خصوصيات المعنى و مقوّماته المأخوذة في المعنى.

(3) أي: ليس من البعيد إلحاق الخبر و الإنشاء بالاسم و الحرف؛ بأن يكون الاختلاف فيهما أيضا كالاختلاف في الاسم و الحرف، فكما أن معنى لفظي (من) و ابتداء متحد ذاتا و هو مفهوم الابتداء، و لحاظ الآلية و الاستقلالية خارجان عن الموضوع له كما عرفت. كذلك يمكن أن يكون «بعت» الإخباري و «بعت» الإنشائي واحدا بالذات و هو النسبة الصدورية بين البيع و فاعله، و الاختلاف بينهما إنما هو في قصد المتكلم بمعنى: أنه‏

42

موضوعا ليستعمل في حكاية ثبوت معناه في موطنه، و الإنشاء ليستعمل في قصد تحققه و ثبوته و إن اتفقا فيما استعملا فيه (1) فتأمل (2).

ثم إنه قد انقدح (3) مما حققناه: أنّه يمكن أن يقال: أنّ المستعمل فيه في مثل أسماء

____________

إن قصد بكلمة «بعت» الحكاية عن ثبوت نسبة البيع في الخارج فهو إخبار، و إن قصد بها إيجاد البيع فهو إنشاء، و لكن الواضع اشتراط أن يستعمل لفظ «بعت» الإخباري عند قصد الحكاية، و الإنشائي عند قصد إيجاد المعنى، ثم قصد الحكاية في الإخبار، و قصد الإيجاد في الإنشاء إنما هو من خصوصيات الاستعمال و أطواره، فلا دخل لهما في ذات المعنى الموضوع له.

(1) أي: ما استعمل الخبر و الإنشاء فيه هو معنى واحد أعني: نسبة المبدأ إلى الذات.

(2) لعله إشارة إلى ان تعبير المصنف بنفي البعد- حيث قال: لا يبعد، مشعر بإمكان دخول قصد الإنشاء و الخبر في الموضوع له و ليس كذلك، بل لا بد من الالتزام بخروجهما عنه في الإنشاء و الإخبار، لأنهما أمران قصديان، و المعنى المقيّد بقصد المتكلم لا وجود له في الخارج ليخبر عنه عند قصد الحكاية، و لا يعقل إيجاده في الخارج كي يقصد إيجاده عند طلب الآمر مثلا، فلا وجه حينئذ لنفي البعد عن ذلك كما ظاهر العبارة.

أو إشارة إلى أن قياس الإخبار و الإنشاء بالاسم و الحرف لا يصح إلّا في الألفاظ المشتركة؛ التي تستعمل تارة في الإنشاء، و أخرى في الإخبار كصيغة- بعت- مثلا، و أما المختصة بإحداهما كالجملة الاسمية المختصة بالإخبار في قولنا: زيد قائم. و صيغة- افعل- و ما شاكلها المختصة بالانشاء كقولنا: أكرم زيدا؛ فلا يصح القياس المذكور إذ لا يصح قصد الحكاية في الألفاظ المختصة بالإنشاء، و لا قصد الإيجاد في الألفاظ المختصة بالإخبار.

و كيف كان؛ فمحل البحث هي الجمل التي يراد بها الإنشاء تارة و الإخبار أخرى كلفظ «بعت».

و ملخص الكلام فيه: أن المعنى في مثله واحد و هو نسبة المبدأ إلى الذات، و أما الإخبارية و الإنشائية فمن الأغراض الداعية إلى الاستعمال؛ فإن قصد المستعمل حكايته عن النسبة الواقعية فهو إخبار، و إن قصد الإيجاد فهو إنشاء، و عليه: فلا يكون الاستعمال في الإنشاء مجازا، إذ المفروض: أنّه قد استعمل في الموضوع له و الإنشائية من أغراض الاستعمال و دواعيه.

(3) أي: قد ظهر «مما حققناه» في الحروف و الأسماء من خروج الآلية و الاستقلالية

43

الإشارة و الضمائر- أيضا- عام، و إنّ تشخصه (1) إنما نشأ من قبل طور استعمالها، حيث إنّ أسماء الإشارة وضعت ليشار بها إلى معانيها، و كذا (2) بعض الضمائر، و بعضها (3)، ليخاطب به المعنى، و الإشارة و التخاطب يستدعيان التشخص، كما لا يخفى.

فدعوى: أن المستعمل فيه في مثل «هذا» أو «هو» أو «إياك» إنّما هو المفرد المذكر، و تشخصه إنّما جاء من قبل الإشارة، أو التخاطب بهذه الألفاظ إليه، فإنّ الإشارة أو التخاطب لا يكاد يكون إلّا إلى الشخص أو معه، غير مجازفة (4).

____________

عن حيّز الموضوع له، و المستعمل فيه «أنّه يمكن أن يقال: إنّ المستعمل فيه في مثل أسماء الإشارة و الضمائر أيضا عام»، و خصّ عمومية المستعمل فيه بالذكر؛ لأنّ عمومية المستعمل فيه تستلزم عمومية الوضع و الموضوع له.

(1) أي: تشخص المستعمل فيه نشأ من قبل طور استعمال أسماء الإشارة. فلا يمكن أن يكون مأخوذا في الموضوع له جزءا أو قيدا و الضمائر في استعمالها- و بها- و معانيها- ترجع إلى أسماء الإشارة.

(2) أي: مثل أسماء الإشارة: بعض الضمائر وضع ليشار به إلى معناه كضمير الغائب.

(3) أي: بعض الضمائر وضع ليخاطب به المعنى.

و حاصل الكلام: أنّ المستعمل فيه بمثل هذا و هو و إياك إنّما هو المفرد المذكر و هو عام، و التشخص الناشئ من الإشارة في هذا و هو و من التخاطب في إياك لا يكون موجبا لتشخص المستعمل فيه، لأنه نشأ من الاستعمال، فكما أنّ كلا من لحاظ الآلية و الاستقلالية خارج عن متن المعنى في الأسماء و الحروف فكذلك الإشارة و التخاطب خارجان عن أصل المعنى في أسماء الإشارة و الضمائر. غاية الأمر: أنّ اسم الإشارة و ضمير الغائب وضعا ليراد منهما الإشارة إلى المعنى، و ضمير المخاطب ليراد منه التخاطب معه.

(4) قوله: «غير مجازفة» خبر عن قوله: «فدعوى ...» إلخ، و التعبير بالجزاف لعله إشارة إلى عدم برهان عليه كما في حاشية المشكيني.

بيان ذلك: أنّه لا إشكال في وجود إشارة خارجية في مقام استعمال أسماء الإشارة، و إنّما الإشكال في أنّ تلك الإشارة داخلة في الموضوع له أو المستعمل فيه، و من قيود الوضع أو غرض منه، أو من باب الانصراف لكثرة الاستعمال في هذا المقام. و مختار

44

فتلخص (1) مما حققناه: أنّ التشخص الناشئ من قبل الاستعمالات، لا يوجب تشخص المستعمل فيه، سواء كان تشخصا خارجيا كما في مثل أسماء الإشارة- أو ذهنيا- كما في أسماء الأجناس و الحروف و نحوهما- من غير فرق في ذلك أصلا بين الحروف و أسماء الأجناس.

و لعمري (2) هذا واضح، و لذا ليس في كلام القدماء من كون الموضوع له أو المستعمل فيه خاصا في الحروف عين و لا أثر، و إنما ذهب إليه (3) بعض من تأخر،

____________

المصنف «(قدس سره)» هو الثالث، كما في الحروف و الإخبار و الإنشاء و حيث لا يلزم من القول بدخولها في الموضوع له أو المستعمل فيه محال- كما يلزم في الحروف- عبّر بما ذكر، فحينئذ يكون الإشارة بلفظ «هذا» كالإشارة بالحصاة أو باليد في مقام استعمال أسماء الأجناس، فكما إذا أطلقت كلمة «رجل» و أشير إليه باليد لا توجب هذه الإشارة كون الموضوع له أو المستعمل فيه في لفظ «رجل» خاصا، فكذلك الإشارة بلفظ «هذا»، و تركنا ما في المقام من تطويل الكلام بالنقض و الإبرام رعاية لما هو المطلوب في المقام من الاختصار.

تلخيص البحث في المقام [معنى الحروف‏]

(1) ملخص ما مضى من البحث و التحقيق: «أنّ التشخص الناشئ من قبل الاستعمالات»- كتشخص مفهوم المفرد المذكر خارجا بالإشارة إليه، و تشخص المفاهيم الإخبارية و الإنشائية ذهنا بقصد الإخبار و الإنشاء، و تشخص معاني الحروف ذهنا بلحاظها حالة للغير، و تشخص معاني الأسماء ذهنا بلحاظها استقلالا- لا يوجب تشخص المستعمل فيه، و لا تشخص الموضوع له؛ و لا يوجب جعل التشخص جزءا من الموضوع له أو المستعمل فيه؛ لأنّه من شئون الاستعمال و أطواره، فيستحيل أخذه في المعنى الموضوع له؛ لاستلزامه الدور، إذ تشخص المعنى موقوف على الاستعمال، فلو أخذ في المعنى لكان الاستعمال موقوفا عليه؛ للزوم لحاظ المعنى و تصوّره عند الاستعمال فيلزم الدور و هو محال كما قرر في محله. و لا فرق في ذلك- أي: في عدم تشخص المعنى بسبب التشخص الناشئ عن الاستعمال- بين الحروف و أسماء الأجناس.

(2) أي: المصنف «(قدس سره)» يثبت رأيه بالقسم حيث يقول: «و لعمري هذا واضح».

(3) أي: إلى كون الموضوع له أو المستعمل خاصا ذهب بعض من تأخر كصاحب الفصول على ما في بعض الحواشي. و هذا توهم، و لعل هذا التوهم نشأ من توهم كون‏

45

و لعله لتوهم كون قصده بما هو في غيره من خصوصيات الموضوع له أو المستعمل فيه، و الغفلة (1) من إن قصد المعنى من لفظه على أنحائه لا يكاد يكون من شئونه و أطواره؛ و إلا (2) فليكن قصده بما هو هو و في نفسه كذلك (3) فتأمل في المقام، فإنّه دقيق و قد زلّ فيه أقدام غير واحد من أهل التحقيق و التدقيق.

الثالث [صحة استعمال اللفظ فيما يناسب ما وضع له‏] (4)

صحة استعمال اللفظ فيما يناسب ما وضع له، هل هو بالوضع أو بالطبع؟ وجهان‏

____________

قصد المعنى الحرفي بما هو في غيره- أي: الآلية- من خصوصيات الموضوع له أو المستعمل فيه.

(1) أي: الغفلة عما ذكرناه من أن قصد المعنى من اللفظ بجميع أنحائه كالآلية و الاستقلالية و الإخبارية و الإنشائية و غيرها لا يكاد يكون من شئون المعنى الموضوع له؛ لاستلزامه الدور كما عرفت.

(2) أي: لو كان قصد المعنى في الحروف من شئونه فليكن قصده بما هو هو و في نفسه؛ كما في الأسماء من شئون المعنى و موجبا لجزئيته، مع إنّه لم يقل أحد بكون المعنى في أسماء الأجناس خاصا. فالخصوصية المترتبة على قصد المعنى لا توجب جزئيته سواء كان المعنى اسميا أو حرفيا، فكل من الموضوع له و المستعمل فيه فيهما عام.

(3) أي: دخيلا في المعنى و موجبا لجزئيته.

خلاصة البحث في الوضع عند المصنف ترجع إلى أمور تالية

1- الوضع هو: نحو اختصاص اللفظ بالمعنى ليشمل التعييني و التعيّني.

2- الوضع باعتبار تصور المعنى الموضوع له على أربعة أقسام في مقام الثبوت. ثم ما وقع منها هو اثنان: 1- الوضع الخاص و الموضوع الخاص. 2- الوضع العام و الموضوع له العام.

3- رأي المصنف في وضع الحروف و أسماء الإشارة و الضمائر:

إنّ كلا من الوضع و الموضوع له و المستعمل فيه فيها عام كأسماء الأجناس.

ملاك صحة الاستعمال في غير ما وضع له‏

(4) و قبل البحث ينبغي بيان ما هو محل النزاع في استعمال اللفظ في المعنى المجازي.

46

بل قولان أظهرهما: أنه (1) بالطبع بشهادة الوجدان بحسن الاستعمال فيه، و لو مع منع الواضع عنه، و باستهجان الاستعمال فيما لا يناسبه و لو مع ترخيصه و لا معنى لصحته (2) إلّا حسنه، و الظاهر: أنّ صحة استعمال اللفظ في نوعه (3) أو مثله (4) من قبيله (5)، كما يأتي الإشارة إلى تفصيله.

____________

فنقول: إنّ موضوع النزاع هو: أنّ صحة استعمال اللفظ فيما يناسب المعنى الموضوع له هل هي أمر يرجع إلى الطبع و الذوق، أم أنّه أمر يرجع إلى إذن الواضع؟ فإن رخص فيه الواضع صح و إلّا لم يصح.

(1) أي: صحة الاستعمال فيما يناسب ما وضع له بالطبع لا بالوضع.

توضيح ما أفاده المصنف في المقام يتوقف على مقدمة و هي: أنّه لا ريب في أن المناط في صحة استعمال اللفظ فيما وضع له هو الوضع فقط. و إنّما الكلام و الخلاف فيما هو المناط في صحة استعمال اللفظ فيما يناسب الموضوع له هل هو الوضع النوعي، كما نسب إلى المشهور أو هو الطبع فلا يكون للمجازات وضع.

إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم: أن ملاك صحة استعمال اللفظ في المعنى المجازي عند المصنف هو: قبول الطبع السليم، فكل استعمال قبله الطبع يصح بشهادة الوجدان، و كل استعمال لا يحسن طبعا لا يصح و إن أجاز الواضع، فإذا وجدت مناسبة بحكم الطبع بين المعنى الحقيقي و المجازي فهو حسن و إن منع الواضع عنه، و إذا لم توجد لم يحسن و إن أجاز الواضع، فحسنه مع منع الواضع و قبحه مع إجازة الواضع يدلان على عدم توقف الاستعمال على الوضع. فلا دخل للواضع في حسن الاستعمال.

و من هنا يظهر فساد ما نسب إلى الجمهور من: أن ملاك صحة استعمال اللفظ في غير ما وضع له هو الوضع. و المراد بالوضع هو الوضع النوعي؛ و هو عبارة عن إذن الواضع في استعمال اللفظ في معنى بينه و بين ما وضع له إحدى العلائق المصححة لاستعمال اللفظ في المعنى المجازي؛ من دون لحاظ مادة معينة، أو هيئة مخصوصة لذلك اللفظ في مقام الوضع. و مما ذكرناه تظهر ثمرة القولين في الاحتياج إلى العلاقة و عدمه؛ فإن كان الملاك هو الطبع فلا يحتاج إليها، و إن كان الوضع فيحتاج إليها.

(2) أي: لا معنى لصحة الاستعمال إلّا حسن الاستعمال.

(3) أي: مثل: «ضرب» في قولهم: «ضرب فعل ماض» حيث يكون «ضرب» نوعا من الفعل.

(4) أي: كقولنا: زيد في- ضرب زيد- فاعل، إذا أردنا به مثله.

(5) أي: من قبيل استعمال اللفظ فيما يناسب ما وضع له، فيكون بالطبع لا

47

الرابع (1)

لا شبهة في صحة إطلاق اللفظ، و إرادة نوعه به، كما إذا قيل: ضرب- مثلا-

____________

بالوضع. وجه كون استعمال اللفظ في نوعه أو مثله من قبيل استعمال اللفظ فيما يناسب ما وضع له: أنّ استعمال اللفظ في نوعه أو مثله لا يتصف بالحقيقة و لا بالمجاز؛ فلذا جعله من قبيل استعمال اللفظ في المعنى المجازي لا نفسه.

و يشهد لذلك أيضا- أي: كشهادة الوجدان-: أنّه لو كان بالوضع يلزم أن تكون الألفاظ الموضوعة مشتركة، و القرينة المحتاجة إليها معيّنة لا صارفة، و لم يقل به أحد.

ثم قوله: «و الظاهر: أنّ صحة استعمال اللفظ في نوعه ...» إلخ دليل آخر لإثبات المقصود. بيانه: أنّه لا شبهة في صحته مع إنّه لا وضع فيه لا شخصيا و لا نوعيا.

و كيف كان: فالحاصل: أنّ صحة استعمال اللفظ في غير ما وضع له- كالمجازات- و عدم صحته ترجع إلى الاستحسان و الاستهجان الطبيعي، لا إلى موافقة الواضع و ترخيصه أو عدم موافقته. و لا معنى لصحة الاستعمال إلّا حسن الاستعمال في المحاورات و الخطابات، فلا يعتد بما قيل من أن المجازات لها وضع نوعي، فتكون متوقفة على وضع الواضع. و تركنا ذكر ما أورده غير واحد على المصنف «(قدس سره)» رعاية للاختصار.

[الرابع‏] استعمال اللفظ في نوعه أو صنفه أو شخصه‏

(1) توضيح ما أفاده المصنف في الأمر الرابع يتوقف على مقدمة و هي: إنّ استعمال اللفظ في المعنى على قسمين: إمّا حقيقي أو مجازي. و أمّا استعمال اللفظ في اللفظ فعلى أقسام أربعة:

1- استعماله في نوعه.

2- استعماله في صنفه.

3- استعماله في مثله.

4- استعماله في شخصه.

الأول: كقول أهل التصريف: «ضرب فعل ماض» قاصدين لفظ نوع الفعل الماضي أعني: الثلاثي المجرّد.

الثاني: كقول النحاة: «زيد» في «ضرب زيد فاعل» قاصدين صنف اللفظ المرفوع الذي أسند إليه الفعل أعني: الفاعل، لأنّ المرفوع على أصناف منها: المبتدأ، و منها: الخبر.

48

فعل ماض، أو صنفه كما إذا قيل: «زيد» في (ضرب زيد) فاعل، إذا لم يقصد به شخص القول، أو مثله ك «ضرب» في المثال فيما إذا قصد.

و قد أشرنا (1) إلى أن صحة الإطلاق كذلك و حسنه إنّما كان بالطبع لا بالوضع، و إلا (2) كانت المهملات موضوعة لذلك (3) لصحة الإطلاق كذلك فيها، و الالتزام بوضعها (4) كذلك كما ترى.

____________

الثالث: ك «ضرب» في المثال الأوّل إذا قصد به مثله أي: ضرب الآخر و هو فعل ماض، لأنّ ضرب في المثال مبتدأ و ليس فعلا.

الرابع: إذا قصد بضرب في قولهم: «ضرب فعل ماض» شخص القول أي: نفس الضاد و الراء و الباء الصادر من اللافظ، أو كقولنا: زيد لفظ و أريد منه نفس الزاء، و الياء و الدال الصادر من اللافظ.

إذا عرفت هذه المقدمة فنقول: إنّ الكلام في مقامين:

المقام الأول: أنّ استعمال اللفظ في هذه الموارد هل من استعمال اللفظ في المعنى أم لا؟ و على كلا التقديرين لا يكون الاستعمال بالوضع لا على نحو الحقيقة و لا على نحو المجاز؛ و ذلك لعدم الوضع و لا العلاقة المصححة للاستعمال. فيكون مجرّد جري الإنسان على مقتضى الطبع في تأدية مقاصده بما يتيسّر له من البيان.

المقام الثاني: في صحة إطلاق اللفظ و إرادة شخصه أو مثله أو صنفه أو نوعه، ثم لا إشكال في صحة استعمال اللفظ في نوعه أو صنفه أو مثله سواء قلنا: بأنّ الاستعمال من باب استعمال اللفظ في المعنى، أو قلنا: بأنّه ليس من هذا الباب، و إنّما الإشكال في صحة إطلاق اللفظ و إرادة شخصه، و سيأتي توضيح ذلك مع الجواب في كلام المصنف.

(1) أي: في الأمر الثالث «إلى أنّ صحة الإطلاق كذلك» أي: إطلاق اللفظ و إرادة النوع أو الصنف أو المثل «إنّما كان بالطبع لا بالوضع».

(2) أي: و إن لم يكن إطلاق اللفظ في نوعه أو صنفه أو مثله بالطبع بأن كان بالوضع- كما نسب إلى المشهور- لزم منه الالتزام بوضع المهملات للنوع أو الصنف و هو خلف، لأنّ المفروض هو عدم الوضع للمهملات إذ المراد بالمهمل ما ليس له وضع في مقابل ما له وضع.

(3) أي: كانت المهملات موضوعة للنوع أو الصنف أو المثل لو لم يكن إطلاق اللفظ فيها بالطبع، بل كان بالوضع؛ و ذلك لصحة الإطلاق كذلك أي: في النوع و أخويه «فيها» أي: في المهملات، حيث يقال «ديز مقلوب زيد» و «جسق مهمل».

(4) أي: الالتزام بوضع المهملات للنوع أو الصنف أو المثل «كما ترى» أي: مستلزم‏

49

و أمّا إطلاقه و إرادة شخصه، كما إذا قيل: «زيد لفظ» و أريد منه شخص نفسه (1)، ففي صحته بدون تأويل (2) نظر، لاستلزامه اتحاد الدال و المدلول، أو تركّب القضية من جزءين، كما في الفصول (3).

____________

للخلف أي: عدم اللفظ المهمل، ضرورة: اشتراك جميع الألفاظ في هذه الدلالة أي:

الدلالة الوضعية، فلا يصح تقسيم اللفظ إلى الموضوع و المهمل، فلا بدّ من الالتزام بكون الاستعمال منوطا بالطبع؛ لئلا يلزم محذور الخلف بانتفاء المهمل.

و يمكن الاستدلال بالقياس الاستثنائي على كون إطلاق اللفظ بالطبع لا بالوضع بأن يقال: لو كان إطلاق اللفظ و إرادة النوع مثلا بالوضع لكانت الألفاظ المهملة موضوعة للنوع أو الصنف. و التالي باطل فالمقدم مثله، و الملازمة ثابتة فيما إذا كان استعمال اللفظ المهمل في النوع أو الصنف بالوضع.

و أمّا بطلان التالي: فللزوم الخلف؛ لأن الوضع في الألفاظ المهملة هو خلاف المفروض، لأنّ المفروض: أنّها مهملة. اللهم إلّا إن يقال: بأنّ وضع الألفاظ المهملة للنوع و الصنف و المثل لا ينافي إهمالها؛ لأنّ المهمل ما ليس له معنى و لم يوضع لمعنى أصلا، فوضعها للألفاظ المخصوصة لا يخرجها عن الإهمال بالمعنى المذكور، فحينئذ التالي ليس باطلا، كي ينتج بطلان المقدم.

(1) أي: نفس الزاء و الياء و الدال الصادر من اللافظ فعلا.

(2) أي: بدون تأويل إلى النوع أو المثل، و هذه العبارة موجبة لتوهم صحة الإطلاق، و إرادة الشخص مع التأويل؛ مع إنه ليس كذلك، لخروجه حينئذ عن إرادة شخص اللفظ.

(3) توضيح ما في الفصول‏ (*) من الإشكال على إطلاق اللفظ و إرادة شخصه يتوقف على مقدمة و هي:

أنّ القضية اللفظية مركبة من أجزاء ثلاثة:

1- موضوع. 2- محمول. 3- نسبة و هي حاكية عن القضية الذهنيّة.

إذا عرفت هذه المقدمة فنقول: إنّ موضوع القضية في قولنا: «زيد لفظ» هو لفظ زيد شخصه و محمولها هو لفظ. و عليه: فإن التزم بوجود الدال في القضية أعني «زيد لفظ» و هو الموجب لانتقال صورة المدلول في الذهن، لزم اتحاد الدال و المدلول، إذ المدلول ليس إلّا نفس موضوع القضية اللفظية و هو لفظ «زيد»، و المفروض: أنّه هو الدال، فيكون‏

____________

(*) الفصول الغروية، ص 22، س 38.

50

بيان ذلك: أنّه إن اعتبر دلالته على نفسه- حينئذ- لزم الاتحاد (1)، و إلّا (2) لزم تركبها من جزءين؛ لأنّ القضية اللفظية- على هذا- إنّما تكون حاكية عن المحمول و النسبة لا الموضوع، فتكون القضية المحكية بها مركبة من جزءين، مع امتناع التركب إلّا من الثلاثة؛ ضرورة: استحالة ثبوت النسبة بدون المنتسبين.

قلت (3): يمكن أن يقال: إنّه يكفي تعدد الدال و المدلول اعتبارا، و إن اتحدا ذاتا،

____________

الدال عين المدلول و هو ممتنع لامتناع اتحاد الحاكي و المحكي، لأنّ الدلالة و الحكاية من سنخ العلية و اتحاد العلة و المعلول ممتنع. و إن التزم بعدم الدلالة و الحكاية عن ذات الموضوع باللفظ لزم تركب القضية الذهنية من جزءين أي: النسبة و المحمول لعدم الحكاية عن الموضوع، كي ينتقل إلى الذهن، و تركّبها من جزءين ممتنع، لأنّ النسبة متقوّمة بطرفين فلا توجد بطرف واحد.

(1) أي: اتحاد الدال و المدلول و هو باطل؛ ضرورة: أنّ الدال وجه و عنوان للمدلول، و الوجه و العنوان غير ذي الوجه و المعنون. هذا مضافا إلى لزوم وحدة الانتقال، مع إنه لا بد في الاستعمال من تعدده.

و توضيح ذلك: أنه لا شبهة في أن الاستعمال لا يكاد ينفك عن انتقالين: الانتقال إلى اللفظ أولا و إلى المعنى ثانيا، و من المعلوم: أن منشأ التعدد فيه تعدد المنتقل إليه، فلو كان الدال و المدلول شيئا واحدا لم يتعدد المنتقل إليه فلم يتعدد الانتقال أيضا، فلزم ما ذكرناه من وحدة الانتقال.

(2) أي: و إن لم تعتبر دلالته على نفسه لزم تركب القضية الذهنية من جزءين و هو ممتنع. كما أشار إليه بقوله: «ضرورة ...» إلخ.

ملخص الإشكال: أنّ لفظ زيد في المثال إن أخذ بعنوان الدال لزم اتحاد الدال و المدلول، فيجتمع لحاظه آليا و لحاظه استقلاليا، و إن أخذ بلا معنى لزم تركب القضية من جزءين أي: من محمول و نسبة من دون موضوع.

(3) أجاب المصنف عن هذا الإشكال بما حاصله: أنّ لنا أن نختار كلا الشقين، و لا يلزم أي محذور. فنلتزم بوجود الدلالة و لا يلزم محذور اتحاد الدال و المدلول، لكفاية التغاير الاعتباري بين الدال و المدلول و إن اتحدا ذاتا و هو موجود فيما نحن فيه، إذ في اللفظ جهتان: جهة كونه صادرا من اللافظ، وجهة كونه مقصودا له، فهو بالجهة الأولى دال، و بالجهة الثانية مدلول.

كما أنّه يمكن أن نلتزم بعدم الدلالة و لا يلزم محذور تركب القضية من جزءين؛ لأنّ‏

51

فمن حيث إنّه لفظ صادر عن لافظه كان دالا، و من حيث (1) إنّ نفسه و شخصه مراده كان مدلولا. مع إنّ (2) حديث تركب القضية من جزءين- لو لا اعتبار الدلالة في البين- إنّما يلزم إذا لم يكن الموضوع نفس شخصه، و إلّا (3) كان أجزاؤها الثلاثة

____________

انتقال الذهن إلى ذات الموضوع لا يتوقف على ثبوت الحاكي عنه، بل يتحقق بإحضار نفس الموضوع خارجا، و الحكم عليه و ما نحن فيه يمكن أن يكون من هذا القبيل، فإنّ ذات الموضوع هو نفس لفظ «زيد» و قد أحضر بنفسه، فتتحقق صورته في الذهن بواسطة ذلك، ثم يحكم عليه بواسطة اللفظ الحاكي عن معناه الذي يكون به الحكم.

إلّا إنّ هذا النحو يخرج عن كونه من استعمال اللفظ في المعنى؛ لأنّه إحضار لنفس المعنى، كما في منتقى الأصول تقرير آية اللّه العظمى السيّد محمد الروحاني «(قدس سره)».

(1) إشارة إلى تحقق التغاير الاعتباري و كفايته في تعدد الدال و المدلول.

(2) هذا إشارة إلى اختيار عدم الدلالة، و لا يلزم محذور تركّب القضية من جزءين كما عرفت.

و ملخص الجواب: أنّ اللفظ من مقولة الكيف المسموع، فيكون عرضا، و كل عرض له وجود في نفسه بنحو مفاد كان التامة، و وجود لغيره بنحو مفاد كان الناقصة؛ و إن كان وجوده في نفسه بعين وجوده لغيره خارجا، فلفظ زيد إذا أريد به شخصه فبما أنّه وجود لغيره و فان فيه يكون دالا، و بما أنّه موجود في نفسه يكون مدلولا.

(3) أي: لو كان الموضوع نفس اللفظ و شخصه كانت أجزاؤها الثلاثة تامة فلا يلزم المحذور المزبور.

توضيح ذلك يتوقف على مقدمة و هي:

أنّ القضية تارة: تشتمل على موضوع لفظي و معنوي و محمول كذلك كقولنا: زيد عالم حيث يكون لفظ زيد موضوعا لفظيا و معناه موضوعا معنويا، و كذلك يكون لفظ عالم محمولا لفظيا و معناه محمولا معنويا، ثم الموضوع و المحمول اللفظيان حاكيان عن الموضوع و المحمول المعنويين.

و أخرى: لا تشتمل القضية على موضوع معنوي و لفظي؛ بأن يكون الموضوع هو شخص اللفظ من دون أن يكون حاكيا عن المعنى.

إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم: أن الموضوع فيما نحن فيه هو شخص اللفظ لا يحتاج في وجوده و حضوره إلى الواسطة، بل حاله حال بقية الأفعال الخارجية و الموجودات الفعلية مثلا؛ مثل من يضع يده على «زيد» و يقول: «عالم» أي: هذا الشخص الموجود خارجا

52

تامة، و كان المحمول فيها منتسبا إلى شخص اللفظ و نفسه، غاية الأمر: أنّه نفس الموضوع، لا الحاكي عنه (1)، فافهم، فإنّه لا يخلو عن دقة (2) و على هذا (3): ليس من باب استعمال اللفظ بشي‏ء، بل يمكن أن يقال: إنّه ليس أيضا من هذا الباب (4) ما إذا أطلق اللفظ و أريد به نوعه أو صنفه، فإنّه (5) فرده و مصداقه حقيقة، لا لفظه (6) و ذاك‏

____________

عالم، و بهذا يجعل المحمول في القضية منتسبا إلى الشخص الموجود خارجا و هو نفس الموضوع في القضية الخارجية. و المقام من هذا القبيل حيث إن الموضوع هو شخص اللفظ خارجا و المحمول ثابت له، فلا يلزم المحذور المزبور، لأنّ القضية مركبة من أجزاء ثلاثة: 1- الموضوع و هو ذات اللفظ و شخصه. 2- المحمول و هو «لفظ». 3- مع النسبة بينهما.

و حينئذ فلا يلزم خلو القضية عن الموضوع، كي يقال: إنّه مستحيل. نعم؛ يلزم خلوّها عن الموضوع الحاكي و هو غير مستحيل، فالمستحيل و هو عدم الموضوع غير لازم، و اللازم و هو: عدم كون الموضوع حاكيا غير مستحيل.

(1) أي: ليس الموضوع حاكيا عن الموضوع الواقعي في القضية المحكية كما هو الشأن في القضايا المتعارفة.

(2) أي: وجه الحاجة إلى الدقة: أنّ جعل شخص اللفظ موضوعا دون معناه مخالف للقضايا المتعارفة.

(3) على ما ذكرناه من أنّ الموضوع هو شخص اللفظ ليس إطلاق اللفظ و إرادة شخصه من باب استعمال اللفظ أصلا، لأنّ الاستعمال يتوقف على لفظ و معنى، و المفروض: إرادة شخص اللفظ لا معناه، فلا يندرج المقام في استعمال اللفظ في المعنى، بل يكون من باب إيجاد الموضوع ثم الحكم عليه كما عرفت.

[إطلاق اللفظ في نوعه ليس من استعمال اللفظ في المعنى‏]

(4) أي: من باب استعمال اللفظ في المعنى.

(5) أي: اللفظ هو فرد النوع أو الصنف و مصداقهما حقيقة.

(6) أي: ليس اللفظ الذي أريد به النوع لفظ النوع؛ كي يكون إطلاقه عليه من باب الاستعمال، بل شأنه شأن إطلاق اللفظ و إرادة شخصه بأن يكون الموضوع نفس اللفظ و يحكم عليه لكن لا بما هو هو، بل بما هو فرد لنوعه فيسري الحكم إلى سائر الأفراد باعتبار أنّ وجود الفرد وجود للكلي الذي يوجد في ضمن أفراده.

و بعبارة أخرى: إذا قيل: «زيد ثلاثي» و أريد به النوع فلا يكون من باب الاستعمال؛ بل هو من قبيل إحضار الطبيعي في ذهن المخاطب بإرادة فرده، فالمتكلم بذلك اللفظ قد قصد ثبوت الحكم للطبيعي ليسري منه إلى أفراده، فأوجد المتكلم في ذهن المخاطب‏

53

معناه؛ كي يكون مستعملا فيه استعمال اللفظ في المعنى، فيكون اللفظ نفس الموضوع الملقى إلى المخاطب خارجا قد أحضر في ذهنه بلا واسطة حاك و قد حكم عليه ابتداء بدون واسطة أصلا، لا لفظه (1) كما لا يخفى، فلا يكون في البين لفظ قد استعمل في معنى، بل فرد قد حكم في القضية عليه بما هو مصداق لكلي اللفظ، لا بما هو خصوص جزئيه (2).

نعم؛ (3) فيما إذا أريد به فرد آخر مثله، كان من قبيل استعمال اللفظ في المعنى.

اللهم (4) إلّا أن يقال: إنّ لفظ «ضرب» و إن كان فردا له؛ إلّا إنه إذا قصد به حكايته،

____________

أمرين: أحدهما: شخص اللفظ الصادر منه. و الثاني: طبيعي ذلك اللفظ الجامع بينه و بين غيره، و لما لم يكن إيجاده على ما هو عليه في الخارج إلّا بإيجاد فرده فأوجده بإيجاد فرده؛ فلا يكون من قبيل استعمال اللفظ في المعنى في شي‏ء، فإن وجوده عين وجود فرده في الخارج، و إيجاده عين إيجاد فرده، و عليه: فلا يعقل أن يجعل وجود الفرد دالا و حاكيا عن النوع الكلي؛ إذ لازم الدلالة و الحكاية هو التعدد في الوجود؛ و لا تعدد هنا فيه أصلا.

(1) أي: فيكون اللفظ نفس الموضوع لا لفظه الحاكي عنه، كي يكون الإطلاق من قبيل استعمال اللفظ في المعنى.

(2) أي: الحكم على الفرد بما هو مصداق و ليس الحكم عليه بما هو خصوص جزئي كلي اللفظ، و الفرق بين الحكم على الفرد بما هو مصداق الكلي و بما هو جزئي الكلي:

أنّ الحكم على الفرد بما هو المصداق لا ينافي إرادة النوع أو الصنف و أمّا الحكم عليه بما هو جزئي الكلي: فينافي إرادة النوع أو الصنف؛ إذ لم يترتب الحكم و هو «لفظ» في قولنا: «زيد لفظ» على «زيد» بما أنّه لفظ خاص جزئي، بل يترتب عليه بما أنّه فرد من الكلي أعني: النوع أو الصنف.

(3) غرض المصنف «(قدس سره)» من هذا الكلام: أنّ ما تقدم في إطلاق اللفظ و إرادة النوع من إمكان عدم كون إطلاق اللفظ و إرادة النوع أو الصنف منه من باب الاستعمال لا يتطرق فيما إذا أريد باللفظ فرد آخر مثله؛ و ذلك لعدم كون الشخص الملفوظ مصداقا لمثله لتباين الأمثال؛ لأن كل فرد يغاير الآخر فيمتنع أن يكون وجودا له، فلا بد أن يقصد به الحكاية عن المماثل؛ فلا محيص حينئذ عن كونه من باب الاستعمال.

(4) استدراك على قوله: «بل يمكن أن يقال ...» إلخ. و غرضه من هذا الاستدراك‏

54

و جعل عنوانا له و مرآته، كان لفظه (1) المستعمل فيه، و كان- حينئذ- كما إذا قصد به فرد مثله.

و بالجملة (2): فإذا أطلق و أريد به نوعه، كما إذا أريد به فرد مثله كان من باب‏

____________

هو: جعل إطلاق اللفظ و إرادة نوعه أو صنفه من باب الاستعمال، كاستعمال اللفظ و إرادة مثله؛ بتقريب: أنّ لفظ «ضرب» في قولنا «ضرب فعل ماض» و إن كان فردا للنوع؛ لكنه إذا قصد به حكايته عن النوع و دلالته عليه يصير من باب الاستعمال، نظير ما إذا قصد به فرد مثله؛ لما عرفت: من امتناع انطباق المباين على مثله، فلا محالة يكون من باب الاستعمال، لا إيجاد الموضوع هذا في المثل. و أمّا في النوع أو الصنف:

فيجوز أن يكون إطلاق اللفظ من باب الاستعمال، كما يجوز أن يكون من إيجاد الموضوع.

فالمتحصل: أن إطلاق اللفظ و إرادة المثل ليس إلّا من باب استعمال اللفظ في المعنى.

فيختص إمكان كل من إيجاد الموضوع و الاستعمال بما إذا أطلق اللفظ و أريد به النوع أو الصنف.

(1) أي: لفظ النوع أو الصنف. و قوله: «كان» جواب الشرط في قوله: «إذا قصد به». فمعنى العبارة: إذا قصد باللفظ حكاية النوع و جعل عنوانا و مرآة له؛ كان اللفظ لفظه أي: النوع «المستعمل» في النوع، و كان حينئذ من باب الاستعمال؛ كما إذا قصد به فرد مثله.

و على هذا يمكن أن يجعل اللفظ من باب استعمال اللفظ في المعنى، و يمكن أن لا يجعل كذلك، و ذلك تابع للقصد.

(2) أي: محصل ما ذكرناه في إطلاق اللفظ و إرادة نوعه أو صنفه.

توضيح ذلك: أنّ المصنف قد قال أولا: إن إطلاق اللفظ و إرادة نوعه أو صنفه كإرادة شخصه ليس من باب استعمال اللفظ في المعنى، ثم تنزّل عن هذا بقوله: «اللّهم إلّا إن يقال ...» إلخ فقد قال بكون ذلك من باب الاستعمال، و صحّحه بقياس ذلك بإطلاق اللفظ و إرادة المثل بمعنى: أنه كما إذا أطلق اللفظ و أريد به المثل كان الإطلاق من باب استعمال اللفظ في المعنى؛ كذلك إطلاق اللفظ و إرادة النوع أو الصنف؛ إذا قصد به الحكاية.

ثم يبيّن بقوله: «و بالجملة» نتيجة التنزّل عما سبق و هي جريان كلا الوجهين في إطلاق اللفظ و إرادة النوع أو الصنف؛ و ذلك لوجود ملاك كلا الوجهين، فإن الملاك في كون الإطلاق من باب الاستعمال أن يقصد به الحكاية، كما في إرادة المثل، كما أن‏