دروس في الكفاية - ج4

- غلام علي‏ المحمدي البامياني المزيد...
447 /
9

المقصد السادس (1) في بيان الأمارات المعتبرة شرعا أو عقلا (2)

و قبل الخوض في ذلك (3)، لا بأس بصرف الكلام إلى بيان بعض ما للقطع من الأحكام (4)، و إن كان خارجا من مسائل الفن (5)، و كان ...

____________

(1) لمّا كان المقصد السابع في الأصول العملية، فلا بأس ببيان الفرق بين الأمارات و الأصول العملية، فيقال: إن ما له جهة كشف و حكاية عن الواقع هو أمارة سواء كانت معتبرة كخبر الثقة، أم لم تكن معتبرة كخبر الفاسق مثلا.

و ما ليس له جهة كشف و حكاية عن الواقع أصلا؛ بل كان مجرد وظيفة للجاهل في ظرف الشك و الحيرة كقاعدتي الطهارة و الحل، و أصالة البراءة، أو كانت له جهة كشف و حكاية؛ و لكن الشارع لم يعتبره من هذه الجهة- كما قيل ذلك في الاستصحاب و التجاوز و الفراغ- فهو أصل عملي.

أو يقال: إن الفرق بينهما- بعد كون الجميع وظائف مقررة للجاهل في وعاء الجهل بالواقع- أن الأول لم يؤخذ الجهل و الشك في لسان دليله. و الثاني قد أخذ ذلك في لسان دليله، كما في قوله: «كل شي‏ء نظيف حتى تعلم أنه قذر»، أو «كل شي‏ء لك حلال حتى تعرف أنه حرام»، أو «لا ينقض اليقين بالشك» إلى غير ذلك من الأصول العملية.

(2) أي: مثل حجيّة الظن الانسدادي بناء على الحكومة.

ثم ما كان معتبرا شرعا على قسمين:

أحدهما: أن يكون تأسيسيّا؛ كجعل الحجيّة لخبر العادل مثلا.

و ثانيهما: أن يكون إمضائيّا مثل حجيّة خبر الثقة الذي يكون حجة عند العقلاء.

(3) أي: في بيان الأمارات المعتبرة شرعا.

(4) أي: كالبحث عن كون حجيّته ذاتية أو مجعولة، و كونه حجة مطلقا، أو فيما إذا كان مطابقا للواقع فقط.

(5) أي: عن مسائل علم الأصول. و توضيح خروج مبحث القطع عنها يتوقف-

10

على مقدمة و هي: أن المسائل الأصولية- على ما هو مختار المصنف كما تقدم- في أوّل الكتاب- على قسمين:

الأول: أن المسألة الأصولية تقع نتيجتها في طريق استنباط الحكم الشرعي الفرعي، كبحث حجيّة خبر الواحد، حيث أن نتيجة البحث هي الحجيّة، فتقع في طريق الاستنباط، فيقال: إن هذا ما دل خبر العادل على وجوبه، و كل ما دل خبر العادل على وجوبه فهو واجب، فهذا واجب.

و بعبارة أخرى: المسألة الأصولية يصحّ جعلها كبرى للصغريات الوجدانية حتى تنتج الحكم الفرعي مثل أن يقال: هذه مقدمة الواجب، و كل مقدمة الواجب واجبة، فهذه واجبة.

الثاني: ما ينتهي إليه الفقيه في مقام العمل؛ كالاستصحاب و البراءة و نحوهما مما يعمل بها عند اليأس عن الدليل الاجتهادي.

إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم: أن أحكام القطع ليست كذلك، أي: لا تقع في طريق الاستنباط، و لا ينتهي إليها الفقيه في مقام العمل.

و أما عدم كونها من القسم الأول: فلأنه لا يصح أن يقال: الخمر معلوم الحرمة، و كل معلوم الحرمة حرام، فالخمر حرام؛ إذ يلزم منه كون الشي‏ء سببا لنفسه لأنه صار العلم بحرمة الخمر سببا للعلم بحرمة الخمر.

و إن عكست و قلت: هذا معلوم الخمرية، و كل معلوم الخمرية حرام، فهذا حرام يلزم أن يكون العلم جزء الموضوع، و يكون التحريم عارضا على معلوم الخمرية لا على نفس الخمر، و هو خلف؛ لأن التحريم يعرض نفس الخمر حيث قال الشارع: الخمر حرام كما في قوله تعالى: إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ وَ الْأَنْصابُ وَ الْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ‏ (1)، يعني: يجب الاجتناب عن الخمر لا عن الخمر المعلوم.

فالمتحصل: أنه يلزم من جعل مسائل القطع كبرى أحد المحذورين، إما اتحاد السبب و المسبب، و إمّا الخلف، و كلاهما محال و باطل.

و أما عدم كونها من القسم الثاني: فلأن هذه المباحث ليست مما ينتهي إليها الفقيه في مقام العمل بعد الفحص و البحث عن الأدلة الاجتهادية؛ لأن حجيّة القطع ليست منوطة بالفحص و البحث عن الدليل الاجتهادي، بخلاف ما ينتهي إليه الفقيه كالاستصحاب‏

____________

(1) المائدة: 90.

11

أشبه (1) بمسائل الكلام؛ لشدّة مناسبته مع المقام.

فاعلم: أن البالغ الذي وضع عليه القلم (2): إذا التفت إلى حكم فعلي (3) واقعي (4) أو ظاهري، متعلق به أو بمقلديه، فإمّا أن يحصل له القطع به أو لا، و على‏

____________

و البراءة و التخيير و الاحتياط، حيث إنها كلها تتوقف على الفحص و اليأس عن الدليل الاجتهادي. فالنتيجة: أن بحث القطع خارج عن المسائل الأصولية.

(1) توضيح كون بحث القطع أشبه بمسائل الكلام: يتوقف على مقدمة و هي: أن المسائل الكلامية مرتبطة بأحوال المبدأ و المعاد، و من أحوال المبدأ و المعاد: أن الله تعالى- و هو المبدأ و المولى الحقيقي- يثيب عباده على الإطاعة و الانقياد، و يعاقبهم على العصيان و المخالفة.

إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم: أنه يبحث في القطع عما يترتب على فعل المقطوع به أو تركه من استحقاق الثواب و العقاب.

و من الواضح: أنّ البحث عن ذلك من المسائل الكلامية، فحينئذ تعبير المصنف بالأشبه لا يخلو من المسامحة، بعد وضوح كون بحث القطع من المسائل الكلامية.

إلّا أن يقال: إن مسائل الكلام ليست عبارة عن مطلق المسائل العقلية؛ بل ما يرتبط بالعقائد، و من الواضح: أن مسائل القطع ليست مما يرتبط بالعقائد، فكان بحث القطع أشبه بمسائل الكلام لا نفسها.

و إنما ذكر بحث القطع في الأصول- مع أنّه ليس منه- «لشدة مناسبته مع المقام»، فقوله: «لشدة ...» الخ تعليل لقوله: «لا بأس».

أمّا وجه المناسبة: فلاشتراك الأمارات مع القطع في الطريقيّة، و في جواز إحراز الوظيفة من الفعل أو الترك.

و أما شدّة المناسبة: فلأن المقصود بالأصالة في المقصد السادس هو: البحث عن الأمارات المعتبرة، كما أن المقصود في المقصد السابع هو البحث عن الأصول العملية، و هما حجتان لمن لا قطع له، فناسب أن يبحث أولا عن أحكام القطع، ثم عن أحكام ما ليس فيه القطع، و أضربنا عن تطويل الكلام في المقام رعاية للاختصار.

(2) أي: قلم التكليف.

(3) أي: لا ما إذا التفت إلى الحكم الاقتضائي أو الإنشائي، فإنه لا يوجب الالتفات إليهما شيئا.

(4) و هو الحكم الثابت للعناوين من حيث هي هي، و الحكم الظاهري هو الحكم الثابت للعناوين بوصف كونها مشكوكة؛ كالحليّة الثابتة على الشي‏ء المشكوك حكمه‏

12

الثاني: لا بد من انتهائه إلى ما استقل به العقل من اتّباع الظن لو حصل له، و قد تمت مقدمات الانسداد- على تقدير الحكومة- و إلا فالرجوع إلى الأصول العقلية من البراءة و الاشتغال و التخيير، على تفصيل يأتي في محلّه إن شاء الله تعالى.

____________

الواقعي من الحرمة و الحلية.

و قد عدل المصنف عما في رسائل الشيخ الأنصاري إلى ما هو الموجود في المتن.

فلا بد من الكلام في وجه عدول المصنف حيث عدل من «المكلف» إلى «البالغ»، و من «حكم شرعي» إلى «حكم فعليّ واقعي أو ظاهري»، و من التقسيم الثلاثي إلى التقسيم الثنائي، أو ثلاثي آخر.

فنقول: إن توضيح وجه العدول يتوقف على مقدمة و هي: بيان الفرق بين ما في كلام الشيخ «(قدس سره)» و ما في كلام المصنف «(قدس سره)» و الفرق بينهما بوجهين:

أحدهما: أن المراد من المكلف في ظاهر كلام الشيخ «(قدس سره)» هو المكلف الفعلي، فلا يصح تقسيمه إلى جميع الأقسام التي منها الشاك في الحكم الواقعي، غير المنجز الذي تجري فيه البراءة؛ لأن الشّاك في الحكم ليس مكلّفا فعليا، مع أن مقتضى التقسيم الثلاثي هو: وجود المقسم في جميع الأقسام؛ بأن يكون كل قسم عين المقسم مع زيادة قيد. هذا بخلاف البالغ لشموله جميع الأقسام.

و ثانيهما: أن متعلّق القطع في كلام المصنف أعم من الحكم الواقعي و الظاهري، و في كلام الشيخ «(قدس سره)» مختص بالحكم الواقعي بعد اشتراكهما في كون الحكم فعليا؛ لعدم ترتب شي‏ء من أحكام القطع و لا الظن و لا الشك على الحكم الإنشائي الذي لم يبلغ مرتبة الفعلية.

إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم: أنه قد عدل المصنف عما في كلام الشيخ «(قدس سره)» بوجوه: أولها و ثانيها: راجعان على بيان وجه العدول عن التقسيم الثلاثي إلى الثنائي، و ثالثها: راجع على وجه العدول عن تثليث الشيخ إلى تثليث آخر.

و أما الوجه الأوّل: فلما عرفت في المقدمة من عدم صحة تقسيم المكلف الفعلي إلى جميع الأقسام التي منها الشاك في الحكم الواقعي، فلا بد من جعل التقسيم ثنائيا و هو أنه إما قاطع بالحكم أو لا، «و على الثاني: لا بد من انتهائه إلى ما استقل به العقل ...» الخ.

و أما ثانيها: فما أشار إليه بقوله: «و إنما عمّمنا متعلق القطع» إلى قوله: «و خصصنا بالفعلي» و حاصله: أنه لا وجه لتخصيص متعلق القطع بالحكم الواقعي؛ بل لا بد من تعميمه للواقعي و الظاهري؛ لأن الحكم الظاهري الثابت في موارد الأمارات و الأصول‏

13

و إنما عمّمنا متعلق القطع؛ لعدم اختصاص أحكامه بما إذا كان متعلقا بالأحكام الواقعية، و خصصنا بالفعلي؛ لاختصاصها بما إذا كان متعلقا به- على ما ستطلع عليه- و لذلك عدلنا عما في رسالة شيخنا العلامة «أعلى الله مقامه» من تثليث الأقسام.

____________

العملية يندرج في الحكم المقطوع به.

هذا مع اختصاص الحكم بالفعلي؛ لأن القطع بغيره- سواء كان اقتضائيا أم إنشائيا- لا يترتب عليه أثر فضلا عن الظّن به أو الشك فيه. و لذا يقول المصنف: «و لذلك عدلنا ...» الخ أي: لأجل ما ذكر من تعميم متعلق القطع للحكم الواقعي و الظاهري و تخصيصه بالفعلي- «عدلنا عما في رسالة شيخنا العلامة «أعلى الله مقامه»»- من تثليث الأقسام.

و حاصل الكلام: أن وجه العدول عن تثليث الشيخ «(قدس سره)» للأقسام إلى تثنيتها هو: عموم أحكام القطع من جهة، و اختصاصها بالحكم الفعلي من جهة أخرى.

و أما ثالثها: فما أشار إليه بقوله: «و إن أبيت إلا عن ذلك» أي: و إن أبيت التقسيم إلا عن كونه ثلاثيا بدعوى: أنه أقرب إلى الاعتبار العرفي المأخوذ من الحالة الوجدانية، فيكون المراد بالحكم خصوص الحكم الواقعي الذي هو مورد للحالات الثلاث: 1- القطع، 2- الظن، 3- الشك، فيتم تثليث الأقسام، «فالأولى أن يقال: إن المكلف ...» الخ.

و حاصل الأولوّية: أنه بناء على تثليث الشيخ الأعظم «(قدس سره)» يلزم تداخل موارد الأمارات و الأصول العملية؛ و ذلك لأن الشيخ «(قدس سره)» قد جعل ملاك الرجوع إلى الأمارات هو الظن، و ملاك الرجوع إلى الأصول العملية هو الشّك، مع أن الأمر ليس كذلك؛ بل المعيار في الرجوع إلى الأصول العملية هو: عدم الدليل المعتبر و إن حصل الظن بالحكم الواقعي من أمارة غير معتبرة لا خصوص الشك المتساوي طرفاه.

هذا بخلاف تثليث المصنف، فإنّه لا يلزم منه تداخل أصلا؛ لأن المعيار في الرجوع إلى الأمارة- كخبر العادل- هو الدليل المعتبر لا الشك، فلا يتداخل شي‏ء من موارد الأمارات في شي‏ء من موارد الأصول العملية.

فالمتحصل: أن المصنف إنما نهج هذا النهج في التقسيم الثلاثي فرارا عن محذور التداخل الثابت في تثليث الشيخ «(قدس سره)» هذا خلاصة الكلام في المقام، و تركنا ما في المقام من تطويل الكلام رعاية للاختصار.

توضيح بعض العبارات طبقا لما في «منتهى الدراية» و «الوصول إلى كفاية الأصول»:

14

و إن أبيت إلا عن ذلك، فالأولى (1) أن يقال: إن المكلف إما أن يحصل له القطع أو لا، و على الثاني: إمّا أن يقوم عنده طريق معتبر أو لا؛ لئلا يتداخل (2) الأقسام فيما

____________

قوله «لا بد من انتهائه إلى ما استقلّ به العقل من اتباع الظن لو حصل له، و قد تمت مقدمات الانسداد على تقدير الحكومة» إشارة إلى انتهاء البالغ إلى ما استقل به العقل من اتباع الظن و هو مشروط بثلاثة أمور:

أحدها: حصول الظن له.

ثانيها: تمامية مقدمات انسداد بالعلم و العلمي.

ثالثها: كون تماميتها على نحو يحكم العقل باعتبار الظن؛ لا أن يكشف عن حكم الشارع باعتباره، فإذا انتفى أحد هذه الأمور لم ينته إلى الظن؛ بل يرجع إلى الأصول العقلية كما أشار إليه بقوله: «و إلا فالرجوع إلى الأصول العقلية» يعني: و إن لم تتم مقدمات الانسداد أو تمت و لم يحصل الظن، و أما لو حصل الظن بعد تماميتها- على تقدير الكشف لا الحكومة- كان الظن بمنزلة القطع؛ إذ هو قطع بالحكم الظاهري و كيف كان؛ فهنا احتمالات:

الأول: أن تتم مقدمات الانسداد و يحصل الظّن على الحكومة، و عليه: فاللازم اتباع هذا الظن لحكومة العقل بحجيّته عند التعذر عن القطع.

الثاني: أن تتم مقدمات الانسداد و يحصل الظن على الكشف و هذا داخل في القسم الأول المذكور في كلام المصنف أعني: القطع بالحكم؛ لأنه قطع بالحكم الظاهري.

الثالث: أن تتم مقدمات الانسداد و لم يحصل الظن، و هذا داخل في الشك بالحكم الذي يكون المرجع فيه الأصول العملية.

و قيد الأصول بالعقلية حيث قال: «و إلا فالرجوع إلى الأصول العقلية»؛ لأن الأصول الشرعية داخلة في القسم الأول؛ لأن بها يحصل العلم بالحكم الشرعي الظاهري، بخلاف الأصول العقلية إذ ليس في موردها إلا الحكم العقلي من الاشتغال و التخيير و البراءة.

(1) و قد عرفت أولوية تثليث المصنف على تثليث الشيخ، فلا حاجة إلى التكرار.

(2) إذ على تقسيم الشيخ «(قدس سره)» يتداخل حكم الظن و الشك؛ إذ جعل الشيخ «(قدس سره)» مجرى الأصول مختصا بصورة الشك، و محل الأمارات في صورة الظن، مع العلم بأن الظن الذي لا يعتبر شرعا كان حكمه حكم الشك، فيجب الرجوع فيه إلى الأصول. فقد حصل التداخل في حكم الشك و الظن الغير المعتبر.

15

يذكر لها من الأحكام، و مرجعه على الأخير (1) إلى القواعد المقررة عقلا أو نقلا لغير القاطع، و من يقوم عنده الطريق على تفصيل يأتي في محله إن شاء اللّه تعالى حسبما يقتضي دليلها (2).

و كيف كان (3)؛ فبيان أحكام القطع و أقسامه يستدعي رسم أمور:

____________

(1) أي: المكلف الذي لم يحصل له القطع، و لا الطريق المعتبر. أي: مرجع المكلف على هذا الفرض إلى القواعد الثابتة عقلا؛ كالبراءة بمناط قبح العقاب بلا بيان. «أو نقلا» كالبراءة بمناط عدم العلم بالحكم الواقعي.

(2) أي دليل تلك القواعد، حيث إن دليل أصالة البراءة يقتضي الرجوع إليها في مورد الشك في نفس التكليف، و دليل أصالة الاشتغال يقتضي الرجوع إليها في مورد الشك في المكلف به أو في الفراغ و هكذا.

(3) أي: سواء كان التقسيم ثنائيا أو ثلاثيا، فبيان أحكام القطع يستدعي رسم أمور سبعة.

[المقدمة الاولى فى بعض احكام القطع‏]

في حجيّة القطع و طريقيّته إلى الواقع‏

فيقال: القطع طريق- القطع حجة، و قد تعرّض الشيخ الأنصاري «(قدس سره)» لكلا الأمرين حيث قال: «لا إشكال في وجوب متابعة القطع»، هذا إشارة إلى حجية القطع.

إلى أن قال: «لأنه بنفسه طريق إلى الواقع، و ليست طريقيته قابلة لجعل الشارع إثباتا و نفيا». هذا بيان لطريقيته.

إلا إن المصنف اكتفى بذكر حجية القطع بقوله: «لا شبهة في وجوب العمل على وفق القطع عقلا»، و لعل ذلك لوضوح: أن طريقيّة القطع ذاتية إما بذاتي باب الإيساغوجي أو البرهان؛ لأن الانكشاف عن الواقع إما نفس ماهية القطع؛ بحيث لا يرى القاطع إلا الواقع المنكشف و إما لازم لماهيته.

و على الأول: كانت طريقيته ذاتية بذاتي باب إيساغوجي، و على الثاني: كانت ذاتية بذاتي باب البرهان؛ كالزوجية بالنسبة إلى الأربعة. و على التقديرين: لا تكون طريقيته قابلة للجعل لا إثباتا و لا نفيا. أما الأول: فلأن ثبوت الشي‏ء لنفسه ضروري. و أما الثاني:

فلأن سلب الشي‏ء عن نفسه مستحيل، هذا على تقدير كون الطريقية ذاتية بذاتي باب الإيساغوجي.

و أما على تقدير كونها ذاتية بذاتي باب البرهان: فلأن ثبوت لازم الشي‏ء له ضروري، و سلبه عنه مستحيل.

16

[الأمر الأول: وجوب العمل على وفق القطع‏]

الأمر الأول:

لا شبهة في وجوب العمل على وفق القطع و لزوم الحركة على طبقه جزما،

____________

هذا خلاصة الكلام في طريقية القطع حيث تكون ذاتية غير قابلة للجعل أصلا.

فيقع البحث في حجّية القطع و يقال: إن الحجية على أقسام: الحجية بالمعنى المنطقي، و الحجية بالمعنى الأصولي، و الحجية بالمعنى اللغوي.

إذا عرفت هذه الأقسام فاعلم: أن ما يصح إطلاقه هو الحجة بالمعنى اللغوي لا بالمعنى المنطقي و لا بالمعنى الأصولي؛ لأن الحجة بالمعنى اللغوي: عبارة عن كل ما يصلح أن يحتج به من دون فرق بين احتجاج المولى على العبد أو العبد على المولى، أو احتجاج شخص على شخص آخر. و من الواضح: أن القطع من أوضح ما يصح أن يحتج به عقلا بعد حصول القطع بالتكليف.

فالحجية بالمعنى اللغوي من الأحكام العقلية الصادرة من العقل في مورد القطع بحكم المولى و هو وجوب متابعة القطع و لزوم العمل على وفقه، كما أشار إليه المصنف بقوله:

«لا شبهة في وجوب العمل على وفق القطع عقلا»، و مثل ذلك لا يكون مجعولا شرعيا لاستغنائها عن الجعل بعد استقلاله بصحة الاحتجاج.

و كيف كان؛ فحجية القطع و إن لم تكن ذات القطع و لا ذاتياته إلّا إنها تكون من لوازمه الذاتية، فهي غير مجعولة شرعا؛ لضرورة ثبوت لوازم الذات كالذاتيات من الأمور الضرورية غير قابلة للجعل أصلا.

[عدم إطلاق الحجة بالمعنى الأصولي على القطع‏]

و أما عدم إطلاق الحجة بالمعنى المنطقي على القطع: فلأن الحجة المنطقية عبارة عن الوسط الذي يوجب العلم بثبوت الأكبر للأصغر، و لا بد أن تكون بين الأوسط و الأكبر علاقة العلية و المعلولية، و يكون الأوسط واسطة في الإثبات دائما، و مع ذلك قد يكون واسطة في الثبوت أيضا، فالبرهان لميّ إن كان الأوسط علّة للأكبر، و إنّي أن كان الأمر على عكس ذلك.

و من المعلوم: إن القطع الطريقي لا يتصف بالحجية، بهذا المعنى؛ لأن المفروض: أن الحكم مترتب على الموضوع بما هو هو لا بما أنه مقطوع، فلا يصح أن يقال: هذا مقطوع الخمرية و كل مقطوع الخمرية حرام فهذا حرام؛ لأن الكبرى كاذبة لأن الحرام هو الخمر لا مقطوع الخمرية.

و أما عدم إطلاق الحجة بالمعنى الأصولي على القطع: فلأن الحجة الأصولية عبارة عن الأدلة الشرعية التي اعتبرها الشارع حجة لإثبات متعلقاتها، من دون أن تكون هناك‏

17

و كونه موجبا لتنجز التكليف الفعلي فيما أصاب باستحقاق الذّم و العقاب على مخالفته، و عذرا فيما أخطأ قصورا، و تأثيره في ذلك (1) لازم، و صريح الوجدان به شاهد و حاكم، فلا حاجة إلى مزيد بيان و إقامة برهان.

____________

ملازمة بينها و بين متعلقاتها؛ كالظن و البينة و نحوهما. و الحجة بهذا المعنى من خصائص الأمارات الظنيّة المعتبرة شرعا. و لا تطلق على القطع لعدم حاجة إلى جعل الشارع في العمل بالقطع؛ إذ عرفت أن طريقيته ذاتية تامة عند القاطع، و حجّيته عقلية فليس من الأدلة الشرعية التي اعتبرها الشارع حجة لإثبات متعلقاتها.

توضيح بعض العبارات طبقا لما في «منتهى الدراية» و «الوصول إلى كفاية الأصول»:

قوله: «عقلا» قيد لقوله: «وجوب العمل». و قوله: «و لزوم الحركة» عطف تفسير على قوله: «وجوب العمل على وفق القطع عقلا»، فمعنى وجوب العمل على وفق القطع هو:

لزوم الحركة على طبقه جزما بمعنى: لزوم ترتيب آثار المقطوع بمجرد القطع، مثلا: إذا قطع بوجود الأسد حكم العقل بلزوم الفرار منه.

و قوله: «و كونه موجبا لتنجز التكليف الفعلي»- لا الشأني و الاقتضائي- عطف على وجوب العمل «و عذرا» عطف على «موجبا» بمعنى: معذرا.

(1) أي: و تأثير القطع في وجوب العمل على طبقه لازم لا ينفك عنه، «و صريح الوجدان» بلزوم العمل على وفقه شاهد و حاكم.

و حاصل الكلام: أن صريح الوجدان شاهد على أن القطع بالوجوب أو الحرمة مثلا يحرك القاطع نحو الفعل في الأول أو الترك في الثاني؛ بحيث يرى نفسه مذموما على مخالفة قطعه و مأمونا من الذم و العقوبة عند موافقته، من غير فرق في ذلك بين أقسام القطع و أسبابه، خلافا لجمع من المحدثين. على ما نسب إليهم. من عدم اعتبار القطع الحاصل من المقدمات العقلية؛ لكن هذا الخلاف على تقدير صحة النسبة إليهم في غاية الضعف.

و كيف كان؛ فظاهر كلام المصنف: أن للقطع أثرين عقليين أحدهما: وجوب متابعته و ثانيهما: منجّزيته بمعنى: استحقاق العقاب على مخالفته، و النسبة بين الأثرين هي عموم مطلق؛ إذ لزوم العمل و الحركة على وفق القطع أعم من منجزيته بحجيته؛ لأن الحجية التي تترتب عليها المنجزية و المعذريّة ثابتة لبعض أفراد القطع أعني: القطع المطابق للواقع أو المخطئ عن قصور دون المخطئ عن تقصير، بخلاف لزوم العمل على طبقه حيث إنه ثابت لكل فرد من أفراده.

18

و لا يخفى: أن ذلك (1) لا يكون بجعل جاعل؛ لعدم جعل تأليفي حقيقة بين الشي‏ء و لوازمه؛ بل عرضا يتبع جعله بسيطا.

____________

في امتناع جعل حجيّة القطع‏

(1) أي: وجوب العمل على وفق القطع: لا يكون بجعل جاعل ...» الخ. و المقصود من هذه العبارة: إثبات امتناع جعل حجية القطع إثباتا و نفيا.

توضيح ذلك يتوقف على مقدمة و هي: إن الجعل على قسمين:

أحدهما: هو الجعل البسيط.

و ثانيهما: هو الجعل المركب و التأليفي.

و الفرق بينهما: أن الأول: هو الإيجاد بمفاد «كان» التامة، فمعنى جعل شي‏ء: هو إيجاده و الثاني: هو الإيجاد بمفاد «كان» الناقصة بمعنى جعل شي‏ء لشي‏ء.

إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم: أن القطع و إن كان مجعولا بالجعل البسيط ضرورة:

كونه حادثا لا قديما إلا إن الجعل البسيط ليس موردا للبحث، و إنما الكلام في الجعل التأليفي أعني: جعل الحجية للقطع، و لا يتحقق ذلك إلا في الأعراض المفارقة و المحمولات غير الضرورية؛ كجعل زيد عالما، و جعل جسم أبيض، و لا يتصور في اللوازم الذاتية و المحمولات الضرورية؛ إذ لا يعقل الجعل التركيبي بين الشي‏ء و لوازمه الذاتية كالنار و الإحراق و الأربعة و الزوجية، و قد عرفت: أن حجية القطع كانت من لوازمه الذاتية، فلا تكون بجعل جاعل لا إثباتا و لا نفيا؛ لما عرفت من: أن ثبوت لازم الشي‏ء له ضروري، و سلبه عنه مستحيل.

و من هنا يظهر امتناع المنع عن حجيّة القطع؛ و ذلك لاستحالة المنع عن الأثر الذاتي و هو معنى قولهم: القطع حجة بنفسه لا تناله يد الجعل لا نفيا و لا إثباتا.

ثم إن تأثير القطع في تنجّز التكليف به عند الإصابة و عذريته عند الخطأ عن قصور حيث كان لازما ذاتيا له صحّ أن يقال: إن القطع حجة ذاتا.

و حيث إن الأثر مما يدركه بنفسه أو يحكم بنفسه بلزوم ترتبه على المقطوع، من غير حاجة تصريح الشرع به صح أن يقال: إن القطع حجة عقلا، في قبال الأمارات الظنية المنصوبة من قبل الشارع كخبر الثقة و نحوه مما لا يدرك العقل حجيّته بنفسه و إنما هو صار حجة بجعل الشارع الحجيّة له جعلا تأليفيا.

نعم؛ يكون جعل اللازم بالعرض و المجاز و بتبع جعل ملزومه؛ كما أشار إليه بقوله: «بل عرضا بتبع جعله بسيطا».

19

و بذلك (1) انقدح: امتناع المنع عن تأثيره أيضا، مع أنه يلزم منه اجتماع الضدّين اعتقادا و حقيقة في صورة الإصابة، كما لا يخفى.

____________

و المتحصل: أن المحمولات- التي هي من لوازم موضوعاتها- غير قابلة للجعل أصلا؛ كالزوجيّة للأربعة، حيث إنها مجعولة بجعل نفس الأربعة، و لا يعقل جعلها لها لا تكوينا و لا تشريعا لا إثباتا و لا نفيا.

(1) أي: و بامتناع الجعل التأليفي بين الشي‏ء و لوازمه ظهر امتناع سلب الحجية عن القطع كامتناع إثباتها له؛ لأنه بعد فرض كون المحمول- أعني: الحجية- من لوازم الموضوع- و هو القطع- فكما لا يمكن إثبات الحجيّة له بالجعل كذلك لا يمكن نفيها عنه، و إلا لزم أن لا تكون من لوازم ذات القطع و هذا خلاف الفرض. هذا تمام الكلام في الوجه الأول من الوجهين اللذين استدل به على امتناع جعل الحجية للقطع إثباتا و نفيا.

و أما الوجه الثاني: فهو ما أشار إليه بقوله: «مع أنه يلزم منه اجتماع الضدين ...» الخ.

و حاصل هذا الوجه: أن نفي الحجية عن القطع مستلزم لاجتماع الضدين اعتقادا مطلقا أي: في صورتي إصابة القطع و خطئه.

غاية الأمر: يلزم اجتماع الضدين بحسب اعتقاد القاطع لا واقعا عند الخطأ؛ كما إذا تعلق قطعه بحرمة شرب ماء الشعير مع فرض حليته واقعا، حيث إن مقتضى هذا القطع حرمة شربه، و إذا ردع عن حجيته الشارع كان مقتضى ردعه جواز شربه، و من المعلوم:

أن الحرمة و الجواز متضادان، فلا يمكن صدورهما من الشارع. و يلزم اجتماع الضدين واقعا و حقيقة في صورة إصابة القطع؛ كما إذا قطع بحرمة شرب الخمر مع أن المفروض حرمته واقعا، فإذا نهى الشارع عن متابعة قطعه هذا يلزم اجتماع الضدين واقعا و اعتقادا؛ كما أشار إليه بقوله: «و حقيقة في صورة الإصابة».

و خلاصة الكلام: أن امتناع سلب الحجيّة عن القطع مستند إلى وجهين:

الأول: امتناع انفكاك اللازم عن ملزومه.

الثاني: لزوم اجتماع الضدين من نفي الحجية عن القطع اعتقادا مطلقا، و حقيقة في صورة الإصابة.

و قد ظهر من كلام المصنف: أن القطع علة تامة للحجية، و لذا يستحيل ردع الشارع عن حجيته، فلا يكون اعتباره موقوفا على عدم المانع أعني: الردع.

20

ثم لا يخفى عليك (1): أن التكليف ما لم يبلغ مرتبة البعث و الزجر لم يصر فعليا، و ما لم يصر فعليا لم يكد يبلغ مرتبة التنجز، و استحقاق العقوبة على المخالفة و إن كان‏

____________

(1) إشارة إلى تفصيل ما أفاده إجمالا من أن أحكام القطع مترتبة على القطع بمرتبة فعلية الحكم.

[مراتب الحكم و ترتّب استحقاق العقوبة على مخالفة الحكم الفعلي‏]

و توضيح ذلك يتوقف على مقدمة و هي: أن للحكم مراتب أربع: الأولى: الاقتضاء، الثانية: الإنشاء، الثالثة: الفعلية، الرابعة: التنجز. و هذه المراتب طولية لا عرضية بمعنى: أنه ما لم تتحقق المرتبة السابقة لا يعقل تحقيق المرتبة اللاحقة.

فما لم تتحقق مرتبة الاقتضاء- و هي شأنية الحكم للوجود لأجل ملاك الحكم في متعلقه و هي عبارة عن مصلحة أو مفسدة- لا يعقل وصوله إلى المرتبة الثانية- و هي مرتبة الإنشاء- و هي جعل الحكم مجردا عن البعث و الزجر، بمعنى: أن المولى بعد ملاحظة المصلحة ينشئ الوجوب و بعد ملاحظة المفسدة ينشئ الحرمة قانونا، فالحكم حينئذ موجود إنشاء و قانونا من دون بعث للمولى أو زجر فعلا كأكثر أحكام الشرع مما لم يؤمر الرسول «(صلى اللّه عليه و آله و سلم)» بتبليغه؛ لعدم استعداد المكلفين لها. فهذه المرتبة كالمرتبة السابقة لا تلازم الإرادة و الكراهة.

المرتبة الثالثة: و المراد بهذه المرتبة: بعث المولى و زجره نحو الحكم بأن يقول: «افعل» أو «لا تفعل» مع عدم وصوله إلى المكلف بحجة معتبرة من علم أو علمي، فلا تكون مخالفته حينئذ موجبة للعقاب و الذّم.

المرتبة الرابعة:- و هي مرتبة التنجز- المراد بها: وصول الحكم الفعلي إلى المكلف بالحجة الذاتية أو المجعولة، و علمه بالمرتبة الثالثة، و يكون في موافقته ثواب و في مخالفته عقاب.

إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم: أن ما تقدم آنفا من كون القطع منجّزا للتكليف في صورة الإصابة إنما فيما إذا كان التكليف الذي تعلق به القطع فعليا لا إنشائيا محضا.

و حاصل الكلام في المقام: أن وجوب العمل بالقطع عقلا، و قضاء الضرورة و الوجدان باستحقاق العقوبة على مخالفته و المثوبة على موافقته إنما هو فيما إذا تعلق القطع بالمرتبة الثالثة و هي البعث و الزجر؛ ليكون الحكم منجّزا بسبب وصوله إلى العبد بالقطع به، فلو لم يتعلق القطع بهذه المرتبة، بل تعلق بما قبلها من الاقتضاء و الإنشاء لم يكن هذا القطع موضوعا للحجيّة في نظر العقل؛ لعدم صدق الإطاعة و العصيان على موافقته و مخالفته.

21

ربما يوجب موافقته استحقاق المثوبة؛ و ذلك لأن الحكم ما لم يبلغ تلك المرتبة لم يكن حقيقة بأمر و لا نهي، و لا مخالفته عن عمد بعصيان؛ بل كان (1) مما سكت الله عنه، كما في الخبر، فلاحظ و تدبر.

نعم؛ في كونه (2) بهذه المرتبة موردا للوظائف المقررة شرعا للجاهل إشكال لزوم‏

____________

و على هذا: فالقطع لا يكون موضوعا للأثرين المذكورين- و هما- وجوب العمل على طبقه و كونه منجّزا للتكليف إلا إذا تعلق بمرتبة الفعلية.

و كيف كان؛ فقد ظهر من جميع ما ذكر وجه تقييد المصنف الحكم بالفعلي في قوله: «إذا التفت إلى حكم فعلي واقعي أو ظاهري ...».

فالمتحصل: أن الحكم ما لم يبلغ مرتبة الفعلية لم يكن حقيقة بأمر و لا نهي؛ إذا الحكم إنما يسمى أمرا أو نهيا حتى يدخل تحت قوله تعالى:- ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا- إذا وصل مرتبة الفعلية. و أما إذا لم يبلغ مرتبة الفعلية: فلم يكن في موافقته ثواب و لا في مخالفته عقاب.

مثلا: لو علم بعض المسلمين في أول ظهور الإسلام بالمفسدة في الخمر و إنشاء المولى الحرمة؛ و لكن لم يكن هناك زجر فعلي كان شربها غير موجب للعقاب.

قوله: «و إن كان ربما يوجب موافقته» أي: موافقة ما لم يصر فعليا و هو الإنشائي المحض «استحقاق المثوبة» إذا أتى به بعنوان كونه محبوبا للمولى؛ لانطباق عنوان الانقياد عليه. فالمثوبة حينئذ مرتبة على مجرد الانقياد للمولى لا على نفس الفعل حتى يكون من الإطاعة الحقيقية، فاستحقاق المثوبة يفترق عن استحقاق العقوبة.

و حاصل الفرق: أن موافقة الحكم غير الفعلي توجب استحقاق المثوبة؛ و لكن مخالفته لا توجب استحقاق العقوبة. قوله: «لأن الحكم» تعليل لاختصاص حجية القطع بما إذا تعلق بالحكم الفعلي.

(1) أي: بل كان الحكم غير الفعلي مما سكت الله عنه، كما في الخبر المروي عن أمير المؤمنين «عليه الصلاة و السلام»: «إن الله تعالى حدد حدودا فلا تعتدوها، و فرض فرائض فلا تعصوها و سكت عن أشياء لم يسكت عنها نسيانا فلا تتكلفوها رحمة من الله لكم»، فلاحظ و تدبر حتى تستفيد منه عدم العقوبة على مخالفة الحكم المسكوت عنه و إن كان العمل به ليس محرما بقرينة قوله: «(عليه السلام)»: «فلا تتكلفوها». و قوله «رحمة من الله لكم» كما في «الوصول إلى كفاية الأصول، ج 3، ص 288».

(2) أي: في الحكم و التكليف «بهذه المرتبة» أعني: الفعلية «موردا للوظائف المقررة

22

اجتماع الضدين أو المثلين، على ما يأتي تفصيله إن شاء الله تعالى، مع ما هو التحقيق في دفعه في التوفيق بين الحكم الواقعي و الظاهري فانتظر.

____________

شرعا للجاهل» من الأمارات و الأصول الشرعية «إشكال لزوم اجتماع الضدين أو المثلين»، الأول: في صورة مخالفة الأمارات و الأصول الشرعية للواقع؛ كما إذا كان شرب التتن حراما في الواقع و أدت الأمارة إلى حليته أو تقتضي أصالة الحلية إباحته، يلزم اجتماع الضدين و هو مستحيل.

و الثاني: في صورة الموافقة؛ بأن طابقت الأمارة أو الأصل مع الحكم الواقعي؛ بأن كان شرب التتن في المثال المذكور حلالا في الواقع، فيلزم اجتماع المثلين يعني: إباحة واقعية و إباحة ظاهرية، و من المعلوم: أن اجتماع المثلين مثل اجتماع الضدين في الاستحالة.

و كيف كان؛ فقوله: «نعم» استدراك عما اختاره المصنف من جعل الأحكام التي هي متعلقات الأمارات و الأصول فعلية، فحينئذ: يلزم إشكال اجتماع الضدين أو المثلين كما عرفت.

و سيأتي التعرض لهذا الإشكال مع جوابه في أول بحث الظن في الجمع بين الحكم الواقعي و الظاهري فانتظر.

هذا تمام الكلام في حجية القطع.

خلاصة البحث مع رأي المصنف «(قدس سره)»

يتلخص البحث في أمور:

1- الأمارات المعتبرة عقلا كحجية الظن الانسدادي بناء على الحكومة.

الأمارات المعتبرة شرعا كحجية خبر العادل مثلا.

2- خروج بحث أحكام القطع عن المسائل الأصولية؛ لأن المسائل الأصولية على قسمين:

الأول: ما يصح جعلها كبرى للصغريات الوجدانية حتى تنتج الحكم الفرعي؛ كالبحث عن حجية خبر الواحد مثلا.

الثاني: ما ينتهي إليه الفقيه في مقام العمل كالاستصحاب و البراءة و نحوهما.

و البحث عن أحكام القطع ليس من القسمين.

3- بحث القطع أشبه بمسائل الكلام؛ و ذلك لأنه من مسائل الكلام كون الله تعالى يثيب عباده على الطاعات و يعاقبهم على المعاصي، و يبحث في القطع عن العقاب أو

23

الثواب على فعل المقطوع به أو تركه، فيكون بحث القطع من المسائل الكلامية. و أما تعبير المصنف بالأشبهيّة: فلعله لأجل أن المسألة الكلامية ليست مطلق المسائل العقلية؛ بل ما يرتبط بالعقائد، و بحث القطع غير مرتبط بالعقائد.

4- و أما عدول المصنف عما في كلام الشيخ الأنصاري من التقسيم الثلاثي إلى التقسيم الثنائي أو إلى ثلاثي آخر فلوجوه:

الأول: لا يصح تقسيم المكلف الفعلي إلى القاطع و الظان و الشاك؛ بل المكلف الفعلي إما قاطع بالحكم و إما ليس بقاطع، فلا بد حينئذ من جعل التقسيم ثنائيا.

الوجه الثاني: أنه لا بد من تعميم الحكم للواقعي و الظاهري؛ لأن الحكم الظاهري الثابت في موارد الأمارات و الأصول العملية يندرج في الحكم المقطوع به، و لازم ذلك:

كون المكلف قاطعا بالحكم الظاهري، فهو إما قاطع بالحكم أو لا.

الوجه الثالث: هو وجه العدول عن تثليث الشيخ الأنصاري إلى تثليث آخر هو: أن تثليث الشيح مستلزم لتداخل موارد الأمارات و الأصول العملية، هذا بخلاف تثليث المصنف فإنه لا يلزم منه تداخل أصلا.

و كيف كان؛ فالمصنف إنما نهج هذا النهج في التقسيم الثلاثي فرارا عن محذور التداخل الثابت في تثليث الشيخ «(قدس سره)».

5- أن القطع حجة بمعنى: وجوب العمل على وفقه، و حجيته بهذا المعنى ذاتية غير قابلة للجعل إثباتا و نفيا، سواء كانت ذاتية باب البرهان أو الإيساغوجي؛ لأن ثبوت الذاتي بكلا المعنيين ضروري، و سلبه مستحيل. ثم ما يطلق على القطع من الحجة هو الحجة بالمعنى اللغوي لا الحجة بالمعنى المنطقي أو الأصولي. و الحجية بالمعنى اللغوي من الأحكام العقلية الصادرة من العقل في مورد القطع بحكم المولى، فيترتب عليه ما تقدم من الأثرين و هما: وجوب العمل على طبق القطع و كونه منجزا للتكليف الفعلي فيما أصاب، و عذرا فيما أخطأ عن قصور.

6- أن للحكم مراتب أربع: 1- الاقتضاء 2- الإنشاء 3- الفعلية 4- التنجز.

ثم وجوب العمل بالقطع عقلا و قضاء الضرورة و الوجدان باستحقاق العقوبة على المخالفة، و المثوبة على الموافقة إنما هو فيما إذا تعلق القطع بالمرتبة الفعلية؛ لا بما قبلها من المرتبة الاقتضائية أو الإنشائية؛ لأن الحكم ما لم يبلغ مرتبة الفعلية لم يكن حقيقة بأمر و لا نهي، فلا يكون في موافقته ثواب و لا في مخالفته عقاب.

24

[الأمر الثاني: أن القطع يوجب استحقاق العقوبة على المخالفة]

الأمر الثاني (1):

قد عرفت إنه لا شبهة في أن القطع يوجب استحقاق العقوبة على المخالفة، و المثوبة على الموافقة في صورة الإصابة، فهل يوجب استحقاقها في صورة عدم الإصابة على التجري بمخالفته، و استحقاق المثوبة على الانقياد بموافقته، أو لا يوجب شيئا؟

____________

7- رأي المصنف «(قدس سره)»:

1- الصحيح هو التقسيم الثنائي لا الثلاثي.

2- حجية القطع ذاتية غير قابلة للجعل لا إثباتا و لا نفيا.

3- أن للحكم مراتب أربع.

4- أن الأثر يترتب على القطع بالحكم إذا تعلق بالمرتبة الفعلية دون ما قبلها من المرتبة الاقتضائية أو الإنشائية.

في التجري‏

(1) الغرض من عقد هذا الأمر: التعرض لأمرين:

الأول: حكم مخالفة القطع غير المصيب و إنها هل توجب استحقاق العقوبة أم لا؟

و هذا هو المسمى بالتجري.

الثاني: حكم موافقة القطع غير المصيب، و أنها هل توجب استحقاق المثوبة أم لا؟

و هو المسمى بالانقياد، و لعل وجه تسمية هذا البحث بالتجري لا الانقياد هو: سهولة الأمر في ترتب الثواب على الانقياد، دون استحقاق العقوبة على التجري، حيث إنه محل الكلام و النقض و الإبرام.

و قبل الخوض في البحث ينبغي بيان أمرين:

الأول: بيان الفرق بين التجري و المعصية من جهة، و بين الانقياد و الإطاعة من جهة أخرى.

الثاني: بيان جهات ثلاث في بحث التجري.

الجهة الأولى: كلامية. الثانية: أصولية. الثالثة: فقهية.

أما الأمر الأول: فنقول: إن التجري لغة و إن كان أعم من المعصية؛ لأنه من الجرأة بمعنى: إرادة مخالفة المولى، سواء كانت هناك في الواقع مخالفة أم لا، فيكون شاملا للمعصية. هذا بخلاف الانقياد لغة: فإنه بمعنى: إرادة موافقة المولى، سواء كانت هناك موافقة في الواقع أم لا. فيكون شاملا للإطاعة. هذا بحسب اللغة.

25

و أما بحسب الاصطلاح الأصولي: فيكون التجري مباينا للعصيان، و كذلك يكون الانقياد مباينا للإطاعة.

و ذلك أن التجري في الاصطلاح الأصولي هو: مخالفة القطع غير المصادف للواقع، أو مخالفة مطلق الحجة غير المصادف للواقع. هذا بخلاف المعصية فإنها عبارة عن مخالفة القطع المصادف للواقع. و كذلك بالنسبة إلى الانقياد و الإطاعة، فالأول: هو موافقة القطع غير المصادف للواقع. و الثاني: موافقة القطع المصادف للواقع.

هذا تمام الكلام في الأمر الأوّل.

و أما الأمر الثاني: فنقول: إن مسألة التجري يمكن تكون من المسائل الكلامية، فيبحث فيها عن استحقاق المتجري للعقاب و عدم استحقاق له، و يمكن أن تكون من المسائل الفقهية، فيبحث فيها عن أن الفعل المتجري به هل يكون محرما أم لا؟

و يمكن أن تجعل من المسائل الأصولية، فيبحث فيها عن أن التجري هل يوجب قبح الفعل المتجري به فيترتب عليه الحكم بالحرمة، فتقع في طريق استنباط الحكم الشرعي، فتكون من المسائل الأصولية.

إذا عرفت هذين الأمرين فيقع الكلام في بيان ما هو محل الكلام في المقام فيقال: إن الظاهر هو عدم الخلاف في حجية القطع، بمعنى: صحة الاحتجاج من المكلف على الشارع في مورد الإطاعة و الانقياد، و من الشارع على المكلف في مورد المعصية، و إنما الخلاف في حجية القطع للشارع على المكلف في مورد التجري هل يكون قطعه هذا حجة حتى يعاقب المكلف على المخالفة أم لا؟

بمعنى: أنه كان للشارع أن يحتج به عليه و يعاقبه عند مخالفته لقطعه و إن كان جهلا مركبا. و هناك أقوال:

قال المصنف: إن التجري يوجب استحقاق العقوبة لانطباق عنوان الطغيان و التمرد عليه، كما أشار إليه بقوله: «الحق أنه يوجبه لشهادة الوجدان بصحة مؤاخذته».

و قال الشيخ الأنصاري: إن التجري لا يقتضي شيئا سوى الكشف عن سوء سريرة الفاعل و خبث باطنه الذي لا يترتب عليه سوى اللوم.

و قيل: باقتضائه لاستحقاق العقوبة على مجرد العزم على العصيان محضا لا على الفعل المتجري به نظرا إلى أن التجري من المحرمات الجنانية لا الجوارحية.

قوله: «قد عرفت إنه لا شبهة في أن القطع يوجب استحقاق العقوبة على المخالفة».

26

الحق: أنه (1) يوجبه؛ لشهادة الوجدان بصحة مؤاخذته، و ذمه على تجريه، و هتكه لحرمة مولاه، و خروجه عن رسوم عبوديته، و كونه بصدد الطغيان، و عزمه على العصيان، و صحة مثوبته، و مدحه على قيامه بما هو قضية عبوديته، من العزم على موافقته و البناء على إطاعته.

____________

يعني: تقدم في الأمر الأول حيث قال: لا شبهة في وجوب العمل على وفق القطع؛ إلى أن قال: «باستحقاق الذم و العقاب على مخالفته»؛ و لكن ما سبق في الأمر الأول هو خصوص استحقاق العقاب على المخالفة، دون استحقاق المثوبة على الموافقة. فعطف المصنف قوله: «و المثوبة على الموافقة» على قوله: يوجب استحقاق العقوبة على المخالفة مما لا يخلو عن مسامحة.

إلا أن يقال: أن المراد بما تقدم في الأمر الأول هو قوله «و إن كان ربما يوجب موافقته استحقاق المثوبة» فإنه يفهم منه ترتب استحقاق الثواب على القطع بالحكم الفعلي بالأولوية القطعية من استحقاقه على القطع بالحكم الإنشائي.

(1) أي: القطع يوجب الاستحقاق.

و حاصل ما أفاده المصنف في المقام: إنه لا فرق في استحقاق العقوبة عقلا على مخالفة القطع بين إصابته و خطئه، و إن عصيان المولى و التجري الذي هو قصد مخالفته يرتضعان من ثدي واحد؛ لكون المناط فيهما- و هو هتك حرمة المولى و العزم على عصيانه و الخروج عن رسوم عبوديته- واحدا، ضرورة: إن مجرد ترك الواقع لا يوجب ذما و لا عقوبة ما لم يكن عن إرادة العصيان و الطغيان على المولى، و لذا لا عقاب قطعا على ترك الواقع في مورد الشبهات البدوية المستند إلى ترخيص الشارع.

و كيف كان؛ فتوضيح استحقاق المتجري للعقاب يتوقف على مقدمة و هي: إن للفعل الخارجي- مثل شرب الخمر- عناوين ثلاث:

الأول: عنوان الشرب من حيث هو شرب بلا إضافته إلى شي‏ء.

الثاني: كون هذا الشرب مضافا إلى الخمر الذي هو مبغوض المولى. بحيث يصح أن يقال هذا شرب الخمر.

الثالث: كونه مخالفة لما نهاه الشارع عنه بعد تنجّزه عليه.

إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم: إن مناط استحقاق العقاب ليس هو الأول، و لا الثاني.

أما الأول: فلأن استحقاقه لو كان لصدق عنوان الشرب بما هو شرب للزم استحقاقه على شرب كل مائع و هو بديهي الفساد.

27

و إن قلنا: بأنه لا يستحق مؤاخذة أو مثوبة؛ ما لم يعزم على المخالفة أو الموافقة، بمجرد سوء سريرته أو حسنها، و إن كان مستحقا للوم أو المدح بما يستتبعانه (1)، كسائر الصفات و الأخلاق الذميمة أو الحسنة.

و بالجملة (2): ما دامت فيه صفة كامنة لا يستحق بها إلا مدحا أو لوما، و إنما يستحق الجزاء بالمثوبة أو العقوبة مضافا إلى أحدهما (3)، إذا صار بصدد الجري على‏

____________

و أما الثاني: فلأنه لو كان الموجب لاستحقاق العقاب مجرد عنوان شرب الخمر للزم استحقاقه على شربه حال الجهل به أو الغفلة عنه؛ كاستحقاقه على الشرب حال العلم و الالتفات، لصدق عنوان شرب الخمر في الجميع، مع إنه ليس كذلك قطعا، فتعيّن أن يكون المناط في استحقاق العقاب هو العنوان الثالث- أي: شرب الخمر المعلوم تعلق النهي به- إذ به يصير العبد خارجا عن رسوم العبودية، و يكون بصدد الطغيان على مولاه، و من المعلوم: أن هذا المناط موجود في حق المتجري كوجوده في حق العاصي، فإن المتجري أيضا في مقام الطغيان على مولاه و هتك حرمته؛ لفرض اعتقاده جزما بأن ما يشربه هو الخمر المبغوض للمولى؛ و إن صادف كونه خلا أو ماء، فلا بد من القول باستحقاقه للعقاب لاشتراكه مع العاصي فيما هو الملاك لاستحقاق العقوبة، هذا بالنسبة إلى التجري.

و يجري الكلام بعينه في الانقياد، فإن الانقياد هو: العزم على موافقة المولى كالإطاعة و هو المناط في استحقاق المثوبة، فهما مشتركان في المناط.

(1) الضمير راجع على «ما» الموصولة المقصود به العزم على الموافقة أو المخالفة.

و ضمير التثنية راجع على سوء السريرة أو حسنها و الباء للسببية. يعني: إن سبب اللوم و المدح ليس نفس هاتين الصفتين- أعني: سوء السريرة و حسنها- بل ما يترتب عليهما من العزم على المخالفة و تمرد المولى، و العزم على الموافقة و الانقياد للمولى؛ «كسائر الصفات و الأخلاق الذميمة أو الحسنة» كالشجاعة و الجبن و الجود و البخل، فإنها و إن كانت لا توجب ثوابا أو عقابا، و لكنها موجبة للمدح و الذم فيقال: «فلان كريم» في مقام المدح، «أو بخيل» في مقام الذم.

(2) هذا حاصل ما أفاده آنفا من عدم ترتب المثوبة أو العقوبة على مجرد سوء السريرة أو حسنها.

(3) أي: المدح و الذم. و الضمير في «بها» و «طبقها» و «وفقها» راجع إلى الصفة الكامنة.

28

طبقها و العمل على وفقها و جزم و عزم (1)؛ و ذلك (2) لعدم صحة مؤاخذته بمجرد سوء سريرته من دون ذلك، و حسنها معه، كما يشهد به مراجعة الوجدان الحاكم بالاستقلال في مثل باب الإطاعة و العصيان، و ما يستتبعان من (3) استحقاق النيران أو الجنان.

و لكن ذلك (4) مع بقاء الفعل المتجرى به أو المنقاد به على ما هو عليه من الحسن‏

____________

(1) هما من مقدمات الإرادة، و الجزم حكم القلب بأنه ينبغي صدور الفعل بدفع الموانع، و العزم هو الميل السابق على الشوق المؤكد، فالعزم مترتب على الجزم، كما أن الجزم مترتب على التصديق بغاية الفعل، و التصديق بالغاية مترتب على العلم بها، كما في «منتهى الدراية، ج 4، ص 41».

(2) تعليل لعدم صحة المؤاخذة بمجرد سوء السريرة و صحتها مع العزم على المخالفة و حاصله: أن الوجدان الذي هو الحاكم في باب الإطاعة و العصيان و توابعهما يشهد بصحة المؤاخذة على العزم على المخالفة، و عدم صحتها على مجرد سوء السريرة، و المشار إليه في قوله: «من دون ذلك» هو العزم و الضمير في «مؤاخذته» و «سريرته» راجع على العبد.

(3) بيان للموصول في «و ما يستتبعان»، و ضمير التثنية راجع على الإطاعة و العصيان.

و حاصل الكلام: أن استحقاق النيران و الجنان مترتب على العصيان و الإطاعة.

(4) أي: الذي ذكرنا من كون التجري موجبا للعقاب و الانقياد موجبا للثواب، «مع بقاء الفعل المتجرى به أو المنقاد به على ما هو عليه، قبل عروض عنواني التجري و الانقياد عليه «من الحسن أو القبح و الوجوب أو الحرمة واقعا»، هذا إشارة إلى جهة كون مسألة التجري أصولية أو فقهية.

و أما الجهة الأصولية فهي: أن القطع بوجوب فعل أو حرمته هل يوجب حدوث مصلحة أو مفسدة فيه تقتضي وجوبه أو حرمته شرعا أم لا؟

و يقول المصنف: إن الفعل المتجرى به باق على ما كان عليه واقعا من المحبوبية أو المبغوضية بتعلقه به، و ليس كالضرر و الاضطرار من العناوين المغيّرة للأحكام الأولية.

و عليه: فلا يصير شرب الماء مبغوضا للشارع بسبب القطع بخمريته، كما لا يصير قتل ولد المولى محبوبا له بسبب علم العبد بكونه عدوّا للمولى.

و كذا يقال في الجهة الفقهية: إن تعلق القطع بالمحبوبية أو المبغوضية لا يوجب اتصاف‏

29

أو القبح و الوجوب أو الحرمة واقعا، بلا حدوث تفاوت فيه بسبب تعلق القطع بغير ما هو عليه من الحكم و الصفة، و لا يغير (1) حسنه أو قبحه بجهة أصلا، ضرورة (2): أن‏

____________

الفعل بالوجوب أو الحرمة، فالقطع بهما لا يؤثر في صفة الفعل المتجرى به واقعا من الحسن أو القبح، و لا في حكمه الشرعي من الوجوب أو الحرمة.

(1) يعني: و لا يغيّر تعلق القطع بغير ما عليه الفعل المتجرى به من الحكم و الصفة حسن الفعل المتجرى به أو قبحه أصلا.

(2) هذا برهان لما ادعاه من عدم كون القطع مغيّرا لحسن الفعل و قبحه، و لا لحكمه من الوجوب أو الحرمة أو غيرهما.

و حاصل ما أفاده يرجع إلى وجهين:

أحدهما: حكم الوجدان بعدم تأثير القطع في الحسن أو القبح و الوجوب أو الحرمة؛ إذ ليس القطع من الوجوه و الاعتبارات الموجبة للحسن أو القبح عقلا، و عدم كونه ملاكا للمحبوبية و المبغوضية شرعا ليغيّر الحكم الواقعي بسبب تعلق القطع بخلافه. و أما حكم الوجدان بذلك: فلما نجده من قبح قتل ابن المولى و إن قطع العبد بكونه عدوّا له، و حسن قتل عدوّه و إن قطع العبد بأنه صديقه.

و ثانيهما: ما أشار إليه بقوله: «مع أن الفعل المتجرى به».

و حاصله: أنه لو سلمنا كون عنوان «مقطوع المبغوضية» من العناوين المغيّرة للواقع و موجبا للقبح؛ لكنه في خصوص المقام لا يصلح لتغيير الواقع؛ و ذلك لأن اتصاف فعل بالحسن أو القبح الفعليين منوط بالاختيار- و إن لم يكن اتصافه بالحسن أو القبح الاقتضائيين منوطا به- فإن الحسن و القبح من الأحكام العقلية المترتبة على العناوين و الأفعال الاختيارية و هذا الشرط- أعني: الاختيار- مفقود هنا؛ إذ العنوان الذي يتوهم كونه مقبحا هو القطع بالحكم كالحرمة أو الوجوب، أو بالصفة كالقطع بخمرية مائع، و من المعلوم: أن القاطع لا يقصد ارتكاب الفعل إلا بعنوانه الواقعي؛ لا بعنوان كونه مقطوعا به، فإذا قطع بخمرية مائع و شربه فقد قصد شرب الخمر و لم يقصد شرب مقطوع الخمرية، و مع انتفاء هذا القصد الكاشف عن عدم الاختيار لا يتصف هذا الشرب بالقبح؛ لانتفاء مناط القبح فيه و هو قصد شرب معلوم الخمرية؛ بل يمكن أن يقال: بانتفاء الالتفات إلى هذا العنوان الطارئ- أعني: معلوم الخمرية- بعد وضوح كون القطع كالمرآة طريقا محضا إلى متعلقه، و مع عدم الالتفات إلى هذا العنوان يستحيل القصد إليه، و مع امتناعه لا يتصور القصد المقوّم للاختيار.

30

القطع بالحسن أو القبح لا يكون من الوجوه و الاعتبارات التي بها يكون الحسن و القبح عقلا و لا ملاكا للمحبوبية و المبغوضية شرعا، ضرورة: عدم تغير الفعل عما هو عليه من المبغوضية و المحبوبية للمولى، بسبب قطع العبد بكونه محبوبا أو مبغوضا له، فقتل ابن المولى لا يكاد يخرج عن كونه مبغوضا له و لو اعتقد العبد بأنه عدوه، و كذا قتل عدوه مع القطع بأنه ابنه لا يخرج عن كونه محبوبا أبدا، هذا مع (1) أن الفعل المتجرى به أو المنقاد بما هو مقطوع الحرمة أو الوجوب لا يكون اختياريا، فإن (2) القاطع لا يقصده إلا بما قطع أنه عليه من عنوانه الواقعي الاستقلالي لا بعنوانه الطارئ الآلي (3)؛ بل لا يكون (4) غالبا بهذا العنوان مما يلتفت إليه، فكيف يكون (5) من جهات الحسن أو القبح عقلا، و من مناطات الوجوب أو الحرمة شرعا؟ و لا (6) يكاد يكون صفة موجبة لذلك إلّا إذا كانت اختيارية.

____________

و بالجملة: فلا يصلح عنوان «مقطوع المبغوضية» لأن يكون موجبا لقبح الفعل؛ لكونه غير اختياري للفاعل المتجرّي على كل حال؛ إما للغفلة عن عنوان «المقطوعيّة»، و إما لعدم تعلق غرض عقلائي بقصد عنوان المقطوعية، كما في «منتهى الدراية، ج 4، ص 145».

(1) هذا إشارة إلى الوجه الثاني من الوجهين اللذين ذكرهما المصنف على ما اختاره من عدم كون القطع مغيّرا لحسن الفعل و قبحه، و قد تقدم تفصيل ذلك فلا حاجة إلى الإعادة و التكرار.

(2) تعليل لقوله: «لا يكون اختياريا»، و قد عرفت بيان ذلك.

(3) و هو كونه مقطوعا به كشرب معلوم الخمرية، و التعبير بالآلية لأجل أن العلم آلة للحاظ متعلقه، و طريق إليه في قبال لحاظه مستقلا، و ضمير بعنوانه راجع على الفعل المتجرى به أو المنقاد به.

(4) أي: بل لا يكون الفعل المتجرى به أو المنقاد به بعنوانه الطارئ الآلي مما يلتفت إليه، فلا يكون ارتكابه بهذا العنوان اختياريا له، و قصد المصنف بذلك: إن انتفاء الاختيار غالبا لأحد أمرين: أحدهما: انتفاء القصد، و الآخر: انتفاء الالتفات، و قد يكون من وجه واحد و هو انتفاء القصد.

(5) أي: لا يكون الفعل المتجرى به أو المنقاد به بهذا العنوان الطارئ الآلي- مع كونه مغفولا عنه- من جهات الحسن أو القبح.

(6) الواو للحال، يعني: و الحال أنه لا يكاد يكون صفة موجبة لذلك- أي: للحسن‏

31

إن قلت: إذا لم يكن الفعل كذلك (1)، فلا وجه لاستحقاق العقوبة على مخالفة القطع، و هل كان العقاب عليها إلا عقابا على ما ليس بالاختيار؟

قلت (2): العقاب إنما يكون على قصد العصيان، و العزم على الطغيان؛ لا على‏

____________

و القبح أو الوجوب و الحرمة- إلا إذا كانت تلك الصفة اختيارية لا غير اختيارية كما في المقام، حيث كان عنوان «المقطوع به» مغفولا عنه، فلا يترتب عليه حسن و لا قبح و لا وجوب و لا حرمة لعدم كونه اختياريا.

فالمتحصل: إن القطع ليس من العناوين المحسّنة و المقبحة أوّلا، و على تقدير تسليم كونه من تلك العناوين: ليس موجبا للحسن و القبح في خصوص المقام؛ لعدم الالتفات إليه، فلا يكون اختياريا حتى يكون محسنا أو مقبحا.

(1) أي: إذا لم يكن الفعل المتجرى به بما هو مقطوع الحرمة اختياريا لعدم الالتفات إلى هذا العنوان، «فلا وجه لاستحقاق العقوبة على مخالفة القطع»؛ لأن المائع المزعوم كونه خمرا بعنوان أنه مقطوع الخمرية ليس اختياريا حتى يوجب العقاب، فحينئذ ليس العقاب على مخالفة القطع إلا عقابا على ما ليس بالاختيار؛ إذ ما قصده من شرب الخمر لم يقع، و الذي وقع من شرب معلوم الخمرية لم يكن باختيار، فلا يصح العقاب، و عليه:

فلا بدّ من رفع اليد عما تقدم من استحقاق العقوبة على الفعل المتجرى به، أو الالتزام بصحة العقوبة على ما ليس باختياري. فهذا الإشكال ناظر إلى قوله: «و لا يكاد يكون صفة موجبة لذلك إلا إذا كانت اختيارية». و قد تقدم توضيح الإشكال.

و كيف كان؛ فالالتزام بعدم كون الفعل المتجري به- بعنوان كونه معلوم الوجوب أو الحرمة- اختياريا و بقائه على ما هو عليه واقعا من الملاك ينافي ما اعترف به سابقا من استحقاق العقوبة عليه؛ إذ من لوازم عدم اختيارية عنوان معلوم الحرمة أو الوجوب عدم استحقاق العقوبة على الفعل المتجرى به المتصف بهذا العنوان الغير الاختياري، و المفروض أيضا: عدم كون الفعل بنفسه موجبا لاستحقاق العقوبة.

(2) هذا دفع للإشكال فيقال في دفع هذا الإشكال: إنه وارد لو قلنا بأن العقاب على الفعل و ليس كذلك حتى يقال بأن الفعل المتجرّى به ليس اختياريا لأجل الغفلة، فكيف يوجب استحقاق العقوبة عليه؟

بل نقول: إن استحقاق العقوبة إنما هو على قصد المخالفة و الطغيان و الخروج عن رسوم العبودية، فلا أساس لهذا الإشكال أصلا؛ إذ لو كان الاستحقاق على نفس الفعل توجّه إشكال المنافاة المتقدم بيانه.

32

الفعل الصادر بهذا العنوان (1) بلا اختيار.

إن قلت (2): إن القصد و العزم إنما يكون من مبادئ الاختيار، و هي ليست باختيارية؛ و إلا لتسلسل.

قلت (3):- مضافا إلى إن الاختيار و إن لم يكن بالاختيار، إلا إن بعض مباديه غالبا

____________

و أما إذا ترتب الاستحقاق على مجرّد القصد لم يلزم منافاة بين الاستحقاق و بين عدم اختيارية عنوان «معلوم الوجوب أو الحرمة» مثلا.

(1) أي: بعنوان أنه مقطوع حتى يقال: إنه «بلا اختيار»، و لا يصح العقاب على الأمر الغير الاختياري.

(2) و هذا الإشكال راجع على الجواب عن الإشكال السابق بتقريب: أنه لا بد أن يكون استحقاق العقوبة على نفس الفعل المتجرى به؛ لا على قصد العصيان كما قلتم في الجواب عن الإشكال المتقدم؛ لأن العقاب على قصد العصيان عقاب على أمر غير اختياري، فإن القصد يكون أمرا غير اختياريّ بتقريب: أن القصد من مبادئ الفعل الاختياري الذي يتوقف على العزم و الإرادة اللذين إن كانا اختياريين يجب أن يكونا مسبوقين بعزم و إرادة آخرين، فيلزم الدور أو التسلسل؛ إذ لو كانت الإرادة الثانية بالإرادة الأولى لزم الدور، و إن كانت بالإرادة الثالثة و الثالثة بالإرادة الرابعة إلى ما لا نهاية لزم التسلسل، و كلاهما باطل.

و إن كانت الإرادة الثانية اضطرارية: لكانت الإرادة الأولى أيضا اضطرارية؛ لأنهما مثلان و حكم الأمثال فيما يجوز و لا يجوز واحد، و لازم ذلك: أن يكون العقاب بالآخرة على أمر غير اختياري.

فالنتيجة: أنه لا يصح العقاب على القصد، كما في الجواب عن الإشكال.

(3) و قد أجاب المصنف عن الإشكال المزبور بوجهين: أحدهما: حلي، و الآخر:

نقضي.

و قد أشار إلى الوجه الأول بقوله: «مضافا». و حاصله:- على ما في «منتهى الدراية، ج 4، ص 50»- أن الاختيار و إن لم يكن بجميع مباديه اختياريا؛ لاستلزامه الدور أو التسلسل كما تقدم، إلا إنه لما كان بعض مباديه اختياريا صحّت إناطة الثواب و العقاب به، و توضيحه: إن ما يرد على القلب قبل صدور الفعل في الخارج أمور:

الأول: حديث النفس، و هو خطور العمل كشرب الخمر و يسمى بالخاطر.

الثاني: خطور فائدته.

33

يكون وجوده بالاختيار، للتمكن من عدمه بالتأمل فيما يترتب على ما عزم عليه من تبعة العقوبة و اللوم و المذمة- يمكن أن يقال: إن حسن المؤاخذة و العقوبة إنما يكون من تبعة بعده عن سيده بتجرّيه عليه كما كان من تبعته بالعصيان في صورة المصادفة، فكما أنه يوجب البعد عنه.

____________

الثالث: التصديق بترتب تلك الفائدة عليه.

الرابع: هيجان الرغبة إلى ذلك الفعل، و هو المسمى بالميل.

الخامس: الجزم و هو: حكم القلب بأن هذا الفعل مما ينبغي صدوره بدفع موانع وجوده أو رفعها عنه.

السادس: القصد، و قد يعبر عنه بالعزم و هو: الميل أعني: عقد القلب على إمضاء صدور الفعل.

السابع: أمر النفس و تحريكها للعضلات- التي هي عوامل النفس- نحو صدور الفعل.

إذا عرفت هذه الأمور السبعة فاعلم: أن الأربعة الأولى بالترتيب- أعني: حديث النفس، و تصور الفائدة، و التصديق بترتبها، و الميل- ليست باختيارية. و أما الجزم و القصد فهما من حيث الاختيار و الاضطرار مختلفان بحسب اختلاف حالات الإنسان في القدرة على الصرف و الفسخ بسبب التأمل فبما يترتب عليه من التبعات، و في عدم القدرة على الفسخ لشدة ميله إلى الفعل بحيث لا يلتفت إلى تبعاته، أو لا يعتني بها، و المؤاخذة تحسن على الاختياري منه دون الاضطراري.

و بالجملة: فالمتجري و المنقاد إنما يعاقب و يثاب على بعض مقدمات الاختيار من القصد و الجزم؛ لا على نفس العمل.

فالمراد من بعض مبادئ الاختيار في قوله: «بعض مباديه» هو الجزم و القصد و التصديق بالفائدة.

قوله: «يمكن أن يقال» إشارة إلى الوجه الثاني و هو الجواب النقضي.

و حاصله: يرجع إلى منع قبح استحقاق العقاب على ما لا يرجع إلى الاختيار.

و توضيح ذلك يتوقف على مقدمة و هي: أن استحقاق العقوبة تارة: يكون لأجل المعصية، و أخرى: لأجل بعد العبد عن مولاه الحقيقي و هو الله تعالى. و هذا البعد معلول للتجري كما هو معلول للمعصية الحقيقية.

إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم: أن حسن المؤاخذة في المعصية معلول للبعد الناشئ عن‏

34

كذلك (1) لا غرو في أن يوجب حسن العقوبة، فإنه و إن لم يكن باختياره، إلا إنه بسوء سريرته و خبث باطنه بحسب نقصانه و اقتضاء استعداده ذاتا و إمكانا.

____________

العصيان الذي لا يكون اختياريا؛ لأن العصيان عبارة عن المخالفة العمدية، و العمد ليس باختياري؛ بل الاختياري هو نفس المخالفة التي لا يترتب عليها استحقاق العقوبة؛ و إلا لكان يترتب عليها استحقاق العقوبة في موارد الأصول العملية.

فالحاصل: أن استحقاق العقوبة إنما هو من تبعات بعد العبد عن مولاه، و هذا البعد معلول للتجري كما هو معلول المعصية.

فالنتيجة: أن العقاب في كل من التجري و المعصية معلول للبعد الناشئ من إرادة المخالفة و الطغيان، و هي تنشأ من العزم المعلول للجزم الناشئ من الميل إلى القبح المعلول للشقاوة و هي سوء السريرة، المستند إلى ذات العبد، و من المعلوم: أن الذاتيات ضرورية الثبوت للذات، و بعد انتهاء الأمر إلى الذاتي ينقطع السؤال بلم، فلا يقال: «إن الكافر لما ذا اختار الكفر» و «لم اختار العاصي المعصية»، و كذا يقال في جانب الإطاعة و الإيمان، فإنّ كل ذلك لما كان منتهيا إلى الخصوصية الذاتية فلا مجال للسؤال عنه؛ لأنه مساوق للسؤال عن «أن الإنسان لم صار ناطقا و الحمار لم صار ناهقا»، فكما لا مجال لمثل هذا السؤال، فكذا في المقام لا مجال للسؤال عن اختيار الكفر و العصيان و الإطاعة و الإيمان، و تقدم بسط الكلام في الجزء الأول في بحث اتحاد الطلب و الإرادة فراجع.

قوله: «إن حسن المؤاخذة»: تقريب الجواب.

(1) أي: فكما أن التجري يوجب البعد عن السيد فكذلك «لا غرو ...» الخ، يعني:

لا عجب في أن يكون التجرّي موجبا لاستحقاق العقوبة و حسن المؤاخذة.

فالمتحصل من مجموع ما أفاده المصنف في المتن و حاشيته عليه: هو دفع الإشكال بوجهين:

أحدهما: النقض بالمعصية بمعنى: أن العقوبة في التجري كالعقوبة في المعصية من لوازم سوء السريرة الراجع على نقصان الذات الذي هو من الذاتيات التي لا تفارق الذوات، و ليس بالجعل؛ لعدم جعل تأليفي بين الشي‏ء و ذاتياته؛ كما تقدم في أوّل مباحث القطع، فليس العقاب على ارتكاب المعاصي للتشفي المستحيل في حقه «تبارك و تعالى»؛ بل لما يقتضيه ذات العاصي، و إذا انتهى الأمر إلى ذاتي الشي‏ء ارتفع الإشكال و انقطع السؤال بأنه لم اختار العاصي المعصية ...

و ثانيهما: الحل؛ لأن الاختيار و إن لم يكن بجميع مبادئه اختياريا إلا إنه اختياري و لو

35

و إذا انتهى الأمر إليه (1) يرتفع الإشكال و ينقطع السؤال بلم، فإن الذاتيات ضروري (2) الثبوت للذات، و بذلك (3) أيضا ينقطع السؤال عن أنه لم اختار الكافر و العاصي الكفر و العصيان و المطيع و المؤمن الإطاعة و الإيمان؟ فإنه يساوق السؤال عن أن الحمار لم يكون ناهقا و الإنسان لم يكون ناطقا (4)؟

____________

ببعض مباديه، و هذا المقدار يكفي في رفع الإشكال المذكور.

(1) أي: إلى الذاتي.

(2) الصواب: ضرورية الثبوت.

(3) أي: بانتهاء الأمر إلى النقصان الذاتي ينقطع السؤال أيضا بأن المؤمن و المطيع و العاصي و الكافر لم اختاروا الإيمان و الإطاعة و الكفر و العصيان؛ لانتفاء الأمر في الجميع إلى الكمال و النقصان الذاتيين اللذين لا ينفكان عن الذات؛ كناطقية الإنسان و ناهقية الحمار؛ و لكن هذا الكلام من المصنف «(قدس سره)» مناف لأصول مذهب أتباع أهل البيت القائلين بنفي الجبر و التفويض، و إثبات الأمر بين الأمرين.

(4) و في هامش «منتهى الدراية، ج 4، ص 54- 55»- ما لفظه:

«لا يخفى: أن مرجع ما ذكره دعويان لا يمكن الالتزام بشي‏ء منهما.

الأولى: إن الفعل الصادر تجريا ليس بعنوان كونه مقطوع الحرمة اختياريا؛ لأنه بهذا العنوان مغفول عنه.

الثانية: أن مناط استحقاق العقوبة- و هو العزم على التمرد و الطغيان- غير اختياري، لانتهائه إلى الشقاوة الذاتية التي لا تعلل.

و في كلتا الدعويين ما لا يخفى؛ إذ في الأولى: أن الملتفت إليه أولا و بالذات هو نفس القطع، و الالتفات إلى المقطوع به إنما يكون بواسطته، فالقطع كالنور في كونه هو المرئي أولا و بالذات و أن الأشياء ترى بسببه، و مع أصالته في إضاءة الأجسام كيف يغفل عنه؟ نعم؛ لا بأس بإنكار الالتفات التفصيلي غالبا؛ لكنه ليس إنكارا لأصل الالتفات و لو إجمالا، بل الالتفات التفصيلي في بعض الموارد كالأحكام الشرعية مما لا يقبل الإنكار.

و بالجملة: فالفعل المتجرى به من جهة مصداقيته لهتك حرمة المولى قبيح عقلا، و منع قبحه لعدم كونه بعنوان مقطوع الحرمة اختياريا، حيث إنه بهذا العنوان مغفول عنه غير سديد؛ لما مر آنفا.

و في الثانية: أن مناط استحقاق العقوبة هو نفس الفعل المتجرى به الذي هو فعل صادر

36

و بالجملة: تفاوت أفراد الإنسان في القرب منه تعالى و البعد عنه، سبب لاختلافها في استحقاق الجنّة و درجاتها و النار و دركاتها، و موجب لتفاوتها في نيل الشفاعة و عدم نيلها، و تفاوتها في ذلك بالآخرة يكون ذاتيا، و الذاتي لا يعلل.

و إن قلت: على هذا (1) فلا فائدة في بعث الرسل و إنزال الكتب و الوعظ و الإنذار.

قلت: ذلك (2) لينتفع به من حسن سريرته و طابت طينته لتكمل به نفسه، و يخلص مع ربه أنسه، ما كنّا لنهتدي لو لا أن هدانا الله، قال الله «تبارك و تعالى»:

____________

بإرادة الفاعل و اختياره؛ لما في نفسه من القيومية و القدرة على الفعل و الترك، فهذه الإرادة من أفعال النفس، و قائمة بها نحو قيام صدوري، فإن الله «تعالى شأنه» خلقها مختارة فيما تشاء من فعل شي‏ء أو تركه، و ليس المراد بالإرادة هنا هو الشوق المؤكد التي هي صفة نفسانية قائمة بها قياما حلوليا و خارجة عن الاختيار و منتهية إلى الشقاوة الذاتية.

و الحاصل: أن مناط اختيارية الفعل هو صدوره عن إرادة ناشئة من قيومية النفس التي هي بحسب خلقتها قادرة على الفعل و الترك، و متعلق التكاليف هو: الفعل الصادر عن هذه الإرادة؛ لا الإرادة المنتهية إلى الشقاوة الذاتية كما ذكره المصنف «(قدس سره)» و أوقع نفسه الشريفة في حيص و بيص، هذا.

مضافا إلى: «إن الإرادة المتوقفة على مباديها لا توجب خروج النفس عن قدرتها على كل من الفعل و الترك؛ بحيث يصدر الفعل قهرا كصدور الإحراق من النار، بل قيومية النفس باقية أيضا، غايته: أن هذه الإرادة تكون مرجحة للفعل على الترك، فتختاره النفس لأجلها على الترك، و قد لا تكون مرجحة له فلا تختاره، فهذه الإرادة- بعد تسليم كونها مرادة هنا- لا تسلب قدرة النفس و فاعليتها كما هو ظاهر».

(1) أي: على الذي ذكرتم من أن الكفر و العصيان و الإطاعة و الإيمان من تبعات الذات، «فلا فائدة في بعث الرسل ...» الخ؛ إذ المؤمن و المطيع يؤمن بنفسه و يطيع، كما أن النار تحرق بنفسها من غير حاجة إلى الإرشاد.

و بعبارة أخرى: يكون بعث الرسل و إنزال الكتب لغوا؛ إذ المفروض: ذاتية الخبث و الشقاوة، و الذاتي لا يزول و لا ينفك عن الذات، فلا يؤثر إرسال الرسل في ارتفاع الذاتي.

(2) أي: ما ذكر من بعث الرسل و إنزال الكتب لا يكون لغوا، بل تترتب عليه فائدتان: إحداهما: انتفاع من حسنت سريرته به، لتكمل به نفسه.

ثانيتهما: إتمام الحجة على من ساءت سريرته و خبثت طينته لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل؛ بل كان له الحجة البالغة؛ كما أشار إليه بقوله: «و ليكون حجة على‏

37

وَ ذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى‏ تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ‏ (*)

، و ليكون حجة على من ساءت سريرته و خبثت طينته ليهلك من هلك عن بيّنة و يحيى من حيّ عن بيّنة كيلا يكون للناس على الله حجة، بل كان له حجة بالغة.

و لا يخفى (1): أن في الآيات و الروايات، شهادة على صحة ما حكم به الوجدان‏

____________

من ساءت سريرته».

و يمكن أن يقال: بعدم ترتب الفائدة الثانية على بعث الرسل؛ إذ المفروض: كون الشقاوة ذاتية، و الذاتيات ضرورية الثبوت للذات، فيمتنع زوال الخبث الذاتي بإرسال الرسل، فتنحصر فائدة البعث في انتفاع المؤمن، و تلغو بالنسبة إلى الكافر و العاصي، و هذا مخالف لضرورة من الدين.

إلا أن يقال: إن المراد بالذاتي هو المقتضي لا العلة التامة، و من المعلوم: أن الأثر يترتب على المقتضي عند عدم المانع، و مع قدرة المكلف على إيجاد المانع ينتفع الكافر و الفاسق أيضا ببعث الرسل، فلا تلزم لغوية الفائدة الثانية.

[دلالة الآيات و الروايات على استحقاق المتجرّي للعقاب‏]

(1) أي: يشهد ما في الآيات و الروايات على صحة ما حكم به الوجدان من حرمة التجري و العقاب عليه- كحرمة المعصية و العقاب عليها- لوحدة المناط فيهما، و هذا الكلام من المصنف إشارة إلى ما أفاده الشيخ الأنصاري في الرسائل من حرمة التجري بالقصد إلى المعصية حيث قال: «نعم؛ لو كان التجري على المعصية بالقصد إلى المعصية فالمصرّح به في الأخبار الكثيرة العفو عنه؛ و إن كان يظهر من أخبار أخر العقاب على القصد أيضا ...» (1) الخ، و حاصل ما أفاده الشيخ «(قدس سره)» أن التجري على قسمين:

القسم الأول: هو التجري من حيث العمل.

القسم الثاني: هو التجري من حيث القصد، و هنا طائفتان من الأخبار، فالمصرّح به في طائفة منها: هو عدم العقاب؛ إذ يكون مضمون هذه الطائفة: أن من قصد المعصية ثم لم يفعل لا يعاقب على قصده، و من قصد ثم عصى يعاقب عقابا واحدا.

و طائفة منها تدل على عقاب التجري بالقصد. و يذكرها الشيخ «(قدس سره)» واحدا بعد واحد إلى أن يقول: و يؤيده قوله تعالى: وَ إِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ‏ (2) فلا بدّ أوّلا من ذكر هذه الطائفة من الأخبار مع توضيح دلالتها

____________

(*) الذاريات: 55.

(1) فرائد الأصول 1: 46.

(2) البقرة: 284.

38

على عقاب المتجري بالقصد، ثم توضيح تأييدها بجملة من الآيات.

فأما الأخبار التي يظهر منها العقاب على القصد فمنها: قوله «(صلى اللّه عليه و آله)» «نيّة الكافر شرّ من عمله» (1) فيقال في دلالة هذه الرواية على العقاب بالقصد: أن الشرّ من أفعل التفضيل يدل على الزيادة، فمعناها: أن الكافر يعاقب بالمعصية عملا، فإذا قصدها يعاقب بطريق أولى، لأن نيّته شرّ من عمله.

و منها: «إنما يحشر الناس على نياتهم» (2) إن خيرا فخيرا و إن شرا فشرا، فالنيّة توجب العقاب إن كانت شرا و الثواب إن كانت خيرا».

و منها: «ما ورد من تعليل خلود أهل النار في النار، و خلود أهل الجنة في الجنة، بعزم كل من الطائفتين على الثبات على ما كان عليه من المعصية و الطاعة لو خلدوا في الدنيا» (3)، فالكفار عزموا الدوام على ما فعلوه في الدنيا لو خلدوا فيها، و هذا العزم يوجب أن يكونوا مخلدين في النار.

و منها: ما ورد من أنه إذا التقى المسلمان بسيفهما «فالقاتل و المقتول في النار»، قيل: يا رسول الله، هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال «(صلى اللّه عليه و آله و سلم)»: «لأنه أراد قتل صاحبه» (4)، فالمقتول في النار لقصده القتل المحرم‏ (5). و نكتفي بهذا المقدار رعاية للاختصار.

فالحاصل من الجميع: أن قصد المعصية معصية. و أما الآيات المؤيّدة لهذه الأخبار فمنها:

قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ‏ (6).

وجه التأييد: أن العذاب على حبّ شي‏ء يؤيد العذاب على قصده، و لا يدل عليه لضعف القصد عن الحبّ.

و منها: قوله تعالى: وَ إِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ‏ (7)،

____________

(1) الكافي 2: 84/ 2، الوسائل 1: 5/ 95.

(2) المحاسن 1: 262/ 125، الكافي 5: 20/ جزء من ح 1، تهذيب الأحكام 6: 135/ جزء من ح 228، الوسائل 1: 48/ 87. (4) البقرة: 225.

(3) المحاسن 2: 330/ 94، الكافي 2: 85/ 5، علل الشرائع 2: 523/ 1، الوسائل 1: 5/ 96.

(4) علل الشرائع 2: 461/ 4، الوسائل 15: 148/ 20184، مسند أحمد 4: 401، صحيح البخاري 1: 13، صحيح مسلم 8: 170، كنز العمال 15: 26/ 39916.

(5) ذكر هذه الأمثلة الشيخ في فرائد الأصول 1: 45.

(6) النور: 19.

(7) البقرة: 284.

39

الحاكم على الإطلاق في باب الاستحقاق للعقوبة و المثوبة، و معه (1) لا حاجة إلى ما

____________

يعني: إن تبدوا ما في أنفسكم أي: تظهروه بالعمل، أو تخفوه يحاسبكم به الله، بتقريب: أنه من المحتمل أن يكون المراد من الموصول العموم فيشمل القصد، فيكون دليلا على المقام. و يحتمل أن يكون المراد منه خصوص الحسد أو الكفر مثلا فلا يرتبط بالمقام، فلذا يكون مؤيدا لا دليلا.

و منها: قوله تعالى: لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَ لكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ‏ (1).

فالحاصل: أن في الآيات و الروايات شهادة على صحة ما حكم به الوجدان من استحقاق المتجري للعقاب كاستحقاق العاصي له.

(1) أي: مع حكم الوجدان باستحقاق المتجري للعقاب كالعاصي، و شهادة الآيات و الروايات على صحة حكمه بذلك: «لا حاجة إلى ما استدل»، و المستدل هو: المحقق السبزواري في الذخيرة- على ما حكي- حيث استدل على استحقاق المتجري للعقاب كالعاصي؛ بالدليل العقلي الذي نقله الشيخ الأعظم عنه بقوله: «و قد يقرر دلالة العقل على ذلك بأنا إذا فرضنا ...» الخ.

قال المحقق السبزواري على ما في «الرسائل» (2): «بأنا إذا فرضنا شخصين قاطعين؛ بأن قطع أحدهما بكون مائع معيّن خمرا، و قطع الآخر بكون مائع آخر خمرا، فشرباهما فاتفق مصادفة أحدهما للواقع، و مخالفة الآخر»؛ بأن يكون أحد المائعين خمرا واقعا و الآخر خلا كذلك. و حينئذ: فإما أن يستحقا العقاب، أو لا يستحقاه كلاهما، أو يستحقه من صادف قطعه الواقع و هو شارب الخمر دون الآخر الذي هو شارب الخل مثلا «أو العكس»، أي:

يستحقه من لم يصادف قطعه الواقع و لا يستحقه من يصادف قطعه الواقع، و الصور منحصرة عقلا في أربع، لدوران الأمر بين النفي و الإثبات، «و لا سبيل إلى الثاني» عقلا و هو عدم استحقاقهما؛ لأن معناه: أن العاصي لا يعاقب، و عدم استحقاق من يشرب الخمر للعقاب مخالف لضرورة من الدين؛ بل هو تشجيع للعاصي على عصيانه.

و كذا لا سبيل إلى «الرابع» و هو: عدم استحقاق العقاب لمن شرب الخمر، و استحقاقه لمن شرب المائع باعتقاد أنه خمر، لأنه مستلزم لعقاب غير العاصي و عدم عقاب العاصي.

هذا مضافا إلى ما تقدم في الثاني من كونه مخالفا لضرورة من الدين، و تشجيعا للعاصي‏

____________

(1) البقرة: 225.

(2) فرائد الأصول 1: 38.

40

استدل على استحقاق المتجري للعقاب بما حاصله: أنه لولاه مع استحقاق العاصي له يلزم إناطة استحقاق العقوبة بما هو خارج عن الاختيار، من مصادفة قطعه الخارجة عن تحت قدرته و اختياره مع بطلانه و فساده؛ إذ (1) للخصم أن يقول: بأن استحقاق العاصي دونه (2) إنما هو لتحقق سبب الاستحقاق فيه (3) و هو (4) مخالفته عن عمد

____________

على عصيانه. و منافيا لمقتضى العدل و الحكمة.

و «الثالث»: و هو استحقاق من صادف قطعه الواقع للعقاب دون من لم يصادف قطعه الواقع، و هذا أيضا باطل؛ لاستلزامه العقاب بما هو خارج عن القدرة و الاختيار و هو المصادفة، و العقاب بأمر غير اختياري قبيح و مناف لمقتضى العدل، فالمتعين هو الأول و هو: أن كليهما يستحق العقاب، فتعيّن المصير إلى استحقاق كليهما له و هو المقصود.

و حاصل ما أفاده المصنف: أنه لا حاجة- مع حكم الوجدان و الآيات و الروايات باستحقاق المتجري للعقاب- إلى التشبّث بهذا الدليل العقلي الذي هو باطل في نفسه، كما سيأتي بيانه.

(1) تعليل لقوله: «بطلانه و فساده»، و هذا شروع في الجواب عن الدليل العقلي، و قد أجاب عنه بوجهين، أشار إلى أولهما بقوله: «إذ للخصم» و حاصله:- على ما في «منتهى الدراية، ج 4، ص 64»-: أنه يمكن الالتزام باستحقاق من صادف قطعه الواقع للعقاب دون من لم يصادف، يعني: أن العاصي يستحق العقوبة دون المتجري.

توضيحه: أن سبب استحقاق المؤاخذة مؤلف من أمرين:

أحدهما: قصد المخالفة و الطغيان عن علم و عمد.

و الآخر: مصادفة قطعة للواقع.

و الأول أمر اختياري، و الثاني غير اختياري، و لا ضير في استحقاقه للعقوبة؛ إذ الأمر غير الاختياري الذي يمتنع إناطة استحقاق العقاب به هو ما يكون بتمامه غير اختياري لا جزؤه، فإذا كان السبب مركبا من أمر اختياري و غيره فلا مانع منه، و من المعلوم: أن العلة في المعصية الحقيقية بكلا جزأيها متحققة؛ بخلاف التجري، فإن الجزء الثاني- و هو المصادفة- غير متحقق فيه، و إن كان عدم تحقق فيه خارجا عن اختياره، فلا وجه لاستحقاقه العقاب، و عدم العقاب على أمر غير اختياري- و هو عدم المصادفة للواقع- لا قبح فيه، فهذا الدليل العقلي قاصر عن إثبات استحقاق المتجري للعقاب.

(2) أي: دون المتجري.

(3) أي: دون المتجري.

(4) أي: سبب الاستحقاق مخالفة العاصي عن عمد و اختيار.

41

و اختيار، و عدم تحققه (1) فيه لعدم مخالفته (2) أصلا و لو بلا اختيار (3)؛ بل (4) عدم‏

____________

(1) أي: و عدم تحقق سبب الاستحقاق في المتجري إنما هو لعدم تحقق المخالفة.

(2) أي: المتجري، و هذا تعليل لعدم تحقق سبب الاستحقاق في المتجري.

و حاصله: أن المتجرى لا يستحق العقوبة؛ لعدم مخالفته أصلا، كما إذا شرب الخل باعتقاد كونه من المحرمات الشرعية، ثم تبين له أنه لم يكن حراما شرعا، فحينئذ: صدر منه فعل اختياري و هو شرب الخل بقصد كونه شرب الخمر؛ لكن ليس شربه له مخالفة لحكم المولى، لعدم ارتكابه للحرام و لو كان عدم مخالفته لتكليف المولى لأمر غير اختياري و هو خطأ قطعه.

(3) أي: لا باختيار و لا بغير اختيار، إذ المفروض: أنه شرب الخل فلم يشرب باختياره و لم يشربها بغير اختياره، فإنه لم يتحقق شرب الخمر أصلا حتى يقال: إنه باختيار أو بغير اختيار.

(4) عطف على قوله: «لعدم» و إضراب عنه، و هذا إشارة إلى الجواب الثاني عن الدليل العقلي المزبور، و حاصله: أن الدليل العقلي المذكور لما كان كان مورده صدور الفعل عن المتجري و استحقاق العقاب على الفعل، أراد أن يزيّفه بأنه أخص من المدعي؛ إذ قد يتفق عدم صدور فعل اختياري من المتجري حتى يقال بترتب استحقاق العقوبة عليه؛ و ذلك كما إذا اعتقد انطباق عنوان محرم كالخمر مثلا على مائع شخصي، فشربه بقصد الخمرية، ثم ظهر كونه خلا، فإن ما أراده من شرب الخمر لم يتحقق في الخارج كما هو المفروض، و ما تحقق في الخارج من شرب الخل لم يكن مقصودا له، فلم يصدر منه فعل اختياري، و هذا مطرد في الموضوعات دون الأحكام، فإذا شرب الخل بعنوان شرب الخل معتقدا بحرمته- و ظهر عدم حرمته- فإن شرب الخل فعل اختياري له.

و الفرق بين الجوابين: أن الأول: يجري في مطلق التجري، و الثاني: يختص بالشبهات الموضوعية؛ إذ المفروض: كونه متجريا في تطبيق الموضوع المعلوم الحرمة- كالخمر في المثال المذكور- على الخل، كما في «منتهى الدراية، ج 4، ص 66» مع تصرف منّا.

قوله: «كما في التجري بارتكاب ...» إلخ، إشارة إلى الخطأ في الموضوعات.

قوله: «فيحتاج إلى إثبات ...» الخ، إشارة إلى إثبات سببية المخالفة الاعتقادية لاستحقاق العقوبة؛ كالمخالفة الواقعية الاختيارية، يعني: بعد إثبات عدم صدور فعل اختياري في بعض أفراد التجري، فلا بدّ في الحكم باستحقاق العقوبة حينئذ من إثبات‏

42

صدور فعل منه في بعض أفراده بالاختيار؛ كما في التجري بارتكاب ما قطع أنّه من مصاديق الحرام، كما إذا قطع مثلا بأن مائعا خمر، مع أنه لم يكن بالخمر، فيحتاج إلى إثبات أن المخالفة الاعتقادية سبب كالواقعية الاختيارية، كما عرفت بما لا مزيد عليه.

ثم (1) لا يذهب عليك: أنه ليس في المعصية الحقيقية إلّا منشأ واحد لاستحقاق‏

____________

كون المخالفة الاعتقادية كالواقعية الاختيارية سببا لاستحقاق العقوبة، و هو أول الكلام في المقام، فالمتعيّن: الاستدلال بما ذكرناه من حكم الوجدان و شهادة الآيات و الروايات؛ لعدم تماميّة الدليل العقلي المذكور «كما عرفت»، يعني: عرفت حكم العقل بسببيّة المخالفة الاعتقادية كالواقعية لاستحقاق العقوبة مع شهادة الآيات و الروايات بذلك.

[كلام صاحب الفصول في تداخل العقابين و الرد عليه‏]

(1) إشارة إلى ردّ صاحب الفصول القائل بتداخل العقاب فيما إذا صادف التجري للمعصية الواقعية؛ بأن اجتمع التجري مع المعصية، فعلى القول بثبوت العقاب على التجرّي يقع الكلام في أنه هل يتعدد العقاب أو يتحد في مورد مصادفة التجري للمعصية. و المنسوب إلى صاحب الفصول: القول بوحدة العقاب بالتداخل، حيث قال في بعض كلماته: «إن التجري إذا صادف المعصية الواقعية تداخل عقابهما». و مقصوده من تصادف التجرّي مع المعصية الواقعية: أن يعتقد حرمة شي‏ء من جهة، ثم ينكشف حرمته من غير تلك الجهة، كما إذا اعتقد بخمرية مائع فشربه، ثم ظهر كونه مغصوبا لا خمرا، فيكون هذا الفعل تجريا بالنسبة إلى شرب الخمر، و معصية بالنسبة إلى الحرمة.

و بعبارة واضحة: القطع بالخمرية غير مصادف للواقع، فمخالفته يكون تجرّيا، و القطع بالحرمة مصادف للواقع فمخالفته معصية، فهنا عقابان: أحدهما: لكونه تجرّيا، و الآخر:

لكونه معصية؛ إلا إنهما يتداخلان بمعنى: وحدة العقاب مع تعدد السبب من باب التداخل.

و حاصل جواب المصنف: أنه لا وجه لتداخلهما على تقدير استحقاقهما؛ إذ المراد بالتداخل: إن كان اشتداد العقوبة فهذا ليس من التداخل؛ بل هو جمع بينهما، و إن كان المراد وحدة العقاب حقيقة: فلا وجه للالتزام بعقابين حتى نقع في محذور التداخل بأنّه كيف يسقط أحد العقابين عند اجتماع سببين. فالحق: وحدة العقاب لوحدة سببه كما يظهر من كلام المصنف، أو تعدد العقاب لتعدد سببه.

و على كل حال: لا وجه لتداخل العقابين.

توضيح بعض العبارات طبقا لما في «منتهى الدراية»:

43

العقوبة- و هو هتك واحد- فلا وجه لاستحقاق عقابين متداخلين كما توهّم، مع (1) ضرورة: أن المعصية الواحدة لا توجب إلا عقوبة واحدة، كما لا وجه لتداخلهما على تقدير استحقاقهما كما لا يخفى.

و لا منشأ لتوهمه (2) إلا بداهة: أنه ليس في معصية واحدة إلّا عقوبة واحدة، مع الغفلة (3) عن أن وحدة المسبب تكشف بنحو الإنّ عن وحدة السبب.

____________

قوله: «لا يذهب عليك أنه ليس ...» الخ. ردّ لكلام صاحب الفصول، و حاصل الردّ: أن منشأ استحقاق العقوبة في المعصية الحقيقية لما كان أمرا واحدا- و هو الهتك الواحد- فلا موجب لتعدد العقوبة، و على تقدير تعددها: لا وجه للتداخل، و لعل الداعي إلى الالتزام، بالتداخل هو الجمع بين حكم العقل باقتضاء تعدد السبب تعدد المسبب إذ كل من المعصية و التجري سبب مستقل لاستحقاق العقاب، و بين ما ادعي الإجماع و ضرورة المذهب عليه من وحدة العقاب في المعصية الحقيقية، فيجمع بالتداخل بين حكم العقل و بين الضرورة المزبورين.

(1) هذا ردّ آخر على الفصول القائل بتعدد العقاب، و حاصله: أنه كما أن المعصية الحقيقية ليس لها إلا منشأ واحد، فلا موجب لتعدد العقاب، كذلك قامت الضرورة على أن هذه المعصية الواحدة لا توجب إلا عقوبة واحدة، فلا موجب أيضا لتعدد العقاب.

(2) أي: لتوهم التداخل. و قوله: «إلا بداهة» إشارة إلى ما ذكرناه من دعوى الإجماع و ضرورة المذهب على وحدة العقاب في المعصية الحقيقية، فجعل صاحب الفصول وحدة العقوبة كاشفة عن تداخل المسبب أي: العقابين.

(3) هذا ردّ لما توهمه صاحب الفصول من كشف وحدة العقوبة المدعى عليها الإجماع و ضرورة المذهب عن تداخل العقابين، و حاصل الردّ: أنه لم لا يجعل وحدة المسبب كاشفة إنّا عن وحدة السبب، يعني: أن سبب الاستحقاق واحد لا تعدد فيه حتى نلتجئ إلى القول بتداخل المسبب أعني: العقابين.

خلاصة البحث مع رأي المصنف «(قدس سره)»

يتلخص البحث في أمور:

1- الغرض من هذا الأمر الثاني:

هو بيان حكم مخالفة القطع غير المصيب و حكم موافقته، و الأول يسمى تجريا و الثاني: انقيادا، فيقال إن الانقياد يوجب استحقاق الثواب، فهل التجري يوجب استحقاق العقاب أم لا؟

44

و قبل الخوض في البحث ينبغي بيان الفرق بين التجري و المعصية، و بين الانقياد و الطاعة.

و خلاصة الفرق: أن التجري هو مخالفة القطع غير المصادف للواقع، و المعصية مخالفة القطع المصادف للواقع، و كذلك الإطاعة موافقة القطع المصادف للواقع، و الانقياد موافقة القطع غير المصادف للواقع.

2- جهات بحث التجري: و هي ثلاث:

الأولى: أصولية حيث يبحث فيه عن أن التجري هل يوجب قبح الفعل المتجرى به فيترتب عليه الحكم بالحرمة، فيقع في طريق استنباط الحكم الشرعي.

الثانية: كلامية. حيث يبحث فيه عن استحقاق المتجرى للعقاب و عدم استحقاقه له.

الثالثة: فقهية حيث يبحث عن حرمة الفعل المتجرى به و عدمها.

3- حاصل كلام المصنف في التجري:

أنه يوجب استحقاق العقاب لانطباق عنوان الطغيان و التمرد عليه، فلا فرق بين المعصية و التجري في استحقاق العقوبة، و لازم ذلك: حجّية القطع و إن كان مخالفا للواقع، فيكون قبح التجري فعليا لا فاعليا؛ كما ذهب إليه الشيخ الأنصاري «(قدس سره)»، و الدليل على استحقاق عقاب المتجري: هو الوجدان، فإنه يشهد بصحة المؤاخذة على العزم على المخالفة، و عدم صحتها على مجرد سوء السريرة.

ثم التجري لا يغير ما عليه الفعل المتجرى به واقعا من الحكم و الصفة؛ إذ ليس القطع من الوجوه و الاعتبارات الموجبة للحسن و القبح عقلا.

هذا مع أن الفعل المتجرى به أو المنقاد به بما هو مقطوع الحرمة أو الوجوب لا يكون اختياريا، و الموجب للحسن و القبح لا يصح أن يكون إلا من الأمور الاختيارية.

4- و توهّم: عدم استحقاق العقوبة على الفعل المتجري به بما هو مقطوع الحرمة؛ لكونه غير اختياري، فينافي العقاب لما تقدم من كون المتجري مستحقا للعقوبة مدفوع:

بأنّ العقاب إنما هو على قصد المخالفة و الطغيان؛ لا على نفس الفعل المتجرى به.

5- و توهّم: أن القصد و العزم إنما يكون من مبادئ الاختيار و هي غير اختيارية، فيلزم أن يكون العقاب على العزم و القصد عقابا على أمر غير اختياري و هو باطل عند العدلية مدفوع بأحد وجهين:

الأول: أن بعض مبادئ الاختيار- كالقصد و العزم- يكون اختياريا فيصح أن يعاقب عليه.

45

الثاني: هو منع قبح استحقاق العقاب على ما لا يرجع إلى الاختيار، فإن حسن المؤاخذة على التجري معلول للبعد الناشئ من إرادة المخالفة و الطغيان، و هي تنشأ من العزم الناشئ من الجزم الناشئ من الميل إلى القبيح المعلول للشقاوة المستندة إلى الذات و الذاتي، ثم الذاتي لا يعلل، و بعد انتهاء الأمر إلى الذاتي ينقطع السؤال بلم، فلا يقال:

«لم اختار الكافر و المؤمن الإيمان»؟

6- توهّم لغوية إرسال الرسل و إنزال الكتب على ما ذكر؛ من كون الكفر و الإيمان من تبعات الذات فلا يتغير مدفوع بأحد وجهين:

الأول: انتفاع من حسنت سريرته بذلك لتكمل به نفسه.

الثاني: هو إتمام الحجة على من ساءت سريرته.

و يمكن أن يقال: إن المراد بالذاتي هو المقتضي لا العلة التامة، و المقتضي إنما يؤثر عند عدم المانع، و مع قدرة العبد على إيجاد المانع ينتفع الكافر و الفاسق أيضا ببعث الرسل و إنزال الكتب، فلا تلزم لغويتهما.

7- أن في الآيات و الروايات دلالة على عقاب التجري بالقصد. مثل قوله «(صلى اللّه عليه و آله و سلم)»: «نيّة الكافر شر من عمله»، حيث يدل على عقاب من قصد المعصية بالأولوية.

و مثل: ما ورد من قوله: «إنما يحشر الناس على نياتهم» إن خيرا فخيرا و إن شرا فشرا، حيث يدل على أن النيّة توجب العقاب إن كانت شرّا، و الثواب إن كانت خيرا.

و قوله تعالى: وَ إِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ‏ حيث إن المراد من الموصول: العموم فيشمل القصد.

8- قد عرفت حكم الوجدان باستحقاق التجري للعقاب، فلا حاجة معه إلى ما استدل به المحقق السبزواري من الدليل العقلي على عقاب المتجري.

إذ على تقدير عقاب العاصي دون المتجري: يلزم أن يكون العقاب لأمر خارج عن الاختيار أعني: المصادفة.

و هذا الاستدلال مما لا حاجة إليه مع حكم الوجدان، هذا مع الفرق بين التجري و المعصية بأن سبب العقاب و هو قصد المخالفة مع المصادفة موجود في المعصية دون‏

46

[الأمر الثالث: أقسام القطع‏]

الأمر الثالث (1): إنه قد عرفت أن القطع بالتكليف أخطأ أو أصاب، يوجب عقلا استحقاق المدح و الثواب، أو الذّم و العقاب، من دون أن يؤخذ شرعا في خطاب.

____________

التجري؛ لانتفاء المصادفة فيه.

9-

تداخل عقابين عند مصادفة التجري مع المعصية الواقعية:

كما نسب إلى صاحب الفصول، و مقصوده من تصادف التجري مع المعصية: هو اعتقاد حرمة مائع بعنوان كونه خمرا ثم ظهر كونه مغصوبا فهو معصية بالنسبة إلى اعتقاد الحرمة، و تجري بالنسبة إلى اعتقاد الخمرية.

و حاصل جواب المصنف: أنه لا وجه لاستحقاق عقابين متداخلين بعد اتحاد المنشأ و هو هتك واحد، و على تقدير استحقاق عقابين لا وجه لتداخلهما أصلا.

10-

رأي المصنف «(قدس سره)»:

1. أن التجري يوجب استحقاق العقوبة كالمعصية.

2. إن القطع ليس من العناوين المحسنة أو المقبحة.

3. عدم تداخل العقاب عند مصادفة التجري مع المعصية؛ إذ ليس هناك إلا سبب واحد و هو هتك المولى.

و على فرض تعدد السبب فلا بدّ من الالتزام بعقابين.

4. أن مسألة التجري من المسائل الكلامية يبحث فيها عن استحقاق المتجري للعقاب؛ لا الأصولية و لا الفقهية.

[القطع الموضوعي و أقسامه الأربعة و الفرق بين هذه الأقسام‏]

(1) المقصود من عقد هذا الأمر الثالث بيان أمرين:

أحدهما: أقسام القطع.

و الآخر: قيام الأمارات الظنيّة المعتبرة، بل و بعض الأصول مقام بعض أقسام القطع.

و أما أقسام القطع: فهي خمسة.

و حاصل الكلام في توضيح تلك الأقسام: أن القطع إما طريقي محض بمعنى: عدم دخله في متعلقه دخلا موضوعيا، سواء كان متعلقه موضوعا خارجيا كالقطع بخمرية مائع مثلا، أم حكما شرعيا تكليفيا كالقطع بوجوب صلاة الجمعة، و حرمة الغيبة. أو وضعيا؛ كالقطع بصحة الصلاة مع الطهارة الظاهرية مثلا.

و أما موضوعي؛ بأن يكون تمام الموضوع أو جزءه، و على كلا التقديرين: إمّا أن يؤخذ على وجه الصفتية أي: بلحاظ كونه صفة قائمة بالقاطع أو المقطوع به و إما على وجه الطريقية. فأقسام القطع الموضوعي أربعة، و بعد ضم القطع الطريقي المحض إليها يصير

47

المجموع خمسة.

ثم إن هذه الأقسام الخمسة المذكورة في القطع تجري في الظن أيضا حرفا بحرف كما في «الرسائل».

و أما الفرق بين أقسام القطع الموضوعي فيتلخّص في جهتين:

الأولى: الفرق بين ما يؤخذ على نحو الصفتية، و ما يؤخذ على وجه الطريقية.

الثانية: الفرق بين ما يؤخذ تمام الموضوع و ما يؤخذ جزؤه.

و أما الفرق من الجهة الأولى: فلأن معنى أخذ القطع في الموضوع بعنوان الصفتية أنه يؤخذ في الموضوع باعتبار وجوده الخاص الذي هو من مقولة الكيف النفساني، و معنى أخذه بعنوان الطريقية: أنه يؤخذ فيه باعتبار كونه طريقا إلى ما تعلق به و كاشفا عنه.

و أما الفرق من الجهة الثانية: فلأن لازم القطع تمام الموضوع هو تحقق الحكم حين وجود القطع لتحقق موضوعه، من دون فرق بين كون القطع مطابقا للواقع أو غير مطابق له؛ لأن الموضوع هو نفس القطع من دون دخالة الواقع في ثبوت الحكم أصلا؛ كالقطع المأخوذ في موضوع جواز الاقتداء بالعادل، فيجوز الاقتداء عند القطع بالعدالة؛ و إن لم يكن الإمام عادلا في الواقع، فإذا انكشف الخلاف لا يجب عليه القضاء.

هذا بخلاف القطع المأخوذ في الموضوع على وجه الجزئية، حيث يكون معناه أن القطع أحد جزءي الموضوع، و جزؤه الآخر هو الواقع، فيكون لازمه ثبوت كلا الأمرين- في ثبوت الحكم- أي: القطع و الواقع معا.

فإذا لم يكن مطابقا للواقع ينتفي الحكم؛ إذ يكفي في انتفاء الحكم انتفاء جزء الموضوع، و مثال ذلك: هو القطع المأخوذ في موضوع جواز الطلاق عند العدلين، فلا بد للمطلق أن يقطع بالعدالة، و يكون قطعه مطابقا للواقع. هذا تمام الكلام في الأمر الأوّل أعني: بيان أقسام القطع كما أشار إليه بقوله: «و قد يؤخذ في موضوع حكم آخر يخالف متعلقه»؛ كما إذا قال: «إذا علمت بوجوب الصلاة وجب عليك التصدق»، حيث إن العلم بوجوب الصلاة أخذ في موضوع حكم آخر و هو وجوب التصدق يعني: قد أخذ القطع- في المثال المزبور- موضوعا لحكم غير الحكم الذي تعلق به القطع و هو وجوب الصلاة. و هذا الحكم الذي تعلق به القطع مخالف للحكم الآخر الذي أخذ القطع في موضوعه لا يماثله و لا يضاده، فأما عدم المماثلة: لتغاير الحكمين من حيث المتعلق. و أما عدم المضادة: فلأن ضد الوجوب هو الحرمة لا الوجوب.

48

نعم؛ إذا قيل: إذا علمت بوجوب الصلاة حرمت عليك الصلاة كان من اجتماع الضدين. و كيف كان؛ فهذا تمام الكلام في الأمر الأول.

و أما الأمر الثاني:- و هو قيام الأمارات مقام بعض أقسام القطع- فسيأتي تفصيل الكلام في قوله: «ثم لا ريب في قيام الطرق و الأمارات المعتبرة بدليل حجيتها».

و حاصل الكلام فيه: أنه لما كان القطع طريقا محضا، و موضوعيا على نحو الطريقية و موضوعيا على نحو الصفتية جعل المصنف «(قدس سره)» البحث عن قيام الأمارات مقام القطع في مقامات ثلاثة:

أحدها: قيام الأمارات مقام القطع الطريقي المحض.

ثانيها: عدم قيامها مقام القطع الموضوعي على وجه الصفتية.

ثالثها: عدم قيامها مقام القطع الموضوعي على وجه الكشف و الطريقية.

و جعل البحث عن قيام الأصول مقامه في مقام واحد، و هو عدم قيام الأصول مقام القطع مطلقا حتى الطريقي المحض عدا الاستصحاب، كما سيأتي. فالمقامات أربعة.

و قبل الخوض في البحث لا بد من بيان محل الكلام في قيام الأمارات مقام القطع الطريقي المحض فنقول: إن محل الكلام هو قيام الأمارات مقام القطع هو قيامها مقامه بنفس الأدلة الدالة على اعتبارها، إذ لا كلام في قيامها مقامه بالدليل الخاص. فيقع الكلام في أن الأمارات بنفس الأدلة الدالة على اعتبارها هل تقوم مقام القطع أم لا؟

إذا عرفت محل الكلام فاعلم: أنه لا ريب في قيام الأمارات مقام القطع الطريقي المحض؛ لأن مفاد أدلة اعتبارها هو إلغاء احتمال مخالفتها للواقع، فتنزل الأمارات بعد إلغاء احتمال الخلاف بأدلة الاعتبار بمنزلة القطع و العلم، فيترتب عليها ما يترتب عليه من الحكم العقلي- و هو التنجيز في صورة الإصابة، و التعذير عند الخطأ؛ لأن المراد بقيامها مقامه هو ترتب أثره عليها.

و عليه: فمقتضى أدلة اعتبار الأمارات- سواء كان مفادها جعل الحكم التكليفي و هو وجوب العمل على طبق الأمارة كما عن الشيخ الأنصاري «(قدس سره)»، أم جعل الحجية كما يظهر من المصنف «(قدس سره)»- هو قيام الأمارات مقام القطع الطريقي المحض؛ لأن البناء على كون الأمارة طريقا محرزا للواقع يقتضي تنجيز مؤداها مع الإصابة، و التعذير عند الخطأ، و إلا فلا معنى لحجيّة الأمارات، فترتب أثر القطع- و هو الحجية- بمعنى:

التنجيز و التعذير على الأمارات المعتبرة مما لا بد منه، و هذا مما لا ينبغي إطالة الكلام فيه.

49

و قد يؤخذ في موضوع حكم آخر يخالف متعلقه لا يماثله و لا يضاده؛ كما إذا ورد مثلا في الخطاب: أنه (إذا قطعت بوجوب شي‏ء يجب عليك التصدق بكذا)، تارة بنحو: يكون تمام الموضوع بأن يكون القطع بالوجوب مطلقا و لو أخطأ موجبا لذلك، و أخرى: بنحو يكون جزءه و قيده؛ بأن يكون القطع به في خصوص ما أصاب موجبا

____________

هذا تمام الكلام في المقام الأول.

[عدم قيام الأمارات مقام القطع الموضوعي مطلقا]

و أما المقام الثاني:- و هو عدم قيام الأمارات مقام القطع الموضوع المأخوذ على نحو الصفتية- فلأن مفاد دليل اعتبار الأمارة هو ترتيب آثار القطع بما أنه كاشف و طريق على الأمارة؛ إذ قد عرفت: أن تلك الآثار مترتبة على القطع بلحاظ كشفه عن الواقع؛ لأنه بهذا اللحاظ منجّز للواقع مع الإصابة، و معذر مع الخطأ، و لا تترتب الآثار على القطع بلحاظ صفة من الصفات النفسانية، ضرورة: أنه بهذا اللحاظ يكون كسائر الصفات النفسانية؛ كالشجاعة و السخاوة و العدالة في أجنبية الحجية المتقومة بالكشف؛ إذ الأدلة الدالة على اعتبار الأمارات لا تجعلها صفة القطع؛ بل تجعلها كالقطع في الطريقية. نعم؛ يمكن قيام الأمارات مقام القطع الموضوعي على نحو الصفتية بالدليل الخاص و هو خارج عن محل الكلام؛ فقيام الأمارات مقام القطع الموضوعي الملحوظ صفة منوطة بدليل آخر غير الأدلة العامة الدالة على حجيّة الأمارات.

و أما المقام الثالث:- و هو عدم قيام الأمارات بمجرد أدلة اعتبارها مقام القطع المأخوذ في الموضوع على وجه الطريقية- فلأن أدلة اعتبار الأمارات لا تثبت لها أزيد من كونها كالقطع في الكشف عن الواقع حكما كان أم موضوعا، فإذا كان للقطع حيثية أخرى غير الكشف و الطريقية- ككونه مأخوذا في موضوع الحكم على وجه الطريقية- فأدلة اعتبارها قاصرة عن إثبات هذه الحيثية لها، فقيام الأمارات مقام القطع الموضوعي الطريقي كقيامها مقام القطع الموضوعي الصفتي في عدم ثبوته بنفس أدلة اعتبارها.

و أما خلاصة الكلام في المقام الرابع: و هو قيام الأصول مقام القطع، فما عدا الاستصحاب من الأصول العملية لا يقوم مقام القطع الطريقي المحض؛ لأن مفاد هذه الأصول ليس إلا وظائف للجاهل بالأحكام، فموضوع هذه الأصول هو الجهل بالأحكام، فلا وجه لقيامها مقامه؛ إذ مع الجهل لا نظر لها إلى الأحكام الواقعية أصلا، و مع عدم النظر إليها كيف يعقل ترتيب أثر الطريقية إلى الواقع- من التنجيز و التعذير- على الأصول؟

هذا تمام الكلام في المقامات الأربعة.

50

له، و في كل منهما يؤخذ طورا بما هو كاشف و حاك عن متعلقه و آخر بما هو صفة خاصة للقاطع أو المقطوع به، و ذلك (1) لأن القطع لما كان من الصفات الحقيقية ذات الإضافة (2)- و لذا كان العلم نورا لنفسه و نورا لغيره- صح أن يؤخذ فيه بما هو صفة خاصة و حالة مخصوصة، بإلغاء (3) جهة كشفه، أو اعتبار (4) خصوصية أخرى (5) فيه‏

____________

توضيح بعض العبارات طبقا لما في «منتهى الدراية».

(1) أي: الأخذ بأحد النحوين، و غرضه بيان وجه انقسام القطع إلى الطريقي و الصفتي و قد عرفت توضيح كلا النحوين.

(2) أي: الصفات المتأصلة التي تحتاج في تحققها إلى طرف آخر كالعلم و القدرة المضافين إلى المعلوم و المقدور، في قبال الصفات الحقيقية المحضة و هي الصفات المتأصلة القائمة بالنفس التي لا تحتاج في تحققها إلى إضافتها إلى شي‏ء آخر؛ كالشجاعة و الحياة و القوة، و في قبال الصفات الانتزاعية؛ كالفوقية و التحتية و نحوهما التي لا وجود لها في الخارج، و إنما الوجود لمنشا انتزاعها، «و لذا كان العلم نورا لنفسه ...» الخ. أي: و لكون القطع من الصفات الحقيقية ذات الإضافة «كان العلم ...» الخ فيكون العلم من الحقائق الموجودة الخارجية.

قوله: «نورا لغيره» إشارة إلى كون العلم كاشفا عن غيره و هو متعلق العلم، فيكون قوله: «نورا» بمعنى: «منورا لغيره».

قوله: «صح» جواب «لما» في قوله «لما كان ...» الخ.

(3) متعلق بقوله: «يؤخذ»، و المراد بإلغاء جهة كشفه عدم لحاظها، و إلا فالكاشفية ذاتية للعلم، فكيف يعقل إلغاؤها و سلبها عنه؟ فكان الأولى أن يقول: «بلا لحاظ جهة كشفه».

(4) معطوف على «إلغاء»، و حق العبارة أن تكون هكذا: «مع اعتبار خصوصية أخرى فيه معها أو بدونه»؛ إذ المقصود: كون القطع مأخوذا في الموضوع بما أنه صفة؛ لا بما أنه كاشف، غاية الأمر: أنه قد يلاحظ مع صفتية القطع خصوصية أخرى؛ مثل: تقييد القطع بسبب خاص أو شخص مخصوص.

(5) كاعتبار كون العلم ناشئا من سبب خاص، كما قيل: إن جواز تقليد العالم موضوعه العالم بالأحكام الشرعية عن الأدلة المعروفة؛ لا من كل سبب، أو اعتبار شخص خاص؛ ككون العالم بالأحكام الذي يجوز تقليده خصوص الإمامي لا غيره.

و الضمير في «معها» راجع إلى صفتية القطع.

51

معها، كما صح أن يؤخذ بما هو كاشف عن متعلقه و حاك عنه، فتكون أقسامه أربعة.

مضافا إلى ما هو طريق محض (1) عقلا غير مأخوذ في الموضوع شرعا.

____________

و قوله: «كما صح أن يؤخذ» إشارة إلى القطع المأخوذ في الموضوع على نحو الكشف و الطريقية لا الصفتية، و لو قال: «و صح أن يؤخذ» ليكون عطفا على قوله: «صحّ» كان أولى؛ لأن أخذ القطع على وجه الصفتية و الكاشفية مترتب على قوله: «لما كان من الصفات الحقيقية ...» الخ.

(1) إشارة إلى القسم الأول أعني: القطع الطريقي المحض، فيصير المجموع خمسة أقسام.

ثم ظاهر كلام المصنف «(قدس سره)» هو: إمكان جميع الأقسام المتصورة في القطع الموضوعي من دون محذور.

إلا إنه يظهر من المحقق النائيني «(قدس سره)» امتناع أخذ القطع تمام الموضوع على وجه الطريقية.

و ملخص ما أفاده في وجه الامتناع: هو أن أخذه تمام الموضوع على وجه الطريقية مستلزم للجمع بين متنافيين؛ و ذلك فإن معنى أخذه في الموضوع على وجه الطريقية أن لثبوت الواقع المنكشف دخلا في تحقق الحكم، و معنى كونه تمام الموضوع: عدم دخل الواقع في تحقق الحكم؛ بل الحكم يترتب على القطع سواء كان هناك واقع أم لم يكن، و ليس هذا إلا الجمع بين المتناقضين.

و بعبارة أخرى: أن أخذه تمام الموضوع على وجه الطريقية يستدعي لحاظ الواقع، و يكون النظر إليه في الحقيقة، و كونه تمام الموضوع يقتضي عدم لحاظ الواقع أصلا، و ليس هذا إلا الجمع بين المتناقضين. و يمكن أن يقال: إن هذا المحذور لا يختص بأخذ القطع تمام الموضوع على نحو الطريقية؛ بل يلزم على تقدير أخذه جزء الموضوع على نحو الطريقية لاستلزامه أيضا الجمع بين اللحاظين الآلي و الاستقلالي؛ إذ لحاظ القطع نظرا إلى كونه جزء الموضوع استقلالي، و نظرا إلى كونه طريقا إلى الواقع آلي. فتدبر. و هذا يرجع إلى النقض فيكون جوابا نقضيا عن المحذور المذكور.

و هناك جواب آخر بالحل توضيحه: أن مورد امتناع اجتماع اللحاظين مصداق العلم و هو العلم الخارجي المتعلق بالأشياء لا مفهومه، فإن القاطع بخمرية مائع لا يرى إلا ذلك المقطوع به مع الغفلة عن قطعه، فضلا عن لحاظه استقلالا، نظير الناظر في المرآة لرؤية وجهه، فإنه لا يلتفت في هذا النظر إلى نفس المرآة هذا في مصداق العلم الذي لا شأن‏

52

له إلا إراءة الواقع و رفع الحجاب عنه.

و أما مفهوم العلم: فهو قابل لاجتماع اللحاظين فيه؛ بأن يجعل مفهومه- و هو الاعتقاد الجازم المطابق للواقع الكاشف عنه كشفا تاما- موضوعا لحكم من الأحكام، إذ لا مانع من أن يلاحظه الحاكم مع هذا الكشف التام موضوعا لجواز الشهادة مثلا، فوقع الخلط بين المفهوم و المصداق.

و عليه: فما عن المشهور من انقسام القطع الموضوعي إلى أقسام أربعة لا يخلو من وجه، كما في «منتهى الدراية، ج 4، ص 83».

ثم الاحتمالات و الصور المتصورة في القطع المأخوذ في الموضوع هي: اثنتان و ثلاثون صورة؛ و ذلك إن القطع الموضوعي على أربعة أقسام، و على جميع هذه الصور قد يكون ما يتعلق به القطع موضوعا و قد يكون حكما.

ثم صور تعلق القطع بالموضوع هي أربعة بمعنى: أن القطع قد يؤخذ في موضوع حكم متعلقه، و قد يؤخذ في موضوع مثل حكم متعلقه، و قد يؤخذ في موضوع ضد حكم متعلقه، و قد يؤخذ في موضوع مخالف حكم متعلقه. و حاصل ضرب الأربعة في الأربعة هي ستة عشرة صورة. و كذلك ما إذا كان متعلق القطع حكما، فقد يؤخذ في موضوع نفس حكم متعلقه، و قد يؤخذ في موضوع مثل حكم متعلقه، و قد يؤخذ في موضوع ضد حكم متعلقه، و قد يؤخذ في موضوع مخالف حكم متعلقه. فحاصل ضرب الأربعة في الأربعة هي ستة عشرة صورة.

فهناك ثمانية جداول أربعة منها جداول تعلق القطع بالموضوع، و أربعة منها جداول تعلق القطع بالحكم و عليك بالجداول.

53

[في جداول أقسام القطع‏]

الجدول الأوّل في كون متعلق القطع موضوعا

54

الجدول الثاني في كون متعلق القطع موضوعا

55

الجدول الثالث في كون متعلق القطع موضوعا

56

الجدول الرابع في كون متعلق القطع موضوعا

57

الجدول الأوّل في كون متعلق القطع حكما

58

الجدول الثاني في كون متعلق القطع حكما